نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 375-414
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتَابُ المُكاتَبِ

صفحات 375-414
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

مقصود الكتابة، فكأنا على هذا الوجه لا نمنع فسخ الكتابة بجهة الإعتاق عن غير الكتابة.
وهذا غير سديد، فقد يلزم عليه الحكم بأن إعتاقَ سيدِ المكاتب ابتداءً يوجب فسخَ الكتابة، ثم يجب احتماله لتحصيل مقصود الكتابة.
وقد ينقدح الانفصال عن هذا بأن يقال: الإعتاق تصرف في مقصود الكتابة بالتعجيل، فلا يتضمن فسخاً، والسريان من ضرورته نقل الملك، ورقبة المكاتب لا تقبل الملك مع اطراد الكتابة، والسريان لا بد منه، فنضطر إلى نقض الكتابة لتتصور السراية.
هذا إذا قلنا: تنفسخ في ذلك النصيب.
فأما إذا قلنا: لا تنفسخ الكتابة، ويسري عتق المبرىء على حكم الكتابة، فهذا قد يتطرق إليه السؤال؛ فإن السراية من ضرورتها نقلُ الملك إلى من عليه السريان، والمكاتب لا يقبل نقل الملك؛ وقد يُجاب عن هذا بأن كل فعل لا يؤدي إلى فسخ الكتابة، فهو محتمل، وإنما الممتنع تقدير فسخ الكتابة، وسنذكر قولاً قديماً في تصحيح بيع المكاتب على تقدير بقاء الكتابة واطرادها، حتى كأن البيع وارد على النجوم.
وهذا مما سيأتي شرحه، إن شاء الله تعالى.
12520 - فأما تفريع الولاء على قولنا: إن الكتابة لا تنفسخ مع سريان العتق، فالمذهب الذي يجب القطع به صرفُ الولاء إلى الميت، ثم اشتراك الابنين في فائدة الولاء، ولا يجوز إجراء خلاف؛ فإن الكتابة لم تتبعض بقاء وارتفاعاً، بل حصل العتق في الجميع على حكمها.
هذا ما أردنا أن نذكره في الولاء.
12521 - ثم مهما حكمنا بانفساخ الكتابة، فلا شك أن قضاياها تزول، ويظهر أمر هذا في الصورة الأخيرة؛ فإذا قلنا: يسري العتق بتقدير رد ذلك النصيب إلى الرق، وفسخ الكتابة، فلا يستتبع مَنْ عَتَقَ الكسبَ والولدَ في النصيب الذي رفعنا الكتابة فيه.
هذا لا بد منه.
فلو قال قائل: إذا قدَّرنا رقّاً في ذلك النصيب، فما يخص ذلك النصيب من

الكسب والولد لمن؟ أهو لمن يسري عتقه، أم هو للثاني الذي لم يبرىء ولم يُعتِق؟ قلنا: هو للذي لم يبرىء ولم يُعتق؛ فإنا نقدر الرق أولاً، ثم نقدر نقله، وإذا تقدم الرق -وإن لم يكن له زمان محسوس- ثم يترتب عليه النقل، فما يقتضيه الرق لمن حصل الرق في حقه.
وقد تم ما نريد في ذلك.
وقد حكينا اتفاق الطرق على أن الشريكين في العبد إذا كاتباه، ثم أعتق أحدهما نصيبه، سرى عتقه، وإنما تردد القول في وقت السريان، وحكينا اختلاف القول في الوارِثَيْن في أَنَّ عتقَ أحدهما هل يسري، كما مضى، وهذا هو المذهب المعتمد.
وحكى صاحب التقريب قولاً بعيداً -أراه مخرجاً- في أن عتق أحد الشريكين في العبد لا يسري؛ فإنا لو سرّيناه في الحال، لتضمن نقضاً للكتابة، وهذا بعيد، وإن توقفنا إلى انقلاب ذلك النصف رقيقاًً، فهذه سراية بعيدة؛ فإن السريان إذا امتنع حالة الإعتاق لم يجر بعده، والدليل عليه أن من أعتق حصته من العبد المشترك وكان معسراً، ثم أيسر من بعدُ، فالسراية التي رددناها بالإعسار المقترن بالإعتاق، لا ننفِّذْها باليسار الطارىء، فخرج من ذلك تعذر السراية.
كيف فرض الأمر.
وهذا متجه في القياس، ولكنه ليس بالمذهب، فلا اعتبار به، ولذلك لم أذكره في أثناء المسائل، فأخرته إلى نجاز ترتيب المذهب.
وقد تم الآن ما أردنا ذكره في إعتاق أحد الورثة، وأحلنا على الباب المنتظر ما وجبت إحالته.
12522 - ومما يجب ختم الفصل به أن أحدهما إذا حُمل على قبض نصيبه من النجوم إجباراً عليه -حيث يتصور ذلك، كما سيأتي- فالعتق إذا حصل بهذه الجهة لا سريان له بلا خلاف؛ فإن هذا عتق حصل بسببٍ لا اختيار فيه، وإذا كان كذلك، فلا سريان، والحالة هذه؛ ولذلك قلنا: من ورث البعض ممن يعتق عليه، وعَتَق عليه، لم يسر العتق إلى الباقي، وإن كان الوارث موسراً، فهذا تمام المراد.
12523 - ونعود بعده إلى مقصود الفصل، فنقول: إذا مات رجل وخلف ابنين

وعبداً، فادعى العبد عليهما أن أباهما كاتبه؛ فإن صدقاه، فالأمر على ما قدمناه.
وإن كذباه، فالقول قولُهما مع اليمين، يحلفان بالله لا يعلمان أن أباهما قد كاتبه، فإن حلفا، انتهت الخصومة إذا لم تكن بينة، وإن نكلا عن اليمين، حلف العبد، وحُكم بالكتابة.
وإن أراد العبد إثبات الكتابة بالبينة، فلا يخفى أنا نُحْوِجُه إلى إقامة شهادة عدلين؛ فإنه يبغي مقصودَ العتاقة، وليس يطلب مالية، فلا يثبت مقصوده إلا بعدلين.
وإن صدّقه أحدُ الابنين، وكذبه الآخر، فنصيب المصدِّق مكاتَب، والقول قول المكذب في نصيبه مع اليمين؛ فإن نكل وحلف العبد يمين الرد حُكم بالكتابة في الجميع، وإن حلف، فنصيبه قنُّ، فيستكسب العبدُ، فما يحصل من أكسابه يدفع نصفه إلى المكذِّب بحكم الرق، والنصفُ يبقى في يده يدفعه إلى المصدِّق عند حلول النجم، فيعتِق به، ثم هذا العتق لا يسري قطعاً؛ فإنه مرتب على [أداءٍ] 1 قهري لا يجد المصدق محيصاً، وقد ذكرنا أن الأمر إذا كان كذلك، فلا سريان.
فأما إذا أعتقه المصدق، أو أبرأه عن حصته، ففي سريان العتق الخلافُ المقدم، ورأى الأصحاب السريانَ هاهنا أقرب وأولى؛ لأن من يسري عليه معترف بالرق، فكانت السراية محتملة على موجب قوله.
وليس هذا ترتيباً معتداً به، ولكن إن كان العبد مكاتباً في علم الله تعالى، فالأمر في تسرية العتق على ما قدمناه، وإن سُئلنا عن حكم الظاهر، فمن كذب يظهر مؤاخذاً بموجب إقراره وهو المعني بالترتيب.
وهاهنا أمر يجب التنبه له، وهو أن المصدِّق إذا أبرأ ولم يُعتق، فالمكذب ينكر حصولَ العتق في نصيب المصدق المبرىء؛ فإن الإبراء في [القن] 2 لا معنى له، وعلى موجب تكذيبه يجب ألا يسري العتق إلى نصيبه، ولكن الاختلاف مع هذا قائم؛ فإن المصدِّق قولُه مقبولٌ في نصيبه، فإذا أتى بما يقتضي العتق، فالسريان بعده

أمر قهري لا يُربط بالرضا.
نعم، إذا أعتق المصدِّق، فيجب القطع بمؤاخذة المكذب بعتق نصيبه إذا سرَّينا عاجلاً، لأنه معترف بأن نصيبه قد عتق.
وهذا نجاز الفصل.
12524 - وقد قال الصيدلاني إذا ادعى العبد الكتابة، فصدقه أحدهما وكذبه الثاني، فشهد المصدِّق بالكتابة، وانضم إليه شاهد آخر، قال: تثبت الكتابة، وقُبل شهادة أحد الوارِثَيْن على الثاني.
وهذا مشكل؛ فإنه بشهادته يثبت لنفسه حقوقاً -في الكتابة أو النجوم- موروثةً، فإطلاق القول بقبول شهادةٍ بعقدٍ عوضه للشاهد محال، وإن فرضت شهادته بعد الإبراء، فيتصور له أغراض في السراية إن سرّينا، فقبولى الشهادة مطلقاً بعد الإبراء لا وجه له، نعم يجب تخريجه على نفي السراية حتى إذا لم يكن للوارث الشاهد غرض ينسب إلى جر، فإذ ذاك تقبل شهادته.
فصل قال: " والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم ... إلى آخره " 1. 12525 - إذا كاتب الشخص عبداً خالصاً على نجوم، ثم قبض معظمها، لم يعتِق من العبد شيء في مقابلة ما استوفى من النجوم.
هذا مذهب معظم العلماء؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " 2. وعن علي رضي الله عنه أنه كان يوزع العَتاقة على النجوم، ويحكم بأنه يحصل من

العتق مقدارُ ما قبض من النجوم على نسبة الجزئية، حتى إن جرى القبض في نصف النجوم، حصل العتق في نصف المكاتب 1، ولا قائل بهذا المذهب الآن.
وما ذكرناه من تبعض العتق في الوارثَيْن سببه تعدد الشخصين، وسنعود إليه في باب تبعيض الكتابة.
12526 - ثم ذكر الشافعي أن المكاتب كتابةً صحيحة إذا مات قبل العتق، انفسخت الكتابة بموته.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة 2: إن خلّف وفاء، أُديت النجوم منه، والمسألة مشهورة في الخلاف، ومعتمد المذهب أن رقبة المكاتَب موَرِدُ العتق قبل القبض 3. فصل قال: " فإن جاء بالنجم، فقال السيد: هو حرام ... إلى آخره " 4. 12527 - إذا أتى المكاتب بالنجم، فقال السيد هو حرام، وامتنع عن قبوله، أُجبر على القبول إلا أن يبرىء؛ فإن القول قولُ المكاتب في ملك ما في يده، وهذا بيّن.
ثم إن ذكر السيد لذلك المال مستحِقاً، أجبرناه على قبوله، ثم نؤاخذه بالإقرار بعد القبض، ونلزمه أن يسلمه إلى المقَر له.
وإن لم يعيِّن 5 مستحِقاً، واقتصر على قوله: هو حرام، وأجبرناه على قبوله، فالمذهب أنه لا ينتزع من يده، لأنه [لم يعترف به لمتعين] 6. ومن أصحابنا من قال: ينتزعه الحاكم من يده، ويضعه في بيت المال.

فإن قلنا: لا ينتزع من يده، فلو كذب نفسه، وقال: صدق المكاتَب في ادعاء الملك، وإنما ناكدته فيما قلتُ، فالمذهب أن ذلك مقبول منه، وتصرفه نافذ، بحسبه.
وإن قلنا: الحاكم يزيل يده؛ فالظاهر أنه لو كذّب نفسه، لم يقبل منه.
12528 - ومما يليق بهذا الفصل أن المكاتب لو جاء بالنجم عند محله، فالسيد مجبر على قبوله: كما قدمناه، ولو امتنع عن القبول ولم يبرىء، قَبَضَ القاضي عنه.
ولو جاء بالنجم قبل محله، ولم يكن للسيد غرضٌ في الامتناع عن القبول، فهو مُجبر على القبول، واختلف القول في سائر ديون المعاملات إذا كانت مؤجلة، فأتى بها من عليه الدين قبل المَحِل، فهل يجبر مستحق الدين على قبوله؟ فيه قولان تقدم ذكرهما في الأصول التي سبقت، ونجمُ الكتابة مما يقطع القول فيه بالإجبار على القبول، فقد رُوي: " أن سيرين كان مملوكاً لأنس بن مالك، فكاتبه على مال عظيم، فجاء بآخر النجوم معجلاً له على محله، فأبى أنس أن يأخذ إلا يوم المحل، فرفعه إلى عمر، وقال: إنه يريد أن أموت فيأخذ مالي وولدي، فقال عمر: تأخذه، أو أضعه في بيت المال، فأخذه أنس وعتق سيرين " 1. ومعنى قول عمر أضعه في بيت المال، أحفظه عليك وأقبضه عنك قهراً، ولم يُرد أنه يصير مالاً للمسلمين.
وعلى هذا لو غاب السيد، فجاء المكاتب بالنجم قبل محله إلى الحاكم، قبلَه الحاكم عن الغائب، وحكم بعتق المكاتب.
وهذا كله إذا لم يكن على السيد ضرر في أخذ المعجل؛ فإن كان عليه ضرر في القبول، لم يجبره على القبول مذهباً واحداً، وذلك أن يكون الوقت وقتَ نهب وغارة، ولو قبل، خاف النهب، فلا يكلفه التعرض للضرر، اتفق الأصحاب عليه، وإنما يُجبر على القبول تشوّفاً إلى تحصيل العتق إذا لم يكن على القابض ضرر، ولو كان له غرض في ألا يقبل، ولم يكن عليه ضرر، فالغرض لا مبالاة به، وحديث أنس شاهد فيه.

ثم النجم الذي يأتي به - لا فرق بين أن يكون آخر النجم الذي يتعلق العتق بتأديته، وبين أن يكون أول نجم أو نجماً متوسطاً.
فإن لكل نجم أثراً في تحصيل العتاقة.
ولو كان على إنسان دينٌ به رهن، والدين مؤجل، فأتى الراهن بالدين قبل المحل، فله غرض ظاهر في تعجيل الدين، لينفك الرهن، فقد قطع القاضي بأن مستحِق الدين يجبر على القبول إذا لم يكن عليه ضرر، كما يجبر السيد على قبول النجم قبل محله.
ولم أر في ذلك خلافاًً في الطرق.
فصل قال: " وليس له أن يتزوج إلا بإذن سيده ... إلى آخره " 1. 12529 - اتفق الأصحاب على أن المكاتب لا يتزوج إلا بماذن سيده، لأنه يتعرض في النكاح لغُرم المهر والنفقة، وهذا يتعلق بكسبه، وليست يده مطلقة في إكسابه حتى يصرفها إلى ما يشاء من مآربه، وإذا أذن له المولى في التزوج، ففي انعقاد نكاحه بإذن المولى قولان مبنيان على أن تبرعاته هل تَنْفُذ بإذن المولى؛ وفي ذلك قولان سيأتي شرحهما، مع استقصاء ما يكون تبرعاً من المكاتب وما لا يكون تبرعاً.
وذهب بعضر المحققين إلى أن نكاحه يصح بإذن المولى قولاً واحداً؛ فإنه يتعلق بحاجته، وإنما القولان في هباته وتبرعاته التي لا تتعلق بحاجاته، وهذه طريقة حسنة، والطريقة المشهورة طريقة القولين.
وقد نص الشافعي على أن المكاتبة لا تختلع نفسها بإذن مولاها، وذهب جمهور الأصحاب إلى أن هذا جواب من الشافعي على أحد القولين في أن المكاتب لا يتبرع بإذن المولى، وإلا فلا فرق.
وأشار بعض الأصحاب إلى القطع بأنه لا يصح منها أن تختلع وإن أذن المولى، وهذا وإن ذكره الصيدلاني، فليس له وجه، أعني أن قطع القول لا وجه له، ولم يصر

أحد من الأصحاب إلى إلحاق اختلاعها بنكاح العبد، من جهة أنه يعدّ من حاجاتها، وهذا لا قائل به.
وأما المكاتبة هل تُزوّج؟ قال القفال - فيما حكاه القاضي عنه: لا تُزوَّج المكاتبة بحال قولاً واحداً، لأنها غيرُ مالكة للإذن، وإذنها لا بد منه، فصارت في تزويجها كالصغيرة.
وهذا غير مرضي، والذي ذهب إليه الجمهور أن تزويج المكاتبة بإذن المولى يُخَرّجُ على تزوج المكاتب بإذن المولى، فإن تزويجها من حاجاتها، كما أن تزوّج العبد من حاجته، بل إذا تزوجت المكاتبة، استحقت النفقةَ والمهرَ، وإذا تزوج المكاتب التزم المهر والنفقة.
ثم قال القاضي: الأظهر أنها تُزَوّج لما ذكرناه، ولفقهٍ آخر: وهو أنها بالنكاح لا يلزمها أن تُسلِّم نفسَها إلى الزوج تسليم الحرة، حتى يُقدَّرَ الزوجُ شاغلاً عن الاكتساب، بل سبيلها وسبيل.
الزوج معها كسبيل الأمة إذا زوجها مولاها، لأنها محتاجة إلى الاكتساب، فمنفعتُها مستثناة كمنفعة الرقيقة.
وهذا في نهاية الحسن، فإن ظن ظان أنها إذا تزوجت، وصحّ ذلك، فقد التزمت التسليم التام، قيل: هلاّ لزم مثل هذا في تزويج السيد أمته؟ فلا وجه إلا ما ذكره القاضي.
12530 - ثم تكلم الأصحاب في أن المكاتب هل يتسرّى جارية من جواريه؟ وهذا خارج على التبرعات.
فليس له أن يتسرّى بغير إذن السيد، وفي التسرّي بالإذن القولان.
ثم ذكر الأصحاب ثبوت الاستيلاد، وطرفاً من أحكام الولد، ولا ينبغي أن نخوض في هذا الآن البتة؛ فإنا سنجمع أحكام الأولاد في باب إن شاء الله، ونذكر ولدَ المكاتب والمكاتبة.
ثم نذكر أميّة الولد حتى نذكر تلك الفصول المتناسبة في موضع واحد.

فصل 1 قال: " ويجبر السيد على أن يضع من كتابته شيئاً ... إلى آخره " 2. 12531 - مذهب الشافعي أنه يجب على المولى أن يؤتي المكاتبَ شيئاً.
فالإيتاء مستحَق.
وقال أبو حنيفة 3: هو مستحب.
ومعتمد الشافعي ظاهر قوله تعالى: ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ [النور: 33]، وأشار رضي الله عنه إلى الآثار، وهي المعتمدة عندنا في تأسيس الكتابة، ووضعِ أصلها، ولم يكاتِب أحد إلا وضع من مكاتبه شيئاً، أو آتاه شيئاً، وعن ابن عمر أنه كاتب عبداً له على خمسة وثلاثين ألفَ درهم، ووضع منه خمسةُ آلاف درهم 4، فقد شبه الشافعي الإيتاء بالمتعة في مجاري كلامه، وإنما ذكرنا هذا لأن الحاجة قد تمسّ إليه في تفصيل المذهب.
وأول ما تذكره بعد ثبوت الأصل، اختلافٌ في أن الأصل في الإيتاء إعطاء شيء أو حطُّ شيء من النجوم؟ فمنهم من قال: الأصل الحط؛ فإن الغرض من الإيتاء الإعانة، وهي تحصل بالحط ناجزاً.
ومنهم من قال: الأصل بذل شيء له.
تعلقاً بظاهر قوله: ﴿وَآَتُوهُمْ﴾ ثم قالوا: أثر هذا الخلاف ماذا؟ ولا خلاف أن الغرض [يحصل] 5 بكل واحد منهما.
فقيل: من آثار الخلاف أن المكاتب كتابة فاسدة إذا عتق، ففي استحقاقه شيئاً على

المولى وجهان، فإن قلنا: الأصل الحط، لم يستحق؛ فإنه لا نجم على المكاتب كتابة فاسدة، حتى يجب حطُّ شيء.
فإذا لم يثبت الأصل، لم يثبت [البدل] 1، وإن قلنا: الأصل الإعطاء والبذل، فلا يمتنع إيجاب شيء على المولى تشبيهاً للكتابة الفاسدة بالكتابة الصحيحة؛ فإنها شابهتها في معظم المقاصد، ثم إذا أوجبنا إعطاء شيء ومن موجب الكتابة الفاسدة استحقاق السيد قيمةَ الرقبة، فلو حط من قيمة الرقبة، كفى ذلك عن جهة الإيتاء؛ فإنا وإن جعلنا الأصل الإعطاء، فالإبراء يحل محله، وهذا إبراء عما وجب بسبب الكتابة الفاسدة.
وإذا أعتق الرجل عبده على مال أو باعه من نفسه -كما سنفصل سائر عقود العتاقة من بعد، إن شاء الله- فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب أنا لا نوجب الإيتاء في غير الكتابة، وإنما ظهر تردد الأصحاب في إلحاق الكتابة الفاسدة بالصحيحة، فأما ما عداها من عقود العتاقة، فلا يجب الإيتاء فيها.
وحكى شيخي عن بعض الأصحاب المصير إلى وجوب الإيتاء في كل عقد عَتاقة فيه عوض، ولا خلاف أن من أعتق عبده من غير عوض لم يلتزم شيئاً، وإن كنا قد نوجب المتعة لكل مطلقة على قول بعيد، فالعتق المنجز لا ينزل منزلة الطلاق.
12532 - ثم إنا بعد هذا نتكلم في فصول: منها - وقتُ وجوب الإيتاء، ومنها - الكلام في مقداره، ومنها - الكلام في جنسه.
فأما القول في وقت الوجوب، فالذي ظهر لنا من كلام الأصحاب، فيه مسلكان: أحدهما - أن الإيتاء يجب لحصول 2 العتق، ولكنا نستحب تقديمه عليه حتى يستعين المكاتَب به، ووجه ذلك أن المكاتب إذا عَتَق، فهو بمثابة الزوج 3 تُطَلَّق.
وما يؤتيه المولى بُلْغةٌ يضطرب فيها العتيق إلى أن يكتسب مزيداً؛ فإن الغالب أنه يستفرغ ما في يده في النجوم.

والمسلك الثاني للأصحاب - أن الإيتاء يجب قبل العتق، وهذا يعتضد بظاهر القرآن، فإنه تعالى قال: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ ... {وَآَتُوهُمْ﴾ [النور: 33]، وقد يظهر للناظر أن المقصود الظاهر من الإيتاء الإعانة إما بإعطاء شيء وإما بتخفيفٍ بالحط.
ولم يصر أحد من الأصحاب إلى إيجاب الإيتاء وقت العقد على التضييق، حتى تتوجه الطَّلِبةُ به قبل الانتهاء إلى النجم الأخير.
[هذا قولنا] 1 في وقت وجوب الإيتاء.
12533 - فأما الكلام فيما يتادى به واجب الإيتاء، فقد قال طوائف من الأئمة: يكفي منه ما يتموّل أو يجوز أن يكون عوضاً، فإن زاد، فهو تكرم وذهب ذاهبون إلى أنه لا يقع الاكتفاء بأقل ما يتمول، ومتعلق الأولين أنه [لم يُرَ] 2 في الشرع توقيف يرشد إلى تقدير أو تقريب، أما التقدير، فبين، وأما التقريب، فمثل ما اقتضاه ظاهر قوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241]. فتلقى العلماء من المعروف التوسط بين التقليل والتكثير، كما مضى مشروحاً في بابه.
والإيتاء ليس مقدراً ولا مقيداً بما يقتضي تقريباً، فإنه تعالى قال: ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ [النور: 33]، ومقتضى ﴿مِن﴾ التبعيض، وإذا نظمنا معناه، كان التقدير (وآتوهم بعض ما آتاكم الله) واسم البعض ينطلق على القليل والكثير.
ومن تمسك بالمسلك الثاني: احتج بأن الإيتاء مأمور به لغرضٍ لا يخرج من 3 الإعانة وتمهيد بُلغة بعد العتق، ومن أنكر ذلك من مقصود الشارع، فهو جاحد، والحبة فما دونها لا تسدّ مسدّاً في إعانة، ولا في بلغة، وليس هذا كالمهر؛ فإن الغرض من إثباته أن [لا] 4 يثبت البضع مجرداً عن مقابل، وهذا يتحقق بما يصح أن يكون عوضاً.
فإن اعتبرنا أقل ما يتمول، فلا إشكال يختص بما نحن فيه، وقد ذكرت في مواضع معنى ما يتمول، ومن اعتبر الغرض، فالأوجه معنى الإعانة، وهذا يختلف

بقلة النجم وكثرته، فإن الحاجة إلى الإعانة تختلف باختلاف المَبالغ، ومن راعى بلغةً بعد العتق، فقد يخطر له تنزيل تلك البلغة منزلة المتعة، ولست أرى ذلك معتبراً، -وإن كنا قد نلتفت إلى المتعة- فإنا لو اعتبرنا ذلك في التفصيل، للزمنا إيجابُ الإيتاء في العتق المنجّز.
[ثم إذا راعينا الغرض، فلا ندري لذلك مردّاً يُرجع إليه إلا أن يجتهد القاضي] 1 عند فرض نزاع، ولا معدل عن هذا إذا تُصور اختلاف بين السيد والعبد.
فإن قيل: فالقاضي إلى ماذا يرجع مع العلم [بأن] 2 الاحتكام لا سبيل إليه، قلنا: يرجع إلى ما له أثر في الإعانة، وعدمُه يورث تضييقاً أو كلفة.
وهذا يختلف بقدر النجم وقوة العبد، وإن غيرنا العبارة قلنا: المقدار الذي يفرض العجزُ بفقدانه، ويترتب التعجيز عليه هو المُغني المؤثر، ثم مستند النظر فيه حدسٌ وتخمين، والمعلوم منه أن المكاتب على عشرة آلاف في سنتين لا يغني عنه حط المائة شيئاً، فما نستيقن أنه لا وقع له لا يكفي، وما نستيقن له وقعاً كافٍ، وما نتردد فيه فقدر التردد محتمل يتعارض فيه بقاء الإيتاء وبراءة ذمة المولى، ويلتحق بأطراف تقابل الأصلين.
والذي نستيقن وَقْعَه يشتمل على زيادة قطعاً.
هذا منتهى الإمكان في ذكر المقدار.
12534 - فأما الكلام في الجنس، فإن حط من نجمٍ، جاز، وإن أعطى من عين ما أخذ جاز، وإن أعطى من مالٍ آخر غيرِ مجانس لما أخذ، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين فيه: أحدهما - أنه يتعين الإعطاء من عين ما أخذ؛ تعلقاً بقوله تعالى: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، وهذا محمول عندنا على النجوم، وهي من مال الله في هذه الآية.
ثم قال الشيخ أبو علي: لو آتى من غير جنس النجم، لمِ يعتد به، وشبّه هذا بإخراج الدراهم من الدنانير في الزكاة، من حيث إن الإيتاء قُربة تثْبتُ تعبداً، وهي أبعد

عن المعني من الزكوات 1؛ إذ يتعلق بها سدّ الخلات، وهو معنىً كلّي تدركه العقول [بمباديها] 2، ثم غير الجنس لا يجري فيها.
ووجدت في كلام بعض الأئمة ما يدل على أن غير الجنس يجزىء، لأن هذا ملتحق بالمعاملات، فلا يُنحى به نحو العبادات.
ثم ما أراه أن ما ذكر الشيخ وحكى الوفاق فيه معناه أن السيد لو جاء به لم يجبر المكاتب على قبوله، فأما إذا قبله المكاتب، واعتاض عن حقه، جاز ذلك.
وقد نقول: إذا منعنا نقل الصدقة وانحصر المستحقون أن لهم أن يعتاضوا عروضاً عن حقوقهم.
12535 - ومما يتعلق بتمام الكلام في ذلك أنه إذا لم يبق من النجوم إلا المقدارُ الذي لو حطه أو أعطاه، لكان كافياً، فقد قال الأئمة: لا يَسْقُط ذلك المقدارُ، فإنا وإن جعلنا الحط أصلاً، فللمولى أن يؤتي بدلاً عنه، هكذا ذكر الأئمة.
وقالوا: يرفعه المكاتب إلى الحاكم حتى يرى رأيه، ويفصلَ الأمر في ذلك؛ وإن امتنع أجبره على منهاج الحق.
وإن جعلنا الإيتاء أصلاً، فقد قال القاضي: إذا بقي على العبد المقدارُ الذي لا اكتفاء بدونه، ولم يجده العبد، فللمولى أن يعجّزه، ثم في تعجيزه إياه، وعوده رقيقاً سقوطُ الإيتاء، وارتفاع العقد من أصله؛ وهذا عندي غيرُ صحيح؛ فإن المكاتب إن وجب عليه ما بقي، فعلى السيد مثله، ونحن قد نقول في مثل هذا بالتقاصّ، وأيضاً - فإن الإيتاء إنما شرع حتى لا يَعْجِز العبدُ بهذه البقية، وإذا شهد أخصُّ مقاصد الحكم في أمرٍ، لم تَسُغ مخالفتُه.
فقد انتظم أنا إن جعلنا الأصل الحط، فلا تعجيز، وإن جعلنا الأصل الإيتاء، فقد نقل عن القاضي التعجيز، وهو عندي وهم من الناقل.
والوجه ما ذكرته، ويبعد كل

البعد أن ينتهي التفريع التقديري الآيل إلى اللفظ إلى منتهى يناط به إثباتُ تعجيز ونفي تعجيز.
12536 - ثم قال الشافعي: " ولو مات المولى بعد قبض جميع النجوم قبل الإيتاء، استحق العبد في تركته ... إلى آخره " 1. الوجه أن نذكر فقه الفصل، وما لا يجوز اعتقاد خلافه في قاعدة المذهب، ثم نذكر النص، والإشكال في فحواه، واضطراب الأصحاب بحسبه.
فأما ما يجب التعويل عليه، وهو أن الإيتاء حق مستحق، إذا عتق المكاتب بتأدية جميع النجوم، صار ما يستحقه ديناً، فإذا مات المولى قُدِّم ما يستحقه العتيق على الوصايا وحقوق الورثة كسائر الديون، وإن كثرت الديون، ضارب المكاتَب أصحاب الديون.
فإذا تبين هذا - فقد قال الشافعي فيما نقله المزني: " حاصّ المكاتَب الذي عتق أهلَ الوصايا " 2، وهذا يُشكِل، لما نبهنا عليه، واضطربَ رأي الأصحاب في هذا النص اضطراباً جرّ خبالاً عن أصل المذهب.
فحكى العراقيون في ذلك وجهين: أحدهما - أن واجب الإيتاء في مرتبة الوصايا، والديونُ مقدمة عليه؛ فإن الإيتاء مكرُمة وإن وجبت، وقال الشيخ أبو حامد: الوجوب في الإيتاء ضعيف، ورمز إلى ضعف متعلق المذهب في ذلك.
وهو غير سديد مع وجوب الإيتاء، والأصول لا تصَادم بأمثال هذا، ولو قدّمنا ديناً على دين، فقد نجد له نظيراً، فأما إيقاع الإيتاء في مرتبة الوصايا، فلا اتجاه له، ولا شك أن هذا القائل يقول: إذا ضاق الثلث، فلا مزيد، وهذا على نهاية البعد.
والوجه الثاني للعراقيين - أن ما يراه القاضي باجتهاده، فالقول فيه أن المتمول منه دين، والزائد عليه -وإن أوجبناه- في رتبة الوصايا، وهذا كقولنا فيمن أوصى

بإحجاج رجل عنه من بلده وكان حَجُّ الإسلام دينا عليه، فمقدار أجر العمل من الميقات دينٌ، والزائد عليه وصية.
وهذا أيضاً ليس بشيء، فإن القاضي إذا أثبت واجباً، فليكن ديناً، وليس له أن يزيد على مقدار الواجب، ولا ينبغي للفقيه أن يحيد عن المسلك المستقيم ويُصغي إلى التخييلات، فالمذهب المقطوع به ما ذكرناه.
وتأويل النص أن المولى لو كان قدَّر مبلغاً في الإيتاء، ورأيناه أكثر من قدر الكفاية، فالزائد على قدر الكفاية في رتبة الوصايا، وفرض هذا فيه أولى من إضافته إلى القاضي.
ومما يجب أن يعتقده من ينتحل مذهب الإمام المطلبي أنه يبني فرعه على أصول الشريعة، وقد صح في منصوصاته أنه قال: إذا بلغكم عني مذهب، وصح عندكم خبر على مخالفته، فاعلموا أن مذهبي موجَبُ الخبر، والظن به أنه لو زل قلم ناسخ عنه عن أصلِ أنّ مذهبه موجَبُ الأصل، وما نُقل محمول على تحريف أو غفلة.
فصل قال: " وليس لولي اليتيم أن يكاتب عبده ... إلى آخره " 1. 12537 - ليس لمن يلي أمر الطفل، قريباً كان، أو قيماً، أو قاضياً، أن يكاتب مملوكَ الطفل؛ فإن المكاتبة في حكم التبرع المحض؛ من حيث إنها إعتاق الرقبة بكسبٍ، لو اطرد الملك، لكان ملكاً للطفل.
وعند أبي حنيفة 2 لولي الطفل أن يكاتب عبده.
وليست الكتابة في معنى بيع مال الطفل نسيئة من مليء وفيّ على شرط الغبطة، مع الاستيثاق، كما تقدم في كتاب البيوع؛ فإن ذلك يعد مجلبةً للمال، ومكسبةً فيه، بخلاف المكاتبة، وسأذكر في تبرعات المكاتب قولاً جامعاً، فيما نعتبر في كل تبرع، ثم في حق كل واحد.

12538 - ثم قال: " ولو اختلف السيد والمكاتب تحالفا ... إلى آخره " 1. ولو اختلفا في قدر النجوم وجنسها، أو في مقدار الأصل، تحالفا، ثم إن جرى ذلك قبل العتق، انفسخت الكتابة، أو فسخت، وينقلبُ المكاتب إلى الرق، ويخلص للسيد ما قبضه.
وقد يفرض الاختلاف بعد حصول الوفاق على الحرية، وذلك بأن يدعي السيد الكتابة بألفين، وقال العبد: بل كانت بألف، وكان قد سلم إلى سيده ألفين، وزعم أنه سلم أحدهما عن مال الكتابة، وسلّم الآخر وديعة، وقال السيد: بل سلمتَهما عن جهة الكتابة، فالعتق متفق عليه لا مرد له، وموجَب الانفساخ أن يرد المولى الألفين، ويرجع على العبد بقيمته.
فصل قال: " ولو مات العبد، فقال سيده: قد أدى إليّ كتابته ... إلى آخره " 2. 12539 - إذا تزوج المكاتب معتَقَةً، فأتت منه بأولادٍ، فلا شك أنهم أحرار، لأن الحرة لا تلد إلا حراً، وعليهم الولاء لمولى الأم، فإذا عتق المكاتب، انجر ولاء الأولاد إلى معتِقه، فلو مات المكاتَب واختلف السيد وموالي الأم، فقال السيد عَتَق مكاتَبي قبل أن مات، وانجر إليّ ولاء الأولاد، وقال موالي الأم: بل مات رقيقاًً، والولاء على الأولاد مستدام لنا، فالقول قول موالي الأم؛ فإن الأصل استمرار الولاء، وبقاء الرق في المكاتب إلى الموت.
فصل قال: " ولو قال: استوفيت مالي على أحد مكاتَبيَّ، أقرع بينهما ... إلى آخره " 3. 12540 - إذا كاتب عبداً في صحته، ثم اعترف في مرض موته بأنه قبض منه

النجوم، فإقراره مقبول والحكم به نافذ؛ فإنه أقر بما لو أنشأه في مرض الموت يصح منه، وإقراره للمكاتب في معنى الإقرار للأجنبي، وليس كالإقرار للوارث.
12541 - ولو كان كاتب عبدين في صحته، ثم قال: استوفيت مالي على أحدهما، فهذه المسألة لا اختصاص لها بالمرض والإقرار فيه، وحكمها أنه إذا أَبهم الإقرارَ، كان مطالباً بالبيان، مرفوعاً إلى مجلس القاضي، كما تمهد ذلك في نظائر هذه المسألة في إبهام الطلاق والعتق، فلو أبهمَ ثم عيّنَ، وقال: إني استوفيت نجومَ هذا، فيعتق الذي عيّنه، ولا تنقطع الطّلبة من جهة الآخر، فأقله أن يدّعي عليه، ولتكن دعواه: " إنك استوفيت نجومي "، فإذا ادعى كذلك، فالقول قوله 1 مع يمينه وبقي 2 الاستيفاء، فإن حلف، فذاك، وإن نكل، رُدت اليمين على المكاتب، فإن حلف، حكمنا بعتقه، وقد عَتَق الأول بالإقرار.
ولو قال المكاتب الثاني: عنيتني بالإقرار الذي أبهمته، فالأصح أن دعواه مردودة على هذا الوجه؛ فإنه ليس يدعي حقاً ثابتاً، وإنما يدعي إخباراً، قد يكون صدقاً، وقد يكون كذباً، ولا اختصاص لما ذكرناه بهذه المسألة، بل لو ادعى إنسان على أحد، وقال: قد أقررتَ لي بألف، فالذي ذهب إليه المحققون أن الدعوى على هذا الوجه لا تسمع؛ فإنه لم يدع لنفسه حقاً.
نعم، لو ادعى ألفاً، وأقام بينة على إقرار المدعى عليه بالألف، لكان ذلك منتظماً مفيداً يحصّل الغرض.
ولو مات هذا الذي أَبهم إقراره قبل البيان، طالبنا الورثة بالبيان.
ولكن اليمين المتوجهة عليهم عند التداعي تكون على نفي العلم، فإذا حلفوا لا يدرون من عيّن موروثهم من المكاتبَيْن، انقطعت الخصومة عنهم.
ثم في المسألة قولان في أنا هل نقرع بين المكاتَبين؟ أشهرهما - أنا نقرع بينهما 3، والقول الثاني - أنا لا نقرع، حكاه الصيدلاني 4.

توجيه القولين: من منع الإقراع احتج بأنه لو كان له غريمان، وهو يستحق على كل واحد منهما مقداراً من الدين، فقال: استوفيت ما كان لي على أحدهما ومات قبل البيان، ولم يبين الورثة، فلا إقراع، فالإقرار باستيفاء النجوم بهذه المثابة.
ومن أقرع، احتج بأن قال: المطلوب العَتاقة، والاستيفاء يقع ضمناً، والقرعة تجري في استبهام العتق.
فإن جرينا على إجراء القرعة -وهو الأصح- هان التفريع، وإن فرّعنا على أن القرعة لا تجري، فالذي يقتضيه ظاهر القياس الوقفُ إلى اصطلاحٍ، أو بيانٍ، أو قيامِ بينة.
وقد ينقدح في التفريع على هذا القولِ الضعيف أن يقول الوارث: قد امتنع المكاتبان جميعاً، وإنما العتيق أحدهما بحكم إقرار المولى، والامتناع يثبت حق الفسخ، فلو قال: فسخت الكتابة فيكما، لم يمتنع نفوذ الفسخ في الكتابة الثانية في علم الله تعالى، وجاز أن يقال: هذا بمثابة ما لو قال من له حق التعجيز: للمكاتَبِ وعبدٍ قنٍّ معه أو حُرٍّ: عجزتكما، فالتعجيز ينفذ على من يقبل التعجيز، ويلغو في الآخر، ثم ترتب على ذلك أن أحدهما 1 حر، والثاني رقيق، وقد استبهم الأمر، فيقرع 2 بينهما.
وفي أصل المسألة غائلة عظيمة، وهي أن من أعتق عبداً من عبدين على التبيين، ثم استبهم الأمر، فلا يقرع، وإنما الإقراع في موضعين: أحدهما - أن المريض إذا استوعب التركة بالإعتاق، واقتضى الشرعُ إرقاقَ بعض العبيد وإعتاقَ بعضهم، فهذا أصل القرعة ومحلها، وفيه ورد حديث عمران، والمحل الثاني للقرعة أن يبهم السيد الإعتاق، ولا يعين بقلبه ويموت، فالإقراع يعمل إذا لم يَقُم الوارثُ مقام الموروث، على ما فصلناه في بابه.
فأما إذا تعيّن العتق وقوعاً، ثم استبهم، فلا جريان للقرعة، والحالة هذه،

ولا انفصال عن هذا السؤال، لا بتخريجه على أصلٍ قدمناه، وهو أن المريض إذا أعتق عبداً، ثم عبداً، وتحققنا التقدم، واستبهم عينُ المتقدم، ففي الإقراع قولان، قدمنا ذكرهما، وبنيناهما على نظيرهما في الجمعة والنكاح، وهما جاريان حيث نعلم المتعيّن ونيئَس من الوصول إلى دركه.
فنعود بعد هذا التنبيه إلى المسألة ونقول: من أجرى القرعة، فهو مفرع على أحد القولين، ومن منع القرعة لأجل أن القرعة لا تجري في الاستيفاء، فلو صح التعجيز كما صورناه، التحق هذا بالقولين في أن القرعة هل تجري في مثل هذا المقام [وهذا نهاية] 1 كشف المسألة.
12542 - ثم قال: " ولو ادعى أنه دفع، أُنظر يوماً ... إلى آخره " 2. إذا ادعى المكاتب أنه سلّم النجوم، وأنكر السيد، فالقول قول السيد، فإن قال المكاتب: إن لي بينة، أنظرناه يوماً، فإن استزاد، فمنتهى مدة الانتظار ثلاثة أيام، فإن لم يقم بينة، ولم يؤذ النجم عجّزه المولى، ثم يكفيه إقامةُ شاهدٍ وامرأتين؛ فإنه يبغي إثبات تسليم مال.
ولو كان يريد إثبات تسليم النجم الأخير الذي يستعقب أداؤه العتقَ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنّه لا بد من عدلين، ولا يقبل شاهد وامرأتان؛ فإن المقصود والأغلب في النجم الأخير إثبات العَتاقة، وهذا قد سبق في كتاب الشهادات موضحاً.
فصل قال: " ولو أدى كتابته، فعتق، وكان عَرْضاً ... إلى آخره " 3. 12543 - نجم الكتابة لا يكون إلا ديناً، وكل دين ثبت في عقد، فاستوفاه مستحقه، ولم يجده على النعت المستحَق، ردّه، ولا يرتد العقد برّه، ولكنه يعود

إلى طلب حقه، ثم إن كان ما قبضه من غير جنس حقه، فالرضا به لا أثر له، وهو على حقه، وما قبضه لم [يملكه] 1، إلا أن يعتاض عن حقه ما قبضه، حيث يجوز الاعتياض.
ولو كان ما قبضه من جنس حقه، ولكن كان به عيبٌ، فإن رضي به، استمر الملك فيه، وإن رده، وأراد حقه الموصوفَ، فهل نقول: جرى ملكه فيما قبضه، ثم انتقض بالرد، أم نقول -إذا رد- تبيّنا أنه لم يملكه؟ فعلى قولين بنينا عليهما مسائلَ في البيع: منها - أن عقد التصارف لو ورد على الذمة، ثم جرى التسليم والتسلُّم في المجلس، وحصل الافتراق بعد ذلك، فوجد أحدهما بما قبضه عيباً، وردّه، فإن قلنا: ملك ما قبض، فالعقد 2 صحيح؛ فإن التفرق كان على ملك العوضين.
وإن قلنا: نتبين أنه لم يملكه، فالعقد فاسد؛ فإن المتعاقدين تفرقا قبل التقابض.
ومما يبتني على هذا الأصل أن من أسلم في جاريةٍ، ثم قبض الجاريةَ، فلم يجدها على الصفات المذكورة؛ إن رضي بها، استمر العقد، وإن ردها، فالعقد قائم، وهو يطلب الجارية التي يستحقها، ولكن هل يجب على المسلَم إليه استبراء الجارية التي رُدت عليه؟ فعلى القولين: فإن قلنا: ملكها قابضها، ثم زال الملك، استبرأها المسلَم إليه، وإن قلنا: لم يملكها، فالمسلم إليه لا يستبرئها؛ وقد تبين استمرار ملكه فيها.
ومما نُجريه في اطراد هذا الأصل -قبل الخوض في مقصود الفصل- أن من قبض موصوفاً -كما ذكرنا- ولم يكن على الصفات المشروطة، ورضي به، فمتى يحصل ملكه؟ هذا بعينه ما قدمناه، ففي قولٍ يحصل الملك عند الرضا، وفي قول يحصل الملك بالقبض، ويتأكد بالرضا.
وتتمة الكلام في ذلك أن من اشترى عيناً وقبضها، واطلع على عيب قديم بها، فحق الرد فيها على الفور، كما ذكرناه في كتاب البيع.
وإذا قبض موصوفاً في الذمة، ولم يكن على كمال الصفة، واطلع على ذلك، فإن قلنا: إنه لا يملك بالقبض ما لم

يرض، فلا شك أن معنى الفور لا يتحقق، بل الملك موقوف على الرضا متى كان، وإن قلنا: يحصل الملك بالقبض، فاطلع على النقص، فيجوز أن يقال: حق الرد على الفور، والأوجه أنه ليس على الفور، وإن حكمنا بحصول الملك بالقبض؛ لأنه ليس معقوداً عليه، وإنما يثبت الفور فيما يؤدي رفعه إلى رفع العقد محاماة على بقاء العقد.
فهذا مقدار غرضنا في مقدمة الفصل.
12544 - ونحن نعود بعده إلى الغرض، ونقول: إذا قبض السيد النجم الأخير مثلاً، ولم يكن على الصفة المطلوبة، والمجلس جامع، ولو فرض الرضا والتساهل، لاستمر الملك، ونفذ العتق، فلا يخلو إما أن يرضى وإما أن يبغي الرد، فإن رضي، حصل العتق.
واختلف الأصحاب في وقت حصوله، فمنهم من قال: يحصل العتق عند الرضا، ومنهم من قال: يحصل العتق بالقبض، ولا يعسر على الفطن تلقي هذا مما مهدناه.
وإن [كان] 1 اطلع وأراد الرد والاستبدال، فهل نحكم بحصول العتق، أم كيف السبيل؟ هذا يبتني على القولين المذكورين في أنا هل نحكم بحصول الملك بالقبض، ثم نقضي بانتقاضه في المقبوض الموصوف، فإن قلنا: لا نحكم بالملك، بل نتبين أنه لم يحصل أصلاً.
فإن قلنا: نتبين أن الملك لم يحصل 2، فالعتق غير حاصل، وإن قلنا: ارتد العتق، كان توسعاً وتساهلاً في الكلام، بل لم يحصل أصلاً.
والمعنيّ برده الحكمُ بانتفائه أصلاً، وهذا متجه بيّن.
وإن قلنا: يحصل الملك في المقبوض، فلا ينسدّ على المولى باب الرد باتفاق الأصحاب، ولكن اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: إذا ردّ، تبيّنا أن العتق لم يحصل.
وهذا هو الذي لا يستقيم على قاعدة المذهب غيره؛ فإن العتق لو حصل، لامتنع ارتداده؛ إذ ليس هو من التصرفات التي يتطرق النقض إليها.
فإن قيل: إذا حكمتم بالملك في المقبوض، فلِم لَم تقضوا بنفوذ العتق؟ قلنا:

لأن العتق يحصل في الكتابة الصحيحة بقضية المعاوضة، والعتق مقابَل بملكٍ لازم متأكد، لا يتطرق إليه إمكان الرفع والقطع، فإذا ردّ، تبينا أن العوض على مقتضى العقد لم يَجْر فيه ملك، والعتق لا يكتفى في حصوله بجريان ملك جائز على عوض ناقص.
ومن أصحابنا من قال: ينفذ العتق على الجواز، كما حصل الملك في العوض على الجواز، فإن حصل الرضا، لزم الملك والعتق، وإن اتفق الردُّ، ارتد العتق بعد نفوذه، وهذا ضعيف لا أصل له، ولكن حكاه القاضي وزيّفه، وقد نجد له نظيراً في تفريعات العتق في العبد المشترى في زمان الخيار، ولا أحد يصير إلى تنفيذ العتق على اللزوم.
ومما يتصل بهذا الفصل أن القابض لو تلف ما قبضه، ثم اطلع على ما كان به من نقص، فإن رضي به، فقد قال الصيدلاني: ينفذ العتق، فإن لم يرض به وأراد الرجوع إلى الأرش، فنتبين أن العتق لم ينفذ.
هكذا قال الأئمة، حتى إن فرض عجز عن تأدية الأرش، فللمولى أن يعجّز المكاتب به، كما يعجزه بالعجز عن مقدارٍ من النجوم.
12545 - وفي هذا مزيد بحث يستدعي تقديمَ أصل في ذلك.
فنقول: من اشترى عيناً وتلفت في يده، واطلع على عيب، فالرضا والإغضاء إبراءٌ عن حق ثابت أم لا؟ ما دلّ عليه فحوى 1 كلام الأئمة أنه لا حاجة إلى إنشاء الإبراء، والرضا كافٍ، وتعليله أن الأرش في حكم العوض عن حق الرد، ثم حق الرد يكفي في [سقوطه] 2 الرضا، فليكن الأرش بمثابته، وإن طلب الأرشَ، تقرر حقه، ثم لا يسقط ما لم يسقطه، ولا يخفى أن طلب الأرش ليس على الفور، وإنما الفور في الرد.
فإذا تبين هذا في العين المبيعة المقبوضة إذا تلفت، فلو كان المقبوض عينَ ملتزم في الذمة، فإذا فات في يد القابض، فالذي ذكره الأئمة أنه إن رضي، استمر العتق، ولا إشكال.

ومتى يحصل العتق؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يحصل عند الرضا.
والثاني - أنا نتبين حصوله مستنداً إلى القبض، وهذا يناظر ما قدمناه من الرضا بالعيب عند بقاء العين، وإن لم يرض وطلب الأرش، تبين أن العتق لم يحصل، وقد يخرج الوجه الضعيف الذي حكيناه في أن العتق يحصل، ثم يرتد.
فإذا تمهد هذا، فالكلام بعده في الأرش، وقد اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: الأرش نقصان العين المقبوضة، حتى إن كان النقصان عُشراً، رجع بمثل عُشر ما قبض.
ومن أصحابنا من قال: الأرش هو الرجوع بمثل نسبة ذلك النقص من الجانب الثاني.
فإن كان عُشراً رجع بعُشر قيمة العبد، وهذا قياس الأروش في المعاوضات، كما مهدناه في كتاب البيع على الاستقصاء.
هذا ما ذكره الأصحاب.
فنوجّه الوجهين الأخيرين، ثم نذكر إشكالاً وجواباً عنه: أما من أثبت الرجوع بجزء من قيمة العبد، فوجهه الجريان على قياس الأرش في البيع وغيره من المعاوضات.
ومن لم يسلك هذا المسلك قال: المقبوض عن ملتزم ليس ينتصب ركناً، ولذلك لا يرتد العقد برده، فلا يسترد في مقابلة نقصه [جزءاً] 1 من العوض، كما لا يسترد المعوَّضَ إذا كان [باقياً] 2 عند ردّ العوض المعين.
وأما الإشكال، فلو قيل: إيجابُ جزء زائد في المقدار في مقابلة الصفة المعدومة تغييرٌ لتقدير العوض، وإن رجعنا في جزء من قيمة رقبة المكاتب، فهذا لا يليق بالكتابة الصحيحة؛ فإن الرجوع بقيمة الرقبة إنما يثبت عند فساد الكتابة، وتمام ذلك أنه لو قيل: يغرم هذا الذي قبض النجم مثلَ ما قبضه 3، ويطالب بالمسمى الموصوف، لكان أمثل مما قدمنا ذكره، سيّما إذا قلنا: القبض لا يملِّك ما لم يثبت الرضا، ثم قلنا: إذا ثبت الرضا، حصل الملك عنده.
ولم يتعرض أحد من

الأصحاب لذلك.
ولعلهم رأَوْا أن التلف إذا اتصل بالمقبوض، جرى الملكُ فيه لا محالة، وإنما يجري القولان إذا كانت العين قائمة.
ثم على هذا ذكروا وجهين في الأرش، كما قدمنا ذكرهما، وما وجهنا به كلام الأصحاب ليس بقاطع، والاحتمال الذي ذكرناه باقٍ، وهو يجري في قبض كل موصوف، فأما ما ذكرناه من الإشكال في الوجهين الذين ذكرهما الأصحاب، فلا يخفى الانفصال عنه: أما الزيادة في المقدار على وجهٍ، ففي مقابلة نقصان الصفة، وأما تقدير قيمة جزء من العبد، فهو على مذهب فوات المعوَّض، ويكثر نظير ذلك في المعاوضات.
وقد نجز الغرض، وتم النقل والتنبيه على وجوه الإشكال.
12546 - ونحن نأخذ بعد هذا في فصلٍ يقرب مأخذه مما ذكرناه، فنقول: إذا قبض السيد النجمَ، فخرج مستحَقاً، وتبين أنه لم يكن للمكاتَب، فلا شك أن المقبوض مردود، والعتق غير حاصل؛ فإن حصوله موقوف على ثبوت الملك في المقبوض؛ والمستحَق لا يملكه القابض.
وفي ذلك نظر وبحث، فنبيّنه في أثناء الكلام.
ولو قال المولى لعبده: أنت حر على ألف درهم، فقال: قبلت، ثم جاء بألف مغصوب، فالعتق قد وقع بالقبول، وطلبُ الألف بعد وقوع الحرية، وكذلك إذا قال لامرأته: أنت طالق على ألف، فإذا قبلت وكانت مُطْلَقة 1، وقع الطلاق، وهذا في الكتابة لا يتحقق؛ فإن القبول فيه لا يفيد العتاقة، بل لا بد من رعاية أحكام وقضايا، وبعد جميعها العتاقةُ.
ولو قال لمكاتَبه كتابة فاسدة: إن أديت ألفاً، فأنات حر، فلو جاء بألف مغصوب، فهل تحصل الحرية؟ فعلى قولين، وقد ذكرنا في نظير ذلك من الطلاق أن الرجل إذا قال لامرأته إن أعطيتني ألفاً، فأنت طالق، فجاءت بألف مغصوب، ففي وقوع الطلاق الخلاف، كما تقدم في الخلع.

وسبب الخلاف أن الإعطاء من وجه يقتضي تمليكاً، فينبغي أن يكون الألف المعطى (1 بحيث يتصور من المعطي تمليكه، ولا يقتضي تمليكاً من وجه آخر؛ فإن المعطى 1) في الطلاق وفي الكتابة الفاسدة مسترد 2، ويجب الرجوع إلى غيره 3 عند قرار الغرم.
فإذا كان كذلك، فلا أثر لكون الألف المُحضَر مما يتأتى التمليك فيه.
والضابط في الفصل أن الخلع إذا كان وارداً على التزام شيء في الذمة، اكتفي بالقبول الآتي جواباً عن الإيجاب، والطلاقُ يقع بالقبول نفسه، ولا أثر لكون الدراهم مغصوبة أو مستحقة، وإذا كان الخلع مُورداً على الإعطاء، مثل أن يقول: " إن أعطيتني "، فهل يشترط كون الدراهم مملوكة؟ فيه الاختلاف، ونظير ذلك من الكتابة، الكتابةُ الفاسدة؛ فإن عمادها التعليق، ووجهه أن يقول المولى للمكاتب: إن أعطيتَ كذا، فأنت حر، فتقع الكتابة على فسادها مناظِرة للخلع الوارد على الإعطاء، وإن صحت الكتابة، فمن ضرورتها ورودها على الذمة، فهي في الظاهر تناظر الخلع الوارد على الذمة، ولكنها تفارقه؛ من جهة أن الفراق يتعلق في الخلع بالقبول، ثم طلبُ العوض يقع وراء البينونة، والعتق لا يقع في الكتابة بالقبول، بل يقع بحصول الغرض في العوض على مقتضى المعاوضة، لا على اعتبار تحقيق التعليق.
وهذا تفصيل هذه المسألة.
12547 - ثم موجب ما ذكرناه [في] 4 الكتابة الصحيحة أن العوض المقبوض إذا خرج فيها مستحَقاً، فلا وجه للحكم بحصول العتق، وإن نحن أجرينا الحكم به ظاهراً، فالباطن مخالف للظاهر، وإذا ظهر الباطن، تبينا أن لا عتق ظاهراً، وزال ما كنا نظنه، وليس هذا كالرضا بالعيب؛ فإنه ممكن، واستقرار العوض به مُتصوّر.1

وإنما أطلت الكلام في تفصيل هذه المسائل على ظهورها، لأن كلام الأصحاب يُلفى مختلفاً.
وصاحب التقريب ينقل نصوصاً، بعضها في الكتابة الصحيحة، وبعضها في الفاسدة، وهي تعتمد التعليق، كالخلع الوارد على الإعطاء، فليردّ 1 المطلعُ على النصوص المختلفة تلك النصوصَ على التفاصيل التي ذكرناها، فلا وجه غيرها قطعاً.
ثم تمام الكلام أن المولى إذا قبض ما حسبه عوضاً، وقال بحسبه للمكاتب: قد عَتَقت، أو أنت حر، فإذا خرج المقبوض مستحَقاً، فقال المكاتب: أنت مؤاخذ بإقرارك، وقد قلت: إنك حر، فكيف السبيل في هذا؟ قلنا: القول في ذلك مبني على ما أجريناه في الدعاوى على قربٍ من العهد، فإذا اشترى الرجل عبداً وقبضه، فنُوزع فيه، فقال للمدّعي: لا يلزمني تسليم العبد إليك، فأقام المدعي بيّنة على استحقاقه؛ وتبين بطلانُ الشراء بحسبها، فللمشتري الرجوع بالثمن على البائع، وبمثله لو قال المشتري في أثناء النزاع: هذا العبد ملكي، ثم أفضت الخصومة إلى ثبوت استحقاق المدعي بالبينة؛ فلما أراد المشتري الرجوع بالثمن على البائع، قال البائع: قد أقررت بكون العبد ملكاً لك، ومن ضرورة إقرارك هذا -وقد تلقيت الملك مني- أن تكون معترفاً بأنه كان ملكي إلى أن بعتُه، فلا تملك الرجوع عليّ، ففي ذلك مذهبان: أظهرهما -وبه الفتوى- أنه يملك الرجوع، فإن قوله العبد ملكي مبني على ظاهر الحال، فإذا بيّنت البينةُ استحقاقَ المدعي، وزال الظاهر [المظنون] 2، فيزول بزواله قولُ المشتري.
ومن أصحابنا من قال: لا يملك الرجوع على البائع.
12548 - عاد بنا الكلام إلى ما نحن فيه، فإذا قال المولى: قد عَتَقْتَ أو أنت حرّ، فهذا مأخوذ مما ذكرناه، فمن أجرى قوله على الظاهر، أبطل أثره عند زوال الظاهر [المظنون] (2)، ولم نر مؤاخذته بموجب قوله، وهذا هو الذي نص عليه الشافعي.

ومن قال في مسألة الشراء والنزاع فيه: إن المشتري لا يملك الرجوع على البائع عند ثبوت الاستحقاق، فلا شك أنه لا يدرأ الحرية، وإن ثبت الاستحقاق في المقبوض، ويرى مؤاخذة المولى بقوله؛ من جهة أنه كان مستغنياً عن التلفظ بما ذكر، مع تجويزه خروج ما قبضه مستحقاً.
12549 - وقد أورد الصيدلاني -على أنه لا يؤاخذ بموجب لفظه إذا جرى الاستحقاق في مقبوضه 1 - فرعاً في الطلاق، ننقله على وجهه ونبين اختلاله: وذلك أنه قال: إذا قالت المرأة لزوجها: أطلقتني؟ فقال الزوج: نعم، فهذا إقرار منه بالطلاق ظاهراً، فلو قال بعد ذلك: كنتُ أطلقتُ لفظاً حسبته مقتضياً لوقوع الطلاق، فأجريت إقراري بحسبه، ثم راجعت العلماء فأفتَوْني بأنه لم يكن طلاقاً، قال: هذا مقبول من الزوج، وقد وجدته كذلك في بعض المصنفات.
وفيما نقله الصيدلاني مزيد تأكيد؛ فإنه قال: إذا قال القائل للزوج: طلقتَ امرأتك؟ فقال: نعم طلقتها، ثم ادعى ما وصفناه، فالقول قوله.
وعندي أن هذا وهم وغلط؛ فإن الإقرار جرى مقصودًا بصريح الطلاق، فقبول خلافه حملاً على ظن يدعيه، ويتعارض فيه صدقه وكذبه، محال.
ولو فتحنا هذا الباب، لما استقر إقرار بمقَرّ به، وليس هذا كما ذكرناه من إطلاق السيد لفظ الحرية على أثر قبض النجوم؛ فإنه محمولٌ ظاهراً على الإخبار عما يقتضيه القبض، فإذا انتقض القبض، تبعه القول المحمول عليه، على المسلك الظاهر، وليس هذا كما لو سئل الزوج عن الطلاق مطلقاً، من غير إشارة إلى واقعةٍ، ولفظةٍ فأقر المسؤول بالطلاق على الإطلاق، ثم رام فيه تأويلاً وحملاً على ظن ادعاه في لفظ خاص ذكره، ولم يقع السؤال عنه، فلا وجه إذاً إلا القطع بالمؤاخذة في مسألة الطلاق.
ولو قال في الكتابة: حرّرتُكَ، أو أعتقتك، وهو يبغي بذلك تحقيق الغرض، لو فرض استحقاق في المقبوض، كالذي يضم سبباً إلى سبب، طالباً تأكيداً، فهذا لا مردّ له، والمولى مؤاخذ به، وإن خرج العوض مستحَقة.

فصل قال: " ولو عجز أو مات وعليه ديون بُدىء بها على السيد ... إلى آخره " 1. 12550 - هذا الفصل نجمع فيه تفصيل المذهب في الديون المجتمعة على المكاتب: عن معاملة، أو جناية، أو نجم كتابة، ونوضح ما نقدّم منها وما نؤخر وننظم اختلاف طرق الأصحاب بعون الله تعالى.
ومقصود الفصل كثيرُ التداور في مسائل الكتاب شديدُ المخامرة لها، فإذا أوضحناه، زالت عنا مؤنةٌ عظيمةٌ، فنذكر أولاً ديونَ السيد إذا انفردت، ثم ننعطف على اجتماع ديون الغير مع دين السيد.
فأما السيد إذا اجتمع له على مكاتبه نجومُ الكتابة، وأرشُ جنايةٍ كانت صدرت منه على السيد، أو على ماله؛ فإن كان الذي في يد المكاتب وافياً بالديون كلها، فلا إشكال، والمكاتب يوفّر حقوق السيد عليه، فلو أدى نجوم الكتابة أولاً، ورضي السيد بتقديمها فيعتِق بأداء النجوم لا محالة، وهل يبقى عليه أرشُ الجناية؟ هذا يُبنى على أن القِنَّ إذا جنى، وتعلّق الأرش برقبته، ثم عتق، فهل يطالب بالأرش، أو بالفاضل منه عن الفداء؟ فيه اختلاف قدمنا ذكره وبنيناه على أن العبد هل له ذمة في الجناية أم لا؟ هذا قولنا في الرقيق.
فأما المكاتَب إذا عتق، ففي بقاء الأرش عليه مسلكان: أحدهما - التخريج على القولين المذكورين في القِنّ.
والثاني -وهو الأصح- أن الأرش لا يسقط مذهباً واحداً، فإنه عند ثبوته، اقتضى توجيه الطَّلِبة به على المكاتَب على حسب توجيه الطَّلِبة في ديون المعاملة، فإذا عَتَق، دامت المطالبة، وليس ذلك كما ذكرناه في القن؛ فإنه لم يطالب في استمرار الرق عليه.
هذا إذا رضي السيد بتقديم نجوم الكتابة.
ولو كان الذي في يد المكاتب بحيث لا يفي بالنجم والأرش جميعاً، فقد ذكر

الصيدلاني في ذلك طريقاً - نحن نطرده على وجهه، وذلك أنه قال: إذا كان الذي في يده وافياً بالنجوم، ولم يكن وافياً بها وبالأروش جميعاً، فلو أراد المولى -وقد تحقق ذلك-[أن يعجِّز] 1 المكاتب؛ بناء منه على علمه بقصور ما في يده عن النجوم والأرش، فليس له تعجيزه، ولكن له أن يقول: أطالبك بدين الجناية أولاً، ولا أقبل منك شيئاً من مال الكتابة، حتى توفر عليّ الأرش كَمَلاً، فإذا استوفى منه أرش الجناية، فلم يبق في يده شيء، أو قَصَرَ ما في يده عن النجم المستحَق الحال، فيعجّزُ السيد حينئذ.
فإن قيل: هلا قلتم أن الخِيَرة إلى المكاتَب في تسليم ما في يده، فله أن يقول: أبدأ بتأدية النجوم، وعلى السيد موافقته فيما يبغيه من [إيفاء] 2 النجوم؛ بناء على ما سبق تمهيده من أن المكاتب إذا جاء بالنجم قبل محِلّه، فيتعين على السيد قبوله؟ قلنا: إنما يجبر السيد على القبول، إذا لم يكن عليه ضرر في قبول النجم قبل المحِلّ، ولو كلفنا السيد فيما نحن فيه قبول النجوم قبل أرش الجناية، لعتق المكاتب، ثم لا يجد السيد مرجعاً على مفلس في أرش الجناية، ففي هذا إسقاط حقه.
هذا كلامه.
12551 - ثم فرعّ على هذا، وقال: لو أدى المكاتب ما في يده إلى سيده مطلقاً، ولم يتعرض واحد منهما للجهة، فإذا قال المكاتب: نويت به أداء النجوم، وأنكر السيد ذلك، فقد قال الصيدلاني حكايةً عن القفال: إن القول في ذلك قول المكاتب مع يمينه، أنه قصد ذلك، كما لو كان على الحرّ نوعان من الدين، فأدى أحدَهما مطلقاً، ثم زعم أنه أراد به الدينَ الذي به الرهن، ورام فكاكه، فقوله مقبول.
هكذا حكاه من قول القفال.
ثم قال الصيدلاني: القياس عندي في مسألة المكاتب، إذا أطلق الأداء أن القول قول السيد أني قبضته عن الأرش، بخلاف سائر الديون؛ فإن الاختيار في هذه الصورة

إلى السيد في قبض ما شاء، فينبغي أن يكون القول قوله، وهذا حسن بناء على ما تقدم.
وحقيقة القول فيه أن العبد لو نوى بأدائه النجومَ، والسيد نوى القبضَ عن جهة الأرش، وأقر كل واحد منهم بصورة الحال من غير نزاع، فالذي ذكره القفال يقتضي أن يقع عما يراه المكاتب، وهو النجم؛ فإنا وإن جوّزنا للسيد المطالبةَ بالأرش ابتداء، والامتناعَ عن قبول غيره، فإذا كان الأداء مطلقاً، فالعبرة بقصد المؤدِّي، وما ذكره الصيدلاني يقتضي أن يكون المؤدى يقع على حسب قصد السيد القابض، والعبرة بقصده في القبض، لا بقصد المؤدِّي.
فعلى موجب ذلك قال القفال: القول قول المكاتب في الإطلاق.
وقال الصيدلاني: القول قول السيد، فإذا صدّق كل واحد صاحبه فيما نواه، وحصل التقارّ عليه، فمذهب القفال الرجوعُ إلى نية المكاتب المؤدِّي، وما اختاره الصيدلاني الرجوع إلى نية السيد القابض، وكل ما ذكرته محكي الصيدلاني وطريقه.
وذهب غيره من الأئمة في أصل الكلام إلى أنه مهما 1 علم السيد أن الذي في يد المكاتب قاصر عن الأرش والنجم على الاجتماع، وتحقق ذلك، فله تعجيزه وردُّه إلى الرق، ولا يتوقف جواز التعجيز على أن يأخذ ما في يده عن الأرش.
وهذا متوجه عندي جداً؛ فإنه لو طالبه بالدينين معاً، لكان له ذلك، ثم هو يعجِز لا محالة في قسطٍ من النجوم، وإذا كانت الطَّلِبة يمكن توجيهها بالدينين، ثم من ضرورة ذلك العجز، فينبغي أن يملك التعجيز؛ بناء على طلبهما جمعاً، وعدمِ وفاء ذات اليد بهما، فأما تكليف السيد أن يطالب بالأرش أولاً، ثم يطلب النجوم بعده، فلا وجه له، مع تصوير المطالبة بهما، فهذا مقدار غرضنا الآن في ديون المولى.
12552 - فأما إذا ثبتت عليه ديونُ الأجانب، وعلى المكاتب بقيةُ النجوم، فنقول: إذا اجتمع عليه النجم، ودين المعاملة للأجنبي، ودين جناية للأجنبي أيضاً، وليس للسيد إلا النجم، فحسب، فإن كان الذي في يد المكاتب يفي بجميع ما عليه،

فلا إشكال، وإن كان لا يفي بجميعها، بل ضاق عنها، نُظِر: فإن لم يحجر القاضي عليه، وكان المكاتب مطلقاً، فأراد أن يقدم ديناً من الديون، فله ذلك، كما يكون ذلك للحر المعسر، الذي أحاطت به الديون، ولا حجر بعدُ، وليس هذا من التبرعات، حتى يمتنعَ على المكاتب؛ فإن تقديم دين على دين ليس بتبرعٍ إجماعاً.
ولو اجتمع غرماء المكاتب، واستدعَوْا من القاضي أن يحجر عليه -ولسنا نعني بالحجر ردّه إلى الرق، وإنما نعني تَفْليسه ليصرف ما في يده إلى غرمائه، على موجب الشرع، ويقصُر يده عن التقديم والتأخير- فإذا اتفق ذلك، وحجر القاضي عليه، فقد قال الشافعي: " إن لم يعجّز المكاتب -على ما سنذكر التفصيل في تعجيزه على أثر هذا إن شاء الله- وقد اجتمع عليه الأرشُ، والنجم، ودين المعاملة، فيقسم ما في يده بالسوية، لا يقدَّم دين على دين، والتقسيط على أقدار الديون ". هذا هو النص.
والذي صار إليه معظم الأصحاب أن دين المعاملة للأجنبي مقدم على النجم، وعلى أرش الجناية -إن ثبت الأرش للأجنبي- فإنه يتعلق دين المعاملة بما في يده، ولا متعلق له سواه أصلاً، ولأرش الجناية متعلق آخر، وهو الرقبة، وكذلك حق السيد عند العجز يتعلق بالرقبة، فإن المكاتب يرتد رقيقاًً، فصاحب دين المعاملة مقدم.
ثم أرش الجناية على الأجنبي مقدم على النجم أيضاً؛ فإن أرش الجناية ألزمُ، والنجم بعرض السقوط مهما 1 شاء المكاتب، وأيضاً فإن أرش الجناية على الأجنبي أقوى من حق مالك الرقبة؛ فإن العبد إذا جنى بِيع في الجناية، إن لم يَفْده السيد.
فهذا ما ذكره الأصحاب.
وقد حكى صاحب التقريب هذا.
ثم قال صاحب التقريب: الأصح عندي الجريان على ظاهر النص، وهو أن ما في يده يقسم على النجم، والأرش، ودين المعاملة، على أقدارها ومبالغها؛ فإن جميع الديون متعلقة بما في يده، بدليل أن كل واحد لو

انفرد، لتعلق به، والجناية إنما تتعلق بالرقبة إذا لم يكن في يده كسب؛ فينبغي أن يتضاربوا.
هذا اختيار صاحب التقريب.
وهو ظاهر النص، وفيما حكاه العراقيون، إشعار بمصير بعض الأصحاب إلى موافقة النص، كما حكيناه، وسنذكر في التعجيز كلاماً على الاتصال.
12553 - وإذا عجّز المكاتب نفسه، فلا شك في سقوط النجم بالتعجيز، فإذا بقي في يده من كسبه شيء، وعليه دين معاملة، وأرش جناية على أجنبي، فالذي صار إليه الأئمة، أن دين المعاملة أولى بذلك الشيء الذي في يده، إذا كان لا يفي إلا بأحدهما؛ فإنه لا تعلق لدين المعاملة سواه؛ وأرش الجناية يتعلق بالرقبة؛ فلا يسقط بتقديم دين المعاملة.
وذكر صاحب التقريب في هذه الحالة أن المكاتب إذا عجّز نفسه، فالذي في يده مقسوم على أهل الجنايات، ودينُ المعاملة يتأخر عن أرش الجناية، واحتج بأن قال: دينُ المعاملة ثبت بالمراضاة، فكان مؤخراً عَن الدين الثابت قهراً، من غير رضا المجني عليه؛ فإنا نقول لأصحاب ديون المعاملات، قد رضيتم بذمته، وعلمتم حاله وماله، فكنتم مؤاخذين بحكم ضعف الدين، وأرشُ الجناية لم يثبت بالرضا، وله تعلق بما في اليد مقدم.
وهذا قاله صاحب التقريب صريحاً 1، وهو غريب، لم أرَه لغيره، ومقتضى هذا أنهم لو ازدحموا ولم يعجّزوه، وقلنا بتقديم بعض الديون على بعض، أن دين الجناية يقدم على دين المعاملة، لما ذكره من قوة دين الجناية.
والذي ذكره الأصحاب تقديم دين المعاملة، وما ذكره صاحب التقريب فرضه في الكسب الباقي بعد التعجيز، فأما قبل التعجيز، فلم يحكِ إلا مسلكين: أحدهما - أنهم يتضاربون بالسوية، وهو ظاهر النص، والثاني - أن دين المعاملة مقدم، وقياسه يقتضي تقديم دين الجناية [بعد] 2 التعجيز، وإن لم يقله.

فأنتظم بعد التعجيز نقلاً وحكاية أن النجوم تسقط لا محالة، وكذلك ديون معاملة السيد، وفيما بقي عليه من ديون معاملةٍ لأجنبي، وأرش جناية على أجنبي أوجه: أحدها -وهو ما مال إليه معظم الأصحاب- أن دين المعاملة مقدم، والثاني - وهو الذي ذكره صاحب التقريب -أن أرش الجناية مقدم- وحكى شيخي وجهاً ثالثاً- أنهما سواء.
وكل ذلك في التعلق بما صادفناه من كسبه بعد التعجيز، والوجه الثالث الذي حكاه شيخي رأيته في طرق العراق، وكان شيخي يقول: لا يصح عندي غيره.
12554 - ولو مات المكاتَب، فقد رق بالموت، فإن كان خلف كسباً، وعليه دينُ معاملة لأجنبي، وأرشُ جناية -والتفريع على مذهب الجمهور في أن دين المعاملة مقدم في الحياة بعد التعجيز- فعلى هذا؛ إذا مات، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن دين المعاملة أولى استصحاباً لهذا التقديم في حالة الحياة، والوجه الثاني - أنهما سواء.
وذلك لأن لكل واحد منهما تعلقاً بالكسب، وكنا نؤخر أرش الجناية في التعلق بالكسب لتعلقه بالرقبة، وقد فاتت الرقبة بالموت، فاستويا، وإن جمعنا اختيار صاحب التقريب إلى ما ذكرنا جرى وجهٌ ثالث في أن أرش الجناية مقدم.
وإنما غرضنا بالتصوير فيما بعد الموت التنبيهُ على الفرق الذي ذكرناه، وتخريج وجهين بعد الموت.
وإن قطعنا على مذهب الجمهور بأحدهما في حالة الحياة.
12555 - ومن تمام البيان في هذا الفصل شيئان: أحدهما - بيان من له حق التعجيز، فنقول: السيد له حق التعجيز لأجل النجوم، ولو جنى على سيده، فضاق ما في يده عن الأرش والنجوم، فهل للسيد حق التعجيز؟ قد ذكرت هذا ونقلت طريقة الصيدلاني، ومسلكَ غيره، ودينُ معاملة السيد في هذا المعنى كأرش الجناية عليه، هذا في السيد.
فأما الأجانب، فنقول: إذا جنى على أجنبي، وضاق ما في يده عن أرش الجناية، فقد قال الأصحاب: للأجنبي حقُّ تعجيزه، لتباع رقبته في جنايته، وأطلق الأصحاب ذلك، وظاهر قولهم أنه يعجِّزه بنفسه من غير قاضٍ، ولا يبعد عندنا أن

يقال: يرفعه إلى القاضي [ليفسخ] 1؛ فإنه ليس هو العاقد، فانفراده بالفسخ بعيد.
ثم لو همّ بتعجيزه، فأراد السيد أن يفديه، فهذا فيه احتمال ظاهر، متلقى من قول الأصحاب؛ من جهة أن السيد إنما يفدي إذا تعلق الأرش بالرقبة، وهذا لا يتحقق ما دامت الكتابة، وليس السيد في المكاتبة بمثابة مولى المستولدة، حتى يُجعل بالكتابة مانعاً، كما جُعل مولى المستولدة بالاستيلاد مانعاً.
هذا وجه.
ويجوز أن يقال: له أن يفديه؛ فإنه رقيقه، وقد يكون له غرض في تتميم العتاقة فيه.
والظاهر أن الفداء لا يجب قبوله ما دامت الكتابة.
ولو ثبت دين المعاملة لأجنبي، فقد قال الصيدلاني وغيره: ليس له التعجيز بسبب دين المعاملة؛ فإنه لا يستفيد بالتعجيز شيئاً؛ إذ لا يتعلق حقه إلا بالكسب قبل التعجيز وبعده، والمجني عليه يستفيد بالتعجيز تعلقَ حقه بالرقبة، فهذا أحد الشيئين.
والثاني - أنه إذا اجتمع على المكاتب ديون الأجانب من الجهات التي قدمناها، فكلها مقدمة على النجوم في الرأي الظاهر، فلو كان للسيد على مكاتبه ديونُ معاملة؛ فقد قال بعض الأصحاب: يضارب بها ديون المعاملات للأجانب، وإن لم يضارب بالنجم؛ فإن دين المعاملة للسيد إذا سقط، لم يستبدل عنه، والنجمُ إذا سقط، عاد السيد إلى الرقبة.
وقال بعض أصحابنا: لا يضارب السيد بدين المعاملة إذا قلنا: لا يضارب بالنجم؛ فإن ديون السيد عرضة للسقوط بالتعجيز، بخلاف ديون الأجانب.
فهذا تمام المراد، ونهاية الكشف في ديون المكاتب في حالاته: في الحياة، والممات، وما قبل التعجيز، وبعده.
12556 - ثم حكى صاحب التقريب في أثناء الكلام شيئاً غريباً، لم أوثر حكايته في ترتيب المذهب، ولم أر تركَ ما حكاه إمام عظيم، قال رضي الله عنه: إذا ثبت لأجنبي

دين معاملة على مكاتب، ثم ارتفعت الكتابة بالتعجيز، وليس ثمَّ كسبٌ، فالمذهب المقطوع به أن دين المعاملة لا يتعلق برقبة المكاتب كدين الجناية، قال صاحب التقريب: من أصحابنا من صار إلى ذلك.
ثم قال: ولست أعرف له وجهاً، وما حكاه مجانب لمذهب الشافعي وقياسِه، ولا نعرف خلافاً بين الأصحاب في أن ديون معاملات العبد المأذون لا تتعلق برقبته إذا زادت الديون على ما في يده، فإن سلم صاحب الوجه الغريب ذلك، لم نجد فرقاً، وإن طرد مذهبه في هذه الصورة، كان تاركاً لأصل المذهب.
وأبو حنيفة 1 يحكم بتعلق ديون المعاملة برقبة المأذون.
والله أعلم 2. ...

باب كتابة بعض عبد، والشريكين في العبد يكاتبانه

قال: " ولا يجوز أن يكاتب بعض عبد إلا أن يكون باقيه حراً ... إلى آخر الباب " 1. 12557 - الكلام في مضمون الباب يتعلق بفصول: أولها - [الفصل الأول] القول في ذكر مواضع الوفاق والخلاف في مكاتبة بعضٍ من شخص، فنقول: من نصفه حر، ونصفه عبد، إذا كاتبه مالك رقه في نصفه الرقيق، صحت الكتابة، بلا خلاف، فإن غرض الكتابة استقلالُ المكاتب، وهذا المعنى يحصل فيمن ذكرناه؛ فإنه يستفيد الاستقلال في نصفه الرقيق، وله حقيقة الاستقلال في نصفه الحر.
وإذا كان بين رجلين عبد مشترك، فكاتباه جميعاً على نجوم، ولم يختلفا في مقدار النجوم، والآجال، بل أثبتاها على استواء في النصيبين، فهذا صحيح وفاقاً، ولم نعن بالاستواء أن يكونا مستويين في الحصتين، بل إذا كان أحدهما مالكَ ثلثه والثاني مالكَ ثلثيه لم يؤثر ذلك.
ولكن ينبغي أن يكون لصاحب الثلث ثلث النجوم المذكورة والآجال لا تختلف، فهذا ما أردنا بالاستواء.
ولو أراد أحد الشريكين أن يكاتب نصيبه، ولم يكاتب الثاني، فإن جرى ذلك بإذن الشريك، ففي صحة المكاتبة قولان منصوصان: أحد القولين - أنها صحيحة، اعتباراً بالعتق، والتعليق، والتدبير؛ فإن هذه التصرفات مقصودُها العَتاقة، ثم جرت في

بعضها جريانَها في الكل، فلتكن الكتابة كذلك، وأيضاً؛ فإنه يستقل في نصفه استقلالَ من عَتَق نصفُه، فإذا كان لا يمتنع عتقُ البعض، وجب ألا يمتنعَ عقدُ العَتاقة في البعض.
والقول الثاني - أن الكتابة فاسدة.
فإنه لا يملك المسافرة، وهي إحدى جهات الاستقلال، وتتعلق بها جهة ظاهرة في المكاسب، وأيضاً فإن صرف الصدقة إليه لا يجوز، فإن ما يأخذه إذا لم تكن مهايأة ينبسط على نصفيه، وذلك مستحيل في النصف الرقيق.
فقد ذكرنا صورتين في صحة الكتابة قولاً واحداً، ونصصنا على الصورة التي أجرى الشافعي قولين فيها.
12558 - ونحن نذكر بعد ذلك صوراً تردد فيها طرق الأصحاب: منها - أن من ملك عبداً خالصاً، فكاتب بعضه؛ فالذي ذهب إليه الأكثرون وهو ظاهر النص أن الكتابة فاسدة، لما أشرنا إليه من نقصان الاستقلال، والسيد مقتدر هاهنا على الإكمال؛ فإن العبد خالص.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً مخرجاً في تصحيح الكتابة قياساً على التدبير والتعليق، ثم هذا يعتضد بحصول الاستقلال في ذلك المقدار، ونحن لا نشترط فيه دَرْكَ الكمال.
ومن الصور - أن أحد الشريكين إذا كاتب نصيبه من غير إذن صاحبه، فالذي ذهب إليه الأكثرون فسادُ الكتابة في هذه الصورة، وتخصيصُ القولين بما إذا فرض من أحد الشريكين عقد الكتابة بإذن صاحبه، وذهب طائفة من المحققين إلى تخريج القولين في هذه الصورة؛ وهذا منقدح؛ من جهة أن إذن الشريك لا يغيّر قضيةَ الكتابة في النصف، ولا يتضمن تكميل الاستقلال؛ حتى يقال: إذن الشريك تسليط له على المسافرة، أو يتضمن تجويزَ صرف الصدقة إليه؛ فإذا كان إذنه لا يؤثر في مقتضى الكتابة، فلا يبقى إلا تخيل تضرر الشريك إذا فرض نفوذ العتق، وهذا لا حاصل له مع نفوذ عتق الشريك.

وإن قيل: العتق المجرد له سلطان، والكتابة تتعرض للفساد والصحة، ثم للاستمرار والنقض، فلا يكاد يتضح بهذا فرق؛ فالتخريج في الكتابة بغير إذن الشريك أوضح من التخريج في كتابة بعض العبد الخالص للمكاتب.
ومن الصور التي نذكرها - أن الشريكين إذا كاتبا معاً على الصحة والاستواء، فلو عجز المكاتب، فارقّه أحد الشريكين، وأراد الثاني أن يُنظره إلى ميسرةٍ ومقدرة، فقد اختلف أصحابنا على ثلاث طرق: فقال بعضهم: تنفسخ الكتابة في نصيب المُنْظِر قولاً واحداً.
وقد أورد المزني هذه المسألة واستشهد بها في نصرة منع الكتابة في صورة القولين، ووجه هذه الطريقة أن الإرقاق يرد الشريك الذي رام التعجيز إلى حقيقة الملك، ونقض ما جرى الإذن به، أو التوافق عليه، فكان صاحبه في الإنظار كمن يكاتب نصيبه من غير إذن الشريك.
وقد قطع الشافعي جوابه بهذا ونص على القولين فيه إذا كاتب أحد الشريكين نصيبه بإذن شريكه.
ومن أصحابنا من قال: نصيب من يريد الإنظار يبقى على القولين، فإن التوافق على الكتابة رضاً من كل واحد بما يصنعه صاحبه، وإذا وقع الرضا به، فهو رضاً بتمام أحكامه، ومن أحكامه جواز الإنظار عند العجز.
ومن أصحابنا من ذكر طريقة ثالثة - وهي أن الكتابة تبقى في حق المنظر قولاً واحداً، وهذا التبعض محتمل في الانتهاء، وإن كنا لا نحتمله في الابتداء؛ لأن دوام العقود أقوى من ابتدائها، وهذا وإن أمكن توجيهه؛ من جهة أن الشرائط لا تُرعى في الدوام، وإنما تعتبر في ابتداء العقود، والطريقة غريبة مخالفة للنص.
ومما نذكره متصلاً بهذا: أن من مات، وخلف مكاتباً ووارثَيْن، فعجَز المكاتبُ، فارق أحدُهما نصيبه، وأراد الثاني إنظاره، فما ذكرناه من الطرق يجري في حق الوارث المُنظِر، ولعل الانفساخ أظهر في الوارثَيْن؛ لأن الكتابة جرت على جميع العبد ابتداء، فيبعد بقاؤها على البعض انتهاء.
ووجه تخريج الطرق أن الكتابة بعد الموت بين الوارثَيْن بمثابة كتابةٍ تصدر من

شريكين، ولذلك يعتق نصيب أحد الابنين بإبرائه عن حصت من العموم، وهذا حكم حدث بعد موت المولى لتعدد الورثة، ولو أعتق أحد الوارثَيْن نصيبَه، وقلنا: لا يسري عتقه، فلو رق نصيبُ الثاني، ولم يُنظره، فهذا لا يعطف الفسخَ على ما عتق على حكم الكتابة؛ فإن العتق لا يُستدرك، وإذا نفذ على جهةٍ لم نغيّر الجهة.
ومما يتعلق بالكلام في هذا الفصل: أن العبد إذا كان مشتركاً بين الشريكين مناصفةً، فلو كاتبه أحدهما في نصيبه على ألف، وكاتبه الثاني على ألفين، أو غايرا بين نجوم الكتابة، أو لم تنشأ الكتابة معاً، فكل ذلك يخرّج على القولين، وإنما يتفق على صحة الكتابة، إذا حصل الاستواء في النجم مقداراً، وتأجيلاً، وحصل الإنشاء معاً، ولو أنشآ على الاختلاف معاً، فقبل المكاتب، فهذا بمثابة ما لو انفرد أحدهما بمكاتبة نصيبه بإذن شريكه؛ فإن الشريك وطّن النفس على الكتابة، فلم يبق له حق مُتخَيَّل يُرعى فيه إذنه.
هذا نجاز الكلام في الفصل الأول، وقد وضح فيه ما يصح ويفسد، وما يختلف فيه في إيراد الكتابة على البعض من العبد.
الفصل الثاني 12559 - فيه إذا كاتب الشريكان العبد على الصحة حيث يمطع بها، والمقصود بيان كيفية الأداء إلى الشريكين، فنقول: ينبغي أن لا يسلّم إلى واحد حصته من نجمٍ، حتى يسلّم حصة الثاني إليه، فإذا وفّر الحصتين من النجوم على الجمع والاقتران، حصل العتق، ولو أراد أن يقدم أحدهما بحصته لم يكن له ذلك من غير إذن من يؤخِّرُه، وليس هذا كالديون المجتمعة على معسرٍ لم يُحْجَر عليه؛ فإنه قبل الحجر يقدم من يشاء، والمريض في مرض موته يقدم [من غرمائه] 1 من يشاء.
أما الشريكان في المكاتب، فحقهما يتعلق بكسبه، ولكل واحد منهما حقُّ الملك

في الكسب، والمكاتب بينهما كعبد مشترك بين شريكين، ولو سلم المكاتب إلى أحدهما تمام حصته من غير إذن صاحبه، لم يعتق منه شيء؛ لأن أداءه لا يصح، ونزيد، فنقول: لو سلّم إلى أحدهما تمام النجوم، فالمذهب أنه لا يعتق منه شيء، ولو سلّم الكل إلى أحدهما وقال له: وكلتك بتسليم حصة شريكك مما قبضت، فلا يَعْتِق منه شيء، والسبب فيه أن الشريك لم يملك ما لم يسلم إليه، ويستحيل أن يملك القابض شيئاً ما لم يملك شريكُه مثلَه.
هذا هو المذهب المعتمد.
وحكى العراقيون وجهاً بعيداً أنه إذا سلّم إليه التمامَ عَتَق منه نصيب القابض، ووجّهوا هذا بأن قالوا: لا يجب عليه أن يرفع يده إلا عن نصف ما قبض، فليقع الحكم باستقرار ملكه في حصته.
وهذا ليس بشيء؛ فإن الأصحاب مجمعون على أنه لا يحصل للقابض ملك في شيء مما قبض، حتى يحصل لصاحبه الملك، ولا ينفع مع هذا تلبيسٌ [برفع] 1 اليد -إذا كان الملك يحصل عند رفع اليد- فليقع النظر إلى حالة حصول الملك.
ولو وكل أحد الشريكين صاحبه بأن يقبض حصته من النجوم، ثم جاء المكاتب بالنجوم وسلمها إلى الشريك الوكيل، فيحصل العتق، ويجري ملك الشريكين في المقبوض.
ولو أذن أحد الشريكين للمكاتب في تقديم شريكه، فجرى على إذنه، ووفّر على الشريك حصته، ففي صحة الأداء قولان.
واختلف أصحابنا في أصلهما: فمنهم من قال: هما مبنيان على القولين في مكاتبة أحد الشريكين بإذن صاحبه، فالإذن في التبعيض آخراً كالإذن في التبعيض أولاً.
ومن أصحابنا من قال: أصل القولين تبرع المكاتب إذا جرى بإذن السيد، وهذا البناء أوضح وأفقه.
فإذا لم يصح التبرع بالإذن، فلا يحصل الملك، وإذا لم يحصل الملك، لم يترتب العتق.
وكل ما ذكرناه في الكتابة الصحيحة.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل