نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 125-164
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 125-164
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

عقداً، ومن ضرورة استفتاح عقد حلُّ ما كان تقدم؛ فإن المنعقد لا ينعقد عقده إلا بعد حله، ثم يُبتَدأ بعد الحلِّ العقد.
ثم لا يحكم -والحالة هذه- بانعقاد الصلاة بالتكبيرة الثانية -وإن كانت على الشرط المطلوب- فإن هذه التكبيرة قد تضمنت حلاً؛ فيستحيل أن تتضمّن عقداً؛ فإن الشيء الواحد لا يصلح -فيما نحن فيه نتكلم- لحكمين نقيضين: الحل والعقد جميعاًً، فهذا ما ذكره.
وطائفةُ كافّة الأصحاب عليه من غير مخالفٍ.
فالوجه إذن أن يرفع التكبيرَ (1 الأول بسلام أو كلام أو غيره، ثم يبتدىء التكبير 1) الثاني عاقداً، فيحصل الحلّ بما يتقدّم عليه، ويتجرّد هذا التكبير للعقد.
791 - ولو كبر التكبير الثاني على أنه قطع ما كان فيه -إن كان قد انعقد- فقدّر التكبيرَ الثاني قاطعاً محللاً، واستفتح تكبيراً ثالثاً عاقداً، فقد قال الأئمة: تنعقد الصلاة؛ فإن التكبيرة الثانية جرت قاطعةً غير عاقدةٍ، فتتجرد التكبيرة الثالثة للعقد.
وهذا فيه إشكال عندي، من جهة أنا نجوّز أن التكبيرة الأولى، لم تكن عاقدة في علم الله تعالى، والتكبيرة الثانية صحت من حيث إنها لم تكن متضمنةً حلاً، فإذَا كبّر التكبيرة الثالثة، فهي تتضمن حلاً لما انعقد، كما صوّرناه، وإذا تضمنت حلاً، لم تقتضِ عقداً؛ فإن التكبيرةَ الواحدةَ لا تصلح للنقيضين جميعاًً.
هذا وجه الإشكال.
ولكن الجواب عنه: أن التكبيرة الأولى -وإن لم تكن عاقدة في علم الله- فقد قصد صاحب الواقعة بالتكبيرة الثانية حلاّ لما تقدّم، وهذا يُفسد التكبيرة؛ فإنها وإن كانت غير حالة عند الله، فقصد الحل يُفسدها، ويخرجها عن كونها صالحةً للعقد.
فإذا فسدت لذلك، فالتكبيرة الثالثة تقع مجرّدةً للعقد، فتصح.
ولو ظن أن التكبيرة الثانية تعقد لو صحت، ولم نحكم بفسادها، فأجرى التكبيرة الثالثة، وهو يُجوّز أن الثانية عَقَدت، فيظهر في هذه الصورة أن يقال: تفسد التكبيرة الثالثة؛ من جهة أنه قصد بها حلاً لما اعتقد انعقادَه.
فإذاً إنما تنعقد الصلاة بالتكبيرة الثالثة في حق من يعلم أن الثانية لا يجوز أن تكون عاقدةً حتى لا يفرض حل ما عقدَه بالثالثة.
فليتأمل الناظر ذلك؛ فإنه بين.1

792 - قال الشيخ أبو علي: لو كبّر وشكّ كما ذكرناه، ثم قصد التحلل -إن كان عَقْدٌ- عند التكبيرة الثانية، فلو كانت التكبيرة الأولى عاقدة، ما حكمه؟ قال: هذا يُبنى على أن من قصدَ نية الخروج مُعلِّقاً على أمرٍ في المستقبل، فهل يصير في الحال خارجاً أم لا؟ فيه من التردّد ما ذكرناه قبلُ: إن قلنا: يصير خارجاً، فقد خرج بمجرد ما جرى به من الذكر، ولم يتوقف خروجه على جريان التكبير الثاني.
فإذا أقدمَ على التكبير الثاني، فيكون متجرداً للعقد، فيصح.
هذا تفريع على وجهٍ.
وفيه نظر؛ فإنه لو اعتقد أن التحلل يحصل بالتكبير الثاني، فقد جاء به على قصد التحلل؛ [فينبغي أن يفسد بقصده، وإن كان التفريع على أن التحلل] 1 وقع قبله، إلا أن يتفطّن صاحب الواقعة لينجِّز الانحلال قبل الإقدام على التكبير الثاني، [فيُقدم عليها عاقداً، فيكون كما قال، فأمّا إذا أقدمَ على التكبير الثاني] 2 وهو يظن أن الحلَّ يحصل به، فينبغي أن يفسد لقصده 3. ثم فرع على الوجه الثاني -وهو أن من علق الحلّ بأمرٍ في المستقبل، لا تنحل صلاته في الحال- فقال على هذا: يحصل الحلّ عند التكبيرة الثانية، ولا يحصل العقد بها.
وهذا التردّد منه دليل على أن من علق التردّد على أمرٍ يقع لا محالة في الصلاة إن دامت، ففي التحلل في الحال قبل وقوع ما جعله متعلقاً للحلّ خلافٌ، كما حكينا ذلك عنه.
وهذا ضعيفٌ غير سديدٍ، والوجه: القطع بانتجاز الانحلال في الحال في مثل هذه الصورة؛ فإنا ذكرنا قطعَ الأصحاب بأن من تردّد في أن يخرج أو لا يخرج،

فنفس تردده يتضمّن الحل في الحال.
وإذا علق الحل على أمرٍ سيقع في الصلاة لا محالة، فهذا في اقتضاء الحل في الحال ينبغي أن يكون أظهر أثراً من التردّد في نية الخروج.
فصل 793 - المسبوق إذا صادف الإمام راكعاً في الصلاة المفروضة فكبّر، وابتدر الركوع ليدرك الركعةَ، فأوقع بعضاً من تكبيرة العقد بعد مجاوزته القيام، فلا شك أن صلاته لا تنعقد فرضاً؛ فإن الصلاة المفروضة إنما تنعقد ممن يوقع تكبيرة العقد في حالة القيام، ثم إذا لم تنعقد الصلاة، فهل تنعقد نفلاً؟ فإن النافلة تصحّ قاعداً مع القدرة على القيام.
اضطربت نصوص الشافعي في هذه المسألة وأمثالها مما سنذكر صورها، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن الصلاة تنعقد نفلاً، وأنه إن اختل شرط الفرضية، لم يختل شرط النافلة.
وهو قد نوى صلاة، ووصفها بالفريضة، وما جرى يناقض الصفة، فلنترك الصفة، ولتبق الصلاةُ مطلقةً، والصلاة المطلقة مصروفة إلى النافلة.
والقول الثاني - أن الصلاة تبطل، ولا تنعقد نفلاً؛ فإنه أوقعَها فرضاً، ففسدت في جهة إيقاعه، وكأن هذا القائل يزعم أن [الفريضة جنسٌ] 1 من الصلاة تتميز عن النفل، وهي منفردة في حكمها وليست صلاة وفريضة، فإذا بطلت من جهة الفرض، لم يبق وجه في الصحة.
وهذا يرد عليه أن الشافعي يجوّز أن يقلب المفترضُ الصلاة المفروضة.
نفلاً بأسباب، ولا معنى للقلب إلاّ من جهة تقدير رفع الفرضيّةِ، وتَبْقية الصلاة مطلقة، وهذا يوجب بقاءها نفلاً، (2 وهو مصرّح بأن الصلاة المفروضةَ فيها حكم الصلاة المطلقة، فكذلك تبقى نفلاً 2) إذا بطلت الفرضيّة عنها.
ويمكن أن يقال: من قلب المفروضَة نفلاً، صح؛ لقصده في ذلك، فأما من2

قصد الفرض على وجهٍ لا يصح إيقاع الفرض عليه، ولم يجرِ في قصده أمرُ النفل، فلا يحصل له النفل.
والأمر محتمل.
794 - ثم الصورة التي ذكرناها في إيقاع تكبير العقد في الركوع لها نظائر، منها: أن يتحرّم الرجل بصلاة الظهر قبل الزوال [فـ]ـلا 1 تنعقد فرضاً، ولكن هل تنعقد نفلاً؟ فعلى قولين.
وكذلك لو عقد الصلاة قاعداً مع القدرة على القيام، ففي انعقادها نفلاً ما ذكرناه.
وكذلك لو تحرّم بصلاة مفروضة، وصحّت له، ثم أراد أن يقلبَ الظهر عصراً، أو العصرَ ظهراً، فلا ينقلب فرض إلى فرض، وتبطل الفرضيّة التي كانت صحت، ولا يحصل ما نوى القلب إليه.
ولكن هل تبقى الصلاة نافلة؟ فعلى القولين اللذين ذكرناهما.
ولو كان العاجز عن القيام يصلي قاعداً، فوجد في أثناء الصلاة خِفةً، وأمكنه القيامُ من غير عسر؛ فاستدام القعود؛ فتبطل فرضيةُ الصلاة.
وهل تبقى الصلاة نافلةً فعلى القولين.
795 - [والذي ذكرناه، والذي لم نذكره يجمعه أمر، وهو أن من أتى بما ينافي الفرضيّة ولا ينافي النافلةَ، فإذا لم يحصل الفرض، فهل تبقى الصلاة نافلةً؟ فعلى قولين] 2 ولا خلاف أن من قلب الفرض نفلاً، فلا يبعد أن ينقلب نفلاً عند مَسِيسِ حاجةٍ إليها.
وسنعود إلى هذا في بعض مجاري الكلام، وهو أن الفريضة إذا قلبت نفلاً كيف يكون أمرها إذا لم تكن حاجة؟ وبماذا تُضبط الحاجة؟ [وهذا نذكره] 3 في المنفرد بالفريضة إذا وجد جماعةً: كيف يفعل؟ فرع: 796 - إذا أراد المصلي أن يقتدي في صلاته بإمام، فلينو القدوةَ في الوقت الذي ينوي فيه الصلاة -على ما تقدم وقت النية في اقترانها بالتكبير، أو تقدمها- فلو

نوى الاقتداء بعد الفراغ من التكبير، فهو كما لو انفرد بالصلاة، ثم نوى الاقتداء في أثناء الصلاة.
وسيأتي تفصيل القول في ذلك مشروحاً إن شاء الله.
فصل قال: "ولا يُجزىء إلا قوله: الله أكبر ... إلى آخره" 1. 797 - لفظُ التكبير على صفته المعلومة يختص بالعقد؛ فلا تنعقد الصلاة إلاّ بقوله: الله أكبر، أو الله الأكبر.
فلو ذكر اسماً آخر من أسماء الله، أو وصَفه بصفة أخرى سوى الكبرياء، فقال: الله أعظم أو أجل، لم تنعقد الصلاة عندنا.
وأصل الشافعي تغليب التعبد، والتزام الاتباع، والامتناع من قياس غير المنصوص على المنصوص عليه.
ثم الأصل الله أكبر، فإن قال: الله الأكبر، أجزأه عندنا؛ فإن في قوله: الله الأكبر الله اكبر، ولكنّه زاد لاماً، ولم يغير المعنى؛ فيقدر كأنه لم يأت باللاّم، والإتيان بها بمثابة مد -لا يغيّر المقصود- أو تثاؤبٍ أو نحوهما مما لا يغير المعنى.
ولو قال: الله الجليل أكبر، ففي صحة الصلاة وجهان: أحدهما - الصحة؛ لأنه أتى بالتكبير، والزيادة غير مغيّرةٍ للتكبير، فصار كما لو قال: الله أكبر.
ومنهم من قال: لا تنعقد الصلاة، فإنه خالف مورد الشرع، والذي أتى به زائد، كلمةٌ [مفيدة] 2، يزيدها، فيخرج بزيادتها عن حقيقة الاتباع، وليس كاللام يزيدها من الأكبر؛ فإنها لا تستقل بإفادة معنىً مغيّر.

ولو كان قال: "الأكبر الله"، ففي المسألة وجهان، أصحّهما المنع؛ فإنه وإن أتى بالتكبير، فهو في التقديم والتأخير خالف الاتباع مخالفةً واضحةً.
ومنهم من قال بالصحة من حيث أتى بالتكبير.
وحقيقة الكلام في أمثال ذلك أنا إذا رأينا التعبد متبعاً في شيءٍ، فإن أتى بغير المنصوص، لم يجز، وإن أتى به مع أدنى تغييرٍ خفي، فقد يحتمل، وقد يفرض اختلاف في بعض التغايير.
798 - إذا تمهّد أن أدنى التغيير لا يضرّ، فنفرض صورةً تتعارض الظنون في قرب التغيير، أو بعده، ومجاوزة الحدّ، فلو قال: أكبر الله، فهو كقوله الأكبر الله، هكذا ذكره العراقيّون، وهو الوجه.
وكان شيخي يمتنع من طرد الخلاف في قوله: أكبر الله، ويرى أن ذلك غير منتظمٍ، بخلاف قوله: الأكبر الله.
وهذا زلل، وهو غير لائقٍ به، مع تميّزه بالتبحر في علم اللسان، فقول القائل: "الله أكبر" مبتدأ وخبر، فلا يمتنع تقديم الخبر على المبتدأ، فنقول زيدٌ قائمٌ، وقائمٌ زيدٌ.
فرع: 799 - لا ينبغي أن يبتدىء المقتدي التكبيرَ إلا إذا نجزت تكبيرة الإمام، فلو افتتح التكبير مع الإمام، أو أتى بها في أثناء تكبير الإمام، لم تنعقد صلاته.
ولو ساوق المقتدي الإمامَ في الأركان التي تقع بعد العقد، وكان يركع معه، ويرفع معه، جاز.
وإنما تمتنع المقارنة في التكبير، والسبب فيه أن إنشاءَ الاقتداءِ إنما يصحُّ بمن انعقدت صلاتُه، وإنما تنعقد الصلاة عند نجاز التكبير.
وقد يقول من يحاول التحقيقَ: لا معنى للعقد والحلِّ، ولكن التكبير ابتداء العبادة، والتسليم آخرها.
ولكن ما ذكره الأصحاب يوضح أثر العقد؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك، لصحّت مساوقة الإمام في التكبير.
ومن الدليل على أثر العقد أن من ابتدأ التكبير ولم يكمله لا نقول: بطلت صلاتُه، بل نقول: لم تحصل، ولم تنعقد في أصلها.
وليس كما لو كبّر ثم انكفَّ؛ فإنه قد تبطل صلاتُه بعد القطع بانعقادها.

فصل 800 - إذا صادف المسبوقُ الإمام راكعاً، فكبَّر للعقد قائماً، ثم كبر ليهوي فهذا هو الأمر المدعوُّ إليه.
وإن اقتصر على تكبيرةٍ واحدةٍ، وأوقعها في حالة القيام، ولكنّه نوى بها تكبير العقد، وتكبيرَ الهُويِّ جميعاًً، فقد أجمعت الأئمة على أن صلاته لا تنعقد.
ولو أتى بتكبيرة واحدةٍ، وقصد بها العقدَ، وقصدَ ترك تكبير الهُوي، صحت صلاتُه.
ولو أتى بتكبيرةٍ واحدةٍ، ولم يخطر له تركُ تكبيرة الهُويِّ، ولا قصد التشريك، ولكنه أتى بتكبيرة واحدةٍ مطلقة، فقد حكى العراقيون عن الأمّ، أن الصلاةَ لا تنعقد 1، ويكون هذا كما لو قصدَ التشريكَ بين العقد وتكبير الهُويِّ، وزعموا أن الشرط عند الاقتصار على تكبيرة واحدةٍ، القصد إلى إيقاعها عن جهة العقد، وإذا لم يكن قصد مجرد إلى ذلك، فهو كقصد التشريك.
وكان شيخي يذكر هذا وجهاً غيرَ منصوص، ويذكر وجهاً آخر: أن الصلاة تصحّ عند الإطلاق، ووجهه بيِّن منقاس؛ فإن التكبيرة الأولى في وضع الشرع للعقد، فإذا اقترنت النيّة بها، أو بأولها -كما سبق ذلك- فنفس اقتران النية يجردها للعقد، فالذي نسمّيه مطلقاً في حكم المقيَّدِ، بسبب ارتباط نية العقد.
وهذا ظاهر.
فرع: 801 - إذا كان المرء عاجزاً عن الإتيان بلفظ التكبير، وكان حديث العهد بالإسلام، وقد لا يطاوعه اللسان إلا بمقاساةٍ وتمرينٍ وتعلّمٍ، فينبغي أن يأتي بمعنى التكبير -إن كان يحسن معناه- وقال الأئمة: يتعيّن الإتيان بمعناه -وإن كان بالفارسيّة- ولا يقوم ذكرٌ آخر يُحسنه مقام التكبير؛ فإن معنى التكبير أقرب إليه من ذكر آخر.
وقد قال الأئمة: من عجز عن قراءةِ القرآن، أتى بأذكارٍ، ولم يوجبوا الإتيان

بمعناه، بل قالوا: لو أتى بمعنى الفاتحة، لم يعتد به.
وكان شيخي يفرق بين [البابين] 1، ويقول: الغرض الأظهر من قراءة القرآن الإتيان بنظمه على ترتيبه، ثم المعنى تابع للنظم، والمعجز من ذلك هو النظم، واعتبار عين معنى (2 التكبير أغلب.
فإذا عجز المصلي عن القراءة، سقط اعتبار المعنى.
وليس كذلك التكبير.
وتحقيق ذلك أن معنى الفاتحة لا ينتظم ذكراً.
ومعنى 2) التكبير ينتظم ذكراً، كما ينتظم التكبير في لفظه، وهو يشير إلى أن الغرض 3 الأظهر، والشرف الأبهر في نظم القرآن.
وفيه دقيقة، وهي أن النظم إذا كان معجزاً، فلا يتأتى الاحتواءُ على لطف المعاني ودقائقها بالترجمة والتفسير.
وسيأتي في فصول القراءة، أن من لا يحسن الفاتحة إذا كان يحسن غيرها من القرآن، فعليه الإتيان بما يحسن من القرآن على قدر الفاتحة، فلو كان لا يحسن من القرآن شيئاًً، ولكنه أتى بأذكار منتظمة تقع تفسيراً لبعض آيات القرآن، وكان ذكراً منتظماً كسائر الأذكار، فالذي أراه: أن ذلك يجزىء، ولا يمتنع إجزاؤه.
أما ذكر [تفسير] 4 آية حُكْمية، أو آية فيها قصة، أو وعد أو وعيد، فلا يعتد به.
وهذا واضح إذا تأمله الناظر.
802 - ومما يتعلق بتمام القول في ذلك: أن من أسلم، فعليه أن يبتدر تعلم شرائط الصلاة وأركانها، فإن قصر، ولم يتعلم التكبير الذي نحن في تفصيله، فلا يُقضى بصحة صلاته.
ولو كان الرجل يقطن بادية، والماء مُعوِزٌ بها، وكان يتيمم للصلاة -ولو انتقل إلى قرية، لاستمكن من استعمال الماء- فلا نكلفه الانتقال إلى القرى.
وإن كان لا يلقى بالانتقال إليها عسراً.2

ولو أسلم في موضع، ولم يجد من يعلّمه فيه التكبيرَ، وكان يقيم معنى التكبير مقامه، ولو انتقل إلى قرية لتأتَّى منه تعلم التكبير، فقد اختلف الأئمة: فذهب ذاهبون إلى أنه يجب عليه الانتقال والتعلم؛ فإن ذلك ممكن لا عسر فيه، وهذا هو الأصح؛ فإن بدل القراءة لا يحل محل التيمم، إذ أمرُ التيمم غيرُ مبنيّ على نهاية الضرورة (1 بل ينويه للتخفيف والترخيص.
وإقامة الذكر مقام القراءة مبني على نهاية الضرورة 1)، وهذا يقتضي لا محالة التسبُّبَ إلى تعلم القرآن.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يجب الانتقال للتعلّم، وينزل إقامة الذكر مقام القراءة منزلةَ إقامة التيمم مقام الوضوء في مكان إعواز الماء 2. وهذا ضعيف.
فصل 803 - رفع اليدين مع التكبير سنة، وهو شعار من الصلاة متفق عليه في هذا المحل، ولتكن الأصابع منشورة، ولا يُؤثر اعتماد تفريجها، ولا نرى ضمّها، ولتكن بين بين، والضابط في هيئتها أن ينشر الأصابع، ويتركها على صفتها وسجيتها، ولا يعمد فيها ضم ولا تفريج، وإذا فعل ذلك، اقتصد الأمر في الانفراج.
ثم الذي شُهر نقلُه عن الشافعي أنه رأى رفع اليدين حَذْوَ المَنكِبين: روى أبو حميد الساعدي في عشرة من جلة الصحابة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا قام، اعتدل، ورفع يديه حتى يحاذي بهما مَنْكِبيه" 3، وقيل لما قدم الشافعي1

العراق اجتمع إليه العلماء كأبي ثور والحسين الكرابيسي 1 وغيرهما، وسألوه عن الجمع بين الأخبار في منتهى رفع اليدين؛ إذ روي أنه رفعهما حذو منكبيه، وروي أنه رفع يديه حذو شحمة أذنيه، وروي أنه رفعهما حذو أذنيه 2. فقال الشافعي: إني أرى أن يرفع يديه بحيث يحاذي أطراف أصابعه أذنيه، ويحاذي إبهاماه شحمة أذنيه، وتحاذي ظهور كفه منكبيه، فاستحسن العلماء ذلك منه.
وقد تحقق أن الذي رآه أبو حنيفة من محاذاة الأذنين [إنما عنى بها محاذاة الأصابع الأذنين] 3، فعلى هذا يرتفع الخلاف 4، وقد تحققت أن من أئمتنا من يحمل مذهب الشافعي على محاذاة المنكب باليد، بحيث لا تجاوز الأصابع طرف المنكب.
ْفيخرج من ذلك، ومما حُكي من جمعه بين أخبار الرفع قولان: أشار إليهما الصيدلاني، أحدهما - مذهب الجمع كما تفصّل.
ْوالثاني - محاذاة أطراف الأصابع طرف المَنكِب، والتعويل في ذلك على رواية أبي حُمَيْد الساعدي، ومقتضاها محاذاةُ المَنكِب، لا محاذاةُ الأذن والمَنكِب، وهي أصح الروايات.
وهذا بيان صفة اليدين، وذكر منتهى رفعهما.
= في رفع اليدين في الصلاة).
(ر.
أبو داود: كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، ح 730، والترمذي: أبواب الصلاة، ح 304، والنسائي: كتاب السهو، باب رفع اليدين في القيام إلى الركعتين الأخيرتين، ح 1182، وصحيح النسائي للألباني: 1/ 255 ح 1130، وابن حبان: 5/ 178 ح 1865 بتحقيق شعيب الأرناؤوط، والتلخيص: 1/ 219 رقم 328).

804 - والذي يتم به الغرض وقتُ رفعهما وخفضهما.
وقد ذكر أئمتنا في وقت الرفع والخفض ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يرفع يديه غير مكبر، فإذا انتهت نهايتَها كبّر، وأرسل مع التكبير يديه، فيقع الإرسال مع التكبير [وانتهاء اليد إلى مقرها من الصدر مع انتهاء التكبير] 1، أو على القرب منه، وهذه رواية أبي حميد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني - يبتدىء الرفع مع ابتداء التكبير، فيقرب انتهاء التكبير من انتهاء اليد نهايته في الرفع، وهذه رواية وائل بن حُجْر.
والثالث - أنه يرفع يديه ويقرهما قرارهما، ويكبر وهُما قارّتان، ثم يرسل يديه بعد الفراغ.
وهذه رواية عن ابن عمر.
ثم من أئمتنا من رأى الأوجه اختلافاً، وكان شيخي يقول: ليس هذا باختلاف، ولكن الوجوه كلها سائغة؛ إذ الرجوع فيها إلى الأخبار، ولا مطمع في ترجيح وجه على وجه بمسلك معنوي.
وإذا صحت الروايات، فلا وجه إلا قبول جميعها، ولم يصح عندنا ترجيح رواية على رواية، بوجه يوجب الترجيح في الروايات.
وحكى الأئمة عن الشافعي أنه إذا كان لا يتأتى منه رفع اليد على النظم الذي ذكرناه، وكان يتمكن من مجاوزة الحد الذي ذكرناه في الرفع، فليرفع يديه على ما يتمكن منه، وإن كان مجاوزاً للحد.
فصل قال: "ولا يكبر حتى يسوي الصفوفَ خلفه" 2. 805 - ينبغي أن يعتني الناس بتسوية الصفوف قبل تكبير الإمام، ثم لا يكبر الإمام حتى يظن أن الصفوف قد استوت.

ثم يقع قيامُ الناس، وهمُّ الإمام بالتكبير بعد فراغ المؤذّن عن الإقامة.
وأبو حنيفة يقول: يسوون الصفوف عند قوله: "حي على الفلاح"، وقال: يكبر قبل قوله: "قد قامت الصلاة" 1 إلا أن يكون المؤذن هو الإمام، فلا وجه إلا أن يفرغ.
فصل "ثم يأخذ كوعه اليسرى ... إلى آخره" 2 ْ806 - ينبغي للمصلي أن يضع يمناه على يسراه، وكيفيته أن يأخذ الكوع من يده اليسرى بكف يده اليمنى؛ بحيث يحتوي عليه وكان شيخي يذكر لذلك صورتين، ويحكي عن القفال التخيير 3 فيهما: إحداهما - أن يقبض بكفه اليمنى على كوعه من يسراه، ويبسط أصابعه على عرض المفصل.
والثانية - أن يأخذ كوعه من يسراه من أعلى، وينشر أصابعه في صوب ساعده، وهو في الوجهين قابض على كوعه، ويده اليمنى عالية.
وأبو حنيفة 4 يقول: يضع بطنَ كفه اليمنى على ظهر كوعه من يده اليسرى من غير احتواء، ثم يضع يديه تحت صدره.
قال الشيخ أبو بكر: لم أر ذلك منصوصاً عليه للشافعي في شيء من كتبه، ولكن الأئمة اعتمدوا فيه نقل المزني، وقالوا: لعل ما نقله اعتمد فيه سماعه من الشافعي.

فصل "ثم يقول: وجهت وجهي ... إلى آخره" 1. 807 - ينبغي إذا عقد الصلاة أن يُعْقب عقدها بقراءة: وجهت وجهي .. إلى آخره، ثم يستعيذ قبل قراءة الفاتحة، واختلف قول الشافعي في الجهر بالتعوّذ في الصلاة الجهرية، [فنصَّ في القديم على أنه يجهر في الصلاة الجهرية] 2، ونص في الجديد على أنه لا يجهر بالتعوذ أصلاً.
ثم اختلف أئمتنا في أنَّا هل نستحب التعوّذ في مفتتح كل ركعة، أو يقتصر على التعوذ في أول الركعة الأولى؟ وفيه وجهان مشهوران: والأصح - أنه يتعوذ في أول كل ركعة، متصلاً بقراءة القرآن فيها.
فصل "ويقرأ فاتحة الكتاب ... إلى آخره" 3. 808 - قراءة الفاتحة محتومة على كلِّ مصلٍّ يحسن القراءة.
ولا يقوم غيرُ الفاتحة من السور مقامَها، ويجب افتتاحها بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم.
فمذهبنا أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة.
وقد روى محمد بن إسماعيل البخاري: "أن النبي صلى الله عليه وسلم عدّ فاتحة الكتاب سبع آيات، وعدّ بسم الله آية منها" 4، ثم التسمية من القرآن في أول كل سورة، خلا سورة التوبة، وهي محسوبة

آيةً في أول الفاتحة، وهل تكون آية من كل سورة؟ فعلى قولين: أحدهما - أنها آية تامة حيث كتبت في أوائل السور كسورة الفاتحة.
والثاني - أنها مع صدر السورة آية، وليست آية تامة إلا في أول الفاتحة، وهذا القائل استدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سورة تجادل عن ربها، وهي ثلاثون آية، ألا وهي سورة الملك" 1، ثم تلك ثلاثون آية دون التسمية، فإذن على هذه الطريقة التسمية من القرآن في أول كل سورة، وإنما اختلف القول في أنها تُعدّ آية بنفسها أم لا؟ وذكر الشيخ أبو علي عن بعض الأصحاب طريقة أخرى، وهي أن التسمية من القرآن في أول الفاتحة، وهل هى من القرآن فى أوائل السور؟ فعلى قولين، والصحيح الطريقة الأولى.
وذكر العراقيون خلافاً في أن كون بسم الله من القرآن في أوائل السور معلوم أو مظنون، وهذا غباوة عظيمة؛ لأن ادعاء العلم -حيث لا قاطع- محال.
= التلخيص: "إن الإمام نسب هذا الحديث للبخاري وتبعه الغزالي في الوسيط، ومحمد بن يحيى في المحيط، وهو من الوهم الفاحش، قال النووي: لم يروه البخاري في صحيحه، ولا في تاريخه" ا. هـ (ر.
التلخيص: 1/ 233) هذا.
والمحيط المذكور في شرح الوسيط.
أما الحديث على نحو ما ساقه إمام الحرمين فقد رواه البيهقي والدارقطني، وابن خزيمة في صحيحه، (ر.
المجموع: 3/ 333، والسنن الكبرى: 2/ 58، وتلخيص الحبير: 1/ 233، والدارقطني: 1/ 307، وصحيح ابن خزيمة: 1/ 248 ح 493 باب رقم 97، ص 251 ح 500 باب رقم 101، والطحاوي: 1/ 199 - 200، والحاكم: 1/ 232 وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين، ولم يوافقه الذهبي).

ثم قراءة الفاتحة ركن في صلاة الإمام والمنفرد، وأما المأموم، فإنه يقرأ الفاتحة خلف الإمام، وهو حتم واجب عليه، ولا فرق بين أن تكون الصلاة جهرية أو سرية.
وحكى المزني قولاً آخر عن الشافعي: أنه إن أسر الإمام، قرأ المأموم حتماً، وإن جهر القراءة، سقطت القراءة عن المأموم.
وهذا مذهب مالك 1، والمزني لم ينقل بنفسه عن الشافعي إلا هذا القول، ونقل القول الأول عن الأصحاب عن الشافعي.
فهذه قواعد المذهب في القراءة، ونحن الآن نبتدىء تفصيل المذهب في القراءة في فصلين: أحدهما - في قراءة القارىء القادر على القراءة.
والثاني - في قراءة العاجز عن قراءة الفاتحة.
فأما الفصل الأول 809 - من تمكن من قراءة الفاتحة، لزمته.
وقد ذكرنا التفصيل في المأموم.
ثم يجب الإتيان بحروف الفاتحة من مجاريها، فلو أخل بحرفٍ، لم تصح الصلاة، ومن الإخلال تخفيف المشدَّد؛ فإن المشدّد حرفان مِثلان أولهما ساكن، وإذا خفَّفَ، فقد أسقط حرفاً.
وكان شيخي يتردد في إبدال الضّاد ظاءً في قوله (ولا الضالين)؛ فإن هذا لا يتبين إلا للخواصّ، وهو مما يتسامح فيه عند بعض أصحابنا.
والصحيح القطع بأن ذلك لا يجوز؛ فإن الظاء والضاد حرفان متغايران، فإذا حصل الإبدال، فالذي جاء به ليس الحرف المطلوب.
810 - ثم لو ترك الفاتحة من أوجبناها عليه عامداً، لم تصح صلاته، ولو تركها ناسياً، فالمنصوص عليه في الجديد -وهو المذهب- أن الركعة التي خلت عن قراءة الفاتحة لا يُعتد بها، وتركُ القراءة ناسياً كترك الركوع والسجود.
ونُسب إلى الشافعي قولٌ قديم: أنه يُعذر التارك ناسياً، وتصح الركعة، وجعل النسيان بمثابة إدراك المقتدي الإمامَ راكعاً؛ فإنه يصير مدركاً للركعة وإن لم يقرأ.
وهذا قول متروك، لا تفريع عليه، ولا يعتد به.

811 - ثم يجب على القارىء رعاية الترتيب في القراءة، فلو قرأ الشطر الأخير من الفاتحة أولاً، لم يعتد به؛ فإن القرآن معجزٌ، والركن الأَبْين في الإعجاز يتعلق بالنظم والترتيب.
ولو 1 قدم أواخر التشهد، وأخر أوائله، فإن غيره تغيراً يَبطُل به معناه، فلا شك أن ما جاء به ليس محسوباً.
وإن تعمد ذلك، بطلت صلاته؛ فإنه جاء بكلام غير منتظم عمداً، وإن كان تقديماً وتأخيراً -وكل كلام مفيد في نفسه- فالذي ذكره الأئمة: أن ذلك لا يضر؛ فإنه جاء بالتشهد، وليس الكلام معجزاً في نفسه، فيؤثرَ فيه تبديل الترتيب، والمعنى لم يختلف.
وذكر شيخي فى التشهد -إذا غير ترتيبه تغييراً تقديماً أو تأخيراً- وجهين، وليس ذلك بعيداً، وهو بعينه الخلاف المذكور فيه، إذا قال الأكبر الله؛ فإنه في تغيير الترتيب تاركٌ لطريق الاتباع، وقد ذكرنا أن معتمد الشافعي في العبادات البدنية التي لا تتعلق بأغراض جزويّة 2 مفهومة - الاتباعُ 3. فهذا تفصيل القول في رعاية الترتيب.
812 - وذكر العراقيون وجهاً أن ترك الموالاة بالسكوت الطويل قصداً عمداً، لا يبطل القراءة، وهذا مزيف متروك، وإن كان لا يبعد توجيهه.
وتجب أيضاً رعاية الموالاة في القراءة، فلا ينبغي أن يخلل القارىء بين قراءته سكوتاً طويلاً يقطع الولاء، أو ذكراً ليس من القراءة، فإن تخلل سكوتٌ طويل -

والمعتبر فيه أن يسكت سكوتاً يُشعر مثله بأن القراءة قد انقطعت، إما باختيار أو بمانع- فهذا هو السكوت القاطع للولاء.
وأما تخلل الذكر، فالذي ذكره الأئمة أنه إذا أدرج القارىء في أثناء القراءة ذكراً تسبيحاً، أو تهليلاً، فتنقطع موالاة القراءة، وإن كان ذلك الذكر قليلاً واقعاً في زمان لا ينقطع الولاء بالسكوت في مثله.
وقد صح عندنا أنا وإن كنا نشترط اتصال الإيجاب بالقبول في العقود، فلو تخلل بين الإيجاب والقبول كلام من أحدهما قريب لا يضر تخلله، على تفصيل وضبط سيأتي في موضعه، ونص الشافعي دال على ذلك، فإنه قال في كتاب الخلع: "لو قال لامرأتيه: خالعتكما، فارتدتا، ثم قالتا: قبلنا، ثم عادتا إلى الإسلام، قبل انقضاء العدة، فالخلع صحيح" 1، وقد تخللت كلمة الردّة.
ولو تخلل بين الإيجاب والقبول سكوت طويل، لم ينعقد العقد.
فتخلل السكوت استوى فيه القراءة والعقد، وافترقا في تخلل الذكر، والسبب فيه أن من أدرج ذكراً في أثناء القراءة؛ فإنه يجري في انتظام القراءة حتى كأنه منها، وذلك يُغيّر النظمَ والترتيبَ والإعجازَ.
والإيجابُ والقبول صادران من شخصين، وقد ورد التعبد باتصال الجواب بالإيجاب؛ فإن للجواب اتصالاً -في مطرد العرف- بالخطاب يكون لأجله جواباً، والسكوت الطويل إذا تخلل يقطع الجوابَ عن الإيجاب.
وإذا صدر كلام يسير عن أحد المتعاقدَيْن، لم يُشعر مقداره بإضراب المخاطب عن الجواب - لم يضر تخلله.
وفي القراءة يختلط الذكر بالمقروء، ويجري في أدراجه، وليس هذا من قبيل ما ذكرناه من رعاية الاتصال بين الإيجاب والقبول.
فيخرج من ذلك أن تخلل الذكر ليس مؤثراً في القراءة من حيث يقطع ولاءها، ولكن من حيث يغير نظمَها.
ولو فرض سكوت في أثناء القراءة لا يقطع مثلُه الولاء، وفرض فيه ذكرٌ يسير، لا بصوت القراءة، بحيث لا ينتظم بالقراءة، فلست أبعد في هذه الصورة أن يقال: لا تنقطع القراءة، والله أعلم.

813 - وقد ظهر اختلاف الأئمة في أنه إذا أمّن الإمام في آخر الفاتحة، وكان المأموم في أثناء قراءة فاتحته، فأمّن عند تأمين الإمام، فهل تنقطع قراءته بهذا؟ فذهب ذاهبون إلى أن القراءة.
تنقطع، وهذا قياس ما ذكرناه.
وصار صائرون إلى أنها لا تنقطع، وليس يتجه عندي هذا الوجه إلا بما رمزت إليه من أن المحذور ألاّ ينتظم الذكر بالقراءة، وإذا جرى في أثناء الكلام شيء هو محمل الذكر، ويظهر به أن الذكر لم يجر في نظم القراءة، كالتأمين عند تأمين الإمام، فهذا يبيّن انقطاع الذكر عن الانتظام، فلذلك جرى الخلاف فيه.
814 - وكذلك كان شيخي يذكر خلافاً في أن الإمام لو كان يقرأ السورة، والمأموم في أثناء الفاتحة، فانتهى الإمام إلى آية الرحمة، وطلب للرزق، فقال المأموم: اللهم ارزقنا -وهذا مما نستحبه كما سيأتي- فهل تنقطع القراءة؟ فعلى وجهين.
وهو ملتحق بالمعنى الذي ذكرناه في مسألة التأمين؛ فإن ارتباط ما تخلل بما طرأ من الإمام يقطعه عن تخلل الانتظام بالقراءة.
815 - وإذا انتهى الإمام إلى آيةٍ فيها سجدة والمأموم في خلال القراءة، فيسجد، والمأموم يسجد متابعاً لا محالة، وهل تنقطع القراءة؟ فعلى ما ذكرناه من الوجهين، فهذا وجه الكشف في تحقيق القول في ذلك.
816 - ومن تمام القول في هذا، أن العراقيين حكَوْا عن نص الشافعي ما يدل على أنه لو ترك الموالاة ناسياً، لم يضر، وهذا مفرعّ على أنه لو ترك القراءة أصلاً، ناسياً، لم يعتد بالركعة، ومع هذا حكَوْا النص في أن ترك الولاء ناسياً غير ضائر.
وهذا غير سديد عندي، فإن ترك الولاء إذا كان 1 تختل به القراءة، فاذا جرى على حكم النسيان، فهو بمثابة ترك القراءة ناسياً.
وقد ذكر شيخي ما ذكره العراقيون وزاد كلاماً، فقال: لو ترك الترتيب في قراءة الفاتحة ناسياً، لم يعتد بقراءته، ولو أخلّ بالموالاة ناسياً، احتسب بالقراءة، وقال

في تحقيق الفرق: ولو أخل الرجل بترتيب الأركان ناسياً، فسجد قبل الركوع، لم يعتد بالسجود، ولو طوّل ركناً قصيراً، وأخل بالموالاة بهذا السبب، لم يضر، واعتدّ بما جاء به، فكذلك يفرق بين ترك الترتيب والموالاة على حكم النسيان في القراءة.
وهذا صحيح؛ فإن ترك الولاء يُخل بالقراءة إخلالَ ترك الترتيب كما تقدم.
فهذا نقل ما قيل، مع ما فيه من الاحتمال.
817 - ولو كرر القارىء الفاتحة [أو كلمة من الفاتحة] 1 كان شيخي لا يرى بذلك بأساً إذا كان سبب ذلك شك من القارىء، في أن تلك الكلمة هل أتت على ما ينبغي أم لا؟، فإنه معذور، وإن كرر كلمة منها قصداً من غير سبب، كان يتردد في إلحاق ذلك بما لو أدرج في أثناء الفاتحة ذكراً.
818 - والذي أراه أن وِلاء الفاتحة لا ينقطع بتكرر كلمة منها، كيف فرض الأمر؛ فإن الذي عليه المعول في إدراج الذكر ما قدمناه من انتظام الذكر بالقراءة، وإفضاء ذلك إلى اختلاف النظم، وإذا كرر القارىء شيئاًً من الفاتحة، لم يؤدّ التكرير إلى ما أشرنا إليه.
والعلم عند الله.
فهذا مجامع القول في قراءة الفاتحة في حق من يحسنها.
فأما: الفصل الثاني فهو في تفصيل القول في الأُميّ 819 - والأُمي في اصطلاح الفقهاء من لا يحسن الفاتحة، أو لا يحسن بعضَها، ويحسن بعضها.
فأما إذا كان لا يحسن منها شيئاًً، فلا يخلو إما إن كان يحسن شيئاًً من القرآن، أو

كان لا يحسن شيئاًً من القرآن، [فإن كان يحسن من القرآن سورة أو سوراً، فعليه أن يقول من القرآن] 1 ما يقع بدلاً عن الفاتحة.
820 - ثم قال الأئمة: الفاتحة سبعُ آيات، فليأت بسبع آيات، ثم إن كانت قصاراً بحيث لا يبلغ عدد حروفها عددَ حروف الفاتحة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يجزئه ما جاء به نظراً إلى مقابلة الآي، ولا مؤاخذة بالحروف وعددها.
ومنهم من قال: لا بد من رعاية أعداد الحروف؛ إذ بها حقيقة المقابلة والمماثلة، وأجزاءُ القرآن كالأسباع وغيرها تعتمد الحروف.
ولو قرأ آية طويلة بلغ عددُ حروفها عددَ حروف الفاتحةّ، واقتصر عليها، فقد حكى الأئمة أن ذلك لا يجزىء ولا يكفي.
ولم أر في الطرق في ذلك خلافاً، فعدد الآي مرعي إذن، وفي عدد الحروف خلاف، ولعل سبب الوفاق في عدد الآي، ما روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم عد فاتحة الكتاب سبعَ آيات" 2، وقال تعالى في ذكرها ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87] فاقتضى اعتناءُ الكتاب والسنة بآياتها عددَ الآي بَدَلَها.
والحروفُ على التردد كما حكيناه.
821 - وكان شيخي يقول: إذا راعينا مقابلةَ الحروف، فيجب رعاية الترتيب، كما نصفه: وهو أن يأتي في مقابلة الآية الأولى بآية تشتمل على عدد حروف تلك الآية أو تزيد، وإن كان لا يحسن إلا الآيات القصار، فيقابل الآية بالآيتين، وهكذا إلى تمام الفاتحة.
وكان يقول: لو قرأ ست آياتٍ من القصار التي لا تفي حروفُها بعدد حروف الآيات الست الأُوَل، ثم قرأ آية طويلة تجبر ما كان من نقصان، وتقابل حروف الآية الأخيرة، وقد يزيد - قال: هذا لا يجوز؛ فإنه لم يراع في الآيات الست المقابلةَ

المشروطةَ؛ فصارت الآية الأخيرة في حكم آية واحدة يقابل حروفها حروفَ جميع الآيات.
وكان رضي الله عنه يقطع بهذا.
والذي أراه أن هذا لا معنى لاشتراطه بعد ما حصلت مقابلة الآي ورعاية عدد الحروف على الجملة.
822 - ولو كان يحسن سبع آيات متفرقات، فيأتي بها وتجزئه.
ولو كان يحسن سبع آيات على الوِلاء، فأراد أن يأتي بسبع متفرقة، كان رضي الله عنه يمنع ذلك، وهو ظاهر لا يتجه غيره.
وفي الإتيان بسبع آيات متفرقات إذا كان لا يحسن غيرها نظرٌ في صورة واحدة، وهي أن [الآية الفردة] 1 قد لا تفيد معنى منظوماً ولو قرئت وحدها مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21]، فيظهر ألاّ يكتفى بإفراد هذه الآيات، فيردّ إلى الذكر، كما سنذكره.
823 - ومما يتعلق بهذا، أنه إذا كان لا يحسن من القرآن إلا آية واحدة مثلاً، فقد ظهر اختلاف أئمتنا في أن الواجب في بدل الفاتحة ماذا؟ فقال بعضهم: يُكرر تلك الآية سبعاً، ويكفيه ذلك، وقال بعضهم: يأتي بها مرة واحدة، ويأتي بالأذكار في مقابلة ست آيات.
ولم يوجب أحدٌ الجمع بين التكرار والذكر؛ فإن التكرار إن وجب فعلى مقابلة الآيات الباقية، ولا يجب على مقابلتها بدلان: الذكر وتكرير الآية، وهذا مع الالتفات إلى رعاية الحروف.
والخلاف في هذا كله إذا كان يحسن شيئاًً من القرآن.
824 - وأما إذا كان لا يحسن من القرآن شيئاًً، فإنه يأتي بدلاً عن الفاتحة بأذكار، وينبغي أن تكون أذكاراً عربية إن كان يحسنها، ثم ذكر الأئمة التسبيح والتهليل، ولا شك أن المرعي مقابلة الحروف؛ فإنه ليس في الأذكار مقاطع وغايات على مقابلة الآيات، فليس إلا اعتبار الحروف، ثم كان شيخي يقول: إن جرد التسبيح والتهليل جاز، وإن جرّد الدعاء، ففيه احتمال، هكذا كان يقول رضي الله عنه، ولعل الأشبه

أن الدعوات التي تتعلق بأمور الآخرة تنزل منزلة التسبيح، وأما بمآرب الدنيا، فيبعد الاعتداد به مع القدرة على غيره 1. فرع: 825 - إذا كان يحسن آية من غير الفاتحة، فهل يكفيه أن يكررها سبعاً؟ أم يأتي بها مرة واحدة، ويأتي بالذكر بدلاً عن الست؟ فعلى وجهين مشهورين، لا يخفى توجيههما.
826 - ولو كان يحسن آية واحدة من الفاتحة، فهل يكفيه أن يكررها أم يأتي بها، ويأتي بست آيات إن كان يحسنها من غيرها؟ فعلى وجهين أيضاً.
فإن قلنا: يكفي التكرير، فإن كان يحسن آيتين مثلاً، ففي التكرير احتمال، يجوز أن يقال: يكررهما أربعاً، وقد كفى؛ فإنه أتى بالسبع، وزاد، فليتأمل الناظر ذلك، فهو محل النظر.
فهذا الفرع ملحق بما تقدم.
فهذا كله إذا كان لا يحسن الفاتحة، ولا شيئاًً من القرآن.
وذكر العراقيون: أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم أعرابياً كان لا يحسن [الفاتحة ولا] 2 شيئاًً من القرآن أن يقول بدل القراءة: "سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله" 3.

ثم ذكروا وجهين في أن هذه الأذكار تتعين أم لا.
وتعينها بعيد عندنا.
827 - فأما إذا كان يحسن بعض الفاتحة، فيلزم الإتيانُ بما يحسنه، فإن كان من صدر الفاتحة أتى به أولاً، ثم أتى بالبدل عما لا يحسنه.
وإن كان يحسن النصفَ الأخير، فيلزمه أن يأتيَ بالبدل أولاً.
ثم يأتي بما يحسن، ورعاية الترتيب في هذا واجب، اتفق عليه أئمتنا.
وليس علّةُ الترتيب في هذا علةَ الترتيب في تلاوة الفاتحة في حق من يحسنها؛ فإن الترتيب يراعى في قراءة الفاتحة محافظةً على نظمها، وليس بين الأذكار التي قُدّرت بدلاً عن النصف الأول، وبين النصف الثاني انتظام.
ولكن هذا الترتيب يُتلقى من اشتراط الترتيب في أركان الصلاة؛ فعليه فرض قبل النصف الثاني، فليُقِمه.
ثم ليأتِ بالنصف الثاني.
ويجوز أن يقال: يأخذ البدلُ حكمَ المبدل، والترتيب شرط في فاتحة الكتاب لعينها، فنزل بدل النصف الأول منزلته في رعاية ترتيب النصف الآخر عليه.
فهذه قواعد المذهب في الفاتحة: ونحن نرسم بعدها فروعاً تستوعب ما شذّ، وتقرّر القواعد.
فرع: 828 - الأمي إذا تعلم الفاتحة في أثناء الركعة، نُظِر، فإن تعلَّمها قبل أن يخوض في البدل، فعليه قراءة الفاتحة، وإن فرغ من البدل ولم يركع بعدُ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يلزمه قراءة الفاتحة؛ فإن وقت القراءة ومحلها باقٍ قائم.
والثاني - لا يلزم؛ لأن البدل قد تم، وسقط الفرض فيه، فلا معنى لعود الفرض بعد سقوطه، وهو كما لو أتى من لزمته الكفارة بالبدل، فلا أثرَ لوجود المبدل.
والقائل الأول يقول: كون الأذكار بدلاً ووقوعها كذلك يتوقف على انقضاء القيام؛ فإن من كان يُحسن الفاتحة قد يُوقع أذكاراً قبل القراءة، فلا يتبين وقوع الذكر بدلاً إلاّ عند الاكتفاء [به] 1 والتلبس بالركوع، والصيام الواقع بدلاً في الكفارة مصروف بالنية إليها.
وآحاد الأذكار لا تتناوله النية تخصيصاً.

829 - ومما يتعلق بهذا، أن الأمي إذا افتتح الصلاة، وقصد إقامة دعاء الافتتاح بدلاً عن الفاتحة، فإنه يقوم مقامها.
ولو قصد أن يقع مسنُوناً كما شُرع، فيجب القطع بأن الفرض لا يسقط والقصدُ كما ذكرناه؛ فليأتِ عن الفاتحة ببدلٍ.
ولو أتى بأذكار سوى دعاء الاستفتاح، ولم يقصد إقامتها بدلاً، فقد تردد صاحب التقريب في هذا، وهو محتمل (1 حسن.
والذي ذكرته من تعليل أحد الوجهين في أول هذا الفرع يشير إلى هذا، فإني قلت: لا يقع الذكر في عينه بدلاً إلا بانقضاء وقته 1)، فلا يمتنع أن يقال: لا بدّ من قصد في إيقاعه بدلاً.
830 - ولو اشتغل بالذكر، ولم ينقضِ بعدُ، حتى تعلم الفاتحة، فالأصحّ الذي يجب القطع به أنه يجب قراءة الفاتحة.
وأبعد بعض أصحابنا، فقال: لا يجب قراءة الفاتحة؛ فإن الاشتغال بالبدل يُسقِط رعايةَ المُبدل؛ فإن من شرع في صيام الشهرين المتتابعين، ثم وجد الرقبة، لم يلزمه إعتاق الرقبة.
وهذا الوجه أطلقه الناقلون.
وهو خطأ صريح عندي؛ فإنا قد ذكرنا أن من كان يحسن نصف الفاتحة، لزمه الإتيان بما يحسن والبدل عما لا يحسن، فالقراءة إذن تتبعض في هذا الحكم، فالوجه القطع بأنه إذا أتى بنصف الأذكار مثلاً، وتعلم الفاتحة، فيتعين الإتيان بالنصف الأخير من الفاتحة وجهاً واحداً، وفي قراءة النصف الأول تردّدٌ، وليس ذلك كالأصل والبدل في الكفارة؛ فإن بعض الرقبة لا يسد مسداً، وهذا واضح.
ولو تعلم الفاتحة بعد الركوع، فلا شك أن تيك الركعة مضت معتدّاً بها.
فرع: 831 - إذا كرّر فاتحة الكتاب في ركعة مرتين قصداً، فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب أن الصلاة لا تبطل وذهب أبو الوليد النيسابوري 2 إلى أن الصلاة تبطل1

بهذا، واحتج بأن من زاد في الركعة ركوعا قصداً، بطلت صلاتُه، والقراءة ركنٌ، فإذا تكررت، كان كالرّكوع يكرر، وعدّ الأصحاب هذا من غوامض محالّ الاستفراق 1، والأمر في ذلك قريب.
فنقول: إنما تبطل الصلاة بزيادة ركوع، من حيث إن ذلك يُظهر خروج الصلاة عن النظم، والذي يوضّح ذلك أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة؛ لأن النظم لا يفسد به ولا يختل، وإذا زيد ركن، ظهر به الاختلال، وإن كان ركوع واحد لا يبلغ مقدار الفعل الذي يُفسد الصلاة لكثرته، ولكن كالفعل الكثير من جهة اختلاف نظم الصلاة به، ونظم الصلاة لا يختلف بتكرير الفاتحة، فلا يؤثر في بطلان الصلاة.
فرع: 832 - ذكر العراقيون عن نصّ الشافعي: "أن الأخرس الذي لا ينطق لسانه بالفاتحة، يلزمه أن يحرك لسانه بدلاً عن تحريكه إياه في القراءة، [والتحريك من غير قراءة كالإيماء بالرّكوع والسجود"، وهذا مشكل] 2 عندي؛ فإن التحريك بمجرده لا يناسب القراءة ولا يدانيها، فإقامته بدلاً بعيدٌ، ثم يلزم على قياس ما ذكروه أن يلزموا التصويت من غير حروف مع تحريك اللسان، وهذا أقرب من التحريك المجرد.
وعلى الجملة، فلست أرى ذلك بدلاً عن القراءة لما ذكرته، ثم إذا لم يكن بدلاً، فالتحريك الكثير يلتحق بالفعل الكثير، على ما سيأتي مشروحاً في الأفعال.
فصل 833 - ذكر صاحب التقريب أن المصلي إذا كان في أثناء قراءة الفاتحة، فنوى قطعها عقداً، ولم يقطعها فعلاً، فلا أثر لهذه النية.
وليس كما لو نوى قطع الصلاة؛ فإن ذلك يتضمّن قطع نية الصلاة وهي رابطتها، فإذا عمد قطعها بطلت.
وهذا ظاهر لا شك فيه، ولكني أحببت نقله منصوصاً.
= الشافعية: 3/ 226، وتهذيب الأسماء واللغات: 2/ 271 رقم 442).

فصل قال: فإذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]، قال: "آمين" 1. 834 - آخر الفاتحة، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فإذا انتهت استحببنا لمن أنهاها أن يقول: آمين، وفيه لغتان: القصر والمد، والميم مخففة على اللغتين، والصحيحُ أنه من الأصوات، وُضع لتحقيق الدعاء، والمراد به: "ليكن كذلك" كما أن المراد من قوله: "صه" أي اسكت، فيؤمّن المنفرد والإمام والمأموم.
وإذا قال الإمام " ولا الضالين " أمّن، ويؤمّن المقتدون به.
835 - ثم الإمام في الصلاة الجهرية -وفيها الفرض 2 - يؤمّن، ويرفع صوته بالتأمين، ويتبع التأمين القراءةَ، وكما يجهر بها يجهر بالتأمين، وهذا يقوّي أحد الوجهين في الجهر بالتعوّذ، فإنه تابع للقراءة كالتأمين.
والمأموم يؤمّن وإن لم يكن ذلك آخر تلاوته للفاتحة؛ فإنه كان يستمع، وآخر الفاتحة دعاء، والتأمين بالمستمع المشارك في الدعاء أليق في سجية الداعين منه بالداعي نفسه، فإذا كان الإمام يؤمّن أمّن من خلفه، ولهذا قال أبو حنيفة 3: لا يؤمّن الإمامُ ويؤمّنُ المقتدِي، ويُسرّ.
836 - ثم إذا ثبت أن الإمام يجهر بالتأمين، فالمقتدي هل يجهر بالتأمين؟ اختلف نص الشافعي: فقال في موضع: يجهر، وقال في موضع: لا يجهر، واختلف الأئمة، فذهب الأكثرون إلى أن المسألة على قولين، ثم اختلف هؤلاء: فذهب جمهورهم إلى طرد القولين في كل صورة، أحدهما - أن المقتدي لا يجهر، كما لا يجهر بالقراءة وشيء من أذكار صلاته، وإنما الجهر للإمام.

القول الثاني أنه يجهر لما روي عن أبي هريرة أنه قال: "كان إذا أمّن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمّن من خلفه، حتى كان للمسجد ضجة، وروي لجة" 1

والمعنى أن المقتدي متابعٌ لإمامه في التأمين؛ فإنه ليس يؤمّن لقراءة نفسه، وإنما يؤمّن بسبب انتهاء قراءة إمامه، فليتبعه في الجهر، كما يتبعه في أصل التأمين.
واعتمد أئمتنا من القولين هذا، ولم يَرَوْا في حديث أبي هريرة متعلقاً؛ فإن الناس إذا كثروا وأسمع كل واحد نفسه معاً، فيحصل من مجموع أصواتهم هينمة 1 وضجة، فيمكن أن يحمل الحديث على ذلك.
ومن أصحابنا من قال: إن لم يجهر الإمام بالتأمين في الصلاة الجهرية، جهر به المقتدي قولاً واحداً.
وإن جهر الإمام، فهل يجهر المأموم؛ فعلى قولين، وهذا التفصيل ذكره العراقيون، وكان شيخي لا يراه ولا يذكره.
ويمكن توجيه ما فصلوه من القاعدة التي نبهنا عليها في التأمين، وما فيه من رعاية التبعية.
837 - وذكر العراقيون طريقة أخرى، وقالوا: من أئمتنا من قال: ليست المسألة على قولين، والنّصان منزلان على حالين، - فحيث قال: "لا يجهر المأموم"، إذا قلّ المقتدون، وقربوا من الإمام، أو صغر المسجد، وكان القوم يبلغهم صوتُ الإمام، فإذا أسمعهم، كفى ذلك لمن سمعوه، كأصل القراءة.
وإن كَبِر المسجد، وكان صوت الإمام لا يبلغ الجمع، فنؤثر للمقتدين أن يرفعوا أصواتهم حتى تبلغ أصواتُ الأقربين الأباعدَ.
ثم لا يختص استحباب الرفع بقوم، بل نؤثر للجميع.
فهذا منتهى القول في ذلك.
838 - ثم كان شيخي يقول: ينبغي للمقتدي أن يترصد فراغ الإمام عن قوله: "ولا الضالين"، فيبادر التأمينَ حينئذ، فيقع تأمينُه مع تأمين الإمام، وكان يقول: لا تستحب مساوقة الإمام ومقارنته في شيءٍ إلاّ في هذا؛ فإن النبيّ صلى الله عليه = الصلاح، والتي تفيد أن ابن الصلاح يضعف الزيادة كاملة.
(ر.
التنقيح للنووي، ومشكل الوسيط لابن الصلاح - كلاهما بهامش الوسيط: 2/ 120، 122).

وسلم قال في حديث صحيح: "إذا قال الإمامُ "ولا الضالين"، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تؤمّن على ذلك، ومن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِر لهُ ما تقدم من ذَنبِه" 1. وما ذكره من استحباب المقارنة، يمكن تعليله بأن القوم لا يؤمّنون لتأمينه، حتى يرعوا في هذا ملابسته للتأمين أولاً، وإنما يؤمّنون لقراءته، وقد نجزت قراءته، فإذا وقع التأمين بعد نجاز القراءة، كان في أوانه وحينه.
فصل 839 - قراءة الفاتحة واجبة عندنا في كل ركعة، وقال أبو حنيفة 2: لا تجب في الركعتين الأُخريين، وإنما تجب في الركعتين الأوليين، وطرد مذهبه في جميع الحالات: منفرداً كان المصلي، أو إماماً، أو مقتدياً.
840 - ثم قراءة السورة بعد الفاتحة مسنونة في حق المنفرد والإمام في الركعتين الأوليين، وفي ركعتي الصبح، وهل تستحب قراءة السورة في الثالثة من المغرب، والركعتين الأخريين من الصلوات الرباعية؟ فعَلى قولين منصوصين: أحدهما -وإليه ميل النصوص الجديدة- أنها مستحبة في كل ركعة على إثر الفاتحة، لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "حزرنا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين الأوليين من الظهر، فكانت قدر سبعين آية، وحزرنا قراءته في الركعتين الأخريين، فكان على النصف من ذلك" 3.

والقول الثاني -وعليه العمل- إن قراءة السورة لا تستحب بعد الركعتين الأوليين؛ فإن بناء ما بعداهما من الركعات على التخفيف، ويشهد له أنه لا يستحب فيهما الجهر في الصلوات الجهرية، ومن يرى قراءة السورة في الركعتين الأُخريين يؤثر أن تكون أخفَّ من الركعتين الأوليين، ويشهد له حديث أبي سعيد الخدري.
841 - ومن تمام البيان في ذلك تفصيل القول في المقتدي: فإن كانت الصلاة جهرية، وكان المأموم يسمع صوت الإمام، فلا يستحب له قراءة السورة، بل يقتصر على قراءة الفاتحة، والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا كنتم خلفي، فلا تقرؤوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاةَ إلاّ بها"، وتمام الحديث أن أعرابياً اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " والشَّمْسِ وَضُحاها " فراسله الأعرابي، فتعسرت القراءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا تحلّل عن صلاتِه، قال: إذا كنتم خلفي، فلا تقرؤا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة إلاّ بها" 1.

ولو كانت الصلاة سرّية أو بَعُدَ موقف المأموم وكان لا يسمع صوت الإمام، فهل يقرأ السورة؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يقرأ، وهو القياس؛ فإن المقتدي كالمنفرد عندنا، غير أنه حيث يسمع يقدم الاستماع في السورة على القراءة، فإذا كان لا يستمع، فلا معنى لترك قراءة السورة.
والوجه الثاني - أنه لا يقرأ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كنتم خلفي، فلا تقرؤوا إلاّ بفاتحة الكتاب" ولم يفصل بين صلاة وصلاة.
والقائل الأول يؤوّل قولَه على الحكاية المروية في مراسلة الأعرابي إياه، ويخصص النهي عن قراءة السورة بالسامع في الصلاة الجهرية.
وكان شيخي يقول: صح، أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكتة بين الفراغ من الفاتحة وافتتاح السورة، فليبتدرها المقتدي، فإن انتجزت فيها قراءة الفاتحة، فذاك، وإن بقيت استتمها مع أول السورة.
فصل قال: "وإذا فرغ منها وأراد أن يركع ... إلى آخره" 1. 842 - ذكرنا تفصيل القول في المفروض والمسنون من القراءة.
ولا شك أن السورة تقرأ بعد الفاتحة، فلو قرأ المصلّي السورة أوّلاً، ثم الفاتحةَ، فقراءةُ الفاتحة مجزئة، ولكن هل يعتدّ بقراءة السورة؟ فعلى وجهين، ذكرهما العراقيون وغيرهم، ولا يخفى توجيههما على من يحاوله.
843 - والقيام ركنٌ في صلاة المفترض، ثم لا يضر خفض الرأس على هيئة الإطراق، ولكن يجب نصب الفقار، ولو ثنى شيئاًً من حَقْوه ومحل نطاقه، لم يجز، وإن ثنى فِقار ظهره، ولم يثنِ معقد النطاق -إن أمكن ذلك- فلا يسوغ أيضاً.
والمعتبر فيه أنا سنذكر أن الاعتدال عن الركوع واجب، والاعتدال الانتصاب التام، ولولا ما صحّ من هيئة الإطراق، لأوجبنا رفعَ الرأس للاعتدالِ.

844 - ثم القدْر الذي تقع قراءة الفاتحة فيه من القيام مفروضٌ، وإذا مدّ المصلّي القيامَ، وزاد على ما يحوي قراءة الفاتحة، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في أنّا هل نحكم بأن جميع القيام فرض أم لا؟ وبنى هذين الوجهين على الوجهين، في أن من يستوعب رأسه بالمسح، فهل نقول: جميع المسح وقع فرضاً، أم لا؟ وهذا عندي كلام خارج عن ضبط الفقه؛ فإنه إذا جاز الاقتصار على ما يقع عليه اسم المسح، فكيف ينتظم القول بأن الزائد عليه فرض؟ ولولا تعرض هذا الإمام لحكاية هذا، وإلا كنت لا أرى ذكره.
ثم إن تخيل متخيل ذلك، فشرطه عندي، أنه لو أوصل الماء إلى رأسه دفعة واحدة بحيث لا يفرض تقدّم جزءٍ على جزء، فليس جزء من هذا أولى من جزء بأن يضاف الفرض إلى المسح الواقع به، فاعتقد معتقدون أن جميعَه يقع فرضاً، وهذا بعيدٌ في هذه الصورة التي تكلّفنا في تصويرها أيضاً.
فأما إذا أوصل الماء شيئاًً فشيئاًً إلى رأسه حتى استوعبه بالمسح، فتخيل الفريضة في الأجزاء التي وصل الماء إليها بعد الجزء الأول محال.
فأما القيام، فإذا قرأ المصلّي الفاتحة قائماً، ثم مدّ القيام بعد ذلك، فوصف القيام بعد تقدم القراءة بالفرضية لا يقبله محصل، وكيف يوصف بالفرضية ما جاز تركه، وهو متميز عما تقدم محلاً للقراءة المفروضة؟ نعم إن خلا أول القيام من قراءة الفاتحة، ثم افتتح المصلّي القراءة، فما هو محل القراءة مفروض أعني: قراءة الفاتحة، وما تقدم عليه فيه احتمال، من جهة أنه كان يتأتى إيقاع قراءة الفاتحة فيه، وكان لا يسوغ قطعه قبل جريان القراءة.
فأما ما يقع بعد القراءة من القيام، فلا معنى لوصفه بالفرضية.
845 - ومما نذكره في القيام، أن بعض الناس قد يعتاد أن يتحرك قليلاً في صوب الركوع، وينحني قليلاً، ثم يرتفع، فمهما زايل الاعتدالَ، وأوقع في حال زواله حرفاً من قراءته الواجبة، فلا يعتد بذلك الواقع خارجاً عن اعتدال القيام.
ولو كان يفعل ذلك، ويعود قبل اشتغاله بالقراءة المفروضة، فإن كان ينتهي إلى حدّ الركوع ويعود،

فهذا يُفسد الصلاة عمداً؛ فإنه زيادة ركوع في الصلاة، وسيأتي شرح ذلك.
وإن كان يزايل حد اعتدال القيام ويعود، وكان لا ينتهي إلى حد الراكعين، فهذا فيه ترددٌ عندي، والظاهر أنه يُبطل الصلاة، وإن لم يبلغ حد الكثرة في الأفعال؛ لأنه يُعدد القومات في ركعة واحدة، فيصير كما لو عدد الركوع في ركعة؛ فإن من خرج عن الاعتدال، فليس قائماً القيام المعتد به، فإذا عاد، كان ذلك قياماً جديداً، وهو يقرب عندي من انحراف الرجل قصداً عن قُبالة القبلة، وقد ذكرت أن ذلك مبطلاً 1 للصلاة؛ فالخروج عن السمت المرعي في القيام ينزل هذه المنزلة.
وسمعت شيخي يجعل الانحناء الذي لا ينتهي إلى الركوع بمثابة الأفعال، فإن قلَّ زمانه، لم يضر، وإن كثر، فهو كالفعل الكثير، وهذا بعيد جداً.
846 - ونحن نبتدىء الآن تفصيل القول في الركوع، فنذكر أقله، ثم نذكر أكمله وأفضله.
فأما الأقل، فإنه يعتمد أمرين: أحدهما - الانحناء إلى الحد الذي نذكره، والثاني - الطمأنينة، أما الانحناء، فأقلّه أن ينحني حتى ينتهي إلى حدّ لو مد يديه نالت راحتاه ركبتيه، وينبغي أن ينتهي إلى هذا في الانحناء، فلو كان بلوغه لانخناسه وإخراجه ركبتيه وهو مائل شاخص، فهذا ليس بركوع، ولا يخفى ذلك، ولكن مزَجَ انحناءَه بهذه الهيئة، ولم يجرد انحناءه، فوصل إلى ما ذكرناه بهما، فلم يعتد بما جاء به، فليكن بلوغ الحد المذكور بالانحناء.
847 - فأما الطمأنينة في الركوع، فلا بد منها، ولا تصح الصلاة دونها، ثم ليس المعنيُّ منها لُبثاً ظاهراً، ولكن ينبغي أن يفصل الراكع منتهى هُويه عن حركاته في ارتفاعه، ولو بلحظة؛ فإذا فعل ذلك، فقد اطمأن، وإن لم ينفصل آخرُ حركات هُويه عن أول حركات ارتفاعه، بل اتصل الآخر بالأوّل، فهذا رجل لم يطمئن.
ومما يتمّ به هذا التحقيق، أن الراكع لو جاوز أقلّ الحد في الهوي والخفض،

واتصلت حركاته، فإن ظن ظان والحالة هذه أن زيادة حركاته وراء أقلّ حد الركوع يحسب طمأنينة، قيل له: ليس كذلك، والرجل غير مطمئن؛ والسبب فيه أنا نشترط الطمأنينة ليتميز الركن بها بانفصاله عمّا قبله وبعده؛ فإنه إذا كان كذلك، كان ركناً معموداً متميزاً، فإذا تواصلت الحركات، فلا يحصل هذا الغرض، فهذا بيان الأقل.
848 - ولا يجب عندنا ذكرٌ في الركوع -خلافاً لأحمد بن حنبل 1 - فإن الركوع في نفسه مخالف للهيئة المعتادة، فلم يُشترط فيه ذكر، بخلاف القيام، فإنه واقعٌ في الاعتياد، فخصص بقراءة في العبادة.
849 - فأما بيان الأكمل، فنذكر ما يتعلق بالهيئات، ثم نوضح الذكرَ المشروع فيه.
فينبغي للرّاكع أن يجاوز الحدّ الذي ذكرناه في الأقل، ويسوّي ظهره في الرّكوع، وينصب قدميه من موطئهما إلى حَقْوَيه، ويخنِس ركبتيه إلى وراء، ولا نرى له أن يثني ركبتيه، بل ينصب الرجلين، ويثني ما فوقهما على استواء.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدّ ظهره وعنقه في الركوع على استواء، بحيث لو صبّ الماء على ظهره، لاستمسك، ويضم راحتيه على ركبتيه والأصابعُ على حِلْيتها 2 متوسطة في التفريج، وينبغي أن يوجهها نحو القبلة، وإذا انتهى إلى المنتهى الذي ذكرناه، فيجافي مرفقيه عن جنبيه، ولا نُؤثر له أن يتجاوز في الانحناء الاستواء الذي وصفناه.
850 - فأمّا الذكر المشروع، فينبغي أن يقول إذا ابتدأ الهوي: الله أكبر، ثم اختلف قول الشافعي، فقال في قولٍ: يحذف التكبير حذفاً، ولا يمده، ولا يبسطه، وليس المراد بحذفه أن يوقعه قائماً ثم يبتدىء بالهوي، بل يكبر في هويه، ولكن لا يحاول البسط.

والقول الثاني - أنه يمدّ التكبير، ويبسطه على انتقاله من القيام إلى الركوع.
وقد طرد الشافعي القولين في جميع تكبيرات الانتقالات، فمن رأى الحذف حاذر من البسط التغيير، ومن رأى البسط، لم يُحبّ أن يُخلي حالَةً عن الذكر.
ثم إذا انتهى إلى الركوع قال: سبحان ربّي العظيم.
روى حذيفة بن اليمان: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك في ركوعه" 1، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربّي خشع سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي، وما استقلَّت به قدمي لله رب العالمين" 2. فإن سبَّح ثلاثاً وأتى بالذكر الذي رواه أبو هريرة، فحسن، وإن اقتصر على أحدهما؛ فالتسبيح أولى وأشهر، وعليه العمل.
ثم كان شيخي يقول: إن كان إماماً لم يزد على التسبيح ثلاثاً، وإن كان منفرداً، فكلما زاد، كان حسناً.
851 - وقد اعتمد الشافعي في الطمأنينة وبيان الأقل في الركوع والسجود، ما رواه

رفاعة بن رافع: أن أعرابيا دخل المسجد وصلّى، فأساء الصلاة، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد عليه السلام، فقال: "ارجع فصل؛ فإنّكَ لم تُصَلِّ، فَرَجَعَ وَصَلى، ثم عَادَ، فسلم، فرد عليه السلام، وقال: ارجع وصلِّ؛ فإنّك لم تصل، فرجع وصلّى، ثم عاد فسلم، فرد عليه، وقال: ارجع وصل فإنك لم تصلّ.
فقال الأعرابي: والذي بعثك بالحق لا أحسن غيرها، فعَلِّمني!! فقال: تَوَضّأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، فقل: الله أكبر، ثم اقرأ ما معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تعتدل جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في كل ركعة" 1 ولم يأمره بذكرٍ في الركوع والسجود.
852 - ثم ينبغي للمصلّي أن يقيم شعار رفع اليدين، فيرفع يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع، كما يرفع يديه عند تكبيرة العقد.
ثم الذي نذكره هاهنا وقتَ الرّفع والخفض، فيرفع يديه عند ابتداء الهُوي، ثم يبتدىء الهوي، ويبتدىء خفضَ اليدين مع الهوي، فينتهي إلى الركوع، وقد انتهت يداه إلى ركبتيه، وإذا أراد رفعَ الرأس من الركوع، ابتدأ رفعَ اليد مع الارتفاع، فيعتدل وقد انتهت يداه في الارتفاع إلى منتهاها، ثم يخفض يديه بعد الاعتدال، فهذا بيان الرفع عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع.
ثم يقول الرافع من الركوع: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد.
ولا فرق بين

أن يكون إماماً، أو مأموماً أو منفرداً، وقد روي أنه صلى.
الله عليه وسلم قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمدُ ملءَ السموات والأرض، وملء ما شئتَ من شيء بعد، أهل الثناء والمجد حق ما يقول العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيتَ ولا معطيَ لِمَا منعت، ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" 1. ولعلّ هذه الدعوات تليق بالمنفرد، فأمّا الإمام، فيقتصر على قوله: "سمع الله لمن حمده ربّنا لك الحمد"؛ فإنه مأمور بالتخفيف على من خلفه.
853 - ثم ذكر الأئمة أنه يجب الطمأنينة في الاعتدال، كما يجب ذلك في الركوع والسجود، وفي قلبي من الطمأنينة في الاعتدال شيء؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي ذكر الطمأنينة في الركوع والسجود، و [أما] 2 الاعتدال قائماً وجالساً، فلم يتعرض للطمأنينة؛ فإنه قال: "ثم ارفع رأسك حتى تعتدِلَ قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل جالساً" 3. وهذا الركن من

الأركان القصيرة أيضاً، ولو وجبت الطمأنينةُ فيه، لما امتنع مدّه كما في الركوع والسجود.
ولم يتعرض للطمأنينة في الاعتدالين الصيدلاني 1، ولكن سماعي من شيخي، وما ذكره بعض المصنفين اشتراطُ الطمأنينة في الاعتدالين، وهو محتمل من طريق المعنى، وسيأتي من بعد ذلك كلام يدل على تردد الأصحاب في أن الاعتدال ركن مقصود في نفسه، أم الغرض هو الفصل بين الركوع والسجود وبين السجدتين؟ فإن جعلناه مقصوداً، فيظهر فيه اشتراط الطمأنينة، وإن لم نجعله مقصوداً، فلا يبعد ألا تشترط الطمأنينة فيه، والعلم عند الله.
وما ذكرته احتمال.
والنقل الذي أثق به اشتراط الطمأنينة.
فصل قال: "وأول ما يقع على الأرض منه ركبتاه ... إلى آخره" 2. 854 - نجز القول في الركوع والاعتدال عنه.
ثم يهوي المصلّي ساجداً مكبراً، والقول في حذف التكبير وبسطه على ما ذكرناه.
= ثم لنا أن نقول: إن الحافظ - على جلالته وتبحره في العلم بالسنة، يعترف أنه لم يعرف أن الطمأنينة في الاعتدال عند ابن ماجة، حتى أفاده بها شيخ الإسلام جلال الدين (ر.
التلخيص: 1/ 257 سطر 6).
ثم بعد كل هذا نقول: إن إمام الحرمين أنهى تردده قائلاً: "وما ذكرته احتمال، والنقل الذي أثق به اشتراط الطمأنينة" ا. هـ. فهل بعد هذا يستحق أن يعنف به الحافظ كل هذا العنف؟ رضي الله عنهما، وتقبلهما مع الشهداء والصدّيقين.
ومما يمكن أن يسجل أيضاً أن الحافظ لم يلتفت أدنى التفات إلى تسليم الرافعي بما نقله عن إمام الحرمين، وصب كل لومه وتعنيفه على الإمام وحده.
فلماذا؟ الله أعلم.

ثم مذهب الشافعي أن الأوْلى أن يقع منه على الأرض أولاً ركبتاه، ثم يداه.
وأبو حنيفة 1 يعكس ذلك.
وقد روي مثل ما ذكرناه عن النبي عليه السلام.
ثم الكلام في السجدة يتعلق ببيان الأقل، ثم بعده بالأكمل الأفضل.
855 - وأما الأقل، فنذكر هيئة البدن فيه، وما يجب وضعه على الأرض، فيجب وضع الجبهة، وفي وجوب وضع اليدين والركبتين وأطراف أصابع الرجلين قولان: أحدهما - لا يجب وضعها، وما يوضع منها فلضرورة الإتيان بهيئة السجود، وهذا القائل يقول: المقصود نهاية الخشوع بوضع أشرف الأعضاء الظاهرة على الأرض.
والقول الثاني - أنه يجب وضع هذه الأعضاء، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: "أمِرتُ أن أسجدَ على سبعة آراب" 2 وعنى بها الوجه واليدين والركبتين والقدمين.
وذكر بعض أئمتنا أنه لا يجب وضع الركبتين والقدمين قولاً واحداً، وإنما القولان في وجوب وضع اليدين.
ثم إذا أوجبنا وضع اليدين، فهل يجب كشفهما في السجود؟ فعلى قولين.
ولا يجب كشف الركبتين والقدمين وفاقاً؛ أما الركبتان، فمتصلتان بالعورة، فلا يليق برعاية تعظيم الصلاة كشفهما، وأما القدمان، فلا يتجه وجوب كشفهما مع تجويز الصلاة مع الخفين.
توجيه القولين في اليدين: من قال: يجب كشفهما، احتج بما روي عن خباب بن الأرت رضي الله عنه أنه قال: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء

في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا" 1 معناه: لم يعطنا شكوانا.
ومن لم يوجب كشفهما، احتج أن الغرض المعقول من السجود إظهار صورة التواضع، وذلك يحصل بكشف الجبهة، ولا ينخرم 2 بترك الكشف في اليدين.
ومن قال بالأول، فله أن يقول: ترك كشف اليدين يحكي صورة الكَسْلى 3 ويؤذن بالتنعم الذي يناقض الغرض.
فالأعضاء على مراتب ثلاث: أما الركبتان، ففي كشفهما خروج عن هيئة ذوي المروءات، وليس في كشف القدمين معنى يليق بالسجود، أما الجبهة، فكأنها المقصودة بالسجود، فلا بد من كشفها، على ما سنفصل ذلك، والكفان على التردد؛ فليس في ترك كشفهما إخلال بالخضوع، ولكن في ذلك إثبات تنعم وترفه، فاقتضى ذلك اختلافَ القول، كما ذكرناه.
856 - ونحن نذكر الآن أمرين آخرين: أحدهما - تحقيق القول في الوضع ومعناه، والثاني - تفصيل القول في الكشف.
فأما الوضع، فقد قال الأئمة: لو أمس جبهتَه الأرضَ وهو مقلّ لها، لا يرسلها، لم يجز، ولم يصح السجود، وقال صلى الله عليه وسلم: "مكّن جبهتك من الأرض يا رباح" 4، وطريق المعنى فيه وهو مدار تفصيل المذهب في السجود،

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل