كتاب الحدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
خلاف، ولو كان لا يزوِّج، واختلف أصحابنا في أن المولى المعتِق هل يرث الحد؛ تفريعاً على هذا الوجه، كما تنتهي إليه ولاية التزويج؟ فمنهم من قال: هو من الورثة، ومنهم من قال: يختص إرث الحد بعصبات النسب.
هذا وجه في التوريث مفروض فيه إذا استقر استحقاق الحد، ثم مات المستحق.
ولو قذف قاذف ميتاً كان محصناً في حياته، استوجب الحدّ، وورثته يطلبون الحد على الترتيب الذي ذكرناه، والعجب أن أبا حنيفة 1 أثبت لهم الطلب في هذه الصورة، وقال: لو وجب الحد، ثم مات المقذوف، لم يكن لورثته الطلب.
ومن غريب ما حكاه الشيخ في شرح التلخيص أن من أصحابنا من أجرى القصاص مجرى حد القذف، حتى يخرّج فيه الوجوه التي ذكرناها فيمن يرثه ويرث طلبه، وهذا غريب جداً.
ثم إذا قُذف الإنسانُ بعد موته، وقلنا: حد القذف لو ثبت في الحياة، لم يختص بإرثه أهلُ القرابة، بل يثبت للزوج والزوجة، فإذا كان القذف بعد الموت، فهل يستحق الطلب للزوج والزوجة؟ فعلى هذا الوجه وجهان: أحدهما - يثبت لهما، كما لو استقر الحد في الحياة، ثم مات المقذوف.
والثاني - أنه لا يثبت؛ لأن القذف أنشىء والزوجية منتهية، وهذا لا فقه له؛ فإن الزوجية لا 2 تنتهي بموت المورث، فلو صح هذا الاعتبار، لوجب القطع بأن الزوج لا يرث أصلاً شيئاً.
ومما يتعلق بذلك أنه إذا قُذفت أمتُه وأثبتنا 3 لها حق طلب التعزير، فلو ماتت، فهل للسيد طلبه بعد موتها، كما للوارث ذلك في حق موروثه؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يثبت ذلك؛ إذ لا وراثة بين السيد والعبد، وسلطانه إلى بقاء ملكه، والموت يخرج العبد عن كونه مالاً.
والوجه الثاني - أنه يقوم مقامَه في الطلب، لما
بينهما من الاختصاص؛ فإنه يلتزم تجهيزهَ وتعيينَ مدْفنه 1، ويخلفه فيما يتصور الخلافة فيه عن رقيق.
وهذا نجاز هذا الفصل.
11084 - فأما القول في تعدد القذف والمقذوف فنقول: إذا قذف شخصاً مرتين بزنيتين، فإن لم يتخلل استيفاء حدٍّ، لم يلتزم إلا حداً واحداً؛ فإن حُد للقذف الأول، فنسبَ المقذوفَ إلى زَنْيةٍ أخرى، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه لا يلتزم حداً آخر؛ فإنه قد كذب في حقه بحدٍّ، فكفى ذلك، ولا أثر لتعديد الزنيات في الذِّكر، ولكن يستوجب بتجديد الأذى تعزيراً.
والقول الثاني - وهو الأصح أنه يحد مرة أخرى لتجدد الخبر والمخبَر عنه، وإظهار كذبه في 2 القذف الأول لا يتضمن تكذيبَه في الثاني.
نعم، لو أعاد ذلك القذف الذي حُد فيه، لم يستوجب إلا تعزيراً، ولو لم يتعرض لإعادة عين القذف الأول ولا للتصريح بتجديد قذفٍ آخر، ولكن [قال: زنيتَ] 3، أو عين زنا، فحُدّ، فأطلق النسبة إلى الزنا، فهذا لا يوجب حداً جديداً وفاقاً، لإمكان حمله على إعادة الأول، فلا سبيل إلى إيجاب الحد مع التردد والشبهة.
وما ذكرناه من القذفين المختلفين فيه إذا كان لا يختلف الموجَبَان، فأما إذا تعدد القذف، واختلف الموجَب: مثل أن يقذف أجنبية بزنية، ثم ينكحها، ويقذفها بزنية أخرى على فراشه، ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من قطع بتعدد الحد، ثم يلتعن لاختلاف أثر القذفين، ومنهم من أجرى القولين في تعدد الحد، كما قدمناه، وهذا يظهر أثره إذا لم يلتعن، فإن الْتعن، زال أثر القذف في الفراش، وبقيت الطَّلِبةُ بالحد اللازم بالقذف المتقدم على النكاح، وقد أوضحنا هذا في كتاب اللعان.
هذا في تعدد القذف واتحاد المقذوف.
11085 - فأما إذا قذف شخصين فأكثر، نظر: فإن أفرد كل واحد منهما بلفظة،
استوجب حدين بلا خلاف، وإن أَحَّدَ الكلمةَ ونسبهما إلى الزنا بها، ففي المسألة قولان، مثل: أن قال: زنيتما؛ أو أنتما زانيان، والقولان جاريان مع العلم بأن اللفظ الواحد يشتمل على نسبتهما [إلى] 1 الزنيتين، ولهذا كان الأصح تعدد الحد؛ فإن المعنى هو المعتبر، وقد تعدد معنى القذف، وليس للقائل الثاني إلا التمسك باتحاد اللفظ، ولا خير في هذا، مع ما أشرنا إليه، ولكنه قول مشهور.
ولو قال لأجنبية وامرأته 2: زنيتما، ففي المسألة طريقان؛ لاختلاف [وقع] 3 القذف فيهما: منهم من قطع بالتعدد لما ذكرناه من الاختلاف، ومنهم من أجرى القولين، وأثر هذا يظهر إذا لم يلاعن عن زوجته، وآل الأمر إلى الحد وطلبه، فإن لاعن عن زوجته، فلا خلاف أن الحد [للأجنبية] 4 واجبٌ؛ فإن اللعان لا يدرؤه.
وكل هذا [مما] 5 قدمنا أصوله وفروعه في كتاب اللعان.
...