كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ما ذكرناه من الامتحان من حيث لا يشعر، فتوصف غفلاته ويلقم من حيث لا يشعر، ولا يؤخّرُ ممكنٌ في الامتحان.
والحواس بجملتها شريفة، والأصحاب [مطبقون] 1 على تعليق الدية بكل واحدة 2، ولم يُؤثر الخلاف إلا في الشمّ [كما] 3 تقدّم، والمذهب القطع بتعلق الدية بحاسّة الشم والخلاف في ذلك غير معتدٍّ به.
فصل
قال: "وفي السن خمسٌ من الإبل ... إلى آخره" 4.
10625 - الكلام في السن يتعلق بأصولٍ ونحن نقدمها ونذكر ما فيها، ثم إن شذّت فروع، أتينا بها، والله ولي التوفيق.
ففي كل سنٍّ مما هنالك من الحر المسلم خمسٌ من الإبل، والأصل فيه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "في كلل سن خمس من الإبل" وهذا منقول عنه عليه السلام في [كتاب] 5 عمرو بن حزم، هذا في الكامل بالذكورة، والإسلام، والحرية، ثم نأخذ النسبة ونتخذها أصلاً في الديات كلّها، فالخمس من الإبل تقع نصفَ العُشر من المائة، فنوجب في كل [سن] 6 إذا قُلع من صاحبها نصفَ عشر ديته.
ثم إذا قَطَع الرجلُ من السن ما يظهر، وترك السِّنْخَ عليه، فلم يقلع، [نُكْمل] 1 الأرش بقطع ما يظهر، وعلّتُه أن المنفعة التي تتعلق بالسن من العضّ [والقطع] 2 وجَمْع الريق، وغيره، كله يتعلق بما يظهر من السن، فالظاهر [من السن ينزل من] 3 السِّنخ منزلة الأصابع من الكف، ثم من قلع السن مع السنخ، لم يستوجب إلا الأرش، كما أن [من] 4 [أزال] 5 الأصابع [استوجب] 6 الدية، ولو قطع اليدين من الكوع، لم يستوجب مزيداً بسبب الكفين.
وما ذكرناه متفق عليه، والتعليل في نهاية الوضوح.
10626 - ولو قطع الجاني شيئاًً مماظهر من السن، فيجب فيه جزء مقدر من الأرش، ثم التوزيع يقع على الظاهر، أم على السن والسنخ؟ ولا شك أن الأمر يتفاوت تفاوتاً ظاهراً بيّناً، قالمقطوع لو نسب إلى الظاهر من السن، فقد يكون نصفَه، ولو نسب إلى السن [مع] 7 أصله وسنخه، فقد يكون ثلثاً، أو ربعاً، فكيف السبيل في ذلك؟
فعلى وجهين مشهورين: أظهرهما -وهو الذي لا يتوجه غيره- أن التوزيع يقع على ما يظهر؛ فإنا إذا كنا نكمل الديةَ في الظاهر، فالذي يقتضيه القياس الحقُّ أن نوجب نصف الدية في نصف ما ظهر، وهذا كما أنا إذا كمّلنا الدية في الأصابع، فنوجب في بعضها بنسبة الأصابع، ولا ننسب موجب بعضها إلى الكف.
والوجه الثاني - أنا نوجب في المقطوع من السن بنسبته إلى جميع السن مع السِّنخ؛ فإنه لو قلع السن مع السنخ، لم نوجب فيه إلا الأرش، فالسنخ في هذا الوجه متّحدٌ
مع السن، فليقع التوزيع عليه، وليس ما ظهر من السن مع السنخ بمثابة الأصابع مع الكف في المعنى الذي [نحن] 1 فيه؛ فإن سنخ السن متصل مع الظاهر منه اتصال اتحاد، فهو أصل، ولا ينفصل ما يظهر مما يبطُن إلا بالظهور والبطون فحسب، والأصابع منفصلة عن الكف بمفاصلها؛ حتى كأنها منفصلة عنها خِلْقة، ثم هي مربوطة بالكف بالرُّبُط والأعصاب، وأيضاًً ففي كل إصبع أرش مقدر معلومٌ، وكل إصبع منقسم إلى أناملها: ففي كل أنملة منها [أرشٌ] 2 مقدّرٌ معلوم، ولا مشابهة في المعنى الذي نحن فيه بين الظاهر والسنخ وبين الأصابع والكف.
نعم، الكف إذا انبتّت مع الأصابع، لم تفرد بمزيد؛ لأن منفعتها الظاهرة أنها مَرْكَب للأصابع، وبها استقلال الأصابع، فاقتضى هذا فيها معنى التبعية إذا قطعت، كما أن السنخ مَرْكب الظاهر منه.
ولو قيل لمن [يتخير] 3 التوزيع على السنخ: لم أوجبتَ تمامَ الأرش في الظاهر، ثم وزّعت على الجميع؟ فهذا [تعييرٌ] 4 لا ينقدح له جواب شاف فيه، ولهذا كان الأصح الوجه الأول.
والممكن في الجواب أنه إذا قلع جميع ما ظهر، فقد ظهر المقصود، ولم يبق في السنخ منفعة بها مبالاة، فكمل الأرش في الظاهر، فإذا قطع بعض الظاهر، فالسنخ حافظه وحامله، فأمكن أن يقال: يقع التوزيع على ما بقي وعلى السنخ؛ فإن المنافع تتواصل عند بقاء البعض، فالتوزيع يقع على هذا [النحو] 5 وإذا سقط جميع ما ظهر تتعطل منفعة السنخ بالكلية، هذا هو الممكن في توجيه هذا الوجه.
10627 - ثم ألحق أئمتنا بما ذكرناه صوراً، ونحن نأتي بها مرسلة، ثم ندرّجها في ترتيب وضبط: ففي الحشفة الدية الكاملة، ولو استوعب الذكرَ قطعاً من أصله، لم
تجب إلا الدية، ولو قطع [جزئية] 1 من الحشفة، وجب بعض الدية، ثم التوزيع على الحشفة أو على الذكر من أصله؟ فعلى الوجهين المذكورين في السن والسنخ.
ومما ألحقه الأصحاب بما ذكرناه أن [الحلمة من الثديين] 2، يكمل فيها الموجب، ولو قطع بعض [الحلمة] 3، فالتوزيع على الحلمة أم على جميع [الثديين] 4؟ فعلى وجهين.
والصور [تجتمع] 5 في أن [أجزاء] 6 العضو متواصلة في الخلقة، وفي أن القطع
لو وقع من الأصل، لما وجب أكثر من الدية، أو [الأرش] 7 المقدر المعلوم، ثم في
القطع [للجزء] 8 الخلافُ الذي ذكرناه.
ولو قطع أنف رجل مع القصبة، ففي إيجاب مزيد على الدية بسبب القصبة خلاف حكيته، ولا خلاف أن الدية تكمل في المارن نفسه، فإذا قطع بعضاً من المارن؛ فإن رأينا إفراد القصبة بمزيدٍ [لو] 9 قطع الجميع، فلا شك أن توزيع المقطوع من المارن يقع على المارن نفسه فحسب، وإن قلنا: لو قطع الأنف كله، فليس في القصبة مزيد، فإذا قُطع من المارن شيء، فالتوزيع على [الكل أَمْ] 10 على المارن؟ فعلى وجهين كما ذكرناه في السن والذِّكر [والثديين] 11.
فإن بانت المسائل، فالأصح في جميعها التوزيع على المقدار الذي تكمل الدية [فيه] 12.
ثم هي مع ذلك مرتبة، فالوجه الأضعف في مسألة السن أثبت؛ فإن السنخ له اتصال عظيم، حتى إن منفعته تتعطل بقطع الظاهر.
وما وراء الحشفة له استقلال وانفراد، وفيه انتفاع ظاهر، فكانت الحشفة أولى بأن تفرد بنفسها، ويقع توزيع جزئها عليها لا على الذكر كله؛ فإن انفراد ما وراء الحشفة بالمنفعة يوجب استقلاله بنفسه، وعدم اعتبار الحشفة به.
وكذلك [الحلمة مع الثديين] 1.
وأبعد هذه المسائل في الوجه البعيد الأرنبة 2 مع القصبة، فلهذا اختلف الأصحاب في أن جميع الأنف لو قطع هل يجب في القصبة مزيد.
هذا بيان هذا الأصل بما فيه.
10628 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك في السن - أن القاضي حكى عن نص الشافعي: أن من قطع بعض السن -[ونزله] 3 على ما تقدم [من] 4 اختلاف الأصحاب-[فبقي] 5 من الظاهر بعضُه، فلو قلع قالع ما بقي مع سنخه، قال الشافعي: "ويفرد السنخ في هذه الصورة بحكومة، [فيلزمه] 6 في السنخ حكومة على حيالها؛ والسبب في هذا أنا لو أسقطنا حكومة السنخ، لكنا أتبعناه بعضَ السن، والسنخ يتبع جميع الظاهر، وقد فرض قطع بعض السن في الصورة التي ذكرناها" 7.
هذا هو النص وتوجيهه ما ذكرناه.
ويتجه فيه [أخذاً] 1 من فحوى كلام الأصحاب وجهان آخران سوى ما ذكرناه منصوصان: أحدهما - أن السنخ لا يفرد بشيء، فإنه مركب ما بقي، وسنخه يتبعه، كما يتبع الجميع لو فرض القلع في الجميع، وهذا متجه.
والثاني - أنه يسقط منه مقدار ويثبت مقدار، وبيانه أن الذي قطع من السن هو
النصف مثلاً، [فيستقر] 2 على مقابلته نصف حكومة السنخ، فإذا قطع الثاني، سقط نصف الحكومة، واستقر نصفها فتوزع حكومة السنخ على ما طع أولاً، وعلى ما قلع مع الباقي من الظاهر.
ومما يجب الإحاطة به أن من قطع [ظاهر] 3 السن، ثم قلع السنخ متصلاً أو منفصلاً، فالسنخ يفرد بالحكومة في هذه الصورة، كما أنه فرض مثل ذلك في لقط الأصابع أولاً، ثم رتب قطع الكف على اللقط.
ولو قطع من الحشفة مقداراً، وجب فيه ما تقدم، فلو قطع ثانٍ الذكرَ من أصله، ففي إفراد ما وراء الحشفة بالحكومة من الخلاف ما في السنخ، إذا سبق القطع في بعض السن، فهذا بيان أصلٍ واحد في أحكام السن.
10629 - الأصل الثاني - الكلام في تفصيل المثغور وغير المثغور، وهذا من أعظم الأركان في الفصل، فنقول: من قلع سنَّ صبي لم يُثغر سنه، فلا نعجل في إيجاب شيء ونتأمل ما سيكون؛ فإن السن سيعود غالباًً، فإن عاد السن من غير نقص، لم يتجه على القاطع ديةٌ ولا قصاص، ونظر: فإن لم يبق [شينٌ] 4 ولا أثر للقلع السابق، فهل يجب على القاطع شيء أم لا؟ فعلى وجهين سيأتي أصلُهما، والنظائرُ التي يجري الوجهان فيها.
ثم إذا أوجبنا شيئاًً، ولا شَيْن، ولا أثر، ففي مقداره واعتباره كلامٌ سيأتي مشروحاًً في باب الحكومات، إن شاء الله عز وجل.
وإن بقي شينٌ، فلا شك [في إيجاب] 1 الحكومة، وتفصيلُ القول في الحكومة بين أيدينا.
وإن لم يعد السن، فقد بان [أن] 2 القلع أفسد المنبت، فيجب فيه أرش كامل.
وألحق معظم الأصحاب القول بأنه يجب القصاص على القالع في هذه الصورة إذا تبين فساد المنبت، فنقلع [سنّاً] 3 من القالع -وإن كان مثغوراً- بهذا السن الذي لم يعد.
هكذا أورده القاضي وغيره من الأئمة.
وفي القلب من إيجاب القصاص [شيء] 4؛ فإن الدية إنما تكمّل إذا لم يَعُد السن الذي لم يثغر، [لما] 5 ذكرناه من إفساد المنبت، وكأن [عين] 6 السن الذي لم يثغر لا تتعلق به الدية حتى ينضم إلى تلفه إفساد المنبت، وعين السن من المثغور عضو قصاص، فمقابلته بإفساد المنبت لا تتجه.
وقد رأيت في تصرف المذهب [ما يسوّغّ لي] 7 التوقفَ في إيجاب القصاص.
فأما الأرش، فلا شك أنه يكمل إذا لم يعد السن.
ولو طالت المدة في ارتقاب عوْد السن الذي لم يثغر، فأوجبنا الأرش، ثم عاد، نسترد الأرشَ قولاً واحداً، ولا يدخل هذا في القولين في عود سن المثغور وهذا واضح.
10630 - فأما إذا قطع سناً مثغوراً والقالع مثله، فلا شك في وجوب القصاص في الحال، والدية تكمل، يعني الأرش المقدّر، فلا توقف؛ فإن الأسنان المثغورة يندر عودها بعد القلع؛ فلا توقف إذاً فيها.
[هذا] 1 أصل المذهب، ثم يبتدىء التفريع: فإذا عاد السن من المجني عليه، والسن مثغور، وكان العود بعد تقديم الجاني الأرش، فهل نسترد الأرش ن المجني عليه أم لا؟ فعلى قولين منصوصين: أحدهما - أنا لا نسترد، فإن العوْد نادر، والنادر لا حكم له، والعائد نعمةٌ جديدة من الله تعالى، وقد تمت الجناية واستقر موجَبها فلا نُغيّر حكمَها بخلق جديد، ونعمة حادثة من الله تعالى وتقدّس.
وهذا اختيار المزني.
والقول الثاني - أنا نسترد الأرش، إن السن على الجملة يفرض عود جنسه على الجملة، فإذا تحقق العود، كان كما لو لم يسقط أصلاً، نادراً كان أو معتاداً.
والكلام ينبسط الآن بعض الانبساط، فالوجه أن نذكر ما يليق بهذا الموضع في تمهيد الأصل، وذكر النظائر، والإشارة إلى محل الوفاق والخلاف، ثم نعود بعد ذلك إلى تفريع القولين في الأسنان، والله المستعان.
10631 - فنقول: من جنى على إنسان، فصار لا يبصر أصلاً، وربما يقتضي الحال الديةَ، لغلبة الظن في أن البصر زائل، فإذا غرّمنا الجاني [الدية] 2، ثم أبصر المجني عليه، فلا خلاف أن الدية [مستردّة] 3، وقد بان أن البصر لم يزل، وإنما حدئت غشاوة [أو طرأ مانع ثم زال] 4. هذا ما عليه بناء الفقه، فلا التفات إلى [التعمق واسترسال] 5 الكلام.
ولو جنى جانٍ، فجرى الماء إلى [إنسان العين] 1 فقُدح 2 الموضع، وزال الماء، وأبصر من عليه الجناية، فالدية مستردة، كما ذكرناه.
وكذلك القول في إزالة لطيفة السمع في الظن وتقدير السلامة بعد ذلك؛ فإن هذه المعاني إن زالت، لم تعد أصلاً، وإنما تحدث موانع [ظهورها] 3، ثم تزول، وما ذكرناه جارٍ في الحواس [كلّها] 4.
ولو جنى جارٍ، فأذهب بطشَ اليد من المجني عليه، واقتضى الحال إلزام الدية [فأبلّت] 5 اليد، وعاد البطش.
[فهذا] 6 كالإبصار بعد وقوع لحيلولة، هكذا ذكر الأئمة وهو مقطوع [به] 7؛ فإن الأعضاء إذا يبست [أعصابها، وفسد حسها لا تعود، وهو الشلل تحقيقاًً] 8، وفيه الدية، وإذا أتاها الخلل، وزال البطش من الدماغ، ثم زالت آفةٌ كانت، وانجلت شدّةٌ وقعت، وكانت مانعة من نفوذ القوة إلى الأعضاء، فهذا كالإبصار بعد امتناعه.
فانتظم مما ذكرناه أن المعاني بجملتها إذا فرض العود فيها تسمية وإطلاقاً، فذاك ليس بعَوْد، ولكنا نتبين أنها لم تزُل، وإنما وقعت حوائل وموانع، ثم زال المانع، والمعاني بحالها.
ومن ذلك العقل؛ فإن من جنى على إنسان، فجُنّ المجني عليه، ثم أفاق وعقل،
فنسترد [الدية] 1 إن كنا [أخذناها] 2، فقد جرى القول فيها على [ما تمهد] 3.
10632 - ثم يقابل هذا القسمَ الذي ذكرناه معارضٌ على حكم المخالفة والمناقضة، فنقول: من أوضح رأس رجلٍ، توجه القصاص أو الأرش، فلو التحم الجرح واكتسى باللحم والجلد، فقد رأيت الأئمة متفقين على أن الأرش لا يُسترد، قولاً واحداً، وحكم الجناية لا يزول بما فرض من الالتحام؛ والسبب فيه أن المرعي في الإيضاح حصول الاسم، ولذلك لم نفرِّق بين الموضِحة الصغيرة وبين الكبيرة التي تستوعب الرأس بالإيضاح، وقد تحقق الاسم، فاستقرت التسمية.
ثم الالتحام أمرٌ جديد، ولحم حادث أنبته الله تعالى وتقدس، والذي يحقق ذلك ويوضّحه أن الالتحام في الموضِحة معتاد غير نادر، فلو كان مسقطاً للأرش [مغيِّراً] 4 لأمر القصاص، لأجريناه جَرْي السن الذي لم يثغر؛ حتى لا نعلِّق به -عند الالتحام- قوداً ولا دية، [وربطنا] 5 الأرش بما إذا برز العظمُ وبقي [ظاهراً يُنظر] 6، وهذا غير واقع، وفيه حسم السبيل إلى موجَب الشِّجاج.
وتمام الغرض في هذا أن سن الصبي يسقط لا محالة في [زمن] 7 قريب، وإذا قلع ثم عاد، كان ذلك بمثابة استعجال في السقوط، وكان إليه مصيره لو ترك، وجلدة الرأس لا تسقط، فإذا تحقق الاسم، فلا ننظر إلى ما يقع بعده من الالتحام، والمعاني إذا قيل: عادت، تبيّنّا أنها لم تزُل، وهذا لا يتحقق في الموضحة، فإنها واقعة قطعاً، ثم كما يغلب التحامها من المجني عليه، فكذلك يغلب في المقتص منه.
ويلتحق بهذا القسم أن الجائفة إذا التحمت [وانسدّت] 8، فالذي قطع به
الأصحاب أن حكمها لا يزول؛ فإن المعول فيها على الاسم، كما أن المعول في الموضِحة على الاسم، وقد ذكر صاحب التقريب في الجائفة إذا التحمت وانسدت وجهين: أحدهما - أن حكمها لا يزول كالموضِحة، والثاني - أن حكمها يزول، وهذا وجهٌ ضعيف، لا اتجاه له على الوجه المحكي.
10633 - والذي عندي فيه أن ما ذكره فيه إذا وصلت الجائفة إلى الباطن بسكين أو غيره، ولم يزُل اللحم من البين، وإنما وُجد [خرق] 1، ثم التحم من بعدُ.
وهذا فيه احتمال؛ فإن الخرق قد زال، من حيث حدث من غير زيادة لحم لم تكن، وعندي أنه لو فرض مثل ذلك في الموضِحة، بأن غرز الجاني إبرة، وقرع العظمَ بها، فهذا إيضاح، فلو ارتتق مثل هذا الجرح واللحم، فالذي أراه طردُ الوجهين في هذه الصورة؛ إذ لا يجوز أن يعتقد الفرق بين الموضِحة وبين الجائفة أصلاً.
ولكن الذي يجب اعتماده في ترتيب المذهب أنه إذا زال اللحم، وحصلت الجراحة الموجبة للأرش في الشجاج أو الجوائف، ثم فرض زوال الجرح بنبات لحمٍ جديد، فالأرش لا يسترد أصلاً، وإن وجد خرق [محدَّد] 2 في النوعين من غير إزالة لحم، ثم قدر التحامٌ من غير لحم جديد، ففيه الوجهان في الموضحة والجائفة جميعاً.
فهذا بيان هذا الطرف، وبين الطرفين عَوْد السن المثغور، وفيه القولان، والفرق بينه وبين الموضحة أن المتبع في الموضحة الاسمُ، كما تقدم ذكره، وقد جرى في جنس السن ما يجب القطع فيه بسقوط الأرش، وهو عوْد سن من لم يثغر سنه، والمثغور من جنس ما لم يثغر، فهذا هو أحد القولين.
وإلا فالقياس الحق أن ما يحدث من خلقٍ جديد لا يغيّر حكم الجناية السّابقة، ولكن اعترض في الأسنان ما ذكرناه في السن الذي لم يُثغر.
فهذا بيان التغايير التي تحدث بعد الجناية.
10634 - ثم إن المزني اختار أن عود السن المثغور لا حكم له، وهو نعمة جديدة من الله تعالى، واحتج في نظره ذلك بأن من قطع لسان إنسان، ثم عاد ونبت، فما وجب لا يسقط، فليكن عود السن المثغور كذلك 1.
وقد اختلف أصحابنا على طريقين فيما ذكر: فذهب الأكثرون إلى أحد القولين في عود اللسان، وهذا إن كان يتصور، فإنما يتصور في قطع فلقة من جانب من اللسان، وهو بعيد في التصوّر أيضاً.
ومن أصحابنا من سلم للمزني ما ذكره، وقال: إنما قلنا في السن المثغور ما قلناه اعتباراً بالسن الذي لم يُثغر، وليس في اللسان ما يناظر السن الذي لم يثغر؛ حتى نلحقَ اللسان به، فأجرينا القياس في اللسان، وفي الأسنان ما ذكرناه من السن الذي لم يثغر.
فهذا منتهى القول في هذه التقاسيم، والله أعلم.
10635 - وقد عاد بنا الكلام إلى التفريع على القولين في السن المثغور، فنفرض صوراً، ونفرع حكمها على القولين، فنقول: وصفنا القولين فيه إذا قلع السن ممن ثُغر [فغرم] 2 الأرش، ثم عاد السن من المجني عليه، ففي استرداد الأرش ما ذكرناه من القولين.
ولو اقتصصنا من الجاني، فعاد سنُّ المجني عليه بعد الاقتصاص، ولم يعد سن الجاني، فالمذهب أن القولين يفرعان، [فيقال] 3 فيهما: إن قلنا: لا حكم لعود السن، فلا ننظر إلى العود، وقد جرى القصاص بحقٍّ، وإن أثبتنا للعود حكماً، فيغرم المجني عليه للجاني الذي اقتص منه أرش سنه الذي قلعه في ظاهر الأمر قصاصاً.
وحكى صاحب التقريب عن أبي الطيب بن سلمة من أئمتنا أنه قال: لا يجب على
المجني عليه شيء في هذه المسألة؛ وذلك أنه إذا غرم الجاني الأرشَ، فردُّ الأرش ممكن [عند] 1 عود السن، فأما إذا اقتص الجاني، فهذا لا يمكن ردّه، فلا تتعلق به [تبعة] 2، وهذا غلط صريح في القول الذي عليه نفرع، [فسنّ] 3 المجني عليه إذا عاد، فقد بان أن قلع سن الجاني الذي قلعه على ظنّ القصاص، [لم يكن بحق] 4.
[وقد] 5 ذكرنا عوْدَ سن المجني عليه، وقد [غرم] 6 الجاني الأرش [وإن] 7 فرض الاقتصاص منه.
10636 - ونحن نصوّر الآن عود السن في الجاني، فنقول: إذا اقتصصنا من الجاني، وقلعنا سنه الذي قلعه من المجني عليه، فعاد سنه، فهذا يتفرع على أصل القولين في العود: فإن قلنا: السن الحادث نعمةٌ جديدة، فلا [يتغير] 8 به حكم، وقد جرى الاقتصاص على وجهه، ولا أثر للعود المفروض.
وإن جعلنا للعوْد حكماً، فقد ذكر العراقيون وجهين: في أنا هل نقتص منه مرة أخرى؟ أحدهما - أنا نقلع سنه مرة أخرى، ولا نزال نفعل ذلك إذا كان السن يعود، ولا نبالي وإن قلعنا مائة مرة، وذلك أن القصاص في التحقيق إنما يجري لإفساد المنبت، [فما لم] 9 يحصل لا يكون ما يجري اقتصاصاً.
والوجه الثاني -وهو الذي قطع به الأئمة المراوزة- أنا لا نقلع سنه مرة أخرى؛ فإن القصاص عقوبة مع مجازاةٍ لعدوان، والمماثلة مرعية في القصاص.
وهذا سرف عظيم ومجاوزة حدّ، فإذا نبت سنه، فقد فات الاقتصاص، [والجاني
يغرَم للمجني عليه] 1 أرش سنه، وكأن الاقتصاص لم يجر، وتعذر [بسبب] 2 من الأسباب.
ولو قلع سنّه جانياً، فقلعنا سنّ الجاني قصاصاًً، فعاد سنهما جميعاً، فإن لم نجعل للعود حكماً، فقد تمت الجناية، وتمّ القصاص.
وإن جعلنا للعَوْد حكماً، فنقول: لما عاد سن المجني عليه، فنقول: كأنه لم يقلع، وإذا عاد سن الجاني، فنقول: كأنه لم يقتص منه، فيتفاصلان ولا طلبة لواحد منهما في أصل السن، وهذا من بدائع التفاريع؛ [فإنا قد فرعنا] 3 على قولين مختلفين، فأفضى التفريع عليهما إلى مقصود واحد، فإنا إن قلنا: لا حكم للعود، فلا [تداعي] 4 بينهما، وقد تمت الجناية، وتم القصاص.
وإن قلنا: للعود حكم، فكأن الجناية في أصلها لم تجرِ، وكأن الاقتصاص لم يجر.
والله أعلم.
ومما نذكره في التفريع: أنا إذا لم نجعل لعود السن حكماً، فنقول: إذا جنى فقلع سناً، فإنا نبتدر ونقتص من الجاني، أو نغرّمه الأرش، ولا ننتظر أمراً؛ فإن أقصى ما يفرض عود السن ولا أثر له.
وإن قلنا: عود السن يؤثر، فهل نتوقف وننتظر العود، أم كيف السبيل فيه؟ ادعى المزني لما اختار أن عود السن لا حكم له أنا لا ننتظر، واحتج بذلك قائلاً: لو كان على عود السن معول، لانتظرناه، كما [نفعل] 5 ذلك في الذي لم يثغر.
فذهب معظم الأئمة إلى أنا نخرّج الانتظار على القولين: فإن قلنا: يتغير الحكم بعود السن، فلا بد من الانتظار، وهذا هو القياس الحق، ثم الرجوع في مدة
الانتظار [إلى] 1 مدة عود سن الصبي الذي لم يثغر.
ومن أصحابنا من وافق المزني في الذي ذكره وقال: إنا لا ننتظر العود لأنه إن وقع، فهو نادر جداً، فلا وجه لانتظار النوادر، وإنما يتعلق انتظار العقلاء بما لا يستبعد، والزائد عليه أنا لو انتظرنا مدة، فلن ينقطع توقع العود وإن طالت المدة، فالوجه قطع الانتظار أولاً، ثم إن اتفق عودٌ، أجرينا ما حكمنا فيه على ما يقتضيه القياس.
وقد انتجز غرضنا في هذا الأصل.
10637 - ومن الأصول الكلامُ في أن الأسنان إذا استوعبت قلعاً، وزادت أروشها على مقدار الدية، فكيف الوجه؟ قال الشافعي رضي الله عنه: "والضرس سن وإنما سمي ضرساً" [فجملة] 2 الأسنان على الاعتبار الغالب في الفطرة اثنان وثلاثون: أربع ثنايا: ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل.
وأربع رَباعيات، فوق وأسفل، وأربعة [أنياب] 3، كما ذكرنا، [وأربعة نواجذ] 4 وأربع ضواحك، واثنتا عشرة طواحين، وهي التي تسمى الأضراس، وهذه الأسنان، وإن كانت [متفاوتة فيما] 5 يتعلق بها من المنفعة، فهي متساوية في الأروش، ففي كل سن منها خمس من الإبل، إذا كمَّل
المجني عليه [قلعها] 6، كما تقدم ذلك، وهو [كالأصابع فإنها] 7 متفاوتة في الصورة، والطول، والقصر، والمنافع، وأروشها متساوية، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأسنان سواء والأصابع سواء والثنية كالضرس: هذه كهذه" 8.
ثم قال الأئمة في هذا المنتهى: الغالب أن الثنايا تكون أطول من الرَّباعيات، فإن كان ثنايا بعض الناس مثل الرَّباعيات أو أقصر منها، فكيف الحكم؟ ما ذهب إليه الأكثرون أنه لا يجب في الثنية والحالة هذه تمام الأرش، كما إذا كانت الإصبع الوسطى مثل المسبِّحة، فلا يجب فيها تمام دية إصبع، [ولذلك] 1 يجب [في] 2 الثنية مقدار من الأرش: فنقدر الطول الذي كان ينبغي أن يكون، ويتوزع الأرش، ويسقط في مقابله ما عدمنا مقدارَه، ويبقى مقدار الباقي، وفي بعض التصانيف أنا نوجب فيه حكومة، وهذا غلط إلا أن يريد بها البعض على القياس الذي ذكرناه.
وكان يحتمل أن يجب تمام الأرش، وفي كلام الأئمة رمزٌ إليه، ووجهه أن زيادة الثنايا [ليست] 3 مطردة؛ حتى يقال: خلافُه خارج عن عادة الخلقة، والناس على تفاوت عظيم في خلقة الأسنان، وليس كذلك الأصابع، على أني سأذكر في الأصابع إذا انتهيت إليه ما ينبغي.
10638 - ثم نتكلم بعد هذا في استيعاب الأسنان في القلع، وتعدد أروشها، فنقول أولاً: إذا قلع الجاني سناً، وتركه حتى برأ واندمل، وزال أثر الجناية، ثم قلع سناً آخر، ثم هكذا إلى استيعاب الأسنان، فهاهنا نوجب في كل سن خمساً من الإبل.
[ولو] 4 اشترك جماعة، فقلع كل واحد منهم سناً [أو واحدٌ عشرين] 5، وقلع = البخاري مختصراً بلفظ: هذه وهذه سواء.
يعني الخنصر والإبهام (ر.
أبو داود: الديات، باب ديات الأعضاء ح 4558 - 4561، ابن ماجه: الديات، باب دية الأصابع، ح 2652، ابن حبان: 5980، البخاري: الديات، باب دية الأصابع ح 6895. تلخيص الحبير: 4/ 55 ح1930).
الآخر الباقي، فيجب على كل واحد [منهم] 1 الأروش بكمالها؛ فإنه لا يختص كل واحد [بأكثر] 2 من الدية، وهذا [نهايتها] 3، [ولو قلع قوم] 4 كل واحد سناً 5، وكذلك إن قلع سناً، وغرم أرشه، وقلع آخرَ وغرم [أرشه] وهكذا، 6 حتى استوفى الأسنان، فالأروش تثبت، [وإن] 7 زادت على الدية هذه صورة وحكى الأئمة الوفاق في وجوب تمام الأروش فيها 8.
ولو جنى جناية أسقط فيها جميع الأسنان دفعة واحدة، فهل نوجب الأروش بكمالها، أم لا نزيد على ديةٍ واحدة؟ فعلى قولين: أصحهما - أنا نوجب الأروش، وإن زادت على الدية، وهذا هو القياس.
والثاني - أنه لا يجب أكثر من دية واحدة؛ فإنها [أعدادٌ متقابلة متعاونة على العمل كالأصابع] 9 وهذا [لا يستدّ] 10 مع أن الأروش تزيد في الصور التي ذكرناها.
ولو قلع جانٍ واحدٌ، فقلع الأسنان واحداً واحداً، ولم يتخلل اندمالٌ، ولا غرامةُ أرش، ففي هذه الصورة طريقان: أحدهما - القطع بإيجاب الأروش بالغةً [ما بلغت] 1؛ لتعدّد الأفعال وترتبها.
والثانية - أن المسألة تخرّج على القولين اللذين ذكرناهما.
10639 - ومن الأصول في الأسنان أن اللحيين فيهما دية كاملة، وهي من مباني البدن، ولا يخفى ظهور وقعهما ومنفعتهما وعِظم أثرهما.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: "الأسنان العليا في عظم الرأس، والسفلى في اللحيين" 2 وقصد بذلك التعرض [لأرش اللحيين] 3، وهو أن من قلع لحيي شخص، وألزمناه الدية، فهل تلزمه أروش الأسنان مع دية اللحيين؟ فعلى وجهين: أحدها - أنها تتبع؛ فإن المتركب على الشيء إذا قُلع مع أصله، لم يفرد كل واحدٍ منهما بأرش الانفراد، والأقيس إثبات الأروش مع دية اللحيين 4.
10640 - إذا ضرب سنَّ إنسان فاسودّ، فقد اختلف نصّ الشافعي فيه، فقال في موضعٍ: "يلتزم الحكومة" [وقال في موضع يلتزم عقلها] 5، فقال المزني: أجعل المسألة على قولين، واختار إيجاب الحكومة، واحتج بأن منفعة السن باقية: من القطع والمضغ وغيرهما 6.
فقال الأئمة: ليست المسألة على قولين، بل النصان منزلان على حالين: فحيث
أوجب الدية أراد إذا سقطت منفعة السن، وحيث أوجب الحكومة أراد إذا لم تسقط منفعتها.
وفيما [ذكروه] 1 نظر وبحث، فنقول: إن كان يتأتى المضغ والقطع ولم يحدث إلا اسوداد، فلا يلزم إلا الحكومة، وإن كان لا يتأتى بالسن ما ذكرناه، فربما [يتعذر بسببه] 2 الانتفاعُ [بما عداه، فقد سقطت] 3 المنفعة، وبقاء الجرم [لا ينافي] 4 وجوب الأروش، كما لو ضرب يداً، فأشلها.
[وإن اخضرّت السن أو انتبرت، وتقلقلت] 5، وبان أنه من آثار الجناية، فإذا سقط، وجب الأرش في سقوط العضو [على] 6 ما تقدم ذكره.
وإن كان يتأتى به القطع والمضغ ولكن على ضعف، فهذا بمثابة ما لو ضرب يد إنسان فأضعفها ولم تسقط منفعتها بالكليّة، فتجب الحكومة، ثم الحكومة على قدر ما فات، ولا سبيل إلى [التقدير] 7، فإنه لا ينضبط ما فات وبقي على وجهٍ لا يتأتى فيه [شبهة] 8 من جهة التقدير، فإذا لم [يتقدّر] 9 ما فات، لم يتأت تعبير عن [عوضه] 10، فأثبتنا الحكومة صادرةً عن النظر والاجتهاد، فهذا جميع ما يتعلق بهذا.
فالاسوداد المجرد لا يوجب الأرش بكماله.
نعم، يتعلق به الحكومة، وستأتي أصول الحكومة، إن شاء الله عز وجل.
ثم حيث أوجبنا على الجاني حكومة، فلو جنى جانٍ وقلع ذلك السن، قال الأصحاب: على قالعه أرشٌ كامل، وإن أوجبنا على الجاني الأول أرشاً كاملاً، فنوجب على القالع حكومة، وهذا بيّن عند الأصحاب في الأصول.
10641 - وفيه نظر عندي وبحثٌ: فإن من نَقَصَ 1 السنَّ وأزال بعضَ منفعته، فالذي يضمنه في مقابلة ما أزاله -إذا ضمن- شيءٌ 2 من المنفعة، [فالقول] 3 بإيجاب تمام الأرش قد يُشكل على الناظر؛ وهذا السؤال قد يتجه فيما إذا جنى على يد إنسان، فأضعفها، وضمن الحكومة، ثم يترتب على ما ذكرته من الإشكال أمر القصاص، وقد قال الأئمة: في الصورة التي انتهينا إليها: لو قلع قالع ذلك السن، أو قطع تلك اليد فيلزمه القصاص، واليد الكاملةُ لا تقطع إلا بيدٍ كاملة.
فنقول: إذا ضعفت اليد خلقةً، أو ضعف السن، [فلا] 4 إشكال في إتمام الأرش على الجاني، فإنا لَوْ لم نقل هذا، لوقعنا في عَماية لا تنجلي، فإن [أفراد] 5 منافع الأعضاء لا تدخل تحت الضبط، فيكفي في إكمال أبدالها كمال الخلقة صورةً، وثبوتُ المنفعة على الجملة، ولا نظر إلى قدر المنفعة.
هذا في الضعف الذي يكون من [طريق] 6 الخلقة ويستوي فيما ذكرناه الأصلي والطارىء إذا كان من طريق الخلقة، من غير فرض جنايةٍ وضمان.
فإذا فرض النقصان بجناية، وفرض الضمان، ففيه الإشكال، فإن [قيل] 7 [الفائت] 8 مضمون، فإذا وجب تمام الأرش، فهذا يتضمن تضعيف الضمان في القدر الذي تعلق الضمان الأول به.
قلنا: الأمر كذلك، ولكن سرّ الحكومة أنا
لا نوجبها في مقابلة مقدارٍ من المنفعة على التحقيق، ولكنا نقول: جنايةٌ مؤثرةٌ، [وليس] 1 فيها تقدير شرعي، ففيها حكومة، ثم أقرب مسلك نلتفت إليه المنفعةُ اجتهاداً وتخميناً، [وتعدّد] 2 الجناة قد يوجب مثلَ ذلك؛ فإن من قطع يدي رجل وحز رقبته، فالنص أنه لا يلزمه إلا دية واحدة، ولو قطع يديه إنسان، وقتله غيرُه، فديتان وفاقاً، وسنذكر هذا موضحاً في فصول الحكومات، إن شاء الله عز وجل.
فصل
10642 - إذا تحرك سن الإنسان وتقلقل لهَرَمٍ أو لعلة، فقَلَعَه قالع، قال الأئمة: في وجوب القصاص والأرش الكامل قولان.
وهذا عندي فيه ترتيب؛ فإن تقلقل على وجهٍ يغلب على الظن أنه يثبت [ولم] 3 تسقط المنفعة [ولم تزُل، فهذا] 4 بمثابة مرض في العضو، فإذا قُلعت، فيجب [لضمان] 5، ويُقْطَع بالقود وبكمال الأرش.
وإن كان التحرك بحيث يغلب على الظن أن السن إلى السقوط لما به، ففيه قولان: أصحهما - وجوب القصاص والأرش الكامل؛ [فإن] 6 المنفعة وإن قلّت وضعفت،
فالعضو باقٍ، وقد قدمنا أن مثل هذا وإن [نقص] 7 المنفعةَ لا يؤثر في إسقاط الصحة والحكم بالسلامة.
والقول الثاني - أن [القود] 8 لا يجب؛ فإن السن انتهى إلى السقوط، وفي جنسه ما لا يتعلق به كمال الأرش؛ من حيث إن مصيره إلى السقوط، وهو سن الصبي الذي
لم يُثْغر، وإنما خرج هذا القول لهذا الشبه، وإلا فلا خلاف في سائر الأعضاء أنها إذا [اكتسبت] 1 ضعفاً، فهي [كالأعضاء] 2 القوية.
ثم هذا التعلّق غير صحيح أيضاً؛ فإن المعتبر في سن الصبي أنه يسقط ويخلف، وهذا لا يتحقق في سن الشيخ؛ فإنه إن سقط، فلا [خلف] 3 له.
فكأن الأعضاء تنقسم: فما ضعف وكان الغالب أنه يبقى صاحبه 4، فلا حكم لذلك الضعف، وما سقط إلى خلفٍ وبدل، فهو سن من لم يثغر سنه، وما يسقط غالباًً إلى غير خلف، وإن لم يظهر أثره، فهو عضو كامل في القصاص والأرش، فإن ابتدأ يتحرك، ففيه القولان، والأصح عندي الحكم بموجب الكمال.
فرع:
10643 - إذا قلع سناً لم يُثْغَر من صبي، فقد ذكرنا أنا ننتظر من أمره العَوْدَ [أو غُرْمه] 5، فلو مات الصبي قبل أن يعود سنه، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين: أحدهما - لا نكمل الأرش؛ لأن [العود كان متوقعاً] 6، فقطعه الموت.
والثاني - يلزم، فإن القطع [قد] 7 تحقق، ولم يكن عود، ولا ننظر إلى تفصيل السبب الذي لأجله لم يعد السن.
ومما يتعلق بهذا المقام أنه لو قلع قالع سنَّ صبي، فجاء جانٍ وجنى على ذلك المنبت، فلم يعد السن، وقيل: لولا الجناية، لكان يعود السن، فهذا [محلٌّ] 8 مشكل: [يجوز أن يقال: يجب الأرش على القالع] 9، ويجوز أن يقال: لا يلزم القالع إلا الحكومة، ثم ليس يظهر في هذه الحالة إيجابُ الأرش على الجاني الثاني
وإن نفيناه عن الأول، وإيجاب الأرش بينهما لا يصير إليه فقيه.
ولو سقط سن الصبي بنفسه، فجنى جانٍ على المنبت، فلم يعد السن، فهذا مشكل أيضاًً، وقد يتجه إيجاب الأرش على الجاني؛ من جهة ظهور فساد المنبت ولم تتقدم جناية من قالع حتى تكون الإحالة [عليها] 1، والله أعلم، ولا قطع مع الاحتمال، [ولا نَقْلَ] 2 نعتمده.
فرع:
10644 - إذا بلغ 3 الصبي في العاشرة وله سن بعدُ لم يُثغَر، فقلع سناً لم يُثْغَر مماثلاً لسنه، فهل نقلع سنَّ القالع جرياً على إجراء القصاص في الأعضاء الزائدة.
قال شيخي لما راجعته في ذلك: لا قصاص في الحال، فإن سن المجني عليه إن عاد، فقد لا يعود سن الجاني، فإن لم يعد سن المجني عليه، ورأينا القصاص فيه، كما تقدم، فنقطع سن من لم يُثْغَر، فإن لم يعد، فالسن بالسن.
وإن عاد سنه، فهذا العود معتبر بلا خلاف، فنقول: لم يعد سن المجني عليه، وعاد سن الجاني، فهل نقلع سنَّه الثاني؟ فيه خلاف، ويظهر هاهنا أن نقلع ثانياً، فإن الأول لم يكن مثغوراً، وإن لم يقلع، ولا شك في إكمال الأروش في سن المجني عليه، فتأملوا، ترشدوا، إن شاء الله عز وجل.
فرع:
10645 - إذا انقلع سن إنسان وسقط، فاستعمل سناً من ذهب، وردّه إلى سنخ ذلك السن، فنشب اللحم به ونبت، وصار يَقطَعُ به ويمضغ، فلو قلع قالع هذا السن، فقد اختلف قول الشافعي في أنه هل يجب على القالع حكومة أم لا؟ فأحد القولين - أنه لا حكومة لأنه لم يكن جزءاً من الحيوان، والثاني - تجب الحكومة لما كان فيه من المنفعة، والتعلق بالآدمي، وفي المسألة احتمال بيّن لو تُصوّرت، وعندي أنها لا تتصور ولا يتصور أن يلتحم [اللحم] 4 على [الذهب] 5 والله أعلم.
فهذا ما حضر ذكره في أصول أحكام الأسنان.
فصل
قال: "وفي اليدين الدية ... إلى آخره" 1.
10646 - في اليدين الدية، وقد قال عليه السلام: "في اليدين الدية، وفي الرجلين الدية" ثم يجب في اليد الواحدة نصف الدية، والديةُ تكمل بلَقْط الأصابع، فإن قُطعت اليد من الكوع، لم نزد شيئاًً وفاقاً، وفي كل إصبع عشرٌ [من الإبل] 2، ولا فرق بين إصبع وإصبع، وقيل: كان عمر رضي الله عنه يفاوت بين الأصابع في الأروش، فبلغه أن الرسول عليه السلام قال: "الأصابع سواء، والأسنان سواء" فرجع إلى الاستواء، وترك ما كان عليه 3.
ولكل إصبع في اعتدال الخلقة ثلاثة أنامل إلا الإبهام، فإن [لها] 4 أنملتان عندنا، وفي كل أنملة من [الأنامل] 5 الثلاثة 6 ثُلُث الإصبع، وفي أنملة واحدة من الإبهام نصف دية الإبهام، والكفُّ يتبع الأصابع.
ولو قطع اليدَ من المرفق، ففي الساعد حكومة زائدة، وكذلك إذا قطع من الكتف، فالتبعية إنما تثبت في الكف، كما ذكرناه، [ولو قطع القاطع من المنكب، فالقصاص جارٍ فيه، فإنه مفصل لا يتعذر استيفاء القود منه] 7، كما قدمناه في كتاب القصاص.
ولو جنى على يده، فأشلها، وجب كمال دية اليد؛ لإزالة المنفعة، ولا يجري
القصاص في المنافع؛ [فإن] 1 إجراء القصاص غير ممكن فيها.
ولو كسر يد إنسان فجبره، [فجاء] 2 الجبر معوجاً، وجبت الحكومة، فلو قال الجاني: أنا أكسره، وأجبره مستوياً، حتى يقلّ الغُرم عليه، لم يكن له ذلك، ولو فعله وانجبر مستوياً، لم يسقط عنه ما وجب أولاً، وتجب حكومة جديدة بالكسر الجديد.
وهذا القول في اليد.
10647 - ويجب في الرِّجْل ما يجب في [اليد] 3، والقول في أصابع الرجل كالقول في أصابع اليد سواء، وقد يعترض إشكال فيها، فإن أصابع اليد إذا لُقطت [وتُركت] 4 الكف، فمن قطعَ الكفَّ، فعليه حكومة في الكف.
ولو قطعت أصابع الرجل، [فإن] 5 معظم منافع الرجل باقية؛ فإن المقصود منها المشي، وهو باقٍ، وإن المقصود من اليد البطش ومعظم البطش في الأصابع، ولكن اتفق العلماء على أن القدم من غير أصابع بمثابة الكف من غير أصابع.
وفي رِجْل الأعرج كمالُ الدية؛ فإن سبب العرج في الحِقْو أو الفخذ، وقد يكون تشنج 6 في العصب، [فلا] 7 تنتقص الدية بالعرج أصلاً.
10648 - ثم قال 8: "وإذا كان بيد رجل كفَّان ... إلى آخره".
ما قدمناه في اليد والرجل بمثابة الأصول، وهذا أول الخوض [فيما] 9 يكاد يغمض، ونحن بعون الله تعالى نأتي منه بالبيان الشافي.
فليعلم الناظر أنه لا يتصور أن يكون على معصم واحدٍ كفان أصليتان، ولا على
ساقٍ واحد قدمان أصليتان، فلا بد وأن تكون إحداهما زائدة، أو تكونا ناقصتين في مقابلة يد واحدة، كما قدمنا تصوّر ذلك في الأصابع، في كتاب القصاص، وكل ما يتعلق بهذا الفصل [قد] 1 سبق مستقصىً في الجراح.
ولا يتأتى استيفاء حكم القصاص دون ذكر أحكام الديات، فلذلك تقدم [لُباب] 2 هذا الفصل فيما تقدم، ونحن نذكر ما نراه زائداً، [وما في] 3 إعادته [ما يفيد] 4. فإذا كانت إحدى الكفين أصلية، والأخرى زائدة، وقد تبين الأصلى من الزائد، ففي الأصلي الدية، والقود، وفي الزائد الحكومة.
ونحن نجمع ما يدل على الأصلية منهما: فإن كانتا على سَنَنٍ واحد، وأصابع كل واحدة كاملة، فإن كانت إحداهما باطشة، والأخرى ضعيفة، فالأصلية الباطشة، وإن كانت الباطشة منحرفة [والمستدة] 5 ضعيفة، فالأصلية الباطشة، فأَوْلى معتبر في ذلك البطشُ.
ولو كانتا جميعاً تبطشان، ولكن إحداهما أقوى بطشاً، فهي الأصلية، وإن استويا في أصل البطش.
وبالجملة لا نعدل بالبطش [شيئاً] 6، والسبب فيه أن البطش [هو ما خلقت اليد له] 7 وهذا أمثل شاهدٍ على تأصل العضو، وتفرّعه على الأعضاء الرئيسة.
ولو استويا في [الاستداد] 1 والبطش، ولكن إحداهما ناقصة الخلق، والأخرى [كاملة، فالكاملة] 2 هي الأصلية.
هكذا ذكره العراقيون.
ولو كانت إحداهما على اعتدال الخلق والأخرى [عليها] 3 إصبع زائدة، فقد قال العراقيون: لا يؤثر ذلك في تمييز الأصل عن الزائد، وقال القاضي: اليد الزائدة هي التي عليها الإصبع الزائدة؛ فإن ذلك يدل على تشويش الخلق [والفطرة] 4، وهذا بعيد لا يثبت له، وكل ما ذكرناه يقع للاستواء في البطش، وإلا فأصل البطش وزيادته مقدم على كل صفة معتبرة.
ولو كانت إحدى اليدين ناقصة بإصبع، وهي [مستدة] 5 باطشة، والأخرى مائلة [حائدة] 6 عن السنن، وهي كاملة الخلق، وهما متساويتان في البطش، فالأصلية هي [المستدّة لاستدادها] 7 أم المنحرفة لكمال خلقها؟ هذا فيه احتمال عندي، والله أعلم.
10649 - فإن لم تتميز إحداهما عن الأخرى بوجهٍ، وكانتا باطشتين، فمن قطعهما، وله يد واحدة، قُطعت يده قصاصاًً بهما، وللمجني [عليه] 8 مزيد حكومة لزيادة الخلقة.
ولو قطع قاطع إحداهما والقاطع معتدل، لم نقطع يدَه، وعليه نصفُ دية اليد، وزيادة حكومة؛ لأن المقطوع على صورة يدٍ كاملة، وقد تمهد هذا فيما تقدم.
ولو كانت إحداهما [باطشة] 9 [فقطعها] 10، أوجبنا فيها دية اليد، فلو اشتدت
الأخرى لمّا قطعت الباطشة، وبطشت هذه الأخرى، واشتدت اشتداد [الأصليات] 1، فهل نسترد من المجني عليه [من] 2 الأروش ما يردّ [المغروم] 3 إلى مقدار الحكومة، أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نسترد؛ فإنا لو لم نفعل هذا، لأبقينا له أصلية [وقد] 4 غرمنا له فيما تقدم بدل أصلية.
والثاني - أنا لا نسترد، وقد مضى ما مضى، فلا نتَّبعه بالنقض، ولا نتعقبه.
وهذا الخلاف يقرب من القولين في [عَوْد] 5 السّن المثغور، وقد غرّمنا القالع دية السن، فإن قلنا: عودُه نعمة جديدة، [ولا يتغير حكمُ ما مضى] 6 بهذا، [فلا] 7 نسترد في مسألتنا.
وإن قلنا: نسترد ثَمّ إلى مقدار حكومة إن بقي سن، فنسترد فيما نحن فيه.
وإذا اشتدت اليد الباقية وبطشت، فلا خلاف أنها لو قطعت الآن، تعلق بقطعها القصاصُ والديةُ التامة.
ومما يتعلق بما نحن فيه أن اليد المقطوعة الأولى لو كانت على نصف البطش، وكانت لا تتميز عن يده، فغرَّمنا القاطع نصف أرش [اليد] 8، وزيادة حكومة، على ما تقدم، فإن بقيت اليد الباقية على ما عُهدت عليه أولاً، [فلا] 9 إشكال، وإذا ازدادت الباقية من القوة، ما لو كانت عليه ابتداء، لحكمنا بأنها الأصلية، فتصير هذه أصلية حتى لو قطعت، لاستوجب قاطعها الأرشَ الكامل والقصاصَ، وهل نسترد من أرش الأول ما يردُّ [الأرشَ] 10 إلى مقدار الحكومة؟ فعلى الخلاف الذي قدمناه.
10650 - ومما ذكره صاحب التقريب في أطراف المسألة أن من له يدان على معصمٍ باطشتان، لا تعتضد إحداهما [بالأخرى] 1، فلو قطع هذا الشخصُ يداً واحدة من معتدل، فلا نقطع منه اليدين جميعاً، لزيادة الخِلقة، [ولو قطع] 2 ذلك المعتدل اليدين جميعاً منه، فإنا نوجب القصاص عليه في يده الفردة، ونثبت [عليه] 3 مزيد حكومة لزيادة الخلقة.
[ولو] 4 قطع المعتدل إحدى يديه، فلا يلزمه القَود، كما تمهد هذا فيما مضى من كتاب الجراح، فلو غرّمناه نصف الأرش وزيادة [حكومة] 5 كما تقدم، ثم إنه عاد وقطع يده الأخرى، فإن قنع بالأرش، لم يخف حكمه، وكان الجواب إيجابَ مثل ما أوجبنا أولاً.
وإن قال: أريد الآن القصاص من اليد الفردة من القاطع، فهل يجاب [إلى] 6 القصاص الآن؟ فعلى وجهين ذكرهما 7: أحدهما - أنه لا يجاب؛ فإن القصاص يتعلق بقطع يديه جميعاً، وقد سبق منه أخذ أرش اليد عن يدٍ، وأخذُ الأرش يتضمن إسقاط القود لا محالة، ولا يعود إلى القود بعد سقوطه.
الوجه الثاني - أنه يطلب القصاص [وعذره فيما] 8 أخذه من الأرش أنه يقول: لم يكن القصاص ممكناً لمّا قطع إحدى اليدين، فاخترت الأرش لتعذر القصاص، لا لإسقاطه، والآن لما قطع الثانية
أمكن القصاص، وأنا على طلبه، فأرد ما [أخذته] 1 من الأرش إلى مقدار حكومة.
هذا تمام ما أردناه في ذلك.
فصل
قال: "وفي [الأَليتين] الدية ... إلى آخره" 2.
10651 - يجب تمام الدية في [الأَليتين] 3، وهما من المثاني [والمنفعة] 4 فيهما بيّنة في القعود والركوب، وفي إحداهما نصف الدية.
والذي يجب الاعتناء به [بيان] 5 منتهى القطع الموجِب للدية: اتفق الأئمة رضي الله عنهم على أنا لا نشترط إيصال الحديدة إلى العظم الكائن تحتها، والمعتبرُ قطع ما يدخل تحت اسم الأَلْية، ولا مزيد على ما ذكره الشافعي رضي الله عنه، [فيُكتفى بما إذا] 6 قُطع ما يكون مُشرفاً ناتئاً على الظهر والفخذ، والناس يتفاوتون في مقدار النّاتىء حَسَب تفاوتهم في أجرام سائر الأعضاء، ئم الفخذ من الحِقو إلى الركبة يأخذ في الاستدقاق [والنحافة] 7، والمرعيُّ في تمام القطع ألا يبقى إشرافٌ، وهو بالإضافة إلى الظهر، وبالإضافة [إلى] 8 أصل الفخذ، وهذا بيِّنٌ في الذّكْر [والكلام] 9، ولكنه عسر في الإيقاع والفعل، ولهذا اتفق الأصحاب على أن10
القصاص [لا] 1 يجري [فيهما] 2، فإنه ليس مَفْصلاً يتأتى فيه مراعاة المساواة، وليس له مَردٌّ من عظم وراءه؛ فلا يجري القصاص فيه أصلاً 3.
10652 - ثم قال رضي الله عنه: "ولا عين أعور ... إلى آخره" 4.
أراد الرد على مالك 5 فمذهبنا أن من قلع عينَ أعور يلزمه نصف الدية فحسب، وقال مالك: فيها تمام الدية، وصار إلى أن قوة الإبصار تنصبّ بجملتها إلى العين الفردة، وهذا الذي ذكره خيال لا تعويل على مثله، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أوجب في العينين الدية" فإيجاب الدية الكاملة في إحدى العينين مخالفٌ لحكم الرسول عليه السلام.
10653 - ثم قال: "ولو كسر صُلبه، فصار لا يطيق المشي ... إلى آخره" 6.
الصلب من أعضاء الدية، فمن كسر صلبَ إنسان، فمن أعراضه ألا يطيق المشيَ، فإن تحقق الكسر، وخرج المشي عن الإمكان وجبت الدية الكاملة، وإن لم يسقط إمكان المشي بالكلية، ولكن ضعف وتثاقل، أو صار بحيث يمشي مستعيناً بعكازه،
فلا تجب الدية، ولكن تجب حكومة على قدر التأثير، وهذا بمثابة ما لو جنى على اليد، فنقص من بطشها.
فإن قيل: الماشي بعكازه يعتمده، فلا مشيَ منه، قلنا: هذا محالٌ، فإن من كسر صلبه على التحقيق لا يتأتى ذلك منه أصلاً، بل الاعتماد على العكاز إنما يتأتى [ممن] 1 معه [قيامٌ] 2 من صلبه.
ومما ذكره الأئمة في هذا أنه لو كسر صلبه، فقد تعطلت منفعة رجليه، فلا يلزمه دية الرِّجل؛ فإنها صحيحة لا آفة بها، وتعطل المشي فيها ليس من جهة الجناية عليها، وهذا متفق عليه بين الأصحاب، وهو بمثابة ذهاب العين؛ فإنه ينتقص بسببه انتفاع الإنسان بمعظم أعضائه، ولا تجب إلا دية العينين.
ولو كسر صلبه، فسقط بسببه مشيه، فقد ذكر أئمتنا فيه وجهين.
والجملة المعتبرة في ذلك أن من جنى على عضو، فسقطت المنفعة الكائنة في ذلك العضو، فلا شك أنا نفرد تلك المنفعة بموجَبٍ، بل إن ما وجب في العضو ما [وجب] 3 [إلا] 4 لاتصافه بتلك المنفعة؛ فإن الأعضاء تُعنى لمنافعها، لا [لأجزائها] 5.
ولو جنى على عضوٍ، فتعطل به عضوٌ [وهو صحيح لا آفة به] 6، فهذا تعطيل، والتعطيل لا يوجب ضماناً إلا في المحل المجني عليه، فإذا ذهب [منيُّه] 7 والمجني عليه صلبه، فقد اشتهر خلاف الأصحاب في ذلك، والوجه عندي أن نقول: ليس للمنيّ [محل مخصوص] 8 من البدن، وإنما هو مادة ترسلها الطبيعة من الاعتدال
الصحيح بالحلو والدسم نحو أوعية المني في الخُصية وما يتصل بها.
فأما التعرض للصلب، ففيه نظر، والله أعلم.
10654 - ثم قال: "ودية المرأة وجراحها ... إلى آخره" 1.
المذهب الذي عليه التعويل أن جراح المرأة من ديتها بطريق النسبة كجراح الرجل من ديته، فإذا كان في يد الرجل نصفُ ديته، فالواجب في [يدها نصفُ ديتها] 2، والواجب في إيضاحها نصف عُشر ديتها، وهذا مطرد فيما قلّ وكثر.
وللشافعي قول في القديم: "أن المرأة تعاقل [الرجل] 3 في ثلث الدية" ومعناه أنها تساويه في المقدار، ففي إصبع منها عشر من الإبل، كما في إصبع الرجل، وفي إصبعين عشرون، وفي ثلاث أصابع ثلاثون.
والمعتبر في المعاقلة ثلث دية الرجل، لا ثلث ديتها، ولو قطع أربع أصابع منها، فعشرون، ففي ثلاث أصابع ثلاثون، وفي أربع أصابع عشرون.
ولست أدري للمصير إلى المعاقلة معنىً، ومتمسكاً.
والظن به أنه وجد آثاراً من الصحابة، وكان يرى في القديم تقديمَ قول الصحابة على القياس والرأي، وإلا فلا معنى لما ذكرناه، ثم [لو] 4 قطع ثلاث أصابع، فلم يتفق تغريم الجاني الأرش حتى قطع إصبعاً أخرى، رجعت الأروش إلى عشرين، وإن لم تكن الجنايات متواصلة.
وهذا يناظر ما لو أوضح الرجل مواضع من رأس إنسان وتعلقت به أروشها، ثم انعطف الجاني عليها ورفع الحواجز، [فالأروش] 5 ترجع إلى أرش موضحة واحدة.
وكذلك في ستةٍ من أسنانها ثلاثون بعيراً، فإذا قلع سابعةً، عادت الأروش إلى سبعةَ عشرَ بعيراً ونصف بعير.
فصل
قال: "وفي ثدييها ديتها وفي حلمتيها ديتها ... إلى آخره" 1.
10655 - الحلمتان من المرأة مضمونتان بكمال الدية، وهما من المثاني، وفي الواحدة نصف ديتها، والحلمة ما يلتقمه الصبي، والأروش تكمل باستئصال ما يتجمع [ناتئاً] 2 من رأس الثدي ولونها في الغالب يخالف لون الثدي، وحواليها دائرة على [لونها] 3 من سترة 4 الثدي، وليست تلك الجلدة من الحلمة، ولو قطع قاطع ثدييها بعد قطع الحلمتين، فعليه في كل ثدي حكومة لا تبلغ أرش [الحلمة] 5.
10656 - ونحن نجمع الآن مسائل قدمنا بعضها، فنعيد ما قدمنا، وننظم المسائل حتى تُلفى مجموعة.
اضطرب الأصحاب في قطع المارن وقصبة الأنف، واستئصال الذكر من أصله، وقلْع السن من سنخها، واستئصال الثدي وعليه الحلمة، فمن استأصل هذه الأعضاء نكتفي منه بدية واحدة، أو نجمع عليه دية وحكومة، أم كيف السبيل؟ وجملة المسائل متفقة في أن الدية تكمل دون الاستئصال فيها، فإن على من قطع المارن تمامَ الدية، وإن أبقى القصبة، وكذلك من قطع الظاهر من السن، التزم الأرش الكامل، وعلى من قطع الحشفة الديةُ، ودية المرأة تكمل بقطع الحلمتين، وقد اجتمعت المسائل فيما ذكرناه، واجتمعت أيضاً في أن من انفرد بقطع المقدار الذي تكمل الدية فيه، ثم وُجد من جانٍ آخر الاستئصال، فعليه الحكومة، وهذا لا شك فيه.
10657 - وإذا وجد استئصال العضو الكامل من شخص واحد، فللأصحاب طرق أشرنا فيما تقدم إلى بعضها، ونحن الآن نعيدها، ونستكمل تمام الطرق: فمن أصحابنا من طرد في جميع المسائل وجهين: أحدهما - لا يجب على المستأصل إلا دية تندرج الحكومة تحت الدية، ويطرد هذا في المارن والقصبة، وغيره من الأعضاء، قال بعض المصنفين: هذه الطريقة هي المرضية.
ولست أرى الأمر كذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في كل سن خمسٌ من الإبل، ولم يتعرض لقَطْع ما ظهر وتَرْكِ السنخ باطناً، والأولى مل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قد يجري مثلُه في العرف، وقلعُ السن قد يتفق، فأما قطع الظاهر منه، فلا يكاد يقع إلا أن [يُتعمد] 1، فمن أوجب في السن المقلوع أرشاً وحكومة، فقد [راغم] 2 قول الشارع.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب على من يستأصل [الثدي] 3 مع الحلمة، والذّكَرَ مع الحشفة، [ويقلع] 4 السن من سِنْخه إلا دية واحدة، وفي استئصال الأنف مع القصبة وجهان: أصحهما - إيجاب دية في المارن، وحكومة في القصبة.
وفي بعض التصانيف أن من أصحابنا من أوجب [على] 5 من قلع السن من سنخه الأرش والحكومة وجهاً واحداً، وذكر الخلاف فيما عدا هذه المسائل، واعتل بأن السِّنخ [أصلٌ] 6، فكان له حكم الانفراد، وهذا لا يصح مع ما ذكرناه.
ولو خُلّينا والقياس، لقلنا: في جميع هذه المسائل يجب القود والحكومة على المستأصل؛ لأنه جمع بين ما تتمّ الديةُ أو الأرش المقدَّر فيه، وبين ما تجب الحكومة فيه لو أفرد بالجناية، ولكن هذا المعنى على اتجاهه لا يجري؛ فإن من قطع اليد من الكوع، لم يلزمه إلا ما يلزم لاقط الأصابع، وهذا متفق عليه، وحديث الرسول
صلى الله عليه وسلم في السن، نصٌّ لا يقبل التأويل، كما ذكرناه؛ فامتنع إجراء ذلك المعنى، ولم يبق إلا تشبيه هذه المسائل بالأصابع والكف؛ فإن طريق المعنى إذا انتقض وأمكن التعلق [بالشبه] 1 [فالتعلق] 2 به من الوجه.
ويلي هذه الطريقةَ النظرُ في التجانس في الأجزاء، وموجب ذلك الاكتفاء بالمقدّر في الذكر، والثدي، والسن، [وإفراد] 3 القصبة في الأنف بالحكومة.
ثم إذا كنا نوجب على الجاني باستئصال العضو دية وحكومة، فلو قطع مما تكمل الدية به بعضَه، [فالتوزيع] 4 يقع على محل الدية فحسب، وإن كنا لا نوجب على المستأصل إلا ديةً واحدة، فإذا قطع من محل الدية شيئاً، فالتوزيع على جميع العضو أو على محل الدية؟ فعلى وجهين قدمنا ذكرهما فيما سبق.
هذا بيان هذه المسائل.
10658 - وفي حلمتي الرجل قولان: [منصوص] 5، ومخرَّج، فالمنصوص أنه لا تجب فيهما إلا حكومة؛ إذ لا منفعة في حلمتي الرجل يعتد بها.
وفي المسألة قولٌ آخرُ مخرّج: أن الدية تكمل في حلمتي الرجل، فإنهما موجودتان صورةً من الرجل وجودهما من المرأة، فينبغي أن يتعلق بهما دية
[كالمرأة] 6. ثم تحت حلمة الرجل لحمة -إن لم يكن هزيلاً- تسمى [الثُّنْدوة] 7، وليست من [الحلمة] 8 بمثابة ثدي المرأة من حلمتها، ولو قطع الجاني ثُندُوة الرجل وعليها الحلمة، وجرينا على القول المخرج في إيجاب الدية في حلمة الرجل، فالثندوة مفردة بالحكومة، بلا خلاف؛ فإنها ليست مع حلمة الرجل كعضو واحد، وهذا بيّن لمن تأمّل.
10659 - ولو جنى الرجل على ثدي المرأة جناية، لم [يبق] 1 لأجلها اللبنُ ودروره، وامتنعت منفعة الإرضاع لذلك، وقال أهل الصنعة: [ذهبت] 2 منفعة الإرضاع بذلك، فلا يجب على الجاني إلا حكومة، هكذا ذكره القاضي.
ولو جنى رجل على رجل جنايةً، فانتزع منه الماء، وقال أهل البصر قد أبطل منيّه، وهذا وإن أورده الفقهاء عسر في التصوير؛ فإن تُصور، فقد قيل: على الجاني الدية، فإنه أبطل منفعة عظيمة، وحاولوا الفرق بين إبطال الإرضاع وبين إبطال المني، وقالوا: اللبن ليس [شيئاً] 3 موجوداً في الجبلة وإنما يَطْرى ثم يزول، واستعداد الطبيعة للمنيّ صفة لازمة للفحول، فإذا أبطلها، لم يمتنع أن يلتزم الدية.
هذا ما بلغنا في ذلك والله أعلم.
10660 - ثم قال: "وفي إسْكَتَيْها، وهما شُفراها ديتُها ... إلى آخره" 4.
في إسكتي المرأة وهما شُفراها، والشفران حرفا الفرج، ويلتقيان على المنفذ.
والذي يجب الاعتناء به في هذه الصورة تصوير الشُّفرين، وقد ذكرنا في الأَلْيتين قولاً ضابطاً، لا يغادر إشكالاً، ونحن نحرص أن نذكر في تصوير ما نحن فيه ما يقرب من اللسان، فنقول: الشُّفران يلتقيان، وهما على نعت النتوء في الملتقى، والدية تتعلق بقطع الناتىء منهما، وإن ظن ظان أنهما يلتقيان من غير نتوء، فقد أبعد في التخيل؛ إذ لو كان كذلك، لما انتظم تصوير قطع الشفرين؛ فإن وراءهما حائطا الفرج، وهما ينطبقان ويلتقيان لا فضاء بينهما، فإذا اتصل الشُّفران على استواء من غير نتوء [ووراءهما] 5 لحمُ داخلِ الفرج من الجانبين، فلا ينتظم مع هذا قطع الشفرين.
ولو فُرض قطع الحرف الذي تنقطع البشرة عليه من الظاهر واللحم الباطن، لأمكن
فرض قطع الشفرين بقطع جلدة مستدقة من كل حرف، هو ملتقى [البشرة] 1 والباطن، ونحن على قطع نعلم أن العلماء لم يعلّقوا الدية بهذا المقدار.
وإن ظن سبَّاق إلى الظواهر لا يعرّج على درك الأسرار [والبواطن] 2 أن قطع الشُّفرين هو الذي يزيل انطباق أحدهما على الآخر، فهذا لا يتأتى تصويره إلا مع تصوير [قطع] 3 لحم كثير من الباطن، ونحن لا نستريب في أن ذلك ليس مرادَ العلماء، فمعنى الشفرين إذاً ما ذكرناه.
ثم يجب في شفري القرناء والرتقاء ما يجب في شفري من لا علة بها؛ فإن منفعة الشفرين أظهر في وجوهٍ غيرِ الوقاع، وتلك الوجوه تستوي فيها من تجامَع [من النساء ومن لا تجامَع] 4. ولو قطع جانٍ شُفري المرأة [البكر] 5 فأزال بالجناية جلدة البكارة، فعليه الديةُ في قطع الشفرين، وأرشُ البكارة، [فهو لا يندرج] 6 تحت دية
الشفرين، لأن جلدة العذرة ليست في محل الشفرين، بل هي منفصلة عنها.
فصل
"ولو أفضى ثيباً، كان عليه ديتها ... إلى آخره" 7.
10661 - اختلف أصحابنا في معنى الإفضاء، فذهب بعضهم إلى أن مُعْتَبَره يصيّر المسلكين واحداً، وقال قائلون: هذا بعيد عن التصور، ولا يتأتى رفع الحاجز بين
مسلك البول والغائط بآلة الاستمتاع، فالإفضاء أن يصير مسلك الجماع ومدخلَ الذكر ومجرى البول واحداً، ففي الفرج [مسلكان: واحد] 1 مدخل الذكر والآخر مخرج البول، فإن البول يأتي من المثانة ومدخل الذكر يُفضي إلى الرحم.
ثم إذا أفضى الرجل زوجتَه أوْ أفضى أجنبية، فعليه كمال ديتها.
وفصل أبو حنيفة 2 بين أن يفضي زوجته وبين أن يفضي أجنبية، واعتقد أن إفضاء الزوجة مترتب على الوطء المستحق، فلم يكن مضموناًً.
ولو أفضى امرأة، فاسترسل بولها [وحلّ] 3 أُسْرَها 4، فهل يجب مع الدية حكومة لاسترسال البول؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يجب؛ فإن ذلك في الغالب من توابع الإفضاء.
والوجه الثاني - أنه يجب لاختلاف المحلّين.
ولو أكره أجنبية، ووطئها وأفضاها، غرم المهرَ وديةَ الإفضاء.
ولو زنا بمطاوعة زانية، فأفضاها، غرم دية الإفضاء أيضاًً؛ لأن دية البضع إذا جعلناه بمثابة إذنها، فالإذن في الوطء لا يكون تسليطاً على الإفضاء، كما ذكرناه في المنكوحة.
10662 - ومما ذكره الأصحاب في ذلك، أن من استكره امرأة بكراً، وافتضّها، فقد قال الشافعي: يغرم مهر مثلِ البكر، وأرشَ البكارة، قال القاضي: هذا مشكل، لأنا إذا أوجبنا مهر مثلِ البكر، فقد أدخلنا أرش البكارة تحت المهر، فإذا ضممنا إلى ذلك أرشَ البكارة، كان ذلك تضعيفاً للغرم، وإيجاباً له من وجهين، ولا سبيل إلى ذلك.
وكان شيخي يحكي أن الشافعي رضي الله عنه قال: يجب المهر وأرش البكارة، ثم كان يقول من عند نفسه: هذا بمثابة إيجابنا مهرَ مثل البكر، وكنا نقول: قد لا يكون كذلك، فإنه إذا [كان في بيتٍ وأهل نسب] 1 مهرٌ، فلا يختلف مبلغه بالبكارة والثيابة، فلو اقتصرنا على إيجاب مهر مثل البكر، فقد يؤدي ذلك إلى تعطيل العُذرة وجلدة البكارة.
هذا ما كنا نتردد فيه.
فأما نقل النص مقيداً [بإيجاب] 2 مهر مثل البكر، وإلزام أرش البكارة، فلم أسمعه إلا من نقلٍ [يؤثر عن] 3 القاضي.
[فقد] 4 تحصَّل من ذلك أن الجمع بين إلزام أرش البكارة وإيجاب مهر مثل البكر، حيث يختلف مهر مثل البكر والثيب، [لا] 5 معنى له.
وإن كان مهر البكر ومهر الثيب لا يختلف، هذا يشعر بأن البكارة لا قيمة لها في محل الكلام، فيقع التفصيل في جنايةٍ لا أثر لها، في تنقيص.
وسيأتي تفصيل القول في هذا الجنس، إن شاء الله عز وجل.
ولو أفضى امرأة بكراً بخشبة، غرم أرش البكارة وديةَ الإفضاء، ولا يدخل أرش البكارة فيها، لاختلاف المحل، ولو أزال الزوج بكارة زوجته بإصبع أو خشبة، فالذي ذهب إليه أكثرون أنه لا يغرم بسبب إزالة البكارة شيئاً، لأنها مستحقة له بطريق الوطء، فإن استوفاها بجهة أخرى، فقد أساء.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه أرش البكارة؛ فإنها في التحقيق غيرُ مستحَقة للزوج مقصودةً، فإنما الذي يستحقه الزوج