نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 125-135
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ الجراح

صفحات 125-135
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

القصاص عليه لو فرض في الجناية الموجبة للقصاص؛ فإنه بمثابة الآلة، وإن قلنا: موجب الجناية يتعلق برقبته.
ولو كان الصبي أو المملوك مميزاً، ولم يكن بحيث يُستشلى استشلاء السبع، فإن لم يوجد إكراه، لم يتعلق الضمان [بالآمر] 1، وتعلق موجب الإتلاف برقبة العبد لا محالة، وإن اكره مثلَ هذا الشخص، وتحقق الإكراه والقتلُ قتلُ قود، فيجب القصاص على المكرِه، ثم إن كان القاتل عبداً مملوكاً صبياً، [فهل يتعلق موجب الجزاء برقبته؟] 2 هذا عندنا مفرع على أن المكرَه هل يلتزم شيئاًً من الدية، فإن قلنا: إنه يلتزم لو كان حراً، فصدور هذا من العبد بمثابة فعل مختار منه في التعلق بالرقبة.
وإن قلنا: لا يلتزم شيئاًً أصلاً، وهو بمثابة آلته، فينزل منزلة العبد الذي لا اختيار له أصلاً، ولا تمييز، وقد ذكرنا الخلاف في أنه إذا كان كذلك، فهل يتعلق برقبته موجَبُ إتلاف أم لا؟ ولا حاجة إلى مزيد في التصوير، فإن من أحاط بما ذكرناه، [هان عليه ترك ما سواه] 3. فصل "ولو قتل مرتدٌّ نصرانياً ... إلى آخره" 4. 10381 - قد ذكرنا فيما تقدم الترددَ في أن المرتد هل يستوجب القود بقتل النصراني الذمي، وذكرنا في قتل النصراني المرتدَّ الخلافَ أيضاًً، فأجرينا اختلاف الطرق في قتل المرتد، وقد قدمنا التفصيل في قتل الزاني المحصن، وأتينا بتمام البيان، ولو قتل زان محصن مسلم كافراً ذمياً أو مرتداً، فلا قصاص عليه، وإن كان مباح الدم؛ لأنه يفضُل مقتولَه بالإسلام، ويستحيل عندنا إيجابُ القود ابتداء على مسلم بقتل كافر، على أي وجه فرض وقدُّر.

فصل قال: "ويقتل الذابح دون الممسك ... إلى آخره" 1. 10382 - قصد رضي الله عنه الرد على مالك 2؛ إذ جعل الممسكَ شريكاً في القتل، وقاعدةُ المذهب أن الأسباب في القتل يسقط أثرها مع المباشرة الصادرةِ عن الاختيار التام من المباشر، وتقع الإحالة إليها، وتزول آثار الأسباب معها، إلا فيما يتعلق بالمأثم، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سعى في دم أخيه المسلم ولو بشق كلمة، حشر يوم القيامة ومكتوب على جبينه: الآيسُ من رحمة الله" 3 والمكرَه على القتل مباشر، ولكن اختيارَه ليس بمستقل؛ من جهة أنه [ملجأ] 4 إلى اختياره 5، والإكراه مشتبه بالمباشرة، من حيث إنه يُفضي إلى حصول

القتل غالباًً، وقد مضى تأصيل المذهب وتفصيله في المكرِه والمكرَه.
والمباشِر مع الممسك كامل الاختيار، وليس محمولاً على اختياره، فيسقط حكم الإمساك لقوة المباشرة.
وإذا [باع] 1 رجل طعاماً مسموماً إلى من يغلب على القلب أنه يأكل منه، فهذا محطوط عن رتبة الإكراه؛ من حيث لا إجبار، ولكنه من جهة إفضائه إلى الهلاك يضاهي الإكراه، والمتناول مباشر مختار، [وفي منزلة ما جرى من السبب] 2 قولان تقدم ذكرهما، فالمراتب في مطلوبنا ثلاثٌ: مباشرة تامة مع سبب لا يتضمن حملَ المباشر على المباشرة.
ومباشرة مع سبب يقتضي [حمل المباشر حملَ إجباراً] 3. ومباشرة مع سبب يقتضي حمل [المباشر] 4 من طريق الاغترار.
ولو أمسك الممسك عبداً، فقتله قاتل، [فقرار] 5 الضمان على القاتل، والطَّلِبة تتوجه على الممسك لمكان اليد الضامنة.
وهذا من قواعد الغصب، وقد مضى القول فيها.
ولو أمسك محرمٌ صيداً، فقتله محرم آخر، فالمذهب تنزيل هذا منزلةَ إمساك العبد وقتلِه، فالقرار على المحرم القاتل، وتتوجه الطّلبة على الممسك؛ فإن صام، لم يرجع، وإن بذل مالاً في الجزاء، رجع على المحرم القاتل الممسكُ.
وذكر العراقيون وجهين أن الممسك في الصيد بمثابة الشريك، وهذا بعيد، ووجهه -على البعد- أن الجزاء فيه مَشَابه [من] 6 الكفارات، وقد ثبت تعلق الضمان = نظائر في النظريات لا تحصى، تاهت فيها عقول الضعفاء فليستدل بهذا القليل على الكثير" (ر.
المستصفى: 1/ 33).

باليد، والرجوع في الكفارة بعد ثبوت الضمان بعيد.
وهذا غير سديد، وقد تقدم شرح ذلك في كتاب الحج.
فصل قال: "ولو ضربه بما الأغلب أنه يقطع عضواً ... إلى آخره" 1. 10383 - غرض الفصل أن الجناية على الأطراف تنقسم إلى العمد المحض، والخطأ، وشبه العمد، كما تفصل، فإن ضرب رأس إنسان عمداً بما الأغلب أنه يوضحه، فهذا عمد محض، وإن ضرب رأسه بسوط لا يُقصد الإيضاح بمثله، فحصل الإيضاح وفاقاً، فالذي جرى شبه العمد، وإن قصد جداراً أو هدفاً بضربٍ، فاعترض إنسان وأصاب الضربُ رأسه، فأوضحه، فهو خطأ محض، وقد تختلف مراتب الأفعال بالأعضاء، فالعين تقصد بنخسةٍ بأصبع، فالرجوع في التقاسيم إلى ذوي العقول والعادات، وسيأتي في باب الجناية على الأطراف تفصيلٌ بالغ في أن الأطراف هل تقصد بالسرايات؟ وكيف السبيل فيها؟ فصل "وإن كان الجاني مغلوباً على عقله ... إلى آخره" 2. 10384 - لا قصاص على الصبيان والمجانين، أما المجانين، فكالبهائم لا يفيد إجراءُ القصاص في بعضهم ردعَ الباقين، وأما الصبيان، فقصودهم ثابتة، ولكن الشرع حطّ حكمَها، ووقع الاكتفاء باستيلاء أيدي [القوّام] 3 عليهم، وقد مضى تفصيل الطرق فيه في كتاب الطلاق، وذكرنا أن الطريقة المثلى تخريج أحكامه فيما له وعليه في الأقوال والأفعال على قولين، ولا خلاف أن السكر ينزل منزلة الإغماء في إسقاط الصلوات التي تمر مواقيتها في السكر.

واختلف الأصحاب في أن السكر هل هو حدث كالإغماء، فمنهم من التفت إلى تخريج ذلك على القولين في السكران، والوجه جعله حدثاً؛ فإن باب الأحداث مبناه على وجود الحدث كيف فرض، مقصوداً أو غير مقصود، فهذا جوامع القول في ذلك، ولم نر الإطناب في تقرير كل قاعدة؛ فإن القواعد قد مضت في مواضعها.
فصل قال: "ولو قطع رجلٌ ذكرَ خنثى مشكل وأنثييه وشُفريه ... إلى آخره" 1. 10385 - الخنثى إذا بقي على إشكاله، فقطع رجل ذكره وأنثييه وشُفريه، فإن رضي المجني عليه بأن يتوقف إلى أن يتبين أمرُه، وكان ينتظر حيضاً أو إمناءً، توقفنا، ثم لا يخفى حكم البيان في المستقبل: فإن بان رجلاً، وجب القصاص على الرجل الجاني في ذكره وأنثييه، وللخنثى الحكومة في شُفريه، ولا يخفى المال إن آل الأمر إليه.
وإن بان أنثى، فلا قصاص، ولها الدية في الشُّفرين، وحكومةٌ [في] 2 الذكر والأنثيين.
وإن جَنت امرأةٌ ثم تبين أمرُ المجني عليه، لم يخْفَ حكم البيان.
ولو قال المشكل: لست أقف، ولكني أعفو عن القصاص إن كان لي قصاص، فليعطني الجاني حقي من المال، فالذي نقله المزني أن المشكل له دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين، ثم قال: لأن هذا أقلُّ، ولا شك أن المعتبر في الفصل [أنا] 3 لا نوجب شيئاً إلا بيقين، فذكر المزني أن دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين [مبلغٌ] 4 مستيقنٌ؛ [فإن] 5 دية الشفرين خمسون من الإبل؛ نظراً إلى دية المرأة،

وحكومة الذكر والأنثيين تنقص عن مائة؛ فإن حكومة كل عضو محطوط عن دية صاحب العضو، وإذا أوجبنا دية الشُّفرين باعتبار الأنوثة، فنعتبر حكومة كل عضو بدية أنثى.
وذكر بعض المصنفين أنا نوجب في كل عضو حكومةً؛ فإنا لا نقرر ديةً في عضو إلا ويجوز [أنه] 1 عضو حكومةً؛ فنعتبر في كل عضوٍ أقلَّ ممكن [فيه] 2. وهذا ضعيفٌ لا أصل له، فإن [المغروم] 3 هو المال، والمقدار الذي ذكره المزني مبلغٌ مستيقَن، فلْيَجِبْ، ولا التفات على السبب والتقديرات، والمتلزَم متحد.
نعم، إنما يتوجه ما ذكره هذا المصنف [إذا] 4 تعدد الجاني فقطع قاطع ذكراً وأنثيين، وقطع آخرُ الشُّفرين، وعفا المجني عليه عن القصاص، فلا يلزم كل جان إلا أقلُّ حكومة.
10386 - ولو قال المجنيّ عليه: لست أقف، ولست أعفو عن القصاص، وقد علمتم أن القصاص غير متوقع في جميع ما وقع 5 مني، فليعطني الجاني شيئاًً في العضو الذي لا قصاص فيه.
قلنا: حاصل المذهب ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يجب أقلُّ حكومتين في تقدير الذكورة والأنوثة: إما حكومة الشُّفرين على تقدير الذكورة، وإما حكومة الذكر والأنثيين على تقدير الأنوثة؛ فإن ما زاد على ذلك شك، ثم هذا القائل يقول: إن زادت إحدى الجهتين على الأخرى، لم نوجب إلا الأقلَّ، ولو كانت حكومة الذكر والأنثيين مائةً إلا بعيراً وحكومة الشفرين مع تقدير الذكورة خمسين مثلاً، فنوجب الخمسين.

وهذا الوجه مزيف ضعيف، ويبينُ تضعيفه بذكر الوجه الثاني -وهو المختار- فنقول: كل عضو يتوقع فيه جريان القصاص، فلا يُعطَى المجنيّ عليه [فيه] 1 شيئاً؛ فإن الجمع بين المال وإمكان القصاص محال، وليس القصاص مما يفرض فيه حيلولة مضمِّنةٌ مالاً، بخلاف الأموال؛ فإنها تُضَمَّن بالتقريب 2 تارةً، وبالحيلولة أخرى، فإذا توقفنا في الاقتصاص [من] 3 [القاتلة] 4 الحامل، لم نُلزمها لتعذر الاقتصاص مالاً، فكذلك القول في تعذّر الاقتصاص بالإشكال.
وستأتي مسألة تشير إلى مناقضة هذا الأصل، وهو أن مستحق القصاص لو كان مجنوناً، فالولي لا يقتصّ له، ولكن قال الشافعي: له أن يرجع إلى مالٍ، [وليس هذا عفواً] 5 عند بعض الأصحاب، وشرْحُ تلك المسألة يأتي، وغرضنا الآن فصلها عما نحن فيه؛ فإن الجنون لا منتهى له، والعفو غير ممكن، ففي منع أخذ المال تعطيل، والمجني عليه في مسألتنا يتمكن من العفو، ولوضع الحمل أمد منتظر.
فإذا كان الجاني رجلاً، فلا مال في الذكر والأنثيين لإمكان القصاص، وللمجني عليه حكومة الشُّفرين بتقدير الذكورة؛ فإن القصاص لا يتوقع جريانه في الشُّفرين والجاني رجل.
والمال وإن أضافه الأصحاب في هذا الوجه الصحيح الذي لا يتجه غيره إلى الشُّفرين، ففي تهذيب الكلام فضلُ نظر لا بد منه، فنقول: إن كانت حكومة الشُّفرين بتقدير الذكورة مائةً إلا بعيراً، فقد زادت حكومة الشفرين الزائدين على دية الشُّفرين من المرأة، ولكن لا مبالاة بهذه الزيادة مع تقدير الذكورة، وقد يمتنع من لم يُحط بحقيقة هذه المسألة عن إيجاب ما يبلغ ديةَ الشفرين من امرأة، فضلاً عن الزيادة عليها، ولا امتناع في إيجاب ذلك؛ فإنه إن كان امرأة، فالواجب ديةُ الشفرين، وإن

كان ذكراً فلا يمتنع زيادة حكومةُ عضو من الرجل على دية المرأة.
فالوجه المرتب، والمسلك المهذب أن نقول: نعتبر حكومة الشُّفرين بتقدير الذكورة، ونضبط مبلغها، ثم نرجع، فنقدر دية الشفرين بتقدير الأنوثة وحكومة الذكر والأنثيين بتقدير الأنوثة، ونضم حكومة الذكر والأنثيين إلى دية الشُّفرين، ونقابل المبلغ بحكومة الشفرين على تقدير الذكورة، فأي المبلغين كان أقلَّ، فهو الواجب؛ فإنا على اليقين نجوِّزه وإياه نطلب، وهذا القدر مستيقن، وإن فرض جريان القصاص.
ولو كان الجاني امرأة، فالقصاص موهوم 1 [في الشفرين] 2 دون الذكر والأنثيين، فلا نوجب دية الشفرين، ونوجب حكومة الذكر والأنثيين بتقدير الأنوثة، ولا ينقدح فيه تقديرآخر؛ فهو الأقل مع الوفاء بالامتناع من إيجاب المال فيما يتوقع القصاص فيه.
وقد ذكرنا وجهين من الأوجه الثلاثة.
10387 - والوجه الثالث الذي حكاه الصيدلاني عن الققال - أنا لا نوجب شيئاً إذا قال: لا أعفو ولا أقف؛ فإنا لو أوجبنا شيئاًً، لم ندر أنه وجب [عن ماذا] 3، وهذا يلتفت على خلاف الأصحاب فيه إذا اتفق زيد وعمرو أن لعمرو على زيد ألفاً واختلفا في جهة استحقاقه؛ فإن في الأصحاب من يقول: لا يثبت الاستحقاق أصلاً مع الاختلاف في الجهة حتى تتعين.
وهذا ضعيف، ولكن ظاهر [نصّ] 4 المزني يدل على هذا الوجه، والمزني نقل عن الشافعي في مسألة الخنثى: "فأما إذا رضي بالتوقف" ثم ذكر بقيةَ المسألة من عند

نفسه، [فيما] 1 إذا قال: "عفوتُ عن القصاص" وبيّن: "أن الأقل فيه دية الشُّفرين وحكومة الذكر والأنثيين" 2 كما ذكرناه، وهو الحق، وما عداه خيال.
ثم صورةَ 3 ما إذا قال: "لا أعفو ولا أقف" وقال في الجواب: بل "لا يجوز أن يُقَصّ مما لايُدرَى [أي القِصاصين] 4 لك، فلا بدّ لك من أحد الأمرين على ما وصفنا" 5، ومعناه لا بدّ لك من العفو ليكون الجواب كما ذكرته، أو من الوقف ليكون الجواب كما نقلته عن الشافعي.
وظاهر هذا يدل على أنه لا يُعطى [شيئاًً من] 6 المال إذا قال: لا أعفو ولا أقف، وهذا هو الوجه الثالث، الذي حكيناه، وهو ضعيف لا أصل له.
10388 - ومما يجب الإحاطة به أن من مسائل الفقه ما يكون مأخذ القول فيه ظنوناً متعارضة، فينقدح الخلاف فيها، ومنها ما يُسْنَد إلى أصول في الحكم قطعية لا خلاف فيها، ولكن [تشوبه] 7 أمور تقديرية حسابية، وقد يتفق فيها هفوات، ولا وجه [لعدّ] 8 الهفوات من المذهب، ولا طريق لترك نقل ما قيل، فالوجه [نقلُه والحكمُ بخطئه.] 9. 10389 - فالذي تحصّل إذاً في أقسام المسألة مذهباً مبتوتاً أنه إن عفا عن القصاص، فله دية الشفرين، وحكومة الذكر والأنثيين، وإن قال: لا أعفو

ولا أقف، فالوجه القطع بأنه لا يأخذ من عضو القصاص على التخصيص شيئاًً، وله أقل مقدّر يفرض مع تقدير القصاص عند البيان.
10390 - ولو قطعت امرأة شفري خنثى وقطع رجل ذكره وأنثييه، ثم قال: لا أعفو ولا أقف، فلا شيء له؛ فإنه لا يطالب واحداً منهما إلا وله أن يقول: القصاص بيننا ممكن.
ولو قطعت امرأة ذكره وأنثييه، وقطع رجل شفريه، فقال: لا أعفو، قلنا: لا حاجة إلى عفو، فلا قصاص، وله مطالبة كل واحد منهما بحكومة ما جنى عليه، على التعليل الذي وصفناه.
10391 - ولو جنى خنثى على خنثى، فقطع ذكره وأنثييه، وشُفريه، فليس يخفى حكم التوقف، وحكم العفو عن القصاص، فالأمر لا يختلف في هذين.
ولو قال: لا أعفو ولا أقف، قال الققال: الذي تلقيناه من السماع أن له أقل الحكومتين؛ لأن كل واحد من الجهتين [يفرض] 1 أن يكون فيها القصاص.
ثم قال: وهذا غلط؛ فإن إمكان القصاص جارٍ في الجميع بناء على أصلٍ سيأتي في الجناية على الأطراف، وهو أن الأعضاء الزائدة يجري القصاص فيها، فيحتمل أن يكونا ذكرين، فيجري القصاص في الذكر والأنثيين من جهة أنهما أصليان، ويجري أيضاًً في الشفرين بناء على إجراء القصاص في الزوائد، والوجه ألا يثبت له شيء لإمكان جريان القصاص من الكل، والأمر على ما ذكره إذا تشابهت الأعضاء، وهذا موضع استدراكه، وسيأتي الكلام في الأعضاء الزائدة وما يُرعى فيها.
وقد نجز الكلام في المسألة، ولم نغادر أمراً إلا نبهنا عليه، فكل صورة يأتي بها متكلِّف، ففيما مهدناه جواب عنها والله أعلم.
10392 - ومما يتصل بتمام ذلك أن الجاني لو كان رجلاً مثلاً، فقال 2: أقررتَ بأنك امرأة، فأنكر المقطوع وقال: بل أقررتُ بأني رجل، نص الشافعي في مواضع أن

القول قول القاطع؛ لأن الأصل أن لا قصاص، وحكى ابن سريج قولاً عن الشافعي أنه قال في كتاب التعريض بالخطبة القولُ قول الخنثى.
وتهذيب القول في هذا أن العلامات إذا عَدِمْناها ورجعنا إلى قول الخنثى، فأخبر عن نفسه بأنه رجل، ثم جرت الجناية بعد هذا، فنأخذ بموجب قوله؛ فإن الحكم قد وقع بقوله، واستقر، فيجري أمر القصاص بناء على ما يثبت ولو جرت الجناية، ثم قال: إني رجل، فظاهر المذهب أنه لا يقبل قوله، لإيجاب القصاص على الرجل الجاني.
ومن أصحابنا من قال: يقبل؛ فإنه أعرف بنفسه.
وهذا مزيّف لا أصل له، والوجه القطع بأن قوله غير مقبول بعد الجناية إذا كان يتضمن ثبوت حقٍّ لولاه لما ثبت: مالاً كان، أو قصاصاًً؛ لأنه متهم، [والبناء على ما ثبت له أمثلةٌ في الشريعة] 1: منها أنه لو ثبت غصبٌ بشاهد وامرأتين، وقضى القاضي، ثم قال المحكوم المقضي عليه: إن [غصبتُ] (2)، فامرأتي طالق ثلاثاً، فالطلاق يقع؛ فإن الغصب تمهد، ثم انبنى [التعليق] 2 عليه.
ولو أنكر الغصب أولاً، وحلف على نفيه بالطلاق، ثم ادُّعي عليه الغصب، وأُثبت بالشاهد واليمين، واتصل القضاء به، ففي وقوع الطلاق خلافٌ، سنذكره في الدعاوى والبينات، والأظهر أن الطلاق لا يقع.
...3

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل