نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 207-246
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 207-246
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فإذا اختلّ شرط من شرائط الصلاة، أو ركن من أركانها في ضرورةٍ أو حاجةٍ، نظر، فإن كان وجوب ما اختل لا يختصّ عند التمكن بالصلاة كستر العورة، فإذا لم يجد الرجل ما يستر به عورته، فصلّى عارياً، فقد أطلق صاحب التقريب أن الصلاة لا تجب إعادتها، من حيث إن الستر ليس من خصائص الصلاة، ولهذا ذهب مالك 1 إلى أن من صلى عارياً مع القدرة على الستر، لم تلزمه الإعادة، كمن يصلي في دارٍ مغصوبة.
ونحن نرى أن القضاء يجب لورود الأمر بالستر على الاختصاص بالصلاة، قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، قيل: أراد سترَ العورة.
وكان شيخي يفصل القول في صلاة العاري تفصيلاً لا بدَّ منه، وساعده عليه كثير من الأصحاب، فيقول: إن صلّى عارياً في قومٍ يعمّ العريُ فيهم، فلا قضاء عليه، إذا تحول واكتسى.
وإن اتفق العريُ نادراً في ناحية يندر ذلك فيها، فهذا يفرّع على أن العاري يُتم الركوع والسجودَ، أم يومىء؟ فإن قلنا: يتم، فظاهر المذهب أنه لا يجب القضاء، كما ذكره صاحب التقريب، ومن أصحابنا من أوجب القضاء؛ للندور، وعدم الدوام.
وإن قلنا: يومىء، فالأصح أن القضاء يجب؛ فإنه اختلّت أركان الصلاة بأعذارٍ نادرةٍ لا تدوم.
وفي المسألة وجهٌ آخر، أن القضاء لا يجب، وسنبين أصله في أثناء الفصل.
والذي أراه أن العري إذا عمّ في قومٍ كما ذكرناه، فالوجه القطع بأنهم يُتممون الركوع والسجود؛ فإنهم يتصرفون في أمورهم لمسيس الحاجة عراةً، فيصلون كذلك، ولا يقضون، وجهاً واحداً.
فهذا مما لا يختص وجوبه بالصلاة.
265 - فأما ما يختصّ وجوبُه بالصلاة، كطهارة الحدث، وإزالة النجاسة، وكالأركان في أنفسها، فإذا تطرق الخلل إلى شيء منها، لم يخل: إما أن يكون بعذر عام، أو بعذرٍ خاص، فإن كان السبب عذراً عاماً، فأدى المرء ما كلِّف في الوقت،

فلا قضاء عليه.
وألحق الأئمة بذلك قعودَ المصلي في الفرض بعذر المرض؛ فإن المرض الذي يجوز القعودُ لأجله يعمُّ إذا أضيف إلى جملة الناس، على ما قربنا القولَ فيه.
وعُدَّ من هذا القسم التيمّمُ في السفر، عند إعواز الماء؛ فإن ذلك مما لا يندر.
وفي هذا القسم [مزيد مع] 1 العموم، وهو أنه إن اختل الوضوء، أثبت الشرع عنه بدلاً، وهو التيمم، فقام في محلّه مقام المبدل.
266 - فأما إذا كان العذر الذي هو سبب الاختلال نادراً، فهذا ينقسم قسمين: أحدهما - أنه يكون بحيث يدوم غالباً، وإن كان نادراً.
والثاني - أن يكون نادراً غير دائم، فإن كان نادراً يدوم كالاستحاضة، وسلسل البول، واسترخاء الأُسْر، ونحوها.
فكل اختلال جرّه هذا الفن، فهو معفوٌّ عنه.
ثم لا فرق بين خللٍ اقتضى بدلاً، وبين ما لا بدل له أصلاً؛ فإن المستحاضة وإن كانت تتوضأ لكل صلاةٍ مفروضة، فليس للنجاسات الدائمة إزالة، ولا بدل عنه، ولكن لا خلاف في العفو.
267 - فأما العذر النادر الذي لا يدوم، فإذا تضمن خللاً، لم يخْلُ إما أن يكون خللاً مع بدلٍ، أو لم يكن بدل، فإن كان البدل ثابتاً، كما إذا اتفق عدمُ الماء في بلدة، بأن غارت العيون، وانقطعت المياه، فهذا يندر ولا يدوم؛ فإن أهلها يتحولون ويسعَوْن على البدار في إنباط الماء، ثم يتيممون ويُصلون، فإذا وجدوا الماء، فهل يلزمهم القضاءُ؟ فعلى قولين مشهورين.
وكذلك إذا أصاب المسافرَ بردٌ وكان جنباً، ولم يتمكن من تسخين الماء الموجود، ولا من ثياب تُدفئه، ولو استعمل الماء البارد، لخاف على نفسه، فإنه يتيمّم، وفي وجوب القضاء قولان.
ويندرج تحت ذلك القضاء على صاحب الجبائر؛ فإن ذلك العذر نادرٌ لا يدوم.

وقد أثبت الشارع عما تعذر من الغسل بدلاً كما سبق وصفه، فلا جرم اختلف القول في القضاء.
وكان شيخي يقول: قال الشافعي 1: " إن صحّ ما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان انكسر زنده؛ فالقى عليه الجبيرة، وكان يمسح عليها، فلم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضاء الصلوات "؛ فإنقطع بإسقاط القضاء 2. وهذا توقف منه في صحة الحديث.
268 - فأما إذا كان العذر نادراً غير دائم، وكان الخلل إلى غير بدل، فظاهر المذهب 3 إيجاب القضاء، وهو كما لو عدم الماء والتراب؛ فإن فقدان غبرة 4 تثور نادر جداًً غيرُ دائم.
فإذا صلى على حسب الإمكان، ثم وجد طهوراً، فالذي يوجد منصوصاً 5 للشافعي القطعُ بإيجاب القضاء؛ لندور العذر، ولانتفاء البدل، وعدم الدوام.
ومذهب المزني 6 أن كل من صلى على حسب ما أمر في الوقت، لم يلزمه القضاء أصلاً، طرداً للقياس.
ثم ظاهر مذهب الشافعي أن وقت الصلاة لا يصادفُ عاقلاً قط إلا يلزمه إقامة الصلاة على حسب الإمكان، وإنما يسقط فرضيةُ الصلاة بسقوط التكليف، أو بالحيض في حق المرأة 7. وهذا هو مذهب المزني.
ثم قال المزني مع اعتقاده ذلك: " من أقام

الصلاة في الوقت على حسب الإمكان، لم يلزمه القضاء أصل " 1 وقد أضاف كثير من أئمتنا في الطرق هذا القول إلى الشافعي، وسنذكر من كلام الشافعي في آخر الفصل ما يدل على هذا.
إن شاء الله 269 - ومن التبس عليه القبلة، ولم يتمكن من الاجتهاد، ولم يجد من يققده، فيصلي على ما يظنه، ويلزمه القضاء.
وقال المزني: لا قضاء عليه.
وهو معزِيٌّ 2 إلى الشافعي على بعدٍ.
وقال أبو حنيفة: كل صلاةِ لو أقيمت على صفةٍ وجب قضاؤها، فلا يجب إقامة تلك الصلاة في الوقت أصلاً 3. وهذا أضيف إلى الشافعي قول أيضاً.
وفي كلام الشافعي ما يدل عليه، كما سنذكره، وإذ ذاك نُنبّه على سرٍّ إن شاء الله تعالى.
270 - ومما يلحق بهذا القسم أن من صلى وعلى جرحه دم، فالدم ليس عنه بدل.
فإذا كان العذر نادراً، غير دائم، فالظاهر القطعُ بوجوب القضاء إلحاقاً بما ذكرناه، وفيه الخلاف المذكور في نظائره.
قال صاحب التقريب: العذر الذي يترك المصلي القيام فيه يعدّ من الأعذار العامّة، والعذر الذي يصلي بسببه مضطجعاً من الأعذار النادرة، ولكنها إذا وقعت، دامت في الغالب، فلا قضاء على صاحب هذا.
271 - ولا يخرج عن هذا الضبط الذي ذكرناه إلا الصلاة في شدة الخوف والمسايفة، كما سيأتي وصفها؛ فإنه اختلالٌ ظاهر، في الأفعال، والأركان، وسببه عذرٌ نادر لا يدوم، ثم لا يجب القضاء قول واحداً، وذلك رخصة مستثناة عن القواعد، متلقاةٌ من نص القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239]. 272 - ثم نختم الفصل بأقوالٍ حكاها معظم النقلة، واختص بدرك معناها خواص

الفقهاء، وهي أن من أقام صلاة في الوقت على اختلالها، مع بذل الإمكان، ثم أمرناه بالقضاء، فقضاها، فالواجب من الصلاتين أيتهما؟ فعلى أربعة أقوال: أحدها - أن الواجبة هي الأولى.
والثاني - أن الواجبة هي الثانية.
والثالث - أنهما جميعاًً واجبتان.
والرابع - أن الواجبة إحداهما لا بعينها.
قال صاحب التقريب: إن قلنا: إن الواجبة هي الأولى، فهذا عينُ مذهب المزني؛ فإن الثانية قضاءٌ، فإذا لم تجب، فقد انتفى وجود القضاء صريحاً.
وإن قلنا: الواجبة هي الثانية، فهذا تصريح بأن إقامة الصلاة في وقتها لا يجب كما حُكي عن أبي حنيفة.
وإذا قلنا: هما واجبتان، فهذا جريان على ظاهر المذهب في إيجاب أداء حق الوقت، مع إيجاب القضاء.
وإذا قلنا: الواجبة إحداهما لا بعينها، فيجب حمل هذا على وجوب إقامتهما جميعاًً، حتى يتأدى بإقاتهما المفروضة منهما، كمن نسي صلاة من صلوات لا يدري عينَها؛ فإنه يلزمه قضاء الصلوات.
ويجوز حمل هذا القول على أن القضاء لا يجب؛ فإن من صلى منفرداً، ثم أدرك جماعة، فصلى مرةً أخرى، فقد قال الشافعي في قولٍ: إن المفروضة إحداهما لا بعينها، وإن كان لا يجب الإقدام على الصلاة الثانية المقامة في الجماعة.
فهذا ما وعدنا التنبيه عليه.
273 - وأما السر الذي ذكرناه، فمذهب أبي حنيفة أن الصلاة التي لو أقيمت، لوجب قضاؤها، لا يجوز إقامتها في الوقت، بل يحرم الإقدام عليها مع الخلل، كما يحرم على المرأة إقامة الصلاة في حالة الحيض، وليس هذا مذهباً للشافعي.
وذكر بعض المصنفين أن هذا القول البعيد مثلُ مذهب أبي حنيفة، ومقتضى ذلك المنعُ من الصلاة، وتحريمُ الإقدام عليها، وهذا بعيدٌ جداً.

ثم إذا قلنا: يقيم الصلاة في الوقت، ثم يجب قضاؤها، فالمذهب الظاهر أن ما يقيمه في الوقت صلاة، ولكن يجب تدارك النقص الذي فيها.
ولا يتأتى استدراك ذلك النقص وحده؛ فيقيم صلاةً كاملةً عند زوال العذر.
ومن أصحابنا من قال: ما يقيمه في الوقت تشبُّهٌ بالصلاة، كالإمساك عن المفطرات في نهار رمضان، في حق من أفطر عامداً.
وهذا بعيد جداًً؛ لأن النية لا تجب في التشبه بالعبادات، والنية واجبة في الصلاة التي يقيمها في الوقت.
وممكن أن يقال: الممسك في رمضان قد فاته وقت النية، والذي يصلي على النقص بخلافه، فالنية كسائر الأركان التي يأتي تصورّها.
فإن قيل: هلاّ قلتم: الصلاة المقامة في الوقت فاسدة، كالحجة الفاسدة التي يجب المضيُّ فيها؟ قلنا: إيجاب الإقدام على الفاسد محال، وأما التشبُّه، فلا يبعد إيجابه، وإنما وجب المضي في فاسد الحج من حيث إنه لا يتصور التخلّي 1 منه.
فهذا مجموع ما أردناه.
274 - ثم مما لا يخفى أن ما وصفناه بالدوام من الأعذار، وربطنا بها إسقاط القضاء، فلو اتفق زواله بسرعة، فهو كالدائم المتمادي، نظراً إلى الجنس، والذي وصفناه بأنه لا يدوم لو اتفق دوامه، [لم] 2 يلتحق بما يدوم في جنسه، بل حكمه حكم ما ينقطع على قرب، إِلحاقاً لما يشذّ عن الجنس بالجنس.
فهذا تمام القول فيما يتعلق بالقضاء.
والله الموفق للصواب.
فرع: 275 - قال الصيدلاني: من رُبط على خشبة، فأدركه وقتُ الصلاة.
قال: إن كان وجهه إلى القبلة، فصلى على حسب حاله، [لم] 3 يلزمه القضاء، كما لو مرض، فصلى بالإيماء على جنْبٍ.
وإن لم يكن وجهه إلى القبلة، فيلزمه القضاء.

فأما إيجاب القضاء إذا لم يكن وجهه إلى القبلة، فجارٍ 1 على ظاهر المذهب، كما تقدم الكلام في نظائره، وأما قطعه القولَ بإسقاط القضاء عن المستقبِل المربوط، ففيه نظر؛ فإن سبب ذلك عذرٌ نادرٌ لا يدوم، وليس من جنس المرض، حتى يعدّ ملحقاً به.
فرع: 276 - إذا ألقى الجبيرة، ثم توهم الاندمال، فبحث، فإذا العذر قائم، فالأصح أنه لا يلزمه تجديدُ التيمم.
بخلاف ما لو ظنّ المتيمم العادم للماء أن بالقرب منه ماء، ثم طلب فلم يكن، فإنه يلزمه إعادة التيمم.
والفرق أنه يجب طلب الماء على من ظنه، ولا يجب طلب الاندمال.
ومن أصحابنا من أبطل تيمّم من ظنّ الاندمالَ، ثم أخلف ظنَّه، كالعادم للماء، ومن قال: لا يجب البحث عن الاندمال، عند إمكانه، وتعلّق الظنُّ به، فليس ما قاله نقيًّا عن الاحتمال.
ثم ذكر الشافعي أن المقيم السليم إذا كان واجداًً للماء، فحضرت جنازة، لم يتيمم.
وقصد به الردّ على أبي حنيفة؛ فإنه جوّز التيمّم عند خوف فوات صلاة الجنازة 2، وأنكر الشافعي ذلك، واحتج بفصولٍ ظاهرة ليست من غرضنا.
فصل 277 - إذا وجد المحدث في سفره من الماء ما لا يكفيه لتمام طهارته، فهل يلزمه استعمالُ الموجود، والتيمّم عن المفقود؟ فعلى قولين مشهورين: أحدهما - أنه لا يجب استعمال الماء، ويقتصر على التيمم؛ فإن الماء أصلٌ، والتيمم بدل، ووجود بعض الأصل بمثابة عدمه أصلاً، اعتباراً بمن وجد نصف رقبةٍ في الكفارة المرتَّبة.

والقول الثاني - يجب استعمال ما وَجدَ من الماء، والتيممُ بسبب الباقي، كما لو سقط بعضُ أعضاء وضوئه؛ فإنه يجب عليه أن يغسل ما بقي منها.
وهذا القول يلتفت توجيهه على جواز تفريق النيّة على أعضاء الوضوء، كما سبق تقريره في تفريع تفريق الوضوء فعلاً، فكأن كلَّ عضوٍ مقصودٌ بنفسه.
وتوجيه القولين مستقصىً في الخلاف 1. ثم إن أوجبنا استعمال ما وجده، فلا خلاف أنه يجب تقديم استعمال الماء الموجود أولاً؛ فإن سبب التيمم عدمُ الماء، وهذا لا يتحقق ما لم يستعمل ما وجده.
278 - ومما يتفرع أن المتيمم إذا وجد ما لا يكفيه لوضوئه، وعلم مقدارَه، فإنْ كنا لا نوجب استعمالَه، لم يبطل تيممه، وإن كنا نوجب استعمالَه، فيبطل التيمم، فليغسل بما وجده ما قدر عليه، وليجدد التيمم.
وفرّعَ: 279 - ابن سريج فرعاً، فقال: الجنب لو اغتسل، وأغفل لمعةً من أعضاء وضوئه ونفِد الماءُ، ثم أحدث، فإنه يتيمم.
فلو تيمّم، ثم وجد ماءً قليلاً، لا يستوعب أعضاء وضوئه، ويستوعب اللمعةَ المغفلة، فإنْ فرَّعنا على أنه يجب استعمالُ الماء القليل الذي لا يستوعب الطهرَ، فيبطل التيمم على ذلك.
هكذا قال ابن سريج.
وعلّل بأن قال: لما أحدث، وتيمّم، وقع تيمّمه عن بقية الغسل، وعن الحدث المتجدد، فلما وجد الماء، تعين عليه صرفُه إلى بقية الغسل، فإذا فعل ذلك، فقد بطل تيممه، فإنه كان التيمم عن الغسل والحدث، ثم بطل ما وقع عن الغسل، والتيمم لا يتبعّض في البطلان؛ فلزمت إعادة التيمم بسبب الحدث الذي كان طراً 2. فأما إذا فرّعنا على أن الماء القليل الذي نقص عن الطهر لا يجب استعماله، فقد قال ابن سريج: لا يبطل التيمم على هذا القول؛ فإن التيمم من جهة وقوعه عن

الحدث لا يبطل على هذا القول، فإن الماء الذي وجده قاصرٌ عن الوضوء، فلا يجب استعماله، ولا يؤثر وجودُه في التيمم الواقع عن الحدث، والغسل قد تم.
280 - وهذا عندي غير صحيح؛ فإن التيمم أولاً وقع عن بقية الغسل والحدث، فإن كان لا يبطل بسبب الحدث لو تجرد على هذا القول، فوجب أن يبطل في حق الغسل، ثم لا يتبعض البطلان.
ولو كان المعنى الذي ذكره صحيحاً، لوجب ألا يبطل التيمم على القول الأوّل [أيضاً] 1؛ فإن الماء القليل وإن أوجبنا استعماله في الوضوء، لو تجرّد الحدث، فإذا فرضنا بقية الغسل، فالماء مستغرق بها، متعيّن لها، وهو في حكم المفقود، في حق الوضوء، فكان يجب ألا يبطل التيمم لذلك، فإذا بطل فعله، لاستحالة التبعيض كما ذكرناه، وجب طردُ البطلان على القولين جميعاً.
وقد حكى الصيدلاني تفريعَ ابن سُريج، ولم يعترض عليه.
فصل 281 - نقل شيخي وبعض المصنفين في المذهب: أن المسافرين إذا نزلوا، ودخل وقت الصلاة، وكان عن يمين المنزل أو يساره ماءٌ لو قصده وحصّله، لم يخَفْ على نفسه وماله، ولم ينقطع عن الرفقة، ولم يخرج وقت الصلاة - أنه يلزمه استعمال الماء، ولا يجوز له أن يصلي بالتيمم.
قال: وقال الشافعي: " لو كان الماء بين يدي المسافر 2، وهو يمرّ مرّاً، وعلم أنه ينتهي إلى الماء قبل انقضاء الوقت، لو اندفعت العوائق، فيجوز له أن يتيمّم في أول الوقت ". فاختلف أئمتنا في النصّين، فمنهم من قال في المسألتين جميعاً قولان: أحدهما - يتيمّم في الموضعين سواء كان الماء المستيقن عن جانب المنزل، أو بين يديه؛ فإنه ليس واجداًً للماء في الحال؛ وقد علق الله تعالى رخصة التيمم بفقدان الماء حالة التيمم، وهذا المعنى يتحقق فيمن نزل على غير ماءٍ.

والثاني - لا يتيمم؛ لأنه متمكن من الوصول إلى الماء على يُسرٍ؛ فكان هذا كوجود الماء في الحال.
ومن أصحابنا من أقرَّ النصين قرارهما، وفرّق بأن الماء إذا كان على اليمين أو اليسار، فهو منسوب إلى المنزل، والنازل قد يتيامن ويتياسر وينتشر في حوائجه، ولا يمضي في صوب قصده، ثم يرجع القهقرى، فليس الماء بين أيدي المسافرين منسوباً إليهم، ويشهد لذلك ما روي أن عبد الله بن عمر قفل من سفرةٍ له إلى المدينة، فلما انتهى إلى الحرّة، دخل وقت العصر، فتيمم وصلّى، فقيل له: أتتيمّم وجدرانُ المدينة تنظر إليك، فقال: أو أحيا حتى أدخلها؛ ثم دخل المدينة والشمس حيّة، ولم يقض الصلاة 1. فإن قلنا: لا يتيمّم فالمرعيّ فيه الأوصاف التي ذكرناها، وهي الأمن الغالب على النفس والمال، [وألا] 2 ينقطع عن الرفقة، فإن كان الماء بمكانٍ لو قصده بمركوبه الذي هو عُدّته وعاد إليها، ثم ارتحل القوم، لتقاعدت دابّتُه، فهذا من الانقطاع عن الرفقة، والماء كالمعدوم في هذه الصورة.
ولو لم يكن عليه بأس لو انقطع، ولأمكنه 3 أن ينتهي إلى مقصد نفسه، فهذا فيه عُسر، والاحتمال يتطرق إليه.
282 - وإن قلنا: يتيمم، فلو كان الماء على مسافةٍ يجب طلب الماء عند الإشكال 4 منه، فلا شكّ أنه يجب استعماله.
وإن كان أبعد من مسافة الطلب قليلاً، فلا يبعد أن يقال: إن كان الماء على مسافة ينتشر إليها النازلون في الاحتطاب

والاحتشاش، وينتهي إليها البهائم في الرعي، ولم يكن حائل، فيجب تحصيل الماء المستيقن في هذه الصورة، وهذه المسافة تزيد على مسافة الطلب عند الإشكال.
ثم إذا جوزنا التيمّم عند بعد الماء، فلا خلاف أن الأولى أن يؤخر الصلاة ليصلي بالوضوء، إذا كان الماء معلوماً، فأما إذا كان يرجو الماء في آخر الوقت، وهو يظنّ ولا يستيقنه، فدخل وقتُ الصلاة، فيجوز إقامة الصلاة بالتيمم في أول الوقت وفاقاً، ولكن اختلف القول في الأَولى، فأحد القولين: أن الأولى تعجيل الصلاة بالتيمم؛ فإن هذه فضيلة ناجزة، ووجود الماء مأمول غيرُ مستيقن.
والثاني - أن التأخير أفضل؛ لإقامة الصلاة مع ارتفاع الحدث.
ولو لم يغلب الظن في وجود الماء، فلا خلاف أن التعجيل بالتيمم أفضل، ثم إن عجل الصلاة بالتيمم إما في صورة القولين عند رجاء 1 الماء، وإما في الصورة الأخيرة، ثم وجد الماء قبل انقضاء الوقت، فلا يلزمه قضاء الصلاة أصلاً.
ثم ما ذكرناه من اختلاف القولين في استحباب التعجيل والتأخير فيه إذا كان يقتصر على صلاةٍ واحدةٍ، فإن تيمّم وصلى في أول الوقت، ثم صلى متوضئاً في آخر الوقت، فهو النهاية في إحراز الفضيلة.
ولو دخل أول وقت الصلاة، وكان الرجل يرتقب جماعةً في آخر الوقت، فلا خلاف أن تعجيل الصلاة مع الانفراد أولى، فإن الجماعة فضيلة محضة مرقوبة، والتعجيل فضيلةٌ ناجزة، وليس كالصلاة بالوضوء في آخر الوقت؛ فإن الوضوء عند وجود الماء والتمكن منه واجب، فقابل مظنون لو تحقق، لكان واجباً فضيلةً ناجزةً، فخرجت المسألة على قولين.
فصل 283 - نصَّ الشافعي على أن طائفةً لو انتهَوْا في السفر إلى بئر، وكانت لا تحتمل إلا نازحاً واحداً، فكانوا يتناوبون عليها، فعلم واحد منهم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد

انقضاء وقت الصلاة، لا يتيمم، ويصبر حتى تنتهي النوبةُ إليه، ثم يقضي الصلاة 1. وكذلك نصّ على أنه لو كان بينهم دَلوٌ واحدٌ، وكانت النوبة تنتهي إلى واحدٍ بعد فوات وقت الصلاة، أنه يصبر ولا يبالي بفوات الصلاة.
وكذلك لو كان بين طائفة من العراة ثوبٌ يتداولونه، فعلم واحدٌ أن الصلاة ينقضي وقتها قبل انتهاء النوبة إليه، قال: يصبر، ولا يصلي في الوقت عارياً.
ونص على أن جماعةً لو كانوا في بيت ضيق، أو سفينةٍ، وليس هناك إلا موضع واحد يتأتى فيه القيام في الصلاة، وكانوا يتناوبون عليه، فعلم واحد أن النوبة لا تنتهي إليه في الوقت قال: يصلي قاعداً في الوقت.
وهذا يخالف نصوصَه في المسائل المتقدمة.
284 - وقد أُلقيت هذه النصوص على أبي زيد المروزي، وكان من أذكى الأئمة قريحة، فلم يلُح له فرق، ورأى تخريجَ المسائل كلها على قولين: أحدهما - أنه يصلي في الوقت على حسب الإمكان.
والثاني: أنه يصبر في المسائل كلها، حتى يتمكن من تمام الفرض.
وفرّق بعض الأصحاب بأن أمر القيام أهون، بدليل أنه لا يُشترط في النافلة.
وهذا فاسد، لا مبالاة به، مع القطع بأن القيام ركن في الصلاة.
285 - ثم لو صلى بالتيمم في هذا المسائل وهي مفروضة في المسافر، فلا قضاء عليه، والماء كالمعدوم في الوقت.
وكذلك لو ضاق الوقت، ولاح للمسافر الماءُ، ولا عائق، وعلم أنه لو اشتغل به، لفاته الصلاة، فقد نص الشافعي في ذلك أيضاً على مثل ما نص عليه في الدلو والبئر.
وهذه الصورة مندرجةٌ في الخلاف، وتصرّف الأصحاب.
ولو فرض ضيق الوقت، وخوف الفوات في المقيم، فلا خلاف أنه لا يتيمم.
وإذا قلنا: يصلي قاعداً، ففي وجوب القضاء احتمالٌ، من جهة أن ذلك عذرٌ

نادرٌ، فلنعرض ذلك على القواعد الممهّدة في إثبات القضاء ونفيه، كما سبق في الفصل الجامع.
فصل قال: " ولو نَسي الماءَ في رَحْلِه ... إلى آخره " 1. 286 - المسافر إذا كان في رحله ماء، وقد علمه، ثم نسيه، وتيمّم على أنْ لا ماء معه، فظاهر المذهب أنه يلزمه إعادةُ الصلاة بالوضوء، إذا تذكر.
وقال أبو حنيفة لا تلزمه الإعادة 2. وقد خرّج بعضُ الأصحاب قولاً للشافعي، مثل مذهب أبي حنيفة، من قول قديم للشافعي: أن من نسي قراءة الفاتحة في صلاته، صحت صلاته.
وأطلق بعضُ العراقيين حكايةَ القولين.
ولو لم يكن في رحله ماء، فأدرج إنسان فيه ماء، من حيث لا يشعر، فتيمم، على اعتقاد أن لا ماء معه، ثم اطلع، فقد ذكر الصيدلاني طريقين، قال: من أئمتنا من جعل هذا كما لو علم الماء، ثم نسيه في رحله.
والطريقة المرضيّة القطع أن لا يلزمه قضاء الصلاة.
وإن كان في رحله ماءٌ فأضلّه، فإن طلبه، فإنتهى في الطلب إلى غلبة الظن في أنه فاقدٌ للماء، ثم تيمم وصلى، ووجد الماء، فهذا خرّجه أئمة المذهب على القولين فيمن اجتهد في طلب جهة القبلة وصلى، ثم تبيّن له أنه مخطىءٌ، ففي وجوب القضاء قولان.
ولو أضلّ رحلَه في الرحال، ثم طلب، ولم يجده، وتيمّم، فهو كما لو أضل الماء في رحله.

ومن أصحابنا من فرَّق بين أن يضل الماء في رحله، وبين أن يُضلّ رحلَه في الرحال، وقال: على من أضل الماء في رحله قضاء، ومن أضل رحله، لم يَقْضِ.
وهذا أعدل الوجوه؛ والفرق أن من أضل الماء في رحله، ثم وجده، فالرحل أضبط للماء، من مخيم الرفقة لرحل واحدٍ، وأيضاًً فمن صلى في رحله، وقد أضل الماء فيه، فقد صلى على الماء، ومن صلى، وقد أضل رحله في الرحال، فقد صلى وليس على الماء.
ولو أضل الماء في رحله، أو أضل رحله في الرحال، ولم يطلب، أو لم يُمعن في الطلب، بحيث يحصل له غلبة الظن، يلزمه القضاء، قولاً واحداً.
ولو تيمّم، ثم رأى بالقرب منه بئراً فيها ماء، فإن كان قد عهد تلك البئر قديماً، ثم نسيها، فهو كما لو نسي في رحله ماء، وإن لم يكن عهد تلك البئر، فهو كما لو أُدرج ماءٌ في رحله، ولم يشعر.
وقد يكون للفقيه مزيّة نظرٍ فيه، إذا كان عَهِد البئر، وتقادم العهد، بحيث لا يكون الناسي في مثل ذلك الأمر منسوباً إلى الذهول.
فصل 287 - إذا لم يكن مع المسافر ماء، وكان الماء يعرض على البيع، فإن لم يكن معه ما يشتريه به، أو كان، ولكنه مستغرَق بحاجة سفره في ذهابه وإيابه إلى وطنه، فهو كالمفقود، فيتيمم، وسبيل اعتبار الذهاب والرجوع إلى الوطن في ذلك كسبيله في بيان استطاعة الحج.
ولو وجد من يُقرضه، فإن كان يملك ما يفي بقضائه، لزمه القبول، فإن لم يكن في ملكه ما يفي بقضائه، لم يلزمه الاقتراض على توقع أن يجد ما يفي به.
ولو وهب منه ثمن الماء، لم يلزمه القبول إجماعاً؛ فإن المنّة تثقل فيه، ولو وهب منه الماء نفسه، يلزمه القبول؛ فإنه ممن 1 يهون تحمّله، وقد جرى العرف بالبذل والقبول فيه.

ولو كان يحتاج إلى رشاءٍ أو دَلْو، فوهب منه، لم يلزمه قبوله.
ولو أعير منه، لزمه قبول العارية.
وهل يلزمه استيهاب الماء، وطلب العارية في الدَّلو والرشاء؟ فعلى وجهين: أحدهما - يجب؛ لأنه [هيّن] 1 الطلب، والمنّة تخف.
والثاني - لا يجب؛ فإن التعرض للسؤال صعبٌ على ذوي المروءات، وإن هان قدر المسؤول.
ولو كان عليه دينٌ يستغرق ما في يده، فقد كان شيخي يقول: لا يجب شراء الماء؛ فإن من يعتبر في حقّه الاستطاعة في الحج، فنكلفه أن يحط قدر ديونه من ماله، ثم يرعى بعد ذلك الزاد والراحلة، وسائر الأُهب.
فإن قيل: إذا كان معه ما يزيد على أهبة السفر، ولا دين عليه، ولكن الماء كان يُباع بغبن، فهل يلزمه الشراء؟ قلنا: لا نكلفه بذلَ شيء، وإن قلّ بغبنٍ، بل يتيمم؛ وذلك أن ضياع المال نُزِّل منزلة الخوف على الروح، ولذلك يجوز الدفع عن المال، بما يجوز أن يُدفع به عن الروح.
288 - ثم اختلف أصحابنا في ثمن مثل الماء، فقال الأكثرون: يُعتبر ثمن مثله في الزمان والمكان الذي مسّت الحاجة، وفي ثمن الماء في البوادي عند الإعواز تقريبٌ لا يكاد يخفى مُدركه، فإن زاد عليه صاحبُ الماء، كانت تلك الزيادة غبناً، فلا يعتبر ثمن الماء حالة الوجود والسلامة.
ومن أصحابنا من قال: الماء لا ثمن له، ولكن تعتبر فيه أجرة الناقل، وذلك يختلف بالبقاع، وطول المسافة وقصرها، وهؤلاء بنَوْا هذا الوجه على أن الماء لا يُملك.
وهو وجهٌ سخيفٌ ضعيفٌ، نذكره في كتاب البيع.
إن شاء الله تعالى.
وذكر بعضُ المصنفين وجهاً ثالثاً: وهو أن نعتبر ثمن المثل عند وجود الماء والسلامة، وهذا ليس بشيء، ولكن الذي يوجّه به هذا الوجه، أن غلوَّ ثمن الماء في البادية لا ضبط له، سيما إذا كثر العِطاشُ، وقد ينتهي الأمر إلى حالةٍ لا تغلو فيها

شربةُ ماءٍ بمالٍ عظيم، وقِيمُ الأشياء تغلو بكثرة الراغبين، ويبعد عن قياس الرخص والتخفيفات أن نوجب على المسافر شراء ماء وضوءٍ واحدٍ بدنانيرَ كثيرةٍ، ونحن لا نكلفه أن يتقلّد مِنَّةَ قبول درهمٍ واحدٍ.
وهذا عندي يُحوج الناظرَ إلى مزيد فكرٍ؛ فإن المُهَجَ إذا أشفت على الزهوق، لم تغل المياه على أصحابها، ويعد الكثير -من حيث إنه سِداد الروح- نَزراً قليلاً، وابتياع الماء بهذه الأثمان للاستعمال في المهنة يعد غَبناً.
فالأقرب عندي أن يقال: لا نعتبر ثمن الماء عند الحاجة إلى سدّ الرمق؛ فإن ذلك لا ينضبط، ولكن نعتبر المكان والزمان، من غير انتهاء الأمرِ إلى سدّ الرماق والمهج.
والله أعلم.
289 - ولو كان مع الرجل ماء وهو يحتاج إليه لسقيه، تيمّم.
ثم القول فيما يناله من الضرورة لو توضأ بالماء، كالقول في الخوف المعتبر في المرض.
ولو لم يكن به عطش في الحال، ولكن يخاف العطشَ بين يديه، فليتزوّد الماءَ، مستظهراً به، وليتيمم.
ولو كان رفيقه يحتاج إلى الماء، تعين عليه تسليم الماء إليه بالثمن، فلا يحلّ له أن يتوضأ (1 قال شيخي: يتزود لرفقائه، ولا يتوضّأ 1)، كما يتزوّد لنفسه.
وهذا فيه نظر 2. ولو كان هو محتاجاً، فهو أولى بمائه، وله أن يؤثر رفيقه على نفسه، فإن الإيثار من شيم الصالحين.
ولو كان رفيقه يلهث عطشاً، وكان صاحب الماء يتزوّد لغَده في [محالّ] 3 الخوف، فهذا فيه احتمالٌ عظيم، وتردّد، سأذكره في كتاب الأطعمة، عند تفصيل القول في الضرورات وأكل الميتة، وطعام الغير.1

290 - ولو كان معه بهيمة هي عُدّته، ولو لم يسقها، عطبت، وانقطع هو، سقاها، وتيمّم.
ولو كان لا ينقطع بموتها عن سفره، ولكن البهيمة كانت تموت، فلرعاية حرمة الروح المحترمة يسقيها ويتيمم أم يتوضأ؟ فإن حرمة البهائم لا تبلغ مبلغ حرمة الآدميين - كان شيخي يقطع بأنه يسقيها ويتيمّم.
والله أعلم.
291 - ولو كان معه ما غيرُ مستغرَقٍ لحاجةٍ حاقَّةٍ، ولا متوقّعة، فصبّه هزلاً، نُظر: فإن كان ذلك قبل دخول وقت الصلاة، فإذا دخل وتيمّم، لم تلزمه إعادة الصلاة؛ فإنه صب الماء في وقت، كان لا يجب فيه الوضوء.
وإن صبّ الماء بعد دخول الوقت، فقد تعدّى وعصى، ولكنه يتيمّم، ويصلي، وهل يلزمه قضاءُ الصلاة؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه لا يجب؛ فإنه وإن عصى بما فعل، فلقد تيمّم، وهو فاقدٌ للماء حال التيمّم.
والوجه الثاني - أنه يلزمه القضاء لانتسابه إلى المعصية في سبب التيمم، والرخص لا تناط بالمعاصي، ولذلك لا يترخص العاصي بسفره برخص المسافرين.
وهذان الوجهان يقربان من مأخذ مسائلَ ستأتي 1 في الصلاة.
منها أن يُرْدي الرجلُ نفسَه من شاهقٍ، فتنخلع قدماه، ويصلي قاعداً، فإذا برىء، ففي إيجاب القضاء خلافٌ، والأصح أنه لا يجب.
فإن قلنا: لا يجب القضاء على من صبّ ماءه، فلا كلام.
وإن قلنا: يجب القضاء، فقد ذكر الأئمة وجهين: أحدهما - أنه لا يقضي إلا صلاةً واحدة.
والثاني - يقضي أغلب ما كان يؤديه بوضوءٍ واحد في اعتدال حاله، ووسط أمره.
وهذا عندي في حكم الغفلة؛ فإنا قدّمنا أن من صبّ الماء قبل دخول الوقت، ثم تيمّم بعد دخول الوقت، لم يلزمه القضاء وجهاً واحداً.
وإذا صب الماء في وقت الظهر، فكيف يجب قضاء العصر، والصب مقدم على دخول وقتها.

292 - ولو وَهَبَ الماءَ من إنسان من غير حاجة وعطشٍ، فهو كصب الماء، فإن كان قبل دخول الوقت، فهو كما مضى في الصب، وإن كان بعد دخول الوقت، فيحرم بذلُ الماء، فإذا بذلَ، ووهبَ، وسلَّم، فهل يملك المتهب؟ على وجهين: أقيسهما أنه يملك؛ فإن المالك نافذُ التصرّف في ملكه، وإن عصى بسببٍ لا اختصاص له بوضع التصرف.
وهذا الخلاف كالخلاف في أن الوالي إذا ارتشى، فوَهَبَ منه الخصم شيئاً طوعاً، فقد عصى المرتشي، وهل يملك ما أخذه؟ فعلى خلافٍ سيأتي في موضعه.
فإن قلنا: إنه يملك المتَّهَب الذي وهب منه، فحكم الواهب في القضاء، كحكم من يصب الماء.
وإن قلنا: لا يملك المتّهب ما قبضه، فليستردّه الواهب إن قدر عليه، فإن لم يسترده مع القدرة، وتيمم وصلّى، لزمه الإعادة وجهاً واحداً، ما دام الماء موجوداً؛ فإنه تيمم مع التمكن من استعمال الماء.
وإن تلف الماء في يد المتّهب، فلا ضمان عليه أصلاً؛ فإن الهبة ليست من عقود الضمان، وما لا ضمان في صحيحه، لا ضمان في فاسده.
ثم من وَقْت فوات الماء على هذا الوجه الذي انتهى إليه التفريع، يكون التفصيل على ما مضى في صبّ الماء.
فصل 293 - إذا كان مع الرجل ماءٌ فاضلٌ عن حاجته، واجتمع عليه أقوامٌ، وأراد أن يخصّ بالماء أحوجهم إليه، أو قال لوكيله: سلّم هذا الماء إلى أحوج من عليه طهارة.
أو فرضت وصية على هذه الصيغة.
فهذا تصوير المسألة.
ثم نصور اجتماع أصحاب الحاجات، فإن مات رجلٌ، وحضر جنب، وحائضٌ انقطعت حيضتُها، فالميت أولى بالماء؛ فإن هذا آخر عهده بالطهارة.

ولو كان في الأحياء من أصابته نجاسة، فهو أولى من الجنب والحائض بالماء.
وفيه مع الميت وجهان: أحدهما - أن الميت أولى.
والثاني - أن من به نجاسة أولى؛ فإن التيمم لا يصير بدلاً عن واجب إزالة النجاسة في حقه، وإذا صلى، لزمته الإعادة على الرأي الظاهر، والتيمم في حق الميت والجنب والحائض بدلٌ عن واجبهم.
294 - ولو اجتمع جنبٌ وحائضٌ انقطعت حيضتُها، فقد ذكر الصيدلاني فيه ثلاثة أوجه: أحدها - أن الحائض أولى؛ لأن حكم حدثها أغلظ.
والثاني - أن الجنب أولى؛ فإن الصحابة اختلفوا في تيمم الجنب، ولم يختلفوا في تيمم الحائض؛ فكان الجنب أحوج إلى الماء.
هكذا ذكره الصيدلاني، وهو ضعيف جدّاً، ولم يصح عندي توقيف 1 يثبت في تيمم الحائض من مذهب الصحابة.
والوجه الثالث - أنهما سواء، فيُقرع بينهما.
قال بعض المصنفين: قول التسوية يخرّج على أن الحائض تقرأ القرآن، والجنب لا يقراً، فيختص الجنب بالمنع من القراءة، وتختص الحائض بتحريم الوطء، وغيره من وجوه التغليظ.
ثم ما ذكرناه من القرعة على الوجه الأخير، يظهر خروجه على قولنا: إن ما يقصر عن تمام الطهارة لا يجب استعماله، والماء المفروض مقدار غُسل واحدٍ وقد اجتمع عليه الجنب والحائض.
فإن قلنا، والتفريع على التسوية: الماء القاصر عن الطهر يجب استعماله.
فلو قال أحدهما: اقسم الماء بيننا، وقال الثاني: أقرع؛ فإنّك إن قسمت، لم يرتفع حدثُ واحدٍ، فمن الذي يُجاب منهما؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يقسم بينهما؛ لأنا فرعنا على وجوب التسوية بينهما، فإيصال مقدار إلى كل واحدٍ أقرب.
والثاني - أنه يُقرع بينهما؛ ليرتفع حدثُ أحدهما.
295 - ولو اجتمع محدث وجنب، والماء مقدار وضوء، وهو يقصر عن الغسل،

فإن حكمنا بأن الماء القاصر لا يجب أن يستعمل، فالمحدث أولى بالماء؛ فإن الجنبَ لا ينتفع به.
وإن قلنا: يجب استعمال الماء، وإن قصر عن تمام الطهر، ففي المسألة أوجه: أحدها - أن الجنب أولى؛ لغلظ حكم حدثه.
والثاني - أن المحدث أولى؛ لأنه يستفيد ارتفاع الحدث بتمامه.
والثالث - أنهما سواء، فيقرع بينهما.
ولو كان الماء مقدارَ الغُسل، وكان يفضل عن وضوء المحدِث، فإن قلنا: القدر الناقص عن الطهر لا يجب استعمالُه، ولو استعمل المحدث قدر حاجته، فالفاضل منه لا يستعمله الجنب، فعلى هذا الجنبُ أولى؛ لأن حدثه أشدُّ وأغلظ، ولئن قلنا: الناقص عن تمام الطهر يجب استعماله، فلو سلمنا [الماء] 1 إلى الجنب، كان فيه حرمانُ المحدِث.
ولو توضأ المحدِث، وسلم الفاضل إلى الجنب، لكان جمعاً بين الحقين، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الجنب أولى؛ لغلظ حكمه، والثاني - أنه يسلّم إلى المحدِث قدر وضوئه، ويسلم الباقي إلى الجنب.
والأصح عندي الوجه الأول.
فهذا بيان الحاجات ومراتبها.
وقد رتبتها على [التوكيل] 2 بالبذل للأحوج.
296 - ثم قد جرى في طرق الأصحاب تصويرُ هذه المسائل فيه، إذا انتهى المحتاجون إلى ماءٍ مباحٍ، فمن يكون أولى به، وذكروا صور الخلاف والوفاق، على ما ذكرناه.
وهذا عندي غلط ظاهر، فإن الماء إذا كان مباحاً، وازدحم عليه أقوامٌ، فيجب أن يستووا في تملك ذلك الماء، ولا يتوقف جريان الملك على الحاجة، بل يجب القطع باستوائهم، ويقسم الماء بينهم بالسوية، من غير نظر إلى أحداثهم، وأحوالهم، ولا خفاء بما ذكرناه، من التنبيه على هذا الزلل.
297 - ولو كان للرجل ماءٌ، فهو أولى بمائه من كل مُحدِث، وليس له أن يؤثر

محدثاً على نفسه، ويتيمّم؛ فإن الإيثار إنما يسوغ في حظوظ الأنفس والمُهَج، لا فيما يتعلق بالقُرب والعبادات.
298 - ثم قال الشافعي 1: لو كان للرجل ماءٌ، فمات، ورفقاؤه يحتاجون إليه لسِقاههم 2، ولو غسلوا الميت بمائه، لخافوا، قال: شربوه، ويمموا الميت، وأدَّوْا ثمنَه في ميراثه.
فإن قيل: أليس الماء من ذوات الأمثال، فهلاَّ غرموا المثل لورثته؟ قلنا: المسألة مفروضةٌ فيه، إذا كان شربوا الماء في البادية، وله قيمة، وبلدةُ وَرَثَتِه لا قيمة للماء بها، فلو أدَّوْا الماءَ، كان ذلك إحباطاً لحقوقهم، فإذا كان كذلك، فإنهم يغرمون له قيمةَ البادية وقت الإتلاف.
والقول في أن ذوات الأمثال كيف تغرم، في غير مكان الإتلاف، من غوامض أحكام الغصوب، وسيأتي ذلك في موضعه.
وهذا الرمز مثالٌ اشتمل عليه كلام الشافعي، وإلا كنّا لا نرى ذكره.
فرع: 299 - الجنب إذا تيمم، وصلى الفرض، وقلنا: له أن يصلي من النفل ما شاء، فلو أحدث، ثم وجد من الماء ما يكفيه لوضوئه، فتوضأ به.
قال العراقيون: له أن يتنفل؛ لأن التيمم المتقدِّم، كان أباح له النوافل، وانحسم التنفل بالحدث الطارىء، وقد ارتفع الحدث بالوضوء، فعاد بعد الوضوء إلى ما كان عليه قبل الحدث، وكان يسوغ له أن يتنفل إذ ذاك.
وهذا الذي [ذكروه] 3 فيه نظر.
والوجه في ذلك أن يقال: الوضوء مع الجنابة لا أثر له، ولا يتضمن رفعَ الحدث الطارىء، ووجوده وعدمه بمثابة، فإذا طرأ الحدث، ثم وجد ماء قليلاً، فيخرّج

ذلك على أنه هل يجب استعمال الماء القاصر؟ ثم سواء استعمله أو أضرب عنه في القول الثاني، فلا بد من التيمم حتى يستفتح النافلة.
والذي ذكروه يقتضي إِفرادَ الوضوءِ بحكمه، مع وجوب الغسل، وفيه بُعدٌ.
وهو يشير إلى أن الوضوء لا يندرج تحت الغسل، في حق من أحدث، وأجنب، والمذهب غيره.
وفي المسألة احتمال على الجملة.


باب ما يفسد الماء

قال الشافعي: "وإذا وقع في الماء نقطة خمر أو بولٍ ... الفصل إلى آخره" 1. 300 - مضمون هذا الباب: الكلامُ فيما يُفسد الماءَ القليل الناقص عن حد الكثرة، وسيأتي القول في الماء البالغ حدّ الكثرة، في الباب الذي يلي هذا.
فمذهب الشافعي أن الماء القليل إذا ورد عليه نجاسةٌ، تنجس بها، تغيّر أوْ لم يتغيّر، ومعتمد المذهب خبران: أحدهما - ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجساً" 2 فأشعر الحديث بمفهومه أن القاصر عن هذا المبلغ ينجس.
والثاني - ما روي أنه 3 عليه السلام قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثاًً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده" 4 فندب إلى

غسل اليدين، عند توقّع النجاسة، فكان ذلك نصّاً في أن النجاسة لو تحققت، لنجّست الماءَ، وإن لم تغيّره.
ثم مفهوم ما نقله المزني أن النجاسة إذا كانت بحيث لا يُدركها الطرفُ، لا ينجس الماء، ونصّه في الأمّ أن النجاسة إذا كانت بحيث يتيسر الاحتراز من جنسها -بخلاف دم البراغيث والبثرات- فإذا أصابت الثوبَ وققت بحيث لا يدركها الطرف لقلّتها، فلا يعفى عنها إذا كانت مستيقنةً 1. والطريقة المرضية ما ذكره الصيدلاني، فذكر وجهين في الثياب: أحدهما - أنه لا يعفى عن النجاسة، وهو القياس.
والثاني - يعفى عنها تمسكاً بسيرة السلف؛ فإنهم كانوا يبرزون لقضاء الحاجة، والذباب يقع على النجاسة، ثم يقع منها على ثيابهم، وكانوا لا يبالون بما يجري من ذلك.
301 - ثم قال: إذا وقعت نجاسةٌ لا يدركها الطرف لقلّتها في ماءٍ قليل، فإنه ينجس وجهاً واحداً، والفرق بين الماء والثوب، والبدن شيئان: أحدهما - أنَّا نتوقع جفاف أرجل الذباب من وقت ارتفاعها من النجاسة إلى وقوعها على الثياب، ولا يتحقق ذلك في الماء؛ فإنه يرطب النجاسة اليابسة ويسيّلها.
والثاني - أن المياه القليلة يمكن صونها بالتخمير 2 عما يرد عليها، وذلك غير ممكن في الثياب.
302 - وذكر العراقيون طرقاً مضطربة: منها طردُ الوجهين في الماء القليل، إذا كانت النجاسة غيرَ مُدركةٍ لقلّتها.
ومنها أن الماء لا ينجس بها، والثوب ينجس؛ لأن في الماء قوةً دافعةً.

وهذا من ركيك الكلام؛ فإن القوة الدافعة ليست أمراً محسوساً، وهي متلقاة من حكم الشارع بالقلتين.
فهذا ما يحوي ما ذكره الأصحاب في طرقهم.
والصحيح ما حكيناه عن الصيدلاني.
فصل.
303 - الماء المستعمل في طهارة الحدث طاهرٌ غيرُ طهورٍ في ظاهر مذهب الشافعي.
ومعتمد المذهب أن سلف الأمة في الأسفار وإعواز الماء كانوا لا يجمعون المياه التي يستعملونها في ظروفٍ؛ حتى يستعملوها ثانيةً، بل كانوا يبددّونها، ولا يرد على ذلك أنهم كانوا لا يشربونها مع طهارتها؛ فإن ذلك يُحمل على العيافة التي جُبلت النفوس عليها 1، ولا يجوز تركُ الاحتياط للطهارة الشرعية بمثل ذلك.
ومذهب مالك 2 أن المستعمل طهور يجوز استعماله، وحكى عيسى بن أبان 3 قولاً للشافعي مثل مذهب مالك.
وقد غلّطه بعضُ أصحابنا في نقله، وقالوا: لعل الشافعي، كان يذبّ عن مالك، ويرُدّ على من يحاول الرد عليه، وظن عيسى أن مذهبه ما ينصره.
ثم إن صحّ هذا مذهباً له، فيجوز استعمال المستعمل ما لم يتغيّر، فهذا مذهب مالكٍ.
ثم كان شيخي يقول: أدنى تغيّر يخرجُه عن كونه طهوراً، وهذا جارٍ على قياسه في أن أدنى تغير بالزعفران وغيره يسلب طهوريّةَ الماءِ، ونحن إذا شرطنا تفاحشَ التغيّر وظهورَه، حتى يستجدّ الماءُ اسماً جديداً، فنقول: الماء لا يتغير بملاقاة البشرة

النقيَّة، وإنما يتغيّر بوسخ أو غيره على محل الطهارة، فليعتبر المعتبر ورودَ شيءٍ طاهرٍ على المَحلِّ وتغيره به، كما سبق في الباب الأول.
والتفريع على أن المستعمل ليس بطهورٍ وإن لم يتغيّر.
304 - ثم ذكر أئمتنُا لفظين في ضبط المذهب خرّجوا عليهما المتفق في النفي، والإثبات، والمختلف.
فقال بعضهم: إنما لا يُستعمل؛ لأنه أُديَ به الفرض مرةً.
وهذا ما ذكره المزني 1. وقال بعضهم: إنما لا يستعمل؛ لأنه أُدِّيت به العبادة مرةً 2. والمسلكان جميعاًً لا يصلحان لإثبات أصل المذهب لو نُوزعنا فيه، وإنما معتمد المذهب ما قدمناه [من] 3 التمسك بسيرة الماضين.
ولكن ما كان فرضاً [و] 4 عبادة، فلا استرابة في أنه المستعمل الذي استَدْلَلْنا فيه بعادة الماضين، وما وُجد فيه أحد هذين المعنيين تردّد الأصحاب في أنه [معتبرٌ] 5 أم لا.
وليس منع استعمال المستعمل مما يربط بمعنى صحيح على السَّبْر، والأظهر عندنا

أن المستعمل في عبادة ليست فرضاً يمتنع استعماله، فتخرَّج المسائل على المسلكين.
305 - فأما المنحدر عن الأعضاء في المرة الأولى، يمتنع 1 استعماله؛ لاجتماع الفرضيّة والعبادة، وإن استعمل الماء مرةً رابعةً من غير سببٍ يقتضيها، فقد عُدم المعنيان جميعاً، فليس الماء مستعملاً وهو طهور.
وما ينحدر عن الغسلة الثانية 2 يخرج على وجهين: أصحهما أنه مستعمل غير طهور، وكذلك الوجهان في الماء المستعمل في تجديد الوضوء.
وقد ذكرنا وجهين من كلام الشيخ أبي عليّ في أن تجديد الغسل هل يستحب؟ فإن قلنا: إنه غير مستحبٍ، فالماء المستعمل فيه طهورٌ، وإن قلنا: إنه مستحبٌ، فالقول فيه كالقول في تجديد الوضوء.
306 - وإذا اغتسلت الذميّة عن الحيض تحت مسلم، وكانت طاهرة البدن، فغسلُها واجب، وفي الماء المنحدر عنها وجهان.
ووجه تخريجهما أنا إن قلنا: لو أسلمت لا تُعيد الغسل، فقد [تم] 3 الغسل في الكفر كما [تتم] 4 الكفارة من الكافر.
فعلى هذا يكون الماء مستعملاً.
وإن قلنا: يجب عليها أن تُعيد الغسل إذا أسلمت، ففي الماء المستعمل في الكفر وجهان خارجان عن المعنيين، فمن اعتبر العبادة، فما أتت به ليس بعبادة، ومن اعتبر أداءَ مفروضِ، فقد أدت مفروضاً.
307 - ومما يتعيّن الاعتناء به في الفصل أن الماء المصبوب على البدن لا يثبت له حكم الاستعمال ما دام متصلاً متردداً على البدن، وإنما يثبت له حكم الاستعمال عند الانفصال.
308 - ولو انغمس جنب أو متوضىء في ماءٍ، غيرِ بالغٍ حدَّ الكثرة، فإذا انفصل عن

الماء، فالماء مستعمل، لا شك فيه، ولا نقول: لو توضّأ، لكفاه مقدارٌ يسير، ولو صُبّ مثله على هذا الماء، لما صار مستعملاً، فإنه إذا انغمس في الماء، فقد اتصل به جميع الماء، ولم يختصّ الاتصال اسماً وإطلاقاً بما يلاقي بشرته.
309 - ثم إذا انغمس وانفصل، فهل يرتفع الحدثُ؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يرتفع؛ لأن الماء صار مستعملاً بملاقاة أول جزء إياه، فيحصل الانغماس في ماءٍ مستعمل.
وهذا وإن كان مشهوراً، فهو غلط عندي؛ فإن الماء إنما يثبت له حكم الاستعمال، إذا انفصل المنغمس فيه عنه، كما أن الماء المصبوب على البدن لا يثبت له حكم الاستعمال، ما لم ينفصل عن البدن.
310 - ولو غمس المتوضىء يده في الماء بعد غسل الوجه، فقد دخل وقتُ أداء فرض اليد، فإن قصد غسلَ يده، فيصير الماءُ القليلُ مستعملاً، وهل يرتفع الحدث عن اليد المغموسة؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين، وإن قصد بوضع اليد في الإناء رفعَ الماء، لم يصر مستعملاً.
وإن وضع اليدَ، ولم يخطر له أداءُ الفرض، ولا رفعُ الماء وتنحيتهُ، فهذا يعسر تصويره عندي؛ فإن من ينقل الماء من الإناء.
فقصدُه التنحيةُ لا غسلُ اليد في الماء الذي في الإناء.
فإن تُصور سقوط القصدين جميعاًً، فهو كما لو قصد غسلَ اليد؛ فإن من نوى وعَزَبت نيتُه، ثم غسل بقية أعضائه من غير قصدٍ، فيرتفع الحدث عن أعضائه.
كذلك هذا.
311 - ومن تمام البيان في هذا: أن من صب الماء على رأسه في الغُسل، فتقاذف من الرأس إلى البطن، وخرق الهواءَ إليه، فقد ذكر بعضُ المصنفين أن الماء يصير مستعملاً؛ فإنه انفصل واتصل بالهواء، وخرج في ذلك الوقت عن التردّد على البدن.
وهذا فيه فضل نظر؛ فالماء إذا كان يتردّد على البدن، ففي الأعضاء تفاوتٌ في الخِلْقة، وليس البدن سطحاً بسيطاً.
وإذا كان كذلك، فيقع في جريان الماء بعضُ التقاذف من عضوٍ إلى عضوٍ، لا محالة.
ولا يتأتى التحرز من هذا.
كيف؟ ولم يَرد الشرعُ بالاعتناء بهذا أصلاً.
فما كان من هذا الجنس، فهو محطوط، لا اعتبار به قطعاًً.

وأما التقاذفُ الذي لا يقع إلا على ندور، فإن كان ذلك عن قصدٍ، فهو مُستعمل، كما قال هذا المصنف.
وإن اتفق ذلك عن غير قصدٍ إليه، فلا يمتنع أن يُعذر صاحبُ الواقعة؛ فإن الغالب على الظن أنه كان يقع أمثال ذلك في الزمن الماضي، وما وقع عنه بحث من سائلٍ، ولا تنبية من مرشدٍ والله أعلم.
فصل 1 312 - إذا جمع من الماء المستعمل في مقرٍّ ماءٌ بلغ قلتين، ففي المسألة وجهان: أحدهما - وهو الأصح أنه يعود طهوراً؛ فإن الماء القليل النجس إذا جُمع إليه ماءٌ نجسٌ، فبلغ قلتين، وليس الماء متغيراً، فالكل طهورٌ، فليكن المستعمل كذلك.
313 - ولو انغمس جنبٌ في ماءٍ كثيرٍ، لم يصر مستعملاً، كما لا يصير نجساً إذا وقعت فيه نجاسة.
فإذا استويا في ذلك، فليستويا في بلوغ الماء حدَّ الكثرة إجزاءً.
والوجه الثاني - أنه لا يعود طهوراً؛ فإن حكم الاستعمال ثبت لكل جزء من الماء حكماً، فكأنه انقلب عن كونه ماء، وصار كمائعٍ من المائعات.
وهذا لا يتحقق مع ما ذكرناه من أن الكثير لا يصير مسلوبَ الطّهوريّة بانغماس جُنب أو محدِث.
فرع: 314 - إذا تقاطرت قطرات من المنحدر عن أعضاء المُحدِث إلى ماء الإناء، فالمعتبر فيه أن يقال: إن بلغت في المقدار مبلغاً، لو كان لونُه مخالفاً للون الماء، لغيّره، فهذا يُفسد الماء.
وعندي أني ذكرت ذلك في الباب الأول بما فيه إقناع.
فصل 315 - مضمون هذا الفصل شيئان: أحدهما - في كيفيّة إزالة ما عدا نجاسة الكلب من النجاسات، مع ذكر ما يتعلق بطهارة الغُسالة ونجاستها.

والثاني - في نجاسة الكلب.
316 - فأما ما سوى الكلب، فإن كانت النجاسة مُعايَنةً، وكانت عينُها ظاهرة، فإزالتها برفع عينها، وقطع أثرها بالماء الطهور، وليس فيها تعبّدٌ برعاية عددٍ.
وإنما التعبد بالعدد في الاستنجاء بالأحجار [عند] 1 الاقتصار عليها.
ثم إن كان يبقى للنجاسة [طعمٌ، فالنجاسة] 2 باقية، وحكمها باقٍ.
وإن بقي لونٌ يتيسّر إزالته، فالجواب كذلك.
وإن كان اللون عسير الإزالة كلون الحناء، وما في معناه، فلا يضّر بقاؤه.
والشاهد فيه ما روي أن نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم سألنه عن دم الحيض يصيبُ الثوبَ، وذكرن له أن لون الدم يبقى، فقال عليه السلام " الْطَخْنه بزعفران " 3، ولم يكن ذلك تعبداً جازماً، ولكن أبان لهن أن اللون الباقي لا أثر له، أي فإن كرهتنّ رؤيته، فالطخنه بزعفران.
وأما الرائحة، فإن لم يكن للنجاسة رائحة قوية، وكانت سهلة الإزالة، فلا بد من إزالتها.
317 - وإن كانت لها رائحة نافذة قويّة، كالخمر العتيقة، وبول المبَرْسَم 4، وما في معناهما، فبقيت مع الإمعان في الغَسل، ففيه قولان: أحدهما - أن حكم النجاسة باقٍ؛ فإن الرائحة في الغالب تزول، والحكم للغالب، والألوان منقسمة إلى ما يعسر زواله، وإلى ما يتيسّر.

والثاني - أن الروائح تنزل منزلة الألوان، وهذا هو الأصح 1؛ [فإنا] 2 نراها في عسر الزوال، وتيسّره كالألوان.
واستقصاء القول في هذا الفن يأتي في كتاب الصلاة، إن شاء الله تعالى.
ولكننا نذكر هاهُنا ما نرى الحاجة ماسّة إليه.
318 - وإن كانت النجاسة حُكميّة، وهي التي لا نعاينها لخفائها، وإن كنا نعلم قطعاً أنها عين، قال الأصحاب: يكفي فيها إمرار الماء مرّة واحدةً على موردها، ويُستحبّ غسله ثلاثاً.
319 - ولو انقلعت النجاسةُ العينية بمرة واحدة، استحببنا الغَسل ثانيةً وثالثةً؛ فإن العينية لا تقصر عن الحكميّة، بل تزيد عليها.
320 - وإذا صُبّ الماء على مورد النجاسة، وانقطعت آثارها، فهل يتوقفُ الحكم بطهارة المحلّ على عصر الثوب مما فيه من البلل؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنه لا بد من العصر، وهو مذهب أبي حنيفة 3. والثاني - لا يُشترط.
قال الشيخ أبو علي: الاختلاف في العصر مأخوذ من الاختلاف في طهارة الغُسالة ونجاستها، فإن حكمنا بطهارة الغسالة المنفصلة، فلا نوجب فصلَها؛ فإنها لو فُصلت، ثم رُدّت إلى الثوب، لم يضرّ؛ فلا معنى في العصر.
وإن حكمنا بنجاسة الغسالة لو انفصلت، فالغسالة نجسة ما دامت على المحلّ، فإن عصرت، فالبلل الباقي بعد العصر المعتاد طاهر.
وإن تُركت الغسالة حتى جفت، ففي المسألة وجهان: أصحّهما - أن الثوب طاهرٌ؛ فإن زوال البلل بالجفاف كزواله بالعصر، بل هو أبلغ.
والثاني - أن الثوب

لا يحكم بطهارته؛ فإن العصر المأمُورَ به قد تُرك أوّلاً، فبقيت النجاسة حكماً.
وهذا ليس بشيء.
فهذا بيان حكم العصر.
321 - وأما تفصيل [حكم] 1 الغُسالة، فكل ما ينفصل متغيراً، لم يُسْترَب في نجاسته.
وأما ما ينفصل غير متغيرٍ، فإنه ينقسم قسمين: أحدهما - أن ينفصل ويُعقب طهارةَ المحل.
والثاني - ألا يستعقبَ انفصالُه طهارةَ المحل.
فإن انفصل غيرَ متغيّرٍ، وطهُر المحل، فالمنصوص عليه للشافعيّ أن الغُسالةَ طاهرةٌ.
وقال أبو القاسم الأنماطي 2: إنها نجسة.
وخرَّج ذلك قولاً للشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة 3. وإن انفصل الماء غيرَ متغيرٍ، والمحل بعدُ نجسٌ، ففي المنفصل طريقان: الأصح القطع بنجاسة المنفصل؛ فإنا إنما حكمنا بطهارة الغسالة في الصورة الأولى؛ [لأن] 4 البلل الباقي على المحل طاهر، والمتصل جزءٌ من المنفصل.
وإلا، فالقياس الجليّ الحكم بنجاسة ما انفصل؛ فإن النجاسة التي انفصلت عن المحل كائنةٌ في الماء لا محالة.
فأمّا إذا كان المحل نجساً بَعدُ، فإن نظرنا إلى ظاهر الاتصال،

فذلك يقتضي الحكمَ بنجاسة المنفصل، وإن نظرنا إلى المحل، فهو نجسٌ بعدُ.
ومن أصحابنا من طرد القولين فيما انفصل والمحلّ بعدُ نجس، إذا لم يكن متغيراً.
وهذا عندي في حكم الخطأ الذي لا يعدّ من المذهب.
322 - ولو غسل ثوباً من النجاسة مراراً، وكان يجمع الغسالات في إناء واحد، وكانت الغُسالة الأولى نجسة، إما لتغيّرها، وإما لانفصالها قبل الحكم بطهارة المحلّ، ثم كانت الغسالات المجتمعة غيرَ متغيرةٍ، فقد ذكر العراقيون وجهين بناءً على أن الغسالة طاهرة: [أحدهما] 1 - أن هذه الغُسالات نجسة؛ فإن بعضها انفصل عن البعض 2، وثبت لبعضها حكمُ النجاسة، فإذا اجتمعت وهي في حدّ القلّة، فهي نجسة.
والوجه الثاني - أنها طاهرة؛ فإنها في حكم غُسالةٍ واحدةٍ.
وهذا ضعيفٌ جدّاً.
323 - ولو طرح الرجل ثوباً نجساً في إجّانة 3 فيها ماء، وغسله فيها، فانقطعت آثار النجاسة، ففي المسألة وجهان: أحدهما -وهو الذي قطع به الصيدلاني- أن الثوب لا يطهر أصلاً، والماء ينجس، ولو رُد كذلك إلى الأجّانة وجدّد الماء مراراً، لم يطهر الثوب، ما لم يصب [الماء على الثوب، أو يغمس] 4 في ماء كثير.
والوجه الثاني - وهو اختيار ابن سُريج أن الثوب يطهر، فلا فرق بين ورود الماء القليل على النجاسة، وبين ورود الثوب النجس على الماء القليل.
والغرض انقطاع آثار النجاسة، كيف فرض الأمر.
324 - ثم نقل بعض النقلة عن ابن سُريج أنه يشترط النية في إزالة النجاسة، وهذا غلط صريح.

ونحن نوضح مذهب ابن سُريج في ذلك، فنقول: مِن أصله أن الريح لو ألقت ثوباً نجساً في إجّانة فيها ماء، تنجس الماءُ، ولم يطهر الثوب، ولو طرحه الغاسل فيها على قصد الإزالة، حصلت الإزالة، ولم ينجس الماء، إن لم يتغيّر.
وظاهر المنقول عنه أن الماء لو انصبّ من غير قصدٍ على ثوبٍ نجسٍ، وكان ينحدر منه، ودُفَعُ الماء تتوالى، حتى زالت النجاسة، طهر الثوب من غير قصدِ قاصدٍ.
وما ذكره من القصد في الصورة الأولى، لم نعدم فيها مخالفاً من الأصحاب؛ فإن منهم من يقول: الغرض زوالُ النجاسة بالماء، فلا أثر للقصد، ولا يمتنع أن يراعى القصدُ في انصباب الماء القليل على الثوب.
فهذا تمام ما أردناه: نقلاً واحتمالاً.
325 - وحكى الشيخ أبو علي في الشرح من تفريع ابن سُريج أن الماء القليل لو وردت عليه نجاسة وغيّرته، فلو صبّ عليه ماءٌ على قصد تطهيره بالغمر والمكاثرة، فإن زال التغيّر، وبلغ الماء حدّ الكثرة، فلا شك في طهارة الماء، وإن انغمرت النجاسة، ولم يبلغ الماء حدَّ الكثرة، قال ابنُ سُريج يطهر الماءان، إذا قصد به الغَسْل.
ثم قال الشيخ: هذا تفريع منه على أن العصر لا يجب، ولا تُشترط إزالة الغُسالة، فأما إذا شرطنا ذلك -وهو غير ممكن- فإن الوارد لا يتميز عن المورود عليه، فالكل نجسٌ.
وهذا عندي -إن صح النقل- من هفوات ابن سُريج، فلا معنى لغسل الماء من غير جهةِ تبليغه قلتين.
فإن كان الغرض زوالَ التغيّر، فالماء القليل ينجس عندنا بورود النجاسة عليه، وإن لم يتغير، فليس مما يُتمارى في فساده.
ثم قال الشيخ: ينبغي أن يكون الوارد أكثر من المورود عليه، حتى يحصل الغسل بهذه الجهة.
والتفريع على الفاسد فاسد.
326 - ومما يتعلق بغُسالة النجاسة: أنا إذا حكمنا بطهارتها، جرياً على النص، فلا يجوز استعمالها ثانيةً، وهي كالماء المستعمل في طهارة الحدث.
ثم المستعمل

في الحدث لا يستعمل في الحدث مرة أخرى، وهل يستعمل في إزالة النجاسة؟ فعلى وجهين مشهورين: أصحهما - أنه لا يستعمل فيها، وهو كسائر المائعات.
والوجه الثاني - أنه يجوز إزالة النجاسة به؛ فإن الماء فيه قوتان: إحداهما إزالة الحدث، والثانية إزالة الخبث، وقد زالت إحداهما، فبقيت الأخرى.
ولولا اشتهار هذا الكلام وإلاّ [ما كنت] 1 أضمّن هذا الكتابَ مثلَه؛ فظهور فساده يُغني عن شرحه.
والخلاف في غُسالة النجاسة وأنها هل تستعمل في رفع الحدث على ما ذكرناه.
والوجهُ القطع بامتناع استعمال المستعمل عموماً.
فرع: 327 - قال العراقيون: الماء الذي استُعمل في المرة الأولى في النجاسة لا يستعمل، كما لا يستعمل الماء المنحدر عن الوجه في الغسلة الأولى، والماء الذي يستعمل في الثوب بعد زوال النجاسات ثانية وثالثة هل يستعمل؛ فعلى وجهين كالوجهين فيما ينحدر عن غسل الوجه ثانيةً وثالثةً؛ فإن الثانية والثالثة مندوبٌ إليهما في غسل الثوب، فشابهتا الغسلةَ الثانيةَ والثالثة في الوجه.
وفي هذا فضل نظر عندي للفقيه؛ فإن الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء معدودتان من العبادة.
ثم قالوا: لو غسل الثوبَ بعد الطهارة غسلةً رابعة، فيجوز استعمال ذلك الماء وجهاً واحداً، كنظير ذلك في غسلات الوضوء.
فهذا منتهى ما أردنا أن نذكره في غسل النجاسة، وبيان حكم الغُسالة.
وفيه بقايا أخّرناها إلى كتاب الصلاة.
328 - فأما تفصيلُ إزالة نجاسة الكلب، فإذا ولغ الكلب في إناءٍ فيه ماء قليل، أو مائع، ينجسُ الماء والإناء، ثم لا يطهر حتى يُغسل سبعاً، إحداهنّ بالتراب.
ومعتمدُ المذهب الحديثُ: روى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: " إذا ولغ الكلبُ في إناء أحدكم، فليغسله سبعاً: إحداهنّ بالتراب " 2.

ثم لا يخفى على ذي بصيرة أن المعنى لا يتطرق إلى العدد، والحدّ بها، ولا إيجاب استعمال التراب، وإذا لم يكن المنصوص عليه معقولَ المعنى، فالوجه الاعتماد على مورد النص، ثم نُلحق به ما في معناه، مما لا يُحتاج فيه إلى استنباط معنىً جامع، وقد يَبْعُد الشيءُ بعضَ البعد عن المنصوص عليه، فيتردد المذهب فيه أولاً 1. وبول الكلب، ورجيعه 2، ودمه، وعرقه في معنى لعابه قطعاً؛ فإن اللعاب رشحٌ مما هو في حكم الطاهر فيما يتعلق بالطهارة والنجاسة، فلا فرق بينه وبين العرق، فإذا لاح هذا في العرق، فالبول والرجيع بهذا أولى.
ثم مذهب الشافعي أن الكلب إذا كرع 3 في ماء قليل، فهو كما لو ولغ فيه؛ فإنه إذا تقرر أنَّ داخل الفم كالظاهر، فالظواهر بجملتها على قضية واحدة.
329 - واختلف قول الشافعي في الخنزير، فقطع بنجاسته، وردّد القولَ في إلحاقه بالكلب، حتى تزال نجاسته، بما تزال به نجاسة الكلب.
فالأصح عند العراقيين أنه كالكلب؛ فإنه منصوصٌ عليه في كتاب الله عز وجل تحريماً، وذلك مجمع عليه فيه، وليس منتفعاً به بوجهٍ، بخلاف الكلب، فإذا ثبت في الكلب التعبّد برعاية العدد والتعفير، فالخنزير أولى.
والقول الثاني - أن المنصوص عليه لا يتعدَّى، وقد ينقدح للناظر أن للشارع غرضاً في تخصيص الكلب بما ذكر من التغليظ، زجراً عن مخالطته؛ فإن زواجر الشرع تختصّ بما تألفه النفوس؛ ولذلك اختص الحد بشرب الخمر، دون غيره من المحرّمات.
فهذا بيان القاعدة.
= ماجة، وأبو داود، والترمذي، والدارمي، عن أبي هريرة، وعبد الله بن مغفل، وعبد الله بن عمر، وعلي بن أبي طالب، وبلغت طرقه عن أبي هريرة عشراً، كلها صحيحة، والاختلاف في "إحداهن بالتراب" (ر.
إرواء الغليل: 1/ 60 ح 24، التلخيص: 1/ 23 ح 9).

330 - ثم نبتدىء -بعد هذا- القولَ في التعفير.
أما الغسل سبعاً، فمحتوم، وغير التراب هل يقوم مقام التراب مما يستعان به في إزالة النجاسات، كالأُشنان والصابون وغيرهما؟ محصول ما جمعه الأصحاب من النصوص، والتردد في تنزيلها أقوال: أحدها - أن غير التراب لا يقوم مقام التراب أصلاً؛ فإنه المنصوص عليه، فلا معدل عنه، كما لا يعدل عن التراب في التيمم.
والثاني - أن غيره مما يُستعان به يقوم مقامه في الوجود والعدم؛ فإن الغرض بذكره إيجابُ استعمال مُعينٍ 1 على القلع.
والثالث - أن غيره لا يقوم مقامه مع وجوده؛ فإن عدم التراب ولم يوجد، قام في عدمه غيرُه مقامه.
ثم ذكر الأئمة في الطرق كلِّها وجهين في أن غسلة ثامنة هل تقوم مقام التعفير بالتراب أم لا؟ وهذا في نهاية الضعف؛ فإن الغسلة الثامنة لو كانت كافيةً، لما كان لذكر التراب معنى أصلاً، ولقال الرسول صلى الله عليه وسلم: فليغسله ثامنةً.
فإن تخيّل متخيّل إقامة الأُشنان مقام التراب، فلا وجه لتخيّل ذلك في الغسلة الثامنة.
وممّا يجب الاعتناء به أن الوجه البالغ في الضعف إذا كان مشهوراً، فيتعيّن ذكر متعلق له على حسب الإمكان.
فأقول: أما إقامة الغسلة الثامنة مقام التراب، مع وجود التراب، فلا ينقدح له وجهٌ أصلاً، أما إذا عدم التراب، ففي إقامة الغسلة الثامنة مقامه احتمالٌ على بُعدٍ، فيتعين تخصيص الوجهين في الغسلة الثامنة بحالة عدم التراب.
وأما إقامة الأُشنان مقام التراب مع وجوده، فليس ببعيد: من حيث إنه معينٌ للماء كالتراب.
331 - وذكر بعض المصنّفين خلافاً في أن استعمال التراب النجس هل يُسقط واجبَ

التعفير؟ وهذا إن صح النقل فيه يلتفت إلى ما مضى، وهو أن غير التراب هل يقوم مقامه؟ فإن قلنا: لا يقوم غيره مقامه، فقد غلّبنا فيه معنى التعبد، ونزلنا التراب في ذلك منزلته في التيمم؛ فإن التراب النجس لا يصح التيممُ به، وإن أقمنا غير التراب مقامه، فكأنّا راعينا معنى إعانة الماء على قلع النجاسة، فلا يبعد الاكتفاء بالتراب النجس.
ومما ذكره هذا الرجل أن الكلب لو ولغ في حفرة محتفرة في التراب، فهل يجب استعمال التراب في محاولة تطهير الحفرة؟ فعلى وجهين.
وهذا قريب المأخذ مما ذكرناه؛ فإن الحَفِيرة قد تنجست تربتها، فإن كنا نجوّز التعفير بالتراب النجس، فلا معنى لاستعمال التراب في التراب، وإن منعنا استعمال التراب النجس، فيجب استعمال التراب الطاهر.
ومما يتعلق بذلك أن من غسل الإناء سبعاً، ثم ذرّ عليه تراباً، ثم نفضه، لم يُجْزه؛ وذلك لأنّا إن فهمنا معنى الإعانة، فهو غير موجود هاهنا.
وإن تمسكنا بالحديث، فمقتضاه استعمال التراب في غسلةٍ من الغسلات السبع؛ فإنه عليه السلام قال: " إحداهنّ بالتراب "، ثم إذا مزج التراب بالماء في غسلة، فينبغي أن يتكدّر الماء بها ويتغيّر، وإلاّ لم يكن ما يأتي به تعفيراً.
ولو استعمل التراب في غسلة ثامنةٍ، فقد عفر وِفاقاً.
ولو مزج التراب بخلٍّ أو مائع سواه، واستعمله في الإناء، ففي المسألة وجهان - وهذا أيضاًً يلتفت على ما ذكرناه من تغليب التعبّد، أو النظر إلى قلع النجاسة.
هذه القواعدُ في إزالة نجاسة الكلب.
فرع: 332 - إذا ولغ الكلب في إناء فيه ماء قليل، ثم صبّ عليه الماء وكوثر، حتى بلغ قلتين، فيطهر الماء، لبلوغه حدّ الكثرة، وهل يطهر الإناء؟ فيه ثلاثة أوجه مشهورة، ووجه رابع زاده الشيخ في الشرح.
أحد الوجوه - أن الإناء يطهر؛ لأنه صار إلى حالة أخرى لو كان عليها أولاً، لما تنجس؛ إذ الكلبُ لو ولغ في ماء بالغٍ قلتين في إناء، لم ينجس الماء والإناءُ.

والثاني - أن الإناء لا يطهر؛ فإنا قد تُعبدنا في إزالة نجاسة الكلب بغسله سبعاً وتعفيره، ولم يتحقّق ذلك، وإذا ورد تعبد غيرُ معقول المعنى، لم يسقط بطريقٍ مأخذُه المعنى.
والأول أصح؛ فإنا بنينا الآخر على الأول كما قررناه، والتعبد لم يتضمّن تنجيس الإناء، وفيه قلتان.
فليعُد الأمرُ آخراً إلى ما ذكرناه أولاً.
والوجه الثالث - أن الإناء إن تنجس تبعاًً للماء بأن كان ولغ في الماء، ولم يلق شيءٌ منه جِرْمَ الإناء، فإذا بلغ الماء قلتين، وطهر بالكثرة، طهر الإناء تبعاًً لطهارة الماء، كما ينجس ابتداء تبعاً، وإن كان لاقى شيءٌ من الكلب جِرمَ الإناء، فقد تنجس، وهو أصلٌ في النجاسة، فلا يتبع طهارة الماء في الطهارة.
وهذا ضعيفٌ لا أصل له.
والوجه الرابع - الذي ذكره الشيخ: أنه إن مكث الماء الكثيرُ في الإناء لحظاتٍ يتأتى في مثلها تكريرُ الغسلات السبع، حُكم بطهارة الإناء، وإن لم يمض زمانٌ يتأتى فيه ما ذكرناه، لم نحكم بطهارة الإناء.
وهذه الأوجه تجري إذا غُمس الإناء النجس بنجاسة الكلب، أو الثوب النجس في ماءٍ كثير.
فالأصح الوجه الأول، ويليه الثاني.
والثالث، والرابع لا أصل لهما.
333 - وللفرع غائلة أوْضَحها الشيخُ في الشرح، وهي تحتاج إلى مقدمةٍ.
فالماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة جامدة، فهل يجب التباعد عن مورد النجاسة بقدر قلّتين؟ فعلى قولين سيأتي ذكرهما في الباب الذي يلي هذا، فإن حكمنا بوجوب التباعد، فلو كان في إناء من جلدٍ نجس قلتان، والتفريع على وجوب التباعد، فالماء كله نجس.
وسنوضح ذلك في موضعه إن شاء الله عزّ وجل.
فإذا ظهر ذلك، عدنا إلى غرضنا: فإذا بلغ الماء بعد ما ولغ الكلب فيه قلّتين، فإن حكمنا بأن الإناء طاهرٌ، فلا كلام.
وإن حكمنا بأن الإناء نجس، فنجاسة الإناء على هذا كنجاسةٍ حكميّة، أو كنجاسةٍ عينية؟ فعلى وجهين.
وهذا تردُّدٌ لطيف.
فإن حكمنا بأن نجاسة الإناء كنجاسةٍ عينية، والماء قلتان بلا مزيد، وأوجبنا

التباعد، فيخرج من ذلك أن الماء نجس أيضاًً، كما لو كان الإناءُ من جلدٍ نجسٍ.
وإن قلنا: نجاسة الإناء حكميّة، فلا نحكم بنجاسة الماء، ولا نوجب التباعد، وينزل ذلك منزلة ما لو وقع في الماء نقطة بولٍ.
وإن نزح من الماء ما نقَصَه عن حدّ الكثرة، فإن جعلنا نجاسة الإناء عينية، فنحكم بنجاسة الماء الآن، سواء أوجبنا التباعد.
أو لم نوجبه؛ فإن الماء ناقصٌ الآن، وهو ملاقٍ نجاسةً عينية.
وإن حكمنا بأن نجاسة الإناء حكميّة، فبنُقصان الماء لا يصير الباقي نجساً، وقد تناهى الشيخ وألطف 1 في ذلك، رضي الله عنه.
فرع: 334 - إذا كنا نغسل إناءً، أو ثوباً من نجاسة الكلب، فتقاطرت قطرة من غسلةٍ من الغسلات إلى ثوب، والغُسالة غير متغيرة، فهذا ينبني على القواعد الممهّدة في غُسالة النجاسة، وقد ذكر الأئمة عباراتٍ قريبة تحوي الأصول المقدمة، ونزيد وجوهاً يقتضيها حكم الولوغ.
فمن أصحابنا من قال: حكم الغُسالة في كل غسلةٍ كحكم الإناء قبيل تلك الغسلة.
ومنهم من قال: حكمها حكم الإناء بعد انفصال تلك الغسالة، ومنهم من قال: هي طاهرة إذا لم تكن متغيرة، ومنهم من قال: لكل غسلة سُبْع حكم الإناء.
فالآن نخرّج على هذه العبارات أحكامَ الغسلات.
فلو تقاطرت من الغسلة الأولى، فإن قلنا: حكمها حكم الإناء قبيلها، فيغسل ما تقاطر إليه سبعاً إحداهن بالتراب، كالإناء قبل اتصال هذه الغسالة بها.
وإن قلنا: حكمها حكم الإناء بعد انفصال الغسالة، فالثوب الذي تقاطر إليه يُغسل ستًّا، وينظر: فإن كان استعمل التراب في الغسلة الأولى، فلا يجب استعماله في الثوب؛ نظراً إلى الإناء بعد الغسلة الأولى، وإن لم يستعمل، فيجب استعمالُه في الثوب نظراً إلى الإناء.
وإن حكمنا بطهارة الغسالة، فلا إشكال، وإن حكمنا بأن لها سُبعْ الحكم فيغسل الثوب مرةً واحدةً.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل