كتاب أدب القضاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
زادت المسافة، فلا إعداء من غير حُجّة، وما ذكرناه متفق [عليه] 1 ذكره العراقيون وغيرُهم.
ومما يجب التنبه له إذا كان في جانب من ولاية القاضي ناحيةٌ آهلة، فلا يجوز له إخلاؤها عن مُستخلَف، وذلك بأن يقيم بالقرب منها حاكماً بحيث يقع بين المستخلفين أو بين المستخلَف والقاضي مسافةُ العدوى.
فرع:
11963 - إذا أقام الرجل بيّنته على خصمه الغائب، وجرى القضاء بها على الشرط المقدم، ووجد القاضي للغائبِ مالا في بلد القضاء، فإذا استدعى الخصم [تأدية] 2 حقه من ذلك المال، لزمه إسعافُه به.
وهل يتعين عليه أن يأخذ منه كفيلاً بذلك المال؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - فَعَل ذلك لتقدير عود الخصم واستمكانه من مدفع.
والوجه الثاني - أنه يستدعي منه كفيلاً، فإن أبى، لم يلزمه؛ فإن القضاء قد نفذ، وتوقع النقض والاستدراك يتطرق إلى كل قضاء، فلا معنى لإيجاب الكفيل والضمين.
فرع:
11964 - إذا أقيمت بيّنة في مجلس القاضي، فغاب القاضي قبل القضاء بها، وخرج عن مكان ولايته، ثم عاد، فهل يبني القضاءَ على البيّنة التي سمعها، أم يستعيد البينة؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه لا يستعيد؛ فإن الولاية كانت ثابتة له، وخروجه عن مكان ولايته لش بمثابة انعزاله.
والوجه الثاني - أنه يستعيد، كما لو عُزل ووُلِّي ثانياً.
ولا خلاف أن الأمر لو كان كذلك، لاستعاد البينة، واستجد سماعاً جديداً، كذلك إذا خرج من مكان ولايته، فقد انتهى إلى حالة لو أراد الحكم فيها لم يتمكن، وفي المسألة احتمال على الجملة.
فرع:
11965 - إذا كان في مكان ولاية القاضي مالٌ ليتيم، وكان ذلك اليتيم غائباً خارجاً عن مكان ولاية هذا القاضي، فلو أراد القاضي أن ينصب قيّماً، وهذا المال
الموجود في مكان ولايته، فكيف حكمه؟ تردد القاضي في هذه المسألة، وقال: لست أبت فيها جواباً؛ فإنا لو جوّزنا نصب قيّم في هذا المال، فصار اليتيم مَوْليّاً عليه، وليس ذلك اليتيم في مكان ولاية هذا القاضي، فكيف يُدرجه ولايةَ نفسه؟ هذا وجه.
ويجوز أن يقال: يملك هذا؛ فإنه يتصرف في مال الغُيّب المُطْلَقين؛ نظراً لهم، واستصلاحاً لأموالهم، وإن كان الغائب الخارج عن محل ولاية هذا القاضي ليس موليّاً عليه من جهة هذا القاضي.
هكذا قال رضي الله عنه.
والوجه عندنا أن يقال: النوع الذي يملكه القاضي من التصرف في مال الغُيَّب يجب أن يملكه في مال اليتيم؛ فإن خروج اليتيم عن ولايته كخروج الغائب المطلق، وتصرف القاضي في مال الغائب لا يسلّطه على بيعه في طلب الغبطة، وإنما يتصرف فيه إذا أشرف على الهلاك، وقد قدّمت في ذلك كلاماً بالغاً؛ ولعلي أعيد فيه تقريراً من بعدُ، فأما نصب قيّم في مال اليتيم ليتصرفَ فيه تصرف القَوَّام في الاستصلاح وتزكيةِ المال، فهذا زائد على ما ذكرناه من التصرف في مال الغائب، وفي هذا الزائد تردَّدَ القاضي، وهو لعمري محتمل.
فرع:
11966 - لصاحب الأمر أن يولّي القضاء على الخصوص، بأن ينصب قاضياً في الأموال، وقاضياً في تزويج الأيامى، وله أن ينصب قاضياً في الرجال، وقاضياًً آخر في النساء، وإذا اختصم رجل وامرأة لم يفصل واحد منهما الخصومة، ولا بد من ثالث يولّى القضاء بين الرجال والنساء، وهذا مُعْترِضٌ، وموضع الاستقصاء بعد باب القسام، وعنده نذكر هذه القضايا في أحكام القضاة والمستخلَفين، والله المستعان.
باب القسام
قال الشافعي رضي الله عنه: " ينبغي أن يُعْطى أجر القسام من بيت المال ... إلى آخره " 1.
11967 - الإمام كما لا يخلي نواحي الإسلام عن حُكام يقومون فيها باستيفاء الحقوق، وقطع الخصومات، فكذلك لا يخليها عن قُسّام؛ فإن الحاجة في الأملاك المشتركة ماسّة إليهم، وينبغي أن يُدرّ عليهم أرزاقاً كما يُدرّها على القضاة، حتى لا يأخذوا من أصحاب الأملاك أجوراً.
هذا إذا كان في بيت المال متسع.
فإن لم يكن في بيت المال مال، فأصحاب الأملاك المشتركة يستأجرون من يقسمها لهم، والاستئجار على القَسْم جائز.
وقد ذكرنا في صدر كتاب الصداق ما يجوز الاستئجار فيه وما لا يجوز، وذكرنا في قَسْم الفيء والغنائم أرزاقَ الولاة ومصارفَ أموال بيت المال.
11968 - ثم القول في أن [القاسم] 2 الواحد هل يكفي أم لا بد من قاسمَيْن مما تقدم عند ذكرنا عدد المترجمين والمُسْمعين والمزكّين، [والذي نجدده] 3 الآن أنّا ذكرنا أن القاضي لو نصب حاكماً في التزكية، لجازَ، ثم من آثار ذلك الاكتفاء [بقاسم واحد] 4، وقد ذكرنا أن القيمة لا تثبت إلا بمقوّمَيْن، وحكينا الخلاف في الخارص والقاسم.
فلو قال [قائل: لو] 1 نصب الإمام حاكماً في التقويم، فهل يسوغ، وإن ساغ، فهل يُكْتَفى به على اتحاده على ما مهدناه [في] (1) المزكي؟ قلنا: هذا مشكل.
وكذلك لو فرض مثلُه في القاسم، فإن كان المنصوب [للقسمة] 2 منصوباً ليشهد عنده مُقَوِّمان، فهذا سائغ، وكذلك المزكي إن نُصب ليشهد عنده العدول على الجرح والتعديل [على] 3 الشرائط المعلومة، فهذا جائز.
فأما إن كان المنصوب للتقويم يُعوِّل على علم نفسه، على اجتهاده [وبصيرته] (3)، فما أرى ذلك جائزاً، وأطْرُد هذا في التزكية؛ فإن التزكية لا تستقل بنفسها ما لم تُنْهَ [إلى] 4 القاضي، وهو الذي يقضي بها.
فإثبات اسم الحاكم للمزكي، والاكتفاء ببصيرته لا حاصل له إلا رد مزكيين [إلى] (4) واحد، وهذا غير محتمل فيما يشترط العدد فيه.
وقد ذكرت في التزكية كلاماً فيه طرف من الإبهام وهذا إتمامه، فليجمع الناظر هذا إلى ما تقدم.
ولو بنى القاضي الأمر على بصيرته في التزكية، لجاز ذلك، كما قدمناه، مذهباً واحداً، وإن اختلف القول في أن القاضي هل يقضي بعلمه.
ولو كان القاضي خبيراً بمعرفة القيم، فأراد بناء الأمر على بصيرته في التقويم؛ فالذي تلقيته من كلام الأصحاب شيئان: أحدهما - أن ذلك لا يسوغ؛ فإن التقويم اجتهاد، وليس له في المجتهدات الاكتفاء ببصيرة نفسه، وإنما اختلاف القول في قضائه بالعلم واليقين المستدرك، والقضاء في العدالة مستثنى عن قياس الأبواب؛ لاتساع النظر في التعديل والجرح، وخروجهما عن الضبط، وليس التقويم كذلك؛ فإنه أمر قريبٌ من الضبط، والرجوع فيه إلى معرفة قِيَم الأمثال مع تداني الصفات.
ومن أصحابنا من جعل علم القاضي بما يرجع إليه في القيم خارجاً على القولين في القضاء بالعلم.
فهذا ما رأيت ذكره ملتحقاً بعدد القُسّام.
وزاد صاحب التقريب طريقة أخرى، فقال: إن كان في الشركاء طفل أو مجنون، فلا بد من قاسمَيْن، وإن لم يكونا، فعلى قولين.
وهذا ليس فقهاً متيناً، فإن ما يُرعى من العدد في البينات لا يختلف بأمثال ما ذكره هذا القائل.
وقد انتهى ما أردناه من نصب القسام وإدرار الأرزاق عليهم من بيت المال إن كان فيه مال، وذكرنا ما يتعلق بالعدد.
11969 - ونحن بعد ذلك نذكر استئجار الملاك مَنْ يقسم الملك المشترك بينهم، فنقول: إن تفاوتت الحصص، ووُجد منهم الاستئجار على القسمة مطلقاً، فللأصحاب طريقان: منهم من قال: نقطع بأن أجرة القسّام مفضوضة على الملاك على أقدار الأقسام، فعلى صاحب النصف منها النصف، وعلى صاحب السدس السدس، وهكذا.
ومنهم من قال: في كيفية توزيع الأجرة قولان: أحدهما - ما ذكرناه، والثاني - أنها على رؤوس الشركاء بالسوية وإن تفاوتت حصصهم، فهؤلاء يَرَوْن أن القسمة، وأجرَ القاسم يجريان مجرى الشفعة عند ازدحام الشركاء في طلبها، وفي الشفعة القولان المشهوران في أنها تفضّ على الرؤوس، أو على حصص الأملاك؟
ومن سلك الطريقة الأولى فرّق بين أجرة القاسم وبين الشفعة؛ بأن قال: أجرة القاسم على مقابلة عمله.
[وتردُّدُه] 1 في الحصة الكبرى، وعملُه إلى تحصيل الإفراز أكثر من تردده وعملِه في الحصة القليلة، والشفعة لدفع الضرر، ولا يكاد يظهر تفاوت في الضرر على حسب تفاوت الأملاك، وهذا يوجب الفرقَ بين البابين.
[ولمن
يُجري] 1 القولين في أجرة القسام أن يقول: ما اعتمده الأصحاب 2 يقع [في] 3 مؤونة القسمة؛ فإذا كنا نفاوت في أجرة القسام، فقد تفاوت الغرض في أول مرتبة.
وهذا يوجب تطبيق القولين على القولين 4. ولهذا قال أبو حنيفة 5 رضي الله عنه بأجرة القسّام على الرؤوس.
وما ذكرناه من التردد فيه إذا استأجر الشركاء قاسماً أو قاسمين استئجاراً مطلقاً، وهذا بعينه يجري إذا كانت القسمة جَبْرية، وكان نصب القاسم من جهة القاضي، فالكلام في إلزام المُلاّك مؤونةَ القسمة على النسق الذي ذكرناه في الاستئجار المطلق.
ولو عقد الملاّك عقوداً مع القاسم، فانفرد كل واحد باستئجار للعمل في نصيبه، فهذا على حكم التراضي، فإن استأجر القليلُ النصيبِ بأكثرَ، واستأجر صاحب الكثير بأقلَّ، فهو صحيح، لا غموض فيه.
ولو تبرع القاسم على بعضهم، لم يَخْفَ دركُ مثل هذا.
11970 - ولكن لا بد من ذكر صورتين بعد هذا، إحداهما - أنهم لو عقدوا عقوداً معاً، وكانوا ثلاثاً، صحت العقود على ما وقع التراضي عليها، ولو عقد واحد من الثلاثة، ثم عقد الثاني، فالعقدان صحيحان، فإذا أراد الثالث أن يعقد إجارة في نصيبه، فهذا فيه إشكال يبرزه سؤال، وهو أنه التزم إفراز نصيبين، وهم ثلاثة، ومن
ضرورة إفراز نصيبين تميز نصيب الثالث، فكأن الأَوَّلين 1 استحقا عليه ما يؤدي إلى إفراز نصيب الثالث، فإذا أراد الثالث أن يبتدىء استئجاراً، فكأنه يبغي بهذا الاستئجار عملاً هو مستحَق لغيره، أو مستحق على الأجير من جهة غيره، هذا هو الإشكال.
وقد أجاب القاضي عنه كما 2 وجه عليه بأن قال: لا بد في [إفراز] 3 النصيبين من عمل في النصيب الثالث [، كالمساحة] 4، والتخطي لأجلها، وإثبات الأسماء، والقرعة، فيصح الاستئجار من الثالث على هذه الأعمال.
وهذا الذي ذكره لا يَشفي الغليل ولا يدرأ الإشكال.
وسبيل الجواب أن استئجار الأوّلَيْن لا يتم الغرض منه ما لم يستأجر الثالث؛ فإن هذا مفروض في غير الإجبار.
وكيف يتأتى تمييز الحصتين إلا بالتصرف في حصة الثالث، فإن فرضنا التراضي 5، فالامتناع للتصرف في ملك الغير من غير رضاه.
وإن فرضنا [الإجبار] 6 من جهة السلطان، فهو يُنزل المؤونةَ عليهم على اجتماع.
فالمشكل أنَّ انفراد كل واحد بالاستئجار بعيدٌ عن التصور؛ فإن القسمة من ضرورتها بسط العمل على الحصص، فكما أن المِلك قبل القسمة غير متميز، فعمل القسّام في القسمة غير متميز، فإن كان الشركاء على الاستئجار من غير تسامح، ووجدوا أجيراً يتبرع على أحد، فانفراد بعض الشركاء بالاستئجار محالٌ غير متصور.
ولو قال بعض الشركاء: أنا أستأجر القسام، ورضي شريكه أو شركاؤه، فهو متبرع على شركائه، وقد أذن له شركاؤه أن يُعْمِل قاسماً، وليس هذا ما نريد.
نعم، لو استأجروا قاسماً دفعة واحدة، وتفاوتوا في الملتزَم مع التساوي في الحصص، أو تفاوتوا على خلاف نسبة الحصص المتفاوتة، فهذا جائز؛ فإن عمله يستحق دفعة
واحدة لهم، وكلٌّ قابلَ حظَّه من عمله بما أراد، فهذا سائغ لا منع فيه، وغايته حصول شيوعٍ في العمل المستحَق.
فأما إذا [ترتبت] 1 العقود من غير تراضٍ ولا إجبار، فلا معنى له؛ فإن الأول يكون مستأجِراً على عمل يعم الأملاك، وليس إليه هذا، ولا يتصور أن يستحِق فيه مقدارَ عمله في حصته قبل أن يتمكن القاسم من العمل العام.
ومن فهم هذا لم يعُدّ ما قدمناه إشكالاً، ورد الإشكال على هذا، ثم دفعه في التصوير، ويتحصل منه أن انفراد كل واحد بالاستئجار محال.
وإن أذن أصحابه في انفراده نُظر: فإن أراد أن يستأجر ليغرم تمام الأجرة، فهذا متبرع عليهم، [موكَّل] 2 عنهم في الاستئجار، وإن أذن له في الانفراد، لا على هذا التقدير، فهو باطل.
فصل
فال: " وإذا تداعَوْا إلى القسم ... إلى آخره " 3.
11971 - إذا كان بين أقوام ملكٌ يمكن فرضُ القسمة [فيه] 4، فإن تراضَوْا على القسمة، صحت القسمة، على ما سيأتي هذا في أثناء الباب، إن شاء الله.
وإن طلب بعض الشركاء القسمةَ، وأبى آخرون، فقد يجبر على القسمة، وقد لا يجبر عليها.
فإن كان الكلام مفروضاً في إفراز الحصص من ذوات الأمثال، فلا إشكال، والقسمة ممكنة، والممتنع عنها يُجبر عليها، فإن لم يكن المشترَك من ذوات الأمثال، ولكن كانت القسمة ممكنة، كالأراضي، والدور، وما في معناها، فالذي ذهب إليه جماهير الأصحاب النظر إلى المقصود من الملك المشترك، فإن كان جنس ذلك المقصود يبقى في كل حصة، فهذا ملكٌ قابل للقسمة، والممتنع عنها مُجبر عليها،
وهذا كقَرَاحٍ 1 يزرع، ولو قسم، لأمكنت الزراعة في كل حصة، أو كمسكن مشترك، ولو قسم لتأتى السكون 2 في كل حصة.
ويستبين الغرض بتصوير يقتضي ذلك، فإذا كان المشترك حماماً أو طاحونة، فقسمة الحمام ممكنة حِسّاً، ولو فرضت، لكانت كلُّ حصةٍ منتفعاً بها، بأن تتخذ مخزناً أو مسكناًً، ولكن يختلف جنسُ الانتفاع، فلا إجبار على القسمة، فإن القسمة تُبطل جنسَ المنفعة الكائنة حالةَ الشركة، هذا مذهب الجمهور.
وقال قائلون من الأصحاب: إذا أمكنت منفعةٌ وإن خالفت الجنسَ الأول، فالإجبار على القسمة جارٍ، وهؤلاء يُجبِرون على قسمة الحمام والطاحونة، وهذا ذكره القاضي وغيره، ولم يذكره أحد إلا زيّفه، فلا عَوْد إليه.
وللأصحاب تصرف في الطريقة المشهورة، ففالوا: الحمام الصغير لا يقبل القسمة؛ لأنه لو قسم، فكل حصة لا تكون حماماً، ولا يتأتى اتخاذها حماماً، بأن يفرض لها أسباب مجردة من أتون ومستوقد وغيرهما، فهذا تعطيل منفعة الحمام بالكلية.
وإن كان الحمام كبيراً، وقد هيىّء على أتون واحد ومستوقد واحد، ومِرجل واحد، ولو قسم، أمكن اتخاذ حمام صغير من كل حصة بإحداث أسبابٍ لها، فهل هذا مما يقبل القسمة؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هو غير قابل للقسمة؛ فإن كل حصة لا تكون حماماً، وقد كانت الجملة حماماً، وإمكان اتخاذ حمام استحداث منفعة بعد تعطل الأولى.
11972 - ومن تمام البيان في ذلك أن الدار إذا كانت مشتركة بين شريكين لأحدهما عُشرها، وللثاني تسعة أعشارها، وكان عُشر الدار لا يصلح للمسكن وتسعة الأعشار تصلح -لو ميّزت- للسكون، فلو جاء صاحب العُشر طالباً للقسمة، فالطريقة المشهورة أنه لا يجاب، لأنه متعنِّتٌ في طلبه ساعٍ في إبطال المنفعة من حصة نفسه،
وإنما [يُسْتَعَفُ] 1 الطالب إذا كان لطلبه وجه في تحصيل المنفعة، ثم قد لا يُنْظَر إلى الكثير [والقليل] 2؛ فإن الإنسان قد يؤثر الانفراد بالقليل على الاشتراك في الكثير، فأما إذا كان الطلب يتعلق بالتعطيل، فلا إجابة.
فأما إذا جاء صاحب الكثير مطالباً، فهل يجبر صاحب العشر؟ فعلى وجهين: أحدهما - يجبر؛ لأن الطالب ينتفع إذا أجيب، وله أن لا يبالي بتعطل منفعة صاحب العشر، فإنه يقول: أُتيتَ من قلة نصيبك، وكان يتهيأ لك الانتفاع بضم نصيبي إلى نصيبك.
هذا وجهٌ.
والوجه الثاني - أنه لا يُجاب، لأنه يبغي تعطيل منفعة صاحبه، وليس له أن يضر بالغير، كما ليس له أن يطلب قسمة تضرّ به، هذه هي الطريقة المشهورة.
قال العراقيون والقاضي: من أصحابنا من جعل في كل واحد منهما وجهين إذا طلب القسمة.
أما إجراء الوجهين في حق صاحب الكثير، فعلى ما ذكرنا، وأما إجراؤهما في حق صاحب القليل، فمن جهة أنه يقول: لي أن أُبطل حق نفسي، وأنت لا تتضرر تضرراً معتبراً فما عليك، فأجبني ولا تشفق عليّ، فإنني مطلق في حصتي.
وهذه الطريقة لا بأس بها.
والأشهر الأول.
11973 - ثم بنى الأصحاب على الترديد الذي ذكروه أمرَ الشفعة.
ففالوا: إن باع صاحب العشر نصيبه، وقلنا: لا يملك الاستقسام، فليس لصاحب التسعة الأعشار الشفعة؛ فإن المعوّل في إثبات الشفعة على توقع طلب القسمة من الدخيل الجديد، ولهذا لا تثبت الشفعة فيما لا ينقسم على القول الجديد.
ولو باع صاحب الكثير نصيبه، فهل يثبت لصاحب العُشر الشفعة؟ هذا يخرج على الوجهين في أن صاحب الكثير هل يُجبِر على القسمة؟ فإن ملكناه الإجبار، فلصاحب
العُشر الشفعة؛ دفعاً لطلب القسمة، وإن لم نملّكه الإجبار، فلا شفعة لصاحب العشر، وكأن انقسام الدار على هذه الصفة يلحقها بما لا ينقسم على هذا الوجه من الجانبين.
وإذا كنا نُتْبع الشفعةَ القسمةَ وطلبَها، وضممنا طريقة في القسمة إلى طريقة، انتظم من المجموع أوجه في الشفعة: أحدها - أنها لا تثبت لواحد من الشريكين، تفريعاً على أن واحدا منهما [لا يطلب] 1 القسمة.
والثاني - أنه تثبت الشفعة لهما على البدل، تفريعاً على أن كل واحد منهما يطلب القسمة، فيجاب إليها، والثالث - أن الشفعة تثبت لصاحب القليل، ولا تثبت لصاحب الكثير، ولا يكاد يخفى خروج هذا الوجه على التفاصيل المقدمة في الإجابة إلى القسمة.
11974 - ومما نصوّره من هذا الجنس أن الدار لو كانت بين ستة، لواحد منهم نصفها، ولكل واحد من الباقين عُشرها، وكان العشر لا يصلح للسكون، فلو اجتمعوا -أعني أصحاب الأعشار- وطلبوا من صاحب النصف القسمة، أجيبوا.
وهذا على تقدير رضاهم بالشيوع في النصف الذي يبقى لهم، وكذلك لو أراد صاحب النصف أن يميّز نصفه [من حصص شركائه] 2 على تقدير أن يبقى النصف شائعاً فيهم، فيجب أن يجاب.
فلو بيع النصف، وأراد أصحاب الأعشار أن يأخذوه بالشفعة، والتفريع على أن صاحب كل عشر لو استقسم، لم يُجَب، ولو استقسم صاحب الكثير أجيب، فتخرج الشفعة على هذا المسلك، فنقول: لهم الشفعةُ في النصف طلباً لدرء القسمة من الدخيل، وإن باعوا حصصهم، فصاحب النصف يأخذها بالشفعة.
والغرض أن نبين أن الشفعة لإمكان الاستقسام من الدخيل، فليتَّبع الناظر هذا الأصلَ في النفي والإثبات.
11975 - ثم المذهب الصحيح أن الحكم قد يختلف في تقسيط المؤنة في إجبار
الممتنع عن القسمة عليها بأن يكون واحد من الشركاء طفلاً أو لا يكون.
وذكر صاحب التقريب والقاضي وجهاً ضعيفاً في الفرق: فإن كان الشركاء مطلَقَيْن بالغين، [فالحكم] 1 على ما ذكرناه، وإن كان الملك بين بالغ وطفل، فإن كانت الغبطة في القسمة، فابتداً قيّم الطفل، واستقسم، أجبر البالغ على القسمة، وقسطت المؤنة: إما على التسوية، وإما على قدر الملك بين الطفل والبالغ، ولو لم يكن في القسمة غبطة، فلا شك في أن القيّم لا يطلبها، ولو طلبها ردّ عليه القاضي.
وإن طلب الشريك القسمة، لم يختلف أئمتنا في أنه يجاب، وإن كان في إجابته تنقيص لقيمة نصيب الطفل، ولكن الظاهر أن المؤنة تقسط على القياس الممهّد في الباب.
[وفي ذلك وجه ضعيف] 2، وهو أنا نقول [للبالغ] 3: المؤنة عليك إن أردت القسمة وحدك، وهذا ضعيف لا أصل له؛ إذ لو كان يستدّ المصير إلى هذا، لوجب أن يقال: لا يجاب طالب القسمة إليها، رعايةً لحق الطفل، حتى لا يتطرق إلى ملكه نقصان، وكان من الممكن أن يقال للبالغ: اصبر حتى يبلغ الطفل ويستقل، ثم اطلب القسمة، فلما لم يصر إليه أحد من الأصحاب، [وقطعوا] 4 بإثبات القسمة، وجب القطع [بفض] 5 مؤنة القسمة على الملكين؛ فإن القسمة إذا كانت جبرية، فالأمر فيها إلى الوالي، فكأنه موقعها عند الاستدعاء، وهو الذي يُنزل المؤنة على الأملاك.
ثم من حكى الوجهَ الضعيفَ، اختلفوا فيه؛ فمنهم من حكاه حيث تنتقص قيمة حصة الصبي، ومنهم من علق الوجه بالطلب، ففال.: إذا ابتداً طلبَ القسمة البالغُ، فالمؤنة عليه.
وإن لم يكن في القسمة ضرر على الطفل، وهذا على نهاية الضعف.
ومنهم من حكى هذا الوجه الضعيف فيه إذا كانت القسمة مضرة بالطفل، وإن لم يكن من هذا الوجه بد، فيجب أن يكون محله هذه الحالة.
وهو حيث يُحكَى ضعيف.
فصل
11976 - نجمع في هذا الفصل تفصيلَ القول في أصناف الأموال، وتحقيقَ المذهب في ماهية القسمة إذا وقعت، على وجوهها المختلفة.
فأما القول في أصناف الأموال، فنقول: لا يخفى أن ذوات الأمثال معرضة للقسمة الجبرية، فمن دعا من الشركاء إليها أُجبر صاحبه عليها.
وإن لم يكن المال من ذوات الأمثال، فإن كانت القسمة تتأتى فيها بالتقدير، وكانت السهام تتعدَّل به من غير تقويم، ولا احتياج إلى ردٍّ -على ما سنصف الرد- فالقسمة الجبرية تجري في هذا، كقسمة المزارع والعَرْصات، إذا كانت لا تختلف قيم أطرافها، فسبيلها في مقصود القسمة كسبيل ذوات الأمثال، لإمكان التعديل بالقَدْر المحض.
فلو قال قائل: لو كان غرض الشركاء مختلفاً في الجوانب، فكان يبغي بعضهم الجانب الشرقي لاتصاله بملكٍ له، فما القول فيه؟ قلنا: لا نظر إلى الأغراض، مع ما ذكرناه ولا يختلف بها حكم.
[فلو] 1 مات الرجل، وخلف عبيداً بين الورثة، وأمكن أن تعدّل السهام من غير حاجة [إلى الرد، وذلك مثل] 2 أن يخلف ثلاثة أعبد بين ثلاثة بنين، قيمة كل عبد مائة، فجَعْلُ العبيد ثلاثةَ أسهم ممكن، فإذا دعا داعٍ إلى هذه القسمة، فهل يُجبر عليها من يشاركه؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فالذي ذهب إليه الأكثرون الإجبارُ؛ فإنها قسمة معدلة، يترتب عليها [التفاصُل] 3 من غير ردّ، فصار [ذلك] 4 كأطراف الأرض.
ومن أصحابنا من قال: لا إجبار؛ لأن العبيد متعددون، وليسوا في حكم الشيء
الواحد المشترك، ونحن وإن كنا لا نعتبر الأغراض في القسمة إذا لم ترجع إلى مقصودٍ مالي، [فإذا تفاحشت] 1، تعين اعتبارها، وهي في الغالب ظاهرة في أعيان العبيد 2.
هذا إذا أمكن تعديل القسمة مع استواء الرؤوس والعدد.
فإن كان خلف الميّت بين ثلاثة بنين أربعة أعبد، قيمة عبد [مائة] 3 وقيمة عبد مائة، وقيمة عبدين مائة، فإذا أمكنت القسمة على هذا التقدير، ففي الإجبار عليها، في هذه الصورة وجهان مرتّبان على الأولى، وهذه أولى بألا يجبر عليها؛ لظهور التفاوت في العدد، وإذا ضممنا الأولى إلى هذه، [انتظم] 4 فيها ثلاثة أوجه.
11977 - ولو كان بين الشركاء حمّاماتٌ، أو طواحينُ، فكل واحد [منها] 5 لا ينقسم في نفسها، ولكن إذا أمكن التعديل بالقيمة بأن يجعل كل حمام سهماً، فالقول في الحمامات كالقول في العبيد، والخلاف في الإجبار كما مضى.
وقال العراقيون: لا إجبار في الأبنية والبقاع على التصور الذي ذكرناه بخلاف العبيد، فرأوا تفاوتَ الأغراض في البقاع أوضح.
11978 - ومما ينبغي أن يفهمه الناظر في الفصل أن قسمةَ العبيد، وقسمةَ الحمامات على الصورة التي ذكرناها تسمى قسمة النقل والتعديل، فإذا أمكنت قسمة
شيء واحد سميت القسمة إفرازاً.
وهذا اصطلاح لا فقه فيه، ولكن ذكرناه لنستعمله في المسائل.
11979 - ولو خلف الميت طاحوناً، وحماماً، وعبداً، فاختلفت الأجناس، وأمكن التعديل بجعل [كل] 1 صنفٍ سهماً، ففي الإجبار وجهان مرتّبان على ما إذا لم تختلف الأصناف، وهذه الصورة أبعد عن الإجبار.
ومن ضم جميع هذه الصور نظم فيها وجوهاً لا يخفى طردها.
والرابط الفقهي أن من أصحابنا من يعتبر التعديل وإمكانَه، ومنهم من يلتفت على الأغراض بعضَ الالتفات، ثم فيها التفاوت والترتّب والاختلاف [جارٍ] 2 بحسبها.
ولو خلف قِطعاً من الأرض متميزة، وكانت كل قطعة قابلة للقسمة على انفرادها، فإن طلب الشركاء قسمة الإفراز في كل قطعة، تعيّنت الإجابة على الباقين، وإن طلب بعضهم قسمة التعديل، وهو جعل كل قطعة سهماً، فلا إجبار على التعديل، مع إمكان الإفراز، وهذه الصورة متفق عليها بين الأصحاب، ولذلك صوّرنا الطواحين والحمامات في القسم الأول لمّا أردنا الكلام في الأبنية على حسب ما يجري في العبيد.
11980 - ومما يتعلق بما نحن فيه صورة: نذكرها؛ وهي أنه إذا [خلف] 3 حماماً صغيراً وآخر كبيراً، ونحن نحتاج إلى سهمين، وكانا لا يعتدلان إلا بأن يجعل الحمام الصغير مع ثلث الحمام الكبير سهماً، ونجعل ثلثي الحمامِ الكبير سهماً، فالأصح أنه لا إجبار على هذا النوع؛ فإن القسمة كذلك لا تميِّز ولا تفْصل، بل تُبقى اشتراكاً؛ فلا إجبار عليها.
وقال بعض أصحابنا: في الإجبار على هذا النوع خلاف، وهذا بعيد.
11981 - ومن أراد [جمع] 1 المسائل، وصورة الخلاف والوفاق قال: إذا أمكنت قسمة الإفراز في كل صنف، [فعليها] 2 الإجبار، ولا إجبار على تعديل الأصناف سهاماً، هذا متفق عليه.
وإن أمكن النقل والتعديل في السهام، [ولم يمكن] 3 الإفراز في كل صنف، فالخلاف يجري على ترتب بحسب تفاوت الأغراض.
وإن كانت القسمة النقلية تُبقي شركةً في صنف كالحمام الصغير والكبير، فهذا أبعد الصور عن الإجبار، مع جريان الخلاف عند بعض الأصحاب، وظاهر النص يميل إلى نفي الإجبار في القسمة المسماة النقل والتعديل.
11982 - هذا أحد مقصودي الفصل، وبعد نجازه شيء، وذلك أن الأصحاب أطلقوا قسمة الدور، وأجْرَوْا فيها قسمةَ الإفراز إجراءهم إياها في العرصات، وهذا فيه نظر؛ فإن الدّور تشتمل على أبنيةِ صُففٍ، وبيوت، وأروقةٍ، وهي ذوات أشكال مختلفة، والأغراض في السكون تتفاوت تفاوتاً بيناً، وهذا زائد على الأغراض النفسية التي تفرض في العبيد، بل هي راجعة إلى تفاوت المنافع، فكيف يُطْلَق الوفاق في الإجبار على قسمة الدور مع ما وصفناه؟
والوجه أن يقال: إن استوت الأبنية، فكان في شرقيّ الدار صُفّة وبيت، وكذلك في غربيّها، ويتأتَّى التعديل بتبعيض العرصة، فتشتمل كل حصة على مثل ما تشتمل عليه الحصة الأخرى من الأبنية، فيجوز أن يقال: يجري الإجبار على مثل هذه القسمة، ولا يختلف الأمر باختلاف الجهة، وليست الأبنية المتساويةُ والدار واحدة بمثابة دارين متقابلتين في سكة متساويتين في وضع الأبنية والأشكال؛ فإن ذلك يخرج على الخلاف، بخلاف أبنية الدار إذا تساوت.
فأما إذا اختلفت أشكال الأبنية، فيتعين عندي قطعاً تخريج الخلاف في إجراء
القسمة فيها، لما أشرت إليه من تفاوت الأغراض واختلاف المنافع.
11983 - فأما الكلام في ماهية القسمة، فنقول: أولاً: اشتهر القولان في أن القسمة بيع، أو إفراز حق: أحدهما - أنها بيع، وكأن كلَّ واحد من الشريكين باع ما كان له فيما صار إلى صاحبه، بما كان لصاحبه فيما صار إليه، وهذا التقدير لا بدّ منه؛ فإن حق كل واحد كان شائعاً في جميع المال قبل القسمة، ولا محمل لاختصاص كل شريك إلا ما ذكرناه.
والقول الثاني - هو إفراز حق، فكأن حق كل شريك لم يكن متعيناً قبل القسمة، فتعين بالقسمة، وهذا كالمال الثابت في الذمة، يتعين بالقبض، وإذا لم تكن العين المقبوضة ديناً، فلا نجعلها عوضاً عن الدين أيضاً؛ إذ لو قدرنا ذلك، لما صح قبض المسلَم فيه من جهة امتناع الاعتياض عنه، وإذا ثبت القولان مرسلين كذلك، فالمقصود تبيينُ محل القولين وتمييز صورٍ من الوفاق إن كانت.
فنقول: إن كانت القسمة قسمة إفراز، وكانت بحيث يجبر عليها، ومن ضروراتها أن لا [يكون فيها] 1 ردٌّ، كما سنصفها الآن، فالقولان جاريان في مثل هذه القسمة.
وإن أجْبرنا على قسمة النقل في الأعيان المنفصلة كالعبيد، فللأصحاب طريقان: أحدهما - القطع بأنها بيعٌ، لانفصال العين عن العين، وتمييز المشترك عن المشترك، فإذا جرى مع هذا تخصيصٌ يعتبر حمله على البيع.
ومن أصحابنا من أجرى القولين واعتمد الإجبار على القسمة؛ فإن التفريع على إجراء الإجبار.
وإن قلنا: لا إجبار على هذا النوع من القسمة، فلا بد وأن يكون صَدَرُها عن التراضي، فالمذهب الذي يجب القطع به أن القسمة إذا جرت، كانت بيعاً قولاً واحداً.
وأبعد بعض الأصحاب، فأجرى القولين في ذلك أيضاً، وقال: نجريهما، ونقول في أحدهما: إفراز مشروط بالتراضي، كما أنا نقول: إن القسمة الجبرية بيعٌ جارٍ جبراً من غير تراضٍ، وإن لم نُبعد الإجبار على البيع، لم نُبعد الإفراز على التراضي.
ومن صور الفصل أن العرصة لو كانت مقسومة بين شريكين، وكانت القسمة تختلف بسبب قُرْبِ شقٍّ من الماء، وبُعْدِ الشق الآخر منه، فلا تتأتى القسمة تعويلاً على مجرد التقدير المساحي، بل لا بد من تعديل القيمة مع التفاوت في المقدار، فقد يقع النصف ثلثاً بالمساحة، والنصف الآخر ثلثين، فهل يجري القولان في هذه الصورة، أو لا يجري الإجبار فيها، والاحتياج إلى التفاوت في المقدار مع التعديل في القيمة لا يمنع الإجبار على القسمة، هكذا قال الأصحاب.
ثم ترددوا في إجراء القولين، فأجراهما بعضهم، وقال قائلون: نقطع بأن القسمة تكون بيعاً؛ فإن التمييز مع اختلاف [الأقدار] 1 يبعد، فقد تنشّأ 2 تردد الأصحاب في القدر والقولين من أصولٍ منها الإجبار واشتراط الرضا، ومنها تعدد الأصناف والاتحاد، ومنها تفاوت الأقدار لاختلاف القيم.
11984 - وكل ما ذكرناه فيه إذا لم يكن في القسمة رد، ومعنى الرد على الجملة أن لا يتأتى تعديل السهام إلا بأن يرد بعض الشركاء على البعض دراهم، أو ما يتواضعان عليه من عوض، وكانت السهام لا تتعدل دون ذلك، وهذا قد يتفق في الدور، ويتفق في العبيد وغيرها، فإذا كان بين رجلين عبدان قيمة أحدهما ألف وقيمة الثاني ستمائة، وإن أرادا أن يتفاصلا ويقطعا الشركة في العبدين، فلا وجه لهذا إلا أن يأخذ أحدهما العبد الذي يساوي ألفاً ويغرم لصاحبه مائتي درهم؛ حتى يعتدلا.
فإذا كانت القسمة على هذه الصورة، فالكلام في ماهيتها فرعٌ للكلام في الإجبار عليها، قال الأصحاب: لا سبيل إلى الإجبار على بذل العوض أصلاً، وهل يجري الإجبار على القدر الذي لا حاجة فيه إلى ردّ؟ فيه اختلاف قدمناه، وذلك بأن نجعل العبد المساوي ستمائة سهماً، ونجعل ستمائة من العبد المساوي ألفا سهماً، ويبقى الشيوع في مقدار أربعمائة.
وقد مضى أن الإجبار على مثل هذا هل يجري أم لا؟
فإذا تمهد هذا، قلنا بعده: أطلق الأصحاب القول بأن القسمة المشتملة على الرد
بيعٌ، ولم يُفَصِّلوا، والذي نراه تنزيلُ هذا على ما قدمناه من الإجبار ونفيه، فنقول: القدر الذي يقابل العوضَ لا شك أنه مبيع وما يجري فيه بيع، ومن سمّى هذا القدر قسمة، فهو متجوّز أو غافل، فأما ما لا يقابله العوض المردود، فالوجه [بناؤه] 1 على الإجبار والتراضي، فإن قلنا: يجري الإجبار فيه، ففي ذلك المقدار قولان: الإفراز والبيع مذهباً واحداً، وإن قلنا: لا يجري الإجبار فيما وراء ذلك، ففي القسمة [المفتقرة] 2 إلى التراضي طريقان قدمنا ذكرهما، فليجريا هاهنا.
وقد بطل إطلاق القول بالقطع بأن القسمة المشتملة على الرد بيع.
وبان أن هذا التفصيل الذي ذكرناه لا بد منه، [ولم] 3 نذكره حتى رأينا في كلام الأئمة ما يدل عليه.
11985 - وكل ما ذكرناه بعدُ ليس على البيان الذي نطلبه، ونحن نختتمه بما يوضح الغرض؛ فنقول: إذا كانت القسمة جبرية، فالسهام تعدّل، والقرعة تعمل، كما سيأتي كيفيةُ القسمة وتمييز الحصص، ولا حاجة إلى لفظ، وإن قلنا: إن القسمة الجبرية بيعٌ، [فكان] 4 لا يمتنع أن يجبر كل واحد، على أن يقول: بعت مالي في نصيبك بمالِك في نصيبي، وهذا لم يشترطه أحد من الأصحاب.
فأما القسمة التي لا إجبار عليها؛ فالتعويل فيها بعد التعديل على التراضي، فإن عُدِّلت السهام، وأُجريت القرعة، وقالوا: رضينا بهذه القسمة، وصدر الرضا منهم قبل التفصُّل والتميُّز، فهذا القدر كافٍ، ولا حاجة إلى إجراء لفظ البيع.
ولو تراضَوْا بحكم القرعة قبل إخراجها، وليست القسمةُ جبريةً، ثم بدا لبعضهم، فرجع، بطل الرضا وفاقاً، ولا جبرَ.
وإن استمروا على الرضا حتى خرجت القرعة، ولم يُحدثوا بعد خروجها رضاً، ففي المسألة وجهان: أصحهما - وهو الذي قطع به المراوزة أن ذلك الرضا لا حكم له، ولا بد من إحداث رضا بعد خروج القرعة.
وذكر العراقيون هذا ووجهاً آخر، وهو أنهم إذا استمروا على الرضا حتى خرجت
القرعة، لزمهم حكمها، كما لو أحدثوا رضاً بعد القرعة.
ثم الذي وجدت في الطرق أنهم إذا أنشؤوا الرضا بعد القرعة، فلا حاجة إلى لفظ البيع، واختلفوا في أنا هل نشترط التلفظ بالقسمة؟ قال قائلون: لا بد من ذلك فليقولوا رضينا بهذه القسمة، أو ليذكروا عبارةً عن مقصود القسمة من التمييز والتفاصل وما أشبههما، ثمّ تشعر القسمة بمعنى البيع؛ من حيث تفيد اختصاص كلٍّ بحصة، وانقطاعَ حقه عن حصص الباقين.
وقال قائلون: لا يشترط لفظ القسمة، بل يكفي أن يقولوا رضينا بهذا، ولا بد من لفظ يدل على الرضا، إذا كان صَدَرُ القسمة على التراضي.
11986 - ثم رتّب الأئمة على أن القسمة بيع أو إفراز مسائلَ من الربويات، تقدمت مشروحة في البيع، ويجمعها: [أن] 1 ما جاز بيع البعض منه بالبعض، فالقسمة جارية فيه، وما امتنع بيع البعض بالبعض، ففي إجراء القسمة فيه قولان مبنيان على أن القسمة بيع، أو إفراز حق، ولا حاجة إلى إعادة تلك المسائل.
11987 - ولو كان نصف الدار مملوكاً ونصفها مُحَبَّساً، فالقسمة فيها مبنية على القولين: إن جعلنا القسمة بيعاً، لم نجوّزه؛ لأن في تجويزها تجويز بيع الموقوف وإن قلنا: القسمةُ إفراز، فهي تجري في الموقوف والمملوك.
وإن كانت الدار بجملتها موقوفة على أقوام، فأرادوا اقتسامها، لم تصح القسمة وإن حكمنا أن القسمة إفراز؛ لأن في إجرائها مخالفةَ شرط الواقف، وقد جرى التحبيس منه على الشيوع، والقسمة تغيّر وضعَ الوقف.
فإن قيل: هذا يتحقق في إجراء القسمة بين المالك والموقوف عليه، قلنا: ذاك التغيير بمثابة تغيير الأملاك إذا كانت شائعة، فأُفرزت، فالإفراز تغيير لها، والمحذور تغيير شرط الواقف من الذين عليهم الوقف.
وكان شيخي يقول: أبعد بعض الأصحاب، فأجرى القسمة في الموقوف عند مسيس الحاجة والإشرافِ على الخراب،
فإذا ظهر هذا المعنى ولو تُرك الوقفُ فَوْضَى 1 بين الأرباب، لا نمحق، ونحن قد نجري القسمة لأجل الضرورة، وحيث يقتضي القياس منعَها، وعليه خرّجنا مسائلَ في كتاب الزكاة إذا اجتاحت الثمار جوائح واقتضت قطافاً قبل الأوان، ولو جففت، لما كانت منتفعاً بها، وإخراج العشر فيها قسمة، ونحن قد نجيزها، وإن منعنا قسمة الرطب، فالضرورة في الوقف تنزل هذه المنزلة.
وهذا بعيد لا أصل له.
فرع:
11988 - إذا كان بين اثنين لَبِنٌ 2 مشتركة، فإن كانت شُكِّلَت بقاِلب واحد، فقد أجراها القاضي مجرى المتماثلات في إجراء القسمة فيها جبراً، وإن تفاوتت الأشكال، لتفاوت القوالب، صارت كالعروض في قسمة التعديل والنقل، وخرجت عن قسمة الإفراز.
وقد تمهدت الأصول.
فصل
في كيفية القسمة
11989 - القسمة في ذوات الأمثال بيّنة، والتعويل فيها على الوزن أو الكيل، فإن وقع التراضي على القسمة وزناً، وكان المقسوم من أموال الربا، وقد ورد التعبد بالكيل في بيع البعض منها بالبعض، فإذا أرادوا القسمة وزناً، خرج هذا على القولين في ماهية القسمة، فإن قلنا: القسمة بيع، فهي ممتنعة، لامتناع بيع البر بالبر وزناً بوزن.
وإن قلنا: القسمة إفراز حق، فهي جائزة؛ فإن الوزن أَحْصر، وهو إلى تحصيل تمييز الأقدار أقرب.
وإن كانت القسمة في الأراضي، فلا بد من المساحة، والتكسيرِ، بطريق الضرب، وإذا اختلفت حصص الشركاء، فكان لواحد النصف، ولواحد الثلث،
ولواحد السدس، فالساحة تُقَسَّم أسداساً، وتفرز بالتقدير المساحيّ على هذا الوجه؛ فإن النصيب الأقل لا يتميز إلا كذلك، وقد تمس الحاجة إلى التعديل بالقيمة، وترك اعتدال المقدار المساحي، فإذا تميزت الأقدار، وتعدلت بالقيمة، فالذي نص عليه الشافعي أنا نكتب أسامي الملاّك في الرقاع، وهم ثلاثة في الصورة التي ذكرناها، ثم تخرج الرقاع على الأجزاء المعينة كما سنفصله.
ونصَّ في كتاب العتق على أن المريض إذا أعتق عبيداً لا يملك غيرَهم، واحتجنا إلى رد العتق إلى الثلث، فنكتب رقعة الرق ورقعة الحرية، ولم يذكر كِتْبة أسامي العبيد وأسامي الورثة، وقياس ذلك يقتضي في قسمة الساحة بين الشركاء أن يكتب على الرقاع أعيان الأجزاء المعدّلة، ثم تُخرَج إلى الأسماء؛ فاختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: في المسألتين قولان بالنقل والتخريج: أحدهما - أنه يكتب أسماء العبيد في العتق، وأسماء الشركاء في قسمة الملك المشترك.
والثاني - أنه يكتب أسماء الأجزاء هاهنا، والرق والحرية ثَمّ.
ومن أصحابنا من قال: ليمست المسألة على قولين، ولكنا نقر النصين قرارهما، ونفرق فنقول: الوجه كِتْبة الحرية والرق إذا كنا نميز الوصية عن حق الورثة، فإن الحرية حق الله تعالى، وليس من حقوق العبيد، فإنهم لو أسقطوه، لم يسقط، فكانت كِتبة الحرية أولى، والعين المقسومة فى هذه المسألة ملك الشركاء حقيقة، فكِتْبة أسمائهم أولى.
وقد اتفق الأصحاب أن هذا التردد في الأَوْلَى، ومن اختار مسلكاً [لم] 1 يمنع صحةَ الآخر إذا أفضى إلى مقصود التمييز، والتردُّدُ فيما هو الأَوْلَى.
11990 - والتفصيل في الكيفية نبتديه الآن: فإذا كتبنا أسماء المالكين فيما نحن فيه، وهم ثلاثة، فقد اختلف الأصحاب على ما ذكره العراقيون، وصاحب التقريب: فمن أصحابنا من قال: يكتب أسماء الثلاثة في ثلاث رقاع، وإن تفاوتت حصصهم، ومنهم من قال: يكتب اسم صاحب السدس في رقعة، ويكتب اسم صاحب الثلث في
رقعتين، ويكتب اسم صاحب النصف في ثلاث رقاع، قال العراقيون: وهذا أصح؛ فإن من كثر نصيبه، فهو أولى بأن تصيبه القرعة لعظم حظه، وقد يكون له غرض في أن يخرج اسمه أولاً على طرف الدار، فإذا كثرت الرقاع باسمه قرب خروج الرقعة له.
وقال صاحب التقريب: الصحيح الاكتفاء برقعة واحدة في حق كل واحد، ولا معنى لرعاية غرضه في طرف الدار؛ إذ ليس هو بالطرف أولى من صاحب السدس، ولو كان أولى بالطرف لكثرة نصيبه، لكان أولى بما يعيّنه من غير قرعة، والفقه ما ذكره صاحب التقريب.
وقد تأملت كلام الأئمة فاستبنت أن منهم من يجعل هذا الخلاف موضوعاً فيما يجب؛ حتى لو ترك، لم يجز.
والعراقيون يثبتون الرقاع على أقدار الأملاك، وصاحب التقريب يختار أن ذلك غير جائز، وكلٌّ [يُفسد] 1 القسمة إذا جرت على خلاف ما اختاره.
وفي كلام الشيخ أبي علي ما يدل على تنزيلِ الخلاف على المستحب وتجويزِ الأمرين جميعاً.
فإذا كتبنا أسماء المالكين، فيقول القاسم: أخرجوا على هذا الطرف، ويعين باختيار نفسه طرفاً، وليس ذلك تحكماً، والقرعة مَغيبة، فإن خرجت قرعة صاحب النصف، فله ذلك الجزء والثاني على التوالي، ويكفيه قرعةٌ واحدة، ولو لم نفعل ذلك، وأخرجنا له القرعة في كل سدس، فربما تفرقت أجزاؤه في الأسداس، ويتخلل فيها ملك صاحبيه، وهذا ضرر بيّن، لا غرض فيه للشركاء، فإن خرجت قرعة صاحب السدس، فله الجزء الرابع، ثم لا فائدة من إخراج القرعة الثالثة، بل الخامس والسادس لصاحب الثلث، وإن خرجت أولاً قرعة صاحب السدس، فله الجزء الأول من الطرف المعيّن، ثم يُخرج قرعةً أخرى، فإن خرجت قرعة صاحب الثلث، فله
الثاني والثالث، ثم الباقي لصاحب النصف من غير قرعة.
والغرض أن لا يتفرق ملك من له سهام.
ولو كتبتَ الأجزاء وأخرجْتها باسم المالك، فقد يتطرق إليه [تغرير] 2، ولكنه
سائغ إذا أفاد المقصود، وسيق على وجهه، والمحذور منه أنك لو قلتَ: أخرج رقعةً باسم صاحب النصف، فلو خرجت رقعةُ القطعة الثالثة، [فالاحتساب] 1 من أي طرف -وتصويره ممكن من وجهين- فلو حسبناها في الشرقي، وفيها الطرف الأول، تواصل النصف، ولو حُسبت في الغربي، لخلّفت جزأين في الشرقي وجزءاً في الغربي، فينبغي أن يقطع هذا الخيار، بأن يشترط أن الحَسْب في الجانب الذي لا تتقطع الأجزاء فيه، فإذا وقع التوافق على هذا، فالحَسْب في الشرقي، ولا يخفى درك أمثال ذلك.
11991 - ثم أطنب الشافعي في تسوية الرقاع ثلاثاً، وذكر أنها تدرج في بنادق من طين، أو شمع حتى تبعدَ عن الاطلاع، وقال: تسوَّى البنادق، وتجفف، وتطرح في حِجْر من لم يشهد تفصيلَ الأمر، حتى يرجع الخروج إلى الوفاق المحض، من غير تخيل قصد في الإخراج، والتسويةُ إنما راعاها؛ لأن البندقة الكبيرة تسبق إلى اليد، وإذا فرض ذلك، تطرق إلى تحكيم اتفاق الخروج خلل، وكان شيخي يقول: لا نمنع إيجاب هذا؛ لما نبّهنا عليه.
ويجوز أن يقال: إن أظهرناها، وقلنا [لمن] 2 يخرجها: لا فرق بين الصغار والكبار، فخذ على وفقاف ما عنّ لك -وهي بارزة- فلا أثر للصغر والكبر، وإن كان يطرحها في الحجر أو الكم، ويخرج ما يقع في يده، فيجوز أن يؤثر التفاوت، وحيث نسلّم تخيّل التفاوت، فاشتراط التسوية بعيد، والأولى عدّ هذا من الاحتياط، لا من الاشتراط.
فصل
قال: " وإذا استُحِقَّ بعضُ المقسوم ... إلى آخره " 3.
11992 - إذا جرت القسمةَ في الصورة على حقها، ثم تبين أن البعض من الملك المشترك مستَحقٌّ، فأحسن ترتيبٍ في هذا الفن للعراقيين، وقد فالوا: إذا استُحِق
شيء، فلا يخلو إما أن استحق عينٌ معيّنة في يد واحد من الشركاء بعد التفاصل، وكانت الشركة موضوعةً على التعديل والنقل، كما قدمنا تصويرها.
أو استُحِق جزء مشاع مما في أيديهم، وكذلك يقع الاستحقاق في البعض إذا جرت القسمة في صنف واحد، غيرِ مشتمل على أشخاص متميزة.
فإن استحق معين في حصة إنسان، أو استُحِق جميع حصته، فيبين لنا بطلان القسمة في حق الجميع؛ فتعاد القسمة بعد رد المستحَق.
ثم قالوا في هذه الصورة: لو كانت القسمة قد جرت بين شريكين في أعيانٍ، فاستُحِق من يد أحدهما عين، واستُحِق من يد الآخر عين أيضاً، وهما متساويتان في القيمة، فلا تنقص القسمة في بقية ما في أيديهما؛ فإنهما استويا فيما استُحق وبقي، وهذا متجه حسن.
وفي بعض الطرق ما يدل على بطلان القسمة في البقية، ووجهه بيّن أيضاً؛ فإن القسمة لم تنشأ على البقية أولاً، وقد تغير وضعها بالاستحقاق، فلا يمتنع الحكم ببطلانها.
ولو كان الاستحقاقُ في جزءٍ شائع قبل أن يقتسما أرضاً قدّراها نصفين بينهما، ثم بان أن الثلث من الأرض مستَحَق لغيرهما، فلا شك في بطلان القسمة في المستَحَق، وهل تبطل في الباقي ليعاد بين الشركاء، أو يبقى نصيبُ كل واحد من الأَوّلَيْن منفصلاً عن نصيب الثاني، وللمستَحِق في كلِّ نصيبٍ شَركةٌ؟ ذكر العراقيون في ذلك قولين، وخرجوهما على تفريق الصفقة.
ومن هذا التصرف يظهر ما ذكرناه في استحقاق عينين متساويتين من يدي الشريكين.
هذا تفصيل الاستحقاق بعد القسمة.
11993 - ولو قسم الورثةُ التركةَ، ثم ظهر دين على الميت، أو وصيةٌ مطلقةٌ بعينٍ، قال العراقيون: إن قلنا: إن القسمة إفرازُ حقٍّ، فتصحُّ بشرط أن يقضوا الديون أو يُوفّوا الوصيةَ المستحقة.
وإن قلنا: إن القسمة بيعٌ، ففي صحة القسمة قولان
مبنيان على أن الورثة لو باعوا التركة، وقد تعلق بها دين، فهل يصح بيعهم؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يصح أصلاً، كما لا يصح بيع المرهون.
والثاني - يصح إن قَضَوْا الدين من مال آخر.
وهذا يبتني على تردد الأصحاب في أن تعلق الدين بالتركة هل يمنع الميراث أم لا؟ إن قلنا: يمنع، فالقسمة مردودة، والبيع باطل، وإن قلنا: لا يمنع الإرثَ فتعلقه كتعلق الدين بالمرهون، أو كتعلق الأرش برقبة الجاني.
وفيه قولان: فإن قلنا: هو كتعلق الدين بالرهن، فالقسمة مردودة، والبيع باطل، وإن قلنا: هو كتعلق الأرش، ففي بيع العبد الجاني قولان.
هذا [قولنا في] 1 البيع.
وما ذكره العراقيون من تصحيح القسمة على قول الإفراز قولاً واحداً ليسوا مساعَدين عليه؛ فإن الإفراز تصرفٌ في متعلَّق الدين، فيظهر إفساده كالبيع، ولما ذكرناه التفاتٌ [عندي] 2 على أصلٍ، وهو أن المفلس لو تصرف في الأموال التي اطرد الحجر عليها، فنقطع ببطلان تصرفه، [أم نقفه] (2) قائلين: إن سقطت الديون، فقد نفذ التصرف، وإن بقيت، ومست الحاجة إلى تأديتها [من] 3 الأعيان أُدِّيت [منها] 4.
فالوارث كالمحجور عليه المفلس، والمال كمال المحجور، والدين محصور.
وإذا صححنا بيعَ العبد الجاني، فلم يؤدّ السيدُ الأرشَ، نُقض بيعه، فقد انتظم في التركة الفسادُ، [للقسمة] 5، والصحةُ مع التعرض للنقض لو لم يؤدوا الدين، والوقف، حتى إن أَدَّوْا، تبيّنا الصحةَ، وإن لم يؤدوا، تبيّنا الفسادَ، وعدمَ الانعقاد، ثم إذا فُرضت القسمةُ مع الجهل، ثم بَدَا الدين، فالأمر على ما ذكرناه، ولو أنشأ القسمة على علمٍ، لم يختلف الحكم، وترتبت الأقوال [نازعةً] 6 إلى الأصول التي قدّمناها.
فصل
11994 - إذا قُسم ملك مشترك بين الشركاء، ثم ادعى بعضهم أن القاسم غلط في التعديل وتحيّف عليه، فهل يقبل ذلك؟ نُظر: فإن كانت القسمة قسمة إجبار، [واتصلت] 1 بالحاكم، ونَصَبَ القاضي فيها قاسماً، أو قاسمين، ثم ادعى شريكٌ نقصاناً من حقه، [لم يُقْبل] 2 قوله فيه، وهو كما لو ادعى المحكوم عليه على القاضي أنه ظلمني، وقضى عليّ مبطلاً، فلا يقبل قوله، إلا أن يقيم بيّنة عادلة على ما يدعيه من الغلط على القاسم، فيقبل حينئذ.
ولو لم تكن بينة، فدعواه على القاسم مردودة، ولو رام تحليفه لم يبالَ به، ولم يحلّف القاسم، كما لا يحلّف القاضي، والشاهد.
هذا إذا كانت القسمة قسمةَ إجبار.
فأما إذا كانت القسمة بحيث لا يجري فيها إجبارٌ، ولكن الشريكين نصبا قاسماً، وقسم عن رضاً منهما، ثم ادعى أحدهما حَيْفاً، قال العراقيون: إذا رضي الشريكان بابتداء القسمة، ثم رضيا بعد خروج القرعة رضاً جديداً، ثم ادعى أحدهما أنه قد نقص من حقه، فلا تُسمع دعواه، ولا تقبل بينتهُ؛ فإن أقصى ما فيه أن يكون منقوص النصيب، فإذا رضي لم ينفعه بعد ذلك شيء، وهو كالذي يشتري شيئاً [بما] 3 يحسبه ثمن المثل، ثم يتبيّن كونَه مغبوناً.
هذا إذا أنشأ الرضا بعد خروج القرعة، فأما إذا رضيا بالقسمة عند إنشائها -وقلنا: يعتبر الرضا بعد خروج القرعة- ولم يجْر رضاً في آخر الأمر، فلا حكم لما جرى، والقسمة لم تثبت بعدُ، ومن أراد الرجوع، فله الرجوع، وإن لم يكن حيف، فما الظن إذا كان حيفٌ.
وإن قلنا: لا يعتبر الرضا بعد القرعة والتعيين، فإذا رضيا بالقسمة ابتداء، ثم ادعى أحدهم حيفاً بعد القرعة، فالوا: سبيل هذه الدعوى كسبيل دعوة الغلط في قسمة الإجبار.
هذا ترتيبهم.
وفيه نظر.
أما قولهم: إذا تراضيا بعد القسمة، فلا رجوع إن كان محتملاً، فلا يجب أن يكون مقطوعاً به؛ فإن الرضا كان على تقدير التعديل والاستواء؛ فإذا بان خلاف ذلك، ظهر الحكم بفساد القسمة، فكأن الرضا مقيدٌ بشرط الاعتدال، وهذا كتقديرنا تقيُّدَ البيع بشرط السلامة.
وهذا متجه.
وما ذكروه في آخر الترتيب من أنا إذا لم نشترط إعادة الرضا آخراً، واكتفينا بالرضا الأول، فالقاسم يصير كالحاكم في قسمة الإجبار، فهذا أيضاً فيه نظر؛ فإن قاسم القاضي مولّىً أو شاهداً، والذي ينصبه الشريكان ليس في هذا المعنى، والمسألة محتملة.
ولو لم ينصبا قاسماً أصلاً، ولكنهما اقتسما بينهما من غير قاسم، فلا بد في هذه الصورة من الرضا بعد القسمة؛ إذ لا متوسِّط بينهما، حتى يكون قَسْمه مستنداً لرضاهما.
هذا هو الظاهر.
وفيه احتمال على تقدير القسمة المنشأة مرضيّاً بها؛ فإنه لو توسطهما قاسم، فالتعويل على قسمته لا على عينه.
11995 - ومما يليق بتمام البيان في ذلك أنهما لو تفاضلا، وعلما تفاوتاً في القسمة، وتراضيا به على علم، فالذي يقتضيه كلام الأصحاب لزوم هذا، وفيه غائلة.
والوجه أن نقول: إن قلنا: إن القسمة إفراز، فلا تصح القسمة إلا مع التعديل، وإن قلنا: القسمة بيع، فإذ ذاك يجوز أن تَلْزمَ بالرضا مع العلم، ثم يتضح عندي اشتراط لفظ البيع هاهنا؛ فإنا إنما نقيم لفظ القسمة مقام لفظ البيع إذا جرت حقيقةُ القسمة، وحقيقتُها التعادل، وهذا لطيفٌ حسن.
11996 - ومما يتعلق بهذا الفصل أن الشريكين إذا تناكرا فادعى أحدهما القسمة،
وأنكرها الثاني، فإن لم يكن متعلَّق بقاسم من جهة القاضي، فالقول قول النافي.
وإن تعلقت بقاسم القاضي، فالرجوع إلى قول القاسم؛ فإنه حاكم، أو شاهد.
فإذا ادعى الغلط على القاسم من جهة القاضي، ولم يجد بينة، فقد ذكرنا أن دعواه لا تسمع على القاسم، فلو قال: أحلّف شريكي؛ فإنه عالم بأنى منحوسُ [الحظ] 1، فله تحليفه، فإن حلف، انقطعت الخصومة، وإن نكل، رد اليمين على المدعي، فإذا حلف يمين الرد، نُقضت القسمة، وأعيدت من الرأس.
وإن ادعى على جمعٍ من الشركاء، فحلف بعضهم، ونكل بعضهم، قال الأئمة: تُرد اليمين بسبب نكول الناكلين، فإذا حلف، انتقضت القسمة في حق الناكلين.
قال صاحب التقريب: إذا قلنا: يمين الرد كالبينة، فقد قال بعض الأصحاب: تنتقض القسمة في حق الكلّ: من حلف، ومن نكل، كما لو أقام بينة.
وهذا سخيف، لا أصل له، فإن يمين الرد إنما يكون بينة في حق الناكل فحسب، فأما من حلف، فقد درأ يمينَ الرد عن نفسه، وهذا الوجه نقله صاحب التقريب، وبالغ في تزييفه، ولولا نقلُه لما ذكرناه.
فصل
11997 - إذا كان في أيدي طائفة ملكٌ مشترك، فجاءوا إلى القاضي، والتمسوا منه أن ينصب قاسماً ليقسم الدار بينهم، فهل يجيبهم القاضي؟ إن كان ثبت ملكهم عند القاضي بطريق من الطرق، أجابهم، وإن لم يثبت ملكهم، فهل ينصب قاسماً؟ فعلى قولين: أحدهما - لا ينصبه؛ فإنه لم يتحقق عنده ملكهم، فالإقدام على القَسْم -وقد يكون الملك لغيرهم- تصرّفٌ قبل ثبوت موجِبه، ولو قسم بينهم، فربما يتعلقون به، ويعدُّونه حجةً في ثبوت الملك، وهم مبطلون.
ولا حاجة إلى هذا، فإن القاضي يوضح: إني قسمتُ باستدعائهم، ولم يثبت عندي ملكُهم.
والتعويل في توجيه هذا القول على ما قدمناه من أن القَسْم تصرفٌ، لم يثبت موجِبه.
والقول الثاني -وهو الأصح- أنه يجيبهم إلى القسمة، ولا حاجة إلى إثبات الملك فيما هذا سبيله، بدليل من [أدخل] 1 إنساناً داره، أو أضاف القاضي، فكل ذلك جائز، وما زال الأتقياء الأبرار يعتادون مثل هذا، يأخذون الأمر على ظاهر اليد، وإن لم تقم عندهم حجج بالأملاك، ولا نعرف خلافاً أن من باع داراً في يده، وأشهد على البيع القاضيَ، أثبت القاضي إقراره، ولم يطالبه بتثبيت ملكه قبل البيع.
وما ذكرناه من طلب القسمة فيه إذا جاءوا طالبين عن تراض منهم، فإذا جاء واحد مطالباً، وامتنع عليه [أصحابه] 2 ففي المسألة طريقان: أحدهما - أنه يجيب في هذه الحالة لقطع الخصومة، والطريقة الثانية - طَرْدُ القولين، وليس ينقدح عندي للامتناع عن القسمة وجهٌ.
نعم، يجب القطع بجواز القسمة، كما استشهدنا به في جواز دخول الدار، فأما وجوب القسمة، ولم يثبت بعدُ عند القاضي ملكٌ، فهذا فيه تردد، من جهة أن لوجوب يجوز أن يستدعي موجِباً، فأما الجواز، فيكتفي بظاهر الحال.
فصل
11998 - إذا تعذّرت القسمةُ في الملك المشترَك، فأقرب مسلك في الانتفاع المهايأة، فإن وقع التراضي عليها، فذاك، ثم هي مياومةٌ، أو مسانهةٌ، أو مشاهرةٌ، أو مسابعة، على ما يقع التوافق عليه، ولا إجبار على المهايأة في ظاهر المذهب.
وذهب ابنُ سريج إلى الإجبار عليها؛ فإن قسمة الرقبة إذا تعذرت، فلو لم تجب المهايأة، لتعطلت المنافع، ومعتمد أهل المذهب أن المهايأة فيها تعجيلُ حق أحد الشريكين، وتأخير حق الثاني، بخلاف قسمة 3 الرقاب، فإن الحصص تنفصل دفعةً
واحدة، فإن قلنا: لا تلزم المهايأة بالدعاء إليها، فلو جرت، فما مضى من النُّوَب لا تتبُّع لها.
وإن كان الشركاء في ابتداء النوبة، فاستوفى واحد نوبة، فهل يجب إدارة هذه النوبة على الباقين حتى يستووا؟ فعلى وجهين، أقيسهما أنه لا يجب؛ فإن الوجوب لو ثبت، لكان مأخوذاً من تقابل المنافع بمعاوضة، أو طريقة مقرِّبة من المعاوضة، وهذا ممتنع في المنافع، فالوجه أن يغرَمَ هذا المستوفي حصص أصحابه من المنفعة، إذا امتنعوا عن الاستمرار على المهايأة.
والوجه الثاني - أنه يجب إجراءُ نوبةٍ دارّة عليهم، ثم هم على خِيَرتهم بعدها، وهذا اختيار القاضي، ووجهه عندنا أنها لو جرت، فلا تتبع، فلا تخرج على مذهب التقاصّ، بل يرى ما جرى معاملة سديدة، عمل بها من مضى وبقي، فإذا استوفى واحد نوبة، وجب بحكم ذلك طردها إلى الآخِر.
وإذا قلنا: لا إجبار على المهايأة، وقد تمانع الشركاء [نَكَداً] 1، فأي شيء نفعل والحالة هذه؟ في المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يُتعرض لهم، ونترك الأملاك متعطِّلةً إلى أن يصطلحوا.
والثاني - يباع الملك، ويقسم الثمن بينهم، وهذا لا أصل له، فلا أعدّه من المذهب، وإنما هو مذهبُ بعض السلف، ثم هذا إنما يجري إذا أداموا النزاع والمطالب، فإن تركوا، تركناهم.
...
باب ما على القاضي في الخصوم والشهود
قال الشافعي: "وينبغي للقاضي أن ينصف بين الخصمين في المدخل عليه للحكم ... إلى آخره" 1. 11999 - قال الأئمة: من تولى القضاء، فينبغي أن ينتجز الكتب 2 من الإمام، أو من والي الإقليم، ثم تثبت ولايته في الناحية التي [رشح لها بالاستفاضة] 3، وهذا القدر كافٍ عند المحققين، والمشاهَد فيه سِيَرُ الأولين، والدليل الخاص فيه من جهة المعنى أن المُولِّي ذو الأمر، وليس للرَّعايا مطالبةٌ حتى يناط بحُججٍ خاصة، وأيضاً فاعتبار الحُجج عسر؛ فإنها لو ثبتت، فمن يقيمها، وعند من تقام؟ ثم قال قائلون: مجردُ الكتاب كافٍ، وهو يعتضد عند استمرار الإمرة، وامتداد اليد الباطشة، واشتهار أمور الولاية في مكانها بأن ذلك لا يجترىء عليه ذو عقل، وهو مع هذا معتضد برسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاته، فما كانوا يستصحبون إلا كتبَ الرسول، حتى اشتهرت قصة ذلك المتخرص الذي أتى قوماً، وزعم أنه [رسول] 4 رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكرَموه، وبَرّوه، ثم وفدوا على رسول الله عليه السلام، وأخبروه، فلعنه، وقال: " إذا رجعتم إليه، فاقتلوه، وما أراكم تدركونه " 5. فرجعوا وألْفَوْه حُمَمَه، وكانت أدركته صاعقة فاحترق، ووجه التعلق بالقصة أن الرسول عليه السلام لم ينكر عليهم، ولم يأمرهم باستظهارٍ في المستقبل، وعدّ ما جرى من التخرص نادرةً لعن بها صاحبها.
والذي يجب ضبطه في هذا -بعد التأصيل- أن من صدر عن الحضرة العليا لولاية عظيمةٍ في ناحية متسعة الخِطة، فمثل هذا يستفيض الخبرُ عنه، فالاستفاضة كافية، وحكى العراقيون هذا واعتمدوه، ووجهاً آخر أنه لا بد من عدلين يُشيعان في أهل الناحية صَدَرَ [الولاية من الإمام] 1، ثم ليسا شاهدين، ولكنهما مُسمعان، يُشيعان، عددُهما عددُ الشهود، لتعلق الأمر بما يخصّ الناسَ، ويعمهم، فكان شبيهاً بالشهادة من هذا الوجه، وإن لم يكنها في الاختصاص بمجلسٍ والتزام لفظ الشهادة، وهذا يناظر ما سيأتي في معنى التسامع في الأنساب، وهذا [معنى] 2 الاستفاضة.
فإن جرى مثلُ هذا، ولم يستفض الخبر، والأليق بالحال الاستفاضة، فإذا ورد، ففي هذه الحالة نظر آخر، يجوز أن يقال: لا بد من الاستفاضة بناء على قطبٍ في الأصول، وهو أن الأمور العظيمة إذا جرت، فلا بد أن تشيع، فأقلُّ المراتب أن يُورِّثَ ذلك تردداً وخبلاً.
ومن أصحابنا من اكتفى بكتاب [الوالي] 3 وهو عندي مشروط بظهور مخايل الصدق، وهو بيّن في خطوط الكتاب المشهورين وانشراح [الصدر] (3) به، فإن الخَوّان في مثل هذا على وفازٍ 4 من أمره.
وقال قائلون: لا بد من شاهدين في هذا المقام، وهذا لا بأس به، والمراد بالشاهدين عدلان يُشيعان.
وإذا استخلف القاضي حاكماً في قرية، فقد لا يستفيض مثل هذا، فلا تُشترط الاستفاضة، بل ينقدح فيه الكتاب أو شاهدان.
وينبغي للذي يَقْدَم 5 أن يقدّم [كِتْبته] 6 إلى محل الولاية، ويتعرف عن أحوال
العدول والمزكين، وأركان القضاء، ويكتب إليهم: استعدوا، ويكون هذا من أسباب الاستفاضة، حتى لا يكون مَقدمه فجأة، إذ لو فاجأهم، وتفاوض الناس بالتشبيب بالتكذيب، سمُجَ الأمر، وانكسرت السَّوْرة 1.
12000 - وإذا دخل البلد وتصدى للقضاء، فينبغي أن يبداً بالتعرف عن أحوال المحبوسين، لا يقدّم على ذلك شغلاً، والسبب فيه أن الحبس عذاب، وإدامة العذاب على أقوام من غير تثبتٍ، لا سبيل إليه، وليس هذا من تعقب أحكام القاضي الأول.
وقد ذكرنا أنه لا يتعقبها إلا أن تُرفع إليه، والنظر في حال المحبوسين ليس من ذلك، فإن الحبس كما ذكرناه عذاب ناجز مستمر، وقد يكون المحبوس مظلوماً، وقد يكون في المحبوسين من حبس تأديباً، وفيما مضى من الحبس كفاية، وتقديم ما ذكرناه حتمٌ وليس من الآداب، حتى قال الأصحاب: لا ينبغي أن ينظر في خصومةٍ تُرفع إلى مجلسه ما لم يفرّغ قلبه من هذا الفن.
ثم يُحضر المحبوسين، فمن أقر منهم أنه محبوس بحق، ردّه إلى السجن، ومن ادعى أنه حبُس ظلماً، فالوجه أن يقول: من خصمك؟ فإذا ذكره، أحضره، وسأله، وأمره بأن يبتدىء الدعوى، وإقامة البينة، على ما لا يكاد يخفى ترتيب الخصومة.
وإن قال: قد حَبَسه القاضي المصروف، فكان ذلك حكماً منه؛ وحكمه لا ينقض، قيل له 2: أَثْبِتْ حُكمَه بما تَثْبُتُ به أحكام القضاة.
أما صورة الحبس ليس 3 حكماً، فإذا عجز الخصم عن إثبات حقٍّ يوجب الحبس، أطلقنا المحبوس، ولا تطويل بجعل هذا ابتداء خصومة.
12001 - قال القاضي رضي الله عنه: من قال من المحبوسين: حبست ظلماً، أطلقناه، وهذا الكلام حق، ولكنه خشن 4، فالمعني بالإطلاق أن يخرج من
الحبس، ولكن لا يخلى سبيله حتى يحضر خصمه، وفي كلام القاضي ما يدل على أنه يخلّى سبيله، ولا يتشبث به، ولست أنكر اتجاه هذا في القياس؛ فإن التشبث به من الحبس، فإن ادعى مدّعٍ استعدى عليه.
فإنا لا ندري أن ذلك القاضي حبسه بالحق أم لا، وحبس القضاة منقسم إلى حقٍّ، وظلم، وأدب، وحملٍ على تأدية حق، فيحصل مما بسطناه أن ما صار إليه الجماهير التشبث به إلى التفحص، من غير أن يرد إلى الحبس.
والذي ذكره القاضي أنه يطلق، ثم خصمه يتبعه ويستعدي عليه.
فإن فرّعنا على ما عليه الجماهير، قلنا: لو وجدنا محبوساً لا يعرف له خصماً، فكيف السبيل فيه؟ قال الأصحاب: يأمر القاضي من ينادي باسمه، ويقول: فلان بنُ فلانٍ محبوسٌ، فمن خصمه؟ فإن لم يظهر له خصم، أطلقه، إذا كان يقول: حبست بالظلم، أو كان يقول: لا أدري لم حُبست، ولا أعرف على نفسي حقاً يوجب حبسي.
ثم قال الأصحاب: ينادي عليه إلى حد الإشاعة؛ فإن النفوس تتشوف إلى الطلب إن كان طالب، ثم ذكر الأصحاب أياماً.
ولا يطاف به، وإنما يذكر اسمه على حد التعريف، وهو في ذلك لا يحبس ولا يخلَّى، بل يُنصب من يراقبه، ثم يطلق.
وهل نأخذ منه كفيلاً ببدنه احتياطاً؟ ذكر صاحب التقريب فيه وجهين: أحدهما - أن عليه إعطاء كفيل، فإن امتنع، رددناه إلى الحبس، والثاني - ليس عليه ذلك، وهو الصحيح الذي قطع به الأئمة.
ولو كان خصمه غائباً، وزعم المحبوس أنه مظلوم، ولو انتظرنا مطالبة الغائب، لطالت المدة، والمراقبةُ أخت الحبس، فهل يطلق والحالة هذه؟ ذكر بعض المصنفين في ذلك وجهين: أحدهما - أنه لا يطلق، بل يكتب إلى الموضع الذي به الخصم، حتى يحرص [على] 1 إظهار حجته، فإن قصّر، أطلقناه.
والثاني - أنه يطلق على الفور.
وإذا قلنا: لا يطلق، عنينا به أنه يراقب، فأما الرد إلى الحبس، وإدامة العذاب، فلا سبيل إليه.
وقد يرى الإنسان في مجموعات الأصحاب عبارات موهمة، ولكن ليثق بما
ذكرناه؛ فإنا لا نورد -إن شاء الله- في هذا المجموع إلا ما نتثبت فيه، ونرتبه على نَخْل كلام الأصحاب، وحذف المجازات.
12002 - فإذا انتجز نظره في ذلك تأمل أحوال الأمناء المنصوبين من جهة القاضي المصروف؛ ونظر فيهم، وفيما في أيديهم، فإن أمكنه في أثناء ذلك أن يفصل خصومة جديدة -من غير أن يتطرق إلى نظره فيما ذكرناه خللٌ- فليفعل، وإلا فالبداية بأحوال المحبوسين، وبعدها بأموال الأطقال في أيدي القُوّام والأوصياء الذين صدَرُهم عن القاضي.
وإن استخلف حيث يجوز الاستخلاف في فصل الخصومات الجديدة وتعاطى بنفسه ما ذكرناه من المُهمَّيْن فجائز.
12003 - ثم اندفع الشافعي في بيان كيفية إدخال الخصمين ورعاية الإنصاف بينهما، فنقول: لا يأذن لأحدهما دون الآخر؛ فإن ذلك يكسر قلب المحجوب، ويُغَلِّب على ظنه الميلَ إلى خصمه، وإذا دخلا عليه، وسلّما، ردّ جواب سلاميهما، وإن سلّم أحدهما، فقد أفرط بعض الأصحاب، وقال: لا يردّ جوابه، بل يسكت؛ بناء على أنه وضع السلام في غير موضعه؛ فإن القاضي في شغل شاغل، ولا ينبغي أن يُسلَّم عليه وهو كذلك.
هذا وجه.
وإن أراد قال لخصمه: سلّم، ثم يرد جواب سلاميهما، وهذا عندي سرفٌ، وإن ذكره القاضي، فإنَّ رد جواب السلام محمولٌ على ابتداء أحدهما بالسلام، وهذا مما لا يخفى ولا يُظهر ميلاً.
ثم يسوّي بينهما في المجلس ولا يرفع أحدَهما على الثاني، وإن كانا متفاضلين إذا كانا مسلمين، أو ذميين، فإن كان أحدهما مسلماً والآخر ذمياً، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن يسوّي بينهما لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا علي سوّ بين الخصمين في مجلسك ولَحْظك " ويروى " آس بين الخصمين " 1. هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني - أنه يرفع المسلم على الذمي؛ فإنه لو سوّى بينهما، كان ذلك نوعَ مهانة واستذلال، وروي أن علياً كانت له خصومة مع ذمِّي، فرفعه إلى شريح، فلما دخل عليه، قام له شريح، فقال رضي الله عنه: " هذا أول جَوْرك "، ثم أسند عليٌّ ظهره إلى الجدار، وقال: " أما أن خصمي لو كان مسلماً، لجلست بجنبه " 1.
ويسوّي القاضي بينهما في النظر، فلا يخصص أحدهما بالنظر، بل يُطرق، ولا ينظر، أو ينظر إليهما، ولا يتبسم في وجه واحد، ويتعبّس في وجه الآخر، ويجتنب على الجملة ما يشعر بتخصيصه أحدَ الخصمين بمكرمة، أو إقبال.
12004 - ثم إذا جلسا إليه، فلا بأس أن يقول: من الطالب منكما، أو من المدعي؟ فإذا ادعى المدعي، وصحّت دعواه، على ما سيأتي تصحيحُ الدعوى في كتابها، إن شاء الله، ثم هل يطلب الجواب من الخصم من غير أن يطلبه المدعي؟ فيه وجهان: أصحهما - أنه يطلب؛ فإن قرينة الحال قاطعة بأن المدعي مطالِب بالجواب، = الحديث بهذا اللفظ في مخاطبة الإمام علي رضي الله عنه لم نصل إليه، وإنما وجدناه في ذلك قوله رضي الله عنه " نهى النبي أن نضيف الخصم إلا وخصمه معه " رواه عبد الرزاق في مصنفه (15291) وإسحاق بن راهويه في مسنده (إتحاف الخيرة المهرة: 6730) والطبراني في الأوسط (3934) والبيهقي في الكبرى (10/ 137). أما اللفظ الذي ذكره الإمام فقد ورد في كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري المشهور، وفيه "وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك" رواه الدارقطني (4/ 206، 207) والبيهقي (10/ 135) وفي المعرفة (7/ 366 رقم 5873). وفي حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليسوِّ بينهم في النظر والمجلس والإشارة" وفي رواية " فليعدل في لحظه وإشارته ومقعده " رواه الدارقطني 4/ 205، وأبو يعلى (5867) و (6924) والطبراني في الكبير (23/ 284).
ولا معنى للتطويل ومعاودة المدعي.
والثاني - أنه لا يطلب الجواب ما لم يلتمس المدعي؛ فإن هذا حق المدعي، فلا يطلب دونه طلبه، ثم إذا طلب الجواب، فلا يخلو المدعى عليه أن يقرّ أو ينكر، فإن أقر، ثبت الحق إذا كان الإقرار صحيحاً، ولا حاجة بأن يقول القاضي: قضيت بإقراره - على المذهب الأصح.
وقال بعض أصحابنا: الإقرار كالبيّنة المعدَّلة، وهذا ليس بشيء؛ فإن وراء التعديل وقفات، وتوقُّع رَيْب، فلا بد من قطعها بإظهار القضاء.
وإن أنكر المدعى عليه، فالأصح أن القاضي يقول للمدعي ألك بيّنة؟ ومن أصحابنا من قال: لا يقول ذلك، فإنه من باب تلقين الحجة، وهذا ليس بشيء؛ فإن المدعي قد لا يعرف ترتيب الخصومة، ويتحيّر عن دَهَشٍ، ففي السكوت عنه إبطال حقه.
فلو قال المدعي: لا بيّنة لي حاضرة، ثم أقام بعد ذلك بيّنة، سُمعت وفاقاً.
فإن قال: لا بيّنة لي، لا غائبة، ولا حاضرة، ثم أقام بينة، فهل تسمع منه؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - لا تسمع، تمسكاً بقوله، والثاني - أنها تسمع؛ فإنه قد لا يعلم أن له بينة، ولو قال: لا بيّنة لي، فهو كما لو قال: لا بينة لي حاضرة، ولا غائبة، مع تخيل ترتيب.
ولو سكت المدعى عليه- فإن كان عن عيٍّ وحصر، روجع، وإن أصر، كان ذلك كالإنكار، وسيعود هذا في كتاب الدعوى إن شاء الله.
12005 - ثم قال الشافعي: " ولا ينبغي أن يُضيّفَ الخصم ... إلى آخره " 1.
قرىء يُضيف بضم الياء، وقرىء يَضيف بفتحها، ومعناه لا ينزل على الخصم ضيفاً، وقد ذكرنا هذا في الولائم، وبالجملة يجتنب من هذا ما يجر تهمة، أو يظهر ميلاً إلى خصم.
فصل
قال: " ولا يقبل هدية ... إلى آخره " 1.
12006 - المستحب للقاضي أن يسد باب قبول الهدايا جملة، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً في الصدقات يقال له: ابن اللُّتْبية، فرجع بسواد كثير، فكان يُخرج البعضَ، ويقول: هذا للمسلمين، ويُخرج البعضَ ويقول: هذا لي أُهدي إليّ، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما بال أقوام نستعملهم على بعض ما ولاّنا الله تعالى، فيرجع الراجع بمالٍ، ويقول: هذا لي أهدي إلي، وهذا للمسلمين، هلاّ جلس في خفش أمه، ينظر هل يهدى إليه أم لا " 2 والخفش البيت الصغير.
وقصة عمر في رِجْل الجزور معروفة 3.
ثم قال الأصحاب: ينظر إلى المُهدي، فإن كانت له خصومة، فلا يحلّ قبول الهدية منه، وعلى هذا يحمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هدايا الأمراء سحت " 4 فإن قبل، فالذي ذهب إليه الأكثرون أنه لا يملكه، وهذا معنى التحريم، ومن أصحابنا من قال: يملكه؛ فإن الهبة صدرت من مطلق، وكذلك القبول، والتحريم محمول على التعرض لللهمة بالأمر الظاهر، فالمِلْك بالإضافة إلى التحريم كالصلاة في الدار المغصوبة.
وهذا الخلاف يقرب من تردد الأصحاب في أن من دخل عليه وقت الصلاة في
السفر ومعه من الماء ما يكفيه لوضوئه، فوهبه ممن لا يحتاج إليه لسقيه، فهل يملكه؟ وقد قدمنا ذكر ذلك في كتاب الطهارة.
وإن لم يكن للمهدي خصومة، فلا يخلو: إما أن يكون من بلد ولايته، وإما ألا يكون من ولايته، فإن لم يكن من ولايته نظر: إن كان يهدي إليه قبل أن ولي؟ فقبول الهدية قريب، إذا 1 اجتمع عدم الخصومة، وأنه ليس من ولايته واعتاد الإهداء قديماً، والمستحب الامتناع، وإذا قبل، مَلَك، وإن كان لا يُهدي إليه من قبلُ ولا خصومة، وليس هو من ولايته، فيكره القبول، وإذا قبل، مَلَك.
والأَوْلى أن يُثيب، فإن لم يفعل وضع الهدية في بيت المال، وإن كان من بلد ولايته، وكان يهدي قديماً، فلا كراهية، والمستحب الامتناع.
ولا يخفى ما بعده، وإن كان لا يهدي قديماً، وهو من أهل ولايته، ولا خصومة له، اشتدت الكراهية، والذي عليه الجريان أنه لو قبل، مَلَك.
وقال القفال في بعض طرقه: إذا حرمنا قبول الهدية، وهو إذا كانت مع الخصومة، فلا يحصل الملك بالقبول.
وإذا لم يكن خصومة- ولكن كان الرجل من أهل ولايته وما كان يعتاد الإهداء، ففي حصول الملك وجهان.
هكذا قال، وإذا أجرى الوجهين قال على أحدهما: يحرم قبول الهدية لا محالة.
والطريقة المشهورة للأصحاب أن الهدية إذا لم تكن في حالة الخصومة، فهي متملكة، ولا يطلق إلا الكراهية.
وإن كانت في حالة الخصومة، قطعنا بالتحريم.
وفي حصول الملك وجهان.
فصل
قال: " وإذا حضر مسافرون ومقيمون ... إلى آخره " 2
12007 - إذا ازدحم على مجلسه مسافرون ومقيمون، فإن قلّ المسافرون وهم على