كتاب الحوالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
.
فأمّا صلح المعاوضة الذي يشتمل على عوض سوى العين المدعاة المعترف بها.
وذلك إذا ادّعى رجل على رجل داراً أو عبداً أو ثوباًً، فاعترف به، وصدق المدعي،
ثمِ قال للمدعي: صالحني عن هذه العين على هذا، وعين عوضاً، أو وصفه وصفاً
يُقنعُ به في المعاوضات.
فإذا أسعفه المدعي، وقال: صالحتك من 1 ثوبي الذي في
يدك على كذا، فقال المدعى عليه: قبلتُ، صحت المعاملة.
وهي بيعٌ على
الحقيقة، معقودة بلفظ الصلح.
وإذا قال الفقيه: حكمه حكم البيع، كانت عبارته مختلّة؛ فإنه بيعٌ بنفسه، ويتعلق به جميعُ أحكام البيع وقضايا الربا، إن اشتمل على الربويات.
والعُهَدُ المألوفة في البيع، وأحكام الضّمان، والردود، ولا مزيد؛ فقد قطعنا بأنه بيع.
قال صاحبُ التلخيص: الصلح في المقام الذي نحن فيه بيع عُقد بلفظ الصلح.
4103 - ويجوز عقد الصلح بلفظ البيع إلا في شيء واحد، وهو الصلح عن الجنايات؛ فإن الصلح جائز عن الإبل، وإن لم تكن على الصفات الضابطة في السلم، ولو فرض عقد تلك المعاملة بلفظ البيع، لم يصح.
4104 - قال الشيخ أبو علي 2: هذا الذي ذكره غير صحيح.
والتفصيل فيه أن الأرش إن كان مجهولاً، كالحكومة التي لم تقدَّر، فلا يصح الصلح عنه، ولا يجوز تقدير بيعه، وإن كان الأرش معلوماً على التحقيق، كما إذا كان دراهم أو دنانير، صحَّ الصلح عنه، ويصح التصرف فيه بلفظ البيع.
وإن كان الأرش مقدراً، ولكن كان من الإبل، والأوصافُ المرعية في الديات لا يقع الاكتفاء بها في السلم، ففي جواز الصلح عنها وجهان، اختار صاحبُ التلخيص أحدهما.
فإن نحن صحَّحْنا الصلحَ، لم يمتنع تصحيح المعاملة بلفظ البيع أيضاًً، وإذا لم نصحح الصلح، فلا شك في امتناع البيع أيضاًً.
ثم قال الشيخ: إذا قلنا: موجب العمدِ القودُ المحض، فالصلح من 3 القصاص جائز، ولا يجوز استعمال لفظ البيع فيه.
ثم هذا القسم الذي نحن فيه من الصلح يجوز أن يكون [العِوضُ] 1 فيه عيناً، ويجوز أن يكون ديناً إذا لم يكن الذي عنه الصلح مالَ رباً يقتضي العقد عليه التقابضَ في المجلس.
ولا معنى للإطناب بعد البيان.
هذا صلح المعاوضة.
4105 - فأما صلح الحطيطة في هذا القسم، [فتصويره] 2 أن يدعي رجلٌ على رجلٍ عيناً من الأعيان، فيعترف المدعى عليه بالملك للمدّعي، ثم يقول: صالحني منهُ على نصفه.
فإذا قال: صالحتك، كان تقدير هذا راجعاً إلى هبة بعض العين من المدعى عليه، فإذا جرت المعاملة كذلك، فقال المدعي: صالحتك من ثوبي هذا على نصفه، وقال المدعى عليه: قبلت.
ففي المسألة وجهان ذكرهما الشيخ في شرح التلخيص: أحدهما -وهو الظاهر الذي قطع به مَنْ سِواه - أن ذلك يصح، ويتضمن هبةَ النصف من المدعى عليه، ويثبت له أحكام الهبات في جملة المعاني، والقضايا.
والوجه الثاني - أن هذا باطل؛ فإن الصلح متضمنه المعاوضة، وبيع الرجل ملكه من عينٍ بنصف العين باطلٌ متناقض.
والقائل الأوَّل يقول: الصلح عبارة صالحة للمعاوضة في أوانها، وهو مشعر بالهبة في هذا المقام.
والدليل عليه أَنَّ إطلاق هذا اللفظ شَائعٌ في الاستعمالِ، ولا معنى له إلا ما ذكرناه.
والمطلوب من الألفاظ معانيها، وما يفهم من وضعها.
هذا كله فيه إذا كان الصلح دائراً بين المدعي والمدّعى عليه من عينٍ.
4106 - فأمَّا إذا كان الصلح عن دين، فتصويره أن يدعي رجل على رجلٍ ديناً، فيعترف به، ثم يقع الصّلح فيه.
والصلح في هذا القسم ينقسم إلى صلح معاوضة، وإلى صلح حطيطة: فأمَّا صلح المعاوضة، فهو أن يذكر أعواضاً [عن] 3 الدين المعترف به.
ثم إن كان ذلك
العوض عيناً، وسُلّمت العين في مجلس المعاوضة، صح الصلح على شرط الشرع، ومتضمن الصلح مقابلة عينٍ بدين.
وإن لم يتفق تسليمُ العين في مجلس الصلح، فهل يبطل الصلح [بالتفرق] 1؟ فعلى وجهين مشهورين: أقيسهما أنه لا يبطل؛ لأنه لم يَجُرّ ما يتضمن الإقباض من أصل الربا.
وليس الصلح الموصوف بيعَ دين بدين، حتى يدخل تحت نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن " بيع الكالىء بالكالىء ".
والوجه الثاني - أن الصلح يفسد بالتفرق قبل إقباض العين المجعولة عوضاً؛ [وكان] 2 ذلك نوعاً من الإنساء المضاهي للدينية.
وهذا الوجه وإن كان مشهوراً، فالأصح الأول.
ولو كان العوض المذكور عن الدين المعترف به ديناً، ثم فرضت المفارقة قبل الإقباض، فلا شك في بطلان الصلح؛ فإنه اشتمل على مقابلةِ الدين بالدين، وهو المنهي عنه نصّاً.
ولو ذكر العِوض موصوفاً ديناً، ثم أُحضر في المجلس وسُلّم، جاز؛ فإن هذا لا يمتنع في عقد الصرف، فكيف يمتنع في غيره.
هذا كله في صلح المعاوضة عن الدينِ.
4107 - فأمّا صلح الحطيطة في الدين، فصورته أن يقول المدّعى عليه المعترف بالألف للمدّعي: صالحني عن الألف الذي لك على خمسمائة، فإذا قال: صالحتك، وقبل المستدعي، أو جعلنا الاستدعاء كافياً، ففي المسألة وجهان: أظهرهما - أن ذلك يصحُّ، ومتضمنه الإبراء عن خمسمائة.
والوجه الثاني - حكاه الشيخ أبو علي أن ذلك باطل، والألف باقٍ بكماله؛ فإن صيغة اللفظ المعاوضة، وهي مناقضة لمعنى الإبراء.
4108 - فإن فرعنا على الأصح، وهو أن ذلك إبراء، فلو ابتدأ المدعي، وقال: صالحتك من الألف على خمسمائة، فهل يكفي ذلك في حصول البراءة؟ أم لا بدّ من
القبول يقدّم عليه.
إن الإبراء إذا استعمل لفظه، نفذ، ولا حاجة إلى قبول المبرأ عنه، على الأصح.
وفي المسألة وجه بعيد أنه لا بدّ من القبول.
فإن فرعنا على الأصحّ وهو أنه لا حاجة إلى القبول إذا استعمل لفظ الإبراء، فهل يشترط القبول إذا كان المستعمل لفظ الصلح؟ فعلى وجهين.
وهذا يناظر ما لو قال مستحق الدين لمن عليه دين: وهبت مالي من الدين منك، فهذا إذا نفذ، معناهُ الإبراء.
وفي اشتراط لفظ القبول وجهان: أحدهما - لا يشترط كلفظ الإبراء0
والثاني - يشترط؛ لأن اللفظ معناه التمليك، فيستدعي في وضعه القبول.
4109 - وإذا كان المدعَى المعترف به عيناً، وفرضنا صلح الحطيطة فيه، بأن يقول المدّعي: صالحتك من ثوبي هذا على نصفه، فإذا صححنا ذلك على معنى الهبة، فلا شك في اشتراط القبول؛ فإن الهبة في معناها تفتقر إلى القبول، بخلاف الإبراء.
وهذا واضح.
4110 - ولو كان الصلح عن دين وهو ألف مثلاً، فأحضر المدعى عليه خمسمائة، فقال المدعي: صالحتك من الألف على هذه الخمسمائة.
والتفريع على أنه لو قال: صالحتك عن الألف على خمسمائة من غير تعيين، كان إبراءً عن الخمسمائة، فعلى هذا إذا أشار إلى الخمسمائة المعينة، وقال: صالحتك من الألف الذي لي عليك على هذه الخمسمائة، فالأصح أن هذه المعاملة فاسدة؛ والألفُ باقٍ؛ فإن اللفظ الذي جاء به مع التعيين صريح في عرض المعاوضة، وبيعُ الألف بخمسمائة باطل.
وقيل: يجوز.
والمقصود الإبراء عن خمسمائة، ثم تيك الخمسمائة المعينة لا تتعين عند هذا الإنسان إلا باتفاق تسليمها إليه؛ إذ لو تعينت، لكان عوضاً.
ولا خلاف أنه لو قال: بعتك الألفَ الذي لي عليك بهذه الخمسمائة، فالبيع باطل، والألف باقٍ بكماله.
وكل ما ذكرناه فيه في الصلح الواقع من المدير والمدعى عليه، مع الإقرار.
4111 - وأمَّا الصلح بينهما مع [إنكار] 1 المدّعى عليه، فلا يخلو إما أن يكون على عوضٍ غير المدعى، وإما أن يكون على بعض المدعى.
فإن كان الصلح بشيء غيرِ المدعى مع الإصرار على الإنكار، فالصلح باطل عندنا، خلافاً لأبي حنيفة 2. ولا بد من تصوير محل الخلاف، والتنبيه على تمام البيان.
فإن قال المدعى عليه، والمدعَى ثوب، أو ألفُ درهم للمدعي: صالحني عن دعواك بكذا من الدراهم، أو بهذا الثوب، فهذا هو الصلح على الإنكار في حقيقته.
وهو باطل عندنا.
ولو قال المدعى عليه بعد الإنكار: صالحني بكذا، أو بهذا، فقال المدعي: صالحتك، فهو باطل، وهو من صور الصلح على الإنكار.
ولو قال المدعى عليه بعد الإنكار السابق: 3 صالحني عن هذه الدار على كذا، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن هذا صلح على الإنكار، وهو باطل.
والثاني - أنّه إذا أضاف الصلح إلى العين المدعاة، كان ذلك إقراراً منه بالملك فيها للمدّعي؛ فإن الصلح -حيث يصح - كالبيع، وإضافة البيع إلى تلك العين إقرار بها، فليكن إضافة الصلح إليها بهذه المثابة.
والقائل الأول يقول: البيع صريح في اقتضاء إثبات الملك لمن هو في منزلة البائع، ولفظ الصلح قد يستعمل في اللَّبس والاختلاط، ومحاولة الخلاص.
وما ذكرناه فيه إذا جرى الصلح مع الإنكار على غير العين المدعاة.
4112 - وأمَّا إذا جرى الصلح على بعض المدعى، مع تصوير الإمكان، فلا يخلو المدعَى إمّا أن يكون عيناً، وإما أن يكون ديناً، فإن كان عيناً، [كأن] 4 كان المدعى
ثوباً، فأنكر، ثم قال: صالحني على نصفه، ففي المسألة وجهان مشهوران:
أحدهما - لا يجوز ذلك ويلغو 1، والصلح صلحُ إنكار، فيُقضَى بفساده.
والوجه الثاني - يجوز، ويجعل كأنه وهب منه نصف المدّعى.
وفي الحقيقة إذا صالحه على النصف وسلمه إليه، فقد اتفقا على استحقاقه فيه، غير أنهما اختلفا في جهة الاستحقاق: فالمدعي يزعم أنه يستحقه بحكم الملك، والمدعى عليه يقول: بل بحكم الهبة.
4113 - ولو كان المدعى ديناً، فأنكره المدعى عليه، ثم صالحه المدعي على خمسمائةٍ 2، نُظر: فإن صالح على خمسمائة في الذمة، لم يجز الصلح.
وإن وقع تعيينُ الخمسمائة وإقباضُها؛ فإن المدعى عليه يزعم أنه وَهَب من 3 المدعي خمسمائةٍ، وإيراد الهبة على الذمة باطل.
ولو قال رجل لآخر وهبتُ منك ألف درهم، ثم حصله وأقبضه إياه، لم يصح ذلك.
ولو أحضر المدعى عليه خمسمائة، فقال المدعي: صالحتك على هذه الخمسمائة، فهذا يترتب على ما قدمناه فيه إذا كان المدعى عيناً، فإن حكمنا ببطلان الصلح في العين، فلأن يبطل الصلح في الصورة التي انتهينا إليها أولى، وإن حكمنا بأن الصلح من العين على بعضها صحيح محمول على الهبة، فإذا جرى الصلح من ألف على خمسمائةٍ معينة، ففي هذا الصلح وجهان: أحدهما - أنه يصح، وهو محمول على هبة الخمسمائة الحاضرة، وما ذكرناه في تقدير هبة بعض العين إذا كان المدّعى عيناً والصلح على بعضها.
ومنهم من قال: لا يصح.
والفرق أن الصلح من العين على بعضها ليس في معناه شَوْبُ معاوضة، والصلح من ألف في الذمة على خمسمائةٍ حاضرةٍ منقودةٍ فيه معنى المعاوضة، فكان حريّاً بالبطلان، مع قيام الإنكار، ومقابلة الألف بالخمسمائة.
وكل ما ذكرناه في جريان الصلح بين المدعي والمدعى عليه مع الإقرار والإنكار.
4114 - فأما إذا جرى الصلح بين المدّعي والأجنبي، لا يخلو 1 إمّا أن يكون مع إقرار المدعى عليه، وإمّا أن يكون مع إنكاره.
فإن كان مع إقراره، لم يخل إما أن يكون المدعى ديناً، أو عيناً.
فإن كان عيناً [كأن] 2 ادّعى عليه ثوباًً، فأقر به، فتقدم أجنبي إلى المدعي ليصالح، ففي ذلك مسائل: إحداها - أن يقول: وكلني المدعى عليه لأصالحك عنه له على كذا، فيجوز هذا، والأجنبي وكيل بالشراء.
والمسألة الثانية: أن يقول: أصالحك عنه لنفسي على كذا، فأجابه المدّعي، والأجنبي [كأنه] 3 يقصد [الشراء] 4 لنفسه.
قال الأصحاب: ذلك صحيح، وقد اشترى عيناً من مالكها.
وكان شيخي يتردَّد في ذلك تردُّداً يؤول إلى اللفظ.
ويقول: أولاً في غير صور المنازعة والدعوى، إذا تقدّم رجل إلى مالك عينٍ، وقال: صالحني عن ثوبك هذا بدينارٍ، فقال: صالحتك.
فهل يكونُ ذلك شراءً صحيحاً؟ فعلى وجهين: أحدهما - يصح.
والثاني - لا ينعقد البيع، فإنّ الصلح من غير تقدم منازعةٍ غيرُ مستعمل.
ولو تقدمت دعوى في مفصل خصومة ترتب عليها إقرارٌ، فقال المدعى عليه: صالحني على كذا، صح، ولو قال أجنبي للمدعي: صالحني على كذا، وقصد أن يملك لنفسه، وقد ثبت ملك المدعي بإقرار المدَّعى عليه، ففي صحة ذلك وجهان مرتبان على ما لو جرى الصلح من غير نزاع أصلاً، وهذه الصورة أولى بالصحّة؛ فإن لفظ الصلح ترتب على صورة دعوى وجواب، وإن لم تتعلق الدعوى بالأجنبي 5 المصالح.
4115 - ولو تقدم الأجنبي إلى المدعي، وقال: أصالحك عن العين المدَّعى عليه بكذا، وما كان وكله المدعى عليه 1 المقر، فأجابه المدّعي، فلا يقع الملك للمدّعى عليه المقر، تفريعاً على المذهب الظّاهر في منع وقف العقود، كما فصلناه في كتاب البيع.
وإذا لم يقع الملك للمقر المدّعَى عليه، فهل يقع 2 [للأجنبي؟ في وقوعه وجهان يجريان في كل من اشترى لغيره شيئاًً من غير توكيل، فلا يقع لغيره، وفي وقوعه للعاقد وجهان، هذا إذا صرح بالإضافة، فإن أضمرها، فلا خلاف في الوقوع للعاقد، ولو قبل النكاح لمن لم يوكله، لم يقع لواحد منهما اتفاقاً.
أما إذا قال: وكلني لأصالح له بثوبي أو عبدي، ففي وقوعه عن الموكل وجهان يجريان في التوكيل كذلك، من غير نزاع، فإن لم نوقعه للموكل، ففي وقوعه للوكيل الوجهان، وإن أوقعناه للموكل فنقول:] 3 هل الثوبُ موهوبٌ أو مقرض؟ فعلى الوجهين السابقين.
والثاني - لا يقع للمدَّعى عليه، فعلى هذا لا يقع للأجنبي المُصالح أيضاًً، تفريعاً على بُطلان شراء الدين في ذمة الغير.
وهذا بخلافِ العين؛ فإن شراء العين جائز.
هذا منتهى الكلام في صلح الأجنبي، مع إقرار المدعى عليه، عيناً كان المدعى، أو ديناً.
4116 - فأما الصلح من الأجنبي مع إنكار المدعى عليه، فينقسم إلى العين والدين، فإن كان في العين [كأن] 4 ادّعى عليه ثوباًً، وأنكر، فجاء أجنبي ليصالح، ففي ذلك مسائل: إحداها - أن يقول: أقر المدّعى عليه عندي، ووكلني لأصالحك عنه على مالٍ، فهذا جائز، لا امتناع فيه بوجهٍ.
وفي المسألة غائلة، لا بد من التنبيه لها، وهي أنا لو سمعنا المدعى عليه يُعيد الإنكار بعد ما ادّعى الأجنبي أنه وكيله، فعادة الإنكار منه عزلٌ له، فتنقطع الوكالة، ولو لم يُعِدْ إنكاراً بعد الإنكار الأول، فالأمرُ على ما ذكرناه حينئذ.
4117 - ومن مسائل هذا القسم أن يقول الأجنبي: قد أقر المدّعى عليه عندي بعد إنكاره، وأنا أصالحك عنه لنفسي على كذا، فقد قال طوائف من أصحابنا: يصحّ هذا العقد.
فإنَّا نبني صحة العقد على الصيغة الدائرة بين المتعاقدين، وهما متقارّان، وصورة العقد مبنيّة على التقارِّ.
وهؤلاء يشترطون لا محالة أن يكون المشتري قادراً على انتزاع تلك العين من يد المدعى عليه.
ولو قال الأجنبي: أنا قادر على الانتزاع من يده، بُني العقدُ على حكم قوله في الظاهر، وحُكم بصحته.
وكان شيخي أبو محمّد يطلق القول بأن الصلح في هذه الصورة لا يصح على هذا الوجه؛ فإن ظاهر الشرع قاضٍ بثبوت الملك للمدعى عليه، وابتياعُ ملكه المحكومُ به من غير إذنه لا يصح.
[والوجه التفصيلُ عندنا، بأن] 1 يقال: إن كان الأجنبي صادقاً بينه وبين الله تعالى، حُكم بصحة العقد باطناً قطعاً.
ولكن.
لو قيل: يُحكم 2 بصحة العقد ظاهراً، على معنى أن تزال يدُ المدعى عليه، من غير ثَبتٍ، فهذا لا وجه له، ولا سبيل إليه.
وإن قيل: هل يطالِب المدّعي الأجنبيَّ المصالحَ بالثمن الذي التزمه بناء على قوله والتزامه؟ فالوجه القطع بأنه يطالبه، ويؤاخذه بحكم قوله.
وإن كان المدّعي كاذباً في علم الله تعالى، فالعقد باطل باطناً، وفي مؤاخذة الأجنبي بالظاهر بناء على قوله والتزامه - الذي ذكرناه 3.
وما ذكرهُ شيخي له اتجاهٌ؛ فإن انتزاع تلك العين من يَدِ المدّعى عليه ممنوع شرعاً،
لا يعارضه إقرار الأجنبي بالاقتدار على 1 الانتزاع.
هذا منتهى الكلام.
والوجه مَا ذكرناه من التعرض للظاهر والباطن.
4118 - ومن المسائل أن يقول الأجنبي: لم يُقرّ المدعى عليه عندي، لكني أعلم أنك محق، فأصالحك لنفسي، فهذا [بزعم] 2 هذا الأجنبي شراء المغصوب، والتفصيل فيه كالتفصيل، في المسألة المقدمة 3.
4119 - ومن المسائل أن يقول: لم يقر المدعى عليه، لكني أعلم أنك محق، فأصالحك للمدعى عليه لقطع الخصومة، وتخليص العين للمدّعى عليه، ففي المسألة وجهان مشهوران: أظهرهما - أن ذلك ممتنع؛ فإنه موقعٌ الصلحَ لمنكرٍ، والمدّعى عين من الأعيان.
والثاني - يصح العقد؛ لأن الأجنبي والمدعي متقاران بينهما 4، وهو يبغي تنزيه العين عن دعوى المدعي، فكان كما لو سعى في تبرئة ذمته عن دين، وهذا رديء جدّاً، ولكنه مشهورٌ في الحكاية.
4120 - ومن المسائل أن يقول: أقر عندي وأنا الآن أصالحك له، وما وكلني، فلا يقع للمدعى عليه بلا خلاف؛ فإنه يزعم أنه أقر باطناً، فليس متمادياً على إنكاره، فلا بد من التوكيل من جهته، ولكن إذا لم يقع عن المدّعى عليه، فهل يقع عن الأجنبي فعلى الوجهين المذكورين في نظائر هذا.
ولو قال الأجنبي 5: أعلمك مبطلاً، ولكني أصالح لقطع الخصومة، فهذا
باطل؛ فإن الصلح على هذه الصيغة مع المدعى عليه لا يصح؛ لأنه على الإنكار، [فكذلك] 1 لا يصح مع الأجنبي.
وكل ما ذكرناه والمدّعى عين.
4121 - فأمَّا إذا كان المدعى ديناً، وقد أنكره المدعى عليه، فجاء أجنبي ليصالح، نُظر: فإن قال: أقر عندي، ووكلني لأصالح له، فجائز على نحو ما ذكرناه في العين، وقد تقدم.
وإن قال: أصالح لنفسي، فهو شراء الدين، وتفريعنا على الحكم ببطلانه.
وإن قال الأجنبي: أعلمك مبطلاً ولكني أصالحك لقطع الخصومة، فهذا باطل، وهو صلح على الإنكار.
وإن قال: لم يقر، وأعلمك محقاً، ولكني أصالح للمدعى عليه، فالأظهرُ أنه جائز؛ لأنه قضاء دين الغير دون إذنه، وقضاء الدين لا يقف على إذن المقضي عنه، بخلاف العين؛ لأن تملك العين بغير إذنه وقبوله غيرُ متجه، وقيل: لا يصح هذا في الدين، وهو بعيد.
4122 - وفي هذا الفصل مزيد تفصيل يستدعي تقديم مقدّمةٍ، هي مقصودة في نفسها: وهي أن من عليه الدين إذا قال لإنسانٍ: أدِّ ديني، فإن أدى المأمور جنسَ الدين، جاز.
وإن أدى [عِوضاً] 2، ففي المسألة وجهان: أظهرهما - أنه يجوز كما لو أعطى جنس الحق.
والثاني - لا يجوز؛ لأنه يعطيه على سبيل العوض، ومبنى ما يعطيه المرء عوضاً أن يقابله [تملك] 3 شيء من جهة باذل العوض، وليس الأمر كذلك.
ولو ضمن رجل مالاً، فأعطى عوضاً إلى المضمون له، وقع الموقع وجهاًً واحداً؛ لأن الضّامن من التزم المال بالضمان، فصار أصلاً في الالتزام، فما يعطيه يعطيه
فيما عليه، ويُسلّم له في مقابلة براءته.
فإن قلنا: بظاهر المذهب في جواز بذل العوض، أو وضعنا الكلام في الضّامن الذي يملك الرجوع على المضمون عنه، والتصوير في المأمور بأداء الدين فيه إذا كان يملك الرجوع، وإن كان العوض المبذول قيمته مثل الدين، رجع به.
وإن كان أكثر من الدين، لم يرجع بالزائد.
وإن كان أقلَّ من الدين، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يرجعُ بقدر قيمته اعتباراً بما غرم.
والثاني - بقدر الدين؛ اعتباراً بما سقط، وسنقرر هذا الأصل في كتاب الضمان إن شاء الله تعالى.
4123 - فإذا ثبتت هذه المقدمة، فإذا جاء الأجنبي في صورة الصلح، وقال للمدعي: أعلمك محقاً، وأريد أن أصالح المدعى عليه، وما أقر عندي، وما وكلني، فإن بذل الأجنبي جنس الدين، فالظاهر الصحة، وفيه الوجه الضعيف.
وإن بذل عوضاً، [والتفريع] 1 على أن بذل جنس الدين صحيح، ففي بذل العوض وصحته من الخلاف ما ذكرناه فيه إذا قال من عليهِ الدين: " أدّ ديني "، فبذل المأمور عوضاً.
فصل
يحوي مسائل من الصُّلح مع الإقرار، والمدَّعَى المَقَرُّ به دينٌ
4124 - فلو استحق الرجل ألف درهم مؤجّلاً، وصالح على ألف حالٍّ، فهذا إسقاط الأجل عن الدين.
ولا يسقط الأجل عن الدين.
نعم، لو عجَّل من عليه الدينُ المُؤجَّلُ الدينَ، وقبله مستحق الدين، وقع الموقع.
وإنّما الذي ذكرناه في أن هذا الصلح لفظٌ لا يوجب سقوط الأجل.
ولو كان الألفُ حالاًّ، فقال صالحتُ على ألفٍ مؤجَّل، فهذا ليس بشيء، وهو على الحقيقة إلحاق الأجل بالدين، والأجل لا يلتحق بالدين.
فلو صالح من ألفٍ مؤجَّل على خمسمائة حالّ، لم يجز، لأنه طلب الحلول، ورأى المقدار الذي ذكره حالاًّ أولى عنده من الألف المؤجّل، فكان ذلك على حقيقة المعاوضة.
ومقابلةُ الألف بالخمسمائة باطل.
ولو قال: صالحت من ألفٍ حالٍّ على خمسمائة مؤجلة، فمعنى الكلام الإبراء عن خمسمائة، وإلحاق الأجل بالخمسمائة الباقية.
وليس في هذا الكلام معنى المعاوضة، وطلب مقصود يُطلب بالمعاوضة، فالوجْه أن نقول: الإبراء صحيح عن خمسمائةٍ، وخمسمائة ثابتةٌ على حلولها، وذِكْره الأجلَ وعدٌ بالتأخير، فلا يلزمه الوفاء بهِ.
4125 - ولو صالحهُ من ألف صحاحٍ على ألفٍ مُكسّرة، فهذا وعد جميل، من جهة صاحب الحق، لا يجبُ الوفاء به.
نعم، لو قبض المكسر مسامحاً، وقع الموقع.
ولو صالح من ألف مُكسَّرٍ على خمسمائة صحاحٍ، لم يصح الإبراء عن شيء؛ فإن ذلك صيغة المعاوضة؛ إذ الصحة صفة مقصودة في الخمسمائة، فكأنه قابل الألفَ المكسّرَ بالخمسمائة الصحاح، فيبطل العقد لا محالة.
ولو صالح من ألفٍ صحاح على خمسمائة مكسرة، فليس في هذا ثبوت المعاوضة، فالوجه تصحيح الإبراء في الخمسمائة، والخمسمائة الباقية على صحتها، وذكر المكسرة وعد جميل منه.
ولو استحق على رجلٍ ألفَ درهم وخمسين ديناراً، فصالحه منها على ألفي درهم، فقد قال معظم الأصحاب: يجوز، ونجعله في أحد الألفين مستوفياً الألف الذي له، والثاني في مقابلة الدنانير، وهذا متجه حسن.
قال القاضي: الصحيح عندي فساد هذه المعاملة، وحمل الأمر على بيع ألف درهم وخمسين ديناراً، بألفي درهم.
والأوجهُ عندي ما ذكر الأصحاب؛ فإن الألف في مقابلة الألف استيفاءً، ولا يجوز تقدير البيع فيه، ولو قال مستحق الألف: بعتك الألف الذي عليك بهذا
الألف الحاضر، فالذي جاء به لي بيعاً، وإنما هو استيفاء.
وإذا اتضح ذلك، فالوجه حمل أحد الألفين على استيفاء الألف الذي كان ديناً، فتتجرد المعاوضة في الألف الأخير والدنانير، وذاك لا امتناع فيه.
فصل
يحوي مسائل مقصودة في المذهب أَلزمَها أصحابُ أبي حنيفة
في تصحيح صلح الإنكار
منها:
4126 - أن الرجل إذا طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، ومات قبل التعيين، نوقف بينهما ميراثَ زوجة، فإن اصطلحتا على اقتسام الموقوف نصفين، أو على نسبةٍ، فقد أجاز الأصحابُ ذلك، فاستمسك أصحابُ أبي حنيفة بالمسألة 1، وقالوا: هما متناكرتان: كل واحدة تدعي أنها زوجته، وأن صاحبتها محرومة، فالذي جرى من الصلح صلح مع تقرير الإصرار على التناكر.
وهذا الذي ذكروه في الإلزام باطلٌ، واقتسام على التراضي صحيح.
وما ذكروه من التناكر لا حقيقة له؛ فإنهما لو أنصفتا، لاعترفتا بالإشكال؛ إذ ليست إحداهما مختصة بنوع من البيان دون صاحبتها، فليس بينهما تناكر.
ولو فرضنا تناكراً، فلا محمل له إلا أن تدعي كل واحدة أنها اطلعت على بيانٍ في أنها الزوجة.
فإن كان كذلك، فالصلح مع الإنكار على نعت الحطيطة.
وقد ذكرنا أن صلح الحطيطة هل يحمل على الهبة أم لا؟ وفيه الخلاف المقدّم.
وإن اعترفتا بالإشكال، فالقسمة على التراضي صحيحة.
فإن قيل: كيف صححتم المعاملة مع الجهل؟ قلنا: إذا انحسم البيان، وتعذر وقف المال إلى غير نهايةٍ، فالشرع يحتمل الجهالةَ في مثل هذه الصورة، ولا وجه إلا احتمالها.
4127 - ولو صالحت إحداهما الأخرى على عينٍ أخرى سوى الموقوف بينهما، فقد قال الأصحابُ هذا باطل، مع الاعتراف بالإشكال، فإنه استبدال مالٍ هو ملك من يبذل، في مقابلة ما لا يعلم كونه ملكاً له.
وليس كما لو اقتسما ذلك الموقوف؛ فإن كل واحدة تقول: إن كنت أنا الزوج، فالحاصل في يدي ملكٌ لي، والباقي أيضاًً ملكٌ لي، وإن لم أكن زوجة، فالحاصل في يدي موهوب مني من صاحبتي، وهذا لا يمكن اعتقاده، وقد بُذل عوضٌ آخر سوى الموقوف.
4128 - ومما أَلزَموه ما إذا أسلم الرجل عن أكثر من أربع نسوة: فكنَّ خمساً، أو ستاً، ومات الزوج قبل البيان.
فإنا نقف بينهن ميراثَ زوجة.
ثم الكلام في الاصطلاح على حسب ما ذكرنا إلزاماً وجواباً.
4129 - ولو ادعى رجلان داراً في يد إنسان، كل واحد يدعي تمامها لنفسه، فقال المدعى عليه: الدار لأحدكما، ولم يبيّن، ومات، وعسر تلقي البيان منه، فلو اصطلحا، واقتسما الدار، صح.
وهذا فيه فضلُ نظر؛ فإنهما ما بنيا الأمرَ على الاعتراف بالإشكالِ، بل كل واحد ادعى الانفراد بالملك في جميع الدار، فكان هذا نظيراً لما إذا ادّعت المرأتان -وقد وقعت طلقةٌ مبهمةٌ بينهما - العلمَ بحقيقة الحال، فكانت كل واحدة تدعي: إني معينةٌ للزوجية.
وقد ذكرنا أن الصلح في هذه الصورة، صلحُ حطيطة على الإنكار، فالقول في المدعيين يحل هذا المحل.
فصل
قال: " فإن صالح رجل أخاه من موروثه ... إلى آخره " 1.
4130 - إذا صالح واحد من الورثة الباقين 2 عن حصةٍ من التركة، وهي أعيان، فهذا [منه] 3 بيعُ حصّته بعوض، فحكمُه حكمُ البيع في كل معنىً، فقد يدخل فيه أحكام الصَّرف، وتفريق الصفقة، والقطع بالبُطلان في المجهول، والعبد الآبق.
ولا حاجة إلى البيان في الواضحات.
4131 - ولو كانت التركة بين اثنين مثلاً، وكانت عشرةَ دنانير، وأقمشةً، فصالح أحدهما صاحبَه على عشرة، نقل القاضي عن الأصحاب جوازَ ذلك، وحكى عنهم أن ذلك استيفاءُ حصته من الدنانير، واعتياضٌ فيما زاد على حصته من الدنانير عن حصته من الأقمشة.
ثم قال القاضي: والذي عندي أنه لا يجوز، فإنه مقابلة دنانير بدنانير.
وهذا الذي ذكروه 4 كلام مختلط.
والوجهُ أن يقال: إن أحضر الدنانير سوى دنانير التركة، فالبيع باطل قطعاً، ولا يجوز تقدير خلافٍ في هذه الصُّورة من الأصحاب.
وإن سُلمت الدنانيرُ التي في التركة إلى أحد الوارثَيْن، واكتفى بها، فالوجه القطع بجوازها؛ فإنه يكون مستوفياً لحقه من العشرة، وأخذ [باقي] 5 العشرة عوضاً عن حصته من الأقمشة، لا وجه غيرُ هذا.
والذي قدمناه منه 6 إذا كان على رجل ألفُ درهم دَيْناً وخمسون ديناراً وبذل ألفي
درهم عما عليه، فتقديرُ المنع من هذه الصورة فيه إخالة على البعدِ؛ من جهة أن الألفين المنقودين عينٌ، والذي في ذمة باذلهما دينٌ، أمّا العشرة هاهنا إذا قبضها، فقَدْرُ حقه يقع استيفاءً، فتجرد باقي العشرة في مقابلة الأقمشة.
فصل
قال: " ولو أشرع جناحاً على طريقٍ نافذةٍ ... إلى آخره " 1.
4132 - إشراع الجناح والساباط 2 فيه مسائل:
إحداها - أن يُشرِعَه في ملك الغير من غير إذنه، فهو ممتنع منقوضٌ على المُشْرع؛ فإن هواء الملك حق المالك، ولو أراد المصالحة عن ذلك الهواء بمالٍ يبذله، لم يجز ذلك؛ فإن العِوض مالٌ، فلا يجوز بذلُه إلا في مقابلة مال.
4133 - والثانية - أن يُشرع في الشارع، وهو المسلكُ النافذ الذي يشترك فيه الطارقون، فالمرعي في المنع والجواز تضرر السالكين، وانتفاء ذلك، فإن كانوا يتضررون، امتنع الإشراع، وإن كانوا لا يتضررون لا يمتنع، ولا يتوقف على أمر مَنْ إليه الأمر، ولا مخاصمة لآحاد الناس فيه عندنا.
وأبو حنيفة 3 يعتبر في المنع مخاصمةَ من يخاصم من آحاد المسملين.
فإذا ثبت أن أصل الضرر هو المعتبر عندنا، فلا يخصص الضرر بالمشاة المارين، بل لو كان [يتضرَّرُ] 4 الركبان بالجناح المشرَع، مُنع، حتى قال الأصحاب: ينبغي أن يكون الجناح بحيث لا يصطك به [كنيسة] 5 على بعير، ولا نظر إلى أن هذا قد
يندر؛ فإنه لا ضبط لأحوال المارة، واطراد الرفاق مع الحمولات، والكنائس، وغيرها، وقد يتفق ذلك ليلاً ونهاراً، فالوجه اعتبار الأقصى في الباب.
وحكى العراقيون وغيرهم عن بعض الأصحاب أن الجناح ينبغي أن يكون بحيث لا يناله رأسُ رمحٍ منصوب من رَاكب، وهذا عزاه العراقيون إلى أبي عبيد 1 بن حَرْبُوَيْه، ثم زيف الأصحاب ذلك، [وفيه زحف] 2، وعدُّوه سرفاً في تصوير الصور؛ فإن إضجاع الرمح يسيرٌ غيرُ عسير، فينبغي أن يكون ضبط الضرر بما يتعسر تغييره على الطارقين، لمكان الأجنحة، كالكنائس، والحمولات.
4134 - وممَّا يتعلق بأحكام الشوارع في الفن الذي نحن فيه: أن طائفة من أصحابنا قالوا: لو بنى الإنسان دَكَّةً على باب داره، أو غرس أشجاراً، فإن كان يتضرر به المارة، مُنع منه، وإن كان لا يتضرر به المارة، فلا منع.
ثم قال هؤلاء: لا يختص بناء الدَّكة، وغرسُ الأشجار بفِناء الملك، بل لو تباعد عن داره، [وبنى] 3 دَكة بقرب دار الغير، أو غرس أشجاراً لا يتضرر بها المارة، فلا يمتنع منه.
هذا مسلكٌ لبعض أصحابنا، وإليه ميل القاضي فيما نقل الأثبات عنه.
وكان شيخي يقول: لا يسوغ غرس الأشجار في الشوارع؛ فإن مكانه مستحق للطروق، وفي شغله بالغراس منعٌ للطريق.
والدَّكةُ المرتفعة في معنى الغراس، ولا نظر إلى اتساع الطريق وتضايقها، مع ما حققناه؛ فإن الرفاق قد تصطدم، وقد يفرض طروقُ عسكرٍ، أو أسرابٍ من البهائم.
والذين ذكروا في الأجنحة توقع اصطكاك الحمولات والكنائس، لم يفصلوا بين اتساع الطرق وتضايقها.
ومن أشخص دكاناً أو غرس أشجاراً، فقد جمع بين شغل بقعةٍ من الشارع، وبين شغل هواء الشارع، فكان البناء والغراس أولى بالمنع، [من] 1 الجناح المختص بشغل الهواء.
وإنما لم ينظر المحققون إلى اتساع الطرق؛ من جهة أن الرفاق قد تطرق ليلاً، ويعسر عليها مراقبةُ الأجنحة، وهذا يتحقق في الغراس والدَّكة.
4135 - والذي يتحتم على من يسوّغ بناء الدَّكة وإثبات الغراس أن يفصل في الجناح بين اتساع الطريق وضيقها، وهذا لم نذكره إلزاماً 2، وإنما هو قولٌ لا بد منه في التفريع على هذا الوجه.
وفي البناء والغراس مزيدُ أمرٍ، وهو أنه قد يلتبس على طول الزمان محلُّ البناء والغراس بالأملاك، وينقطع أثر استحقاق الطروق، وقد لا يتحقق ذلك في الأجنحة، ولا يتحقق شفاء الغليل في هذا الفصل إلا بذكر ماهية الشرع في أصل الوضع 3، وسنصف ذلك في آخر الفصل، إن شاء الله تعالى.
وقد نجز القول في إشراع في ملك الغير، وفي الشارع المشترك بين الكافة.
4136 - ونحن نذكر الآن التفصيل في إشراع الأجنحة في السكة [المنسدةِ] 4
الأسفل، فإذا أراد واحدٌ من أهل السكة أن يشرع جناحاً، فاشتغل به هواء السكة، فقد قال الأصحاب: إن الذين دون أسفل من موضع الجناح إلى أسفل السّكة [لهم] 5 المنعُ من البناء، والنقضُ بعدَه؛ فإنهم في محاولة النفوذ من رأس السكة [يطرقون] 6 ما يسامت الجناح من عَرْصة السّكة، فأمّا الذين دارهم أعلى من مكان الجناح، فقد
اختلف أصحابنا فيهم: فذهب ذاهبُون إلى أنهم لا يعترضون؛ فإنّهم في النفوذ من السكة لا [يطرقون] 1 مكان الجناح، فلا اعتراض.
وقال آخرون: لهم الاعتراض؛ فإن السكة في حكم عرصة مشتركة بين سُكَّان السّكة، فيثبت حق الاعتراض للجميع، ولمن تعلو داره حقُّ الاعتراض في جميع السّكة.
وغاية هذا الفصل تتبين بذكرنا حقيقة المذهبِ في آخر الفصل، إن شاء الله تعالى.
ولو صالح أهل السّكة مُشرع الجناح، لم يجز، لما قدمناه من امتناع المصالحة على الهواء المجرّد.
فهذا الذي ذكرناه الطريقةُ المشهورة للأصحاب، وفاقاً وخلافاً.
4137 - وقال العراقيون يجوز إشراع الجناح في السكة [المنسدة] 2، حيث يجوز إشراعُها في الشوارع، وإنما قال العراقيون ذلك فيمن له بابٌ نافذ في السكة، فأما من لا ممر له، وإنّما جداره على السّكة، فليس له أن يُشرع الجناحَ في السكة المنسدة.
وهذا نقلته من طرق معتمدة لهم على ثَبَت.
فالمرعي عند هؤلاء الضرر وانتفاؤه، كما تقدّم في الشارع العام، وهذا لا تعرفه المراوزة أصلاً، ولعل العراقيين لم يثبتوا في عرصة السكة حقيقةَ الملك لأهل السكة، وإنما أثبتوا فيها حق الطروق، ولكنه مختص بسكان السكة.
والطروقُ في الشارع العام لا اختصاص فيه.
4138 - وممَّا يتعلق بهذه التصرفات فتح الأبواب و [الكَوَّاتِ] 3 والمنافذ، فأمّا فتح الأبواب في الشوارع العامة، فلا منع منه؛ فإن الذي يفتحها يتصرف في جدار نفسه بالرفع، وذلك إليه، وإذا رفع مقداراً منه، استحال منعُه.
ثم حق الطروق بعد الفتح ثابت؛ فإنه حقٌ عام للناس كافة.
فأما فتح باب جديد في السكة المنسدة، ففيه تردد يستدعي مزيد تثبت.
قال بعض المحققين: لو أراد من له باب في السكة المنسدة أن يفتح باباً آخر في
السكة على جداره المملوك، نُظر، فإن كان يفتحه دون باب دارِه، فللذين دورهم
أسفل المنعُ، وهل للذين دورهم أعلى من داره المنع؟ فعلى الوجهين المذكورين في الجناح.
وإن كان يفتح الباب الجديد فوق بابه المعهود، فليس للذين دورهم أسفل المنعُ أصْلاً، وهل للذين دورهم أعلى من ذلك الباب المفتوح أو هم في مقابلة ذلك الباب المنع؟ فعلى وجهين.
أما ذكر الوجهين في الذين بابهم أعلى من الباب المفتوح، فهو على القياس المقدّم في الجناح، وليس تفصيلاً محدثاً، وأمَّا القطع بأن الذين هم أسفل من بابه المعهود لا يعترضون وجهاًً واحداً، فهذا إحداث حكم لم نذكره في الجناح.
وكان شيخي يذكر في الذين هم أسفل وجهين إذا كان الفتح أعلى من الباب المعهود، كما ذكرنا وجهين في الذين هم فوق الجناح المشروع، ويقول: من أصحابنا من لا يخصص المنعَ ببعض السكان دون بعض، طرداً للقياس.
ثم الذي يتخيل في المنع من إحداثِ باب جديد ازدحامُ الناس عليه، أو وقوف
دابةٍ بالقربِ منه، وهذا في حق الأعلى والأسفل على وتيرة.
فهذا ما قيل فيه.
4139 - ووراء ذلك فكر لا بد من الإحاطة به، وهو أنه إن سد الباب القديم، وأحدث فوقه باباً مما يلي الدرب، فلا يتجه أصلاً حق المنع لمن هو أسفل، ولا لمن هو أعلى.
وإن فتح باباً جديداً، ولم يسد الباب القديم، فقد يتجه حق المنع للمتسفلين، فإن هذا إحداث فتحٍ، وهو مظنة [الشغل] 1 مع استدامة [الأول] 2، فالذين هم أعلى، فالأمر فيهم على التردد كما ذكرناه في السَّابَاطِ، والظاهر أن الذي يقابل الفتح الجديد يثبت له حق الاعتراض؛ لأن الضرر الذي أومأنا إليه يناله، وهذا مما يجب القطع به.
ولو كان الباب المقابل بين بابي هذا الفاتح القديم والحديث، فلا وجه إلا القطعُ بثبوت الاعتراض؛ فإن ممرّه على الباب المستحدث، وليس بابُه أسفل من الباب القديم؛ حتى يقال: هذا البابُ الحديث في معنى البابِ القديم، بل هو في حقه إحداث ممرٍّ لم يكن له.
والسر في هذا مبيَّنٌ في آخر الفصل.
4140 - والذي نذكره الآن نقل مقالاتِ الأصحاب، مع التحقيق الذي يليق به:
فأمّا فتحُ الكوّاتِ والمنافذ لجلب الضوء من غير إشراعٍ في الهواء، فلا منع منه أصلاً.
ولو فتح باباً جديداً وزعم: إني أريد الاستضاءة، ولست أطرق منه، وطلب أن يقيمه مقام كوة يفتحها، فقد اضطرب أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: لا سبيل إلى منعه، وكذلك لو أراد رفع جميع جدارِه، لم يمنع.
ومنهم من قال: يمنع؛ فإن الباب شاهد على حق المرور من محل الفتح، فليمنع من هذا، وليس كالفتحة العالية، التي لا يتوقع النفوذ منها.
4141 - ولو كان للإنسان دار بابُها لافظٌ في سكة منسدة، وكانت تلي الشارع، ففتح لها باباً في الشارع، جاز ذلك.
ولو كان بابُها لافظاً في الشارع، وكان جدارٌ منها يلي سكة منسدةَ الأسفل، لم يجز له أن يفتح باباً في تلك السكة إلا برضا أهلها، فإذا رضُوا، كان ذلك إعارةً منهم [للمرور] 1 من السّكة، ومهما أرادوا الرجوع، رجعوا في العارية، ولا يلتزمون إذا رجعوا شيئاً، بخلاف ما إذا أعار مالك الأرض ممّن بنى عليها؛ فإن الرجوع وإن كان جائزاً، فقلْع البناء مجاناً لا يجوز، على ما سيأتي مشروحاً، إن شاء الله تعالى.
4142 - ولو كانت له داران بابُ أحدهما لافظٌ في الشارع، وبابُ الثانية نافذٌ في سكة غيرِ نافذة، فأراد أن يفتح باباً من إحدى الدارين في الأخرى، ليصيرا واحدة، فهل لأهل السكة المنعُ؟ فعلى وجهين: أقيسهما - أنه لا يُمنع؛ لأن حق الاستطراق في السكة مُستحق له، ومنعه من فتح ملكه في ملكه لا وجه له.
ومن أصحابنا من جوز لأهل السكة المنسدة أن يمنعوه، والسَّبب فيه عند هؤلاء أنه أثبت للدَّار التي تلي الشارع ممراً في هذه السّكة لم يكن، وربما يسد باب الشارع، فيرجع الممرُّ من تلك الدّار إلى هذه السّكةِ.
4143 - ولو كانت له داران بينهما جدارٌ، وباب أحدهما لافظٌ في سكةٍ، وبابُ الثانية نافذٌ في أخرى، والسّكتان منسدتان، فأراد فتحَ بابٍ بين الدّارين، فهل لأهل السّكتين المنعُ؟ فعلى الوجهين المتقدمين.
فهذا منتهى القول في المسائل التي ذكرها الأصحابُ في هذا الصنف.
4144 - ونحن نختم الفصلَ الآن بتحقيق القول في أصل الشارع العام، ثم نذكرُ الآن حقيقةَ القول في السكة المنسدة.
أما الشارع فالذي نبتدىء به: أنا إذا ألفينا جادَّة معبّدةً، ومسلكاً مشروعاً نافذاً، تبينا حكمَ استحقاق الاستطراق بظاهر الحال، ولم نلتفت إلى المبدأ الذي عليه ابتنى مصير تلك البقعة [شارعاً] 1، وهذا لا خفاء به.
ثم حكم الشارع ما قدمناه في مسائل الفصل.
وفيه أحكام تتعلق بالمقاعد في الأسواق، يحويها بابٌ من كتاب إحياء الموات.
وغرضنا وراء ذلك أن من جعل ملكاً من الأملاك شارعاً، وصرفه إلى هذه الجهة، صار الملك سبيلاً مسبَّلاً 2 على السابلةِ 3، وكان ذلك جهةً في ثبوت الشارع.
4145 - ولو أحيا جماعةٌ قريةً أو بلدة، وملكوا البقاع بطرق الإحياء، وفتحوا أبواب المساكن إلى صوب، وتركوا مسلكاً بين دورهم، ومساكنهم، وبساتينهم، نافذاً، فتصير تلك البقعة شارعاً؛ فإنهم لا يستغنون عن النفوذِ في مساكنهم إلى البقاع، وكذلك يحتاجون إلى نفوذ الناس إليهم.
وهذا من لطيف ما يتعين تأمله، فالموات لا ينتقل عن حُكمِ الإباحة من غير ظهور آثار حكم الإحياء فيه، وفي الآثار تفاصيل ستأتي في كتابها، إن شاء الله تعالى.
والشارع قد لا يحتاج فيه إلى إثباتِ أثر، ولكن احتفافَ الدور واصطفافَها، على شقي بقعةٍ من الموات، مع تهيئة المنافذ إليها يهيئها، وينزل منزلة التأثير في المواتِ باتخاذها مزارعَ، أو زرائبَ، أو دوراً، ولا حاجة في ذلك إلى لفظٍ ونطقٍ، ولا حاجة إلى تقدمٍ في المواتِ، ثم ردّه إلى جهة الاستطراق، وليس [الشارع] 1 من حقوق الأملاك؛ فإن الناس فيه شَرَعٌ 2. فلم يلتحق بالحقوق المختصة كالدِّمَن 3، ومطارح التراب، وغيرها؛ فإذاً اتجه مصير المواتِ شارعاً بجهتين: إحداهما - صرفُ الملك إليه.
والثاني - ما ذكرناه من تشكيل الأملاك على شكلٍ، يقتضي مصيرَ المواتِ شارعاً.
4146 - وكل موات في علم الله تعالى - فهو شارعٌ للخلق، على أنه لا منع من الاستطراق، ولكن لا يمتنع إحياؤه، حتى لو لم يفرض ما قدمناه من تهيئة الشوارع.
وكان بعض الناس يطرقون الموات، فلا يُمنع إحياؤه، والتحويطُ عليه، وصرفُ الممرّ منه.
وكان شيخي يقول: " هذا إذا لم يصر موضعٌ من المواضع جادَّةً مَتْناً 4، يطرقها الرفاق، فإن ظهرت جادةٌ موصوفة [بهذه الصفة] 5، وإن لم تحتفّ بها أملاكٌ ذاتُ منافذ، فلا يجوز تغييره، وصرفُ الممر عنه".
فإن 6 كان هذا يُعدّ إحياءً، فهو بدع لا نظير له، إذ ليس يُدرى فيه مبتدىء عن قصدٍ، وممهِّدٌ، ولا يتعين فيه قصدُ قاصد، ولكن إذا أُلفي، أُقرّ.
فليفصل الفاصل بين الممر المعروف وبين مسلك
التعاسيف 1. وكان يتردد 2 في بُنيّات 3 الطرق إذا لم تكن جادة 4، وكانت مسالك يعرفها الخواص في كل بقعة.
فهذا منتهى القول في الشارع العام.
4147 - فأمّا السّكة المنسدة، فلا شك في اختصاص عَرصتها لأصحاب الدور التي لها أبواب إليها، ولو أراد أهلها أن يسدوا الدرب، حتى لا يدخلها داخل، كان لهم ذلك.
وجواز دخول السّكة المنسدة إذا صودفت أبوابُها مفتّحةً، من قبيل الإباحاتِ المستفادة من قرائن الأحوالِ، على ما سيأتي تفصيل أصنافها، ومواضعها، إن شاء الله تعالى.
فأطلق الأئمةُ أقوالهم بأن عَرْصة السكة مملوكةٌ لأهلها، ولم يختلفوا في أنهم لو أرادوا أن يلحقوها بعَرصاتِ دورهم، ويوسِّعوا بها رِباعَهم، كان لهم ذلك.
وكذلك لو رجعت الدور ملكاً لواحد، فله رفع السّكة وردها إلى رقعة الدور، ثم يفتح باباً أو أبواباً إلى الشارع العام.
وقال المشايخ: لو أراد من يسكن في أسفل السكة أن يُدخلوا ذلك القدر من السّكة في أملاكهم، فهل للذين يسكنون أعلى السكة حق الاعتراض؟ فعلى الوجهين المذكورين في الأجنحة وما في معانيها.
فتحصّل من كلام المشايخ أن السكة المنسدة مملوكة.
وكان شيخي يطلق القولَ بجواز بيعها، وطريق تملكها على الاختصاص كطريق ثبوت الشارع العام، غير أنها أثبتت على هيئة الاختصاص، فمُلِّكت كذلك.
وقد نجز المقصود من تفصيل الفصل أولاً، وتأصيله آخراً.
فصل
قال: "ولو أن رجلين ادعيا داراً في يد رجل، فقالا: ورثناها من أبينا ... إلى آخره" 1.
4148 - إذا ادّعى رجلان داراً في يد رجل.
وقالا: ورثناها من أبينا، ولم يذكرا أنهما قبضا تلك الدار، فإذا أقر المدعى عليه لأحدهما بنصف الدّار، فقد نصَّ الشافعي رضي الله عنه على أن ذلك النصف مشترك بين المدعيين، فإنهما ادعيا من جهة الإرث، وحكم الإرث الشيوع، فإذا تخلص بسبب الإقرار نصفُ الدار عن يد المدعى عليه، فهو ميراث أبيهما بينهما بزعمهما.
ولو قالا: ورثناها، وكانت في أيدينا، فغصبها منا، فإذا أقر المدعى عليه لأحدهما بنصف الدار، فقد اختلف أصحابنا فيه: فذهب الأكثرون إلى أن ذلك النصف مشترك بين المدعيين في هذه الصورة، كما ذكرناه في الصورة المتقدمة، ولا أثر لادعاء تقدم اليد، ونسبةِ المدعى عليه [إلى] 2 الغصب.
وذكر صاحب التقريب والعراقيون، وجهاًً آخر أنه يختص بالنصف المقَرّ له، ولا يشاركه صاحبه؛ فإن الغصب الذي ادعياه، يُشعر بنوع اختصاصٍ، كأنّ كلَّ واحد منهما ادّعى أنه غُصب منه النصف، ومن صاحبه النصف الآخر، فإذا سلم لأحدهما [نِسْبته] 3 إلى نفسه، لم يشارَك فيه.
وهذا بعيد؛ فإن دعوى الغصب لا تقدحُ في شيوع الإرث، ولا تتضمن اختصاصاً معقولاً.
هذا قولُنا إذا ادعيا الإرث.
4149 - فلو ادّعيا الدار عن جهتين، فقال أحدهما: النصف لي اشتريتُه منك، وقال الآخر: النصف لي وهبتنيه، فإذا أقر لأحدهما بنصف الدار مُطلقاً، ولم يتعرض لتصديقه في الجهة التي ذكرناها، فالنصف الذي يثبت له بالإقرار، لا يشاركه فيه الآخر
وفاقاً؛ فإن السبب متميز عن السَّبب، ولا يمتنع ثبوت أحدهما دون الآخر، ويمتنع ثبوتُ الإرث لأحد الاثنين دون الثاني.
هذا إذا [نسبا] 1 دعوتيهما إلى جهتين مختلفتين.
4150 - فأمَّا إذا [نسباهما] 2 إلى جهةٍ واحدة، غيرِ الإرث: مثل أن يقولا: الدارُ لنا، اشتريناها، أو اتهبناها، فأقر المدعى عليه لأحدهما بالملك المطلق في النصف، فقد اختلف جوابُ أئمتنا: فقال بعضهم: هذا النصف مشترك بينهما كما لو ادّعياه إرثاً، وهو اختيار القاضي، وجماعة من المحققين.
وذهب بعضهم إلى أنه يختص بالنصف المقَر له به، بخلاف جهة الإرث.
وقد ذكره شيخي، والصيدلاني، وبعض المصنفين.
ووجهه في القياس أن الشراء يتميز عن الشراء، وإن جمعهما اسم واحد، فكان الشراء في حقهما كجهتين.
وقد [جلبتا] 3 الوفاق.
والذي يحقق ذلك أنّه لو جرى شراؤهما في النصفين بدفعتين، وقعت الدعوى منهما كذلك، ولا يجوز أن يتخيل خلافٌ في هذه الصورة، بل الوجه القطع بأنه إذا أقر لأحدهما، لم يشاركه الآخر؛ فإن الشراء متميز عن الشراء تميُّز الشراء عن الهبة، والتميز هو المعتبر، لا صورة الاختلاف والتماثُل.
وإذا ثبت هذا فشراء رجلين في صفقة من رجل في ظاهر مذهبنا محمول على تفريق الصفقة وتعددها، وإذا ثبت ما ذكرناه، ترتب عليه أنهما إذا ادّعيا أنهما اشتريا معاً، فالأمر على الخلاف الذي ذكرناه، وإن ادّعى كل واحدٍ منهما انفراده بالعقد، في النصف الذي يدعيه، فلا مشاركة، إذا فرض إقرار لأحدهما.
وإذا ادّعيَا الشراء مطلقاًً، فهو متردد بين تعدد الشراء واتحاده، فإذا أقر لأحدهما
روجع، فإن ادعى الانفراد بالشراء، انفرد بالمقر به.
وإن ادعى وقوع الشراء معاً، فهو على الخلاف.
4151 - ثم قال الشافعي إذا ادّعيا الدّار عن جهة الإرث، فأقر لأحدهما بالملك، وثبت أن صاحبه مشاركه في ذلك النّصف، فلو صالح المقر له من النصف المقر به، على مالٍ، فظاهر النص يشير إلى صحة الصلح، وكَوْنُ العوض ثابتاً على الاشتراك.
والوجه المبتوتُ في ترتيب المذهبِ أن يقال: إذا ثبت كونُ ذلك النصف مشترَكاً، فإن جرى الصلح بإذن الشريك، صح.
وإن جرى من غير إذنه، فالصلح باطل في حصة شريكه، وهل يبطل في حصة المقَر له؟ فعلى قولي تفريق الصفقة.
هذا قياس المذهب.
4152 - وذكر طوائف من أصحابنا وجهاً آخر في صحة الصلح، في جميع النصف، وهو ظاهر النص في (السواد) 1 ولست أعرف لهذا وجهاًً.
وكل ما تُكلف ذكرُه في التصحيح يتضمن استبداد المقر له بالنصف وثمنه، وأقصى ما قيل فيه: إن كان يعرف حكم المسألة يعترف لصاحبه بحصته في النصف المقر به، وإن كان لا يعرفه، فهو كذلك.
ومَنْ ظن ملكَ الغير ملكَ نفسه، لم ينفذ بهذا السَّبب بيعُه فيه.
فرع:
4153 - قال صاحب التقريب: إذا باع اثنان عبداً مشتركاً بينهما، بثمن معلوم، فهل لأحدهما الانفرادُ بقبض حصته من الثمن؟ ولو قبض شيئاًً من الثمن، فهل يشاركه فيه صاحبه؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له أن يشاركه، وله الانفراد بقبض حصته، ووجه ذلك في القياس بيّن.
والوجه الثاني - أنه لا ينفرد، وما يجري القبض فيه مشترك، كما لو [كاتَبَا] 2 عبداً، فأراد أحدُهما الانفرادَ بقبض حصته من النجوم، لم يكن له ذلك، كما سنذكره في كتاب الكتابة، إن شاء الله تعالى.
والقائل الأول يقُول: ليست الكتابة كالبيع؛ إذ يتصور من أحد الشريكين بيع
نصيبه، وإن لم يبع الثاني، وليس لأحد السيدين أن يكاتب نصيبه دون الثاني، كما سيأتي في الكتابة إن شاء الله تعالى - وثَمَّ 1 توضيح تعليل ما ذكرناه في الكتابة جُهدنا.
فرع:
4154 - إذا ادّعى رجلان داراً في يد ثالثٍ على الشيوعِ وذكرا الملك المطلق، ولم ينسباه إلى سبب، فقد ألحق أصحابنا هذا بما لو نسبا دعوتيهما إلى الشراء أو غيره من الأسباب المتحدة الواقعة على موجب الشركة، وقد مضى التفصيل فيه.
فرع:
4155 - إذا ادّعى رجلان داراً في يد [رجل] 2، وقال كل واحدٍ منهما: نصف هذه الدار لي، فأقر المدعى عليه بأن جميع الدار لأحدهما، وعيَّنه، نُظر: فإن لم [يَزِد] 3 المقر له ابتداءً على أن نصف الدار لي، ولم ينف عن نفسه النصف الآخر، فلا يمتنع الحكم بجميع الدّار له آخراً بسبب الإقرار؛ إذ لا منافاة بين ادعائه النصفَ، وبين ثبوت الكل؛ إذ مستحق الكل قد يدّعي نصفَه.
وإن ادّعى أن النصف له، والنصف لصاحبه المدعي معه، فإذا أقر المدعى عليه له بالجميع، فلا يثبت له إلا النصف؛ تعلقاً بقوله الأول.
ولو ادعى النصف لنفسه، ونفى الاستحقاق عن غيره، ولم يثبته لشريكه في الدعوى، وقد أقر له صاحب اليد بالجميع، ففيه ثلاثة أوجه: جمعها العراقيون: أحدها - أن ذلك النصف مُقَرٌّ في يد المقِر، فإنه أولى به لثبوت يده في الظاهر، والمقَر له ينفيه.
والثاني - أنه يسلم إلى القاضي، فيحفظه، كما يحفظ الأملاك التي لا يتعين ملاكها، ويُنتظر البيانُ فيها.
والثالث - أنه يسلم النصف إلى الشريك الثاني المدعي؛ فإن المدّعى عليه أقر بزوال الملك له، ونفاه المقَرّ له عن نفسه، وأولى من يصرف إليه هذا الذي يدعيه.
وهذا
ضعيفٌ، لا أصل له، وهو على التحقيق إثبات الملك بالدعوى المجرَّدة.
4156 - ولو ادّعى أولاً النصف، ونفى استحقاقَه عن غيره، ثم تخلل زمان يجوز أن يتجدّد في مثله له ملكٌ في النصف الباقي، ثم أقر له صاحب اليد بجميع الدّار، فصدّقه المقَر له، يثبت له الملك في جميع الدار؛ إذ لا منافاة بين الأوّل والثاني.
وإن لم يتخلل زمان يفرض فيه تجدد الملك، فالإقرار في النصف الثاني مردود للمقر له 1، لقوله الأول، والمرء مؤاخذ بالقول الأول.
فإن قيل: إذا قال أولاً: النصف لي، والنصف لصاحبي، فأقر صاحب اليد بالتمام له، فهل يؤثر إقراره أولاً لصاحبه بثبوت الملك له؟ قلنا: لا أثر لهذا الإقرار في هذا المعنى.
والأمرُ على الأوجه الثلاثة التي ذكرناها.
4157 - ولو قال رجل: هذا العبد لزيد، وكان في يد عمرو، وتحت تصرفه، فرد قوله، ثم أكذب نفسه في قوله الأول، واشترى ذلك العبد من صاحب اليد؛ فإنا نحكم بصحة البيع ظاهِراً لتقارّ المتعاقدين لذا العقد، ثم إذا حكمنا بالصحة بينهما، ألزمنا المشتري أن يرد العبد إلى من أقر له به أولاً؛ فإنه تمكن من ذلك الآن.
وليس هذا كما إذا أقر أحد المدعيين للثاني بالنصف، ثم أقر صاحب اليد له بالجميع؛ فإن الإقرار له مردود في الشرع بقوله، فلا حكم له، وليس كالشراء.
وهذا بيّن.
فصل
قال: "فإن تداعى رجلان جداراً بين داريهما ... إلى آخره" 2.
4158 - وصورة ثبوت الجدار أن يكون حائلاً بين عرصتي الداريْن، أو بين بيتَيْن من الدارين، أو بين بيت وعرصة.
فإذا تنازع مالكا الدارين في الجدار، لم يخلُ: إما أن يكون متصلاً ببناء كل واحدة منهما اتصال ترصيع، وإما أن يكون متصلاً ببناء أحدهما دون الآخر.
4159 - وأول ما نبدأ به بيان التصوير.
واتصال البناء معناه أن يتداخل نصفٌ من الجدار المتنازع فيه، في الجدار المتفق عليه، ونصف من ذلك في هذا.
وإنما يظهر ذلك في الزوايا، فإذا كان الجدار ممتداً بين الدارين كما قدمناه، واتصل أحد طرفيه بجدارٍ هو ملك لمالك إحدى الدارين، وانعطف أحد الجدارين على الثاني، وظهر في المنعطف زاوية، وكانت على هيئة التداخل والترصيع، فهذا هو الاتصال.
ونقيضه أن يُرى انعطاف الجدار على الجدار، ولا ترصيع بينهما عند الملتقى في طرف الجدار، بل كان أحدهما ملصقاً بالثاني، إلصاق مجاورة.
فهذا منفصل.
4160 - فإذا تبين ذلك قلنا: إذا لم يتصل طرفٌ من الجدار الواقع بين الدارين بجدار دارِ واحدٍ منهما اتصال بنيان، فاليد في الجدار لهما جميعاً؛ والسَّبب فيه أن الجدار سورُ دار كل واحد منهما، أو سور بنيان داره، ولو لم تقدَّر الدارُ الأخرى، لكان جزءاً من هذه الدار قطعاً؛ فإذا وقع الجدار من دار كلٍّ منهما هذا الموقع، فقد تحقق استواؤهما فيما لو انفرد كل واحد منهما به، لكان اليد له.
والاشتراك في هذه الصورة يتضمن الاشتراك في ظاهر الملك.
4161 - فهذا إذا لم يتصل الطرفان اتصال بنيان، ولو اتصل الطرفان بالدارين اتصال بنيان، فالجوابُ كما مضى، وهما متساويان في اليد وظاهرِ الملك.
وإن اتصل أحد طرفي الجدار بجدارٍ خالص من دار أحدهما، عند المنعطف، اتصال بنيان، ولم يتصل الطرفُ الآخر من الجدار بدار الآخر، إلا اتصال جوارٍ، فاليد في الجدار لصاحب الاتصال، اتفق العلماء فيه؛ والسَّبب فيه أنا على تحقيق نعلم أن هذا الجدار بني مع الجدار الآخر بناءً واحداً، والوصف والترصيع شاهد فيه لا يدافَع، فلزم الحكم به؛ إذ يستحيل أن يُبنى جدار الغير مع جداره ترصيعاً، ثم لا يتصل بدار من يدعيه إلا جواراً.
ثم قال الأئمة: ما ذكرناه من الترصيع فيه، إذا كان الجداران على هذا النّعت من الأصل، والأمر 1 إلى الطرف الأعلى، حيث نتبين أنه لا يتصور إحداثه بعد البناء.
فأمَّا إذا وجد التداخل في جر ـن 1 من الجدارين، بحيث يظهر أنه بعد البناء، فلا تعلق به، وذلك مثل نزع طوبة وإدخال أخرى على التداخل.
4162 - وإذا كان الجدار بين الدارين، وكان لأحد المالكين على الجدار جذوع، ولم يكن للثاني جذوع، فلا ترجيح لصاحب الجذوع، والجدارُ في أيديهما [ولا فرق بين الجذع الواحد والعدد] 2. ومعتمد المذهب أن وضع الجذوع يقع بعد بناء الجدار، وقد ذكرنا أن كون الجدار بين الدارين مثبتٌ لمنصب اليدِ في حق كل واحد منهما، وكيف لا، وهو جزء من كل دارٍ، ووضع الجذوع يقل عن هذا، ويقصُر عنه، ويتجه حمله على الإعارة، والإجارة، وابتياع حق البناء، كما سنذكره بعد هذا، فاختصاص أحدهما بالجذوع اختصاصُ مزيد انتفاع، بعد الاستواء في اليد، فكان كما لو سكن رجلان داراً لأحدهما فيه أمتعةٌ وأقمشة، ولا قماش للثاني.
4163 - ولو تنازع رجلان دابةً، أحدُهما راكبها، فالركوب يناظر وضعَ الجذوع، ولكن لم يثبت متعلَّق في اقتضاء اليد في الدابة [فتعَلَّقنا] 3 بالركوب.
وقد أوضحنا ثبوتَ اليد في الجدار، ورددنا وضع الجذع إلى مزيد انتفاع بعد الاستواء في اليد.
ولو تنازعا دابة، وأحدهما راكبها والثاني متعلق بلجامها، أو تنازعا ثوباًً، وأحدُهما لابسه، والثاني متعلق به [يجاذبه] 4، فالمذهبُ أن اليد للراكب واللابس.
وأبعد بعضُ الأصحاب، فأثبت اليد لهما 1.
4164 - وهذه الأحوال حقها أن تؤخذ من العاداتِ؛ إذ ليس فيها توقيفاتٌ شرعية، ولا يخفى أن الرّاكب هو الذي يعد مستولياً على الدابة، دون المتعلَّقِ باللجام، وكذلك القول في لابس الثوب [وجاذبه] 2.
4165 - ثم لما ذكر الشافعي معتبرهُ في الجدارِ، وأوضح أن الرجوع إلى اتصال البنيان كما وصفناه، قال: فإن لم يكن، فالجدار مقر على اليدين، واعتبار تقريره على اليدين أوْلى من كل ما يتخيل بعده، سوى اتصال الرّصف والترصيع، وعدَّه ممّا لا يعتبر، مما قد يُخيل.
وأشارَ إلى خلاف العلماء، قال: "لا أنظر إلى من إليه الخوارج والدواخل وأنصافُ اللَّبن ومعاقدِ القُمط" والقُمُط جمع القِماط، وهو الحبل.
وأراد بالدواخل والخوارج الكتابةَ بالجص والآجر، إذا كان على أحدِ وجهي الجدار كتابة، فلا تعويل عليها، وكذلك إذا كان على أحد وجهي الجدار تزويقاتٌ أو طبقات تزين الجدار، وأراد بأنصاف اللبن أن الجدار لو كان متخذاً من اللبناتِ المقطعة، وكان الوجوه إلى أحد الجانبين والجوانب المكسرة من الجانب الآخر، فلا احتفال بشيء من هذا.
ومعاقد القمُط يظهر في الستر بين السطوح [والمتخذ من القصب والحُصر] 3 وغيرهما، فقد يشد عليها خشبة مستطيلة ومعترضة بالحبال، وقد يُظن أن [الباني] 4 لها [لا] 5 يجعل وجه العقد والخشب في جانب نفسه، ويجعل
الوجه المستوي إلى الجانب الذي يليه، ولا تعويل على ذلك، ولا ترجيح خلافاً لمالكٍ 1.
4166 - ولو كان لأحد المتنازعين في الجدار على الجدار أَزَجٌ 2، نظر: فإن [كان] 3 على منتهاه، فهو بمثابة وضع الجذوع بعد تمام البناء، وقد ذكرنا أنه لا تعلق بوضع الجذوع، ولو كان الجدار من أصله مقوساً من جهة أحدهما إلى منتهى الأَزَج، فإذا فرض النزاع والحالة هذه، فصاحبُ الأزَج صاحب الجدار؛ فإن الجدار جزء من الأَزَج، وليس الأزَج موضوعاً بعد بناء الجدار، ولا يعد مثل هذا سوراً في جانب جدارٍ من الأزج له، فإذا كان البيت المؤَزَّج لأحدهما وفاقاً، فالجدار الذي ذكرنا من غير الأَزَج.
فهذا منتهى القول في ذلك.
4167 - ثم ردد الشافعي قوله في أمر نحن [نوضِّحه] 4 ونستعين بالله تعالى فيهِ، فنقول: إذا كان بين رجلين جدار مشترك، فأراد أحدهما أن يضع عليه جذوعاً، لم يكن له أن ينفرد به دون إذن شريكه؛ فإن انفراد أحد الشركاء بالتصرف في الملك المشترك لا مساغ له.
وقال الشافعي رضي الله عنه في القديم: إن ثبتت حاجةُ الجار إلى الجذوع على الجدار، وجب إسعافه، ولا يختص هذا بالجدار المشترك؛ فإنه لو كان الجدار ملكاً خالصاً للجار، ومسَّت إليها حاجة الآخر -كما ذكرناه- لم يُمنع من وضع الجذوعِ على الجدار، واعتمد في القديم ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يمنع جاره بأن
يضع خشبة على جداره" 1 وقيل: كان الناس لا يعملون بهذا، فلما ولي أبو هريرة مكة أو المدينة قال: "ما لي أراكم معرضين عنها، والله لأرمين بها بين أكتافكم" واختلف في تفسير لفظه، فقيل: معناه لأكلفنكم ذلك، ولأضعن جذوع الجيران على أكتافكم، ضرباً للمثال، وقصداً إلى المبالغة في البيان.
وقيل: أراد بقوله لأضعنها: أي لأضعن هذه السُّنة بين أكتافكم، ولأحملنكم العمل بها.
4168 - فإن فرعنا على الجديد، فلا سبيل إلى الوضع على الملك الخالص، ولا على الملك المشترك، وإن مست الحاجة إليه.
وهذا قانون الشرع، ومقتضى القياس الكلّي والجزئي، وحديث أبي هريرة محمول على التأكيد في الندب والاستحباب، وقد يرد أمثال هذا في الحث على المكرمات.
4169 - وإن فرعنا على القول القديم، فلا بد من فرض حاجةٍ.
ثم قال الأصحابُ: هذا مشروط بشرطين: أحدهما - أن يضع ما لا يُثقل الجدار، ولا يؤدّي إلى هدمه، فأما أن يبني عليه ما يثقله، فهو ممنوع إلا بالرضا.
والثاني - أن تكون الجوانب الثلاثة من البيت لصاحب البيت، وهو يحتاج إلى جانب رابع.
فأمّا إذا كان الكل للغير، فلا يضع الجذوع عليها قولاً واحداً.
ومن أصحابنا من لم يشترط هذا الشرط الأخير.
والحاجة التي أطلقناها لم نُرد بها ضرورةً، وإنما أردنا حاجة البناء، حتى لا يظن ظان أن المعنيَّ بالحاجة ضرورةٌ مرهقةٌ، وداعيةٌ مستقرة.
ولكن لو بنى بناء لا يحتاج إليه، وكان البناء يحتاج إلى ما وصفناه من وضع الجذع، فله الوضع.
وفي هذا أدنى نظر عندي.
ولا يمتنع تخصيص ما ذكره في القديم بحاجةٍ إلى أصل الوضع، وهذا التردد
يضاهي ما ذكرناه في كتاب الطهارة من تضبيب الإناء بالفضة، [إذْ شرطنا] 1 الحاجة إلى التضبيب.
4170 - وإذا فرعنا على القول الجديد، قلنا: إن رضي مالك الجدار بوضع الجذوع على جداره من غير عوض، كان ذلك إعارة، وسنصف في كتاب العارية أن من أعار أرضه، أو جداره للبناء عليه، أو للغراس، فإذا بنى المستعير، وغرس، فللمعير الرجوع في العارية، ولكن يضمن ما ينقُصه بالقلع في الغراس والبناء.
وسيأتي هذا على الاستقصاء في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وغرضنا الآن: أن من استعار أرضاً وغرسها، أو بنى فيها، فللمعير الرجوع، على شرط ضمان النقصان.
ومن استعار جداراً ووضع عليه جذوعاً، فإذا أراد مالك الجدار الرجوعَ في العارية، رفعَ الجذوعَ والتزمَ غرامةَ النقصان.
وظاهر المذهب أن ذلك سائغ على قياس الباب.
وقال بعض أصحابنا فيما حكاه القاضي: لا يجوز الرجوع في هذه العارية؛ فإن ضرر القلع والرفع يتداعى إلى ما هو خاص ملك المستعير؛ فإن الجذوع إذا رفعت أطرافها من جدارٍ لم تستمسك على باقي [الجُدُر] 2 فإذا عظم الضرر، امتنع القلع.
فأثرُ رجوع المعير أن يُلزم المستعير أجر المثل في مستقبل الزمان، وتفصيل ذلك يأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
4171 - وممّا أجراه الأئمة من أحكام العارية إذا اتصل الكلام بها أن من استعار أرضاً وزرعها، لم يكن للمستعير قلعُ الزرع قبل إدراكه، بخلاف الغراس؛ فإن الزرع له أمدٌ معلوم.
فلو كان غرس، فأثمرت الأشجار، فلا يجوز للمعير قلعها قبل جِدادِ الثمار؛ فإن الثمار لها أمدٌ كالزرع.
وهذا منقاسٌ لا خفاء به.
فإذا جُدَّت الثمار؛ فإذ ذاك يقلع المعيرُ إن أراد، على شرط الضمان.
فرع:
4172 - إذا كان الجدار المتنازع.
بين الدارين مبنياً على خشبةٍ طويلة، وكان طرفٌ من تلك الخشبة والِجاً في ملك أحدهما، ولم يكن شيء منها والِجاً في ملك [الثاني] 1، قال العراقيون: الخشبة تكون لمن يكون طرفها في ملكه، ثم قالوا: إذا ثبت أن الخشبة له، فالجدار المبني عليها تحت يده؛ فإن الظاهر أن جدار غيره لا ينبني على ملكه.
هذا ما ذكروه، ولم أجده في طرقنا، وليست المسألة خاليةً عن احتمال في الخشبة والجدار.
فرع:
4173 - قال العراقيون: إذا تنازع الجاران الجدارَ بينهما، وشهدت بيّنة لأحدهما بملك الجدار، ولزم القضاء بها، فيصير صاحبَ يدٍ في القاعدة التي عليها الجدار.
وكذلك إذا تنازع رجلان شجرة وشهدت البينة لأحدهما، فيصير مالك الشجرة صاحبَ يد في مغرس الشجرة.
هكذا قالوا.
وهو قياس طريقنا.
فإن قيل: الجدار على قاعدته، والشجرةُ على مغرسها بمثابة الجذع على الجدار، فكيف يدلُ على اليد وقاعدته؟ وكذلك السؤال في الشجرة ومغرسها؟ قلنا: نبهنا على هذا؛ إذ قلنا: الجدار بين الدارين في يدي مالكهما؛ من حيث إنه جزء من كل دارٍ، فكان هذا التمسك بالجزئية أولى من التعلق بوضع الجذع.
وهذا لا يتحقق في قاعدة الجدار ومغرس الشجرة، فصار الجدار يداً في القاعدة، والشجرة يداً في المغرس.
ونظير ذلك أن الدار إذا كانت مشحونة بأمتعة إنسان، وكان لا يسكنها أحد، فالدار تحت يد صاحب الأمتعة.
ولو كان يسكنها رجلان، ولأحدهما أمتعة، فلا نظر إلى الأمتعة مع شهود المتداعيين في الدار وسكونها 2.
4174 - ثم قال العراقيون: لو أقر إنسان بجدار لإنسان، أو بشجرة، فالإقرار لهما هل يكون إقراراً بقاعدة الجدار وبمغرس الشجرة؟ فعلى قولين مأخوذين من أن البيع فيهما هل يتناول أصلهما، وفيه قولان، قدمنا ذكرهما.
وفي المسألة فضل نظر فيما نصفه سؤالاً وجواباً.
فإن قيل: إذا كان لفظ المقر مع اختصاصه بالجدار يتعدّى إلى أصله، حتى يجعل إقراراً به في أحد القولين، مع أن مبنى الإقرار على الحمل على الأقل.
فإذا شهد عدلان لإنسان بملك جدار، فقولوا: لفظ الشهود يتضمن الملك في أصل الجدار على أحد القولين قياساً على الإقرار.
قلنا 1: هكذا نقول، ولا فرق، والعلم عند الله تعالى.
4175 - وهذا يلتفت إلى أصلٍ، وهو أن الشاهد على البائع تقبل شهادته مطلقاًَ، من غير بحث عن شرائط صحة البيع، على المذهب الظاهر، ويحمل البيع المشهود به على الصحّة، على ما سيأتي ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: "ولا أجعل لواحد منهما أن يفتح كوة فيه ... إلى آخره" 2.
4176 - الجدار المشترك بين شريكين لا يجوز لأحدهما أن يفتح كوة أو يثبت فيه وتداً يعلق فيه شيئاًً؛ فإن التصرف في [الجدار] 3 المشترك تصرفٌ في ملك الشريكِ، والتصرف في ملك الشريك من غير إذنه [غيرُ] 4 سائغ، ولا يمتنع على كل واحد من الشريكين أن يستند إلى الجدار المشترك، أو يسند إليه شيئاً من الأمتعة؛ فإن هذا النوع من المنفعة غيرُ معتدٍ به، ولا أثر له.
ولو استند إنسان إلى جدارٍ خالص لغيره، لم يمتنع ذلك، ولو منع المالكُ منه، ففيه تردد للأئمة.
ويخرَّجُ عليه ما لو تمانع الشريكان في هذا النوع أيضاً؛ فإن الملك المشترك في حكم الملك الخالص.
وأمّا الاستظلال بظل جدار للغير في الشارع، فلا أثر له، ولا يملك مالك الجدار المنعَ منه.
4177 - [و] 1 كما يمتنع التصرف في الجدار المشترك بالفتح، يمتنع البناءُ عليه.
ولا يجوز للشريك في الدار أن يسكنها دون إذن الشركاء، وإذا تمانعوا، فالمهايأة 2 إذا رضوا بها، توفر عليهم حقوقهم من المنافع، وهي في الظاهر تناوبُ في المنافع، وفي الحقيقة بيعُ المنافع، فإذا تراضى شريكان بالمهايأة على أن يسكن أحدهما شهراً، فالمنفعة الحاصلة في كل نوبةٍ في أصل الوضع مشتركة، فكأنَّ كلَّ شريكٍ باع حصته من المنفعة في نوبة شريكه بما يتوفر عليه في نوبته من حق شريكه.
4178 - والصحيح أن المهايأة لا تلزم، ولا يجب الوفاء [بها] 3 وإن وقع التراضي فيها.
فإن قيل: لو اكترى رجل داراً سنة بمنفعة عبد سنة، أو أكثر، أو أقل؛ فالإجارة صحيحة، ومقابلة المنفعة بالمنفعة سائغةٌَ عندنا، فهلا وقع القضاء بلزوم المهايأة الصَّادرة عن التراضي؟ قلنا: من ضرورة التناوب بالمهايأة على منافع العين الواحدة أن تنتجز نوبة وتتأخرَ الأخرى، والمنافع المضافة إلى المدة التي ستأتي، لا يجوز إيراد العقد عليها عندنا؛ فإن من استأجر داراً السنة القابلة، لم يصح، فلا تلزم المهايأة على هذا الأصل، وليست معاملةً تقتضي تمليكاً على الصحة.
نعم، هي على صورة بيع فاسد، ولهذا قلنا: لا يصح الإجبار عليها؛ فإن الإجبار على البيع الصَّحيح ممتنع، فما الظن بالإجبار على ما هو على صورة البيع الفاسد.
فإن قيل: هلا جعلتم المهايأة قسمة بمعنى الإفراز؛ تخريجاًَ على أن القسمة إفراز حق؟ قلنا: ليست المهايأة على صورة القسمة الصحيحة أيضاًً؛ فإن القسمة ينتجز فيها الأقساط والحصص، ويفرض تعديلها وتنزيل الشركاء عليها، والمنافع توجد شيئاًً