نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 45-70
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب السلم

صفحات 45-70
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الأوارك 1، وهي التي ترعى الأراك، والمعلوفة، والراعية.
فإن كان الغرض يختلف بجميع ذلك، فهي مشروطة.
وإن كان الأمر لا يختلف، فلا يشترط ذكر ما لا يختلف الغرض به.
ولا يشترط أن يقول لبنَ حليب؛ فإن الإطلاق يقتضي انتفاء الحموضة؛ إذ الحموضة في اللبن عيبٌ؛ ولا يجوز السلم في المعيب.
قال: " ولا يسلم في المخيض؛ لأن فيه ماء " 2. فإن كان كذلك، فهو ملتحق بالمختلطات، وسنعقد فيها فصلاً الآن.
وإن لم يكن فيه ماء، فالسلم في المخيض جائز.
فإن قيل: إنه حامض.
قلنا: أدنى حموضة في المخيضِ مقصودة.
والحموضة في اللبن عيب.
فصل قال: " وكذلك كل مختلط ... إلى آخره " 3 3490 - منع الشافعي السلم في المختلطات، وقد رتبها العراقيون ترتيباً حسناً.
فقالوا: هي على أربعة أوجه: فمنها مختلط من جهة الخلقة، وهو في نفسه يعد موصوفاًً مضبوطاً، فالسلم فيه جائز كاللبن، والشّهد.
ومنها مختلط خليطهُ من مصلحته، وذلك الخليط في نفسه غير مقصود، وهو كالجبن تخالطه الإنفحَّة 4، ولكنها غير مقصودة في نفسها، وكأنها كالمستهلكة، والجبنُ على حكم الجنس الفرد، وكذلك الخبز فيه الملح والماء، ولكنهما غيرُ مقصودين.
والضرب الثالث- مختلط ذو أركان، وكل ركن منه مقصود، ولا ينضبط أقدارُ

الأخلاط، فلا يصلح السلم فيه، كالغالية من العطر، والمعاجين والجُوَارِشْنات 1، وكالهرائس من المطبوخات، ومعظمِ المرق ذواتِ الأخلاط المقصودة.
والضرب الرابع- مختلط في الصورة ولكن يتأتى ضبط ذلك لكل قسم منه، وهو مثل الثياب التي نسجت من الغزل والإبريسم، والخزوز 2 بهذه الصفة.
فإن لم يتأت الضبط، فالسلم باطل، كالسلم في المعاجين.
وإن أمكن الضبط، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن السلم يصح لإمكان الضبط.
والثاني - لا يصح؛ فإن أحد القسمين لا يتميز في الحسّ عن الثاني في الثياب العتّابية 3 ونحوها.
وهذا عندي قياسٌ.
ونقل بعض المعتمدين أن الشافعي نص على جواز السلم في الخزوز، فإن صح هذا، فالخزوز أنواع، فلعله جوّز السلم فيما يتحد جنسه، ومنه ما لا يكون كذلك.
ولو جوزنا السلم في الثياب المختلطة من غير أن يتميز في الحس قسم عن قسم، لوجب تجويز السلم في المعاجين تعويلاً على قول العاجن، وإذا لم يجز ذلك، فسبب المنع ما يتوقع من تنازع بين المسلِم والمسلَم إليه.
ومثل هذا غير محتمل في السلم.
وعدّ المزني لما ذكر المختلطات من الأدوية، وفنون الطيب من جملة ما لا يجوز السلم فيه الأدهانَ المرببة 4 المطيّبةَ، كدهن البنفسج والورد، وما أشبههما.
وأجمع الأصحاب على أن ما قاله غلط غيرُ راجع إلى مأخذ الأحكام، ولكنه أمرٌ تخيّله في التصوير، فظن أن هذه الأدهان خالطها أشياء ليست منها، وهذا خطأ؛ فإن أصول

هذه الأدهان الشيرج، ثم إن السمسم يمزج بالورد والبنفسج وغيرهما، حتى يتروّحَ بها عن مجاورة، ثم يعتصر السمسم؛ فإذاً هو شيرج محض، واكتساب الروائح بالمجاورات لا تمنع صحة السلم.
وعد العراقيون خل التمر والزبيب من المختلطات التي يجوز السلم فيها، وزعموا أن المقدار المعتبر من الزبيب يدرك بقوة الخل وضعفه، والمقصود من الخل حموضته ونفاذُه وحدّتُه، وهذا يقصد منه كما يقصد من الخل من العنب.
وزعموا أن مُدركَ العِيان يبيّن ما يعتبر من الإبريسم والغزل في العتَّابي؛ فإن لهذا الجنس رونق 1 إذا كان الإبريسم فيه على الحد المقصود، لا يخفى دركُه على أهل البصائر كما ذكروه.
وما أشار إليه العراقيون وإن كان كلاماً 2، فلا نقنع بمثله في التوقي من الغرر في أبواب السلم.
هذا ما أردناه في المختلطات.
3491 - ثم ذكر السلم في اللِّبأ 3 والرائب.
وهو شائع؛ فإنّ المسلمَ فيه مضبوط، وقد يُعرض اللِّبأ على النار عَرضةً خفيفة، ولا اعتبار بها، ولذلك صححنا السلم في الفانيذ والسكر، وإن تردد الأصحاب في جواز بيع السكر بالسكر، وذكرنا الميز بين البابين في المقصودين.
وذكر بعض المعتمدين تردداً في السلم في الدبس قدمنا ذكره.
ثم ذكر أن من أصحابنا من نزل السكر والفانيذ في باب السلم منزلتهما في بيع الأعيان.
وقد اختلف أصحابنا في بيع السكر بالسكر، والفانيذ بالفانيذ.
فهذا القائل

يقول: إن جوزنا بيع السكر بالسكر، يجوز السلم فيه، وإن منعنا بيع السكر بالسكر، يمنع السلم فيه أيضاًً.
وهذا غير صحيح.
ويترتب عند هذا القائل في الدبس والسكر ثلاثة أوجه: أحدها- المنع فيهما.
والثاني - الجواز.
والثالث- الفصل بين الدبس والسكر.
وردد صاحب التقريب جوابه في السلم في المَاوَرْد 1؛ من حيث إنه اعتقد اختلافَ تأثير النار فيما يتصعد ويقطر.
وهذا في نهاية الضعف لم أره لغيره.
ثم ذكر الشافعي السلم في الصوف، وأشار إلى الصفات التي ترعى فيها، وشبهها بما قدمناه، فممّا ذكر أنها طوال أو قصار ليّنة أو خشنة، وذكر اللون.
وقال: يكون نقياً مغسولاً 2. أما النقاء، فيغني عنه شرط السلامة، وأما المغسول، فإن أراد الغَسل ليُنَقَّى من الغبش والقاذورات، فلا حاجة إلى هذا، فإن اشتراط الصوف المجرد يُغني عن قولٍ غيرِه، فإذن الغسل احتياط.
ثم ذكر الكرسفَ، والسلمُ فيه صحيح، والأوصاف المرعية فيه معلومة، من اللين والخشونة، وقد يختلف بالإضافة إلى البقاع.
والضابط ما تقدم.
والسلم في الجوزق 3 المتشقق 4 جائز على شرط التقدير بالوزن.
ولا يجوز السلم فيما ليس بمتشقق؛ فإن المقصود منه مستتر بما ليس بمقصود، ولا يبقى فيه.
وإن ظن ظان أن بيعه من أطراف بيع الغائب، فلا مجال لهذا في السلم، فإن الجهالات لا تحتمل في السلم.
وذكر السلم من الإبريسم، وذكر مما يعتبر فيه الدقة والغلظ، والنوع، والناحية التي يجلب منها، إلى غير ذلك مما يتغير به الثمن والغرض.

3492 - ثم قال: " ولا بأس أن يسلم في الشيء كيلاً، وإن كان أصله الوزن " 1. وهو كما قال.
[و] 2 قد ذكرنا في باب الربا أن ما كان موزوناً لا يجوز بيع بعضه ببعض كيلاً، وما كان مكيلاً في عصر الشارع لا يجوز بيع بعضه ببعض وزناً؛ فإن باب تحريم التفاضل في الربا مبناه على التعبد، وباب السلم مبناه على الإعلام واتباع العرف فيما يعد مضبوطاً.
وإذا كان يجري الكيل والوزن في شيء، فإعلامه بكل واحدٍ منهما ممكن.
فهذا ما أطلقه الأصحاب.
وفيه فضل نظر عندي في الأشياء الخطيرة، فإن فتات المسك يحصره الكيل، ولست أرى الكيل فيه إعلاماً، وكذلك العنبر، وكل خطيرٍ.
فلعل الوجه أن يقال: ما كان مكيلاً لا يجوز السلم فيه بالوزن، فإنه حاصر، وما يوزن عرفاً هل يصح السلم فيه كيلاً؟ هذا ينقسم، فمنه ما يُعدّ الكيلُ في مثله إعلاماً، وإن كان الوزن معتاداً، فليصح هذا، وما لا يُعتاد الكيل في مثلهِ ضابطاً، فلا يجوز السلم فيه كيلاً، وإن كانت صورة الكيل تجري فيه.
وإن كان التعويل على قاعدةٍ واحدة، فمسائل التردد ناشئةٌ من تلك القاعدة، ورأيُ النظار عندي مشترك.
وإن استدرك البعض على البعض، لم يرجع الخلاف إلى الفقه، وإنما يرجع إلى أمور حسّية، أو إلى أمور عُرفية.
ولو أسلم في شيء يكال ويوزن، وشرط الكيلَ والوزنَ جميعاً، فهذا ينتهي إلى التعذّر الذي يفسد السلمُ بمثله، وهو مثل أن يقول: أسلمت في مائةِ صاعٍ على أن يكون وزنها إذا رد إلى الوزن خَمسمائةِ منّ.
فهذا حكمٌ 3 لا يتأتى الوفاء به، مع

العلم بأن الحنطة يتفاوت وزنها بسب اكتنازها، ورخاوتها وصلابتها.
3493 - ولا يجوز السلم في شيءٍ عدداً، وإن كان مضبوطاً، فليقع السلم باعتبار الوزن، وهذا كالسلم في البطيخ والسفرجل، فاكتفاء الناس فيها بالعدد تسامح، والتعويل على العِيان؛ فإنها تتفاوت في القيم.
نعم قد يتفق فيها ما لا يتفاوت قيمها، وإن كانت مختلفة الأقدار لتسامع أطبق الناس عليه.
وهذا كالبيض والجوز، فلا يجوز التعويل في السلم على العدد، وذلك أن التسامح الذي حكيناه إنما يقع في مقدارٍ يسير كأعدادٍ قليلة من الجوز والبيض، وإذا كثر فالجوزات الكبار والبيضات الكبار، لو جمعت في موضع، وقيست بالصغار تفاوت الأمر، وصدقت الرغبة من الكبار، وظهر تفاوت في الثمن بيّن؛ فلا يجوز التعويل على العدد في شيء من المعدودات.
ويجوز السلم في البطيخ والسفرجل وزناً؛ فإن الوزن يحصر وإن لم يحصر العدد.
وذكر شيخي أن السلم يجوز في البيض وزناً، وكذلك في الجوز واللوز، وما في معناهما.
وما ذكره في البيض سديد؛ فإن قشورها لا تختلف اختلافاً به مبالاة.
وإن زاد وزنُ قشور الكبار منها، فتلك الزيادة على نسبةٍ غيرِ متفاوتة بالإضافة إلى ما يقصد من المحّ 1 والماح.
فأما قشور الجوز، فأراها تختلف، فمنها رقاق، ومنها غلاظ، ومنها ما ينفرك باليد للطافة القشور، ومنها ما يحتاج إلى معاناة في كسرها، فلست أرى السلمَ مسوَّغاً في الجوز وما في معناه.
وإن ذَكر وزنها.
فإن أمكن ضبطُ نوعٍ منها بالوصف يُقرِّب قشورها، ثم اعتمد الوزن، ولم يُفض الأمرُ إلى عزة الوجود، فالجواب الجواز إن اقتضى الحال ذلك.
وقد ذكرت أن اختلاف طرق الأصحاب في هذا الكتاب لا يرجع إلى التردد في أساليب الفقه، وإنما رجوعه إلى مماراةٍ في الوقائع.
وذكر الأصحاب جوازَ السلم في اللَّبِن.
والتعويل على الوزن، وقد يجمع إليه

العدد، وهو المعتاد، ولا عسر في الجمع، فيسلم المسلم في مائة لبنة، ويقول: اللبنة الواحدة عشرة أمناء 1. هذا لا بد منه وتحصيله لا عسر فيه.
ثم إَن وقع تسامحٌ في التسليم، فلا بأس.
والسلم في الآجُر 2 مما اختلف الأصحاب فيهِ اختلافَهم في الدبس، والظاهر الجواز؛ فإن الوصف ممكن، وتحصيل الموصوف لا تعذر فيه.
ثم ذكر الشافعي السلم في لحم الطيور.
والوصفُ يحيط به فليذكر النوع والعضو الذي يسلم منه، إن كان يسلم في المقطّع، وإن كان يسلم في الطير المذبوح غيرَ مقطع، فالوزن، والسِّمن، والصنف، وكل ما يختلف الغرض فيه.
والطير لا سِنَّ له، فيوصف بالصغر والكبر، ويذكر أنه لحم فروج، أو ناهض.
وكذلك الحيتان.
3494 - وأما الخشب فإن كانت تراد للحطب، فأوصافها قريبة فيذكر النوع، وأنها دقاق أو غلاظ جزلة.
والوزن لا بد منه.
وقال الأصحاب: لا حاجة للتعرض لليبوسة؛ فإن الرطوبة والنداوة عيبٌ، والإطلاق يقتضي اليابس.
هكذا ذكره المحققون.
وإن كان السلم في الجذوع والعُمد، فالطول والعرض، والصنف، واللون، ويصح السلم إذا استوت الأجزاء، فإن اشترط فيها تخريط 3، وكان يختلف الأعالي والأسافل، فهذا مما يؤثر في منع السلم عند الشافعي؛ فإنه لا يدري أن الخشبة من أين تأخذ في الدقة، ولا ينضبط هذا مع تعلق القصد به.
وإذا أسلم في جذعٍ، ذكر الطولَ والعرضَ، والاستدارةَ واللونَ.
وفي ذكر الوزن تردد؛ فإن الوزن لا يقصد في العمد والاسطوانة.

وكان شيخي يميل إلى اشتراط الوزن؛ صائراً إلى أن كلَّ خشبة تفرض، فلا يمتنع أن تصير حطباً، ويكون الوزن إذ ذاك مقصوداً.
وهذا فيه نظر.
3495 - والسلم في أحجار الرحى جائز، إذا ذكر الطولَ منها والعرضَ والسمكَ.
واتفق 1 على اعتبار الوزن فيها؛ فإن ثقلها مقصود، وهي برَزَانتها تطحن، ويختلف هذا برخاوة الأحجار وصلابتها.
ثم إذا ذكر الوزن، فهو ممكن.
حتى انتهى الأصحاب إلى تصوير وزن الأرحية الكبار بالسفن وغوصها في الماء.
ثم العادة جارية بذكر أمثال هذه الأعلام، ثم يقع التسامح حالة القبض.
ثم ذكر جواز السلم في أنواع العطر وأمتعة الصيادلة، كالمسك، والكافور، والعنبر، والأدوية، ولكل جنس أوصاف مقصودة لا يخفى دركها عند أهل البصيرة.
وقد يقصد في بعضها أن تكون قطعاً كباراً كالعنبر، فليكن التعرض لهذا.
3496 - ثم قال: " لا يُسلم فيما خالطه لحوم الحيات " 2. والسبب فيه مع الاختلاط أن لحوم الحيات نجسة، وقد ذكرنا منع بيع النجس.
والتداوي بالترياق جائز على حدّ تجويز أكل الميتة.
وفيه كلام طويل سيأتي في الأطعمة، وعنده نذكر التداوي بالخمر.
والحدّ المعتبر في التداوي من الحاجة والضرورة.
أما السموم القاتلة الطاهرة، فهل يجوز بيعها، قال الأصحاب: إن قتلت بكثرتها لغلبة الطبيعة والقليل منه يستعمل في الأدوية الحارة، فلا يمتنع بيعه.
ومن هذه الجملة السقمونيا، والحنظل والخَرْبَق 3، وما في معانيها، ومنها الأفيون.
فأما السموم التي لا يستعمل جوهرها في دواء، وهي منافية للقوة الحيوانية بأنفسها

من غير كيفية تُعْقَل.
وهذا هو السم عند أهله، فقد قال قائلون: لا يجوز بيعها؛ فإنه لا خير فيها؛ إنما هي ضرر كله.
وكنا نقول للشيخ: إذا كانت طاهرةً، فلو أعدت لتستعمل في مكائدَ مع الكفار، فهذا وجهٌ في صلاح السياسة والإيالة، فرأيته يتردد في مواضع، وأراد أن ينزلها منزلة الأسلحة.
ومن قتل إنساناً بسم قتلناه به.
فليتأمل الناظر في ذلك.
3497 - ثم قال: " ولو أقاله بعضَ السلم " 1. قد ذكرنا تفصيل القول في الإقالة، وأنها فسخ أم لا.
ثم قطعنا بأنها في السلم فسخ، ثم رتبنا كلاماً هو مقصود هذا الفصل.
وقلنا: إذا انفسخ العقد في بعض المعقود عليه، ففي تعدي الفسخ إلى غيره ما فيه، كما مضى في تفريق الصفقة.
وإن أراد [أحدُ المتعاقدين أن يفرد بالرد بعضَ المعقود عليه، ففيه تفاصيل مذكورة في صورة.
وإذا أراد] 2 المتعاقدان الفسخ في البعض عن تراضٍ، وهو الإقالة، فقد صحَّحَ أئمتنا هذا على التراضي، ولم يخرّجوا على تفريق الصفقة.
وقد ذكرت ما يليق بذلك فيما تقدم.
3498 - ولا يجزىء في السلم التشريك ولا التَّوْلية، فإنهما بيعان، وبيعُ السلم قبل القبض لا يجوز.
ومن جوَّز بيعَ المبيع من البائع قبل القبض، لم يجوز بيعَ المسلَم فيه من المسلَم إليه قبل القبض.
وهذا رأيته متفقاً عليه.
والفرق عسر.
والوجه الاستدلال بموضع الوفاق على تزييف الوجه الضعيف في المبيع.
فهذا منتهى ما نقله المزني في الباب، وعلينا الآن الوفاء بما وعدناه من ضبط القول فيما يُرعى من الصفات.

فصل 3499 - قد كرر الأئمة في طرقهم أنه يجب ذكر الصفات التي تؤثر في القيمة والأغراض، وهذا مضبوط لا لبس فيه، ولا يتطرق إليه إلا شيئان: أحدهما - أن من الأشياء ما يهون وصفه، وليس إذا وصف عزّ، فيمتنع السلم فيه للعزة، ومنه ما ينتهي إلى صفة لا تُشيع معرفتَه، وفيه ترتيب تقدم ذكره، إذْ ذكرنا ما يعرفه أهلُ الاستفاضة، وما يعرفه عدلان، وما يختص بمعرفته المتعاقدان على زعمهما.
ومما يتعلق بالباب أن الأوصاف التي يمكن الاقتصار فيها على قدر الاسم معتبرة، ثم لا تعتبر غاياتها.
وهذا جار في جميع الصفات.
وهذا إذا كان الخروج عن الضبط في جهة النهاية.
فأما إذا كان الخروج عن الضبط في جهة البداية، فقبيله يمنع السلم، وعليه بنى الأصحاب منعَ السلم في المعيب والرديء؛ فإن المسلِم سيقول: سلم إلي ما هو في المرتبة الأولى في العيب المذكور، والمسلَمُ إليه يزعم أن هذا كذلك، فلا ضبط، ولا يمكننا أن نُنزلهما على شيء.
ومن ضم إلى ما ذكره الأصحاب من الصفات المؤثرة في الغرض والقيمة هذه الأحوال الثلاثة، استقل بالكلام في الأوصاف.
وكل هذا والمسلم فيه ليس بحيوان.
3500 - فأما إذا كان المسلمُ فيه حيواناً، فنحن نذكر افتراق مسالك الأصحاب في الحيوانات، ونستخرج من بينها ضبطاً.
قال العراقيون: إذا أسلم في جارية، لم يشترط أن يقول في أوصافها دعجاء كحلاء، وكذلك قالوا: لا يشترط ذكر قدِّ الجارية والعبد.
وكان الشيخ أبو محمد رحمه الله - يشترط التعرض لجميع ذلك ويقول: لكل صفة عبارة فما غادر الوصافون مقصوداً إلا صاغوا عنه [عبارات] 1 فلتذكر.
ثم لنقتصر من كل صفة على أدنى

الدرجات.
ومن حمل من أصحابنا الخُماسي والسداسي على القِدَيَيْن 1 الطول والقصر، اعتضد بالنص.
فكان شيخنا يقول: الكَحَل والدَّعج لا ينقصان عن الجعودة في الشعر والسبوطة.
وقد اعتبرهما الأصحاب.
وانتهى تساهلُ العراقيين في الصفات في الحيوانات إلى ما نذكره الآن.
قالوا: إذا أسلم في بعير، فإنه يذكر سنه ويذكر أنه من نَعَم بني فلان إذا كانوا جمعاً كثيراً تكثر النَّعم فيهم.
ثم قالوا: إن كان نعمهم لا تختلف، كفى ذلك، وإن كان نعمهم تختلف، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنا نكتفي بأقل الاسم على السن المذكور من نعم بني فلان، كما نكتفي بأدنى درجات الجودة.
والقول الثاني - أنه لا بد من الوصف إذا اختلفت صفات نَعَم بني فلان.
وهذا الذي ذكروه انحلال عظيم وخروج بالكلية عن قياس الباب، ورضا بالعماية والجهالة، واعترافٌ بأن السلم في الحيوان مبناه على احتمال المجاهيل.
وشيخنا كان يتشوف إلى تنزيل السلم في الحيوان منزلة السلم في المكيلات والموزونات، وطلب نهايات الأوصاف.
ومن أحاط باللفظ الذي نقلناه عنه تبين ذلك منه، إذ قال -رحمه الله-: الصفات المقصودة معلومة، وعن كل صفة عبارة، والقاعدة الاكتفاء بالأقل.
3501 - فإذا بان المسلكان قلنا بعدهما: لا شك أنا لو رُدِدنا إلى القياس المحض، وأردنا أن ندرك من صحة السلم في المكيلات، والمثليات، والمتقوّمات، القليلةِ الأوصاف جوازَ السلم في الحيوان، سيّما في العبيد، الوصائف منهم، والمرموقين من الغلمان، والخيل العربيات، ما كنا نستدرك هذا.
والشافعي لم يعتمد معنى في السلم في الحيوان، وإنما اعتمد أخباراً وردت في إقراض الحيوان، وعلم أن السلم في معنى القرض.
فليعتقد المنصف أن السلم في الحيوان لا يتصوّر أن يلتزم فيه كلّ ما يؤثر في

الثمن، أو يتعلق بغرض.
وإن أمكن التقريب فيما يؤثر في القيمة، فَطَمَعُ ضبطِ الأعراض طمعٌ في غير مطمع.
فالوجه أن نقول: معظم الأوصاف التي تضيق العبارة عنها نقائضها عيوب في الحيوانات، فإطلاق العقد يغني عنها.
وهذا جنسٌ عظيم في الصفات.
3502 - ومما نذكره أن الأغراض في الحيوان لا ضبط لها، والناس على اختلاف فيها، ولو ذكر كل ما يقصد في جميع الحيوان، انتهى الأمر إلى عزّة الوجود لا محالة.
وإذا وضح هذا في الخَلْق، ثم ضمت الأخلاق إليها، صار المسلمُ فيه عنقاءَ مُغرب 1. فإذا تنبه المتنبه لما ذكرناه، قلنا بعده: كل فنٍّ يعتبر في غير الحيوان، فهو في الحيوان أولى بالاعتبار.
الصنف: وهو يضاهي الأجناس والأنواع.
واللون: وقد تمهد اعتباره.
والسن: وهو يناظر الحداثة والعتق فيما تقدم ذكره.
ولم يعتبر العراقيون القدّ.
وهذا خطأ صريح 2؛ فإنا وجدنا لذلك نظراً في العُمُد والجذوع، ولكن الشَّبْرَ 3 بالأشبار لست أراه؛ فإن مما يتعين محاذرته الوقوعَ في العزّة، غيرَ أن أهل المعرفة يعرفون الطويلَ، والرَّبعَ 4، والقصيرَ، والتنزيل على أدنى الدرجات قانونُ الكتاب 5. فهذه الأمور لا بد منها، والسلامة فيها غناء عظيم.
وبقي وراء هذا شيئان: أحدهما - أن ضبط كل عضو بما يليق به، وبما يقصد

منه، لا سبيل إليه.
وإن كانت القيم تختلف بهذا اختلافاً بيناً.
والكلام في صفاتٍ تداول أهل البصائر اللهج بها كالدَّعج والكَحَل، وكون الوجه مُكَلْثماً، أو أسيلاً.
وهذا موضع النظر.
فلم أر للعراقيين التعرضَ لهذا.
واعتبرها شيخنا.
فلو وصف في السلم عضواً أو أعضاء، ولم ينته إلى العزة، فلا بأس.
ولكن لا يشترط الخوض فيه؛ إذ لو شرط الخوض فيه، لاشترط استيعابه، وفي الاستيعاب العزة، وفي ذكر البعض قبل الانتهاء إلى العزة تحكم.
فإن قيل: ليصف إلى أن ينتهي إلى إمكان العزة.
قلنا: من أي طرف يبتدىء؟ فإن قال قائل: فما قولكم في التعرض لكونها خميصةً، مثقلةَ الأرداف، ريانة السيقان، شَثنِةَ الأصابع.
قلنا: هذا كالكَحَل والدعج.
وقد مضى قول الأصحاب فيه.
3503 - فقد تَنَخَّل من مجموع ما ذكرناه أنه يذكر في الحيوان ما يذكر في سائر الأجناس التي يُسلَم فيها، أو يذكر فيها ما يداني المذكورَ فيها، كما ذكرناه في الطول والقصر، فإنه يداني القدر في المقدَّرات، أو الطولَ في المذروعات.
ووصف كل عضو مع إمكانه لا يشترط.
وكل صفة نقيضها عيب، فلا حاجة إلى ذكرها، وهي كثيرة، والأمور الجُمليّة التي تذكر في الترغيبات، وتوجيه الطلبات نحو الحيوانات كالكَحَل، والدعج، ودِقة الخصر، وثقل الأرداف، وتكلثُم الوجه، وما في معانيها في محل الخلاف، لم يشترطها العراقيون، وشرطها المراوزة.
وموضع زلل العراقيين قولهم: لا يشترط القدّ وذكره، وهذا خطأ؛ فإن أهل العراق 1 مطبقون على ذكره، والقيمةُ تختلف به، ولا يفضي الأمر إلى العزة، وهو على مضاهاة الأقدار في المقدَّرَات.
ولا شكّ أن الحِرفَ، وإن كانت مقصودة، فلا يشترط التعرض لها.

وكنا نذكر للشيخ أبي محمد الملاحة، وكان ينقل عن شيخه القفال تردداً في اشتراطها: تارة كان يقول: ليست الملاحة معنىً، بل كل يشتهي فنّاً ويستملح صفة، وقد يستقبح غيرُه تلك الصفة.
وهذا في تناصف 1 الخلق، وفي عُرْض 2 الاعتدال، من غير خروج إلى حد العيب.
وكان شيخنا يميل إلى اعتبار الملاحة، ويقول: هي صفة معلومة، لا ينكرها أهل المعرفة، ثم التنزيل على ما ينطلق عليه الاسم.
فهذا منتهى الإمكان في ذلك، ومبناه على اعتقاد خروج الحيوان عن قياس الباب وقد يتفق السلم في حيوان ينضبط بصفات معدودة من غير عُسرٍ، ولا عزة، فيجب التشوّفُ إلى الضبط فيه.


بَابُ مَا لاَ يَجُوزُ فِيْهِ السَّلمُ

3504 - ذكر الشافعي -رحمة الله عليه- في الباب الأول ما يجوز السلم فيه، وأراد الإيناس بذكر الأوصاف، فذكر أجناساً، وأشار في كل جنسٍ إلى ما يليق به، ومقصوده في هذا الباب أن يُبيّن ما لا يجوز السلم فيه، ويشير إلى وجوه امتناع الوصف، حتى يجتمع للناظر من الباب الأول وهذا الباب ما يفيد الامتناعَ، وما يفيد التجويز.
وقد صدر الباب بالنَّبل فقال: " لا يجوز السلم في النَّبل " 1. والأمر على ما قال.
وسبب المنع التركّب من أركانٍ: الخشبُ والعَقَب 2، والريش، والنصل في مكان الرَّعْظ 3. وكل جنس من هذه الأجناس مقصود القدر في السهم، وهو مجهول، وفيه التخريط 4، والأخذ في الدقة عن غِلظ، وهو يتضمن جهالة، والغرض يختلف به اختلافاً بيّناً.
هذا معلومٌ، لا يلزم عليه إلا أن يعارَض بالحيوان.
وقد ذكرنا أنه خارج عن قياس الباب، وقد انتهض بعض الأصحاب للانتصار فقال: " أفراد أركان الحيوان ليست مقصودة، وإنما المقصود البنية ". ولا شفاء في هذا ما لم يحط المرء بما ذكرناه.
ويجوز السلم في خشب النَّبل، وفي بيع السهم وعليه الريش، نظرٌ؛ لمعنىً في بيع العين؛ فان الريش المستعمل على النشاب نجس، على القول الظاهر.
وقد يقع

الكلام في تفريق الصفقة على تنجيس الريش، فالوجه بيع النشابة دون الريش، فيكون كبيع ثوب متضمخ بالنجاسة.
فصل قال: " ولا في اللؤلؤ، ولا في الزبرجد ... إلى آخره " 1. 3505 - قال أصحابنا: يمتنع في النفائس من هذه الجواهر، وعلل بعضُهم بأن الضبط غيرُ ممكن، وليس الأمر كذلك؛ فإن الضبط غيرُ مقصودٍ على أقصى الوجوه، فيقال: ياقوتة وزنها كذا، وشكلها كذا، لحمية أو جمرية، أو وردية، أو رمانية.
ويقال: لؤلؤة مدحرجة، صافية اللون، براقة البياض.
وزبرجد أخضر ريحاني، أو [سِلْقي] 2. فسبب المنع أن الأوصاف إن لم تذكر، كان السلم فيه مجهولاً، وإن ذكرت جَرَّت عزة.
والسلم في اللآلىء الصغار التي تباع وزنا ولا يُجرّدُ النظرُ إلى آحاد حباتها، جائزٌ.
وكان شيخي يقول: يجوز السلم في الدرّ التي يُتحلَّى بها، إذا لم تثقل، وكان في الحبة سدس مثلاً؛ فإن هذا لا يعز وجوده.
ومنع بعض الأصحاب ذلك، فإن اتفاق السدس من غير مزيد ولا نقصان، مع استجماع الصفات المرعية نادر.
والمسألة محتملة.
فإذاً مدار الفصل 3 على الجهالة والإفضاء إلى العزة.
وأن يكون المرء محيطاً بمسائلِ السلم؛ حتى يضع السلم في الحيوان [نبذة في فكره] 4 لا يقيس بها شيئاً،

ولا نقيسها على شيء، ويجري في تفريعها جريان من لم يدرك أصله بقياسه.
وإنما زعه على قدر الضرورة.
فصل قال الشافعي: " وأرى الناس تركوا وزن الرؤوس ... إلى آخره " 1. 3506 - السلمُ في الرؤوس والأكارع قبل التنقية غير جائز، لما عليها من الصوف والشعر، والمقصود مستتر بها.
وفي السلم فيها بعد التنقية قولان: أحدهما - الجواز، كالسلم في لحم الفخذ وغيره من الأعضاء.
والثاني - لا يجوز؛ لأنه يختلف اختلافا متبايناً في المشافر، والمناخر، وعظم اللحيين، وعظم الأسنان، واللسان، فقد يعظم منها ما لا يؤكل إلا على تكره، ويصغر منها ما يقصد، وهذا يختص بالرأس، والتجويز في الأكارع أقرب.
ثم من صحح السلم شرط الوزن.
3507 - وذكر بعد هذا منعَ السلم في الجلود.
يعني الجلودَ الطاهرة؛ فإنها لا تنضبط بتشكيل، وفيها انعطافات متباينة، والغرض من الأَدَم لا ينحصر على الوزن، فالسلم إذاً فيها كالسلم في ثوب من غير ذرعٍ.
ولو قطعت وشكلت أشكالاً تقبل المساحة، كالنعال السبتية 2، ففي السلم فيها وجهان: أحدهما - وهو الأصح الجواز.
والثاني - المنع؛ لأن ثخانتها ودقتها خارجان عن الحصر، وأطراف الأدَم متفاوتة في ذلك، ولا يتأتى درك الجميع بسَبْر طرفٍ.
والأصح الصحة.
والاعتمادُ على الوزن لا محالة.
ولا التفات إلى الحيوان.
= و (ت 2) "بيده في فكرة" بهذا النقط، والمثبت محاولة من المحقق لإقامة العبارة.

ولا يصح السلم في الخفاف والصنادل؛ لأنها مجهولة كالنشاشيب.
وإذا امتنع السلم في النشاب، فالقوس المركب، وهو قوس العجم أولى بالمنع.
والنَّبعة 1 التي يتخذ منها قوس العرب بأخذٍ في التخريط من الطرفين، فتتطرق إليه الجهالة.
والأواني المنطبعة إن كانت على شكل واحد، لا تفاوت فيها تضايقاً واتساعاً، جاز السلم فيها، والاعتماد على الوزن.
وإن كانت تختلف أشكالُها تضايقاً واتساعاً، فالسلم يمتنع.
هذا مجموع ما ذكره رضي الله 2 عنه.


بَابُ التَّسْعِير وهل ينادي منادي الإمام في البلد، ويأمر بسعرٍ مقدرٍ في جنس حتى لا يتعدَّوْه؟ 3508 - فنقول: ليس للإمام هذا في رخاء الأسعار وسكون الأسواق؛ فإنه حجرٌ على الملاك، وهو ممتنع.
فأما إذا غلت الأسعار، واضطر الناسُ، فهل يجوز للإمام أن يسعّر؟ فيه وجهان مشهوران: أحدهما - المنع طرداً للقياس الكلي.
والثاني - الجواز، نظراً إلى مصلحة العامة.
وقد روي: " أن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- مر بحاطب بن أبي بلتعة، وبين يديه غَرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعره، فَسَعَّر مُدَّين بدرهم فرآه عمرُ غالياً، وقال: " حُدّثتُ بعِيرٍ مقبلة من الطائف تحمل زبيباً، وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإمَا أن تدخل زبيبك البيتَ، فتبيعه كيف شئت " 1. وأراد برفع السعر الزيادة في وزن الزبيب.
ومن منع التسعير احتج بما روي عن أنس أنه قال: غلت الأسعار بالمدينة، وقلنا: يا رسول الله لو سعرت لنا! فقال عليه السلام: " إن الله هوَ المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس لأحد منكم مظلمة في دم ولا مال " 2 وأما حديث عمر فقد روي أنه كان يحاسب نفسه كل ليلة بما جرى له في

باب التسعير

، ح 3451، والترمذي: البيوع، باب ما جاء في التسعير، ح 1314، وابن ماجة: الإجارات، باب من كره أن يسعر، ح 2200، والدارمي: ح 2545، وأبو يعلى: ح 2774، 2861، 3830. =

نهاره، فروي أنه فعل ذلك، فوجد فيما جرى له في يومه تسعيره على حاطب، فندم وأتاه في جوف الليل، وقال له: " إن الذي قلتُ ليس بعزيمة ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت، فبع، وكليف شئت، فبع ". فصل 3509 - روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون " 1 وقال عليه السلام: " من احتكر طعاماً أربعين يوماً يقصد به الغلاء على الناس برئت منه ذمة الله " 2. والجالب هو الذي يجلب الطعام إلى البلد وقتَ الضيق والغلاء ليوسع على المسلمين، وهو على مضادة المحتكر؛ فإن المحتكر هو الذي يحبس الطعام حتى تزداد الأسعار غلاءً وارتفاعاً.
ثم قال الأصحاب: المحتكر الذي يلحقه اللعن والوعيد صاحب مال يشتري الطعامَ ويحبسه، ولا [يتركه] 3 حتى يشتريه المساكين والضعفاء.
فأما من يشتري الطعام في وقت الرخص وكساد الأسواق، ويحبسه ليبيعه إذا غلا، فلا بأس؛ فإن أصل احتكاره وتربّصه كان في رخاء الأسعار، حيث لا ضرار، وربما يكون ما ادخره قائماً مقام الذُّخر للناس، ولولا ادخاره، لكان يضيع، ويتفرق.
= والحديث صححه ابن الملقن في البدر المنير: 6/ 508، وانظر التلخيص: (3/ 30 ح 1160).

وكذلك من اتفقت له غَلة من ضيعته، فحبسها على أي قصد أراد، لم يتعرض للوعيد.
والقول في هذا الآن يتعلق بقطب عظيم، وهو أن الناس إذا كانوا يتهاوَوْن على الرَّديء، وقد أسرع فيهم المَوَتَانُ 1 العظيم الذريع، وانتهى كل واحدٍ إلى استحلال الميتة وطعام الغير، فالقول في هذا وفي كل ما يدّخره كل إنسان لنفسه ولعياله ليس بالهين.
وسأذكر فيه في باب المضطر أصلاً يرقى عن مجال الفقهاء، وننبه على قاعدة عظيمة، إن شاء الله عز وجل.


بَابُ امْتِنَاعِ ذِي الحق

3510 - إذا أتى المسلَمُ إليه بما عليه على الصفات المطلوبة، فلا كلام.
وإن أتى بجنسٍ آخر، فهو الاعتياض عن المسلم فيه، وهو باطل.
وإن كان أجودَ مما وُصف، جاز قبولُه.
وإن قال: لا أقبله ولا أتقلّد المنة، فالأصح أنه يجبر على قبوله.
ومن أصحابنا من قال: لا يجبر؛ لمكان المنّة، وهي ثقيلة على ذوي المروءات.
ولو أتى بأردأ مما وصف، لم يلزم المسلِمَ القبولُ.
وإن قبل محابياً، جاز.
وإن أتى بنوعٍ آخر والجنسُ متحد، مثل أن يقع السلم في الزبيب الأبيض فيأتي بالزبيب الأسود أو الطائفي، ففي المسألة وجهان عند التراضي: أحدهما - يصح قبوله، ولا يكون اعتياضاً.
والثاني - لا يجوز قبوله؛ فإن اختلاف النوع كاختلاف الجنس.
ولو أسلم في الحنطة النفيسة، فأتى بالخسيسة، فمن أئمتنا من جعل ذلك كاختلاف النوع، حتى يخرج على الخلاف.
ومنهم من جعل النوع واحداً، وجعل هذا اختلافَ صفة، مع اتحاد النوع.
وإذا جاء بعبد هندي والمسلَمُ فيه تركي، فطريقان: منهم من جعله كاختلاف الجنس، ومنهم من جعله كاختلاف النوع، على ما مضى.
ولو أسلم في الحنطة، لم يُقبل التراب والتبن فيه، وقد ضبطت هذا في كتاب الربا وبيّنت القدرَ المحتمل منه.
وإذا أسلم في التمر، فأتى بالرطب من ذلك النوع، فطريقان: منهم من جعل الرطب مع التمر نوعين، ومنهم من جعلهما نوعاً واحداً.
وإذا أسلم في لحم الطير، لم يُقبل الرأس والرجل، يعني ما لا لحم عليه من الرجل.

ولو أسلم في لحم السمك، لم يقبل الرأس والذنب؛ لأن مطلق اسم اللحم لا ينصرف إليه ولا يقتضيه، وليس كالعظم في أثناء اللحم؛ فإنه كالنوى في التمر، وقد جرى العرف بتنحية الرأس والذنب في السمك.
وفي هذا نظر عندي فأقول: إن أسلم في لحم السمك، فالأمر على ما قال الأصحاب، وإن أسلم في السمك، فلا يكلف تنحية الرأس والذنب، والعلم عند الله.
وأجنحة الطائر تُمَعَّط فيقع [التسليم] 1 بعد ذلك.
ويجوز أن يقال: يزال ذنب السمك وجناحه؛ فإن الحيتان صحيحة الأوساط، وكأنها طيور الماء.
ثم ذكر الشافعي أنه إذا أسلم في مكيل وقبض وزناً، أو في موزونٍ وقبض كيلاً، فليس هذا قبضاً صحيحاً، وهو بمثابة القبض جزافاً، وقد قدمته في قبوض البيع على أكمل وجه.
فصل قال: " ولو جاءه بحقه قبل مَحِلِّه ... إلى آخره " 2. 3511 - من عليه الحق إذا جاء به، فلا يخلو إما أن يكون الحق حالا أو مؤجلاً، فإن كان مؤجلاً، وأتى به قبل الحلول، نظر: فإن كان لصاحب الحق غرضٌ في التأخير.
كأن كان حيواناً لا غنى به عن علف، أو كان في وقت نهب، وليس للمعطي غرض ظاهر إلاّ براءة الذمة، وخيفة هجوم الموت، فلا يجبر صاحب الحق على قبول حقه حيث انتهى التصوير إليه، قولاً واحداً؛ فإن غرضه في الامتناع عن القبول لائح.
ولو لم يكن لمستحق الحق غرض ظاهرٌ في الامتناع من القبول، وكان للمعجِّل غرض في التعجيل، كالمكاتب يستفيد بالتعجيل العتقَ، وكذلك من رهن بالدين المؤجل عليه رهناً، فهو يطلب بتعجيل الدين فك الرهن.
ومن الأغراض الظاهرة أن يكون

بالدين ضامن، وكان من عليه الدين يحاول تفريغ ذمته.
فإذا لم يكن لذي الحق غرض في الامتناع، وظهر غرضُ المعجل أُجبر صاحبُ الحق على القبول.
وإن لم يكن لواحدٍ منهما غرض: لا لذي الحق في الامتناع، ولا للمعجل، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن ذا الحق لا يجبر، وله أن يبني الأمر على الوفاء بالأجل، ويجعل المعجِّلَ كالمتبرع المعطي مزيداً، وإذا كان كذلك، فله الامتناع من تقلّد هذه المنة.
والقول الثاني - أنه يجبر؛ فإن الأجل حق من عليه الدين، فإن أسقطه، لم يكن لمستحق الحق أن يمتنع.
وإذا كان أصل الحق يسقط بإبراء مستحقه من غير شرط القبول على الأصح، فينبغي أن يسقط حق الأجل من غير حاجة إلى قبول من يستحق أصل الدين.
ولو كان لصاحب الحق غرض في الامتناع، وكان للمعجل غرض ظاهر في التعجيل، فالذي ذهب إليه الأكثرون أنا نرعى جانب مستحق الحق، ونقطع بأنه لا يجبر لعذره اللائح، ومن أصحابنا من جعل تقابل العذرين كسقوطهما، وخرَّج المسألة على القولين كما ذكرناه.
ولو لم يكن للمستحق غرض في الامتناع، وظهر غرضُ المؤدي، فقد قطع الأصحاب بالإجبار في هذه الصورة.
ولو كان الدين سلماً، فعمّ وجودُ المسلمِ فيهِ قبل الحلول، وكان يخاف المسلَمُ إليه من انقطاع الجنس قبل الحلول؛ فهل يعد ذلك عذراً في جانب المعجِّل؛ حتى يبنى عليه ما تقدم من التفصيل في أعذار المعجِّل؛ فعلى وجهين: أحدهما - أنه عذرٌ؛ فإنه قد يترتب على التأخير انفساخ العقد، أو حق فسخه.
والثاني - أنه ليس بعذر؛ فإن العقد إن انفسخ، رد رأس المال، وسقط عنه الدين، في مقابلة ما يرد.
هذا كله في الدين المؤجل إذا عجَّله مَن عليه.
3512 - فأما إذا كان الدين حالا، فجاء به من عليه، وامتنع المستحق من القبول،

ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من قال بإجبار ذي الحق.
فيقال له: إما أن تقبل، وإما أن تبرىء ذمته من الدين.
ومن أصحابنا من ذكر في ذلك قولين أيضاً؛ فإن مستحق الدين يقول: الحق لي، وإليّ طلبه، فليس لمن عليه الحق أن يحتكم عليَّ في طلب الحق.
ومما يجب التَنبُّهُ له أنا في الدين المؤجل فصلنا بين المعذور وبين ما لا عذر له، وإذا حل الدين، فنقول: أما جانب مستحق الحق، فلا يختلف بأن يكون معذوراً، ووجه بيّن.
وأما المعطي، فإن كان معذوراً، أُجبر صاحبه على القبولِ قولاً واحداً.
ولم يجر القولان؛ من قِبَل أن العذر يوجب قبول ما يَنْقُدُه من الدين المؤجل، فما الظن بالدين الحالّ؟ ثم إذا وجد العذر في الجانبين، والدّين حال، فصاحب الحق مجبر على القبول قولاً واحداً؛ فإنا قد أوضحنا أن عذر مستحق الدين لا اعتبار به إذا كان الدين حالاً.
ثم حيث يجبر على القبول، فإن لم يقبل، قبض القاضي عنه، أو أناب من يقبض.
وإذا جرى ذلك، فقد برئت ذمة المديون، وكان المال أمانةً لمستحق الحق في يد الحاكم، أو في يد من أنابه.
3513 - وممّا يتصل بهذا أن من عليه الحق إذا ظفر بمستحق الحق في غير المكان المتعيّن شرعاً أو شرطاً، وأراد إجبار مستحق الحق على القبول، فالتفاوت في المكان كالتفاوت في الزمان: فإن كان على الناقل مؤونة، لم يجبر مستحق الحق على قبوله، وهو يناظر في الزمان ما إذا ظهر غرض بيّن في الامتناع قبل الحلول.
وإن لم يكن في نقل المستحق مؤونة، فهل يجبر مستحِق الحق على قبوله في غير المكان المستحق؛ فعلى القولين المقدمين فيه، إذا جاء بالحق قبل حلول الأجل؛ فالتفاوت المكاني في الحكم الذي أردناه كالتفاوت الزماني.
فرع: 3514 - تردد الأئمة في السلم في الثوب الذي يصبغ بعد نسجه، فيما ذكره العراقيون: فأجازه بعضهم، وهو ما قطع به الإمام.
ولا خلاف في جواز السلم في الثوب الذي ينسج بعد الصبغ.

ولا فرق؛ فإن عين الصبغ قائم في الثوبين.
ومن أئمتنا من منع السلم في الثوب المصبوغ بعد النسج، واحتج عليه بأن الصبغ عينٌ ضمت إلى الثوب، وهو مجهول المقدار.
والغرض يتفاوت.
وهذا إنما كان يتجه لو امتنع السلم في الذي صبغ غزلُه، ثم نسج.
والأصح التجويز؛ فإن الصبغ صار صفة في الثوبِ لا يُطلب تمييزه وفصله.
فرع: 3515 - حكى صاحب التقريب عن ابن سريج أنه قال في السّمك المملح: إن كان يظهر للملح وزن، فلا يصح السلم لجهالة مقدار المسلَم فيه.
وإن كان لا يظهر للملح وزن، لم يخل إما أن يكون له قيمة أو لا يكون، فإن لم تكن له قيمة، فلا أثر له؛ إذ لا قيمة ولا وزن، والسلم صحيح.
وإن كان له قيمة، فهو كالثوب المصبوغ بعد النسج.
فإن قيل: أرأيتم لو كان للصبغ وزن في الثوب؟ قلنا: لا أثر لوزنه في الثوب؛ فإن الثوب لا يوزن.
فرع: 3516 - إذا.
قبض المسلِمُ المسلَم فيه، وتلف في يده، واطلع على عيب، فرده، فالاستبدال 1 منه غير ممكن بعد التلف.
ولكن له الرجوع بالأرش، وهو قسط من رأس المال.
وإذا حصل الرجوع، لم يكن هذا استرداداً، ولكنه في حكم فسخ العقد في ذلك المقدار المسترد.
وذهب المزني إلى أن الرجوع بالأرش لا يثبت بعد تلف المقبوضِ.


فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل