كتاب الوصايا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
متجهاً على قولنا: إن الملك يحصل (1 بموت الموصي، ويتفرع أيضاً على قولنا: الملك يحصل بالقبول 1) ولكن يتقدم على موت الموصى له، ويُجعل كأنه قبل ثم مات.
وهذا أبعد المحامل لكلام الشافعي؛ فإنه لا يكاد يفرّع على قول القبول، وإن جرى منه ذكر هذا القول، لم يزد على تزييفه، ثم إن المزني ذكر مسألة الوارث [ونبّه] 2 بعد ذكرها لما في الكلام من الاختلاف في المسألة الأولى، حيث حكم الشافعي بعتق الأولاد ولم يحكم بثبوت الاستيلاد، وقد مضى القول فيه.
7480 - ثم تكلم الأصحاب في مسألة قبول الورثة، فقالوا: إذا مات الموصى له بولده 3 مثلاً، فقام وارثه مقامه في القبول، وحكمنا بأن الولد يعتِق، فهل يرث أباه مع الوارث القابل للوصية؟ قالوا: هذا مما ينظر فيه إن كان يؤدي توريثه إلى حرمان القابل وإخراجِه عن أن يكون وارثاً، فلا يرث الولد المقبول، وإن حكمنا بنفوذ العتق وصحة القبول، وذلك مثل أن يخلّف الموصى له 4 أخاً فقبل الأخ له ولده 5، فلو ورّثنا الولد يخرج الأخ من أن يرث؛ فإن الابن يحجب الأخ عن الميراث، والمسألة فيه إذا كان الولد ابناً.
ثم إذا قدرنا حرمان الأخ وخروجَه عن كونه وارثاً، لم يصح قبوله؛ وإذا لم يصح القبول، لم يعتِق الابن، وإذا لم يعتِق، لم يرث، ففي توريثه إبطالُ توريثه.
وهذا من [الدوائر] 6 الفقهية، وسنجمع منها مسائلَ في كتاب النكاح نبيّن بها قواعدَ الدوائر الفقيهة -إن شاء الله عز وجل- وهذه المسألة منها.
7481 - وإن كان القابل لا يخرج عن كونه وارثاً، بتقدير توريث الابن المقبول،1
وذلك مثل أن يخلف الموصى له ابناً [حُرّاً] 1 فقبل الوصيةَ بالابن المملوك، فإذا عتِق، فللأصحاب وجهان في أنه هل يرث: أحدهما أنه يرث؛ لأن القابل لا يخرج عن كونه وارثاً بتوريث هذا الابن.
والوجه الثاني -وهو اختيار القفال رحمه الله- أن الابن المقبول لا يرث أيضاً في هذه الصورة؛ لأن القابل بتوريث هذا المقبول [يخرج] 2 عن أن يرث جميع المال من جهة مشاركة المقبول [في استحقاق الميراث لو ورّثناه، فلو كان كذلك، فلا يصح القبول] 3 في كل الوصية؛ [إذ لا يصح القبول في كل الوصية] 4 إلا ممن يرث كلَّ المال، ومن يرث البعض [يقبل] 5 البعض، ولا 6 سبيل إلى أن يقبل هذا الابن الذي كان رقيقاً بنفسه ليعتِق، فإن ورّثناه، لم يصح قبولُ أخيه له إلا في البعض، وإذا كان كذلك، لم يعتِق منه إلا البعض، والمعتَق بعضُه لا يرث، ففي توريثه إبطال توريثه من جهة التبعيض، وقد لاح أن هذا المقبول لا يتعاطى 7 قبول الوصية؛ فإن الوصية لأبيه، فكيف يقدر الرقيق على قبوله، فليس يتجه إذاً إلا ما ذكره 8 القفال رضي الله عنه، واختاره.
7482 - ثم قال الأئمة: من [ورَّث] 9 الابنَ المقبول، فينبغي أن يخرّج توريثه على قول الوقف، أو على قولنا يحصل الملك بموت الموصي، فيقتضي هذا أن يحصل العتق سابقاً على موت الموصى له، وهذا وإن صورناه كذلك، ففيه الإشكال الذي ذكره القفال؛ فإنا لو ورثنا ذلك الابنَ، لاحتجنا إلى فرض القبول منه، ويستحيل أن
يتقدم حصول العتق فيه على وقت قبوله، فإنه لو أقدم على القبول رقيقاً، فقبوله باطل، ولو أقدم على القبول حراً، [فقد] 1 حصل العتق دون قبوله.
وهذا كلام مضطرب، وسنأتي فيه وفي أمثاله بما يشفي الغليل في [الدوائر] 2 الفقهية من كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى.
7483 - ثم قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو أوصى بجاريةٍ، ومات، ثم وهب للجارية مائة دينار ... إلى آخره " 3.
غرضُ هذا الفصل الكلامُ في أن الزوائد التي تحصل من الموصى به بين 4 موت الموصي.
وقبول الموصى له، أو قبول ورثته فتلك الزوائد لمن؟ والمائة 5 الموهوبة كسبٌ متجدد في الحالة التي ذكرناها.
[وقد ذكرنا] 6 بيان الأكساب والزوائد وإيضاح من يملكها على أحسن وجه في الترتيب، وأوقع نظامٍ في التفريع، فلا حاجة إلى [إعادته] 7.
وقد نجز الكلامَ في [أقوال] 8 الملك في الموصى به، وأنه متى 9 يحصل، وكيف [يتشعب] 10 المذهب في تفريعاته، وتخريجات الأحكام الأربعة التي هي المعتبر 11 وإليه الرجوع.
والله ولي التوفيق، وهو [بإسعاف] 12 راجيه حقيق.
فصل
قال: " ولو أوصى له بثلث شيء بعينه، فاستُحِق ثلثاه ... إلى آخره " 1.
7484 - إذا أوصى لإنسان بثلثٍ من عبدٍ أوْ دارٍ أو غيرهما من الأعيان، وكنا نقدّر أن العبد بكماله ملكُ الموصي، وأنه خصّصَ بوصيةٍ ثلثَه، ثم تبين استحقاق ثلثيه وأن الموصي كان لا يملك منه [إلا] 2 الثلث، فإن لم يخلف سوى ذلك الثلث، وردّ الورثةُ الوصيةَ في الزائد على الثلث، فالوصية ترجع إلى ثلث الثلث لا محالة.
وإن خلف من الأموال ما يفي ثلثُها بتمام الثلث الموصى به، فالمنصوص عليه للشافعي رضي الله عنه القطعُ بأن جميع الثلث موصًى به.
وذهب بعض السلف إلى أن الوصية لا تنفذ إلا في ثلث الثلث؛ فإنّ ذكر الثلث جرى شائعاً، فكأنه أوصى بثلثٍ من كل ثلث، فإذا ثبت الاستحقاق في الثلثين، بطلت الوصية بثلثي الثلث، وهذا مذهب أبي ثور وزفر، والذي يستقيم على قياس الشافعي تنفيذ الوصية في جميع الثلث الموصى به.
وترتيب المذهب [في هذه المسألة] 3 وغيرها [من] 4 هذه الأجناس أن مَنْ كان يملك الشقص من دارٍ، فباعه، ولم يضفه إلى نفسه، مثل أن يقول: بعتك [نصف] 5 هذه الدار، وكان مالكاً لنصفها، ولم يقل: بعتك النصف الذي أملكه، فهل نحمل بيعَه المطلق على ما يملكه [أم] 6 نشُيعه في جميع الدار، حتى نجعلَه جامعاً بين بيع النصف من نصفه وبين بيع النصف من النصف الذي [له] 7؟ فيه اختلاف.
والأوجه عندنا تصحيح البيع في النصف الذي يملكه؛ فإنه باع النصفَ، وله النصفُ، [والشيوع ينافي التميز] 1، فلا حاصل لقول القائل: باع بعضَ ماله، وبعضَ ما لشريكه.
وقد ذكرنا هذا في كتاب البيع.
7485 - فإذا أوصى بجزءٍ يستحقه من عبد أوْ دارٍ، ولم يضفه إلى ملك نفسه، فإذا صححنا البيع في جميع حصته، فلا إشكال في نفوذ الوصية أيضاً في جميعها، وإن جعلناه في البيع بائعاً بعضَ ما يملك، فالوجه حمل الوصية على جميع ما يملك، من جهة أن وضع الوصية [حملُها] 2 على الصحة إذا ترددت بينها وبين الفساد؛ ولهذا قال الأئمة إذا أحضر الإنسان طبلين طبلَ حرب وطبلَ لهو، وقال: بعتك أحدَهما [فالبيع] 3 لا يُحمل على طبل الحرب، ولكن يُقضى بفساده، لما في لفظه من التردّد، وإذا أوصى بطبل من طبوله، وله طبل لهو وطبل حربٍ، فالوصية محمولةٌ على طبل الحرب؛ لتصح؛ فيجب على هذا المقتضى صرفُ الوصيةِ إلى تمام حصة الموصِي.
وذهب ابن سريج من أصحابنا إلى أن الوصية تصح في جزءٍ من حصته، وينفصل عن البيع؛ من حيث إن البيع قد يفسد كله، لتفرق الصفقة، والوصية لا تبطل لتفرق الصفقة في المقدار الذي تصح منه لو أُفرد بالوصية.
ثم حاول ابن سريج فرقاً بين مسألة الطبل وبين مسألة الشيوع، فقال: إذا أوصى بطبل من طبوله، ففي حمل وصيته على طبل اللهو إبطالُها بالكلية، مع ظهور [قصد] 4 الموصي في تصحيحها وقبولها للتردّد والورود على المجاهيل، وإذا صححنا الوصية على مذهب الإشاعة في جزءٍ من الحصة التي أطلقها الموصي، فقد
وجدت الوصية متشبثاً، مع استمرار قياس الإشاعة، فانفصل بذلك عن مسألة الطبل.
هذا منتهى الغرض في المسألة.
فصل
قال: " ولو قال: ثلث ما لي للمساكين، قُسم ثلثُه في ذلك [البلد] ... إلى آخره " 1.
7486 - قد مضى في كتاب الزكاة صدرٌ من الكلام في نقل الصدقات، وسنذكره مستقصى، إن شاء الله تعالى في قَسْم الصدقات، وغرض هذا الفصل أنا إن جوّزنا نقلَ الصدقات، فالوصية للمساكين لا تختص بمساكين [البقعة] 2 التي جرت الوصية فيها.
وإن منعنا نقلَ الصدقات الشرعية، فالوصايا المطلقة المضافة إلى موصوفين لا ينحصرون هل يجوز نقلها أم تتقيد بقيد الصدقات الشرعية؟
اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: يجب تنزيل الوصية المطلقة على موجب الزكاة، وهذا ما إليه [صغوُ] 3 معظم الأصحاب.
وقد يوجّه بأن الألفاظ التي أجريت 4 عن مستحقي الزكاة إذا جرت في ألفاظ الموصين، فهي محمولة على معانيها في الزكوات الشرعية، وهذا كذكر أبناء السبيل والرقاب وغيرها، فإذا كانت ألفاظ [الموصين محمولة] 5 على معاني ألفاظ الكتاب والسنة في أصناف الزكاة [فالألفاظ] 6 المطلقة في الوصايا ينبغي أن تتقيد بما تتقيد به
الألفاظ المطلقة في الكتاب والسنة، ثم المساكين وإن أطلقوا في الزكاة محمولون على مساكين البلدة التي بها [أمال] 1 الزكاة، فكذلك إذا قال الموصي: أوصيت بثلثي للمساكين، وجب حملهم على مساكين بلده.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب ذلك في الوصايا، فإنا إنما منعنا النقل في الزكوات لأخبارٍ وآثار وأقضية مصلحية تجري في وظائف الزكوات، فأما الوصية، فليس فيها ما يوجب منعَ النقل، والدليل عليه أنه يصح للموصي أن يصرف وصاياه قصداً إلى غير مساكين بلده، فاتباع موجَب لفظ [الموصي] 2 أولى من حمله على الزكاة.
فصل
قال: " ولو أوصى له بدارٍ، كانت له وما يثبت فيها ... إلى آخره " 3.
7487 - [أراد أن] 4 الوصية بالدار بمثابة بيع الدار، فكل ما يدخل تحت إطلاق اسم الدار في البيع، فهو داخل تحت مطلق تسمية الدار في الوصية.
وقد ذكرنا في كتاب البيع ما يندرج تحت البيع إذا سميت الدار، وأوضحنا موضع الخلاف والوفاق، وهذا لا إشكال فيه، ولكن نتكلم في مسألة وراء هذا، ونحن نذكرها، ونذكر نقيضها 5.
7488 - فإذا أوصى بدارٍ لإنسان، فانهدمت في حياة الموصي، أو انهدم بعضُها، فذلك النقض مختلفٌ فيه: فمن أصحابنا من قال: إنه 6 يخرج عن الوصية، فإن اسم
الدار [لا يتناول النقض، ولا يُستحق بالوصية إلا ما يبقى تحت اسم الدار] 1 عند قرار الوصية، كما سنوضح المعنى بقرارها.
ومن أصحابنا من قال: النقضُ موصى به؛ اعتباراً بحالة الإيصاء، واسم الدار كان متناولاً لهذه الأجزاء التي تحطمت بالانهدام، فيبقى تحت قضية اللفظ، وإنما [يتغير] 2 قرار الوصية فيما يتعلق بتغاير الأملاك، أو فيما [يشعر] 3 بالرجوع عن الوصية في حق الموصي؛ فإنه لو أوصى بحنطة ثم طحنها، فقد يكون هذا رجوعاً منه عن الوصية؛ من جهة إشعار طحنه باستعمال الطحين، وصرفه عن الاعتياد والإبقاء للموصى له، فأما انهدام الدار، فليس من هذا القبيل، وليس من الفقه تشبيه هذا بالنقض في حق [الشفيع] 4؛ فإن المبيع إذا انهدم قبل ثبوت ملك الشفيع فيه، ففي أخذه النقضَ خلافٌ قدمناه في كتاب الشفعة، وذلك الأصل ينفصل عما نحن فيه؛ فإنه لا يؤخذ من الألفاظ، والإطلاقات، وإنما [يرتبط بأصلٍ حُكمي] 5، وهو أن الشفعة لا تتعلق إلا بالثوابت.
ثم إن قلنا: نقضُ الدار 6 يبقى تحت مقتضى الوصية إذا انهدمت الدار قبل موت الموصي، فلو انهدمت بعد موته، فإن قلنا: الملك على الوقف أو يحصل بالموت، فالنقض للموصى له إذا قبل الوصية.
وإن قلنا: يحصل الملك بالقبول ففي النقض خلاف مرتب على ما إذا انهدمت الدار قبل موت الموصي، وهذه الصورة أوْلى باستحقاق النقض فيها؛ من جهة أن الموصي إذا مات، [فقد] 7 دخل وقت إمكان القبول، وهذا الآن على مضاهاة الشفعة مع بُعد الوصية عن قياس الشفعة.
هذا بيان انهدام الدار.
7489 - فأما نقيض ذلك، فلو أوصى بدارٍ، ثم زاد في بنائها، [فتغييراته بها] 1 لا تكون رجوعاً عن الوصية، بخلاف طحن الحنطة؛ فإن الحنطة تُطحن لتؤكل، والتغايير في الدار لا تشعر بمناقضة الوصية.
إذا أحدث زوائد في البناء، فقد ظهر اختلاف أصحابنا في أن تلك الزوائد هل تدخل في الوصية؟ وهذا الاختلاف يبتني على أن أجزاء الدار من الدار تنزل منزلةَ أطراف العبد من العبد أم يثبت لأجزاء البناء حكم الاستقلال؟ وفيه خلاف ذكرناه في البيع، [وأعدناه] 2 في أثناء الكتب، ونحن نحصّل القول فيه الآن مجموعاً، فنقول:
7490 - إذا باع رجل داراً، فاحترق سقفها، فمن أصحابنا من يقول: احرّاق السقف من الدار بمثابة تعيّب العبد المبيع، فإن سقطت يدُه أو تناله آفةٌ أخرى، فللمشتري الخيار، فإن فسخ، استرد الثمن، وإن أجاز، أجاز بجميع الثمن.
ومن أصحابنا من قال: احتراق السقف بمثابة تلف مبيعٍ مضمومٍ إلى مبيعٍ مع اتحاد الصفقة واشتمالها عليهما، فهو كما لو اشترى الرجل عبدين، فتلف أحدهما، فالبيع ينفسخ فيه.
والرأي الظاهر أنه يسقط قسطٌ من الثمن، كما ذكرناه في تفريق الصفقة.
ثم عبّر الفقهاء عن هذا، فقالوا: أجزاء الدار في وجهٍ كالصِفة 3 للمبيع، وفي وجهٍ هي مبيعة في أنفسها، وكل جزء متقوّم من الدار مبيع في نفسه.
فبنى الأئمةُ زيادةَ العمارة في الدار على هذه القاعدة، فقالوا: إن جعلنا أجزاء الدار كالصفات [فزيادةُ] 4 الأعيان في العمارة الجديدة بمثابة كبر الغلام الموصى به،
ونموّ الفسيل [الموصى به] 1 وجملة الزيادات المتصلة.
وإن 2 قلنا: لكل جزء من الدار حكمُ الاستقلال، فلا 3 تدخل الزيادة المحدثة في الدار تحت الوصية.
7491 - وهذا كلام مختلط عندي، والوجه القطع [بأن] 4 زيادة الأعيان لا تدخل تحت الوصية؛ فإنا لو فتحنا هذا الباب، وأقمنا الزيادة صفةً حقيقةً 5، لزمنا منه ما صار إليه أبو حنيفة 6 من أن الغاصب إذا استعمل الأعيان المغصوبة في دارٍ ابتناها على عرصته المملوكة، صارت الأعيانُ المغصوبة صفة لملك الغاصب، حتى لا تنتزع، ويُلزم 7 بدلها؛ لأنه [فوّتها] 8 على مالكها.
ثم أبو حنيفة وإن طرد هذا في الغصب، لم [يجره] 9 في الدار المشفوعة إذا زاد المشتري من أعيان ماله في بنائها، ولم يَقُل: الشفيع يأخذه؛ لأن ما زاده انقلب صفة للرَّبع المشفوع، فلا سبيل إلى اعتقاد حقيقة الصفة في الأعيان التي تزاد، ومن انتسب إلى التحقيق من أصحاب أبي حنيفة لم يعتمد في مسألة غصب الساجة 10 إلا محاذرة إلحاق الضرار بالغاصب،
ورأى وجه النظر من الجانبين ألاّ نهدم بناء الغاصب ونغرّمه قيمة الأعيان المغصوبة.
ولئن 1 تخبط أصحاب أبي حنيفة، لا يليق بمذهب الشافعي مثلُ هذا.
نعم، اشتهر الخلاف في تلف أجزاء الدار في يد البائع، وليس ذاك من جهة التردّد في أن أجزاء الدار صفاتٌ، ولكن سبب الاختلاف أن الدار بيعت جملةً واحدةً، فوقع البيع في غرض المتعاقدين على صيغة 2 مقتضاها ألا تُفردَ 3 الأجزاء بالثمن، وليست أجزاء الدار في حكم قصد المتبايعين مع عرصة الدار بمثابة عبد [مضمومٍ] 4 إلى عبد في البيع 5، ولست أعرف خلافاً أن البائع لو زاد في الدار المبيعة من أعيان ملكه قبل القبض، [فالمشتري] 6 ينزعها أو يكلف البائع نزعها.
وإذا كان كذلك، فلا يتجه أصلاً تخيّل الخلاف في أن الأعيان التي زادها الموصي تدخل تحت الوصية، ولكن ذكرتُ ما ذكره الأصحاب، وقد حكاه الصيدلاني أيضاً ثم نبهنا على تحقيق القول [فيه] 7، ولم يختلف أصحابنا في أنه لو باع سقفَ داره، أو خشبةً من السقف، وسهل [رفعها] 8، وتسليمها من غير تغير ظاهر في الأعيان التي اتصلت الخشبة بها [أن البيع جائز] 9 وما جاز إفراده بالبيع كيف ينتظم فيه كونُه صفةً على التحقيق؟
هذا منتهى القول في هذا الفصل.
[مسائل مختلفة]
1
ثم ذكر ابن الحداد وغيره مسائلَ في الوصايا مختلفة، ومتجانسة، [وأنا أرى] 2 وضعَها هاهنا، فنرسم مسائل، ونضمّن كلَّ مسألة ما يليق بها.
7492 - مسألة: إذا أوصى لرجل بعشرة دراهم، وأوصى لآخر بعشرة، وأوصى لثالثٍ بخمسة، وشرط أن نقدم صاحب الخمسة على أحدهما، وضاق الثلث عن احتمال الوصايا بجملتها، مثل أن يوصي لزيد بعشرة ولعمرٍو بعشرة وخالدٍ بخمسة، وشرط تقدّمَ خالدٍ على عمرٍو بخمسته، والثلث عشرون.
فالوجه أن نضع المسألة عريّةً عن شرط التقديم، ثم نذكر موجَب التقديم، فإذا لم يقدم [أحداً] 3 من هؤلاء الثلاثة، ولم يتسع الثلث لجميع الوصايا، فينقدح في [تخريج] 4 المسألة مسلكان قريبان تقدّما في المسائل، أو تقدم أمثالُهما: أحدهما - أن نضبط مبلغ الثلث، ومبلغ الوصايا، ثم نضيف الثلاثة بالنسبة إلى الوصايا، وننفذ 5 من كل وصية مثلَ تلك النسبة.
وبيان ذلك أن الثلث عشرون وجملة الوصايا خمسة وعشرون، فإذا أضفت عشرين إلى خمسة وعشرين، كانت العشرون أربعة أخماس الوصايا 6، فلكل واحد من مستحقي الوصية أربعةُ أخماس وصيته: لصاحب العشرة أربعة أخماسها، ولصاحب الخمسة كذلك، فيكون لصاحب كل عشرة ثمانية، ولصاحب الخمسة أربعة.
ويتجه مسلكٌ آخر، وهو مسلك التضارب، وذلك بأن ننسب الوصايا بعضها إلى
بعض، ونقدرها سهاماً على أقل [ما معنا] 1: لصاحب الخمسة على سهمٍ، وصاحب كل عشرة على [سهمين] 2، فيضربون بخمسة أسهم في عشرين سهماً، ونجري العشرين خمسة أسهم، يأخذ صاحب كل عشرة جزأين من العشرين، أو خُمسين من العشرين، ويأخذ صاحب الخمسة جزءاً، وإن أحببت، قلت: خُمساً فيؤدي إلى ما ذكرناه.
فإذا قدرنا قسمة العشرين بين هذه 3 الوصايا من غير تقديم، (7 [فنبيّن] 4 على هذا التقديمَ 5، [فنقول] 6: يأخذ صاحب الخمسة أربعةً من غير تقديم 7)، ويأخذ كل واحد من صاحبيه ثمانية، فنقدر لزيدٍ ثمانية ولعمرٍو ثمانية ولخالدٍ أربعة، ثم يأخذ خالدٌ من عمرٍو ما يكْمُل له به الخمسةُ، وهو سهمٌ، فيبقى في يد عمرٍو سبعة، وفي يد زيد ثمانية، ويكمل لخالد خمسة، ولا خفاء بهذا، ولكنه أوّل مسألة ذكرها ابن الحداد في هذا الكتاب.
7493 - مسألة: تشتمل على تفصيل القول فيمن يعتق على المريض في مرض موته، فنقول: جهات الملك في مرض الموت ثلاثة في غرض المسألة: إحداها - الإرث، فإذا ورث المريض من يعتِق عليه، يثبت الملك إرثاً، ويترتب عليه حصول العتق من رأس المال، هذا متفق عليه؛ فإنه ملك قهري حصل من غير عوض، ووقع حصوله مستحَقاً بجهة العتاقة، فلا احتساب من الثلث.
ولو اشترى المريض من يعتق عليه، واحتمل الثلثُ العتقَ عَتَق عليه، وإن لم يسع الثلثُ تمامَ القيمة عَتَق منه القدرُ الذي يسعه الثلث، ورق باقيه، وهذا متفق عليه.
والعتق ملحقٌ بالتبرعات إذا كان الملك متلقَّى من جهة الشراء والابتياع.7
ولو اتهب من يعتق عليه، أو كان أُوصي له به، ومات الموصي [وجاز] 1 قبول الوصية، فقبلها في مرضه، فهل يجب العتق من ثُلثه أم ينفذ 2 من رأس المال؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي رضي الله عنه: أحدهما - أنه من رأس المال؛ من جهة أن الملك لم يحصل بعوضٍ، فصار كالملك المستفاد إرثاً.
والثاني - أنه محسوب من الثلث؛ فإنه تملّكٌ على اختيارٍ، فإذا حصل في ملكه باختياره، ثم قُدِّر العتق، كان كما لو اتهب عبداً ثم أنشأ إعتاقه.
وهذا الوجه ركيكٌ، لا اتجاه له، والاستشهادُ بالاتهاب والإعتاق باطلٌ؛ فإنه لو ورث عبداً، ثم أعتقه، كان العتق محسوباً من ثلثه، فلا تعويل إذاً إلا على كون العتق مستحقاً، مع أنه لم يبذل عوضاً في تحصيله حتى [يعدّ] 3 بذله نقصاناً وخسراناً في المال، وإذا كان العتق مستحقاً، فلا أثر لاختيار الملك وإنما يؤثر اختيار العتق [لو كان] 4 متعلقا بالاختيار.
7494 - ثم إن 5 اشترى من يعتِق عليه بمثل قيمته، فالوجه 6 أن يحسب من الثلث، حتى لو فرض دينٌ مستغرِقٌ، [فالعتق بجملته مردودٌ] 7، على ما سنبين شرحَه في أثناء المسألة، إن شاء الله تعالى.
وإن اشترى من يعتِق عليه بأقلَّ من ثمن مثله، فإن قلت: العتق فيما يتهبه من الثلث، فلا إشكال في هذه المسألة.
[وإن] 8 فرعت على المسلك الحق، وهو أن العتق فيما يتهب من رأس المال،
فيجب أن يقال: إذا اشترى ابنَه وقيمتُه ألفٌ بخمسمائة، فنقدّر المحاباة بمثابة المستفاد على حكم الاتهاب، وإنما يتحقق التبرع في المقدار المبذول من العوض؛ من جهة أنه بذل العوض، ولم يستبدل عنه ما يبقى ملكاً.
7495 - وتمام البيان في هذا الفصل أنا حيث نقول: يعتِق على المريض ابنُه أو أبوه بجهةٍ 1، فلا كلام، وحيث لا يحكم بحصول العتق فيه، مثل أن اشترى ابنه بمثل قيمته وعليه دينٌ مستغرق، فالمذهب أن الشراء يصح 2 والابن لا يعتِق، ويسلَّم إلى جهة الديون رقيقاً.
ومن أصحابنا من قال: إذا كانت العقبى تقتضي ردَّ العتق، فلا يصح الابتياع في أصله، حتى لا يُفضي إلى أن يتصرف في ابنه الواقعِ في ملكه حسب التصرف في الأرقاء والعبيد، [والأظهر] 3 الأصح تصحيح الابتياع، والمصير إلى أنه يباع في الديون.
7496 - ومما يلتحق بهذه القضايا أنا حيث نحسب العتق من الثلث، ثم وسع 4 الثلث القيمة، [ولا] 5 مزاحمة من دَيْن؛ فإنه يعتِق ولا يرث؛ لأنه لو ورث وعتقه محسوب من الثلث، لكان العتق [مصروفاً] 6 إلى حطه 7 وصية له، والوصية للوارث مردودة، [وإذا رددناها] 8، فلا إرث 9، ففي توريثه منع توريثه، وهذا ملتحق بالدوائر الفقهية.
وحيث نحكم بأن العتق ينفذ من رأس المال، فإذا عتِق مَن 1 ملكه عتقاً مستحقاً محسوباً من رأس المال، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في أنه هل يرث: أحدهما - وهو الصحيح 2 أنه يرث؛ لأنه [لا] 3 مانع من توريثه؛ فإن عتقه لم يقع في حكم الوصايا، فهو بمثابة ما لو عتَقَ في حالة الصحة.
والوجه الثاني - أنه لا يرث، وهو اختيار الإصطخري، ولست أعرف هذا وجهاً، ولكنّ الشيخ أبا علي [استدلّ له] 4 بأن قال: العتق حصل، وفيما نحتسب جنسَ العتق فيه من الثلث، فلا نظر إلى خروج هذا العتق عن القياس.
ولا ثبات لمثل هذا الكلام؛ فإن العتق لاسمِه ولقبِه لا يعتبر من الثلث، وهو منقسم: فمنه ما يحسب من الثلث، ومنه ما لا يحتسب، فلا حاصل [تحت] 5 ما قال.
واستشهد بمسألة [فقال] 6: إذا نكحت المرأة في مرضها بدون مهر مثلها، فيصح ذلك منها، ولا يحسب من الثلث، فإنها حابت في عوض البضع، وليس البضع [ممّا يبقى] 7 للورثة، قال: فهذا فيه إذا كان الزوج بحيث لا يرثها، مثل أن يكون رقيقاً أو مسلماً، وهي كافرة 8، فأما إذا كان الزوج يرثها، فيلزمه مهرُ مثلها كَمَلاً، فكأنا قدرنا ذلك وصيةً في حق الزوج الوارث، وإن لم نقدره وصيةً في حق غيره.
هكذا ذكره الشيخ، وأطلق [جوابه] 9 في الفرق بين من يرث وبين من لا يرث.
وكان شيخي رضي الله عنه لا يفصل، ويقول: المحاباة بمهر المثل في النكاح من المريضة صحيحة مع الوارث وغير الوارث.
وهذا متجهٌ حسن 1، وسيأتي كلام في نكاح المريضة ونكاح المريض، إن شاء الله عز وجل، هذا منتهى المسألة.
7497 - مسألة: مشتملة على تفصيل القول في الوصية لمن نصفه حر ونصفه رقيق، والغرض يتعلق [بصورتين] 2: إحداهما - أن يوصي لشخص نصفه حرٌ ونصفه رقيق لغير وارثه.
والصورة الثانية - أن يكون النصف الرقيق ملكاً لوارث 3 الموصي.
فأما إذا كان الرقيق منه ملكاً لمن لا يرث الموصي، فممَّا نجدد العهدَ به قبل الغوص 4 في المسألة أن من وهب شيئاً لعبد غيره، فإن قبل العبدُ الهبة بإذن مولاه، صحت الهبة، ووقعت للمولى، وكذلك إن أوصى لعبدٍ بشيء، فقبِل الوصية بإذن السيد، فالوصية تصح، ويقع الملك في الموصى به للسيد.
فإن قبل الهبة والوصيةَ من غير إذن السيد، ففي 5 المسألة وجهان قدمناهما في مواضع: أحدهما - أن القبول باطل، ولا تصح الوصية ولا الهبة، فإنهما لو صحتا، لثبت الملك للمولى قهراً، والعبد محجورٌ عليه على حالٍ، فلا يصح منه أن يُكسب 6 مولاه مالاً بعقدٍ من غير إذنه.
والوجه الثاني - أن القبول يصح، ويثبت الملك للمولى، [إن] 7 لم يردّه، كما لو احتش العبد أو احتطب، وكما لو خالع زوجته على مالٍ؛ فإن عوض الخلع يدخل في ملك المولى قهراً.
فإذا تجدد العهد بما ذكرناه، عُدنا إلى تفصيل المسألة:
7498 - فإذا أوصى الرجل 1 لشخص نصفه حر ونصفه مملوك لأجنبي، فقبل الموصى له الوصية دون إذن المالك، ففي صحة القبول على مقابلة 2 الرق وجهان، كالوجهين فيه إذا كان عبداً قِنّاً: فإن قلنا: يصح قبول المملوك دون إذن المالك، فقد ثبتت الوصية، [ولا] 3 كلام.
[وإن] 4 قلنا: لا يصح قبوله فيما يخص الرقيق منه، فقد بطل القبول في نصف الوصية.
وهل يصح في النصف الآخر؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي: أحدهما - أنه يصح؛ فإنه لو كان عليه معترَضٌ في مقدار الرق منه، فلا [يعترض] 5 في مقدار الحرية.
والوجه الثاني - أنه لا يصح القبول في شيء؛ فإنا لو صححنا القبول، وأثبتنا ذلك القدرَ المقبولَ لمقدار الحرية منه، لم يصح ذلك؛ من قِبل أنّ كل ما يستفيده، فحقه أن ينقسم على شطريه، [واختصاصُ] 6 بعضه بالتملك على وجهٍ لا يَشيع [محالٌ] 7، فإن حصرنا، بطل الحصر، وإن أشعنا وأثبتنا البعضَ الذي صححنا القبولَ منه بينه وبين مالك رقّه، [انعكس] 8 الأمر إلى إدخال شيءٍ في ملك المالك من غير إذنه، وهذا لا ينتظم قط؛ فيجب القضاء ببطلان أصل الوصية.
7499 - ولو وَهَبَ ممّن نصفه حرّ ونصفه رقيق، وأبطلنا الهبة في نصيب المالك، فهل تصح الهبة في حصة الحرية؟ فعلى الخلاف الذي ذكرناه في الوصية، غير أن الهبة تنفصل عن الوصية في قضيةٍ 1 ظاهرة، وهي أن القبول في الهبة إذا أبطلناه لأنه لم [يصدر] 2 عن إذن المولى، فلو أذن المولى بعد تخلل الفصل وانقطاع الرابطة المرعية بين الإيجاب والقبول، فلو أذن السيد من بعدُ، فلا يصح القبول إلا أن يجدّد الواهب الهبة.
وإذا أبطلنا القبول في الوصية لعدم الإذن، ثم أذن المولى، [فجدّد العبدُ] 3 قبولاً، فيصح القبول الآن ويحصل، كأن القبول الأول لم يكن، وهذا ظاهر، والغرض أمرٌ وراء هذا، وهو أن السيد لو ردّ الوصية، فهل يفسد بردّه 4 سبيلُ القبول من بعدُ، حتى لو بدا له أن يأذن في القبول، وقد [ندم] 5 على ما قدّم من الردّ، فلا ينفذ إذنه بعد الردّ، أم كيف السبيل فيه؟ هذا مما يتعين الاعتناء 6 به، والاهتمام بفهمه.
فنقول: الهبة إذا قبلها العبد بإذن المولى، فالملك [فيها] 7 يقع للمولى من غير واسطة، ولهذا قطع الأصحاب بأن الوصية لعبدِ الوارث وصيةٌ للوارث، (8 والهبة من عبده في مرض الموت تبرع على الوارث 8) ومع هذا لو قبل السيد الهبةَ، والمخاطب عبده 9، لم تنعقد الهبة بقبول السيد، وإن كان الملك واقعاً له، لأنا نرعى في القبول8
نظماً يقتضيه الإيجاب 1 ليكون جواباً عنه، والسيد لم يخاطَب به، [فلا] 2 يقع جوابه لو وقع، ولو ردّ السيد وكان حاضراً لما وَهَب من عبده، فإن شرطنا في قبول العبد إذنَ السيد، وأبطلناه بعدم الإذن، فالردّ أبلغ من عدم الإذن، وإن صححنا قبول العبد من غير إذن المولى، فلو زجره عن القبول، فالظاهر عندي أن الهبة تصح، ويقع الملك للمولى، ويكون كما [لو نهاه] 3 السيد عن مخالعة امرأته على [مالٍ،] 4 فخالف سيدَه وخالعها، [فعوض] 5 الخلع يقع في ملك السيد قهراً وإن نهى عن الخلع زجراً، فكأن العبد في قبول الهبة على هذا القول الذي فرعنا عليه ليس محجوراً عليه، والقبول يعتمد صحة لفظه.
هذا قولنا في الهبة.
7500 - فأما في الوصية فلو قبل سيدُ العبد الوصية بعد موت الموصي بناءً على أن الملك يحصل له، [فكأنه الموصى له] 6 على التحقيق، فهذا فيه احتمال ظاهر عندي، يجوز أن يقال: لا تثبت الوصية [بقبول] 7 المولى قياساً على الهبة، ويجوز أن يقال: تثبت الوصية بقبول المولى؛ فإن قبول الوصية [يخالف في وضعه] 8 القبول في العقود، ولهذا ينفصل عن الإيصاء 9، ويقع بعد خروج الموصي عن أن يكون من أهل التصرفات، ويموتُ الموصى له فيخلفه الوارث، وهذا ينص على الغرض 10:
فإذا [كان] 1 الوارث يقبل، وليس موصىً له، فلا يبعد أن يقبل السيد وإن لم يسمَّ 2 في الوصية، نظراً إلى [مصير] 3 الملك إليه.
ثم ينبني على هذا أنا إن 4 صححنا قبولَ السيد، فيجب 5 أن يبطل ردُّ 6 العبد لو ردّ.
ولا ينبغي أن يغتر الفقيه بصورة يعارَض بها إذا قيل له: نحن وإن أقمنا الوارث مقام الموروث في قبول الوصية، فلو كان الموروث ردّ الوصية، [لبطلت] 7، وإذا مات، لم يصح قبول وارثه، فهلا قلتم: قبول السيد يصح، ولو ردّ العبد، لارتدت الوصية؟ فإن 8 الموروث لو قبل، لكان الملك له، فهو الأصل في الوصية، فترتد الوصية بردّه، بخلاف العبد، [وهذا] 9 واضحٌ لا غموض فيه.
7501 - وكل ما ذكرناه فيه إذا لم يكن بين مالك نصفه وبينه مهايأة، وكانت أعماله وأكسابه تقع 10 مشتركة.
[فأما] 11 إذا جرى بينه وبين مالك [رِقِّه] 12 مهايأة، ووقع التواضع بينهما على أن
يعمل ويكتسب في مدةٍ 1 تواضعا عليها لمالك رقه، ويكتسب في مدةٍ لنفسه، فالأكساب المعتادة كالاحتشاش، والاحتطاب، واستحقاق أجرة العمل، إذا كان الشخص صانعاً، فهذه الأكساب تدخل تحت قضية 2 المهايأة وفاقاً، وأثر دخولها تحتها أن صاحب كلِّ مدَّة يختص بما يقع فيها من كسب، فإذا كانت النوبة للشخص، اختص بأكسابه فيها اختصاص [الأحرار، وإذا كانت النوبة لمالك الرق، اختص بالأكساب فيها اختصاص] 3 المالك بأكساب عبده الخالص.
وظهر اختلاف أصحابنا في أن الاكساب [النادرة] 4 هل تدخل تحت المهايأة، وعدّوا من جملتها قبول الوصايا والهبات.
وهذا الاختلاف 5 ذكره المصنفون ولم يوضحوا مأخذه، [وأنا أتحيل] 6 لهذا الخلاف وجهين ومسلكين: أحدهما - أن قبول الهبة والوصية ليس مما يحتاج فيه إلى إعمال منفعته 7، وإنما هو لفظةٌ لا تحول بين العبد وبين جميع الأعمال التي يلابسها، والمهايأة ترد على المنافع، حتى كأنها قسمة فيها، وتصير المنفعة في كل نوبة حقَّ صاحب النوبة، كما يصير حق منفعة الشبكة لمن يستأجرها، وإذا اصطاد بها والمنفعة له، فالصيد ملكه، [فالأكساب] 8 إذاً تبعُ المنافع، وقبول الهبة والوصية لا يتعلق [ببذل] 9 منفعة، فلم يدخل في المهايأة التي وضعت لاقتسام المنافع، وإذا كان كذلك، تعيّن قسمة الموهوب على
الرق [والحريّة] 1 سواء جرت المهايأة أو لم تجر.
هذا بيان مسلك الخلاف.
ويجب أن نقول بحسبه: لو كانت الهبات غالبة في [قُطرٍ] 2، وكانت لا تعد من النوادر، فهي خارجة على الخلاف أيضاً؛ تلقِّياً [مما] 3 ذكرناه في المنافع واختصاص أثر المهايأة بها.
ويجوز أن يقال: [مأخذ] 4 الخلاف [الندور] 5 والعموم 6 كما أطلقه الأصحاب، ووجهه أن المهايأة المطلقة ترد 7 على ما يجري في العرف، فلا يمتنع أن يقول المولى، أو الشخص: إنما أوردنا المهايأة على ما يجري العرف به، وما يندر، [يبقى] 8 على حكم التقسّط والتوزّع، فعلى هذا إذا عمت الهبات في قُطرٍ، دخلت تحت المهايأة، وإنما الخلاف فيه إذا كانت الهبات والوصايا نادرة.
ويجري على هذه الطريقة تفصيلٌ آخر، وهو أنهما لو صرحا بإدراج الأكساب النادرة تحت المهايأة، لدخلت تحتها؛ فإن الخلاف [في] 9 هذا المسلك محمول على (10 أنهما وضعا المهايأة 10) على ما يجري العرف الغالب به، فإذا وقع التصريح بإدراج الأكساب النادرة، اندرجت.
وإن سلكنا المسلك الأول في اتباع المنافع وتنزيل المهايأة عليها، فلا أثر للتصريح10
بإدخال الهبات، ولو وقع التصريح كذلك، لما دخلت.
التفريع:
7502 - إن قلنا: قبول الهبات والوصايا لا تدخل تحت المهايأة، فقد مضى التفريع فيه إذا لم يكن مهايأة، فنقول: وإن جرت المهايأة، فلا أثر لجريانها في قبول الهبات والوصايا.
وإن قلنا: إنها تندرج تحت المهايأة، فالنظر إلى النوبة: فإن وقع ما يعتبر -كما سنشرحه، إن شاء الله- في نوبة الشخص، فيخلص له الموهوب والموصى به، وإن وقع في نوبة المولى [يخلص] 1 له ما وقع في نوبته، ثم الاعتبار بالإيصاء أم بقبول الوصية؟ وهذا الذي أبهمناه الآن 2.
اختلف أصحابنا في المسألة: منهم من قال: الاعتبار بالإيصاء؛ فإنه ابتداء العقد، وهو الأصل، وعليه يترتب القبول.
ومنهم من قال: الاعتبار بالموت وما بعده، كما سنشرحه، إن شاء الله تعالى؛ فإن أوان قرار الوصية يدخل بالموت.
والقائل الأول يحتج في اعتبار الإيصاء بالالتقاط، فإنا إذا جعلنا العبد من أهل الالتقاط وأدرجناه تحت المهايأة، فالاعتبار بيوم الالتقاط لا بيوم انقضاء الحول.
فإن قلنا: الاعتبار بيوم الإيصاء، فلا كلام.
وإن قلنا: الاعتبار بالموت وما بعده، فهذا يتفرع على أن الملك في الموصى به متى 3 يحصل؟ فإن قلنا: إنه يحصل بالموت إما تحقيقاً وإما تبيُّناً، فالنظر إلى اليوم الذي يقع الموت فيه.
وإن قلنا: يحصل الملك في الموصى به بالقبول، فعلى هذا القول وجهان:
أحدهما - أن العبرة بالقبول، فإنه يستعقب الملك.
والثاني - أن العبرة بالموت، وإن فرعنا على قول القبول؛ فإن الأصل في الباب
الموت، وهو 1 الذي يُثبت حقَّ القبول، ويمكِّن الموصى له منه، فليكن الاعتبار به.
قال الشيخ أبو علي: يتصل بذلك أنه لو وهب لمن نصفه حرّ ونصفه عبد في يوم سيده، وقبض في يوم نفسه، فالهبة في يوم من؟ فعلى وجهين: أحدهما - أن الموهوب يصرف إلى من وقعت الهبة 2 في يومه؛ فإن الهبة هي الأصل، وعليها يترتب الإقباض.
قال الشيخ: وهذا الاختلاف ينبني على أن عقد الهبة هل يقتضي الملك مع ثبوت الخيار للواهب في الرجوع ثم القبض يلزمه ويُتمُّه؟ أم نقول القبض يستعقب [الملك] 3 ويقتضيه وعقد الهبة لا يقتضيه؟ فيه اختلاف قولٍ قدمناه في كتاب الهبات، فإن حكمنا بأن عقد الهبة يُثبت الملك قبل الإقباض، فالاعتبار باليوم الذي وقع العقد فيه، وإن قلنا: الملك يحصل بالقبض، ففي المسألة وجهان كالوجهين المفرعين على قولنا: إن الملك في الموصى به يقع بالقبول.
وجميع ما ذكرناه فيه إذا وقعت الوصية لمن نصفه حر ونصفه رقيق لأجنبي.
7503 - فأما إذا أوصى لمن نصفه حر ونصفه مملوك لوارثه 4، فالكلام في المهايأة جرت أو لم تجر، وفي 5 أن قبول الوصايا هل يدخل تحت المهايأة؛ [قد] 6 تقدم.
ونحن نقول الآن: إن 7 تصورت المسألة بصورةٍ لو فرضت فرْضَ المالك الأجنبي، لكان الملك بكماله للمالك، فالوصية في مثل تلك الصورة مردودة في مسألتنا؛ فإنا لو صححناها، لكانت للوارث، والوصية للوارث مردودة.
وإن تصوّرت المسألة بصورة لو فرضت والمالك فيها أجنبي، لكانت الوصية 8
تقع للشخص 1 المنقسم، [فالوصية] 2 تصح بجملتها لهذا الشخص في مسألتنا.
فإن 3 اقتضى التفريع في الأجنبي قسمة الموصى به على السيد والشخص، فقد قال الشيخ أبو علي: إن انتهينا إلى ذلك، أبطلنا الوصية أيضاً؛ فإن البعض منها ينصرف إلى مالك الرق، وصرفه في مسألتنا إلى الوارث غيرُ جائز، فتبطل الوصية رأساً، واستشهد في ذلك بالإرث؛ فإن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن من نصفه حر ونصفه عبد لا يرث؛ فإن التوريث بنصفه الرقيق ممتنع، فإن فسد التوريث بالبعض، من جهة أنا لو ورّثناه بنصفه الرقيق، لصرفنا ذلك القدرَ إلى مالك الرقيق، وهذا يؤدي إلى توريث أجنبي من حميمه 4، ثم كما 5 أبطلنا الإرث أبطلناه رأساً.
وهذا الذي قاله فيه نظر.
أما الإرث، فمذهب الشافعي رضي الله عنه فيه ما ذَكَر؛ فإن الانقسام فيه متعذر، وأما الوصية، فلا يمتنع أن 6 يقال فيها: تبطل الوصية في حصة الوارث، وتصح في حصة الشخص 7؛ فإن التبعيض ليس بدعاً 8 في الوصايا؛ فإن الوصية الزائدة على الثلث تتبعض عند [ردّ] 9 الورثة.
فهذا ما أردناه.
[ويتفرع] 10 على هذا المنتهى شيء 11، وهو أن من أوصى لإنسان بوصية خارجة من الثلث، فقبل [الموصى] 12 له بعضَها، وردّ بعضها، فيجوز أن يقال:
يصح ذلك، ويجوز أن يقال: لا يصح.
ووجه المنع تشبيه قبول الوصية بالقبول في الهبة، ولو قبل الموهوب له الهبة في بعض ما وهب منه (1 لم يصح القبول 1) في شيء، ومن فرق تمسك بما أشرنا إليه من الفرق بين قبول الوصايا وبين القبول في الهبة وغيرها من العقود.
وسنذكر أن الموصى له إذا مات قبل القبول، وخلّف ذرية، فقبل بعضهم وردّ بعضهم، فالقبول قد يثبت في حق من قبل، وإن تضمن تبعيضاً في الوصية.
7504 - ومما ذكره الشيخ أبو علي في خاتمة المسألة أن الرجل لو قال [لمن] 2 نصفه حر ونصفه عبد: أوصيت لنصفك الحر، فكيف السبيل في ذلك؟ قال: قال القفال: هذه الوصية باطلة في كل مسلك؛ فإن الإيجاب لا يجوز توجيهه على نصف الشخص.
وذكر الشيخ أبو علي وجهاً أن الوصية تصح وإن توجهت على بعض الشخص، وطرد هذا الوجهَ في الهبة أيضاً إذا وُجّهت على البعض.
وكشْفُ القول في هذا أن نقول: إن حكمنا بأن الهبة والوصية لا تدخل تحت المهايأة، وأنهما يقعان على الاشتراك لا محالة، وإن جرت مهايأة، فتخصيص الوصية والهبة بالبعض الحر 3 على خلاف موجَب [التبرّع] 4، فتبطل، وإن لم يتعد وقوع [التبرّع] 5 بالوصية والهبة لهذا الشخص بحكم المهايأة.
فإذا وقع التوجيه على النصف الحر، نظر: فإن لم يكن مهايأة، بطلت أيضاً؛ فإن مقتضى الحال ألا 6 تختص الهبة والوصية.
وإن كان [ثَمَّ] 7 مهايأة، فإن وقع ذلك في نوبة السيد، بطلت أيضاً، فإن هذا1
على مناقضة الواجب.
وإن وقع هذا في نوبة العبد، والتفريع على أن التبرع يقع 1 له لو خُوطب به كله، فإذا خوطب به نصفه الحر، ففي صحة ذلك وجهان: أحدهما - الفساد لاختلال اللفظ والمعنى، أما اللفظ فبيّنٌ، وأما المعنى، فلا يتصور أن يتّهب نصفٌ، وهذا الشخص في نوبته يتهب بنصفيه، ولكن نصفه الرقيق في نوبته عوضٌ عن نصفه الحر في يوم سيده.
والوجه الثاني - أن الهبة تصح؛ فإن [قرار] 2 الملك بالحرية، وهي متبعضة بمخاطبة الجزء الحُرّ [منه] 3 مخاطبة للمالك؛ فإنّ النصف الرقيق منه لا يملك لنفسه.
وللمسألة الآن التفاتٌ في الوصية على ما إذا قبل الموصى له بعضَ الوصية، وليست المسألة كتلك 4؛ فإن ما ذكرناه يجري في الوصية والهبة، وتبعيض القبول يختص بالوصية؛ فإن من قال لشخص 5: وهبت منك هذا العبد، فقال المخاطب: قبلتُ الهبةَ في نصفه، لم يصح وفاقاً.
وقد نجزت المسألة، ولم نغادر ما تمس الحاجة إلى ذكره، إن شاء الله تعالى.
7505 - مسألة: السيد إذا أوصى لعبده القنِّ بثلث ماله، فإن نص على إدخال ثلث [رقبته] 6 في الوصية، دخل فيها، وإذا قبل الوصية عَتَق ثلثُه ولا يسري العتق، وهذا أصلٌ جارٍ في العتق الوارد 7 على بعض العبد بعدَ موت الموصي بالعتق؛ فإن العتق = ألا تختص الهبة والوصية، وإن وقع ذلك في نوبة السيد، بطلت أيضاً، فإن هذا على مناقضة الواجب.
وإن وقع في نوبة العبد، فإن كان ثم مهايأة، فإن وقع ذلك العبد والتفريع.
إنما يسري على موسرٍ، والميت معسر وإن خلَّف وَفْراً كثيراً، ومالاً جمّاً، ولا 1 يجوز صرف الثلث إلى رقبته بالكلية، وإن وفّى الثلث بقيمته وزاد؛ لأنه أوصى له بثلث ماله، فيستحق الثلث في كل صنف على مقتضى الوصية، ولا يجوز صرف حصتِه 2 من جميع الأصناف إلى رقبته؛ فإن ذلك لو قدرناه، لكان مخالفاً لصيغة الوصية، فيعتِق إذاً [منه] 3 ثلثه، وتبقى الوصية له، وبعضه حر وبعضه رقيق للورثة [فما يقابل] 4 الرقيق منه تبطل الوصية فيه.
وفي بطلان الوصية فيما يقابل الجزء الحر منه ما قدمناه في المسألة المتقدمة على هذه 5، واختيار 6 الشيخ القطعُ ببطلان الوصية فيما يقابل الحرية [تخريجاً] 7 لذلك على منع توريث من بعضه حر، وقد أوضحنا وجه الاحتمال، وطريقَ الفرق بين الميراث وبين الوصية.
7506 - [ومما] 8 يتعلق بما نحن فيه أن من أوصى بأن يُعتَق عبدٌ عينه من عبيده، ووفَّى الثلث به، فالوصية تنفذ، ولا حاجة إلى قبول العبد؛ فإن الغالب في العتق حق الله تعالى، والعبد المعين لا يملك إبطال حق الله، فلا حاجة إلى قبوله؛ إذ لا ترتدّ الوصية بردّه.
ولو قال: أوصيت لعبدي هذا برقبته، فمآل هذه الوصية أن [يَعتِق] 9، فهل يُشترط قبول العبد؛ فإنّ سبيل حصول العتق في هذه الجهة أن يملك العبد رقبته ويعتِق؛ هذا فيه تردّد تلقيتُه من فحوى كلام الأئمة؛ فيظهر أن نقول: لا حاجة إلى
قبوله، لما ذكرناه من أن مقصود هذه الوصية إعتاقُه، فصار 1 كما لو أوصى بأن يُعتق.
ولا يمتنع أن يقال: الوصية تتوقف على قبوله، وهذا الوجه أفقه، ووجهه أنه لم يوصِ بتحصيلِ العتق، ولكنه أوصى لعبده بملك رقبته، فليس العتق في مقصود الوصية مطلوباً للموصي على جزمٍ، وكأنه قال: "إن اختار عبدي قبولَ الوصية عَتَقَ بالوصية"، وإن لم [يقيّد] 2 باختيار القابل؛ فهي في وضعها مقيدةٌ بذلك شرعاً.
وهذا التردد الذي ذكرته يجري في الوصية للعبد بثلث المال، مع التصريح بإدخال رقبته في الوصية، فيجوز أن نقول: يعتق ثُلثه من غير قبول؛ فإن الوصية في رقبته عتاقةٌ محضة، ويجوز أن نقول: لا بد من قبوله، وإن ردّ الوصيةَ، ارتدت وكان رقيقاً للورثة.
وكل ما ذكرناه فيه إذا أوصى لعبده بثلث ماله، وصرح بإدخال ثلث رقبته في الوصية.
7507 - فأما إذا أطلق الوصية له بثلث ماله، ولم يتعرض لإدراج رقبته تحت مقتضى وصيته، فقد اختلف أصحابنا في المسألة، فذهب بعضهم إلى أن ثلث رقبته يدخل في الوصية، وهذا اختيار ابن الحداد، ووجهه أن اسم المال يتناول رقبة العبد؛ فإنه من ماله، فأشبه ما لو صرّح بإدخال رقبته في الوصية، وقد تقدم بيان المذهب فيه 3.
ومن أصحابنا من قال: لا تدخل رقبته في الوصية؛ فإن المخاطب لا يدخل فيما هذا سبيله تحت الخطاب، فإذا قال: أوصيت لك 4، اقتضى ذلك أن يكون الموصى به غيرَ الموصى له، وهذا في إطلاقه يمنع دخوله تحت الموصى به، وهو كما لو قال لوصيّه: اصرف ثلث مالي إلى الفقراء، فلو كان الوصي 5 فقيراً، لم يجز له أن يأخذ من الثلث شيئاً.
ومن نصر الوجهَ 1 الأول، انفصل عن هذه المسألة بأن قال: الصرف يقتضي إقباضاً من الوصيّ 2، وقبضاً من الآخذ، وذلك لا يتأتى من الوصي في حق نفسه، والوصية بالملك لا تقتضي قبضاً وإقباضاً.
فإن قلنا: يدخل ثلث العبد تحت الوصية المطلقة، عَتَقَ الثلث منه، فكان الكلام في باقي [العبد] 3 على ما تقدم.
وإن قلنا: لا يدخل ثلثه في الوصية، فلا يعتِق شيء منه، وإذا لم يعتق، وقعت الوصية بكمالها للورثة، فبطلت.
7508 - مسألة: إذا كان بين رجلين عبدان مشتركان لكل واحدٍ [منهما] 4 النصفُ من كل عبد، وقيمة كل عبدٍ ألفُ درهم، فأعتق أحد الشريكين في مرضه نصيبه من العبدين، وكان ثلث مال هذا المريض ألفا وخَمسَمائة، فقد استوفى بالإعتاق من ثلثه ألفاً، وبقي إلى تمام الثلث خَمسمائة، ومحل تصرفه ثلثُه، وهو في مقدار ثلثه موسرٌ في تبرعاته، فلا بدّ من تسرية عتقه في مقدار خمسمائة، ولا مزيد؛ فإنه فيما وراء الثلث معسرٌ، وعتْق المعسر لا يسري، فإذا ثبت ذلك، فكيف يسري هذا 5 المقدار؟ أنفضُّه على العبدين أم نُقرع بينهما، ويحصل تمام العتق لأحدهما؟
قال ابن الحداد: نَفُضّ العتق على العبدين، ولا نقرع.
وقال في مسألةٍ تُداني هذه بالإقراع.
وصورتها كما ذكرناها، غيرَ أنه لم [ينجز] 6 الإعتاق في مرضه، بل أوصى بإعتاق
نصيبه من العبدين بعد موته [وأوصى] 1 بتكميل [العتق] 2 فيهما، وردّ الورثة الزائد على الثلث، فيعتِق نصيبه، ويسري مقدارُ خمسمائة، ثم قال في هذه الصورة: نقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، [نكمل العتق فيه، وقد تم الثلث، فيعتق عبدٌ كامل، ويعتق النصف] 3 تنجيزاً من الثاني.
فاختلف أصحابنا في المسألتين: فمنهم من قال: لا فرق بينهما، وفيهما جميعاً وجهان: أحدهما - أنا نفضُّ السراية إلى تمام الثلث عليهما؛ لأن المقتضي للسراية قد تحقق فيهما جميعاً، فليس أحدهما أولى بسراية العتق فيه من الثاني.
والثاني - أنا نقرع بينهما؛ فإن مذهب الشافعي رضي الله عنه جميعُ 4 العتق بالقرعة، وسراية العتق لا تزيد على إنشاء العتق، ولو أعتق ثلاثة أعبدٍ لا مال له غيرهم؛ فإنا نردّ بالقرعة العتقَ إلى واحدٍ، إذا استوت قيمتهم، ونعتق واحداً، ونرق اثنين، وإن كان ذلك مخالفاً لقصده، وقد أثبت لكل واحد منهم حقّاً في العتاقة 5، فلم نعتبر قصدَه، وحكّمنا القرعة، فلتكن السراية بهذه المثابة.
ومن أصحابنا من أجرى المسألتين على جوابي ابن الحداد فيهما، فقال في إنشاء العتق في النصيبين: نفضّ السراية إلى تمام الثلث على العبدين، ونقرع في مسألة الوصية بالإعتاق والتكميل، والفرق عند هذا القائل بين المسألتين أنه إذا أعتق نصيبه من العبدين، فليس له في تكميل العتاقة قصدٌ [وإنما] 6 السراية حكمٌ ينفذ عليه، وإن لم يُردْه، فليس أحدُ العبدين أوْلى به من الثاني، وإذا أوصى بإعتاق نصيبه من العبدين، وأوصى بالتكميل، فقد ظهر قصدُه في تكميل العتاقة، ولم يمكن ذلك في
العبدين إذا ردّ الورثة الزائد على الثلث، [فكان] 1 التكميل في أحدهما [قريباً من] 2 مقصوده، ولم يوجد من المعتِق في المرض ذلك القصد.
وهذا ضعيفٌ، لا ثبات له، ولا يتجه على مذهب الشافعي رضي الله عنه إلا التوصل إلى إكمال العتق في أحدهما بطريق القرعة في الصورتين جميعاً.
قال الشيخ رضي الله عنه: لو قال المريض في الصورة التي صورناها: أعتقت العبدين، وعبر عن إعتاقهما جميعاً، فالوجه تنزيل هذه المسألة على حكم مسألة الوصية؛ فإنه لما أعتقهما، ظهر قصدُه في طلب كمال الحرية، فكانت هذه الصورة 3 بمثابة ما لو أوصى بتكميل العتق فيهما، ولو كان ثلثه بحيث لا يفي بتكميل العتق في أحد العبدين.
ولو صرفنا تمام ثلثه إلى أحدهما، لم يكمل عتقه، فيجوز أن يقال: إذا تصورت مسألة الوصية بهذه الصورة، فالعتق إلى تمام الثلث [مفضوضٌ] 4 على العبدين؛ فإنا لا نستفيد بتخصيص العتق بأحدهما إكمالَ [إعتاقه] 5.
هذا منتهى القول في ذلك.
7509 - ومن تمام البيان فيه أنا لما صوّرنا المسألة في الوصية، وأردنا تصوير السراية، لم نجد إليها سبيلاً؛ فإن العتق الوارد بعد الموت على بعض العبد لا يسري على الميت قط، لما حكمنا به من أن الميت بمثابة الحي المعسر.
ومن لطيف القول في ذلك أن الثلث محلّ تصرف الميت في [مرضه] 6 وبعد
موته، وقد يتخيل [الفطن] 1 [تسرية] 2 العتق إلى تمام ثُلثه، وليس الأمر كذلك؛ فإنه [لو] 3 لم يوصِ ولم يتبرع، لكان ثُلثه لورثته، فإنما يكون الثلث محلاً لتبرعاته إذا أنشأها؛ فإذا لم يوجد منه إنشاء تبرع، فباقي ثلثه ملكُ ورثته.
وهذا حسنٌ بالغ.
7510 - مسألة: إذا ملك ثلاثة أعبد قيمة كل واحد ألف، ولا مال له سواهم، ْوقال: أعتقوا بعد موتي من كل عبد نصفَه، فقد زادت الوصية على الثلث، فإن أجازها الورثة، نفذت، وإن ردّوها، رُدّت الوصية إلى مقدار [نصفي] 4 عبدين، ويتميز ذلك بالقرعة، فنقرع 5 بينهم، كما سيأتي تفصيل القرعة في كتاب العتق إن شاء الله عز وجل، فإذا خرجت قرعة الحرية على واحدٍ، عتق نصفه ورق باقيه، فإذا خرجت قرعةٌ أخرى على عبد آخر، عَتَق نصفُه ورق باقيه، ورق العبد الثالث بكماله.
وهذا الذي ذكرناه يستند إلى أصلين: أحدهما - أن العتق الوارد على بعض العبد لا يسري على 6 الميت، هذا أصلٌ متفق عليه، كما [تكرر] 7 تقريره وتعليله.
والأصل الثاني - أنا لا نجمع نصفي عبد [من] 8 عبد، حتى نعتق عبداً كاملاً، ونرق [عبدين] 9 والسبب فيه أنه لم يتعرض لطلب إكمال العتق، حتى يتوصل إلى ذلك، ولو في عبد واحد، وليس كما إذا قال: أعتقوا العبيد الثلاثة، فإنا نعتق واحداً، ونرق اثنين إذا استوت قيمتهم.
ولو أعتق في مرض 1 موته أنصاف هؤلاء العبيد الثلاثة، ثم مات من مرضه، لا مال له غيرُهم، قال الأئمة: نقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رِقّ، فنُعتق منه عبداً كاملاً، ونرق عبدين، ولا نظر إلى ذكره 2 الأنصاف 3؛ فإن المالك إذا ذكر العتق في البعض، كان كما لو وجه العتق على كمال العبد.
ولو أعتق العبيد الثلاثة تنجيزاً، ورُدت الوصايا إلى الثلث؛ فإنا نعتق واحداً، ونرق اثنين، وليس كذلك إذا أوصى بإعتاق أنصاف العبيد بعد موته؛ فإن الإعتاق في الأنصاف مضاف إلى وقت لا يتصور سريان العتق فيه، ولا [يتعدّى] 4 ما وراء الثلث إلى ملك من يقع العتق عنه.
والقول الوجيز فيه: أن إنشاء العتق من المريض في البعض بمثابة تنجيز العتق في الكل.
هكذا ذكره الشيخ، وهو متَّضح، ولم أر فيما ذكره خلافاً للأصحاب.
ولو كان له عبدان لا مال له سواهما، فقال: أعتقوا من هذا نصفه، ومن هذا ثلثه بعد موتي، وقيمة كل عبد ألف، فقد زاد على الثلث، فنقرع بين العبدين، فإن خرجت القرعة على صاحب النصف، عتق نصفه، وعتق من الآخر سدسه، وقد تم الثلث.
وإن خرجت القرعة على صاحب الثلث عتق ثلثه، وعتق من صاحب النصف ثلثه، وقد تم الثلث.
ولو قال في مرض موته: أعتقت من هذا نصفه، ومن هذا ثلثه، فهو كما لو قال: أعتقتكما؛ فإن العبارة عن الثلث في حق المريض بمثابة توجيه العتق على الجميع، ولو قال: أعتقتكما، أقرعنا سهماً، فمن خرجت قرعته، عتق فيه ثلثاه، ورق ثلثه، ورقّ العبد الآخر بكماله.
7511 - مسألة: إذا أوصى لرجل ببعض عبدٍ، والعبدُ ممن لا يعتق على الموصى له، ولكن كان بحيث 1 يعتِق على وارثه، فلو مات الموصي، ثم مات الموصى له قبل قبول الوصية، فالوارث بالخيار، إن شاء قبل الوصية، وإن شاء ردّها، فإن قبلها عَتَقَ عليه ذلك الجزء الموصى به، وهل يسري العتق إلى الباقي إذا كان الوارث القابل موسراً؟ هذا يستند إلى أصلٍ سيأتي استقصاؤه في كتاب العتق -إن شاء الله تعالى- وهو أن من ورث في صحته نصفاً من ابنه، وعتَقَ عليه، لم يسر العتق إلى الباقي وإن كان الوارث موسراً؛ لأنه لم يتسبَّب إلى تحصيل الملك في المقدار الذي عتق عليه، فيبعد أن يلزمَه غرمٌ في الباقي، وإذا بعُد تغريمه، امتنعت السراية؛ فإنها من غير غُرم محال.
ولو اشترى النصفَ ممن يعتق عليه، وجرى القضاء بنفوذ العتق فيه، فالعتق يسري إلى باقيه إن كان المشتري ذا وفاءٍ بقيمة الباقي، والسبب فيه أنه أقدم على تحصيل الملك [قصداً بمسلك وُضِعَ لجلب] 2 الملك مباشرة من غير تخلل واسطة.
ولو اشترى المكاتب ابنَ سيده، ثم عجز عن أداء النجوم، فردّه مولاه إلى الرق، فلا شك [أن] 3 ابن السيد يعتِق عليه لدخوله في ملكه، فلو كان اشترى المكاتَب نصفَ ابن سيده، ثم جرى التعجيز، والإرقاق وعَتَق عليه ذلك النصف، فهل يسري العتق إلى باقيه؛ فعلى وجهين: أحدهما - يسري؛ لأن سبب الملك إرقاق المكاتب ورده قِنّاً، وذلك جرى باختيار السيد، فأشبه ما لو اشترى النصف من ابنه.
والوجه الثاني - أن العتق لا يسري؛ فإن الملك في بعض الولد ليس مقصوداً في عينه، وإنما جرى القصد في الإرقاق، ثم ترتب عليه انقلاب أكساب المكاتب إليه، ولهذا نظائر ستأتي مشروحة -إن شاء الله- فيما نذكره 4، وهو:
7512 - مسألة ابن الحداد: من أوصى لإنسان بنصف عبد، وكان ذلك العبد ممن يعتِق على وارث الموصى له، فمات الموصي، ومات الموصى له، وقَبِل الوارثُ الوصية، فهذا يخرّج على أن وارث الموصى له إذا قبل الوصية، فالملك يحصل للموصى له، ثم ينتقل إرثاً إلى الوارث، أم يحصل الملك للوارث ابتداء؟ وقد ذكرنا تقرير ذلك على أبلغ وجه في البيان.
فإن فرعنا على الأصح وهو أن الملك يحصل للموصى له، ثم ينتقل إرثاً إلى الوارث، فإذا نفذ العتق في ذلك المقدار الموصى به، فهل يسري؟ فعلى الوجهين المقدمين؛ فإنه قد قصد واختار، ولكن لم يقع الملك له من غير واسطة، بل تضمّن قبولُه تحصيلَ الملك للموصى 1 له، ثم ترتب عليه انتقالُ الملك إليه، فالتحق هذا بمسألة المكاتب وما في معناها.
وهذه المسائل تدار على ثلاث صور: إحداها - ألا يكون لمن يعتِق عليه اختيار أصلاً، فإذا جرى مثل هذا في البعض وعتِق، لم يسر.
والصورة الثانية - أن يختار مباشرة التملك، كما إذا ابتاع البعضَ من [ولده] 2 أو اتهب، فإذا عتِق عليه، سرى إذا كان موسراً.
والصورة الثالثة - أن يختار سبباً يُفضي إلى حصول الملك بواسطة، فإذا حصل العتق، ففي السريان وجهان.
وإن قلنا: وارث الموصى له يملك الموصى به من غير تقدير إرث، فهذا يلتحق بما إذا اتهب البعض من [ولده] 3 أو اشتراه.
7513 - مسألة: إذا قال: أعتقوا فلانة بعد موتي، أو قال: إذا مت، فهي حرة، وكانت حاملاً ولم يستثنِ حملَها، ولا تعرض له، فإذا أعتقت الجارية بعد موته، والحملُ جنين، قال الشيخ أبو علي: يسري العتق إلى الحمل إذا وسع الثلث.
فإن قيل: لو أوصى بإعتاق قسط من عبده، نفذ 1 العتق فيه، ولم يسر، مع أن وضع العتق على السريان، ولو أعتق أحدُ الشريكين نصيبَه من عبدٍ مشترك، وكان موسراً، نفذ العتق إلى نصيب صاحبه، ولو كانت الجارية الحامل ملكاً لزيد وكان حملها ملكاً لآخر، [فإن] 2 فرضت الوصية بالجارية لزيد وبحملها لعمرٍو، فإن أعتق [مالك] 3 الجاريةِ [الجاريةَ] 4 لم يسر العتقُ إلى الولد.
فإذا كان لا يسري العتق في البعض في حق الميت إلى باقي العبد، مع أن العتق يسري إلى ملك الغير، فكيف يسري العتق من الأم إلى الحمل، مع أن عتق الأم لا يسري إلى الولد المجتنّ في البطن؟ أجاب الشيخ عن هذا، [بأن] 5 قال: العتق لا ينفذ في الحمل على مذهب السريان، ولكن اسم الجارية يتناول التي سماها مع جنينها، ولهذا يشتمل البيع الوارد على الأم الحامل على حملها.
هذا قول الشيخ، وقد قدمت لبعض الأصحاب أن الوصية بالجارية مطلقاً لا تتضمن الوصية بحملها 6، وإذا كان كذلك، فيخرج من هذا أن الوصية بإعتاق الجارية يجوز ألا يتناول ولدَها، وقد بطل 7 السريان على الميت، فينتظم منه أن العتق لا يتعدى إلى 8 الحمل، وهذا متجه، وإن قطع الشيخ بما ذكرناه.
7514 - ولو كانت الجارية حاملاً، وقال: أعتقوا عيْنَ 9 هذه دون حملها، فاستثنى الحملَ مصرحاً [ناصّاً] 10 فإذا أعتقت الجارية، فهل يعتِق ولدُها؟ ذكر الشيخ
أبو علي وجهين في هذه الصورة: أحدهما - أنه لا يعتِق ولدُها، وهو المذهب المبتوت الذي يبعد عن القياس غيرُه؛ فإنا إن قلنا في صورة الإطلاق: يعتِق الولدُ لاشتمال الاسم على الحمل، فهذا لا يتحقق مع التصريح باستثناء الحمل، وقد ذكرنا أن السريان لا سبيل إلى الحكم به في حق الميت.
والوجه الثاني - أن الولد يعتِق، وإن استثناه إذا اتسع الثلث، كما سنصف التفصيل فيه -إن شاء الله- ووجهه أن الحمل بمثابة عضو من الأم في قواعدَ، أَوْلاها بذلك العتقُ، لما له من السلطان، فاستثناؤه ينزل منزلة استثناء عضو منها، بعد توجيه العتق عليها، مثل أن يقول: أعتقت هذه إلا يدها.
ولو قال لجاريته الحامل بولد رقيق في مرض موته: أنت أو حملُك حر، فردّد العتقَ بين الأم وبين الولد، قال الأئمة: نقرع بعد موته بين الحمل وبين الأم؛ فإن خرجت القرعة على الحمل عتَق واقتصر العتق عليه؛ فإن المذهب الأصح الذي نقله المعتبرون أن العتق لا يسري من الحمل إلى الأم بخلاف الأعضاء؛ فإن المالك لو وجه العتقَ على عضو من مملوكه، عتق المملوك، كما سيأتي مشروحاً في كتاب الطلاق، إن شاء الله تعالى - فإن خرجت القرعة على الأم عَتَقت.
والمسألة مفروضة فيه إذا كان الثلث يسع الأم والولدَ جميعاً معاً، فإذا عتقت والثلث يتسع 1، فهل يعتق الحمل؟ فعلى الوجهين اللذين ذكرناهما فيه إذا أوصى بإعتاق الأم واستثنى الولد، وذلك أن ترديد العتق بين الأم والولد يتضمن ألا يجمع العتق فيهما.
فإن قلنا: الحمل لا يعتق، فوجهه اتباع قول المريض، وإن قلنا: إنه يعتق، فوجهه تنزيله 2 منزلة عضوٍ من الأم في العتق الغالب، وهذا يقتضي أن يسري العتق من الحمل إذا وجه عليه إلى الأم، كما ينفذ العتق الموجه على طرف من أطراف المملوك، ولم يصر أحدٌ من أئمة المذهب إلى ذلك، إلا الشيخ أبو بكر الطوسي 3
رحمه الله [فإنه] 1 قال: يسري العتق من الحمل إلى الأم.
وهذا فيه ضعفٌ؛ فإن انفراد الحمل بالحرية ليس بدعاً، والأمَةُ الرقيقة قد تَعْلق بولدٍ حر، وإنما يجب الحكم بنفوذ العتق إذا وُجّه على طرفٍ؛ لأنه لا يتصف 2 بالعتق، ففي ترك التسرية 3 تعطيل العتق، والحمل يعتق، وليس جزءاً شائعاً من الأصل.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الثلث يسع الأمَّ والحمل.
7515 - فأما إذا خرجت القرعة على الأم واحتملها 4 الثلث وحدها، ولم [يحتمل] 5 حَمْلها، فإن قلنا: إن الحمل لا يعتِق إذا اتسع 6 الثلث واحتملها، فلا إشكال، فيقتصر العتق على الأم، وإن قلنا: العتق يسري إلى الولد [إذا اتّسع] 7 الثلث وإن استثناه صريحاً، ففي هذه الصورة وقد ضاق الثلث وجهان: أحدهما - أنا نعتق من الجارية مع الحمل ما يسعه الثلث، فيعتق منها مقدارٌ، ومن حملها مقدار، بحيث لا يزيد المقداران على الثلث، وذلك بأن نقوّمها حاملاً، ثم نرِق منها ومن ولدها ما يزيد على الثلث.
والوجه الثاني - أن الأم تعتق دون الحمل، وإن كنا نرى التسرية إلى الحمل، فنضطر 8 هاهنا إلى ترك التسرية؛ فإن الحمل يقع وراء الثلث، ولا يتعدى تبرع = الحياة وكراهية الدخول على السلاطين، تفقه به جماعة منهم الأستاذ أبو القاسم القشيري، نقل عنه الرافعي في الإجارة، بهذا اللقب، فقال: "وعن الشيخ أبي بكر الطوسي" ونقل عنه في الجنايات، وفي القصاص.
توفي بنوقان في 420 هـ أربعمائة وعشرين للهجرة.
(ر.
طبقات الفقهاء: 132، وطبقات السبكي: 4/ 121، وطبقات الإسنوي: 2/ 157).