كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
رقبته، فإن قلنا: الاعتبار بحصول الانفصال، فلا نوجب على [الذي قتل] 1 القصاص والدية الكامل.
وإن بنينا على التيقن، أوجبنا القصاص عليه، إذا كانت الحياة [مستقرّة] 2.
[ومن] 3 الصور المرتبة على ما قدمنا أنه إذا قدّ امرأةً حاملاً بنصفين، ومر السيف على الجنين وقدّه في الرحم، وبدا ذلك لنا، ولم ينفصل، فمن اعتبر الانفصال، لم يوجب بسببه [الغرة] 4، ومن اعتبر [الاستيقان] 5 أوجب 6 فهذه المسائل كلها مدارة على طلب اليقين في طريقة واشتراط الانفصال في طريقة 7.
فصل
قال: "ولو خرج حياً لأقل من ستة أشهر ... إلى آخره" 8.
10857 - إذا جنى على امرأة حامل، وانفصل الجنين حيّاً وعليه أثر الجناية، ومات، فتجب الدية الكامل على الجاني، ولا فرق بين أن يكون انفصاله [لزمن يعيش] 9 الولد إذا انفصل في مثله كالستة الأشهر، [فأكثر] 10، وبين أن يكون انفصاله لزمنٍ يقول القوابل: لا [يعيش] 11 الولد بمثله.
واعترض المزني وقال: " هذا عندي سقَطَ [من الكاتب] " 1، والوجه 2 ألا نوجب إلا غرة؛ فإن هذه الحياة فانية لا حكم لها، والجاني يلتزم الغرة لمنع الحياة المستقرة 3.
وقد أجمع أصحابنا على مخالفته؛ فإن الحياة إذا ثبتت [فالنظر] 4 إلى أنها تبقى لهذا الزمن أم لا تبقى- كلامٌ عريّ عن مأخذ الفقه، لا مستند له من تحقيق، وفي لفظ [السواد تردد] 5، ونحن نذكره على وجهه، ونذكر القدر الذي يقع الاستقلال في شأنه.
قال الشافعي: "لو خرج حيّاً لأقلّ من ستة أشهر وكان في حال لم يتم لمثله حياةٌ [قط] 6، ففيه الدية تامة" أما الكلام الذي ذكره، فمصرح بوجوب الدية، وإن قيل: لا يتم للجنين في مثل تلك المدة حياة.
وقولُه بعده: "وإن كان في حال يتم فيه لأحد من [الأجنة حياة] 7، ففيه الدية" 8 [فوافق] 9 الكلامَ الأول.
وحاصل الكلامين أن الدية تجب سواء انفصل لمدة تتمّ في مثلها [الحياة] 10، أو انفصل في مدة لا يتم في مثلها الحياة، فوقع الكلامان من غير رابط، [مصرّحَيْن] 11 بالتسوية [ولا مِرْية] 12
فيه، فإنه رضي الله عنه ذكر القسمين، وحكم [فيهما] 1 بحكم واحد، فاقتضى ذلك التسوية.
واستدل المزني بمفهوم الكلام الأخير، وقال: لما قال: "إن كان في حال يتم فيه لأحدٍ من الأجنّة حياة، ففيه الدية" فمفهومه أنه إذا كان لا يتم في مثله الحياة لا تجب الدية.
ولا معنى لهذا التَّطريق، وصَدْرُ الكلام صريح في إيجاب الدية، [وإن] 2 كانت الحياة لا تتم، [فما الذي يُطرِّقُ] 3 إلى الكلامين خروجهما عن صيغة التسوية مع اشتمالهما على مقصود التسوية؟
10858 - ثم استكمل أصحابنا الكلام في ذلك، فقالوا: إذا جنى جانٍ، فأسقطت المرأة جنيناً [حيّاً] 4 عليه أثر الجناية، ثم مات، وظهر انتساب موته إلى الجناية، وجب دية كاملة على عاقلة الجاني.
ولو كانت المسألة بحالها، فانفصل الجنين حيّاً، فابتدره إنسان وقتله، نُظر: فإن كانت الحياة مستقرة، وجب على القاتل القصاص، أو الدية الكاملة؛ فإن الذي صدر منه عمدٌ محضٌ.
وإن انفصل وهو في حركة المذبوح، وعليه أثر الجناية، فابتدره إنسان وحزّ رقبتَه، فلا شيء على هذا الثاني، والدية بكمالها على عاقلة الجاني الأول، والذي هو في حركة المذبوح في حكم الميت، وقد قدمنا استقصاء هذا في كتاب الجراح.
ولو كان في الجنين المنفصل حياة مستقرة، وأوجبنا القصاص على من قتله، فهل نوجب على الجاني حكومة؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: يجب عليه الحكومة، كما لو جرح إنساناً جرحَ حكومة، فجاء آخر، فاحتز رقبته، فعلى الجارح حكومة.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب على الجاني شيء، فإنه لم يتحقق [من] 1 جنايته على الجنين أثر للجناية.
قلنا: نعم، ولكن لا مطلع على اتصال الجناية به، ولا أثر يوجد عليه، ويمكن تقديره من جهة الخلقة أو بسبب آخر، غير أنا إذا لم نجد من نحيل عليه، فلا سبيل إلى التعطيل.
10859 - ومما يتعلق بتمام القول في ذلك أن الجنين لو انفصل حياً، ولم تفرض جناية من جانٍ، فلو ابتدره إنسان وحز رقبته، فإن كانت فيه حياة مستقرة، فلا شك في وجوب القصاص على القاتل.
وإن كان في مثل حركة المذبوح، فاحتز إنسان رقبته، ولم تتقدم جناية، فيجب القصاص أيضاًً، وهو بمثابة ما لو حز رقبة إنسان مشرفٍ على الموت [واقعٍ في السكرات] 2 وقد تقدم ذلك كله.
والغرض الذي يجب التنبه له في هذا المقدار أن خروجه لدى الولادة وما يلقَى من عُسر في [الانفلات] 3 والانفصال، والحملُ كجناية متقدمة مفضية إلى [الهلاك 4.
10860 - ولو جنى على حربية حاملٍ، ثم أسلمت، وألقت بجنينٍ بلا] 5 حراك، فإن الذي عليه مجرى الظنون أنه مباح الدم، وقد ذكرنا في ذلك خلافاً بعيداً، حيث ذكرنا هذه المسائل أوائلَ الجراح، فالتفريع الآن على أن الضمان لا يجب على الجارح.
فلو رمى إلى حربي، فأسلم الحربي، وأصابه السهمُ مسلماً، ففي وجوب الضمن وجهان- على قولنا: لو جَرحَ الحربيَّ ثم أسلم، ومات لا يضمنه، وسبب الاختلاف أن [الرَّمْي] 1 إنما يصير جناية عند مصادفة السهم المجني عليه، ولقد كان مسلماً إذ ذاك، وليس كذلك إذا وقع الجرح بالحربي، ثم فرض الإسلام من بعدُ.
وإذا تبين ما ذكرناه في [الرّمْي] (1) والجرح، عدنا إلى جرح الحربية الحامل وإفضاء الجرح إلى الإجهاض بعد إسلام الحامل 2، وجريان الحكم للجنين بالإسلام تبعاً، فمن أصحابنا من أهدر الجنين، فإن الجراحة وقعت بالحربية وهي مهدرة، فصار كسريان الجراحة الواقعة بالحربي إلى روحه، فالسريان إلى الجنين كالسريان إلى روح المجروح.
ومن أصحابنا من جعل الجناية المتصلة بالأم في حق الجنين بمثابة [الرمي] (1)، وقد ذكرنا في [الرمي] (1) إذا جرى في حالة الإهدار [وحدوث] 3 الإصابة في حالة الضمان وجهين، فرجع حاصل الكلام إلى تردد الأصحاب في إلحاق هذه المسألة في حق الجنين بالجراحة أو بالرمي، كما قدمنا 4، والأصحُّ انتفاء الضمان.
ولو جرح مرتدة حاملاً، فإن كان ولدها مسلماً، فألقته بالجناية، وجب الضمان إذا كان مسلماً حالة الجناية.
10861 - وإن كانت علقت بولدها من مرتد، ففي ولد المرتدة من مرتد قولان: أحدهما - أنه مسلم، فإنه جرت الجناية والجنين مسلم، فيجب الضمان، ولا حاجة إلى تصور إسلام المرتدة قبل الإجهاض، فإن قلنا: ولد المرتدة من المرتد مرتد، فإذا
ضُربت حتى أَجْهَضَت جنينها، فلا ضمان، فإن أسلمت ويثبت الإسلام للولد تبعاً، كانت كالحربية الحامل إذا اتصلت [الجناية] 1 بها وأسلمت، ثم ألقت، وقد مضى تردد الأصحاب فيها.
فصل
"ويغرَمها من يغرَم ديةَ الخطأ ... إلى آخره" 2.
10863 - والمراد أن بدل الجنين مضروب على العاقلة أبداً، فإنه ترتب وجوبه على خطأ أو شبه عمد، ولا يتصور اعتماد الجنين بالجناية عليه، فإن قيل: لم لا يتصور ذلك؟ قلنا: لأن حياة الجنين غير معلومة في الأصل، بل وجوده غير معلوم، ثم ليس مباشراً بالجناية، فاتفق العلماء على أن العمد المحض لا يتصور فيه.
ثم إن كان الواجب غرة، فهي مضروبة على العاقلة، وقد تقدم أنها مضروبة عليهم في سنة أو سنتين، والذي جدده الشافعي في هذا الفصل أن قال: إذا كانت أعداد العاقلة وافية [بالتزام] 3 الغرة، فالإمام يضرب عليهم الغرة.
فلو قالوا: نبذل قيمتها، أفهل يقبلها، 4 مستحقها، قيل: لابد من تحصيل
الغرة، ثم الإمام بالخيار: إن أحب أن يلزمهم أن يحصّلوها بالحساب المعلوم
بالتوظيف عليهم، وكل واحد يبذل حصته، ثم يسعَوْن أفي ابتياع، 5 الغرة، فإنه إنما
يضرب على العاقلة ما وجب بالجناية، وكذلك نقول أفيما وجب، 6 إذا ضربنا الدية
عليهم، فيتقسط عليهم قيمة الإبل، ثم عليهم أن يجمعوها ويحصّلوا بها الإبل.
(2)
(3)
(6)
في الأصل: "بجناية ".
ر. المختصر: 5/ 144 وهذا الفصل قبل الفصل السابق في ترتيب (السواد) وقد أشار الإمام
إلى هذه المخالفة في الترتيب في الفصل السابق.
في الأصل: "قالتزم ".
في الأصل ت " فليقبلها ".
في الأصل:، من اتساع ".
في الأصل: "ما وجب ".
فإن أراد الإمام أن يتولى [شراء] (1) الغرة، فهذا من جهات إعانته، والأصل أنهم مطالبون بالغرة، إذا وفت أعدادهم، ولو قال الإمام: [إليَّ] (2) بالدنانير وأنا أشتري بها الغرة، فلهم أن يقولوا: الإبل نحن نشتريها، وهذا بعينه يجري في الإبل.
ولو كانت أعدادهم لا تفي إلا بنصف الغرة، فالواجب عليهم نصف قيمة الغرة، لا قيمة نصف الغرة، بين العبارتين بون عظيم (3)، فإنا لو أوجبنا عليهم نصف قيمة الغرة، وقد يؤخذ نصف العبدبما [يقل] (4) عن نصف قيمته، فيكون هذا عيباً وتنقصاً، وإذا أوجبنا نصف قيمة الغرة، فمعناه أن نعرف قيمة غرة مجزئة، كما تقدم [وصفها] (5)، ثم نضرب نصف ذلك المبلغ على العاقلة، ثم إذا كان في بيت المال مال، فيُكَمَّل من بيت المال، ونحصّل غرّة مما ضربناه على العاقلة، ومما ضربناه على بيت المال.
فصل
قال: "وإن أقامت البينة أنها لم تزل ضمنة من الضرب ... إلى آخره" (6).
10863 - إذا جنى على حاملٍ، فأتت بولد ألقته مجهضاً، وقالت: هذا الولد ألقيته بجنايتك، فقال المدَّعى عليه: استعرتيه، أو لقطتيه، فالقول قوله مع يمينه، وعليها البينة؛ لأن الأصل براءة الذمة.
ولو سلم لها أنه ولدها، ولكن [أنكر] 7 الجناية عليها، فالقول قوله، وعليها البينة؛ فإن الأصل براءة الذمة وعدم الجناية، فإن سلم لها الإلقاء، وسلم الجناية،
وادعى أنها ألقته بسبب آخر، فإن ألقته عقيب الجناية، فالقول قولها؛ إذ الظاهر معها، ولا بد من يمينها؛ إذ لا 1 [يقبل القول بغير يمين، وإذا ألقته بعد مضي مدة من وقت الجناية، فهو المصدق باليمين؛ لأن الظاهر معه، إلا أن تقيم بينة أنها لم تزل ضَمِنة متألمة من الجناية حتى أسقطت، ولا تقبل هذه الشهادة إلا من رجلين] 2.
[فإن سلّم أنه ولدُها، وأنه جنى عليها، وأنها ألقته بسبب جنايته، ولكن اختلفا: فادعت أنه مات بعد أن انفصل حياً حياة مستقرة؛ فتجب الدية كاملة، وادعى هو أنه انفصل ميتاً، فتجب الغرة، فالأصل عدم الحياة، ولها إقامة البينة، ويكتفى بأربع نسوة إذا ادعت الموت على القرب، لأن اطلاع الرجال عليه عسير.
ونقل الربيع قولاً آخر أنه لا يقبل إلا شهادة رجلين، أما إذا اعترف بدوام الحياة إلى وقتٍ لا يعسر اطلاع الرجال عليه؛ فلا تقبل شهادة النسوة] 3 ذلك أن خروج الولد وانسلاله في السبيل الذي يسّره الله له، بمثابة تردّدات الأحياء في مداخلهم ومخارجهم 4، فهذا ما ينبني الأمر عليه.
فصل
قال: "ولو ضربها، فألقت يداً ... إلى آخره" 5.
10864 - إذا جنى على حامل، فألقت يداً أو عضواً آخر وماتت، وجبت الغرة على
الجاني في محل الغرة، وهذا من معاقد المذهب، لم يختلف الأصحاب في وجوب الغرة بكمالها، وإن لم ينفصل جنينٌ تام؛ فإنا استيقنّا كون 1 الجنين، إذ اليد الواحدة لا تخلق، ثم انضم إلى [الاستيقان ما هو انفصال] 2، وليس كما [لو ظهر] 3 من الجنين شيء، ولم ينقطع ولم ينفصل [فإنا] 4 ذكرنا اختلاف الطرق فيه، والأصح في القياس إيجاب الغرة، ثم أيضاًً لما ذكرناه من الاستيقان.
ولا تنفصل الصورة التي ذكرناها [عن التي تقدمت إلا بتحقق الانفصال] 5 في هذه الصورة، وهذا ليس فرقاً قويّاً؛ فإن الانفصال لم يتحقق في الجنين بجملته، وإنما تحقق في عضو من أعضائه، ولو كنا نوجب قسطاً من غرة، لظهر الفرق، فأما وقد أوجبنا بسبب انفصال إصبع غرة تامة، فلا وجه لذلك إلا التعويل على الاستيقان، وهذا يوجب التسوية بين أن يظهر عضوٌ ولا ينقطع، وبين أن ينقطع وينفصل.
ولو ألقت المرأة يدين أو أربعة أيدي أو أكثر، فلا نوجب إلا غرة، [لأنا لا نبعد] 6 أن يكون للجنين أربعة أيدي، وكذلك لو ألقت رأسين، فلا نوجب إلا غرة، وقيل: كان ببغداد امرأة لها رأسان، فنكحها الشافعي بمائة دينار، وأنسأ 7 صداقها، ونظر إليها، وطلقها.
ولو ألقت [بدنين] 8، فغرتان، فإنه لا يبقى للاحتمال وجه، ولا طريق إلا الحكم بتعداد الجنين.
ولو ألقت يداً ثم ألقت الجنين، لم يخل إما أن يكون حيّاً أو ميتاً، فإن كان ميتاً، فالواجب غرة واحدة، سواء كان على الجنين [أثر] 9 انقطاع اليد عنه أو لم يكن عليه؛
[إذ] 1 قد يفرض الاتصال به ثم الالتحام وانمحاء الأثر في [البطن] 2.
10865 - ولو انفصل حياً تامّ الخلقة واستمرت الحياة، فيجب في اليد المنفصلة حكومة، ويحمل الأمر على تقدير يد زائدة.
ولو انفصل حياً، وليست عليه [إلا] 3 يد واحدة، فنوجب على الجاني نصفَ الدية، يعني على عاقلته.
ولو ألقت يداً، ثم ألقت جنيناً بفرد يد، ومات من أثر الجناية 4، فيجب دية كاملة، ويندرج أرش اليد تحته.
ولو ألقت يداً، ثم انفصل الجنين بعده حياً بفرد يد، فقد قال صاحب التقريب: نرجع إلى القوابل فإن [قلن] 5: لا تتصوّر اليد إلا بعد الحياة، فنوجب على عاقلة الجاني نصف الدية 6، وإن [قلن] 7: يخلق الله [اليد] 8، ثم تنسلك فيها الروح 9، أو شككن في ذلك، فنوجب حينئذ في اليد نصف غرة، وهذا التفصيل لصاحب التقريب، والذي عليه الجمهور أنه لا معنى لمراجعة القوابل، ولا مطلع على حقيقة هذا، وإنما نربط حكمنا بجنين [حيٍّ] 10 أسقطت الجناية يده، فيجب نصف الدية.
باب جنين الأمة
1
10866 - هذا الباب مقصود في نفسه، ونمهد به قاعدةَ القول في الأجنة، فنقول أولاً: إذا جنى على أمةٍ حامل بجنين رقيق، فالواجب في الجنين عُشر قيمة الأم عند الشافعي رضي الله عنه، ولا فرق بين أن يكون ذكراً أو أنثى إذا انفصل ميتاً.
وإن انفصل حياً ومات من أثر الجناية، اعتبرت قيمته يوم الانفصال.
ثم أطلق الأصحاب القولَ في أن الواجب في الجنين الرقيق المنفصل ميتاً مأخوذٌ مما يجب في الجنين الحرّ، [فإنا] 2 إذا رجعنا إلى الإبل، فإنا نوجب خمساً من الإبل، وهي عُشر دية الأم الحرة المسلمة.
وقال قائلون: الجنين في حكم [الجزء من الأم] 3، وقد ذكرت في الأساليب وغيرها من المجموعات المشتملة على [التشوّف] 4 إلى الحقائق: أن الجنين الرقيق ليس جزءاً من الأم الحرة، ولكن المقدار الذي وجب بالشرع فيه مثلُ عشر قيمة الأم، أو مثل عشر دية الأم، فكيف يستدّ اعتقاد الجزئية مع القطع بأن ما يجب في الجنين الحر ليس مصروفاً إلى الأم، [كما] 5 نصرف إليها أرش أطرافها.
ولكن الواجب موروث مقسوم على الورثة، وقد ذكرنا ميراث الأجنة، ومن يتصور أن يرثهم في كتاب الفرائض.
فخرج مما ذكرناه أن الواجب في الجنين لو انفصل حياً ومات على الفور، فقد تكون قيمته ديناراً، [وإذا] 6 انفصل ميتاً، فقد أوجبنا مثل عشر قيمة الأم، فقد تبلغ خمسين ديناراً، فيؤدي مجموع ما ذكرناه أن يكون الواجب في الجنين المنفصل ميتاً أكثر من الواجب في الجنين المنفصل حياً، وسبب ذلك أنا لم نتمكن من اعتبار
الجنين في نفسه إذا انفصل ميتاً، ولم يرد في الجنين الرقيق نصٌّ نتبعه، ووجدنا تقدير الحياة عسراً، [فكان] 1 أقربُ معتبر أن ننظر في الجنين الحر، وإلى بدله المنسوب إلى دية الأم، فأفضى [التقدير] 2 إلى ما ذكرناه.
وإنما كان يبعد تفضيل [الميت على الحي] 3 لو كنا نعتبر الميت بنفسه، ومن هذا ظن ظانون أن الواجب في الجنين الرقيق عُشر قيمة الأم، على التحقيق.
وهذا محال؛ فإنه إنما يجب جزء من بدل الأصل فيما هو جزء من الأصل، ويستحيل أن نعتقد أن الجنين مقدر على هذا التقدير، لما أشرنا إليه من أن الأمر لو كان كذلك، لاختصت الحرة [الحامل] 4 بغرة جنينها اختصاصها بأروش أطرافها لو قطعت.
10867 - ومما يتعلق بتحقيق أصل الباب أن الجنين لو كان حراً والأم رقيقة، فالواجب في الجنين غرة، كما لو كانت الأم حرة، فإن قيل: كيف التقدير والتعلق به، وقد ذكرتم أن بدل الجنين معتبر ببدل الأم [تقديراً] 5 وإن لم يكن جزءاً منها تحقيقاًَ؟ قلنا: قد أبان الشرع بدل الجنين الحر المسلم، فاعتبرنا بيان النسبة التي ذكرناها، فجعلنا بدل الجنين المملوك من الأم الرقيقة كبدل الجنين الحر من الأم الحرة.
وتكلّف الأصحاب في هذا المقام أمراً أغناهم الله عنه، فقالوا: إذا خالف الجنين الأمَّ بالحرية، لم يمكننا أن نوجب فيه جزءاً من القيمة؛ فنقدّر [الأم حرّة] 6 حتى تكون مساويةً للجنين في [الحرية] 7، ثم نوجب ما ذكرناه من عُشر الدية.
وهذا لا حاجة إليه؛ فإن ما وجدنا نصاً فيه، وجب الاكتفاء به، [واعتبارُ] 8 غير
المنصوص بالمنصوص، فالأصل ما قدمناه من اتباع النص، وإذا كان الواجب غرةً، فلتكن دية الأم غرراً إذا كانت حرة، فليس الانتساب بالجزئية أصل الباب.
وفي هذا القدر مقنع.
ولو كانت الأم نصرانية، والجنين مسلماً بإسلام الأب، فنوجب في الجنين الحر المحكوم بإسلامه غرة للنص، ومن اعتبر تقدير المساواة 1 يزعم أنا نقدّر الأم مسلمة -كما قدمناه في تقدير الأم الرقيقة حرة- وهذا من باب تلقِّي [الأصول] 2 عن المفرَّع عليه.
والمنهجُ [الحق] 3 تأصيل النصوص وإلحاق المسكوت عنه بها، كما قدمناه.
10868 - ولو كان الجنين المنفصل كامل الخلقة، وكانت الأم زمنة، فقد ظهر اختلاف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: نقدر الأم كاملةً، ونقوّمها، ثم ننسب بدل الجنين إليها بجزئية العُشر، كما فصلنا ذلك في [الحرّيّة] 4 والإسلام.
ومن أصحابنا من قال: لا نقدر سلامة الأم، بل نقوّمها على ما هي عليه، ونوجب في الجنين عُشرَ قيمتها.
وهذه المسألة والتي بعدها [بهما غموض] 5، فليتدبر الناظر مأخذ الكلام فيهما؛ وذلك أنا وجدنا في الجنين الحر نصاً متبعاً، فلم [نتخذ] 6 التقدير أصلاً معتبراً، وإذا كان الكلام في الجنين الرقيق، فنضطر إلى التصرف في النسبة المأخوذة من [القيمة] 7، هذا وجه من الغموض.
والوجه الآخر- أن سلامة [خلقة] 8 الجنين لا معوّل عليها إذا انفصل ميتاً؛ فإن
[خلقة] 1 الجنين لا تعويل عليها، [ما لم] 2 نتحقق [اتصال الروح بها] 3، وإنما تتعلق سلامة الأعضاء بكمال منافعها لا بصورها، ولو [انسلكت] 4 الروح ربما كانت لا تنفذ في [عضوٍ أو أعضاء، فتَسْلم صورُ الأعضاء وتنفكّ عن اللطائف والمقاصد، ولا مطّلع عليها] 5، فلا تعويل على خلقة الجنين.
وإذا أحاط المحيط بما ذكرناه أجرينا بعده خلاف الأصحاب، فمن راعى سلامة الأم، تمسك بما قدمناه في الحرة، وعضَّده بأن الجنين ليس جزءاً منها، بل هو معتبر بها، وإنما يصح اعتباره بها، إذا كانت الأم مساوية للجنين.
والأصح عندنا ما قدمناه من أن خلقة الجنين لا تعتبر، وإذا كان في الرق والدين بمثابة الأم، فلا نظر إلى الخلقة، وليس كذلك الحرية والإسلام؛ فإنهما حكمان ثابتان 6، وقد [يعارض] 7 هذا أن الإسلام إنما يتصف به ذو روح [ثم يرفع] 8 حكمه بعد الموت 9، والحريةُ كذلك، فإذا لم نتحقق انسلاك الروح، لم يثبت حريةٌ ولا إسلام.
وهذا غير سديد، فإنا إذا كنا نثبت الإسلام لمن نعرف قطعاً أنه لا يعرف 10، فلا
يبقى بعد هذا للروح أثر، والحرية عدم الرق، فهذا منتهى الكلام في صورة واحدة 1.
10869 - الصورة الثانية مفروضة فيه إذا كان الجنين زمناً.
والأم سليمة الأطراف، وقد اختلف أصحابنا في هذه الصورة على نحو ما ذكرناه، وقد ذهب بعضهم إلى أنا نوجب عُشر قيمة الأم، ولا اعتبار بزمانة الجنين، وهذا هو الوجه عندنا.
وذهب آخرون إلى أنا نقدر الأم زمنة بمثل زمانة الجنين، ثم نقوّمها على هذا [التقدير] 2، ونوجب في الجنين عُشر القيمة والأم زمِنة رعايةً للتسوية.
وفي هذه الصورة مزيد إشكال؛ من قِبل أن ما يفرض من نقصان في [الجنين يمكن إحالته] 3 على الجناية، وإذا كان [ذلك] 4 ممكناً، فلا يصفو الكلام في تصوير زمانة الجنين، فإن أمكن التصوير، فالوجه مع ذلك ألا نعتبر خِلْقة الجنين لما مهدنا.
فإن جرينا على ترك اعتبار خلقة الجنين، فلو انفصل من الأم عضو فماذا نوجب، ونحن لا نُبعد أن يكون الجنين المجني [عليه] 5 في البطن على زمانة ونقصان خِلقة؟
[ولئن] 1 كان هذا السؤال لا ينقدح في الجنين الحر -فإن أبدال الأحرار لا تختلف بالزمانة والسلامة- فهو منقدح في الجنين الرقيق.
والذي أراه أن الأمَة إذا أسقطت بسبب الجناية، [استحقت] 2 القطع والإعراض عن تقدير خلقة الجنين في هذه الصورة، [فلو] 3 أُلزمنا ذلك، وقلنا: لا نوجب إلا الأقل، [ولا نسفل درجة] 4 من غيرثبت، فأين الموقف؟ وإلى أي حد يصور [نقص] 5 الجنين؟
وهذا لو خضنا فيه، أفضى إلى ألا نجد مبلغً في واجب الجنين، وقد أسقطت الأم يداً، فلا وجه إلا تقويم الأم، وإيجابُ عُشر قيمتها، ثم كما لا نعتبر الصفة من السلامة إلى نقيضها، والأم سليمة، فكذلك لا نعتبر في هذه الصورة سلامة الأم، والأم زمنة، بل [نترك] 6 هذه التقديرات، ونقوّم الأم على ما نصادفها عليه 7.
ولا يتجه إلا هذا، والملقى عضو.
10870 - ومما يتعلق بتمام البيان في فقه الباب أنا إذا اعتبرنا قيمة الأم، أوجبنا في الجنين الرقيق عشرها، فظاهر النص " أنا نعتبر قيمة الأم يوم الجناية " 8 وقال المزني: ["يوم تُلقيه"] 9، وقد وافق المزني طائفةٌ من الأصحاب، منهم الإصطخري، واحتج المزني في توجيه ما اختاره، [بأن] 10 الاعتبار بيوم الإلقاء في مقدار القيمة أيضاًً.
ومن نصر ما عليه الجمهور -وهو ظاهر النص- احتج بأن قال: من جنى على عبد قيمته بالسوق يوم الجناية مائة، فمات من تلك الجناية، وقد تراجعت قيم العبيد، ولو فرضناه سليماً يوم الموت، لكان لا يساوي إلا خمسين، فالواجب على الجاني مائة، وسبب ذلك أنا نغرِّم الغاصب أقصى قيمةً من يوم الغصب إلى يوم التلف، لمكان يده العادية، واتصال الجناية في هذا المعنى أقوى من اتصال اليد، فإن اليد ليست [سبب] 1 الهلاك، والجناية سبب الهلاك.
وإذا ثبت ذلك في العبد، فليكن حكمُ الجنين المنسوب إلى الأم مُجرىً على هذا القياس.
وهذا القائل يفصل بين ما يفرض من التفاوت في القيمة وبين ما يطرى من الجناية أو الإسلام على الجنين، ويقول: إذا عَتَق الجنين، فقد [كمُل] 2 بنفسه واختص بصفة لا توصف الأم بها، فنقطع حقيقة التبعية، ويجب اعتبار الحرية يوم الإلقاء، وهذا لا يتحقق في الجنين المملوك.
وما أطلقه الأصحاب في هذه المسألة لا يغني ولا يَشفي الغليل، ونحن نوضح حقيقة المسلكين، ونستعين بالله.
10871 - أما من اعتبر يوم الجناية، فيعارضه سؤال، وفي الجواب عنه بيان حقيقة المسألة؛ وذلك أن قائلاً لو قال: إذا كنا نجعله بالجناية [كصاحب] 3 العدوان باليد، فلا معنى لتخصيص يوم الجناية؛ فإنا لا نخصص في حق الغاصب يوم الجناية بالذكر والحكم، بل نعتبر الأقصى من يوم الغصب إلى يوم التلف، والجواب: أن الأمر كذلك في الجراحة، ولم يقصد الشافعي بذكر يوم الجناية قَطْعَ الاعتبار عما بعده، فلا نظن يتحقق إسقاط اعتبار قيمته يوم الوضع إذا كانت تلك القيمة أكثر من قيمة يوم الجناية، وغرض الشافعي بذكر يوم الجناية بيان ابتداء وقت الاعتبار، فمبتدؤه من وقت الجناية ومنتهاه يوم الإلقاء، والمعتبر أعلى قيمة من يوم الجناية إلى يوم الإلقاء.
هذا بيان هذا المذهب.
وأما ما ذكره المزني وتابعه عليه شرذمة من الأصحاب، فيترتب عليه أن الأم لو ماتت، ثم انفصل الجنين بعد الموت، فلا سبيل إلى اعتبار يوم الانفصال؛ فإن الأم لا قيمة لها، [بتقدم يوم] 1 الموت، [والأحرى] 2 أن نعتبر حياتها يوم الإلقاء، وننظر محل القيمة على هذا التقدير، والعلم عند الله تعالى.
وهذه المسألة تبين نهايتها بفروع لابن الحداد في أحكام الأجنة، ونحن نأتي بها على الاتصال، إن شاء الله تعالى.
فصل
10872 - إذا جنى جان على حامل بجنين حر، فظهر الجنين وبه حياة، فأبرزه إنسان وحز رقبته، واحتمل أنه صار بجناية الأول إلى حركة المذبوح، واحتمل أنه لم يصر بجنايته كذلك، والثاني صادفه في حياة مستقرة، فإذا احتمل الأمران كذلك، فننظر إلى الدعوى، فإن ادعى مستحق البدل أن الأول [صيّره] 3 إلى حركة المذبوح، فهذ إبراء منه للثاني، وإن ادعى [أن الأول خلّفه] 4 مستقراً، فقد أبرأ الأول [إلا عن] 5 الحكومة، وفيها خلاف قدمناه.
وإذا أبرأ الثاني وادعى على الأول أنه [صيّره] 6 إلى حركة المذبوح، فأنكر الأول، فالقول قول الجاني؛ فإن أصل الحياة متفق عليها عند الانفصال، وقد جرى من الجاني ما يمكن إحالة القتل عليه، فلا وجه إلا تحليف الجاني، فإن حلف برىء، وقد برىء الثاني، وإن نكل ردت اليمين على المدعي.
فإن أبرأ الأول وادعى على الثاني أنه جنى على المولود وفيه حياة مستقرة، وقد أبرأ
الأول إلا عن الحكومة، وفيها خلاف ثَمَّ-[فالقول] 1 قول هذا الثاني؛ فإن استقرار الحياة غير معلوم، وقد جرى من الأول ما يمكن إحالة القتل عليه.
هذا هو الأصل إن أجرينا الدعاوى على قياسها المطرد.
ولكن إذا تصورت المسألة بهذه الصورة، فقد تردد قتيلٌ بين شخصين، والحالة حالة اللوث؛ فلمن يستحق البدل أن يُقسم على من يعيّن [منهما] 2، فإن اللوث قد تحقق منهما، وسنذكر في كتاب القسامة أن ظاهر اللوث إذا ثبت في حق جماعة في مجلس القاضي، فلا يشرط أن يثبت عند القاضي [تعيين] 3 اللوث في المدعى عليه منهم.
فهذا مقر المسألة.
ولولا اللوث وأصل القسامة، لكانت الدعوى تُفْصل على حسب ما قدمنا ذكره.
فصل
10873 - إذا كان بين زيد وعمرو جاريةٌ مشتركة، وهي حامل من الزنا أو النكاح، فجنيا عليها معاً، وأعتقاها بعد الجناية معاً، فألقت الجنين من الجناية، فقد قال ابن الحداد: يغرَم كل واحد منهما ربع غرةٍ للجنين، فإن جناية كل واحد صادفت ملكه وملك شريكه، فهَدَر جنايتُه في نصيبه، ويكون سبب الضمان [جنايتُه] 4 في ملك صاحبه، وقد وقعت جناية زيد سابقةً على ملك نفسه وملك عمرو، كذلك وقعت جناية عمرو.
ثم إذا غرم زيدٌ ربعَ الغرة، وكذلك عمرو، فقد قال: يصرف الثلث مما تحصّل من الغرامة إلى الأم العتيقة؛ فإنها ترث الجنين، فتستحق مما غرمه السيدان الثلث ويصرف الباقي إلى عصبة الجنين، [ولا] 5 يستحق واحد من السيدين شيئاً، فإنه إنما
يغرم كل واحد منهما بجنايته على ملك صاحبه، ويستحيل أن يغرم الجناية على ملك الغير، ثم يرجع إليه منه شيء.
وتمام الجواب في المسألة أن يقال: قد غرم زيدٌ بسبب الجناية على ملك [عمرو] 1، فينبغي أن يقال: إن الذي غرمه زيد وهو ربع [الغرة] 2، فلعمرو منه الأقل من ربع عشر قيمة الأم أو [ربع الغرة] 3، وهذا أصح القولين في كيفية رعاية ما يستحقه السيد إذا صادفت الجناية رقاً ثم يعقب العتقُ، وليقع الاختصار على هذا القول، وكذلك القول فيما يغرمه عمرو لزيد، فلزيد منه الأقل كما قلناه، فإن لم يفضل شيء فلا شيء للأم، ولا لورثة الجنين، وإن فضل شيء مما ذكرناه، فالثلث من الباقي للأم والباقي لعصبة الجنين، وإن لم يكن له عصبة من الأقارب، فلا نصرف ما يورث من الغرة إلى المعتِقَيْن، فإنهما قاتلان، فلا يرث القاتل.
وهذا الذي طردناه سديد حسن، ولكنه تفريع على أن ما يصادف الجنينَ المملوك من جناية المالك، فهو هَدَرَ.
ولبعض الأصحاب مذهب أن المالك إذا جنى على مملوكه ثم أعتقه، ضمن السراية، وهذا الوجه يجوي لا محالة في الجنين المملوك.
فإذا قلنا: لا يهدر جناية المالك عليه، فإذا جنيا على الجارية المشتركة كما صورناه وأعتقاها، فألقت الجنين حراً ميتاً، فيغرم كل واحد منهما نصف الغرة، [ثم لا استحقاق] 4 منهما على سبيل الإرث [نسباً] 5، ولكن يجب أن يقال: إن زيداً غرم نصف الغرة، ونصف ما غرمه في مقابلة ملك نفسه، وهو ربع الغرة، [وهو
لا] 1 يستحق منه شيئاً، لأنه ملزَم غارم، وكيف يستحق ما غرمه، ولا يستحق شريكه منه، فإنه على مقابلة جناية ملك نفسه، فيخلص ذلك للورثة، وهو ليس منهم، وأما الربع، الذي غرمه على مقابلة الجناية على ملك الثاني، فليغرم منه الأقل من ربع عشر قيمة الأم أو ربع الغرة، كما قدمنا ذكره، وهذا يجري في حق كل واحد منهما.
وهذا الوجه ضعيف، لا أصل له، والصحيح إهدار الجناية فيما يقابل ملك الجاني.
فصل
10874 - إذا مات رجل، وخلف زوجة [وأخاً] 2 لأب وأم، وكانت الزوجة حاملاً بولد من الميت، وخلف عبداً، فلو ضرب العبد بطن الزوجة، وألقت الجنين ميتاً، [فلا] 3 ميراث للجنين؛ فإنه انفصل ميتاً.
ثم تلخيص القول في هذه المسألة أن يقال: لو قدرنا الغرة واجبة على جانٍ، لكان ثلثها للأم، وهي زوجة الميت والباقي وهو ثلثان [للعم] 4 وهو أخو الميت.
فإذا كان الجاني هو [العبد] 5، وهو مشترك بين مستحقي الغرة لو قدرناها واجبة، وليقع الفرض فيه إذا لم يكن مستحق غيرهما، فنقدر كان الغرة تعلقت برقبة العبد، فللأم ثلث الغرة، وللأخ ثلثاها، فأما الأم، فقد ملكت ربعَ العبد فسقط ربع الغرة؛ إذ لا تستحق على ملكها شيئاًً، ويبقى نصف سدس الغرة فاضلاً عن قدر ما ملكت من العبد.
وأما الأخ فقد استحق من العبد ثلاثة أرباعه، وكان يستحق على التقدير ثلثي الغرة، فما ملكه من العبد أكثر من قدر استحقاقه من الجنين، فيسقط استحقاقه ويبقى في رقبة العبد ما فضل للأم، من الغرة، وهو نصف سدس الغرة، فيفدي الأخ نصيبه
من العبد على قياس الفداء وإنما انتظمت المسألة كذلك لاختلاف الحصتين من ميراثين، والازدحام على رقبة العبد.
ولو كان بين رجلين عبد مشترك، وهو بينهما نصفان، فقتل عبداً آخر بينهما، وهو نصفان أيضاًً، فلا طلبة لواحد منهما على الآخر.
ومثله لو كان العبد بينهما نصفين، فكان بينهما عبد آخر مشترك [بينهما] 1 ثلثاه [لزيد وثلُثه] 2 لعمرو، فقتل العبد المنصف بينهما هذا العبد.
فيتفاوت الأمر باختلاف حصص الشركة في العبدين، فلنقِسِ [المثال] 3، ولننظر ولا خفاء.
وقد نجزت مسائل الأجنة.
وذكر ابن الحداد فروعاً أخرناها إلى كتاب الديات، ونحن نأتي بها مبينة، إن شاء الله عز وجل.
فصل
نقدّم على المسألة التي حكاها ابن الحداد نصاً للشافعي عن مسألةٍ، قال رضي الله عنهء: "لو قصد رجل مال رجل أو نفسَه [فدفعه] 4 بضربةٍ، فولّى القاصد هارباً، فاتبعه المقصود، وجرحه وهو مولٍّ جراحة أخرى، فرجع عليه القاصد مرة أخرى، فضربه على حدِّ الدفع ضربةً ثالثة، ومات القاصد من الجراحات الثلاث" قال الشافعي: يغرم الدافع ثلث الدية، ويهدر ثلثاها؛ فإنه وجدت منه ثلاث ضربات: اثنتان منها [هدر] 5، وقد توسطتهما جراحة مضمونة.
قال الأصحاب: هذا الذي ذكره الشافعي إذا توسطت ضربة مضمّنة بين ضربتين، فأما إذا جرح الدافعُ القاصدُ جرحين متواليين على حد الدفع، ثم ولى فضربه ضربة ثالثة، فالدية على تنصيف، والجرحان المتواليان كالجرح الواحد، فهدر نصف الدية ويجب نصفها.
هذا ما حكاه الشيخ أبو علي عن الأصحاب.
ثم قال الأئمة على قياس النص لو جرح مرتداً جراحة، ثم أسلم المجروح، فجرحه ذلك الجارح في إسلامه جراحة، ثم ارتد، فجرحه في الردة جراحة أخرى، ثم أسلم فمات من الجراحات [الثلاث] 1 فينبغي أن يُلزَمَ ثلث الدية ويُهدر ثلثاها.
ولو جرح مرتداً جرحين في دوام الردة ثم أسلم، فجرحه جراحة أخرى ومات من الجراحات، فهدَرَ نصف الدية، ويجب نصفها، وهذا عن قياس قول الشافعي في مسألة الدفع.
10875 - ثم ابن الحداد ذكر مسائل، ونحن نأتي بها واحدة واحدة منها: أنه لو قطع رجل يد مرتد، ثم أسلم ذلك المرتد، فعاد ذلك القاطع، مع ثلاثة من الجناة، وقطعوا في الإسلام يده الأخرى فمات.
قال ابن الحداد: هؤلاء أربعة من الجناة جَنَوْا في حالة الإسلام، فأقول: أقدر قيمة الدية بين الأربعة، فعلى الثلاثة الذين لم يجنوا إلا في الإسلام ثلاثة أرباع الدية على كل واحد ربعها، ويقابل الذي جنى في الردة والإسلام ربع، ولكن قد صدرت منه جنايتان: إحداهما - هَدَر فيوزع الربع عليهما، فيهدر نصفه، وهو الثمن، ويلزمه ثمن الدية.
هذا مسلك ابن الحداد وهو حسن متجه، ووجهه بيّن.
ومن أصحابنا من قال: توزع الدية على الجراحات والجنايات في هذه المسألة، دون الجناة، وقد ثبتت خمسُ جنايات: واحدة في الردة وأربع في الإسلام، وواحدة من الخمس هدر، وأربع مضمونة [فتكون] 2 الدية أخماساً ويهدر خمسها عن [الكافة] 3، ونوجب على كل واحد خمس الدية، وهذا القائل يضرب الإهدار [على] 4 جميعهم، ويسوِّي بينهم في الالتزام، ووجهه أن جراحة الردة سارية وسرايتها مُحبَطة، وكأن كلَّ واحد جنى على من فيه حكم الإهدار.
10876 - وبمثله 1 لو جنى عليه ثلاثة في الردة فقطعوا يده، فأسلم، فعادوا مع رابع وقطعوا يده الأخرى، فعلى مذهب ابن الحداد تقسم الدية في تأسيس المسألة على رؤوس الجناة وهم أربعة، فيخص كل واحد منهم ربع الدية، فأما الذي انفرد بالجناية في الإسلام، فعليه الربع الكامل؛ إذ لم يصدر منه جناية في حالة الإهدار، وأما الباقون، فيقابل كل واحد منهم الربع، ولكن صدر من كل واحد جرحان: هَدَرٌ ومضمون، فيتوزع الربع عليهما، فيهدر نصفه، ويبقى نصفه، وهو الثمن.
ونقول على المذهب الآخر: الجنايات سبعٌ ثلاث في الردة، وأربع في الإسلام فنجعل الدية أسباعاً، ونهدر منها ثلاثة أسباع الدية وتبقى أربعة أسباعها، وهم أربعة على كل واحد منهم سبع الدية.
10877 - وبمثله لو جنى أربعة في الردة، ثم عاد واحد منهم مع ثلاثة آخرين وجنَوْا في الإسلام وهم أربعة، فأما على طريقة ابن الحداد، فتوزع الدية تقديراً أولاً على عدد الجناة، وهم سبعة، فنجعل الدية أسباعاً، فأما الذين لم يجنوا إلا في الردة، فيقابلهم ثلاثة أسباع الدية وتهدر، فتبقى أربعة أسباع الدية، فعلى الثلاثة الذين جَنَوْا في الإسلام دون الردة ثلاثة أسباع الدية، على كل واحد سبعها، ويقابل الذي جنى في الإسلام والردة سبع، فنهدر نصفه، ويبقى عليه نصف السبع.
وعلى مذهب الآخرين نقول: التوزيع على الجنايات وهي ثمانٌ، أربعٌ في الشرك وأربع في الإسلام، فيهدر من الدية ما يقابل الأربع في الردة، ويجب على الذين جَنَوْا في الإسلام، وهم أربعة أربعة أثمان الدية، والمجموع نصف الدية.
10878 - ويمثله لو جنى أربعة على مرتد، فلما أسلم [عاد] 2 واحد منهم وجنى [عليه] 3 جناية أخرى لم يشاركه فيها أحد: فعلى مذهب ابن الحداد نوزّع الدية على الجناة، وهم أربعة، فنقابل الذين جنَوْا في الردة بثلاثة أرباع وتهدر، فيبقى الربع
مقابلاً للذي جنى في الردة والإسلام، فيوزع على الجرحين، فنهدر نصفه ونبقي نصفه، وهو الثُّمُن.
وعلى مذهب [الآخرين] 1 توزع الدية على الجنايات، وهي خمسٌ: أربع مضت في الردة، فهدر أربعة أخماس الدية، ويجب خمسها على الذي جنى في الإسلام.
فإن جرحه اثنان في حالة الردة، فأسلم، فعادا وجرحاه في الإسلام، فيتفق المذهبان في هذه الصورة: أما ابن الحداد، فيعتبر التوزيع على الجناة، وهما اثنان، فيقابل كل واحد منهما نصف الدية، ولكن صَدَرُه في كل واحد جناية مضمونة وجناية مهدرة، فيلزمه ربع الدية، وعلى المذهب الآخر يقسم على الجنايات، وهي أربع: جنايتان في الردة، وهما مهدرتان، وجنايتان في الإسلام، فيتفق قياس المذهبين.
وهذا بيان ما ذكره ابن الحداد في مسائله.
10879 - ثم ذكر الشيخ أبو علي تفريعاً على هذا الأصل الذي مهدناه وحكاه عن الأصحاب، قالوا رضي الله عنهم: لو جنى على حر خطأً، ثم جنى عليه عمداً، ومات من الجرحين، فتجب دية نصفها مغلّظ: مثلث، ونصفها مخفف: مخمس.
ولو جنى على حر خطأ، ثم عاد وهو مع ثانٍ وجنيا عليه عمداً، فمات من الجراحات، فقياس مذهب ابن الحداد أن الدية توزع عليهما نصفين، نصفها مغلّظ على الذي لم يجن إلا عمداً، والنصف الثاني يقابل من جنى خطأ وعمداً، ثم ينقسم ذلك على حالته فيكون النصف منه وهو ربع الدية مغلظاً والنصف منه مخففاً.
ولم يذكر الشيخ قياس مذهب الآخرين، وقياسُهم أن يقال: أما الدية فتنصف بينهما بلا خلاف فيه، ولا معتبر بصدور جنايتين من أحدهما وجناية من الثاني؛ [فإن] 2 جميع الجنايات مضمونة، ولو جنى مائة جناية مضمونة والآخر جناية واحدة، فالدية بينهما نصفان، وإنما يُفضي التفريع إلى التوزيع على الجنايات إذا كان
بعضها هدراً، ولكن قياس هؤلاء في التغليظ أن يتغلظ ثلث الدية على كل واحد منهما، ويكون الثلث الباقي مخففاً عليهما، فعلى كل واحد نصف الدية ثلثاه مغلظ وثلثه -وهو سدس الدية- مخفف.
فإن قيل: فكيف يستفيد الذي لم يجن إلا عمداً تخفيفاً فيما التزمه، ولم يصدر منه إلا العمد؟ قلنا: كما أنه استفاد في مسائل الردة عند هذا القائل الإسقاطَ عنه كما تقدم.
فصل
10880 - إذا قطع عبدٌ يدَ حر في رقه، فأعتق السيد العبدَ الجاني، فعاد بعد الحرية مع جانٍ آخر، وقطع يده الأخرى، فمات من الجنايات، فتجب الدية الكاملة، ثم يجب نصفها على الذي جنى في الحرية، وذلك أنه مهما صورت الجنايات من جانِيَيْن، والجناياتُ كلها مضمونة، فتوزع الدية على الجانيين، ولا نعتبر عدد الجنايات أصلاً، وإنما يضطرب 1 المذهب إذا كان بعض الجنايات هدراً، فإذا ثبت أن نصف الدية على الذي جنى في الحرية، فالنصف على العتيق، ثم نصف النصف في مال المعتَق، والباقي قد تعلق برقبته ابتداءً، [فلما] 2 أعتقه السيد، التزم الفداء، ثم فيما يلزمه عند الإعتاق كلام فصلناه، فلا حاجة إلى إعادته.
فصل
10881 - لو جنى عبدعلى حر جناية، ثم جاء إنسان وقطع يد العبد، ثم إن العبد بعد ما قطعت يده، جنى على حرٍّآخر، وماتوا عن آخرهم في الجنايات.
فأما الذي جنى على العبد، فيلتزم تمام قيمته، وأما الحران، فالقيمة تصرف إليهما، ولكن قال ابن الحداد: يسلّم [أرش اليد] 3 إلى ولي الحرّ الأول، لا يشاركه فيه
الثاني، ثم يتساهمان في بقية القيمة، والأمر على ما ذكره؛ فإنه جنى على الأول بجميع يديه، فقطعت يده، وجنى على الثاني ولا يد له، فيستحيل أن يستحق وليُّه شيئاً من أرش تلك اليد، ولم تكن موجودة وقت الجناية.
ثم الأصح في هذه المسألة [أن] 1 ما يعتبر في أرش اليد ما نقص من قيمة العبد 2، فنصرف إلى الحر الأول ما نقص [من] 3 قيمة العبد بسبب قطع [اليد] 4 ثم يشتركان في بقية القيمة، فيضارب ولي الحر الأول بما بقي له من الدية، ويحسب عليه أرش اليد لا محالة [ويضارب] 5 وفيُ الحر الثاني في بقية القيمة بتمام الدية.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يصرف إلى ولي الأول نصفُ القيمة جواباً على أن جراحه [تتقدّر] 6 أروشها 7، ثم يتضاربان في الباقي، قال الشيخ أبو علي هذا غلط في هذه الصورة، فإنا لو قلنا به، لزمنا أن نقول: إن العبد لو جنى، ثم قطع قاطع يديه معاً، ثم جنى مرة أخرى على [حرٍّ آخر] 8 كما نسبوه، وماتوا [جميعاً] 9، إن تمام قيمة العبد [تصرف] 10 للأول، وليس للثاني منها شيء؛ لأن تمام القيمة أرش اليدين، وهذا ما لا سبيل إليه.
فيتعين في هذا المقام اعتبار نقصان القيمة.
ولو كانت المسألة بحالها، فجنى على حر، ثم قطعت يده، فجنى على حر آخر،
ثم جاء إنسان وقتل العبد، [تذفيفاً] 1، ففي هذه الصورة [ندفع] 2 إلى الحر الأول نصفَ القيمة 3، ويستقيم التفريع.
ولو قطعت يداه، ثم جاء آخر وقتله بعد الجناية الثانية، فنسلم إلى الأول تمام قيمته 4، ثم على الذي قتله تجهيزاً قيمته، [ويستقيم الجواب] 5.
وفي المسألة الأولى إذا مات بالسراية، فلا يجب إلا قيمة واحدة، فيؤدي إلى استحالة في التفريع كما سبق.
فرع:
10822 - قد تقدم حكم الجنين المسلم والذمي، فإذا اشترك مسلم وذمّي في وطء ذمية، فأتت بولد، فإن ألحقه [القائف] 6 بالمسلم، ضمنه الجاني بكمال الغرة؛ لأنه انتفى عن الذمّي، وإن ألحقه بالذمي، لم يلتزم الجاني إلا بدلَ الجنين الذمي، وإن التبس الأمر وتوقفنا إلى انتساب المولود، لم يلزم الجاني في الحال شيئاً حتى يتبين المستَحَق، وهذا واضح لا خفاء به.
...
ولسنا من الصلف على حدٍّ ندعي انتهاء النظر نهايته في أمثال هذه المعاصات.
غير أن نستفرغ الوسع فيما ننتهي إليه، وطريق الفقه مذلل لكل ذي فطنة.
الإمام
في نهاية المطلب