كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
[باب] السّواك
1
قال الشافعي: " وأحب السواك للصلاة ... إلى آخر الباب " 2
56 - استعمال السواك مستحب.
وفيه أخبار صحيحة تدل على أنه سنّة مؤكدةٌ.
منها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " 3. وقال: " السواك مطهرة للفم مرضاة للرّب " 4.
ثم الكلام في آلة السواك، ووقته، وكيفيته.
57 - فأما آلة السواك، فقضبان الأشجار أو عروقها، بها استاك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسلفُ الصالحون، وظَهر أن الغرض من استعمال السواك إزالة قَلَحِ 5 الأسنان.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما لكم تدخلون عليّ قُلحاً!! استاكوا " 1.
ومما يتعيّن الاعتناء به في القواعد، أن من الأصول ما يغلب التعبد فيه، وإن ذكر فيه معنى على بعد، لم يقع في رتبة الجليّات، ومنها - ما يظهر المقصود فيه، ولكنه نُقل مع آلةٍ مخصوصةٍ.
فأما ما يقع 2 التعبد فيه، فإنه يختص بالآلة المنقولة، كطهارة الحدث، فإنها مختصة بالماء.
ورأى الشافعي أن يُلحِق إزالةَ النجاسة بطهارة الحدث، مع ظهور المعنى المقصودِ فيها؛ فقال بتعيّن الآلة في إزالتها.
وأما الاستنجاء بالأحجار، فالغرض منه ظاهرٌ وهو قلع عين النجاسة، فلمّا ظهر المقصودُ، لم يختصّ بآلة، بل قيل: كل عين طاهرة منشِّفة غير محترمة؛ فهي صالحة للاستنجاء، فالاستياك عندي في معنى الاستجمار، فالغرض منه إزالة القَلَح، إما بقضبان الأشجار، أو خرقةٍ خشنة.
وفيه فيما أظن تثوّبٌ 3 خفي من التعبد؛ فإن من تمضمض بغاسول قلاعٍ، فأزال قَلَح أسنانه، فما أراه مقيماً سنةَ الاستياك، وليس ذلك عريّاً عن احتمالٍ بعيد.
ولو كان الرجل نقيَّ الأسنان، قويم الطبيعةِ، لا يغشاها قَلَحٌ، فسنة الاستياك لا تسقط عنه.
وهذا يقرّبُ معنى التعبد فيه قليلاً.
والوجه القطع بأنه لا يتعين في الاستياك آلة، إذا كان يزيل القلحَ.
وما ذكرناه من التمضمض لا يزيل القَلَح، ما لم يتحامل معه على الأسنان بدَلْكٍ.
وما ذكرناه من نقاء الأسنان غيرُ سديد، فإن كل أحد يغشاه قَلَح، وإن قلّ.
فهذا تفصيل القول في آلة السواك، غير أن اتباع السلف حسنٌ في كل شيء.
58 - فأما وقت السواك، فالاستياك يتعلق بثلاثة أوقاتٍ: أحدها - تغيّر النَّكهة 1 فمهما تغيرت رائحة الفم بأكل طعامٍ رائحته كريهة، أو نومٍ، أو طول أزْمٍ 2 استَحْبَبنا الاستياك، وإن لم يُرد المرء صلاةً ولا طهارةً.
فهذا وقتٌ.
والثاني - القيامُ إلى الصلاة، فمهما أراد الرجل القيامَ إلى الصلاة، استحببنا له أن يستاك، وإن كان لا يتطهّر، قال النبي عليه السلام: " صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاةً بلا سواكٍ " 3.
والثالث - الوضوء، فيستحب لكل متوضىء أن يستاك.
وكان شيخي يقول: ينبغي أن يستاك عند كل صلاة، فإن أخطأه ذلك، فعند كل طهارة، فإن أخطأه ذلك، ففي اليوم والليلة مرةً.
وفي السواك سرٌ، سنذكره في أول " باب سنة الوضوء " إن شاء الله عز وجل.
59 - فأما كيفية السواك، [فيديرُ] 4 السواك على أسنانه في عرض الوجه، وطوله محاولاً إزالة القَلَح، فإن اقتصر على إحدى الجهتين، فينبغي أن يستاك في عرض الوجه؛ إذ رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه كان يستاك عرضاً " 5، ولعل فيه
معنىً: وهو أن الاستياك على طول الوجه إن أُديم واقتصر عليه، فقد يَكشِط عمودَ الأسنان، ويقرح اللثَة.
... = أهنأ، وأمراً، وأبرأ" أخرجه البيهقي في السنن: 1/ 40 عن ربيعة بن أكثم، وذكره الألباني في ضعيف الجامع الصغير، وعزاه للبغوي، وابن قانع، والطبراني في الكبير، وابن السني، وأبي نعيم في الطب، كلهم عن بهز، وإلى البيهقي عن ربيعة بن أكثم أيضاً (ر.
ح 4557 من ضعيف الجامع الصغير، وح 945 من سلسلة الأحاديث الضعيفة).
باب النية في الوضوء
ِ
60 - طهارات الأحداث تفتقر إلى النّية: وهي الغُسل، والوضوء، والتيمم.
وإزالة النجاسة لا تفتقر إلى النية.
ونسب بعض الأصحاب إلى ابن سُريج 1 وجهاً في اشتراط النيّة في إزالة النجاسة، وهذا غلط، وسنذكر في أحكام النجاسات سببَ هذا الغلط، ثم نذكر كيفية النيّة، ووقتَ النيّة في قسمين.
فأما القول في الكيفية، فتأتي كيفيّة النيّة في الغسل والتيمّم في بابيهما.
61 - فأما الوضوء، فينقسم إلى وضوء الرفاهية، وإلى وضوءِ الضرورة، فأما وضوء الرفاهية، وهو وضوء من لا عُذر له من النواقض للطهارة 2، ففي النية مسلكان: أحدهما - التعرّض لرفع الحدث، فإذا نوى المتوضىء رفعَ الحدث، صح وضوؤه وارتفع حدثُه.
وإن نوى رفع حدث البول، وكان حدثه نوماً، أو مسّاً، فالوجه القطع بارتفاع الحدث، وصحّة الوضوء، والسبب فيه أن عين الحدث لا سبيل إلى تخيل ارتفاعه، وإنما ثبت بسبب الحدث منعٌ، وهو الحدث على التحقيق، ثم يرتفع ذلك المنعُ بالوضوء، وذلك المنعُ ليس جنساً معيّناً ولا نوعاً مخصوصاً، فإن فُرض
غلطٌ في التعرّض لذكر السبب، فالمقصود ارتفاع الحكم الواقع بذلك السبب، وذلك الحكم لا يتصنّف ولا يتفرعّ.
62 - وكان شيخي يذكر هاهنا في وقوع الغلط في تعيين النيّة أقساماً، لا بدّ من ذكرها على إيجاز، فالعبادات تنقسم: فمنها ما يُشترط التعيين في نيّتها، كالصلاة والصوم، ومنها ما لا يُشترط التعيين فيها.
وهذا القسم يَنقسم قسمين: أحدهما - ألا يُشترط التعيين، ولكن لو عيَّن الناوي وغلط، لم يُعتدّ بالعبادة، وهذا كما أنا لا نشترط في نيّة الكفارة التعرض لذكر سببها، ولو نوى من أعتق رقبةً إعتاقها عن يمين، ثمّ تبيّن أنه ما كان حلف، وإنما كان ظاهَر، فالإعتاق لا يقع عن الكفارة التي كانت عليه، وكذلك لو نوى بما يُخرج زكاةَ مالٍ غائب، ثم ظهر له أن ذلك المال كان تالفاً في وقت إخراج الزكاة، فما أخرجه لا ينصرف إلى سائر أمواله.
ولو كان نوى بما أخرجه تزكية ماله مطلقاًً، لانصرف إلى ما بقي من ماله الزكاتي.
فهذا أحد القسمين.
والقسم الثاني - ألا يضرَّ الغلط في التعيين، وكان يذكر من ذلك ما لو نوى الإمامُ إمامةَ زيدٍ، ثم تبين أن المقتدي به عمرو، فلا يضرّ الغلط في ذلك.
ثم كان يقول: حقيقة هذا القسم يؤول إلى أن أصل النية في هذه الصورة غيرُ مشروطٍ في صحّة صلاة الإمام، فإذا عين وأخطأ، لم يضرّ؛ فإن أقصى التقدير بطلانُ النية، ولو لم ينو الإمامُ أصلاً، لصحت صلاتهُ.
ولم يذكر غَلطَ المقتدي في تعيين إمامه، فإن فيه سرّاً سأُظهره في كتاب الصلاة، وكان يُلحق الغلط في تعيين الحدث بالقسم الأخير.
وهذا فيه أدنى نظر على موجب تقسيمه؛ فإن أصل النية لا يسوغ تركه في الوضوء.
والذي يكشف الغطاء في ذلك أن المتيمم لو نوى استباحة الصلاة عن الحدث، ثم ظهر له أنه كان جنباً، صح تيمّمه، والغلط من الجنابة إلى الحدث لا أثر له.
ولمّا نقل المزني هذا في التيمم، استشهد عليه بغلط المتوضّىء من حدثٍ إلى حدث.
وحكى في غلط المتوضىء إجماعَ 1 العلماء.
63 - وأنا أقول: أما سقوط أثر الغلط في التيمم، [فواضح] 2؛ فإن التيمم لا يرفع الحدث أصلاً، وإنما أثره في استباحة الصلاة، والأحداثُ ذُكرت أو لم تُذكر باقية لا تزول، فيظهر التحاقُ التيمم في ذكر الحدث بما لا يشترط فيه النية أصلاً.
والوضوء يرفع الحدثَ، ففرض الغلط في تعيينه قريب الشبه بالغلط في تعيين أسباب الكفارات.
وسأذكر صورةً بعد ذلك، يتم بذكرها الغرض إن شاء الله تعالى.
فهذا ذِكر مسلكٍ واحدٍ في كيفية النية.
64 - فأما الثاني - فهو ألا يتعرّض المتوضىء للحدث في نيته، ولكن ينوي استباحة شيء، فإن نوى استباحة ما يفتقر إلى الوضوء، صح وضوؤه، وارتفع حدثُه، واستباح ما عيّن، وما أضرب عن ذكره.
فإذا نوى استباحة الصلاة، ارتفع حدثُه، وزال المانع بالكلية، وكذلك إذا نوى استباحة مس المصحف أو حمله.
فأما إذا نوى ما لا يشترط فيه الوضوء، ولكن يستحب كقراءة القرآن عن ظهر القلب، ففي المسألة وجهان: أحدهما - لا يرتفع حدثه 3؛ فإنه لم ينو ما يمنع الحدثُ منه.
والثاني - يرتفع؛ فإنه لما ذكر ما أمر فيه بالوضوء، وإن كان [ندبًا] 4، فقد تعرض للحدث، فارتفع.
ولو كان محدثاً، فظن أنه متطهر، فتوضأ، ونوى تجديدَ الوضوء، فالتجديد على الجملة مأمور به، ولكن المذهبَ أن حدثه لا يرتفع؛ إذ التجديد مأمور به، لا لأجل
الحدث، ومن يريد أن يقرأ القرآن عن ظهر القلب مأمور بالوضوء لأجل الحدث؛ فتعلق وضوؤه بقصد رفع الحدث.
فرع:
65 - إذا نوى المتوضىء استباحة صلاة بعينها دون غيرها، فعيَّن تيك الصلاة في نيّته، ونفى ما سواها، ففي المسألة وجهان: أحدُهما - أن حدثه باقٍ، ولا يصح وضوؤه أصلاً؛ فإن نيته فاسدة، [فكأنه لم ينو] 1
والثاني - يصح وضوؤه 2، ويرتفع حدثه، فيستبيح ما عيّن وما نفى؛ فإن الحدث لا بدّ من تقدير ارتفاعه في استباحة الصلاة المعينة.
وإذا ارتفع حكم الحدث، لم يتبعض، ولا خلاف أنه لو عَيّن صلاةً، ولم ينف غيَرها، ارتفع حدثُه، واستباح كلَّ مفتقرٍ إلى الوضوء، فإذا عين ونفى، لغا نفيُه، وصار كما لو عيّن صلاة، ولم ينف غيرها.
قال الشيخ أبو بكر 3: لو اجتمعت أحداث ونوى رفع بعضها، ونفيَ ما سواها، ففي المسألة وجهان: أحدهما - لا يصحّ وضوؤه.
والثاني - يصحّ ويرتفع جميعُ أحداثه.
66 - ولا بدّ بعد هذه الحكاية من التنبيه لأمرين: أحدهما - أن هذا الاختلاف الذي حكاه في ذكر حَدثٍ من الأحداث يوجب لا محالة اختلافاً فيما تقدم ذكره، في أن من غلط من حدثٍ إلى حدث هل يصح وضوؤه؟ إذ منشاً الكلام فيهما يؤول إلى مآلٍ واحد؛ فإن المعتمدَ في أن الغلط من حدثٍ إلى حدث لا أثر له - ما تقدم ذكره من أن الحدثَ هو المانع الحاصل، وذلك في حكم خصلةٍ واحدةٍ، ولا تتنوع 4، وهذا بعينه يقتضي سقوطَ أثر العدد في أسباب ذلك المانع، وإذا سقط أثر العدد، والاختلاف، استوى الكلام في تعيين حدث من الأحداث، وفي الغلط من حدث إلى
حدث؛ فإن السرّ ذكر اتحاد ذلك المانع، والاتحاد ينافي التعددَ والاختلاف جميعاً.
وسمعت شيخي يذكر وجهاً ثالثاً في ذكر بعض الأحداث، ويقول: " إن نوى رفعَ الحدث الأول، يصح وضوؤه؛ فإنّ ما بعده ليس بحدث، وإن نوى رفع ما بعد الأول، لم يصح ".
وكل هذا حيْدٌ عندي عن الفقه؛ فإن المرعيّ هو المنع، وهو المعنيّ بالرفع.
وما اتحد، فلا يتحقق فيه تعددٌ، ولا اختلاف، ولا يترتب 1 بتقدّم أولٍ وتأخر ثانٍ.
فهذا أحد الأمرين اللذين نبهنا عليه.
67 - والثاني - أن الصيدلاني لما ذكر الوجهين -فيه إذا نوى رفع حدث من أحداث- شرط في تخريج الوجهين أن ينوي رفعَ حدث ويَنْفي ما سواه.
ومقتضى كلامه أنه لو نوى رفع حدث معينٍ، ولم يتعرض لنفي ما سواه، صح وضوؤه، كما لو نوى استباحة صلاة بعينها، ولم ينف غيَرها، صحّ وضوؤه، وإنما الوجهان فيه إذا نفى في نيته ما سوى الصلاة المعينة.
وهذا وهمٌ عندي، أما تعيين الصلاة، فلا بد فيه من الفصل بين أن ينفي ما سوى الصلاة المعينة وبين ألا ينفي، فأما إذا اجتمعت أحداثٌ فنوى رفعَ واحدٍ، ولم ينف غيره فينقدح فيه ذكر الخلاف؛ فإنه لم يتعرّض لما بقي من الأحداث، فقد يتخيل أنه لا يرتفع ما لم يذكره.
فأما إذا عيَّن صلاة ولم ينف غيرها، فمقتضى 2 استباحة تيك الصلاة ارتفاع جميع الأحداث، وهذا بيّن لا إشكال فيه.
فهذا بيان كيفية النية في وضوء الرفاهية.
68 - فأما النية في طهارة الضرورة، وهي طهارة المستحاضة، ومن به سلس البول والحدث الدائم، فقد قال الأئمة: لو نوت المستحاضةُ رفعَ الحدث بوضوئها، واقتصرت على نية الرفع، لم يصح وضوؤها؛ فإن الوضوء لا يَرفع ما سيقعُ من الأحداث بعده، والأحداث الدائمة تقارن الوضوء، فليس رافعاً.
وحكى شيخُنا عن القفال: أن صاحب الضرورة لو نوى استباحة الصلاة مقتصراً على ذلك، لم يصح، ولا بد من الجمع بين نية الاستباحة، وبين نية رفع الحدث؛ لينصرف رفعُ الحدث إلى ما تقدم، وينصرف استباحة الصلاة إلى ما يقارِن، أو يتجدّد بعد الوضوء، وهذا غلط، لا يستراب فيه؛ فإن نية الاستباحة تليق بالمتيمّم، وصاحب الضرورة، وهي أيضاً [تُفِيدُ] 1 رفع الحدث؛ فإن صاحب الرفاهية لو نوى بوضوئه استباحةَ الصلاة، ارتفع حدثُه؛ فنيّة استباحة الصلاة في حق صاحب الضرورة تُغني عن الرفع، وعن إفادة إباحة الصلاة.
والصيدلاني لم يحك هذا عن القفال أصلاً، بل حكى القطعَ بأن نية الاستباحة في حق صاحب الضرورة كافيةٌ.
ولست أستريب في نقل شيخنا 2 عن القفال شرطَ الجمع بين نية الرفع والاستباحة، ولكنّه خطأ لا شكّ فيه.
على أني أقول: لا ينبغي أن نعتقد أن طهارة المستحاضة تؤثر في رفع الحدث أصلاً؛ إذ الطهارة إنما ترفع الحدث إذا تمت، وكيف يُفرض تمامها، والحدث مقارن لها؟
فهذا منتهى القول في كيفيّة النية.
69 - [ووراء] 3 جميع ما ذكرناه غَائلةٌ لا يقف على سرّ المذهب من لم يتنبّه لها.
فأقول: ظاهر ما ذكره الأئمة أن النية في الوضوء من نية القربات، والشافعي أوجب النيةَ في الوضوء، من حيث أثبت أنّ الوضوءَ قُربةٌ، فعلى هذا إذا نَوى رفعَ
الحدث؛ فَيَنْقدح فيه ذكرُ خلافٍ في أنه هل يُشترط أن يضيف الوضوءَ إلى جهة التقرب إلى الله تعالى 1؟ فإن أئمّتنا اختلفوا في أن من نوى صلاة الظهر هل يُشترط في صحة نيته أن يقول: لله تعالى؟ كذا القول فيه إذا نوى رفع الحدث، فيجرى فيه [الخلاف] 2 أنه هل يشترط أن يقول بقلبه: فعلتُه لله؟
وقد قطع أئمة المذهب أن المتوضىء لو نوى بوضوئه أداءَ الوضوء، وفرضيةَ الوضوء، صحت نيّته 3، وارتفع حدثة، وإن لم يتعرض للحدث، ولا لاستباحة ما يفتقر إلى الوضوء، وذكروا اختلافاً في أن المتيمّم لو نوى فريضة التيمم هل يكفيه ذلك؟ وفرقوا بين الوضوء والتيمّم بأن الوضوءَ قربةٌ مقصودةٌ في نفسها؛ إذ يُستحب تجديدُها.
والتيمم لا يُعنى إلا لغيره؛ ولهذا لا يستحب تجديدُه.
فهذه المسالك مُصرّحةٌ بأن نيةَ الوضوء نيةُ القربات، وإن ظن ظانٌّ أن الوضوء إذا كان يقع تنظفاً، ويقع مأموراً به، فالغرض من النية إيقاعُه مأموراً [به] 4؛ فإن من عليه ألفُ درهم، فسلّم الألف إلى مستحق الدين؛ فلا يقع أداء الدين ما لم يقصد أداء الدين، كان ظناً بعيداً عرياً عن التحصيل.
فالوجه الاكتفاء بما ذكره الأئمة.
هذا تمام المراد في كيفية النية.
70 - فأما القول في وقت النية؛ فهذا يستدعي ذكرَ تردد الأصحاب فيما يُعدّ 5 من الوضوء، وسنذكر في باب سنة الوضوء أن المتوضىء يسمي الله تعالى، ويغسل يديه ثلاثاً، ويستاك.
ثم اختلف الأئمة في أن هذه السنن هل تعدّ من الوضوء؟ فذهب ذاهبون إلى أنها
ليست من الوضوء؛ فإن التسمية مندوبٌ إليها عند استفتاح كل أمرٍ ذي بال.
وغسل اليدين ثلاثاً سنةٌ 1؛ للتنظّفِ والتنقّي من النجاسة المتوهَّمة، والسواك مستحب في غير الوضوء، كما سبق تقريره في بابه.
وهذا وهم عندي؛ فهذه السنن من الوضوء.
ولا يمتنع أن يشرع شيءٌ في مواضع، وليس شرط كون الشيء من الشيء أن يكون من خصائصه؛ فإن السجود يعدّ من أركان الصلاة، وإن كان مشروعاً عند التلاوة، وشكر النعم.
وأما السواك، فقد ذكرنا أن له أوقاتاً، منها الوضوء، فقد صحّ أنها من الوضوء، ومن قال غير ذلك، فهو غالط.
وإن نوى المتوضىء عند التسمية، واستدام ذكر النية حتى غسل بعض وجهه، صحّ وضوؤه، ولا يضر عُزوبُ النية بعد ذلك.
ولو نوى عند غَسل الوجه صح، ولم يُعتدَّ بما قدمه على غسل الوجه من السنة؛ فإن النية لا تنعطف على ماضٍ، وإنّما يتعلق حكمها بالحال أو الاستقبال.
ولو قيل: يعتدّ بما مضى أخذاً من المتطوّع بالصوم إذا نوى نهاراً، فهو صائم من أول النهار؛ فتكون النية منعطفةً، فيكون وجهاً في الاحتمال، ولكن الصومَ في حكم الخصلة الواحدة، والوضوء يشتمل على أركان متغايراتٍ، فالانعطاف فيها أبعدُ، والمحفوظ في الوضوء أن النية لا تنعطف.
ولو نوى المتوضىء عند غسل اليدين، وقلنا: إنه من الوضوء، ثم عَزَبَت نيتُه قبل غَسل الوجه، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الوضوء صحيح؛ فإن النية قارنت أولَه.
والثاني - لا يصح 2؛ فإن النية لم تقارن فرضاً من أفعال الوضوءِ.
والمضمضة والاستنشاق من الوضوءِ بلا خلافٍ؛ فليتفرّعْ عليه مقصود النية.
فرع:
71 - إذا نوى المتوضىء بوضوئه رفعَ الحدث والتبرّد، فضمُّ نيةِ التبرّد إلى النيّة المقصودة، لا يضر؛ فإن التبرد يَحصُل حسّاً وإن لم ينو، فلا معنى للنية فيه،
وكل ما يحصل من غير نيّة، فالقصد فيه لاغٍ، لا يُناط به حكم.
ولو دخل الإنسان المسجدَ، وتحرّم بالصلاة، ونوى به فريضةَ الظهر وتحيّةَ المسجد، فتتأدى الفريضة، وتحصُل التحيةُ، وليس ذلك تشريكاً؛ فإن التحية كانت تحصل، وإن لم ينوها؛ إذ لا غرض من التحية إلا ألا يجلس مَن دخل المسجد حتى يصلي.
ولو نوى المتحرم بالصلاة الفريضةَ والسنة، لم تنعقد صلاته؛ فإنَّ التشريك يمنع العقد.
ولو قصد المسبوق بالتكبيرة التي يبتدىء بها العقدَ وتكبيرة الهُويّ، لم تنعقد صلاتُه.
ولو نوى المغتسل يوم الجمعة -وكان قد أجنب- 1 بغسله غسلَ الجنابة والجمعة، حصل الغرضان، ولو نوى غسلَ الجنابة فحسب، ففي حصول سنة غسل الجمعة قولان، سيأتي ذكرهما.
قال الشيخ أبو علي 2 في شرح التلخيص: "من أصحابنا من قال: من نوى بغُسله غسلَ الجنابة والجمعة، لم يصح غسلُه أصلاً؛ للتشريك، وكان ذلك كما لو نوى
المسبوقُ بتكبيرة العقدَ والهُويّ".
وهذا بعيد، لم أره لغيره.
ووجه خروجه أن يفرعّ على أحد القولين، وأنه لو نوى غسلَ الجنابة ولم يتعرض لغسل الجمعة، لم تتأدّ سنةُ غسل الجمعة، فإذا نواه، فهو تشريك في ظن هذا القائل، وهو بعيد؛ فإن مبنى الطهارات على التداخل.
72 - عدنا 1 إلى غرضنا:
لو نوى المتوضىء رفعَ الحدث أولاً، ثم عَزَبَت نيتُه؛ فنوى ببقية الطهارة تبرّداً، وهو ذاهل عن نية رفع الحدث، ففي المسألة وجهان: أحدهما 2 - أنه لا يصح منه بَقيَّة الطهارة على هذا الوجه؛ فإنَّه لما جرّد قصد التبرد، فكأنّه رفض 3 النية، ولو رفضها ورفعها، وجرّد قصد التبرد، لم يعتد بما يأتي به عند الوضوء، فكذلك إذا عزبت، وجرد قصدَ التبرد.
والثاني - أنه يقع بقيةُ الطهارة معتدّاً بها؛ فإن النية المنسية، كالنية المذكورة.
فإذا نوى التبرّدَ وقد نسي نيةَ رفع الحدث، كان كالجامع بين نية الرفع، وقصد التبرّد.
فرع:
73 - المسلم إذا نكح ذميةً، فحاضت، حرُم وطؤها، فإذا طهرت عن الحيض، لم تحلّ للزوج، ما لم تغتسل، فإذا اغتسلت، حلّت له.
فإن قيل: كيف تحلّ، ولا يصح الغُسل إلا بالنية، ولا تصْح النيةُ من الكافر؟ قلنا: يتعلّق بالغسل حقان: حق الزوج، وحقُّ الله تعالى، بدليل أن المسلمة إذا طهُرت عن الحيض ضَحْوةً، فللزوج أن يجبرها على الغُسل لتحل له، وإذا كان 4 ذلك، قلنا: يصحُّ من الذمية الغُسل إذاً؛ لِحَقّ الزوجِ.
فلو أسلمت، فهل يجب عليها إعادة الغُسل إذا صارت من أهل النية؟ فعلى وجهين
مشهورين: والأصح عندي ألا تجب الإعادة؛ فإن القُربة إذا رُوعي فيها معنيان، ثم استقلت بأحدهما، صحت، ولم تجب الإعادة.
وكذلك 1 قال الشافعي: " الكفارة تجب على الكافر، فإذا أدّاها في كفره ثم أسلم، لم يلزمه إعادة الكفارة " ولعلّ الفارق بين الكفارة -ولا خلاف فيها- وبين الغسل -[وفيه] 2 الخلاف- أن الكفارة المؤدّاة بالمال لا تخلو قط عن غرضٍ مرعي لآدمي من تخليصٍ عن رِقٍّ، أو إطعامِ محتاج، أو كسوة عارٍ؛ فكان أمر النية أضعفَ فيها، والغسل قد لا يتعلق بحق آدمي؛ فإن المرأة إذا لم تكن ذات زوج، كان عليها الغسل لله تعالى.
74 - ومما يتعلق بذلك: أن المسلمة إذا امتنعت من الغسل عن الحيض تحت زوجها، فأوصل الزوجُ الماء إلى بدنها قهراً، حلّت له.
وهل يلزمها أن تغتسل لله تعالى؛ قال الإمام 3 -رحمه الله-: فيه الوجهان المذكوران في الكافرة إذا أسلمت.
وفي المسألة احتمالٌ آخر، يُشير إلى القطع بإيجاب الغسل، من حيث إنها امتنعت عن النيّة، وكانت من أهلها.
ثم ما ذَكَرناه من صحّة الغسل على التفصيل المذكور في غسل امرأةٍ ذاتِ زوج.
فأما
إذا لم تكن الكافرة ذاتَ زوجٍ، فاغتسلت، أو اغتسل الكافرُ ثم أسلما، فيجب إعادة الغسل وجهاً واحداً.
وقال أبو بكر الفارسي 1: يطرد الخلاف في إجزاء 2 الغسل في حق كل كافر.
وهذا غلط صريح متروك عليه، وليس من الرأي أن تُحسب غلطاتُ الرجال من متن المذهب.
فرع:
75 - من توضأ ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، فهو على طهارته؛ فإن الردّة الطّارئة ليست من الأحداث المبطلة للوضوء.
ولو تيمم، ثم ارتد، ثم عاد مسلماً، ففيه وجهان: أحدهما - أنه على تيممه، كالوضوء، والثاني 3 - أنه يبطل تيممه؛ فإن حق التيمم أن يستعقب صحةَ الصلاة.
ولذلك لا يصح التيمم لصلاة الظهر قبل دخول وقتها.
فإذا ارتد المتيمم، فقد انتهى إلى حالة لا يتأتى منه الصلاةُ فيها؛ فضعف التيمُّم لذلك.
ومَن ضعَّف التيمم، قضى ببطلانه بحسبانٍ مجرد؛ فإن المتيمم إذا رأى [سراباً] 4 ظنه ماءً، ثم تبين أنه ليس بماءٍ، لزمته إعادةُ التيمم بظنٍّ تحقق بطلانهُ.
ولو ارتدّ وتوضأ وهو مرتدّ، لم يصح [ذلك منه، ولو ارتد في خلال الوضوء، فإن أدى شيئاً وهو مرتد لم] 5 يعتدّ بما جاء به في ردته، وإن لم يأت بشيء، وأسلم
على قُربٍ -حتى لا نقع في تفريع تفريق الوضوء- فالنيةُ تنقطع بطريان الردّة؛ فإذا عاد، ولم يجدد نية في بقية الطهارة، لم يصح وإن أعاد [النية] 1 لمّا عاد مسلماً، فقد انقطعت النية، فيكون كما لو قطع المسلم النيةَ، وقسمها على أعضاء وضوئه: فنوى عند غسل الوجه رفع الحدث عن الوجه، وكذلك عند كل عضوٍ، ففيه خلافٌ سيأتي - إن شاء الله عز وجل.
...
باب سنة الوضوء
76 - ذكر الشافعي في هذا الباب 1 سننه وفرائضه.
وابتدأ بغسل اليدين ثلاثاً في ابتداء الوضوء.
فيستحب للمتوضىء أن يغسل يديه ثلاثاً، قبل غمسهما في الإناء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده " 2. خاطب بهذا العربَ، وكانت قد تقتصر في الاستجمار على الأحجار لعزّة الماء عندهم.
وربما كانت تطوف أيديهم على ما تحت الإزار، أو على بثراتٍ [بأبدانهم] 3، فتتنجس وهم لا يشعرون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل اليدين قبل غمسهما احتياطاً واستظهاراً.
ثم قال الأئمة: هذه السنة قائمة، وإن استيقن المرءُ طهارة يديه، ولا فرق بين أن يستيقظ من نوم، وبين أن يُقدم على الوضوء عن دوام اليقظة.
والذي يحقق هذا أنه عليه السلام ذكر إمكان تَطواف اليد على البدن، وقد يوجد ذلك من المستيقظ في غفلاته، ولعل ذلك أكثر وقوعاً من المتيقظ في تصرفاته وحركاته.
وإنما جرى ذكرُ النوم؛ لأنه مظنة الغفلة غالباً، وفي ذكر السبب المترتب على النوم ما يشعر بتعميم المعنى.
ولو استيقن المتوضىء طهارة يديه، فغسْلُ اليدين سنةٌ في حقه أيضاً، والسبب فيه أن أسباب النجاسة قد يخفى دركها على معظم الناس، فيعتقد المعتقد الطهارة على وجهٍ يرى اعتقادَه يقيناً، وليس الأمر على ما يعتقده، فاطّردت السنّة على الناس كافة.
وهذه كالعدّة المنوطة بالوطء، فإنها تجب لتبرئة الرحم، وقد تجب مع القطع ببراءة الرحم؛ تعميماً للباب، وسيجري تقرير هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال بعض المصنفين 1: " إذا استيقن المرء طهارة يديه، فلا عليه لو غمس يديه، ولكنا نستحب غسلَ اليدين مع هذا ". وهذا عندي خطأ.
فليتقدَّم غسلُ اليدين على غمسهما؛ إذ الغرضُ تعميمُ رعايةِ الاحتياط في حقوق الناس، وذلك يتعلق بالماء.
ولو كان يتوضأ من قمقمةٍ، فيستحب غسلُ اليدين احتياطاً للماء الذي يصبّه على يديه، وينقله إلى أعضاء وضوئه.
77 - ثم ذكر الشافعي استحباب التسمية، فإذا أراد المتوضىء استفتاحَ الوضوء فينبغي أن يقول بسم الله.
قال النبي عليه السلام: " لا وضوءَ لمن لم يقل باسم الله " 2. والتسمية سنة؛ لا يبطل الوضوء بتركها سهواً ولا عمدا.
فصل
قال [الشافعي] 1: " ويغرف غُرفةً لفيه وأنفه ... إلى آخره " 2.
78 - المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل جميعاً.
ثم الذي نقله المزني أنه يغرف غرفة لفيه وأنفه، فذكر أنه يقتصر على غُرفةِ واحدة لهما.
ونقل البويطي 3 عن الشافعي أنه يغرف [غرفة لفيه و] 4 غُرفة لأنفه.
فاختلف أئمتنا، فقال بعضهم: في المسألة قولان: أحدهما - الأوْلى الاقتصارُ على غُرفةٍ واحدة، توقِّياً من السرف في استعمال الماء؛ إذ هما كشيء واحد، وبذلك لا يَغرف لكل مرّة من مرّات المضمضة غُرفة، ويأخذ لكل غسلة من غسلات وجهه غُرفة.
والثاني - أنه يأخذ غُرفتين؛ فإن المضمضة والاستنشاق سنتان مُتعلقتان بعضوين.
وقال بعض الأئمة: ما نقله المُزني محمولٌ على الأقل.
وما نقله البويطي محمول على الأكمل.
وقد روى عبدُ الله بنُ زيد 5 وضوءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر " أنه غَرف غُرفة واحدة لهما " 6.
وروى عثمانُ وعليٌّ رضي الله عنهما وضوءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا " إنه غرف غرفة لفيه وغرفة لأنفه " 1.
فإن قلنا: يغرف غُرفةً لفيه وغُرفة لأنفه، فينبغي أن يقدّم المضمضة، فيتمضمض ثلاثاًً بغُرفة، ثم يستنشق ثلاثاًً بغُرفة.
79 - وهذا الترتيب مستحقٌ أو مستحب؟ فعلى وجهين، ذكرهما شيخي: أحدهما 2 - أنه مشروط؛ فإنهما سنتان في عضوين مختلفين.
والثاني - ليس مشروطاً، ولكنّه مستحب، كتقديم اليمين على اليسار.
وإن حكمنا بأنه يغرف لهما غُرفة واحدة، فقد قال العراقيون تفريعاً على ذلك: ينبغي أن يخلط المضمضة والاستنشاق، فيتمضمض ويستنشق مرةً بما معه، ثم يفعل ذلك ثانية وثالثة؛ فإنّ اتحاد الغُرفة والاقتصارَ على ماء واحدٍ، يدلّ على أنهما في حكم شيء واحد.
وقطع أصحابُ القَفّال أن ترتيب الاستنشاق على المضمضة مأمور به، والخلطُ = المضمضة والاستنشاق، حديث متفق عليه (ر.
البخاري: الوضوء، باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة، وباب الوضوء من التَّور، ح 191، 199، مسلم: الطهارة، باب آخر في صفة الوضوء ح 235).
يجري إذا قلنا: الترتيب ليس مأموراً به، والخلط وإن أجزأ إذا لم نشترط الترتيب ليس مأموراً به.
هذا هو الصحيح.
ثم المبالغةُ في المضمضة مسنونةٌ وهي ردّ الماء إلى الغلصمة، وكذلك المبالغة في الاستنشاق، وهو تصعيد الماء بالنَّفَس إلى الخياشيم، من غير تكلّف شيء فيه إضرار، وإنما تُستحب المبالغة فيهما في حق غير الصائم، فأما الصائم، فمنهيٌّ عن المبالغة؛ قال النبي عليه السلام للقيط بن صَبِرَة: " أسبغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً " 1.
فصل
80 - غسل الوجه ركنٌ من الأركان فى الوضوء، شهد له الكتاب، والسنة، والإجماع.
وأول ما نعتني بذكره حدُّ الوجه.
نقل المُزني: أن حدَّ الوجه من منابت شعر الرأس إلى أصول الأذنين، ومنتهى اللحية 2.
وهذا مأخوذٌ عليه؛ فإنه تعرّض لحد وجوه الملتحين، والغرض حدُّ الوجوه كلها.
والشافعي قال: " حد الوجه من منابت شعر الرأس إلى أصول الأذنين، ومنتهى اللحيين، وهما العظمان المكتنفان للوجه، يلتقي طرفاهما عند الذقن، وعليهما منابت الأسنان السفلى " 3.
فإن قيل: ما ترون في الأصلع والأغمّ؟
قلنا: سنذكر المذهبَ فيهما، ولكنهما لا يخرمان الحدّ؛ فإن موضع الصلع منبتُ شعر الرأس، وإن انحسر الشعر عنه بسببٍ، والجبهة وإن نبت الشعر عليها ليست منبت شعر الرأس.
وذكر الأصحاب عبارةً قريبةً في ذلك، فقالوا: حدّ الوجه في الطول من منحدر تدوير الرأس أو من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى ما يُقبل من الذقن، وفي العَرْض من الأذن إلى الأذن.
قال الشافعي: مواضع التحذيف من الوجه.
وهذه لفظةٌ فيها بعض الغموض.
والذي مال إليه قلبي بعد البحث أن موضع التحذيف يحويه خطٌّ مبتدؤه الطرفُ الأعلى المقبل على الوجه من الأذن ومنتهاه الطرف الأعلى من الجبهة المتصل بالرأس، ونفرض هذا الخَطَّ مستقيماً بين هاتين النقطتين فيقع مورّباً 1 في الباطن.
ولو قال قائل: التحذيف يحويه خطان محيطان بزاوية قائمةٍ، يذهب أحدهما طولاً من الطرف الأعلى من الأذن، حتى إذا حاذى أولَ تسطيح الجبهة انتهى، ثم يمتد منه خط إلى طرف الجبهة، كان أدخل في الوجه شيئاً من الرأس، فهذا ما أظُنّه، فإن وَقف مُوفَّق على مزيد بيان في ذلك، ألحقه بالكتاب 2.
وقد قيل: سئل الشافعي عن الوجه، فدعا بحالق حتى حلق موضع التحذيف منه،
ثم أشار بيده إلى الوجه، فقد يظن أن على موضع التحذيف شعراً، وهو كذلك، ولكنّه ليس بالخشن.
وهو الذي يعتاد النساء نتفه.
ولو قيل: مواضع التحذيف هو الجبينان من جانبي الجبهة، ثم يُبَيّن منتهاهما الخطُّ المورّب الذي ذكرته، كان قريباً.
والنزعتان من الرأس، وهما خطان محيطان بالناصية.
ومما يتعلق بما نحن فيه أن موضع الصلع من الرأس وفاقاً.
وأما موضع الغمم، فكان شيخي يقطع بإيجاب إيصال الماء إليه، ويعدُّه من الوجه، وهو ما ذكره الأئمة.
وذكر بعض الأصحاب أن شعر الأغم إن استوعب جميع الجبهة إلى الحاجب، وجب غسل الجميع، وإن أخذ بعضَ الجبهة، ففي وجوب غسل ذلك المقدار وجهان.
وعندي أن هذا على هذا الوجه غلط، والذي يدور في ظني منه: أن الأغم قد تخالف خلقةُ رأسه خلقة رأس غيره، فلا ينقطع شكل تدوير رأسه عند انقطاع شكل رأس غيره، بل ينتأ [ويبدو] 1 شيءٌ من أوائل جبهته متصلاً بتدوير رأسه، وهو الذي يسمى الأكبس 2، ولكنه مقبل في صفحة الوجه، ومثل هذا لا يكون في جميع الجبهة.
فالوجه عندي في ذلك أن الجبهة إن كانت على شكلها في التسطيح، فيجب غسلها، سواء نبت الشعر في كلّها، أو في بعضها؛ إذ ليس بالشعر اعتبارٌ.
وإن دخل في مرأى العين شيءٌ من صورة التدوير في حدّ الجبهة، فذاك فيه ترددٌ.
وعلى الجملة لا يتأتى استيعاب الوجه بالغسل إلا بأخذ أجزاء من الرأس؛ فإن الوقوف على حد الوجه مع تفاوت الخلق غير ممكنٍ، ولا داخل في المقدور، فهذا قولٌ 3، هو منتهى فكري في حد الوجه.
81 - ثم يجب إيصال الماء إلى منابت شعورٍ خفيفةً كانت أو كثيفةً.
وهي الحاجبان، والأهدابُ، والعذاران.
وهما الخطان المحاذيان للأذنين، والشارب.
ثم علّل أئمتنا إيجاب إيصال الماء إلى منابت هذه الشعور بعلتين: إحداهما - أنها تكون خفيفة في الغالب، فإن كثفت على ندور، فلا حكم للنادر.
والثانية - أن بياض الوجه محيط بهذه الشعور؛ فتلحق منابتها بالبياض المحيط بها.
وهذا ظاهر في الحاجب والأهداب والشارب، والعذارُ كذلك، فإنه يُقبل على بياض الوجه من جانب، وبينه وبين الأذن خط أبيض، لا شعر عليه، وهو من الوجه.
82 - وأما شعر العارض وهو ما ينحط عن الأذن، وشعر الذقن؛ فإن كان كثيفاً، لا يجب إيصال الماء إلى منبته، وإن كان خفيفاً، يجب.
والخفيف: الذي يبدو منبته للناظر الجالس من المنظور إليه مجلس المخاطب.
ويمكن أن يُقال: الكثيف هو الذي يحتاج في إيصال الماء إلى منبته إلى تكلّف.
83 - ثم من الكلام البيّن الذي يتعين ذكرُه ما أذكره، وكم من بيِّن لا يُعتنَى به؛ ثم تعثُر فيه الأئمة عند مغافصة 1 الأسئلة.
فأقول: المنبت الذي فصّلته في العارض والذقن هو ما يجب غسله من الأمرد والمرأة، فإذا ستره الشعر، ففيه ما ذكرته.
ثم كل شعر يجب غسل منبته يجب استيعاب جميع الشعر بالماء؛ إذا كان في حدّ الوجه، وحدُّ الوجه يُرجَعُ فيه إلى وجوه المُرْد، فإن وُجد 2، غُسِل المنبت، وما هو في حدّ الوجه.
فلو طال الشعر، وخرج في [جهته] 3 عن حدّ الوجه، فهل يجب إيصال الماء إلى منتهاه؟ فعلى قولين للشافعي: أحدهما - يجب؛ حتى لا يتبعض
حكم [الشعر] 1 والثاني - لا يجب؛ فإن المغسول هو الوجه، أو 2 الشعر الكائن في حده، فأما الزائد، فليس في حدّ الوجه.
وللأول أن يقول: اللحية تعد من الوجه اسماً وإطلاقاً.
84 - ولو كثف شعر الذقن، وقلنا: لا يجب إيصال الماء إلى منبته، فيجب إيصال الماء إلى ظاهر ما هو في حدّ الوجه، فأما الزائد، فهل يجب إمرار الماء عليه إلى منتهى اللحية؟ 3 فعلى القولين المقدمين، ثم ذكر الزبيري 4 صاحب الكافي فيما ذكره 5 العراقيون: أنا إذا أوجبنا إفاضةَ الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية الكثيفة، فقد أوجبنا إمرار الماء على الوجه البادي من الطبقة العليا.
وهل يجب إيصال الماء إلى الوجه الآخر من تلك الطبقة؟ فعلى وجهين: أحدهما - يجب حتى تصير الطبقة مستوعَبةً ظاهراً وباطناً.
وهذا إنما وقع له من جهة أنا أوصلنا الماء إلى منبت هذه الطبقة في الجهة البادية.
وهو خطأ محض، لا ينبغي أن يُعد من المذهب.
85 - وأما العَنْفَقَة، فإن كانت خفيفةً، وجب إيصال الماء إلى منابتها، وإن كانت كثيفة، ففيها وجهان؛ لترددّها في الشبه بين العذار والشارب، وبين شعر الذقن.
فرع:
86 - غَسل الوجه ثلاثاًً مأمور به؛ والفرض غسلةٌ واحدة، إن استوعبت الوجه، والثانية والثالثة سنة.
فلو أغفل المتوضىء لمعةً في الغسلة الأولى، واعتقد أنه استوعب الوجه بها، فغسل ثانية وثالثة على اعتقاد السنة، واستوعب، ففي سقوط الفرض وجهان مشهوران، وهما مرتبان على وجهين، سبق ذكرهما فيمن نسي نية رفع الحدث، وأدى بقيةَ الطهارة على قصد التبرد.
وسقوطُ الفرض فيما ذكرناه في الغسلة الثانية أوجَهُ، من جهة أن نية الوضوء مشتَملةٌ، فليست منسيةً، وهو إنما قصد السنة قصداً مبنياً على أن الأُولى استوعبت، وأما إذا نسي النية قُربةً، وجرد قصدَ التبرد 1، فليس للنية في ذكره جريانٌ أصلاً.
فرع:
87 - إذا شك، فلم يدْرِ أغسل مرتين أو ثلاثاً، فالذي ذكره شيخي في تصنيفٍ له يسمى "التبصرة" أنه يقتصر على ما جرى منه 2، فإنه إن غسل مرة أخرى، كانت مترددة بين الرابعة -وهي بدعة-، وبين الثالثة، وتركُ السنة أهون من اقتحام البدعة، وليس كالمصلي إذا شك في أعداد ركعات الفريضة؛ فإنه يأخذ بالأقل؛ حتى يستيقن أنه قد أدى الفرض، والمشكوك فيه ليس بفرضٍ هاهنا.
وقال غيره: إذا شك، غسل غسلة أخرى؛ فالبدعة اعتمادُ غسلةٍ رابعة من غير سبب يقتضيه، وإذ ذاك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من زاد، فقد أساء وتعدّى وظلم " 3، على أن الغسلة الرابعة وإن كانت مكروهة، فليست بمعصية.
وقوله:
"أساء" معناه تَركَ الأوْلى، وتعدى حدَّ السنة، ووضَع الشيء في غير موضعه.
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يخلل لحيته " 1 وهي من السنن في اللحية الكثيفة.
وإن كانت خفيفة، وجب إيصال الماء إلى المنابت، والشعور على التفصيل الماضي.
فصل
88 - غسل اليدين من أركان الوضوء، ويجب استيعابهما مع المرفقين.
و "إلى" في قوله تعالى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]، محمول عند معظم العلماء على الجمع والضم.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "أدار الماء على مرفقيه"، ثم قال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " 2. = ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه، ح 422، التلخيص: 1/ 408 بهامش المجموع).
89 - فإن قُطعت اليد من الكُوع، أو من نصف الساعد، يجب إيصال الماء إلى ما بقي من محل الفرض.
وإن صادف القطعُ ما فوق المرفق، سقط الفرض من هذه اليد بسقوط محله، ولكن لو أمسّ عضدَه ماءً، كان حسناً؛ فإنا نستحب للسليم أن يغسل شيئاًً من عضده، وهو الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم تطويل 1 الغرة، وقد يُظن أن سبب الأمر بغسل طرف العضد الاستظهارُ به ليتيقن غسل محل الفرض من اليد، وليس الأمر على هذا الإطلاق؛ فإن تطويلَ الغرّة سنةٌ مقصودة في 2 نفسها، وإن كان يندرج تحتها استيقان الاستيعاب.
= الحديث، وكذا ضعفه أحمد وابن معين، وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات، ولم يلتفت إِليه في ذلك، وقد صرح بضعف هذا الحديث ابن الجوزي والمنذري، وابن الصلاح والنووي وغيرهم، ثم قال الحافظ: ويغني عنه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة أنه توضأ حتى أشرع في العضد، ثم قال: "هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ.
وأما الزيادة، فلم ترد في هذا الحديث، بل هي في حديث آخر (ر.
تلخيص الحبير: 1/ 343 بهامش المجموع، مسلم: الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء ح 246، سنن البيهقي: 1/ 56، سنن الدارقطني: 1/ 83).
والدليل على أن غسل العضد مقصودٌ، أن من اعتلّ وجهُه، وعسر عليه إيصالُ الماء إلى محل الفرض، فلا يُستحب إيصال الماء إلى أجزاءَ من رأسه، لما يُرى 1 غسلُها مع الوجه استظهاراً.
90 - وإن صادف القطع مفصلَ المرفق، وهو مركب من منتهى الساعد، وطرف العضد، والطرفان متداخلان، فإذا انفصل عظمُ الساعد، وبقي من طرف العضد ما كان مداخلاً في طرف الساعد - فظاهر ما نقله المزني أنه لا يجب غسل ذلك؛ فإنه قال: " فإن كان أقطعَهما من المرفقين، فلا فرض عليه فيهما " 2.
وروى الربيع عن الشافعي أنه قال: فإن كان أقطعهما فوق المرفقين، فلا فرض عليه فيهما 3 4. = أحد النظيرين، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البرد.
على أنه قد ورد في بعض روايته: "فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله" فإِن كان مراد المصنف أن تطويل التحجيل مستحب، ونبّه بذكر نظيره من الغرة عليه، فلا محذور فيه، سوى ما فيه من الإِبهام والله أعلم" ا. هـ بنصه (مشكل الوسيط: 1/ 32 أ) عن هامش الوسيط: (1/ 262). أما الإِمام النووي، فكان رفيقاً رقيقاً في تعليقه، حيث قال في التنقيح: "قال أصحابنا وغيرهم: الغرة في الوجه، والتحجيل في اليدين والرجلين، وهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهو سنة.
وأطلق المصنف عليه الغرة مجازاً لمقاربَه الغرة، في قوله صلى الله عليه وسلم: " تأتي أمتي يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل" ا. هـ بنصه (ر.
التنقيح للإِمام النووي - بهامش الوسيط - 1/ 262).
فمن أصحابنا من غلّط المزني في النقل؛ فإن المِرفق عضوٌ مغسول، وقد سقط بعضُه، فوجب غسلُ باقيه.
ومنهم من جعل المسألة على قولين: أحدهما - يجب غسل الباقي.
وقد سبق توجيهه.
والثاني - لا يجب؛ لأن الغرض بغَسل المرفق ما فيه من عظم الساعد، وهو المقصود بالغَسل، ولكن لا يتأتى غسلُ ما يحاذيه من البَشرة إلا بغسل جميع المرفق، فإذا سقط عَظمُ الساعد، فقد سقَط المقصود، فسقط التابع.
وقال بعض أئمتنا: القولان مبنيان على أن اسم المرفق يتناول العظمين المتداخلين جميعاًً، أم يتناول طرفَ عظم الساعد فحسب ولكن مستقره طرف عظم العضد؟ فعلى قولين.
وكل ذلك خبطٌ.
والوجه القطع بإيجاب غسل ما بقي.
فصل
91 - إذا انكشطت جلدةٌ من الساعد، فإن تدلّت، فيجب غسلُ تيك الجلدة؛ فإن أصلها ثابت في محل الفرض، وقد صار ما ظهر مِمّا كان باطناً كالبشرة، وإن انقطعت الجلدة، واتصل طرفٌ منها بالعضد، والتصق به، والباقي منه متجافٍ، فيجب غسل كلا وجهيه من موضع التجافي، نظراً إلى أصله، ولا يجب قلعُ موضع الالتصاق، ولكن يجب إيصال الماء إلى الوجه الظاهر؛ لأن محل الالتصاق وإن كان تحته العضد؛ فإنها جلدةُ الساعد.
= ما نصه: " واعلم أن الربيع حيث أطلق في كتب المذهب، المراد به: المرادي، وإِذا أرادوا الجيزي، قيدوه بالجيزي ".
والربيع المرادي هو أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي، مولاهم المصري المؤذن، صاحب الشافعي، وخادمه، وهو أكثر أصحاب الشافعي رحمه الله رواية عنه، وهو راوية كتبه، حتى سمي راوية الشافعي، تكرر ذكره في المهذب، والوسيط، والروضة، توفي سنة 270 هـ (ر.
تهذيب الأسماء واللغات: 1/ 188، طبقات السبكي: 2/ 132).
وذكر العراقيون أنه لا يجب غسل ما هو في حدّ العضد، وإنما يجب غسل ما هو في حد المرفق والساعد.
وهذا غلط.
ولو تدلّت جلد من العضد، ولم تلتصق بالساعد، لم يجب غسلها، نظراً إلى أصلها.
وإن التصق طرفٌ منها بالساعد، فلا يجب غسل شيء منها إلا الوجه البادي في محل الالتصاق؛ فإنا لا نوجب القلعَ، فنقيم ذلك القدرَ في محل الالتصاق مقام ما استتر به، ويجب غسل ما تحتها من الساعد في محل التجافي، لا محالة.
92 - ونقل العراقيون نصاً للشافعي، وقالوا: قال رحمه الله: " لو نبت لإنسانٍ يدٌ زائدة من عضده أو كتفه، فإن كانت بحيث (1 لو امتدت، لم تحاذ شيئاًً من محل الفرض في اليد الأصلية، فلا فرض فيها، وإن كانت بحيث 1) [لو امتدت] 2 [يحاذي طرف] 3 منها شيئاًً من محل الفرض في اليد الأصلية، فيجب غسلُ المقدار المحاذي؛ فإنه اجتمع فيه المحاذَاة واسم اليد " 4، وهذا نقله بعض أئمتنا، كما نقلوه عن الإمام الشافعي، والمسألة محتملةٌ جدّاً؛ إذ محلُّ الفرض العضو الأصلي.
ولا خلاف أنه لو نبتت له سِلعةٌ 5 من العضد، وكانت بحيث تمتد إلى الساعد، فلا يجب غسل شيء منها إذا كانت متدلية غير ملتصقةٍ.
ولكن لم أر في المسألة إلا نقلَ النص للأصحاب.
93 - ولو كانت يمينان لا يتبين الأصلية منهما، فيجب غسلُهما جميعاًً وفاقاً، وهذا في يدين التبس أمرُهما، ومنبتهما من الإبط.
ولو كانت إحدى اليدين أصلية1
والأخرى زائدة، ومنبتهما دون المرفق، فيجب غسل الزائدة؛ إذ لو كانت سِلعةً، لوجب غسلها لكونها على محل الفرض.
فصل
قال: " ثُمَّ يَمسَحُ رأْسَهُ ثلاثاًً ... إلى آخره " 1.
94 - نذكر أقل ما يُجزىء من المسح، ثم نذكر أكمله.
فأما الأقل، فالقول فيه يتعلق بمحل المسح، وبالمقدار المفروض منه.
فأما المحل فبشرة الرأس، أما الشعر النابت عليها إذا لم يخرج عن حدّ الرأس، فإن أوقع المسح على طرفِ شعير خارجٍ عن حدّ الرأس، لم يعتد به، وإن تساقط الشعر وزايل المنبتَ، ولكن لم يخرج عن حدّ الرأس، فيجوز إيقاع المسح عليه، فإنه في حد الرأس.
ولو كان الشعر متجعداً، وكان تجعده في حد الرأس، ولكن كان بحيث لو مُدَّ، لخرج طرفُه عن حد الرأس، فالطرف الذي يخرج بالمدّ عن حدّ الرأس لا يجزىء إيقاع المسح عليه 2.
ويجوز إيقاع المسح على أصل الشعر، وما لا يجاوز منه حدّ الرأس، وإن لم يجز إيقاعه على الطرف الذي يخرج عن حَد الرأس.
95 - فأما المفروض؛ فما ينطلق عليه اسم المسح، وإن قل.
والمعتمد الذي إليه الرجوع أن استيعاب الرأس بالمسح غيرُ واجب؛ إذ "مسح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بناصيته، وعلى عمامته" 3، ولفظ المسح غير مُشعرٍ
في وَضع اللسان بالاستيعاب؛ فالمأمور به مسحُ بَعضِ الرأس، وهو ينطلق على ما قل وكثُر، والمصير إلى التقدير من غير توقيف تحكّمٌ، ثم قال الأئمة: لو مسح بعضاً من شعره، كفى؛ لتحقق الاسم.
96 - وحكى الشيخ أبو علي 1 عن بعض الأصحاب - اشتراط إيصال الماء إلى ثلاث شعرات، وهذا القائل أخذ مذهبه من اشتراط حلق ثلاث شعرات للتحلل من النسك، وهذا غلط؛ فإن الحلق في ألفاظ الشارع منوطٌ بالشعر، والشعر لفظُ جمعٍ؛ فَحُمِل على ما هو أقل الجمع.
والشعر ليس معنياً مقصوداً في المسح.
ولو قيل: الأصل الرأس، والشعر قائم مقامه، وإن لم ينزل منزلة الأبدال، لم يكن بعيداً.
وقد سقط إيجاب الاستيعاب، وبطل التقدير، فتعين الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسم، والحلق متعلِّقٌ بالشعر لا محالة.
فرع:
97 - لو غسل جزءًا من رأسه، سقط الفرض به وفاقاً؛ فإن المسح وإن كان هو المنصوص عليه، فالغَسل فوقه؛ فإجزاء المسح مُنبهٌ على الغَسل من طريق الأولى.
ولو بلّل الرجل يده، فلَطَم بها رأسَه، ولم يُجر ماءً، ولا أمرّ يداً، ففي سقوط الفرض وجهان: أحدهما -وهو الذي اختاره القفال- أنه لا يجزىء؛ لأن المرعي فيه ما يسمى مسحاً، والذي ذكرناه ليس مسحاً ولا غسلاً.
والثاني -وهو الذي لا يتجه عندي غيرُه- أنه يُجزىء 2؛ لأن الغرض وصولُ الماء إلى الرأس، وقد تحقق، ولا يجوز أن يُعتقد [تعبدٌ] 3 في كيفية إيصال الماء، وقد
ظهر أن المقدار الذي ابتلَّ من الرأس كافٍ، فلا أَرَب في إمرار اليد، والقدر المبتل باللطم هو المقدار المبتل بهيئة المسح.
فرع:
98 - فهمتُ من مجاري كلام أئمة المذهب تردداً في أن الغَسل هل يُكره إلحاقاً بالسرف في استعمال الماء؟
فالذي ذهب إليه الأكثرون أنه سرفٌ كالغسلة الرابعة.
وصار صائرون إلى أن المسحَ في حكم التخفيف، فإن اتفق الغَسل، لم يكن سَرفاً.
وهذا القائل يحتج بأن تكرير المسح بمياه جديدة إذا فرض على التوالي، يؤدي إلى الغسل؛ فإن الغسل إجراءُ الماء، وغالب ظني أن الماء يجري بهذا.
ولم أر أحداً يستحب الغسل، [ولو لم] 1 يكن الغسل في الشرع سرفاً، لكان محبوباً.
ولا خلاف أن غسل الخف بدلاً من المسح مكروه، فإنه تعييبٌ للخف بلا فائدة.
فرع:
99 - إذا ألقى المسح على الشعر، ثم احتلق، فالذي قطع به الأئمة أن ذلك غيرُ ضائر؛ فإن سقوط محل الفرض بعد أدائه لا يردّ حكم الحدث؛ والحدث بعد ارتفاعه بالطهر لا يعود حكمه إلا بحدث.
وحكى العراقيون عن ابن خَيْران 2 3 أنه نَزَّل حلق الممسوح من الشعر منزلةَ نزع
الخف في حق الماسح، وهذا إنما تخيله من حيث إنه حسب الأصل في محل المسح بشرةَ الرأس، فقدّر الشعر بدلاً عنها، وهذا بعيدٌ جداً، وهو غيرُ محسوب من المذهب.
ولو قَلَّم المتوضىء أظفاره، فقد بدا بالقَئم من الظُّفر ما كان [مستترا] 1 بالجَلْق 2، فلا يجب إيصال الماء إلى البادي عن الظفر، وابن خيران فيما أظن لا يخالف في ذلك، وإنما بنى ظنّه في حلق الشعر على ما ذكرته من اعتقاده أن الأصل بشرة الرأس، ومثل هذا لا يتحقق في الظُّفر.
فهذا منتهى ما أردنا في ذكر المفروض من المسح.
100 - فأمّا الأكمل، فاستيعاب الرأس بالمسح سنة، وقد فرضه مالك 3. ثم التكرار في مسح الرأس مستحب عن الشافعي بمياهٍ جديدة.
فإن أراد أن يستوعب الرأس [بلل يديه وألصق] 4 أطراف الأصابع بأطراف الأصابع، وبدأ بمقدمة رأسه ومرّ = (جرير) على الإِمام بابن (خيران)، وخطورة هذا التصحيف هنا لا تتعلق بنسبة قول إِلى غير صاحبه فحسب، (على ما في ذلك) بل بتقرير المذهب، وتكوينه، ونسبة ما ليس منه إِليه، قال النووي: " وحكي عن مجاهد والحكم، وحماد وعبد العزيز من أصحاب مالك، ومحمد بن جرير الطبري: أنهم أوجبوا طهارة ذلك العضو، ووقع في النهاية والوسيط، في هذه المسألة غلط، فقالا: لا يلزمه غسل ذلك خلافاً لابن خَيْران، فيقتضي هذا أن يكون وجهاً في المذهب، فإن أبا علي بن خيران، من كبار أصحابنا أصحاب الوجوه، ومتقدميهم في العصر والمرتبة، ولكن هذا غلط وتصحيف، وقد اتفق المتأخرون على أن هذا غلط، وتصحيف، وأن صوابه: "خلافاً لابن جرير" بالجيم، وهو إِمام مستقل، لا يعدّ قوله وجهاً في مذهبنا، وقد نقله أصحابنا العراقيون، والخراسانيون أجمعون، والغزالي أيضاًً في البسيط عن ابن جرير.
والله أعلم (المجموع: 1/ 393، والتنقيح: 1/ 270، ومشكل الوسيط بهامش الوسيط: 1/ 270).
بهما إلى القفا، ثم أعادهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم يأخذ ماءً جديداً ويمسح كذلك ثانية، وثالثة؛ وسبب ردّ اليدين من القفا إلى مقدمة الرأس أن الإمرار من الناصية إلى القفا يُضجعُ الشعورَ، ثم ردّهما يقلبها، فيحصل بالإمرار الأول والرد استيعابُ الشعور.
قال أبو بكر الصيدلاني: إنما يَرُدّ الماسح يَده من قفاه، إذا كانت على رأسه شعور تنقلب بترديد الماء.
فأما إذا كان الرأس محلوقاً، أو كان عليه ذَوائب، فلا معنى لترديد اليد.
ولو مسح الرجل طرفاً من رأسه، ثم مسح طرفاً آخر، لم يكن ذلك من التكرار، وإنما هو مُحاولة الاستيعاب، والاستيعاب سنّة منفصلة عن التكرار.
وردّ اليد من القفا إلى الناصية من طلب الاستيعاب.
فرع 1:
قال: " ويمسح أذُنيه ظاهرهما وباطنهما بماء جديد " 2 وهذا كما قال.
101 - مسح الأذنين سنة مؤكدة، ولا بد من أخذ ماء جديدٍ لهما، ولو مسحتا بالبَلَل الباقي على الرأس، لم يعُتد بذلك، والأذنان عضوان على حيالهما، ثم المستحب إيصال الماء إلى داخل صدفة 3 الأذنين وظاهرهما، فيأخذ المتوضىء البللَ بيديه، ويُدخل مُسبّحتَيهِ في صماخَي 4 أُذنيه، ويُديرهما على المعاطف، وُيمرّ الإبهامين على ظهور الأذنين.
وكان شيخي يقول: يلصق بعد ذلك كفّيه المبلولتين بأذنيه طلباً للاستيعاب.
والتكرارُ محبوب في مسحهما، كما ذكرناه في الرأس.
وكان شيخي يذكر وجهين في أن مسح الرقبة سنّةٌ، أو أدبٌ، وكان يروي أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: " مسح الرقبة أمانٌ من الغُلّ " 1 ويقول: " لم يرتض أئمةُ الحديث إسنادَه، وسببُ التردد في تسميته سنةً هذا ".
ولستُ أرى لهذا التردد حاصلاً، ولم يجر مثلُه في غير ذلك 2، ولم يذكر الصيدلاني مسحَ الرقبة في كتابه أصلاً.
فصل
قال: " ثُمَّ يغسِلُ رِجلَيه ثلاثاً ... إلى آخره " 3.
102 - غَسْل الرجلين مع الكعبين من الأركان، والكعبان هما العظمان البارزان من
الجانبين، وهما مَجْمع مفصل الساق والقدم، وعليهما الغَسل - كالمرفقين.
ويجب إيصال الماء إلى خلل الأصابع، لا محالة، فإن استيقن المتوضىء ذلك، استحببنا مع ذلك تخليل أصابع الرجلين، وهو من السنن المؤكدة.
وفي الأحاديث المتفق على صحتها ما روي أن لَقيطَ بنَ صَبرة قال للنبي عليه السلام: عَلّمني الوضوء يا رسول الله فقال: "أسبغ الوضوءَ، وخَلّل بين الأصابع، وبَالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً"، ثم صح في السُنة من كيفية التخليل ما سنصفه، فيقع 1 التخليل من أسفل الأصابع، والبدايةُ بالخنصر من الرجل اليمنى، والختم بالخنصر من الرجل اليسرى، والتخليل يقع بالخنصر من اليد.
ثم لست أرى لتعيين [اليد] 2 اليمنى أو اليسرى في ذلك أصلاً، إلا نهي الاستنجاء باليمين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن الاستنجاء باليمبن إكراماً لها" 3، وليس تخليل الأصابع مشابهاً له، فلا حرج على المتوضىء في استعمال اليمين أو اليسار؛ فإن الأمر كذلك في غسل الرجلين، وخلل الأصابع جزء منها، ولم يثبت عندي في تعيين إحدى اليدين شيء.
فصل
103 - الترتيب مستحق في الوضوء، وترتيب اليسرى على اليمنى في اليدين والرجلين مستحب.
ولا يمتنع أن يقال: ليس هذا من خصائص الوضوء؛ فإنه مأخوذ من قول عائشة رضي الله عنها " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء، حتى في تنعُّله إذا انتعل، وفي ترجُّله إذا ترجّل، وفي شأنه كله " 4،
ولو ترك المتوضىء الترتيب ناسياً؛ فالمذهب أنه لا يُعتدّ بوضوئه.
104 - وكان شيخي يحكي قولاً آخر في القديم أن الناسي معذور في ترك الترتيب، وكان يبني هذا على قول الشافعي، في أن من ترك قراءة الفاتحة ساهياً هل يُعذر؟
ويقول: وجه التقريب في ذلك أن قراءة الفاتحة تسقط عن المسبوق إذا صادف الإمامَ راكعاً، والترتيبُ يسقط عن المحدِث إذا اغتسل، كما سنشرحه؛ فاقتضى ذلك تقريباً بينهما في حق الناسي.
وهذا عندي إن صح النقل عنه، فهو في حكم المرجوع عنه الذي لا يُعدّ من المذهب، أما الغسلُ، فلا ترتيب فيه أصلاً؛ فإن البدن فيه في حكم العضو الواحد.
ولو أحدث الرجل وأجنب، كفاه الغُسل، ولا يجب عليه إيصال الماء إلى أعضاء وضوئه مرتين، مرةً [عن] 1 الوضوء، ومرةً [عن] (1) الغسل، وذهب أبو ثور إلى أنه يجب أن يتوضأ ويغتسل، فنسب بعضُ المصنفين هذا إلى بعض أصحابنا، وهو غلط صريح.
ثم إذا اندرج الوضوء تحت الغسل [كما] 2 ذكرناه؛ فقد اختلف أئمتنا في أنه هل يجب على المغتسل رعايةُ الترتيب في أعضاء الوضوء؟ فقال بعضهم: يجب ذلك؛ فإن الوضوء إنما يندرج تحت الغُسل فيما يوجد في الغسل 3، كما تتداخل العمرة في الحج فيما يوجد منهما في حق القارن، فيطوف طوافاً واحداً، ويسعى سعياً واحداً، ولا تداخل فيما اختص به أحد النسكين؛ فإنّ القارن يقف ويرمي ويبيت، وإن لم تكن هذه المناسك في العمرة.
كذلك الوضوء يندرج تحت الغسل، فيما يتعلق بالغسل وإيصال الماء، فأما الترتيب فمما يختص الوضوء به، فيجب الإتيان به.
وقال بعضهم: لا تجب رِعاية الترتيب، وهو الأصح؛ فإن الترتيب ليس ركناً مقصوداً، وإنما هو هيئة وكيفية في أداء الأركان، فإذا اندرج فعل الوضوء تحت