نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 469-508
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب السِّيَر

صفحات 469-508
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الاتصال بهذا- والنكاح مؤبدٌ، فإن ردّ السائل سؤاله إلى أنه هل يجوز سبي زوجة المسلم على الاتصال بالنكاح؟ أم تترك ولا تسبى إلى المدة التي يجوز امتداد الأمان إليها؟ قلنا: لا سبيل إلى هذا التفصيل؛ فإن من ينكح زوجة ليس يبغي عقد الأمان لها، وإنما يبغي له منكوحة أبداً، وليس في نكاحه إياها أمان إلى أمدٍ مع مزيد، بل القصد في النكاح على نسقٍ واحد، فإذا كان لا يمتنع السبي بعد مدة، فلا يمتنع السبي على الاتصال، وقد انتجز الغرض من الفصل.
فصل قال: " وإذا أمّنهم مسلم حُرّ بالغ ... إلى آخره " 1. 11354 - الأمان نوعان: عام وخاص، والعام منه يختص بالولاة، وهو عقد الأمان لأهل بلدةٍ، أو ناحيةٍ، وسيأتي تفصيل ذلك في الباب المعقود لعقد المهادنات، إن شاء الله تعالى.
وأما الأمان الخاص، فمعناه عقد الأمان لشخص أو أشخاصٍ معدودين على ما سنقرر -إن شاء الله تعالى- في ذلك ضبطاً.
وهذا مقصود الفصل، فنذكر من يصح أمانه، ثم نذكر حكمَ الأمان، ثم نذكر ما يحصل به الأمان، ثم نذكر أمد الأمان.
فأما من يصحّ منه عقد الأمان، فهو المسلم المكلف، فالإسلام لا بدّ منه لينفذ تصرّفه على المسلمين.
والمكلف ذكرناه لتصحيح العبارة 2، ويصحّ الأمان من العبد المسلم، سواء أذن له مولاه أو لم يأذن، ومعتمد المذهب الذي عليه تنشأ المسائل والتفاريع أن [من] 3 كان من أهل الذب عن الإسلام بالقتال، فهو من أهل الأمان، إذا صحت عبارته، أو نفذت إشارته، والعبد من أهل القتال، ولكنه مستوعَب المنافع لحق المولى، ولو استمكن من تردية كافرٍ من شاهق في أثناء تردداته في مآرب السيد وحاجاته، فلا حرج عليه، وإذا وطىء الكفار بلاد الإسلام، فقد

نقول: يتعين على العبد الكائن في الناحية أن يستفرغ وُسعه في الذَّب.
ومما تجب الإحاطة به في تحقيق الأمان أن الكافر يستفيد أماناً من المسلم الذي أمَّنه، وأَمَنة المسلم أيضاً.
والأمان نقيض الإرهاب بالقتال، ولو ترك القتال -إذا لم يكن متعيناً-[فالحاجات] 1 تمس إلى التردّدات في أقطار ديار الكفار إلى الأمان.
ثم إذا انتظم الأمان، اقتضى ذلك العموم، فإن من يحرم على مسلم قتله، فالمسلمون أجمعون بمثابته، والمحجور عليه لسفه كالمطلق.
والمجنون ليس من أهل الحل والعقد، والذي قطع به الأئمة أن الصبيّ كالمجنون في أنه لا يصح منه عقد الأمان.
وذكر بعض المصنفين أن الأمان يصح [من] 2 الصبي المميّز؛ فإنه لا ضرار فيه، ولا تبعة، فكان كالوصية والتدبير، وهذا بعيدٌ لا أصل له.
والمرأة كالرجل في صحة الأمان، فإنها على الجملة -وإن كانت لا تقاتل- من أهل إعانة الرجال على القتال بالرأي والمال.
وكذلك القول في الزَّمْنى والشيوخ.
وقد أجارت زينب زوجَها أبا العاص، وذكرت ذلك لما تحلل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح، فقال صلى الله عليه وسلم: " أجرنا من أجرت " 3. هذا تمام القول فيمن يكون من أهل الأمان.
11355 - فأما حكم الأمان، فالذي انعقد له الأمان لا يُتعرض له، وللمال الذي معه، وأما أمواله الغائبة عنه، فمطلق الأمان لا يتضمن عصمتَها، فتغنم حيث تصادَف، وأما الأموال التي معه، فإن جرى لها تعرّض في الأمان، اشتمل عليها الأمان، وإن لم يجر لها تعرّض، وإنما قال المسلم: أمنتك، فالرأي الظاهر اختصاص الأمان بحقن دمه وعصمة رقبته من السبي، والأسر.
وليس هذا كعقد

الذمة؛ فإن مطلقه يتضمّن عصمة الأموال، كما سيأتي ذلك مشروحاً -إن شاء الله تعالى- في كتاب الجزية.
وشبّبَ بعض أصحابنا بأن الأمان يتناول الأموال التي هي مع الكافر، وسلك فيه مسلك التقرير، فقال: يبعد أن يجوز سلب ثياب من أمّنه مسلم، وإذا بعد ذلك، فالمال الذي في رَحْله بمثابة الثياب التي على بدنه، ولا خلاف في تصحيح عقد الأمان مع التصريح بالتخصيص بالدم والنفس، والذمةُ لا تعقد كذلك، كما سيأتي، إن شاء الله عزوجل.
وهذا التردد يرجع إلى حكم اللفظ وما يقتضيه إطلاق الأمان، والأصح أن مطلَقَه لا يتناول المال الذي معه، وأجرى الأئمة هذا التردّد في زوجاته، وذراريه الذين هم معه، ثم إذا حُقن دمُه بالأمان، فلو قتله قاتل، فالوجه عندنا القطع بأنه يضمن [بما] 1 يُضمن به المعاهَد والذمي، وليس حقن دم المؤمّن بمثابة تحريم قتل الحربية؛ فإن الحربية ذاتُ الشرع دفع القتلَ عنها في حالٍ، وبسط الأيدي إلى سبيها وإرقاقها، فليس ارتفاع القتل عنها للأمان.
فهذا حكم الأمان.
11356 - [فأما] 2 ما يصح به الأمان، فإن جرى لفظٌ مشعر، فذاك، وإن أشار مسلم، بإثبات الأمان لكافر، وأفهم بإشارته، جرت الإشارة مجرى العبارة -باتفاق الأصحاب- مع القدرة على العبارة.
وهذا مبناه على الاتساع، وقد تمس الحاجة إلى إبدال العبارة بالإشارة، أو إلى الاكتفاء بالكتابة، ثم لم يُخصص هذا بقيام الحاجة، حتى يجري مجرى العلّة المطّردة المنعكسة.
ومما يجب الاعتناء به أن انعقاد الأمان يستدعي علمَ المؤمَّن به وقبوله، حتى لو أمّن المسلمُ كافراً، وهو جاهل بالعقد، لجاز لكل من ظفر به قتله واسترقاقه، ولو علم بإيجاب 3 عقد الأمان له، فلم يقبله، وردّ، فلا يصحّ الأمان، فإن قبله، انعقد الأمان حينئذٍ.

ولو جرى الأمان من مسلم، ولم يبلغ الخبر الكافر، فابتدره هذا الذي أمّنه، جاز؛ فإن الأمان لا استقلال له قبل بلوغ الخبر.
وإن خاطب كافراً بأمانٍ، ولم يقبل ولم يردّ، فهذا فيه تردّد 1، والرأي الظاهر أنه لا بدّ من قبوله، ثم لا يشترط أن يعبر عن القبول، بل لو أشار له، أو بدت عليه مخايل القبول، كفى ذلك؛ فإن أصل الأمان إذا كان لا يفتقر إلى القول ممن هو من أهل القول، فالقبول في معناه.
ثم الأمان لا يلزم الكافر وإن قبله؛ فإنه لا يزيد على الذمّة، وللذمي أن ينبذ إلينا الذمة ويلتحق بدار الحرب، وكذلك القول في المؤمَّن، وهو لازم من جانب المسلم المؤمِّن، كما تلزم الذمّة من جانب الإمام.
11357 - ومما يتصل بهذا أنا سنذكر -إن شاء الله تعالى- ما ينقض الذمةَ من الأمور الصادرة من الذمي في كتاب الجزية، ونذكر أن توقع الخيانة لا يوجب نبذَ الذمة، وإذا خاف المسلم المؤمِّن خيانةً ممّن أمّنه، نبذ إليه الأمان؛ فإن المبيح للأمان لآحاد الناس ما يتوقع من انتفاع المؤمِّن بأمان الكافر، فإذا كان لا يأمن الكافر، فلا خير في الأمان، وقد نصّ الرب تعالى على ذلك، فقال عز وجلّ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58]، والآية في المهادنة، كما سيأتي وصفها -إن شاء الله تعالى- فإذا جرى هذا في المهادنة، فأمان الآحاد بذلك أولى، وهذا يتم إذا ذكرنا المهادنة والذمة في موضعهما.
ولو أمن المسلم كافراً، فقبل أَمْنه، وقال: لست أؤمنك مني، فكن آخذاً حذرك مني، وقد قبلت أمانك لي، فهذا ردٌّ للأمان؛ فإن الأمان لا يصح في أحد الطرفين دون الثاني.
ولعلّ سبب اشتراط القبول هذا.
ولا خلاف أن الأمان يقبل التعليق بالأعذار، وسيأتي من ذلك قدرٌ صالح في مسألة العِلْج إن شاء الله تعالى.

11358 - فإذا تمهدت هذه القواعد، انعطفنا على الأمان بالإشارة، لنذكر مسائل كانت تستدعي تقديم ما قدّمناه.
فلو أشار مسلم في الصف إلى كافرٍ، فانحاز ذلك الكافر إلى المسلمين؛ معوّلاً على إشارته، فإن قال المشير: أردت الأمان، وقال الكافر: فهمتُ الأمان، فهذا كافر مستأمن لا يُتعرض له.
ولو قال: ما أردتُ الأمان، وقال الكافر: ما فهمت الأمان، فهو كافر وقع في قبضتنا بلا أمان، فنقتله أو نسترقه.
وإن قال المسلم: ما أردت الأمان، وقال الكافر: فهمت الأمان، بلغ المأمن، ولم نتعرّض له، فإن قال المسلم: أردت الأمان، وقال الكافر: ما فهمت الأمان، فهذا في حكم أمانٍ غير مقبول، وقد ذكرنا أنه لا يصح، فيقتل أو يفعل به ما يفعل [بالأسراء] 1. هذا ما ينعقد به الأمان مع ما يتصل به.
11359 - فإن قيل: جوّزتم لآحاد المسلمين أن يؤمنوا آحاد الكفار، فما قولكم فيه إذا وقع في الأسر كافر أو كفار، فأراد بعض الغانمين أن يمنن على بعض الأسارى؟ قلنا: لا سبيل إلى ذلك.
والفرق بين المنّ والأمان أن المن يجري بعد تعلّق الحقوق بالأسرى، فلا ينفذ التصرف فيه إلا من ذي أمر، وهو الإمام، أو المستند إليه، والكافر [المؤمَّن] 2 الحربي لم يتعلّق به حق لمستحق.
فإن دخل بلاد الحرب طائفةٌ، وغنموا وأسروا، ثم إنهم أرادوا المن على الأسرى، قلنا: ليس لهم ذلك، فإن الإمام قد يرى إرقاقهم، [كما] 3 يتعلق برقابهم [حق] 4 الخمس.
وهذا يعارضه أن الإمام إذا [من] 5، فقد أبطل حقوق الغانمين،

ولكن لا يبعد أن يرتبط هذا باستصواب ذي الأمر، ونظره، فإنهم بالوقوع في الأسر صاروا أموالاً، والتصرف في الأسرى من الأمور الخطيرة التي لا يدري فيها إلا ذو الأمر، ولا يستبد بها الآحاد.
11360 - ومما نرى إلحاقه بهذا المنتهى أنا إذا صححنا أمان المسلم، فلا نشترط أن يرجع من أمانه مصلحة على أهل الإسلام، ولا يتصوّر اشتراط هذا في كافرٍ يؤمّن، ولكن كما لا نفع لأمانه، لا وقع لبقائه حربياً.
وإذا كنا لا نرعى إظهار مصلحة في حق المسلمين، فلا نطالب المؤمَّن بغرض له يبديه في الأمان؛ فإن تكليف إظهار الأغراض الخاصة عسر؛ على أن هذا يجري غير متعلّق بمجالس الحكام وأصحاب الأمر.
نعم، يشترط ألا يكون في الأمان المعقود ضرر عائد إلى المسلمين، فلو أمن طليعةَ الكفار، أو جاسوساً، كان الأمان باطلاً.
ثم الوجه ألا يُثبت هذا الأمان له حقَّ التبليغ إلى المأمن؛ فإن دخول مثل هذا في ديار الإسلام جناية 1، فحقُّه أن يغتال بها، والعلم عند الله تعالى.
11361 - ومما أبهمناه وهذا أوان تقريب القول فيه أنا قلنا: إنما يؤمِّن المسلم محدودين، ولسنا نرى عدداً نقف عنده، فنقول: ما ذكره الأئمة في ذلك أن الأمان ينبغي أن يكون بحيث لا ينسد بسببه الجهاد في جهة من الجهات، وهذا يُبيِّن أن الأمان لو عُقد لأهل الناحية، فهو مردود، وإن فرض عقده لآحادٍ، أمكن فرض الغزو في الناحية، مع ترك التعرض للمؤمَّنين، هذا ما ذكره الأئمة، وسرّه أن الجهاد شعار الدين، والدعوة القهرية، وهو من وجهٍ من أعظم المكاسب للمسلمين، ومن أظهر مجالب الأموال لبيت المال، فينبغي ألا يَظهرَ بأمان الآحاد انحسامٌ ولا نقصان يُحَسّ 2. ولو أمن مائةُ ألف من المسلمين، مائةَ ألفٍ من الكفار، فكل واحدٍ لم يؤمن إلا

واحداً، ولكن إذا ظهر انحسامٌ أو نقصان، فأمان الكل مردود، وقد يختلف الأمر بأن يكون المؤمنون في قُطرٍ، أو يفرضوا متبدّدين 1. وقال قائلون: لو أمّن المسلمُ آحاداً على مدارج 2 الغزاة في المنازل والمناهل، ولولا الأمان، لانبسطت أيدي الغزاة، وإذا فرضت [هذه الصورة، وانكففنا عن] 3 الغنيمة، عسر [مَسير] 4 العسكر، واحتاجوا إلى نقل العلف والزاد، فالأمان على هذا الوجه مردود، وهو من الأمان المضرّ.
11362 - فأما القول في المدة المرعية في الأمان، فعقد الأمان، بمثابة المهادنة، حيث لا ضعف بالمسلمين، وسنذكر أن المهادنة والحالة هذه من ذي الأمر تصح أربعةَ أشهر، ولا تجوز سنة، وفيما دون السنة ووراء الأربعة الأشهر قولان.
فكذلك الأمان، فإن قيل: أليس للإمام إذا استشعر ضعفاً أن يهادن الكفار عشرَ سنين؟ قلنا: نعم.
ولكن ذلك النظر إلى الإمام، ولا يرقى نظر الآحاد إلى دَرْك الضعف والقوة في أجناد المسلمين، فالأمان مبني على أقل الدرجات في المهادنة في المدّة.
فرع: 11363 - إذا أمن المسلم امرأة، فقد قال القاضي: يخرج في ذلك جوابان، بناء على أنه إذا صالح صاحب الراية أهلَ حصن فيها 5 نسوان لا رجل بينهن، وقد أشرفن على أن نسترقهن، فبذلن مالاً، فهل يسقط حق الاسترقاق؟ فعلى وجهين: ووجه البناء أن النسوة يتبعن الرجال، ويبعد أن يفرض استقلالهن باستفادة الأمان من الرق.
فإن أسقطنا حق استرقاقهن بمال، فلا يبعد أن يسقط حق استرقاق واحدة أو محصورات بأمان واحد من المسلمين.

وقد نجزت معاقد المذهب في الأمان.
ولها مسائل ستأتي في فصل العلْج، على أثر هذا، إن شاء الله تعالى.
11364 - ومما أغفلناه، ونرسمه [فرعاً] 1: الأسير إذا أمّن كافراً، فهل يصح أمانه أم لا؟ فيه خلاف بين الأصحاب.
والوجه أن نقول: إن كان مكرهاً على الأمان، فهو مردود، وإن كان مختاراً في إنشاء الأمان، فمن أصحابنا من قال: يصح ذلك منه؛ فإنه مسلم مكلف أنشأ الأمان اختياراً، ولم يجرّ ضرراً، فيصحّ.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح، فإن شرط الأمان أن يكون المؤمِّن على أمان، ولا يتحقق الأمان في حق المأسور.
التفريع على الوجهين: إن قلنا: يصح أمانه، فلا كلام، وأمانه كأمان المطلَق، وإن قلنا: لا يصح أمانه في حق المسلمين، فهل يصير ملتزماً بحكم الأمان في حق نفسه، فعلى وجهين: أحدهما - لا يلزمه حكم الأمان، كما لم ينفذ في حق غيره؛ فإن الأمان لا ينفذ على الخصوص 2. الثاني - أنه ينفذ أمانه عليه في حق نفسه؛ فإن سبب الرّد في حق الغير أنه مقهور مأسور، فلا ينفذ أمانه على المطلقين، ولا يبعد من مقتضى هذا أن يصح إلزامه في حق نفسه.
والذي يجب الإحاطة به في تمام ذلك أن المأسور لو أمن من أسره، فالوجه ألا يصح ذلك، وجهاً واحداً، وإنما التردّد الذي حكيناه فيه إذا أمّن من ليس هو أَسَره من آحاد الكفار.
وأطلق بعض من لا يعتاد طلب الحقائق، وجهاً في تصحيح أمانه لآسره إذا أنشأه ولم يُكرَه عليه.
وهذا لا أصل له.
فانتظم منه أن الإكراه على الأمان يُبطله لا شك فيه، وإذا لم يكن إكراه، فأمن غيرَ الآسر، فعلى الخلاف، وإن أَمَّن من أسره، فالمذهب البطلان، وفيه الوجه الضعيف الذي حكيناه.

فصل قال: " ولو أن علجاً دلّ مسلماً على قلعة ... إلى آخره " 1. 11365 - العلج يعبر به عن الكافر الغليظ الشديد، وهو من المعالجة، ومعناها المجالدة، وسمي العلاج علاجاً لدفعه الداء، والعلج يدفع بأيْده عن نفسه، وفي الحديث: " الدعاء والبلاء يعتلجان في الهواء " 2 أي يضطربان، ويتدافعان، فيدفع الدعاء البلاء.
وهذه المسألة نصوّرها أولاً، فنقول: إذا لجأ إلى المسلمين علجٌ من الكفار، وقال: أدلّكم على قلعة، وذكر فيها جاريةً، وشرط أن القلعة إذا فتحت، فهي له، فإذا قبلنا ذلك، والتزمنا استفراغ الطاقة والإمكان في الوفاء، فهذه المعاملة هل تصح؟ وكيف سبيلها؟ هذا تصوير المسألة.
وحكمها يستدعي تجديدَ العهد بتقديم أصول من الجِعالة، وقد نُجري فيها ما لم نُقدّم ذكره، فنقول: أولاً - لا خلاف أن عقد الجِعالة بين المسلمين لا يصح إلا على جُعل معلوم مقدرر على تسليمه، فكل ما يصح ثمناً وأجرة، وصداقاً، فهو الذي يصح أن يكون جُعلاً، فلو كان مجهولاً أو غير مقدورٍ على تسليمه أو غير مملوك للجاعل، لم يصح، حتى لو قال: إن رددت عبدي الآبق، فلك مما أصطاده كذا، ومما أحتطبه كذا، فالجعالة فاسدة، للجهالة، فإن عمل على حكم هذا العقد، لم يبطل عمله، وله أجرُ المثل؛ لأنه لم يخض في العمل على شرط التبرع به.
وإذا ثبت الجعلُ صحيحاً، وكان عيناً مملوكة، كائنة مقدوراً على تسليمها، فقال إن رددت عبدي الآبق، فلك هذا الثوبُ، جاز.
والأصح أنه لا يتعلق

استحقاق المجعول له بالجعل أصلاً، ما لم يتم العمل، وليس كالأجرة في الإجارة 1؛ فإن الإجارة معاوضة محضة، مبناها على اللزوم، وهو صنف من البياعات، ومبنى الجعالة على أن يتوقف استحقاق الجعل على إتمام العمل، ثم يجعل الاستحقاق بعقد العمل على أثره، ولا يستند إلى ما تقدم تبيّناً 2. 11366 - ثم إذا [تمَّ] 3 العمل لم يخلُ: إما إن كانت العين قائمة أو تالفة، فإن كانت تالفة، فلا يخلو: إما أن تتلف قبل الردّ، أو بعده، فإن تلفت قبل الردّ، فلا يخلو: إما أن يردّه عالماً بتلف المسمى، أو جاهلاً به؛ فإن علم بتلف العين، وأنشأ العمل بعد التلف والعلمِ، فلا شيء له؛ لأن المعاملة معقودة على استحقاق تلك العين، فإذا تلفت، وأنشأ العمل، فلا متعلق لعمله، وهو في حكم المتبرع.
وإن جهل العامل التلف، وعمل، فله أجرُ المثل؛ لأنه لم يتبرع بالعمل، هذا إذا تلف قبل العمل.
وإن تلف المسمى بعد الرد، فلا يخلو: إما أن يتلف بعد المطالبة، أو قبلها، فإن تلف قبل المطالبة بها، ففيما يرجع العامل إليه قولان، كالقولين في الصداق المعين، إذا تلف قبل القبض، وفيه قولان، عنهما يتشعب معظم مسائل الصداق.
أحدهما - أنه مضمون بالعقد، فيجب عند فرض التلف مهرُ المثل، فعلى هذا في مسألتنا يُضمن الجعل بالعقد، فإذا تلف، فالرجوع إلى أجر المثل، وهذا يناظر مهرُ المثل، والقول الثاني - أن الصداق مضمون باليد، فتجب القيمة أو المثل إن كان مثلياً، وكذلك يخرج هذا القول في الجعل إذا تلف، والغرض تنزيله منزلة الصداق في جهة الضمان.
فإن قيل: ما وجه التشابه؟ قلنا: وجهه أن المنفعة في الجِعالة فائتة بعد تسليم العمل على وجهٍ يستحيل تداركها، كما أن البضع بعد العقد في حكم الفائت، فاقتضى ذلك جريان القولين في الأصلين، ولا يبعد عندنا القطع بأن الجعل مضمون ضمان

العقد؛ من جهة أنه رُكن الجعالة، وليس الصداق رُكنَ النكاح، وهذا يوجب القطع هاهنا بضمان العقد.
والعلم عند الله تعالى.
ولو تمم العامل العملَ، وطالب بالجعل، وهو قائم، فلم يسلّمه الجاعل، فقد تعدى، فلو تلف في يده، فإن قلنا: إنه مضمون باليد، فالجواب كما تقدم، وإن قلنا: إنه مضمون بالعقد، فقد قال القاضي: تلفه بعد الامتناع بمثابة إتلاف الجاعل الجعلَ بنفسه.
ثم هذا بمثابة ما لو أتلف البائع المبيع، وفي المسألة قولان: أحدهما - أن حكمه حكمُ ما لو تلف بآفة سماوية، فينفسخ العقد، ويرجع العامل إلى أجر المثل، والثاني - حكمه حكمُ ما أتلفه الأجنبي، فعلى هذا هو بالخيار بين الفسخ والإجازة، ولا يخفى عاقبة الإجازة والفسخ.
والذي يجب فيه فضل تدبّر أن موجب ما ذكرناه، وهو بعينه كلام القاضي أن الحبس على عدوانٍ مع تصوّر التلف بالآفة السماوية ننزله منزلة الإتلاف، ويلزم على هذا المساق أن يقال: إذا توفر الثمن على البائع، وتوجهت الطِّلبَة بتسليم المبيع فأبى معتدياً، [وتلف] 1 المبيع، يكون هذا بمثابة ما لو أتلف البائع المبيع.
وهذا فيه احتمال وفضل نظر، من جهة أن الإتلاف إذا لم يوجد، فاليد القائمة يد عقد، ولهذا لا يتصرف المشتري في المبيع الكائن في يد البائع، في الصورة التي ذكرناها.
وإن وفّى الثمن واستحق الانتزاع، فإذا كانت اليد قائمة على هذا الوجه، فتغليب ضمان العقد أولى، حتى يقال: التلف بالآفة السماوية يوجب انفساخ العقد، ومقتضى هذا ألا يُخرَّج القولان في إتلاف البائع المبيع.
فهذه مقدمات ذكرناها في أحكام الجعالة.
11367 - والآن نعود بعدها إلى مسألة العِلج، فنقول: كافرٌ في دار الحرب، قال: أدلكم على قلعة فيها أموال وغنائم، فإذا فتحتموها، فأعطوني الجارية الفلانية، ووصفها وسماها.
فقد قال الأصحاب بأجمعهم: هذه الجِعالة جائزة، وإن كانت على جُعل غيرِ مملوك، ولا مقدورٍ على تسليمه، ولا شك أن مثل هذه

الجِعالة لا تصح بين المسلمين فيما لا يتعلّق بالكفار، وسبب تصحيح هذه المعاملة فيما يتعلّق بالكفار أن الإمام قد لا يتهدَّى في دار الحرب إلى القلاع، وربما لا يتهدّى المسلمون إليها في الغالب، فتمس الحاجة إلى دلالة كافر، فإذا لم يرض الكافر إلا بما سمَّى، فالحاجة تقتضي تصحيحَ المعاملة، إذا قيل: الجهالة تحتمل في الجعالة لمسيس الحاجة، فإذا اضطررنا إلى إثبات فعلٍ يخالف القياس الدائر بيننا، اتبعنا الحاجة.
ولو كان الدال على القلعة مسلماً وشرط مثلَ الشرط الذي حكيناه صادراً عن العلج، فالمذهب الأصح بطلانُ هذه المعاملة معه، إلا على شرط المعاملة بين المسلمين.
وفي بعض التصانيف أن هذه المعاملة تصح معه كما تصح مع العلج؛ فإن مبنى جوازها على مسيس الحاجة إليها، ولا يفرق في ذلك بين المسلم والكافر.
وهذا كلام مبهم عندنا، والوجه أن نقول: حكينا تردد الرأي في أن الوالي لو استأجر مسلماً على الغزو هل يصح؟ فإن منعنا الاستئجار، فلا معنى لهذه المعاملة مع المسلم، فإن ما يأتي به يقع جهاداً منه، فلا يستحق عليه أجراً.
ثم كما لا يستحق الجارية المسماة في القلعة، لا يستحق أجر المثل.
وإن قلنا: يصح من الوالي استئجار واحد من المسلمين على الغزو، فهل تصح هذه المعاملة معه، كما تصح مع الكافر؟ فعلى وجهين قدمنا ترجيحهما.
11368 - ثم إذا حضر الإمام بابَ الحصن، وحاصرها 1، فلم يتفق الفتح، نظر: فإن قال العلج الدال: إن فتحتموها، فلي الجارية، فلا يستحق إذا لم يتفق الفتح شيئاً؛ فإنه علّق استحقاقه بالفتح، فإن اشترط الجارية، ولم يقيد المعاملة بالفتح، ففي المسألة وجهان: أصحهما - أنه لا يستحق شيئاً؛ فإن رضاه بالجارية بمثابة التصريح بذكر الفتح؛ إذ لا يتعلق التوقع بتسليم الجارية إلا من جهة الفتح، فصار كما لو قيد بالفتح.

وفي بعض التصانيف وجه آخر أنه يستحق أجر المثل للدلالة؛ لأنه عمل لنا عملاً ولم يرض بأن يكون متطوعاً.
وهذا الكلام فيه اختلال، لا يبينه إلا تفصيل، وهو أنه لو دلّ، واكتفى بالجارية، وذكر الفتح صريحاً أو لم يذكره، ولكن اكتفى بالجارية، فإذا حصرنا الحصن، وكان القتال ممكناً، فلم نقاتل، فهل يستحق الدالّ والحالة هذه شيئاً؟ هذا محلّ التردد؛ فإنه يقول: دللتُ، وفعلتُ ما علي، فقصّرتُم.
وينقدح أن يقال: لا شيء له، للتعلق بالفتح تصريحاً، أو تعريضاً.
ويجوز أن يقال: يستحق الدالّ أجرَ المثل؛ من جهة أنه استتم عمله.
وإن حصرنا القلعة، فلم يكن القتال ممكناً، وكان بحيث لا يُطمع في افتتاحها إلا باتفاقٍ نادر، فالوجه هاهنا، القطعُ بأنه لا يستحق شيئاً؛ لأنه ما دلنا على ممكن.
وإن كان القتال ممكناً على الجملة، ولم يكن الفتح مقطوعاً به، فقاتلنا، فلم يتفق الفتح، فهذا يُبنى على ما إذا لم نقاتل أصلاً.
فإن قلنا: إذا تُرك القتال أصلاً، مع إمكان الفتح، لم يستحق شيئاً، فلأن لا يستحق هاهنا أولى، وإن قلنا: الدّالّ لا يستحق، فإذا قاتلنا، فإن حصل اليأس، وبذلنا المجهود، فهذا يقرب منه، إذا بان لنا اليأس، كما 1 حصرنا، وإن لم يحصل اليأس، ولكن تبرّمنا بالقتال، أو استنفرَنا أمرٌ انزعج الجند له، فهذا محل التردد.
وبالجملة: ينبغي أن تؤخذ هذه المسألة من هذه المآخذ التي أشرنا إليها.
11369 - وإن فتحنا القلعة ووجدنا الجارية التي شرطناها للعلج، فيجب تسليمها إليه، والوفاء به، ولا يسوغ منعُها.
وإن لم نجدها، نُظر: فإن كان أخطأ العلج في ظنه كونَ الجارية في القلعة، أو كانت، ولكن تقدم موتها، أو كانت ميتة يوم المعاقدة مع العلج، أو لم يخلقها الله تعالى، فقد قال الأئمة: لا شيء للعلج في هذه الصورة؛ فإنه اكتفى بجارية ظنها، وقد أخلف ظنه، فحبط عمله.

وإن وجدناها لكنها ماتت بعد [المعاقدة] 1 فللأئمة طرق نسردها، ثم نجمعها على العادة في أمثالها.
قال قائلون: إن ماتت بعد الظفر بها، غرمنا القيمة للدلالة، وإن ماتت قبل الظفر، فقولان، والفرق أنه إذا ظُفِر بها، فقد دخلت في يد الإمام أو صاحب الراية، ووقعت في قبضته، [فيغرم قيمتَها] 2. وقيل: إنها تلفت من ضمانه 3. [والطريقة الثانية: أنها] 4 إذا ماتت قبل الظفر، فلا ضمان.
وإن ماتت بعد الظفر، فقولان: أحدهما - أنه يجب الضمان لموتها تحت أيدينا، فينبغي أن تكون محسوبة علينا.
والثاني - أنا لا نضمن شيئاً؛ فإن الجارية المذكورة ليست عوضاً في الحقيقة، وليست على حقائق الأعواض، وإنما أجرينا فيها عِدَةً؛ فإن اتفق الوفاء بها، فذاك، وإلا فلا ضمان.
نعم يجب الوفاء إذا أمكن، وإن فرض تقصيرٌ، فمنتهاه المأثمُ، وتركُ الواجب.
وقال 5 العراقيون: لا فرق بين أن تموت قبل الظفر أو بعده، ففي الصورتين جميعاً قولان في أنا هل نغرم للعلج قيمة الجارية.
وإذا جمع الجامع الطرق 6، انتظم أقوال: أحدها - الضمان في الحالتين قبل الظفر وبعده.
والثاني - انتفاء الضمان فيهما.
والثالث - وجوب الضمان بعد الظفر، ونفيه قبل الظفر.
هذا حاصل ما ذكره الأئمة.

11370 - وقد يتطرق إلى ما ذكرناه مزيد بحث، وهو أن يقال: إذا فتحنا القلعة، واستمكنا من تسليمها، فلم نسلّمها حتى ماتت تحت قبضتنا، فيظهر وجوب الغرم هاهنا.
ولو فتحناها، وماتت قبل تمكننا من تسليمها، فهذا فيه تردّد، من جهة أنها ماتت من وجهٍ بعد الفتح، وماتت من وجهٍ آخر قبل التمكن، وغايتنا أن نبذل كنه المجهود فيها، هذا لابد منه مع ما قدّمناه، ثم يعود فيه ما ذكرناه مقدمة في أحكام الجعالات، من تلف العين المجعولة جعلاً قبل الطلب وبعده، وقد ذكرنا في تلف العين قبل الطلب، وبعد العمل قولين في أن المضمون القيمة أو أجر مثل العامل، وهذا الخلاف يجري هاهنا إذا أثبتنا الضمان، وإن فرضنا الطلب والاستمكان، فهذا يناظر ما إذا كانت العين قائمة، وجرى التقصير في تسليمها، مع توجه الطلب بها، فلا بأس من التنبه لما ذكرناه.
11371 - ومما يتصل بتقاسيم المسألة أنا إذا وجدناها، ولكنها كانت مُسْلِمة، فالذي ذهب إليه المحققون أنا نغرم قيمتها للدالّ سواء أسلمت قبل الظفر أو بعده، بخلاف الموت، فإنا فصلنا المذهب فيه كما تقدّم، والفرق أنها إذا أسلمت، فالإمام هو الذي يحول بين العِلج وبينها، بحكم الإسلام، وإلا فالتسليم بحكم المشاهدة 1 ممكن فيها، فيغرم قيمتَها بالحيلولة، وإذا ماتت، فليس صاحب الأمر هو الحائل بينهما، وإنما وقعت الحيلولة [بأمرٍ خارج] 2. وفي بعض التصانيف: في إسلامها وجهان: أحدهما - ما ذكرناه.
والثاني - أنا ننزل إسلامها منزلة الموت، ثم في الموت التفصيل المقدّم، وهذا ضعيف، ووجهه على بعده، أن الإسلام صيرها كالمعدومة، وشرط الجارية للعلج وإن كان مطلقاً، فمعناه التقييد ببقائها على الكفر، فإنا إنما نتمكن لو بقيت كافرة، فإذا أسلمت فلا تَمَكُّن.

ويمكن أن يقال: إذا أسلمت قبل الفتح، فهذا بمثابة الموت، لأنا لا نملكها إذا فتحنا القلعة، ولم نقدّر استحقاقها بالشرط، فكان ذلك بمثابة ما لو صادفناها ميتة، وإن أسلمت بعد الفتح؛ فإنها تبقى مملوكة، فيتجه هاهنا القطع بالغُرم للعلج، ولا يتجه غيره؛ فإن المنع يعود إلى مراعاة حكم الشرع والملكُ عليها ثابت، فإنها رقَّت لما وقع الفتح، ثم أسلمت من بعدُ.
11372 - ولو فتحنا القلعة، فلم نجد غير تلك الجارية، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا نسلّم الجارية إلى العلج وفاء بالشرط، إذ لا مانع من التسليم.
والثاني - لا نسلّم؛ فإن هذا في التحقيق فتحٌ للعلج، ولا أَرَبَ لنا فيه، وهذا التردد الذي ذكرناه فيه إذا لم نؤثر تملك القلعة أو لم نتمكن منها، لأنها محفوفة بالكفر، ويعسر تخليف جمع يقومون بحفظها عن الكفار.
فأما إذا ملكنا القلعة، وأدمنا اليد عليها، فيجب القطع بتسليم الجارية.
11373 - ولو حاولنا الفتح، فلم نستمكن، واستفزّنا أمرٌ، ورأينا أن مثل ذلك يُبطل حق العلج، فلو اتفق لنا عودٌ إلى القلعة في كَرّةٍ أخرى، فاتفق الفتح فيها واستمكنا من الجارية، فهل نوجب تسليمها إلى العلج؟ ذكر الأصحاب وجهين، ووجه التردد والاحتمال لائح.
ولكن لا بدّ من التفصيل، فإن عدنا واستمكنا في العودة بالأعلام 1 التي أقامها العلج، ولولا تقدم دلالته، لما عدنا، فيظهر هاهنا تسليم الجارية إليه، والمصير إلى أنه لا حكم لما تخلل من المحاولة، وترك المقاتلة.
وإن اتفق ونحن نؤمّ بقعة أخرى وقوعنا على القلعة، من غير استمساك بأعلام استفدناها من دلالة العلج، فهاهنا يظهر الاحتمال في أنا هل نسلم الجارية إذا تمكنا منها والشرط مطلق، والأصح أنا لا نسلّمها؛ فإن المعاملة الجارية بيننا، وإن كانت مطلقة، فهي من طريق العُرف وفهم الخطاب متقيّدة باتصال الفتح بالدلالة، وهذا الظهور جرى منقطعاً.
وبالجملة ليس تخلو حالة من الأحوال التي فصلناها عن احتمال، ولا يعجِز الفطن

عن إجراء الخلاف فيها وترتيب البعض منها على البعض، ولسنا نطوّل بذكرها.
ولا خلاف أنه لو انتهى إلى القلعة طائفة أخرى لم تكن في المعاملة 1، فلا يلزمها شيء، وإن تمكنت من الجارية، وإن كانت هذه الطائفة تلتفت إلى الأعلام منا ونحن تلقيناها من العلج، فلا يلزمهم شيء؛ فإنه لم يجر منهم التزام وخوض في المعاملة.
ويبقى الكلام في أنا إذا لم نفتح -وربما كان الفتح ممكناً لو أطلنا المحاصرة- فهل نغرم للعلج؟ وهذا مما تقدم تفصيله.
ولو جاوز الإمامُ القلعة، ثم ردّ جمعاً من الجند الذين كانوا معه، فإن ردهم على القرب، واتفق الفتح؛ فالوجه تنزيل هذا منزلةَ ما لو أقام حتى فتح.
وإن جاوز القلعةَ، وانقطع عنها بحيث يبعد الرجوع إليها من غير استمساك بالدلالات التي ذكرها العلج، [فأبان] 2 للراجعين تلك [العلامات] 3، فانقلبوا، وفتحوها، فهذا بمثابة ما لو رجع هو بنفسه.
وإذا أحاط المرء بمقتضى اللفظ في هذه الجِعالة، لم يخف عليه محلُّ الوفاق والخلاف.
11374 - ثم حيث يغرم الإمام للعلج أجر المثل، أو قيمةَ الجارية على التفاصيل التي تقدّمت، ففي المحلّ الذي يأخذ [منه] 4 ما يغرَمه للعلج الخلافُ الذي قدّمناه في محل الرضخ، ففي وجه يخرج ما يبذلُ للعلج من سهم المصالح، وفي وجه يُخرجه من رأس المغنم، ووجه ما ذكرناه بيّن.
11375 - ولو جرت المعاملة كما وصفناه، وحاصر صاحب الراية أهلَ الحصن، واقتضى الرأي أن يصالحهم على أن صاحب القلعة وأهلَه في أمان، فلما فتحوا القلعة على موجب هذا الصلح؛ بان تلك الجارية من أهل صاحب القلعة، فقد تصدّى لنا

صلحٌ يجب الوفاء به، ومعاملة سبقت مع العلج يتعين تحقيق المقصود منها، فالوجه أن نقول لصاحب القلعة: قد شرطنا لفلان هذه الجارية؛ فإن رَضِيتَ تسليمَها إليه، غَرِمنا لك قيمتها، فإن رضي، فذاك، وإن لم يرض، قلنا للدالّ: قد صالحناه على أن نؤمّن أهله، والجارية المشروطة من أهله، فإن رضيتَ [بقيمتها] 1، بذلناها لك، فإن رضي، فذاك، وإن لم يرض، قلنا لصاحب الجارية: إما أن تسلم الجارية، أو تعودَ حرباً، فنردّك إلى القلعة، فاستوثق منها، وأغلق بابها، وارجع إلى ما كنت عليه، ثم نعود إلى القتال، فإن اتفق الفتح، سلمنا الجارية، وإن لم يتفق الفتح، فالكلام على ما مضى.
11376 - ثم استنبط الفقهاء من هذه المسألة فوائدَ: إحداها - تصحيح جعالة جعل مجهولٍ غير مقدور على تسليمه.
والثانية - أن الأمان مع الجهل بتفصيل العدد، في الذين يؤمنون جائز؛ لأن أهلَ صاحب الحصن مجهول العدد.
11377 - قال الأصحاب: ويجوز الأمان مضافاً إلى عدد معلومٍ مع الجهل بالأعيان، وذلك أن يؤمِّن من أهل القلعة خمسين أو مائة فيكون التعيين إلى شخصٍ، وروي: " أن عمر صالح أهل قلعةٍ على أن مائة من أهل القلعة في أمان، وكان عمر يحب أن يظفر بصاحب القلعة من غير أمان، فأخذ صاحبُ القلعة يختار المائة من أهل القلعة، ويعدّهم، ويعينهم، وعمرُ يدعو ويقول: اللهم أنسِه نفسَه، فعدّ مائة، ونسي نفسه، فعرض عليه الإسلامَ، فلم يسلم، فحز رقبته " 2. 11378 - ومما يُتلقى من أطراف هذه المسألة: أن الصلح إذا عارضه عذرٌ يعسر الوفاء به معه، فيجوز للإمام ردّه ونبذه، كما ذكرناه في مصالحة صاحب القلعة، على أن يؤمّن أهله، ثم كانت المشروطة من أهله.

فصل قال: " وإن غزت طائفة بغير أمر الإمام ... إلى آخره " 1. 11379 - الذي يقتضيه الإذن ألا ينتهض جمعٌ من المسلمين للجهاد إلا صادرين عن رأي الإمام أو نائبه، فلو لم يراجَعوا، فدخلوا دار الحرب، فغنموا أموالاً، فهي مخموسةٌ، سواء كانت الطائفة ذاتُ نجدة وعُدّة، أو كانت طائفة يسيرة، وإن دخل رجل أو رجال دار الحرب مختفين، وسرقوا من أموال الكفار وأحرزوه، فالمذهب المشهور أنهم ينفردون بما سرقوه، ولا يخمّس ما ثبتت أيديهم عليه.
وقاعدة المذهب في ذلك تستدعي ثلاثةَ أشياء: أحدها - في أصل المغنم، والثاني - في المسروق على ما صورناه، والثالث - في المال المظفور به المحظور لكونه فيئاً.
أما المغنم، فهو ما يحصل في أيدي المقاتلة، بالمكاوحة، فاليد فيها ثابتة، ولكن الأملاك غير مقصودة؛ إذ الجهاد وملاقاة أعداء الدين، مع التغرير بالمهج لا يجوز لأجل المال، فلا يجوز إلا لإعلاء كلمة الله، والذب عن دين الله تعالى، ثم المغانم إن حصلت، فهي في حكم التبع، [ولذلك] 2 تسقط حقوق الغانمين بالإعراض؛ فإنهما لم تُقصد بالاستيلاء بالأيدي، وكل ما يملك بالاستيلاء، فللقصد فيه تأثير، وسنوضح هذا في فصلٍ معقودٍ في أملاك الغانمين، إن شاء الله تعالى.
ثم ما يكون مغنوماً، فهو مخموس لا محالة.
وأما المسروق، فمقصودٌ بالتملك في عينه، فيثبت فيه ملك السرّاق، والأصح أنه غير مخموس، وسبيل الأخذ على هذا الوجه من أموال الكفار كسبيل الاصطياد، وما في معناه من الجهات التي يُقصد الملك فيها باليد.
ومن أصحابنا من قال: المأخوذ على جهة السرقة مخموس كالغنيمة، وهذا ضعيف، لا أصل له.
ولكن حكاه شيخي، وكان يقول: يتميز المسروق عن المغنوم

بتأكد الملك في المسروق كما 1 استقرت اليد عليه، حتى لو أراد السارق الإعراض عنه، لم يسقط حقه، بخلاف المغانم.
ولعلنا نعيد هذا في الفصل المعقود في أملاك الغانمين، إن شاء الله تعالى.
وأما المظفور به من غير قتال، فهو على ما تقدّم التفصيل فيه، وهو متميز عن المسروق من حيث إن المسروق حصله السارق بيده، وإن لم يكن قتال، ويده أقوى من يد الغانم؛ فإنها مقصودة.
وذلك ما أردنا أن نبين.
11380 - ثم ذكر الشافعي رحمه الله فصلاً في السرقة من الغنيمة، وهذا قد قدّمنا أصله، ومعظم ما يتفرع عليه في كتاب السرقة عند ذكرنا السرقة من المال المشترك، والأخذ من الأموال العامة، وفي هذا الفصل زوائد هينة، ولكنها متعلقة بحقيقة ملك الغانمين، فأخرتها إلى ذلك الفصل.
ثم ذكر إحياء الأرض الموات في بلاد الحرب، وقد قدّمناه مستقصى في إحياء الموات.
11381 - وقال: " ما فعله المسلمون بعضهم ببعض في دار الحرب لزمهم حكمه ... إلى آخره " 2. قصد بهذا الفصل الرّد على أبي حنيفة 3 في مصيره إلى أن من قارف من المسلمين موجبَ حدّ في دار الحرب، لم يلزمه الحد؛ فإن الشافعي من مذهبه أن أحكام الله تعالى على المسلمين جاريةٌ في دار الحرب جريانَها في دار الإسلام، والحدود تجب على الذين يقترفون موجباتها، وكذلك القول في العقوبات التي يستحقها الآدميون كالقصاص، وحدّ القذف، ومما أجراه الردّ عليه في قوله: " من أسلم، ولم يهاجر، فقتله مسلم مع العلم بإسلامه عمداً، فلا قصاص عليه " 4.

ولا فرق في المغارم والعقوبات وقواعد التكليف بين الباب والباب، وكيف يستحسن الإنسانُ المصير إلى أن الصائرين إلى دار الحرب من دار الإسلام تنحلّ عنهم عُرى أحكام الإسلام، ولا يلتزمون منها ما يُلزِمُه أهلَ الحرب.
واختلف نص الشافعي في أن الإمام هل يقيم الحد على من استوجبه من المسلمين في دار الحرب، فاضطرب أئمتنا، فقال قائلون: في كراهة ذلك قولان، ولا أحد يصير إلى التحريم.
وقال قائلون: النصان منزلان على حالين، فإن كان لا يخاف افتناناً، أقام الحد، وإن خاف فتنة، فلا نؤثر إقامةَ الحد، وذلك بأن يتداخل المحدود مغيظةٌ، وقد تكون سبب انقلابه، وقد يكون شريفاً في قومه، فيحملهم ما يجرى على سيدهم على الانفلال 1، فالنهي عن الإقامة محمول على مثل هذه الصورة.
وإن ظهر وقوع ما أشرنا إليه، وغلب على الظنّ كونُه 2، فالظاهر عندي، أنه يجب اجتنابه، وحد الكراهية لا ينتهي إلى المباح الذي وصفناه، ولكن إن كان التوقع على ندور، أو لم يكن غالباً في الظن، فهذا مظنة الكراهية، وإن غلب وظهر، فالأوجه الاجتناب.
ثم ذكر الشافعي رحمه الله كلاماً في الذين لم تبلغهم الدعوة إذا انتهينا إليهم 3. وهذا مما قدمته على أبلغ وجهٍ في البيان في كتاب الديات، عند ذكري أبدال نفوس أهل الملل وأقدار دياتهم.
... =المنيفة: ص 174، طريقة الخلاف: ص 241 مسألة 97، إيثار الإنصاف: ص 244.

باب ما أحرزه المشركون من أموال المسلمين

11382 - صدّر الشافعي الباب بالمسألة المشهورة في الخلاف مع أبي حنيفة، وهي إذا استولى المشركون على أموال المسلمين، وأحرزوها بدار الحرب 1، فمذهبنا أنها باقية على ملك مالكها من المسلمين، فلا يملكها المشركون بالاستيلاء عليها، ومهما 2 وقع الظفر بها، فهي مردودة على ملاكها، ثم إن وقعت في أيدي الغانمين من المسلمين، فإن تبينا قبل القسمة، فالخطب يسير، فتردّ، وإن كان بعد القسمة، وسهل نقض القسمة، نقضناها، ورددنا الأعيان على أصحابها، وانتحينا القسمة بعد ردها.
وإن لم يكن نقضُ القسمة ممكناً، فالوجه استرداد تلك الأعيان من أيدي من وقعت في أيديهم، ثم يعوِّض الإمامُ من استُردّت العين منه من بيت المال، والخلاف في المحلّ الذي يخرج منه مثل ذلك، لا يجرى هاهنا حسب جريانه في الرضخ والمغارم التي تقع قبل القسمة، فالوجه أن يُغرم من المال العام، وهو مال المصالح.
فأما الرجوع على الغانمين -وقد تبدّدوا- متعذّر 3، وجهات المصالح متسعة، والمسألة مشهورة مع أبي حنيفة 4.

فصل قال: " وإذا دخل الحربي إلينا بأمان، فأودع وباع ... إلى آخره " 1. 11383 - إذا دخل الحربي دار الإسلام، وأودع عندنا ودائعَ، وبايع الناس، وثبت له قروضٌ وأثمان في الذمم، ثم إنه التحق بدار الحرب ناقضاً عهده، أو خرج إليه بإذن الإمام، أو لم ينقض عهده، ولكن خرج لشغلٍ ليقضيه، فإن خرج غيرَ ناقضٍ عهدَه، وترك أمواله، فلا شك أن تبقى الأموال في أمانه في زمان حياته، وإن مات، فسنذكر ذلك بعدُ في أثناء الفصل، إن شاء الله عز وجل.
وإن خرج إلى دار الحرب ناقضاً عهده، فقد ذكر الصيدلاني وغيره من أئمة المذهب ثلاثةَ أوجه في الأموال التي خلفها: أحد الوجوه- أنه لا يُنقض الأمانُ في أمواله، ما دام حياً، وربما كان يقطع شيخي بهذا الوجه، ووجهه أنه يثبت لماله حكم الأمان، كما ثبت له، ثم انتقض الأمان في حقه بالالتحاق بدار الحرب على قصد نبذ العهد، فنحكم في الأموال الباقية عندنا بالبقاء على حكم الأمان.
والثاني - ينتقض العهد في الأموال التي خلفها؛ فإن المال اكتسب الأمان من جهة المالك، فإذا لم يبق للمالك عهد وأمان، لم يستقل المال بحكم الأمان.
والوجه الثالث - أنه ينظر، فإن لم يَعقِد للمال أماناً على حياله، وإنما عَقَد الأمان لنفسه، ثم تعدى حكمُ الأمان إلى ماله، فإذا انتقض العهد في نفسه، انتقض العهد في ماله؛ فإنه ثبت تابعاً، فزال بانقطاع المتبوع وإن ثبت الأمانُ للمال مقصوداً، كما أثبته لنفسه، فإذا انتقض العهد في نفسه لم ينتقض العهد في ماله، والأولان يعممان في النفي والإثبات، ولا يفصلان بين أن يجري الأمان للمال مقصوداً وبين أن يثبت تبعاً.
وهذه الأوجه الثلاثة يفرع عليها الحياة، وحكم الممات.
11384 - ونبدأ بتفصيل الحكم في الحياة، فإن قلنا: الأمان باقٍ للمال، فلا

نتعرض لماله، ولو دخل ديار الإسلام [واستردّ] 1 أمواله، كان له ذلك، ولم يجز التعرض له، وإن لم نجدد له عهداً، فماله هاهنا سببُ تَسلُّطِه على دخول دار الإسلام، وهو بمثابة ما لو دخل كافرٌ دارَ الإسلام ليسمع الذكر، ويبحثَ عن الدين، ويتقبَّله إن ظهر له، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ﴾ [التوبة: 6]، فقال العلماء: ليس المراد أن يُعقَد له أمانٌ ثم يدخل، ولكن قصدُه هذا يؤمنه، وهو في أمان الله تعالى، ومقصود الآية إعلامُنا أنه مؤمّن.
وكذلك لو دخل كافر ديار الإسلام رسولاً، فتصدّيه للرسالة يؤمِّنه، وإن لم يُعقد له أمانٌ، كذلك عود الحربي لأجل أمواله سائغ من غير تجديد أمان.
ثم قال الأئمة: ينبغي أن يعجل تحصيل أغراضه، ولا يعرّج على أمرٍ.
وإن زاد على الحد الذي ذكرناه، تصدى للقتل والأسر.
وإن قلنا: لا أمان لماله، فهو مأخوذ فيئاً؛ فإنه مال كافرٍ مظفور به من غير إيجاف خيل وركاب، فالتحق بالفيء.
وهذا الطرف من الفصل فيه أدنى التباس.
ونحن نفصله ونكشفه، فنقول: إذا أراد المستأمَن أن ينبذ إلينا العهد، فلا شك أنا نُبلغه المأمنَ، ولا نتعرض لأمواله التي يستصحبها؛ فإنه في علقة من الأمان بها استمساكه إلى أن ينتهي إلى مأمنه، فإذا استصحب أمواله، فحكمها حكم نفسه، وإذا التحق بدار الحرب، وخلّف عندنا أموالاً، ففيها الخلاف، ولو فارق الأموال المخلّفة، ولم يستصحبها ولم يلتحق بعدُ بالمأمن، فكيف سبيل أمواله المخلّفة؟ الوجه عندي أنها في أمان، فإن مالكها بعدُ في أمان، وإنما التردد إذا انقضت عُلقةُ الأمان في حقه بأن التحق بدار الحرب.
ويجوز أن يقال على بعدٍ: إذا فارق الدار، وانقطع عن الأموال، يجري الخلاف، بخلاف الأموال التي في صحبته؛ فإن من ينبذ إلينا العهد، وإن كنا نبلغه المأمن، فهو من وجهٍ خارج من الأمان؛ إذ لو أراد أن يرجع، ويتوطن من غير أمانٍ جديد، لم يكن له ذلك، فكأنّ ما يُطلَقُ من الأمان، يُبَذْرِقه 2 إلى دار الحرب.

ومما تجب الإحاطة به، فيما أَبهم الأصحابُ: إذا عاد بجميع ماله على الوجه الذي نقول فيه: يبقى الأمان في المال، فلا ينبغي أن يتخذ ذلك المالَ، أماناً له يرجع إليه، ويأخذ البعض، ويُبقي البعض، ويتردّد في ديار الإسلام من غير أمانٍ يتجدد، ولو فعل ذلك، امتدت أيدي المسلمين إليه.
نعم، لو دخل ولم يستمكن من استرداد الأموال، وانقلب ثم عاد، فلا بأس عليه.
والغرض أنه يقتصر على قدر الحاجة، في استرداد الأموال.
فكل ما ذكرناه تفريع الحكم في حالة الحياة.
11385 - فأما إذا خلّف عندنا أموالاً، ولحق بدار الحرب، ومات في دار الحرب، فإن لم ينقض العهد في خروجه وطروقه، وإنما خرج لبعض وطره في شغلٍ، ثم يعود، فلا شك أن ماله في أمان ما دام حياً، فهاذا مات، فهل يصرف إلى ورثته؟ ظاهرُ المذهب أنه مصروف إلى ورثته كما لو مات هاهنا في العهد على أمواله؛ فإن أمواله مردودة إلى ورثته، وإن كانوا حربيين لا عهد لهم، ولا أمان بيننا وبينهم.
هذا هو المذهب.
فأما إذا كان التحاقه بدار الحرب بعد نبذ العهد إلينا، فإن قلنا: أموالُه عندنا [فَيْء] 1 في حياته، فلا يخفى أنها تكون فيئاً بعد وفاته، وإذا كنا لا نصرفها إليه وهو حي، فلا [شك] 2 أنا لا نصرفها إلى ورثته بعد موته.
وإن قلنا: إن أمواله مردودة عليه في حياته، فإذا مات، وقد كان نبذ العهد إلينا، ففي أمواله حيث انتهى التفريع إليه قولان في الأصل: أحدهما - أنها تصرف إلى ورثته كما كانت تصرف إليه في حياته.
والقول الثاني - أنها تصير بعد موته فيئاً؛ وذلك أنا كنا نعلّق أمان ماله بعُلقة أمانه على معنى أنه يعود، فيأخذها.
فإذا مات وقد كان نبذ إلينا العهد في الحياة، وانضم =وبعضهم يقول: بالذال، وبعضهم يقول: بالزاي.
(المصباح).

إليه مماته وفواتُه؛ فيضعف أثر الأمان في حكم المال، وقد أطلقنا هذين القولين الآن، وسنذكر -إن شاء الله تعالى- في أثناء الفصل وجهَ مأْخذ القولين، وتصرّفَ الأصحاب.
وقال قائلون: إذا خرج المعاهد إلى دار الحرب، ولم ينبذ عهده، ولكن أراد قضاء وطرٍ وعودةٍ بعدُ، فإنه إذا مات في دار الحرب، ففي أمواله التي عندنا قولان، كالقولين فيه إذا نبذ العهد، والتحق، فانتظم قولان، في الذين نبذوا، وطريقان في الذي خرج لشغل، ثم اتفق موته في دار الحرب.
11386 - ومما يجب الاهتمام به في مسائلِ هذا الفصل أن الحربي إذا أمّناه، وأوح عندنا أموالاً -كما ذكرناه- ثم خلّف الأموال، ونبذ العهد، والتحق بدار الحرب، وسُبي، فضرب الرق عليه، وعاد إلى أيدي المسلمين رقيقاً، فكيف حكم الأموال التي كان أودعها عندنا قبل الالتحاق وقبل الاسترقاق؟ فنذكر في هذه الصورة حكمَ ماله في حياته، وهو في نفسه مسترق، ثم نذكر حكم ماله إذا مات رقيقاً.
فأما تفصيل القول في أمواله حالة حياته، فنقول: إن لم نر لأمواله أماناً إذا التحق بدار الحرب، فلا إشكال في أن أمواله المخلَّفة فينا فيءٌ.
وإن فرّعنا على أنه يبقى لأمواله حكمُ الأمان إذا التحق بدار الحرب، ويبقى في قضية الأمان في حياة ذلك الملتحق النابذ للعهد، فهذا ما دام على نعت المالكين، فإذا وقع في الأسر، ورفَقْناه، فالذي يجب تحصيله ونقله -على قولنا: إن أمان المال يبقى لو لم نسترقّه- قولان: أحدهما - أنا نقف ماله، وننتظر عاقبةَ أمره، فإن مات رقيقاً، وقعت المسألة في القسم الذي التزمنا بيانه، وهو أن يموت رقيقاً، وإن عَتَق، رُدّ المال إليه، وجعلنا طريان الاسترقاق مع اتفاق العتاق بمثابة تماديه في نقض العهد، فإذا زال، عاد الأمر إلى ردّ المال إليه، فهذا قولٌ، وحاصله وقفٌ.
وله عاقبتان بينا إحداهما، وأجلنا الأخرى.
والقول الثاني - أنه إذا استُرق، فالأموال التي خلّفها فيءٌ؛ فإنه انضم إلى نبذ العهد خروجُه عن كونه مالكاً، فوهى الأمان في المال وانبتَّ، وإن كان يبقى لو بقي مالكاً، وهو قولٌ متجه منقاس.

فأما إذا استُرِق، ومات رقيقاً، فنقول: أولاً- لا مطمع لسيده في ملك الأموال، ولا تعلق له فيها، والمنصوص عليه في هذه الصورة أنها تصير فيئاً.
هذا هو النص، وليس كما لو مات حراً بعد نبذ العهد؛ فإن الشافعي نص على قولين في أنا هل نصرف الأموال إلى الورثة، فأجرى قولين، ثم قطع هاهنا بأن تلك الأموال فيء، والفرق متضح؛ فإن التوريث ثَمَّ إن قلنا به، فهو توريث من حرّ، وهاهنا لو صرفنا المال إلى الورثة، لكنا صرفناه إليهم توريثاً عن رقيق، وهو غير جارٍ على القاعدة، فاتضح الفرق.
11387 - ولكنْ للشافعي نصٌّ في مسألة تساوي هذه، والنص على المخالفة، وتلك المسألة مقصودة في نفسها، وقد أجلناها من كتاب الجراح إلى هذا الفصل، وقلّما يوجد في المعضلات مثلُها؛ فإنه يشترك فيها -كما سنُفصّلها- أصول متعارضة.
فالرأي أن نأتي بها ونبالغ في كشفها، وتنزيل فروعها على أصولها، ثم إذا لاحت المسألةُ، انعطفنا بعدها على غرضنا من الأموال التي استُرق مالكها.
وصورة المسألة أن يجني مسلمٌ أو ذمي على ذمي، فيقطع يديه مثلاً، ثم يلتحق الذميّ المجني عليه بدار الحرب، ويصير حرباً لنا، ثم يقع في الأسر، ويرى صاحب الأمر أن يضرب عليه الرق؛ فإذا رَقَّ -وتعيّن مالكه ضرْباً للمثل- والجراحة القديمة به، وسرايتها دائمة، فما الذي يجب على الجاني؟ وما يصرف إلى السيد؟ وإن فرض فاضل، فإلى من يصرف؟ فالذي يقتضيه الترتيب أن نذكر أولاً ما يلتزمه الجاني، ثم نذكر من يصرف إليه، والقول فيما يلتزمه الجاني يستدعي تجديد العهد بتراجم الأصول؛ فإن المسألة تلتفت إليها.
منها أن من قطع يدي عبدٍ قيمته مائتان من الإبل، ثم عتق ومات، فلا خلاف أن الجاني لا يلتزم أكثر من الدية نظراً إلى المآل، وهذا من الأصول الممهَّدة، وهو النظر إلى المآل في المقدار.
هذا مذهب الشافعي وأصحابه.

وقال المزني فيما نقله عنه الناقلون: يجب على الجاني أرش اليدين، مائتان من الإبل، وقد نبهنا على هذا في الجراح، وذكرنا غائلتَه، وغرضُنا الآن الاقتصارُ على تراجم.
ومن الأصول المقدمة أن من قطع يدي مسلم ورجليه، ثم ارتد المجني عليه، ومات مرتدّاً، فالمذهب أنه لا يجب على الجاني إلا ديةٌ واحدة.
وقال الإصطخري: يجب عليه أروش الأطراف، وهذا مما مضى مبيَّناً.
ومما يُحتاج إليه في المسألة التي انتهينا إليها أن من جرح مسلماً، فارتد المجروح، ثم عاد إلى الإسلام، ومات بتلك الجراحة مسلماً، ففي وجوب القصاص على الجاني تردّدٌ؛ فإن أوجبناه، فلا شك أن الدية تكمّل إذا آل الأمر إليها، وإن لم نوجب القصاص، فالمنصوص عليه أنه يجب تمام الدية، وخرّج ابن سريج قولاً أنه يجب ثلثا الدية، ويهدر ثلثها، فوزَّع الدية على حالتي الضمان، وحالة الإهدار، المتخللة، وذكر بعض الأصحاب قولاً آخر أنا نهدر نصفاً، ونوجب نصفاً.
11388 - فإذا تجدد العهد بما ذكرناه، عدنا إلى مسألتنا التي صورناها.
وهي: إذا جرح مسلم ذمياً، فنقض المجني عليه العهدَ، والتحق بدار الحرب، والسرايةُ باقية، فاستُرِق، ومات في يد مالك رقّه بتلك السراية، فحاصل ما نقله الأصحاب فيما يجب على الجاني ثلاثةُ أقوال: الأولان منهما منتظمان: أحدهما - أن الجاني يلتزم أقلَّ الأمرين من أرش الجناية، أو قيمة الرقيق، ونقدر أرش الجراحة دية يهودي، والرجوع في القيمة إلى السوق، فيجب على هذا القولِ على الجاني الأقلُّ من الأرش أو القيمة.
والقول الثاني - أنه يجب القيمة بالغةً ما بلغت، ولا نظر إلى الأرش.
وحكى القاضي، والإمام والدي قولاً ثالثاً، أن الجاني يلتزم أرش الجناية بالغاً ما بلغ، ولا نظر إلى مقدار القيمة.
وهذا أضعف الأقوال توجيهاً.
[توجيه الأقوال] 1: 11389 - من قال: يجب أقلُّ الأمرين، احتج بأن قال: إن كانت القيمةُ أقلَّ،

فالاقتصار عليها خارج على اعتبار المآل، وهو من أصول المذهب، وقد صارت الجراح نقصاً، وإن كان الأرشُ أقلَّ، فلا وجه لإيجاب زائدٍ؛ لأن المجني عليه بعد الجناية صار مباحاً، والرق نتيجة الإباحة، ومن استحق الرقَّ، فاستحقاقه طارئٌ على إباحةٍ قاطعةٍ للعهد السابق، فيبعد أن يضمن الجارح قبل الإباحة مزيداً بسبب رقٍّ ترتب على الإباحة، وحق من يملك مباحاً أن يكتفي بما يصادفه.
هذا توجيه هذا القول.
ومن أوجب القيمة، استمسك باعتبار المآل، وقال للقائل الأول: إنك تنظر إلى القيمة إذا كانت أقلَّ.
فإذا توجه النظرُ إليها، تعين اعتبارها، وكان الرق بعد الحرية في العاقبة كالعتق فيه إذا جنى على عبدٍ ثم عتق ومات.
وأما من قال: يجب أرش الجناية بالغاً ما بلغ، فليس لهذا اتجاه إلا على المذهب الذي حكيناه للإصطخري فيه إذا قطع رجلٌ يدي رجل ورجليه، ثم ارتد المجني عليه، ومات، فإنه يوجب أرش الجراحات، وإن زادت على الدية؛ مصيراً إلى أن الإباحة بعد الجناية، تمنع اعتبار المآل؛ من حيث لو اعتبر المآل، للزم الإهدار، فعلى هذا يتجه إيجاب أرش الجراحات بالغاً ما بلغ.
فإن قيل: كيف وجه التشبيه؟ والذي ارتد في مسألة الإصطخري مات مرتداً، والمجروح في مسألتنا مات رقيقاً مضموناً؛ قلنا: وإن كان كذلك، فالرق مرتب على الإباحة وهو نتيجة الإباحة.
11390 - وبقي وراء الأقوال مباحثة وإشكال [متلقى] 1 من أصلٍ من الأصول التي ذكرناها، وهو أن من جرح مسلماَّ، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، ومات في الجراحة، فإن قلنا: تجب الدية الكاملة، فلا إشكال في مسألتنا، وإن رأينا على التخريج أن نوجب بعض الدية، ونهدر بعضها، لمكان الإهدار الطارئ، فعلى هذا يجب إنعام النظر في مسألتنا، من جهة أن سراية الجراحة بقيت، وهو حر ثم استرق بعدها، فحقُّ تلك السراية ألا يُضمن موجبها، فنقول: يستعمل هذا الأصل على

الأقوال، فإن قلنا: الاعتبار بالقيمة، فلا نظر إلى أرش الجناية، فعلى هذا يخرج أن نقول: يجب ثلثا القيمة، أو نصف القيمة، كما ذكرنا هذا في مسألة طريان الرّدة.
وإن قلنا: الواجب على الجاني أرش الجراحة بالغاً ما بلغ، فلا يعترض هذا الإشكال على هذا القول، ولا نظر إلى الإهدار بعد الجراحة، ولا نظر إلى المآل بحال.
وإن قلنا: على الجاني أقلُّ الأمرين من أرش الجراحة أو القيمة، فالوجه أن نقول: على الجاني أقلُّ الأمرين: من الأرش أو نصفُ القيمة في قولٍ، أو ثلثي القيمة في قول، فنعتبر المناسبة في استخراج الأقل على النسبة التي يقتضيها التخريج في القيمة إذا قلنا: الاعتبار بالقيمة.
هذا نجاز القول فيما يلتزمه الجاني.
11391 - والكلام وراء هذا في أن ما يلتزمه الجاني إلى من يُصرف؟ نرسل في هذا ما ذكره المحققون، ثم نذكر مستدركا قريباً بيّناً: فإن قلنا: على الجاني أقلُّ الأمرين من الأرش أو القيمة، فهو مصروف إلى ورثة المسترَق، هكذا نصّ الشافعي؛ فإن الأرش إن كان أقل، فقد جرى في حالة الحرية قبل الإباحة، وتولّج بينها وبين الرق إباحة فاصلة، فالأرش مصروف إلى الورثة، وإن كانت القيمة أقل، فهذا سمّي قيمة، وهو في التحقيق بعضٌ من الأرش، وكأن الأرشَ نَقَصَ بنظرتنا إلى المآل، فإذا كنا نصرف الأرشَ إلى الورثة بالتقدير الأول، وهو مثل الجناية، فالناقص أولى بالصرف إليه.
ووراء هذا غائلة، ولكن بيان المسألة عند نجازها.
وإن قلنا: الواجب قيمة المسترق بالغة ما بلغت، فمقدار الأرش من القيمة يصرف إلى الورثة؛ فإن ذلك ثبت بسبب الجناية، في الحرية، وأما الفاضل من القيمة، فإنه مصروف إلى المولى، وإن كانت القيمة مثلَ الأرش أو أقلَّ منه، فهي بجملتها مصروفة إلى الورثة، وإن قلنا: يجب الأرش بالغاً ما بلغ، ولا نظر إلى القيمة، فالوجه القطع بأنه مصروف إلى الورثة، لا حظ للسيد فيه.

وقال القاضي: يصرف مقدار القيمة من الأرش إلى السيد، ويصرف الفاضل إن فضل شيء إلى الورثة، وهذا غلطٌ صريح؛ فإنا إذا أوجبنا الأرش بالغاً ما بلغ، فلسنا نلتفت إلى القيمة، ولكن صاحب هذا القول يعتقد أن طريان نقض العهد يمنع اعتبار المآل؛ فإن الرق وإن أحدث ضماناً، فهو مترتب على الإباحة كما سبق تقديره، فإذا كان مقتضى هذا القول قطعَ النظر عما بعد الجناية، وحق مستحق الرق يتعلّق بالرق، فإنا إذا لم نعتبر القيمة، ولم نلتفت إليها، فيستحيل صرف شيء من الأرش إلى السيد، بل يتعين صرف الأرش بكماله إلى الورثة على موجب النص.
فالوجه أن نقول: إن حكمنا بإيجاب الأرش، فهو مصروف إلى الورثة على مقتضى النص، وإن قلنا: الواجب القيمة بالغة ما بلغت، فإن كانت قدرَ الأرش، أو أقلَّ منه، فهو مصروف إلى الورثة، وإن كانت أكثر من قدر الأرش، فمقدار الأرش مصروف إلى الورثة، والفاضل مصروف إلى السيد.
هذا هو التفريع القويم على الأقوال.
وعلينا بقايا في هذه المسألة.
11392 - ولكن حان أن نرجع من هذه المسألة إلى ما كنا فيه قبل الخوض في هذه من أحكام الأموال التي أودعها ثم استرِق: ظاهر النص أن تلك الأموال فَيْءٌ إذا مات المسترَق على رقه، وقبل أن يموت فيه قولان.
هذا هو النص في الأموال.
ونصَّ في مسألة الجراحة أن الواجب على الجاني مصروفٌ إلى ورثة المسترَق أو بعض ما يجب، كما فصلنا في التفريع على الأقوال الثلاثة في مسألة الجناية، ولا فرق؛ فإن المجروح مات رقيقاً، والمسترَق الذي كانت له أموالاً مات رقيقاً، والتوارث من الرقيق بعيد، غير جارٍ على القولين في المواريث، وإن أسندنا الإرثَ إلى ما قبل جريان الرق، كان هذا توريثاً من حي، ويستوي فيما نبهنا عليه أرش الجراحة والمال.
فقال أصحابنا: في المسألتين قولان بالنقل والتخريج -إذا اتصل 1 -: أحد

القولين- أن الأموال والأرش على ما تقدم التفصيل فيءٌ، فإنها أموالاً متلقاة من كافر من غير قتال، وقد عسر تقدير الميراث؛ من جهة أن التوريث من الرقيق غير ممكن، والتوريث في حالة الحياة، لا سبيل إليه، وهذا عندي أقيس القولين.
والقول الثاني - أن الأموال مصروفة إلى الورثة، وكذلك الأرش على ما فصلنا التفريع على الأقوال الثلاثة، ووجهه أن الأموال كانت مبقّاة فينا 1 على حكم أمانٍ ونقضُ مالكها العهد لم يُبطل الأمانَ في المال؛ فإن هذه التفريعات بجملتها مجراة على أن حكم الأمان يبقى في الأموال، ثم لو مات الحربي عليها، فقد ذكرنا قولين في أنه هل يورث، وصححنا التوريث منه، فالاسترقاق ينبغي ألا يحُلَّ 2 أمانَ المال، كما لم يحُلّ نبذُ العهد أمانَ المال، وإذا لم يحُل أمان المال، وتعيّن ألا يُصرفَ إلى جهة الفيء، ثم لا مسلك أخص به من مسلك التوريث، فاقتضى مجموعُ ذلك الصرفَ إلى الورثة.
فأما امتناع التوريث من الرقيق، فذاك من تفاصيل شرعنا، والكفار لا يتعبدون بتفاصيل الشرع إيقاعاً وابتداءً، ومن زعم أنهم مخاطبون عَنَى بذلك ربطَ المأثم بهم في ردّهم الشرع المشتمل على تفاصيل الأحكام، ثم يتعرضون لاستيجاب العقاب على كلّ محرّمٍ في الشرع اقتحموه، وكل واجب تركوه، فأما ربط ما يتعلق بهم بقواعد الشرع وشرائطها، فلا سبيل إلى التزامها، فقد جرى القولان في الأموال، والأروش الذي كنا نصرفه في مسألة الجناية إلى الورثة.
=الشافعي على الصرف إلى الوارث، وقد مات رقيقاً، ونص في وديعة المستأمنَ إذا مات رقيقاً أنه فيء لعسر التوريث من الرقيق؟ قلنا: من ذلك قال الأصحاب: في المسألتين قولان بالنقل والتخريج من غير فرق: أحدهما - أن المال في المسألتين مصروف إلى الفيء؛ فإن التوريث من الرقيق بعيد، وأبعد منه التوريث من الحي لو أسندنا الاستحقاق إلى ما قبل الموت.
والثاني - أنه للورثة، إذ جعلُه فيئاً نقضٌ لحكم الأمان، فلا بدّ من بقاء الأمان، ومنع التوريث من الرقيق حكمُ شرعِنا، فلا ننقض أمان الكفار بهذا العذر، وهم لا يؤاخذون بحكم شرعنا في الحال ". (ر.
البسيط: 5/ورقة: 172 يمين).

11393 - فإن قلنا: الأموال والأروش مصروفة إلى مصارف الفيء، فلا كلام.
وإن قلنا: هي مصروفة إلى الورثة، ففي طريق الصرف إلى الورثة تردد عندي، يجوز أن يقال: لا يصرف إليهم إرثاً، وإنما يصرف من حيث لا يؤخذ منهم، فالمال في أمانٍ غير منحلّ.
وهذا يناظر ما إذا قلنا: من مات وبعضه حر وبعضه رقيق، فالأموال التي خلصت له بسبب الحرية مصروفة إلى مالك الرق في بعضه، وليس هذا توريثاً، وإنما هو صرف مال إلى أخص الجهات، حيث يعسر إجراء قوانين الميراث، ولذلك أقمنا السيد مقام العبد المقذوف بعد موته في طلب التعزير، وليس هذا من التوريث، ولكنه استمساك بأخص الطرق.
ولو استدّ نظر الناظر، استبان له أن التوريث بابٌ من التخصيص أيضاً؛ فإن الأموال إذا زال عنها مالكها المختص، ولا سبيل إلى تعطيلها، فالوجه إقامة من يختص بالميت مقامه في نسب أو بسبب كما تقتضيه قواعد الفرائض، هذا مسلكٌ.
ويجوز أن يقال: هذا توريث.
وقد صرح بذلك النص، وأطلقه الأصحاب، ثم على هذا تردد سيأتي شرحنا عليه، إن شاء الله تعالى.
فإن قلنا: ليس ما ذكرناه توريثاً، فلا محاشاة من المصير إلى أن المال يصرف إلى الأخصِّين يوم الموت، وإن قلنا: هذا توريث، فينقدح فيه وجهان: أحدهما - أن نقول: نتبين استناد استحقاق الورثة إلى ما قبل جريان الرق، فإن قيل: هذا توريث من حيٍّ.
قلنا: هو كذلك.
والعبارة القريبة من النظم أن نقول: هذا توريث يناظر مسألةً ذكرناها في الجراح، وهي أن من قطع يد مسلم ثم ارتد المجني عليه ومات مرتدّاً، فقد قال الشافعي: لوليه المسلم القصاصُ في الطرف، فهذا في التحقيق خلافةٌ أثبتها بين المسلم وبين المجني عليه لمّا كان مسلماً، فإنه لو اعتبر حالة الممات، لكان مورِّثاً مسلماً من كافر، ولا يرث المسلم المرتد عندنا.
والذي يحقق ما ذكرناه أن من استُرق ومات، فقد زالت أملاكه بالرق، كما يزول ملك الحي بالموت، فكان الرق المتقدم على موته في معنى الموت، فأثبتنا الخلافة متصلة بمُزيل الملك، وإن لم تكن متصلة بالموت نفسه.

11394 - وقد أجرينا في أصول هذه المسألة أموراً بديعة من أدناها: أنا قلنا: من جنى على عبدٍ ثم عَتَق، فالواجب الدية، ويصرف قسط منها، أو كلُّها إلى من كان مالكاً قبل الموت، وإن كان مستحق الرق [لا يستحق] 1 من بدل الحرية شيئاً، والدية بدل الحر.
ثم إنا خصصنا ما ذكرناه من الخلافة بحال الموت، لأن الرقيق، وإن لم يكن مالكاً، فالملك له متوقع، ولا إرث ما لم ينقطع التوقع.
هذا بيان هذه المسألة.
فإن قيل: أين يقع التوريث من الرقيق من صرف شيء من الدية إلى من كان مالكاً في مسألة طريان العتق؟ قلنا: شرط استحقاق الورثة حريةُ من يُتلقى الاستحقاق منه، كما أن شرط استحقاق المالك رقُّ المجني عليه، وقد تقدم الرقُّ في مسألة طريان العتق، ولم نجد سبيلاً إلى إبطال حقّ مُستحِق الرق، وإن زال الرق بالعتق؛ لأن العتق لا ينعطف على ما فات بالجناية.
وفي مسألتنا ما فات في زمن الحرية أو مُلك في زمن الحرية، فالرق لا ينعطف عليه.
والحكم السابق لا سبيل إلى إبطاله بما يَلْحق، على ما قررناه.
فالتقت المسألتان في التحقيق.
وإن تقدّمت الحرية في أحدهما، وتأخرت في الأخرى، فالمسألتان مفترقتان من الصورة مجتمعتان في الحقيقة.
ومما كان يذكر شيخُنا متصلاً بهذا الفصل أنه لو أعتق الذمي عبداً، وثبت له الولاء عليه، ثم نقض العهدَ، والتحق بدار الحرب، فوقع في السبي، فأرققناه.
فإن مات رقيقاً، فلا حظ للسيد في ولاء مواليه ومعتَقيه إذا كان ذمّياً، كما لاحظ له في المال، وهو لما رَقَّ خرج عن أن يكون مستحِقاً للولاء، فحكم ولاء المعتقين كحكم الأموال.
وقد ذكرنا مصارف أمواله.
وهذا الكلام مفهوم في نفسه.
ولكن ليس على الحد الذي أُحبه، فإن غاية البيان لا يتأتى في الوَلاء إلا بعد الإحاطة بأصله، وقد تركت وخلَّفت فيما تقدّم غوامضَ من أحكام الوَلاء، وأنا أرجو من الله تعالى أن آتي بقواعد الوَلاء في بابٍ من كتاب العتق

على وجهٍ لا يغادر مشكلة، إن شاء الله عز وجل.
ثم قال: لو أعتق مالكُ المسترَق، فهل ينجرّ الولاء إليه؟ فعلى وجهين.
وهذا يستدعي الإحاطة بجر الولاء وموضعه، وسيأتي ذلك كله في موضعه من باب الولاء إن شاء الله تعالى.
وإذا انتهينا إلى ذلك الباب أعدنا هذه المسائل في الولاء، وتداركنا ما فيها من إبهام، إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: " ومن خرج إلينا منهم مسلماً ... إلى آخره " 1. 11395 - من خرج إلينا مسلماً من الكفار قبل الظفر به، عصم دمه وأحرز ماله ولا فرق بين العقار والمنقول، فلو كانت له أموال في دار الحرب لم نعرض لشيء منها، ولا فَصْل بين مالٍ ومال.
فأما الأولاد، فإن كانوا صغاراً ثبت لهم حكم الإسلام تبعاً، وإن كانوا كباراً، فلا يلحقهم من عصمة إسلام أبيهم [شيء] 2؛ فإنهم مستقلون، فإن أرادوا العصمة، فليسلموا، والإسلام لا يجري مجرى العهود والمواثيق التي تعقد للواحد مرة والجمع أخرى، وإنما هو اتصافٌ بالدين، ثم مالُ المسلم معصوم كدمه، والمتعلقون به يُعصمون لإسلامهم لا لإسلام من ينتمون إليه.
وهذا على وضوحه يزداد بياناً بأن [نفرّق] 3 بين الإسلام والذمة، فنقول: من عقدنا له الذمة تعدّت قضية الذمة إلى زوجاته وبناته الكفار، كما تتعدى إلى أمواله؛ فإنه بذمته يبتغي أن نُقرّه مع أهليه في دار الإسلام، والبنت الكبيرة لا تقبل الجزية بنفسها، فاندرجت تحت الذمة المعقودة للذمي.
ومن أسلم من الكفار، وله بنت كبيرة حربية، فعصمة إسلام الأب لا تلحقها؛ فإنها متمكنة من الإسلام انفراداً، فلْتُسلم، وهي من طريق التقريب والتشبيه في

الإسلام تنزل منزلة الابن الكبير في الذمة، فإن الذمّي لا يستتبع بنيه في الذمة، بل إن أرادوا العصمة، فليقبلوا الجزية بأنفسهم.
فلما تُصوّر استقلالهم لم يتبعوا في الجزية، والبنت في الاستقلال بالإسلام كالابن، وهذا وإن أطلناه، فهو بينٌ عند الفقيه، لكنا نرى ألاّ نُغفل في تمهيد الأصول جليَّاً ولا خفيّاً.
11396 - ولو بدت تباشير الفتح في القلعة التي حاصرناها، فمن أسلم قبل حقيقة الفتح، عصم نفسه وماله، وتعدّت العصمة إلى صغار أولاده، من حيث يلحقهم الإسلام على جهة التبعية.
واحتج الشافعي في ذلك بقصة ابني سَعْية 1، كانا من بني قريظة، فخرجا مسلمين لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعصما بإسلامهما أموالهما وصغار أولادهما، وابنا سَعْية هما: ثعلبة وأُسيد، وسبب إسلامهما معروف 2. ولو كان الذي أسلم زوجَةً حربية، فقد قدمنا الخلاف في أن زوجة المسلم هل تُسبى؟ فذلك الخلاف يعود، ولو كان للذي أسلم ولدٌ مجتنّ في بطن حربية، فإن كانت زوجتَه، فقد مضى الكلام فيها، وإن لم يكن عليها زوجية، فهي مسبية مسترقة، والجنين الذي في بطنها، لا يرق، من جهة أن الإسلام لحقه، وهو موصوف بالإسلام، فلا يلحقه السبي والرق، كالمولود المنفصل.
وخالف أبو حنيفة 3 في مسائل مما ذكرناه منها: أنه قال: من أسلم، فماله المنقول لا يغنم، وعقاره يغنم.
وقال: لو اشترى مسلمٌ دخل دار الحرب عقاراً، فهو مغنوم، وإن كان مِلكَ المسلم.
والجنينُ في بطن الأم يلحقه الرّق عنده إذا سبيت الأم.

وحكمُ الذمي، وحكم أمواله الكائنة في دار الحرب سيأتي مستقصىً في كتاب الجزية، إن شاء الله تعالى، وسنذكر أحكام المعاهدَ والفرقَ بينه وبين الذمي في هذه القضايا التي أشرنا إليها.
والإسلام بعد الأسر، ممّا سبق القول فيه في كتاب القَسْم، وبينا نص الشافعي رضي الله عنه، حيث قال: " إذا أسلموا بعد الإسار رقّوا " وأوضحنا تأويل ذلك، وقد روي أن [عُقيلياً] 1 أُسر، فأسلم بعد الإسار، فقال صلى الله عليه وسلم: " لو قيلت 2 قبل هذا، لأفلحتَ كل الفلاح " 3. فصل قال الشافعي: " قال الأوزاعي: فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عَنْوة ... إلى آخره " 4. 11397 - حقيقة مذهبنا في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة مستعداً للقتال لو قوتل؛ ولكنه لم يقاتل، فأمّن أهلَ مكة على جملةٍ، ثم على تفاصيلَ، وأمر بقتل رجالٍ مخصوصين كان عزم على قتلهم، وأمر بقتل القَيْنتين؛ فهذا ما جرى، وقتل خالدُ بنُ الوليد بين الصفا والمروة طائفةً من بني نُفاثة 5،

وقيل: كانوا بيتوا خزاعة المستجيرين برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم موقع الرضا، ولما رأى بريق السيوف على الميسرة، والمؤمرُ عليها خالد بنُ الوليد، قال: " اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد "، وفي الحديث " أنه ودى القتلى من عند آخرهم، حتى ميلغة الكلب " 1. فمن قال: دخل مكة عَنوة على معنى أنه مُنع، فقاتل، فليس الأمر كذلك، ومن أراد بدخوله عَنْوة أنه دخلها بعُدّة على هيئة الاستمكان من القهر، فهذا حق لا ينكر، وما جرى من القتال فيه وصفناه.
وليس في الخلاف في هذه المسألة كثير فائدة.
والذي جرى الرسم بذكره في أطراف هذه المسألة، القول في عقار مكة.
وعَقارُها وعِراصها المحياة كلها مملوكة، كالدور في سائر البلاد، يصح بيعها، وتنفذ جميع تصرفات الملاك فيها.
ومذهب أبي حنيفة 2 أن بيع عقار مكة مردود، ولهم اضطراب، لا حاجة بنا إلى نقله.
... =خزاعة.
(ر.
مغازي الواقدي: 2/ 612، 782، 783، واللباب في تهذيب الأنساب: 3/ 319 وفيه بنو نفاثة، وهو بطن من كنانة، ولا منافاة؛ فبنو نفاثة من بكر، وبكر من كنانة).

باب وقوع الرجل على الجارية قبل القسمة

قال الشافعي: "إن وقع على جارية من المغنم قبل القسيمة ... إلى آخره" 1. 11398 - مضمون هذا الباب يستدعي تقديمَ القول في أملاك الغانمين في المغنم قبل اقتسامه، ونحن نذكر في ذلك ترتيباً ضابطاً، ثم نفُضُّ عليه مسائلَ الباب.
وقد استاق صاحبُ التقريب فصلاً جامعاً على أبلغ وجه في البيان، فقال: إذا غنم الغانمون النساء، ولم يقسموها، فهل يثبت الملك قبل القسمة للغانمين؟ فعلى ثلاثة أوجه: أحدها - أنه لا يثبت لهم الملكُ حقيقةً قبل القَسْم، وإنما يثبت له 2 حق التملك.
والدليل عليه أن من أعرض منهم، سقط حقه، كما سنصف ذلك، إن شاء الله تعالى، في أثناء الفصل، ولو ملكوا بالاستيلاء، لاستقر ملكهم، كما يستقر ملك المصطاد، والمحتش، والسارق من مال الكفار من غير مطاردة، وقال: فإن الأملاك إنما تنضبط بالجواز في العقود التي تلحقها الخيارات.
والوجه الثاني - أنه يثبت لهم ملكٌ ضعيف، كما يثبت الملك للمشتري في المبيع في زمان الخيار على القول الصحيح؛ فإن سبب الملك الاستيلاء؛ فاستحال أن يثبت السبب، ولا يثبت الملك، وأيضاً، فإن ملك الكفار زال، والأموال المغنومة أملاك محققة، ويبعد على مذهب الشافعي ملك لا مالك له.
والوجه الثالث - أن ملكهم موقوف، فإن سلمت الغنيمة حتى قسمت، تبين لنا أنهم ملكوها لمّا غنموها، وإن لم تتفق القسمة حتى تلفت الغنيمة، أو أعرض من يريد الإعراض، فيتبين لنا أن الغنيمة لم تُملك إن تلفت، وتبين أنه لم يملكها من أعرض

عنها.
ووجه هذا: أن الاستيلاء على حكم تجريد القصد [للملك] 1 لا يتحقق في المغانم، لما أوضحناه من أن الغرض من قتال الكفار إعلاءُ دين الله تعالى، والذب عن الملّة، والمغانمُ في حكم التابع؛ فإذا فُرضت القسمة فيها، تبينا حقيقةَ الاستيلاء، وإن فرض تلفٌ أو إعراض، تبيّنا نقيضه.
فهذا وجهُ الوقف.
ثم إذا فرعنا على قول الوقف، فقسمت الغنيمة، فالرأي الحق أنا لا نقول: نتبين أن حصة كل واحد من الغانمين كانت له على التعيين قبل القسمة، ولكن معنى التبيّن أنهم إذا اقتسموها، تبيّنا أنهم ملكوا المغنم لما استولَوْا عليها ملكاً شائعاً، وتمييز الحصص يحصل بالقسمة، كما يقسم الورثةُ التركة؛ فإن القسمة تُخَلِّص لكل واحد حصته بالقرعة.
وحكى صاحبُ التقريب وجهاً غريباً مفرعاً على قول الوقف؛ فقال: إذا اقتسم الغانمون، تبيّنا أن كل واحد منهم ملك الحصة التي أصابته عند الاستيلاء على المغنم، وهذا على نهاية البعد، ولكن نقله صاحب التقريب، وفرّع عليه، كما سنبين تفريعه، إن شاء الله تعالى.
ووجه هذا الوجه على بعده أن كل واحد منهم قبل القسمة كان على خِيَرةٍ من أمره، إن شاء أعرض، وإن شاء طلب حقَّه من المغنم، وليس كذلك الأملاك المشتركة بين الشركاء، فإذا حصل الاقتسام، فتمام الاستيلاء في حق كل واحد منهم يتحقق بالقسمة، فالغرض يتضمن الانعطافَ على أول السبب، وهذا وإن تكلفنا توجيهه ليس بشيء.
11399 - ومما نذكره في أصل الملك أن من أعرض من الغانمين عن حصته قبل القسمة، سقط حقه من المغنم.
وهذا يدل على عدم ملكه.
أو على ضعف ملكه، أو على تردد على مقتضى الوقف.
ثم قال الأئمة: لو أفرزنا الخمس، وأفرزنا من رأس المغنم السّلَب على تفاصيلَ تامة جرت في القَسْم، وبقيت حقوق الغانمين، فلو أعرض واحد منهم بعد إفراز

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل