كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
2867 - الأصل في البيع الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب، فقوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) [البقرة: 275] وقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) [النساء: 29] وستأتي الأخبار في الأبواب على قدر الحاجة.
وأصلُ البيع متفق عليه، ذكر المُزَني لفظةً عن الشافعي في البيع جامعةً، والذي نص عليه في الأم أجمعُ لتراجم أبواب البيع، فنقتصر على اللفظة الأتم.
قال رضي الله عنه: "وجماع ما يجوز به البيع عاجلاً وآجلاً أن يتبايعا عن تراضٍ منهما، ولا يعقداه بأمر منهي عنه، ولا على أمر منهي عنه، فإذا تفرقا عن تراضٍ منهما، فقد لزم البيع، وليس لأحدهما ردُّه إلا بخيار، أو عيب يجده، أو شرط يشرطه، أو خيار الرؤية، إن جاز بيعُ خيار الرؤية" 2.
فدلّ بذكر العاجل والآجل على بيع العين، والسلم، والمؤجل؛ وذكَر التراضي، فأشعر بأن الإكراه يمنع انعقاد العقد، وعنَى بقوله: "بأمر منهي عنه" الأثمان المحرَّمةَ بوجوه التحريم، وأراد بقوله: "وعلى أمر منهي عنه" الشرائطَ الفاسدةَ، على ما ستأتي مفصلة، إن شاء الله تعالى.
ونبه على خيار المجلس، وعلى ما يُنهيه، بقوله: "فإذا تفرقا عن تراضٍ" ثم استثنى عن حكمه بلزوم العقد بعد التفرق جهاتِ الخيار.
فأراد بقوله: "إلا بخيارٍ" خيارَ الشرط، وذكر خيارَ العيب، ثم قال: "أو شرط
يشرطه" يعني خيارَ الخُلف 1 على ما سيأتي، ثم ردد قولَه في خيار الرؤية، وبيعِ الغائب.
وهذا مقصود الباب، فقال: "إن جاز بيعُ خيار الرؤية"، فنقل الأئمة قولين عن الشافعي: في أن من اشترى عيناً لم يرها، فهل يصح العقد أم لا؟.
أحدهما: أنه لا يصح، وهو اختيار المُزني؛ فإن العين في العُرف تُعْلَم بطريق المعاينة، فإذا لم يرها المشتري، عُدّت مجهولة عُرفاً، واستقصاء الطريقة في الخلاف 2.
والقول الثاني: أن البيع صحيح؛ فإن المبيع متميَّز [والشرع] 3 قاضٍ باعتماد قول البائع، وعليه ابتنى قبول قوله في الملك وغيره، مما يشترط في صحة العقد.
التفريع على القولين:
2868 - إن حكمنا بفساد البيع، فأول ما نذكره تفصيلُ القول في الرؤية؛ فالمذهب أن من رأى شيئاً، ثم غاب عنه، فاشتراه على قرب العهد بالرؤية، والغالب على الظن أن المبيع لا يتغير في تلك المدة، فالبيع صحيح، والرؤية المتقدمة كالمقارِنة.
وحكى العراقيون والشيخُ أبو علي عن أبي القاسم الأنماطي أنه يشترط مقارنةَ الرؤية للعقد، ونزَّلها في البيع منزلة اشتراط اقتران حضور الشاهدين بعقد النكاح، ثم الشيخ حكى عن الإصطخري أنه قال: "كنت أناظر بعضَ من يذبّ عن الأنماطي، وكنت أُلزمه المسائلَ، وهو يرتكبها 4 حتى قلت: لو عاين الرجلُ ضيعةً وارتضاها، ثم
ولاَّها ظهرَهُ، فاشتراها، فهل يصح ذلك؟ فتوقف".
قال أبو سعيد 1: لو ارتكب، لكان خارقاً للإجماع، والوجه في مذهب الأنماطي أن ما لا سبيل إلى تحصيله على يسر، فلا شك انه لا يشترط، وهو كرؤية كل جزء من قرية أو دار يشتريها، فأما إذا صرف عنه بصره في حالة إنشاء العقد مقبلاً على من يبايعه، فقد نقل الإصطخري الإجماعَ فيه، وما أرى الأنماطي يسمح بهذا، ويحتمل أن يكتفي بكون المبيع بمرأى منه حالة العقد، وإن كان لا يلحظه.
وبالجملة مذهبه فاسد.
والأصحاب لما اكتفَوْا بتقدّم الرؤية، شرطوا أن يكون الزمان المتخلل بحيث لا يتغير فيه المبيع غالباً، وهذا يختلف باختلاف صفات المبيع، فما يتسارع إليه التغير، يُعتبر فيه ما يليق به، والعقار وما يَبعُد تغيُّره يراعى فيه ما يغلب تغيُّره فيه.
ثم قال الأئمة: إذا تقادمت الرؤية، وتخلل زمان يغلب التغير فيه، فتلك الرؤية لا حكم لها، وإذا اشترى تعويلاً عليها، لم يصح، على منع شراء الغائب.
وذكر الشيخ في شرح التلخيص ما ذكرناه ووجهاً آخر: أن الرؤية المتقدمة كافية في تصحيح العقد، ثم إن اتفق تغيّر، ثبت الخيار، كما سنذكره، واختار هذا الوجهَ وصححه، ولم أرهُ لغيره.
فرع:
2869 - إذا حكمنا بصحة البيع تعويلاً على الرؤية المتقدمة القريبة، فإذا المبيع قد تغير على ندور، فقد قال الأئمة: للمشتري الخيارُ، ثم لم يفصّلوا قولاً في التغير، الذي يُثبت الخيار، ونحن نذكر من نص الشافعي، وقول العراقيين ما بلغنا فيه.
قال الشافعي: "لو اشترى نخيلاً كان رآها غيرَ مؤبّرة، فإذا هي قد أُبّرت، قال: = اصطلاحات الفنون ولا كليات أبي البقاء، ولا تعريفات الجرجاني، ولا في الألفاظ التي ضبطها ابن خلكان في الوفيات، وابن شاكر في الفوات.
ويلوح من السياق في المواضع التي تكرر فيها في كلام إمام الحرمين أن معناه أن الخصم في المناظرة يلزم خصمه: إن قلت بكذا يلزمك أن تقول بكذا، لما هو ظاهر الخطأ، فإذا لم يعرف الخصم دَفعْ هذا الإلزام، والتزم ما ألزمه، سمي مرتكباً.
له الخيار".
وهذا يُشعر بتعلق الخيار بفوات غرضٍ، وهو الثمار.
وقال العراقيون: إذا كان التغيّر إلى نقصٍ، ثبت الخيار، فهذا ما وجدتُه.
والذي أراه أن التغيّر اليسير الذي لا يُكترثُ به لا يثبت خياراً، وكذلك التغير إلى الزيادة، ولا شك أنا لا نشترط أن يكون الحادث عيباً؛ فإنّ خيار العيب لا يختص بهذه الصورة.
فالظاهر عندي أن يقال: كل تغير لو فرض خُلْفاً في صفةٍ مشروطة، تعلق بها الخيار، فإذا اتفق بين الرؤية والعقد، أَثْبَت الخيارَ.
وكأن الرؤية المتقدمة بمثابة شرطٍ في الصفات الكائنة حالة الرؤية.
ويمكن أن يقال: كل تغيّر تخرج به الرؤيةُ عن كونها مفيدةً معرفةً وإحاطةً، فهو مثبت للخيار.
وبيان ذلك أن الرؤية المعتادة تتعلق بصفاتٍ من المبيع، كما سنذكرها، ويغيب عنها صفاتٌ، فكل ما تشتمله الرؤية المعتبرة، ولو لم تتعلق الرؤية به، لكان المبيع غائباً، فإذا تغير، ثبت الخيارُ.
2870 - ومما نفرّعه على هذا القول: أن البائع إذا ذكر صفاتِ العين الغائبة، واستقصاها بذكر صفات السلم، والتفريع على منع بيع الغائب، ففي صحة البيع وجهان: أحدهما- لا يصح؛ فإن طريق إعلام العين الغائبة المعاينَةُ، والدليل عليه أنا نكتفي بالرؤية، وإن لم نُحط بجملة صفات المبيع، ولو كان المرعيُّ الإعلامَ، لما صح العقد بالرؤية المعتادة.
والوجه الثاني- أن البيعَ يصح؛ فإن الرؤية تُطلع على خاصيةٍ، قد لا يناله استقصاء الوصف، فنزل منزلةَ الإعلام التام بالوصف عند عدم الرؤية، والغرض الإعلام بالجهتين.
فإن صححنا العقدَ ووفت الصفات، فلا كلام، وإن اختلفت، فكل صفة يشترط ذكرها فإذا ذكرها كاذباً، كان كما لو لم يذكرها، فلا يصح العقد.
2871 - ومما نفرعه النموذج وبناء البيع عليه، فإذا أخرج الرجل نموذجاً من حنطة، وقال: بعتُك من هذا النوع مائةَ صاع، فهو باطل على كل قول؛ فإنه لم يُعَيّن
حنطةً، ولم يرع شرائط السلم، وإن قال بعتُك المائة الصاع، التي في هذا البيت، وهذا النموذج منها، فإن لم يدخل النموذج في البيع، فقد قيل: هذا بيع غائب، فلا يصح على هذا القول.
ويحتمل عندي أن تكون رؤية النموذج بمثابة وصف المبيع الغائب على ما مضى.
فإن قيل: مثل هذا لا يُكتفى به في وصف المُسْلَم فيه.
قلنا: لأن السلم ينافيه التعيين جملة، كما سيأتي في السَّلم إن شاء الله تعالى، وأصل التعيين معتمدُ بيع الأعيان.
فأما إذا أدخل النموذج مع الآصع في البيع، فقد قطع القفالُ بالصحة، وألحق ذلك ببيع الصُّبْرة التي يدل ظاهرها على باطنها، وخالفه طوائفُ من الأئمة.
والقياس ما قاله، ولا شك أن النموذج مفروض في المتماثلات.
فأما إذا صححنا بيع الغائب، فما ذكره العراقيون، والصيدلاني، وشيخي، أنه لا بُد من ذكر الجنس، فلو قال: بعتك ما في كُمي، ولم يعرفه المشتري، فالبيع باطل.
وهذا ظاهر مذهب أبي حنيفة 1.
ومن أصحابنا من صحح العقد، تفريعاً على هذا القول، وهو قياسٌ ظاهر، فإذا كنا لا نشترط استقصاءَ الصفات، فلا تزول الجهالة بذكر الجنس، والمرعي في هذا القول أن يكون المبيع متعيناً.
ثم قال العراقيون: يشترط ذكرُ النوع، حتى يقول بعْتُك العبدَ التركي، ولم يشترط أصحاب القفال ذلك، ثم قالوا: إذا ثبت اشتراط الجنس والنوع، فهل تُشترط صفاتُ السلم؟ أم يكتفى بالمعظم؟ فعلى وجهين، ولعلهم أرادوا بالمعظم ما تحيط به الرؤية المعتادة.
وهذا الذي ذكروه يجانب طريق المراوزة؛ فإنَّهم ذكروا التعرضَ للصفات على قولنا: لا يصح بيع الغائب؛ فقالوا: استقصاءُ الصفات هل تنزل منزلة الرؤية، حتى
يصحَّ العقدُ بسببه، كما سبق في التفريع على القول الأول؟ وذكروا استقصاء الصفات على تجويز بيع الغائب في معرضٍ آخر.
فقالوا: إذا وصف المبيع على الاستقصاء ثم وفت الصفات، فهل يثبت خيار الرؤية أم لا؟ فعلى وجهين.
وتوجيههما واضح.
فأما (1 اشتراط استيفاء الصفات في تصحيح العقد على قول تجويز بيع الغائب فمما انفرد به العراقيون.
ثم قياس طريقهم عندي، أن من 1) اشترط استقصاءَ الصفات -على قول تجويز بيع الغائب- فإذا وفت، ثبت خيارُ الرؤية وجهاً واحداً، فإن هذا القائل لا يصحح بيعَ الغائب إلا عند استقصاء الصفات، وخيار الرؤية لا سبيل إلى نفيه أصلاً، ولو خُص الخيار بالخُلف، لكان خيار الخلف.
ومما نفرعه على تجويز بيع الغائب خيار الرؤية.
فصل
2872 - خيارُ المجلس يثبت في البياعات، كما سيأتي، فالوجه أن نذكر حكمَ خيار المجلس في بيع الغائب أولاً، ثم نبني عليه خيارَ الرؤية، فنقول: اختلف الأئمةُ في خيار المجلس في بيع الغائب، فمنهم من قال: يثبت خيار المجلس للمتعاقدين، كما يثبت في كل بيع، ووجهه ظاهر.
ومنهم من قال: لا يثبت لهما خيار المجلس متصلاً بالعقد؛ فإنَّ خيار الرؤية خيارٌ شرعي لا يختص ثبوته بغرض، فهو في معنى خيار المجلس، فيبعد اجتماع خيارين من جنسٍ واحدٍ، وهذا الوجه بعيدٌ؛ فإنّ نفي خيار المجلس في حق البائع لا وجه له؛ إذ ليس في حقه خيار الرؤية، وكل ما نذكره فيما رآه البائع دون المشتري.
ومنهم من قال: يثبت خيارُ المجلس للبائع عقيب العقد على الاتصال، ولا يثبت للمشتري خيارُ المجلس، لمكان ثبوت خيار الرؤية له، وهذا أمثل من الثاني.
والصحيح هو الأول.
فهذا هو القول في خيار المجلس.
وفيه بقية سنذكرها.1
2873 - فأما خيار الرؤية، فلا شك في ثبوته عند الرؤية، وهل يثبت قبل الرؤية للمشتري؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يثبت؛ فإنه منوط في الخبر -إن صح- بالرؤية، كما سنرويه في آخر الباب.
والوجه الثاني - أنه يثبت الخيارُ قبل الرؤية؛ فإنا نُثبت له حقَّ الفسخ عند الرؤية، مغبوناً كان أو مغبوطاً، فلا معنى لاشتراط الرؤية.
ثم إن لم يثبت خيار الرؤية قبلها، لم ينفذ فسخُ المشتري، ولا إجازته.
وإن أثبتنا الخيارَ قبل الرؤية، فينفذ الفسخُ ولا تنفذ الإجازة؛ لأن الفسخ مقصود الخيار، فنفذ لقوّته، ووقفت الإجازةُ على الرؤية.
هذا ما وجدته في الطرق.
فأما إذا رأى، فالخيار يثبت.
وأحسنُ ترتيب فيه: أنا إن أثبتنا للمشتري خيارَ المجلس عقيب العقد، فهذا الخيارُ يثبت على الفور، ولا يمتد امتداد المجلس، وإن قلنا: لا يثبت له خيار المجلس ابتداءً، فإذا ثبت له الخيار عند الرؤية، فهل يمتد امتدادَ المجلس، فعلى وجهين: أحدهما - أنه على الفور، كخيار العيب، ووجهه أنه معلّق شرعاً بالرؤية، وليس ممدوداً، فليقرن بها كخيار العيب المنوط بالاطلاع على العيب، وهذا هو الصحيح.
والوجه الثاني - أنه يمتد في حقه امتداد المجلس؛ فإنه لم يثبت له خيار المجلس، وهذا شبيهٌ بخيار المجلس، فكأنه اعتاضه عنه.
فإن قلنا: خياره على الفور، فلا يثبت للبائع الخيار، وإن نفينا خيار المجلس عنه ابتداء؛ فإنا إذا حكمنا بأن خيار الرؤية على الفور، فلابد من اختصاصه بمن لم يرَ.
وإن حكمنا بأنه يمتد امتداد المجلس، وأثبتنا للبائع خيار المجلس ابتداء، فلا خيار له عند الرؤية، بعد انقضاء المجلس.
وإن لم نُثبت للبائع خيارَ المجلس ابتداء، وحكمنا بامتداد خيار الرؤية في حق المشتري، فهل يثبت للبائع الخيار مع المشتري؟ على وجهين: أحدهما - لا يثبت، ويختص بمن لم يَرَ المبيع، والثاني - يثبت، وحقيقةُ الوجهين ترجع إلى أن هذا خيار المجلس أم لا، فكأن أحد القائلَيْن يزعم أن خيار المجلس يتراخى في بيع الغائب إلى وقت الرؤية، فعلى هذا يثبت الخيارُ للبائع مع المشتري، والثاني - يقول: ليس هو
خيارُ مجلس، وإن امتد امتداد مجلس المشتري، [فعلى هذا لا يثبت للبائع] 1.
فهذا ما أردناه.
فصل
يجمع مسائل تلتحق ببيع الغائب
2874 - منها: إذا اشترى صُبْرةً من حنطة، أو غيرها من المتماثلات، وكان لا يختلف ظاهرها وباطنها، فهو صحيح قولاً واحداً؛ فإن الظاهر دالٌّ على الباطن، وهذا يُعدّ رؤية عُرفاً، ولو كان باطن الصُّبْرة يخالف ظاهرَها، فحِفْظِي عن الإمام 2 أن ذاك بيعُ غائب، وفيه احتمالٌ ظاهر عندي، ولو ظهرت تحت الصُّبرة دِكَّة، وكان المشتري يَحسَب الصُّبرة حنطة إلى استواء الأرض، فقد كان شيخي يقول: هذا بيع الغائب، وقال غيره: هو بيع معاين؛ فإن الحنطة لم تختلف، ولكن يثبت الخيار للمشتري، وستأتي نظائر ذلك، في بيع المصراة، ولا وجه لما قاله شيخي.
ولو قال: بعتك صاعاً من داخل الصُّبْرة، فهو بيع غائب.
وأقرب صورة شبهاً بهذا مسألة النموذج، إذا لم يدخل في البيع، ولو قال: بعتك صاعاً من هذه الصُّبْرة، فليس بيعَ غائب، ولكن في بيع صاع من صُبْرة تفصيلٌ لا يتعلق بالغَيْبة والحضور.
ولو اشترى ثوباً منشوراً، ورأى أحد وجهيه، وكان لا يستدل به على الوجه الثاني، فهو بيع غائب، فإن كان لا يختلف وجهاه كالكرباس 3، وما في معناه، ففيه وجهان، ذكرهما شيخي والصيدلاني.
والوجهُ القطعُ بأنّه بيعُ غائب.
وذكر المُزني مسألة تردد فيها الأصحابُ، وهي أن من باع منديلاً نصفه في صندوق
ونصفه بارز منه، فقد اختلف الأئمة في المسألة، فمنهم من قطع بأن المسألة على قَوْلي بيع الغائب، والشافعي أجاب بالفساد، جرياً على أحد القولين، وأشار بعضُ الأصحاب إلى أن البيعَ يفسُد في هذه الصورة قولاً واحداً؛ لأن ما لم يره في محل خيار الرؤية لو صح البيع فيه، وما رآه لا خيار فيه، وهذا قد يُفضي إلى قطع البارز عن المستور.
وهذا ليس بشيء؛ فإنا لو قدرنا خيار الرؤية، لاقتضى ردّ الجميع، كما لو اشترى عمامة رآها، ثم وجد بجزءٍ منها عيباً؛ فإنه يرد جميعَها، ولا يختص الرد بمحل العيب.
وأشار بعض الأصحاب إلى تخريج المسألة على تفريق الصفقة، إذا اشتملت على مختلفين، وهذا فاسدٌ، لما قدمناه؛ فإن الكل في حكم ما لم يُرَ، كما استشهدنا به في العيب؛ إذ المبيع واحد، فلا وجه إلا طريقة القولين.
ولو اشترى ثوباً مطوياً، فقد ألحقه الأئمة ببيع الغائب، وقطعوا القول به.
فصل
2875 - المعتمد في الأصل اتباع العُرف في الإعلام، ونحن في منع بيع الغائب إذ [عَنَيْنا] 1 بأن المبيع لم يعلم، [عنينا لم يعلم] 2 بما يعلم مثلُه في العرف، ومعلوم أن من الثياب ما يَنْقُصه النشر والردّ إلى طاقةٍ واحدة، ولا يُنشر كذلك إلا إذا أريد قطعه، وقد جرى العرف بأن مثل هذا الثوب يُرى منه طاقات، ولا ينشر عند البيع.
فما نقله الأئمة تخريج المسألة على قولي بيع الغائب، ويحتمل عندي أن يُصحَّح البيع قطعاً، لما في النشر من التنقيص، ويُلحق ذلك ببيع الجوز، والمقصود منه لُبُّه، ولكن لما كان في كسره إبطالُ مقصود الادّخار، وانضمَّ إلى ذلك عموم العرف، صح العقد.
فإن قيل: عمّ العُرف ببيع الثياب التّوزيَّة 1 في المُسوح 2، قلنا: لا يتجه فيه إلا التخريج على بيع الغائب، وعموم عرف أهل الزمان يُحمَل على مقصود المالية، والإضراب عن رعاية حدود الشرع على قول من يمنع بيع الغائب.
والذي يحقق ذلك أن من أراد ابتياع ثوب بعينه ممّا في المسح، فإنه يراه عرفاً، ثم يشتريه.
فإن قيل: من اشترى جارية متنقبة، فهو بيع غائب، فإن أراد الخروج عن القولين، فكيف السبيل؟ قلنا: ينظر إلى وجهها، ويديها، ورجليها، وإلى ما يظهر من أطراف ساقها وساعدها، في الفِضْلَةِ 3 والمهنة، ويجوز أن نقول: ينبغي أن يرى ما ليس عورة من الجارية باتفاق، وهو المعروض منها في العرف.
وظهر اختلاف الأصحاب في أن رؤية الشعر هل هي من تمام عرضها، حتى إذا لم يُرَ، كان العقد بيعَ غائب.
ولم يتعرض الأصحاب لكشف الرأس، وهو محتمل عندنا، ويمكن أن يستفاد من ذكر الاختلاف في كشف الشعر الاختلافُ فيه.
فرع:
2876 - قال الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: بيع اللحم في الجلد قبل السلخ باطلٌ، قولاً واحداً، سواءٌ بيع دون الجلد، أو مع الجلد.
وعندي أن تخريج بيعه مع الجلد على قولي بيع الغائب محتمل.
وقال الشيخ: إذا سلخ الجلد، ثم رُدّ اللحم إليه فبيع، فهو على قولي بيع الغائب.
وبيع الرؤوس والأكارع، وعليها جلودها مشويةَ ونِيّة جائزٌ، قولاً واحداً.
وذلك
غالب في العرف، والجلودُ مأكولة عليها؛ فهي كاللحم.
وأما السموط فقد قال الشيخ: يجوز بيعهُ مشوياً، ونِيّاً مهيأً للشي.
وأنا أقول: أما المشوي فكما قال، وفي النِّىّ احتمالٌ.
فرع:
2877 - من باع شيئاً والبائع لم يره، ففي صحة العقد قولان.
والمراوزة يرتبون القولين في ذلك على القولين فيه إذا رأى البائع ولم ير المشتري، ويجعلون عدم رؤية البائع أولى باقتضاء الفساد.
والعراقيون يرون عدم رؤية المشتري أولى باقتضاء الفساد، وما ذكروه أفقه؛ فإن المشتري متملكٌ، والضبط بالتملك أَلْيق، والبائع مزيل.
والذي يحقق ذلك أن المشتري إذا اطلع على عيب فيما حسبه سليماً، فله الخيار، والبائع لو باع ما يحسبه معيباً، ثم استبان أنه سليم، فلا خيار له.
التفريع:
2878 - إذا صححنا بيعَ ما لم يره البائع، ففي ثبوت الخيار له وجهان: أحدهما - يثبت كالمشتري، والثاني - لا يثبت وهو الأصح؛ لأنه مزيل، والخيار عنه بعيد.
فرع:
2879 - كان شيخي يقول: هبة الغائب كشراء الغائب، ويحتمل أن تُرتَّب الهبةُ على الشراء؛ إذ الهبة بالصحة أولى؛ فإنها ليست عقدَ مغابنة، والرهنُ قريبٌ من الهبة.
بابُ خيار المتبايعين ما لم يتفرقا
2880 - خيار المجلس ثابتٌ عند الشافعي، والمعتمد الخبر الصحيح، ومعنى خيار المجلس أن يتخير المتعاقدان، في الفسخ والإجازة، بعد العقد ما لم يتفرقا.
ونحن نتكلم في معنى لفظةٍ في الحديث المعتمد، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار، ما لم يتفرقا إلا بيعَ الخيار" 1.
وقد اختلف أصحابنا في قوله: "إلا بيع الخيار"، منهم من قال: معناه يلزم البيعُ بالتفرق عن مجلس العقد إلا بيعاً يشرط فيه خيار ثلاثة أيام؛ فإنه يبقى جوازه ببقاء مدة الخيار، وإن انقطع خيارُ المجلس بالتفرق.
ومن أصحابنا من قال: معناه أنه يثبت خيار المجلس في كل بيع إلا بيعاً يشترط فيه المتعاقدان نفيَ خيار المجلس.
وهذا التأويل يستدعي تقديمَ بيان المذهب في ذلك، فنقول: اختلف الأئمة في البيع الذي يشترط فيه نفيُ خيار المجلس على ثلاثة أوجه: فمنهم من قال: الشرط فاسد لمخالفته مقتضى الشرع، ثم إذا فسد الشرط، فسد البيع.
وهذا ليس بالمرضي.
ومنهم من قال: الشرط صحيح، وينتفي الخيار، ويلزم العقد.
وهذا القائل يحمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا، وقد روى الشافعي هذا التأويلَ عن مسلم بن خالد الزنجي 1، فإن قيل: كيف يحمل قوله: "إلا بيع الخيار" على نفي الخيار، قلنا: المتعاقدان لو تخايرا في المجلس، وأَلزما العقدَ، لزم.
فإذا شرطا قطعَ خيار المجلس، فكأنهما تعجلا التخايرَ والإلزامَ حالة العقد.
ومن أصحابنا من قال: الشرط فاسد، والعقد صحيح، ويثبت خيار المجلس.
وهذه الأوجه الثلاثة تقرب من الاختلاف في شرط نفي خيار الردّ بالعيب، على ما سيأتي.
ولذلك لم نُغرق في التوجيه.
وإذا صححنا بيع الغائب، فشرط فيه نفي خيار الرؤية، ففيه الأوجه الثلاثة في خيار المجلس.
وخيار الرؤية أبعد عن قبول النفي؛ فإن بيع الغائب مع نفي الخيار غرر ظاهر، ولا يتحقق ذلك في خيار المجلس.
فهذا تمهيدُ معتمدِ الباب.
ثم نذكر بعد ذلك فصلين: أحدهما - ما يثبت فيه خيار المجلس من العقود، والثاني - في ذكر ما يقطع الخيارَ، أو يُنهيه.
[الفصل الأول
فيما يثبت فيه خيار المجلس] 2
2881 - فأما ما يثبت فيه خيارُ المجلس، فقد قال الأئمة: إنه يثبت في كل بيع؛ فإن المعتمد فيه الخبر، وهو عام في كل بيع، فيندرجُ تحت ما ذكرناه: بيعُ العُروض، والصَّرف، والسَّلم، والمرابحة، والتَّوْلية والإشراك، كما سيأتي بيانها.
وذكر شيخي وجهين في الولي الذي يتولى طرفي العقد، إذا باع مالَ الطِّفل من نفسه، أو باع ماله من طفله، فهل يثبت له خيار المجلس، فعلى وجهين: أحدهما - لا يثبت؛ فإن المعوّل الخبر، وهو في المتبايعين، والولي قد تولى الطرفين.
والثاني - يثبت، وهو ظاهر المذهب؛ فإنه بيعٌ محقق، وغرض الشارع إثباتُ خيار المجلس في البيع، وخصص المتبايعين إجراء للكلام على الغالب المعتاد.
فإن قلنا: له الخيار، فيمتد امتدادَ مجلس العقد، ثم الوجه عندي إثباتُ الخيار من وجهين: أحدهما - للولي على الخصوص، والثاني - للطفل، والولي نائب عنه، فإن فسخ نفذ كيف فرض الأمر، وإن أجاز في حق نفسه ونظر في إجازته لطفله، لزم العقدُ، وإن أجاز في حق نفسه، بقي له النظر لطفله في الفسخ والإجازة.
فرع:
2882 - إذا اشترى الرجل من يَعتِق عليه، فالمذهب المشهور أنه لا يثبت فيه خيارُ المجلس؛ فإنه ليس عقد مغابنة، والحديث وإن لم يتقيد بالمغابنة، فهو مشعرٌ بعقد يفرض في مثله استدراك غبينة 1. وقال أبو بكر الأُودَني: يثبتُ خيارُ المجلس، وتمسك بظاهر الحديث، وبقوله صلى الله عليه وسلم "لن يَجزيَ ولدٌ والدَه إلا بأن يجدَه مملوكاً فيشتريه فيُعتقَه" 2، قال: هذا ظاهر في إثبات إنشاء إعتاق بعد العقد، وعنده أن المشتري لو فسخ في المجلس، انفسخ، ولو أعتقه، أو ألزم العقد، كان كما لو اشترى عبداً لا يعتِق عليه.
وستأتي تصرفات المتعاقدين في مكان الخيار وزمانه.
فإذا قلنا: لا خيار للمشتري، فلا خيار للبائع أيضا، وإن كان العقد من جانبه عقد مغابنةٍ.
ولكن النظر إلى كون العقد عقد عَتاقة.
هذا قولنا في البيوع.
2883 - فأما ما سواها، فالعقود الجائزة من الجانبين لا معنى لتخيّر 1 خيار المجلس فيها: فإن الجواز مطرد غيرُ مختص بمجلس.
وأما العقد الجائز من أحد الجانبين كالرهن والكتابة، فلا وجه لتوهم خيار المجلس في المرتهن والمكاتب؛ فإنهما متخيران أبداً، ولا يثبت الخيار للراهن والسيد، قطع به الأئمة، وعللوا بأنهما مغبونان تحقيقاً، والخيار للاستدراك.
وهذا تكلف.
والمعتمد الخبر وهو في البيع.
والرهن والكتابة ليسا في معنى البيع، والقياس منحسمٌ.
وصلح المعاوضة بيعٌ في الحقيقة، ففيه الخيار.
ولا خيار في الهبة التي لا ثواب فيها، إذا اتصلت بالقبض.
وإن كان فيها ثواب، فقد ذكر العراقيون وجهين في ثبوت خيار المجلس والشرط: أحدهما - يثبتان؛ [لأنها في معنى البيع، والثاني لا يثبتان] 2؛ لأنها لا تسمى بيعاً؛ والمتبع التوقيف.
وهذا الخلاف من طريق المعنى يقرب من تردّد الأصحاب في أن الهبة بالثواب هل تفتقر إلى القبض في إفادة الملك؟ وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما الحوالة، ففي حقيقتها خلاف، فإن حكمنا بأنها ليست معاوضة، فلا خيار فيها، وإن حكمنا بأنها معاوضة، فقد قال العراقيون: لا يثبت فيها خيار الشرط، وفي خيار المجلس وجهان.
وكان شيخي يثبت الخلاف في الخيارين، وهو الوجه إن لم يكن من الخيار بُدّ.
والظاهر أنهما لا يثبتان؛ فإن الحوالة لا تسمى بيعاً، وليست في معناه، وهي بعيدةٌ عن قبول الفسخ.
وأما القسمة فمنقسمةٌ إلى قسمة إجبار، وقسمة اختيار.
فإن كانت قسمةَ إجبارٍ، فلا خيار فيها، والمحكَم القرعةُ.
وإن كانت قسمةَ اختيار، خرج أمرُ الخيار على حقيقة القسمة؛ فإن قلنا: ليست القسمة بيعاً، فلا خيار فيها، وإن قلنا: إنها بيع،
فقد ذكر صاحب التقريب وجهين على هذا القول في ثبوت الخيارين: أحدهما - الثبوت، والثاني - وهو مختارُه، أنهما لا يثبتان؛ فإن القسمة لا تسمى بيعاً، وليست عقداً منشأً، وإنما لها حكم البيع في بعض القضايا.
وقد نجز الفصل الأول.
الفصل الثاني
فيما يقطع خيار المجلس أو ينهيه
2884 - فنقول: ما يقطع خيارَ المجلس ينقسم إلى قولٍ، وإلى ما ليس بقول.
فأما القول، فينقسم إلى المتعرض للخيار، وإلى تصرفٍ يتضمن فسخاً أو إجازة، فأما التصرف، فسنذكره عند نجاز القول في أصل خيار المجلس والشرط.
وأما القول المتعرض لنفس الخيار؛ فنقول: إذا قال المتعاقدان في المجلس: ألزمنا العقد، أو أجزناه، أو قطعنا الخيار، انقطع الخيارُ، ولزم العقدُ، وإن كانا في المجلس؛ فإن الخيار حقُّهما، فإذا أسقطاه، سقط، وكان كإسقاط حق الرّد بالعيب، عند الاطلاع، وليس ذلك كشرط نفي الخيار في العقد؛ فإنه منعٌ لثبوت موجَب العقد، فكان كشرط التبرِّي من العُيوب، من غير اطلاع عليها.
ولو قال أحد المتعاقدين: أجزتُ العقد، ولم يساعده الثاني، لم يبطل خيار صاحبه.
وهل يبطل خياره في نفسه؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يبطل، كما لو ثبت لهما خيار الشرط، فأسقط أحدهما خيارَ نفسه.
والثاني - لا يبطل خيارُه؛ فإن وضع خيار المجلس أن يثبت للمتعاقدين جميعاً، وإن انقطع، [انقطع] 1 عنهما، ولا وجه لإبطال خيار من لم يُبطل حق نفسه، فيبقى خيارُ المجيز أيضاً.
فإن قيل: هلا بطل خيارُ المجيز، وخيار من لم يجز، حتى تنزل إجازةُ المجيز منزلةَ ما لو فارق صاحبه؟ قلنا: المفارقة [تُنهي] 2 خيارَ المجلس بنص الخبر، وليس
فيه تفويتٌ لحق واحدٍ منهما؛ فإنه إذا هم أحدهما بالمفارقة، تمكن الثاني 1 من مساوقته، واستمكن من مبادرة الفسخ.
قال شيخي: لو قالا: أبطلنا الخيار، أو قالا: أفسدناه، ففيه وجهان: أحدهما - لا يبطل الخيار؛ فإن الإبطال يُشعر بمناقضة الصحة، ومنافاة الشرع، وليس كالإجازة؛ فإنها تصرفٌ في الخيار، وهذا ضعيف جداً، ولكن رمز إليه شيخي، وذكره الصيدلاني.
2885 - فأما ما لا يكون قولاً، وهو رافعٌ للخيار، فالأصل في ذلك الافتراق، فإذا تفرق المتعاقدان، زال خيارُ المجلس، وإذا لزم أحدهما المجلس، ففارقه الثاني، انقطع الخيارُ؛ فإن هذا إذا جرى عُد افتراقاً، والشارع اعتبر الافتراق، وليس من شرطه، أن يأخذ أحدُهما جهةً، ويأخذ الآخر جهة أخرى، ولو تساوقَ المتبايعان، وزايلا مكان العقد، ولم يتفرقا، فالبيع جائز، والخيار قائم، وإن تماشيا أياماً منازل 2، فالمعتمد في قطع الخيار افتراقُهما.
ثم الرجوع في الافتراق إلى العرف، فليس في ذلك توقيفٌ شرعي، ولا ضبط معنوي؛ فإن جمعهما بيتٌ مقتصدٌ، فالمفارقة بخروج أحدهما من البيت، وإن كانا في عَرْصةٍ ضاحية 3، فإذا فارق أحدهما، ومشى خطوات، وبَعُد بُعداً، يُعدّ ذلك مفارقةً، انقطع خيارُ المجلس.
ولو تبايعا قريبين من باب بيت، فتعدى أحدهما البابَ، وخرج، فالظاهر عندي أن ذلك مفارقة، وإن خطا خطوتين مثلاً.
وإذا تبايعا في صدر بيتٍ مقتصد، فالمفارقةُ بالخروج من الباب.
هذا حكم الجريان على العرف.
ويخرج من ذلك أن البعد يختلف باختلاف المجالس، فإن جمعهما بيتٌ، فالتعويل على الخروج منه، وإن لم يجمعهما بيت، فيراعى فيه بُعدٌ يُعدّ فراقاً، ويمكن
أن يقال: وجه التقريب فيه -إذا لم يكن بيتٌ جامع- إن جلوس رجلين في مجلس واحد ليس يخفى، وذلك ينقسم إلى التقارب في الجلوس والتباعد، وقد يتدانى رجلان حتى يتماسَّا، وقد يبعد أحدهما عن الثاني بعضَ البعد، ولكن يُعدان في مجلس واحد.
فهذا ما ينبغي أن يراعى.
فنقول: إذا فارق أحدهما الثاني، وانتهى إلى موضع، لو استقر فيه، لم يُعدّ المكان مجلساً جامعاً، فهذا فراق، وإن كان أقرب من ذلك، فليس فراقاً.
ويمكن أن يقال: المجلس الواحد ما يتسير فيه التفاهم، مع الاقتصاد في الصوت، ويراعى في ذلك اعتدال الأحوال.
فهذا أقصى الإمكان.
ويخرج عليه أن البيت إذا تفاحش اتساعه، وقد تبايعا في صدره، فيتحقق الفراق بأن يفارق أحدهما الثاني إلى بعض البيت؛ فإن مثل هذا البيت لا يبين أن يكون مجلساً واحداً لشخصين.
فإن قيل: العرف يختلف في اتحاد المجلس، وقرب الجلوس وبُعده، باختلاف الأقدار والمناصب، فالمتوسط لا يقرب من الملك قُربَه ممن هو في مثل حاله، قلنا: المجلس لا يختلف عندنا بذلك، والذي خيّله السائلُ مغالطةٌ؛ فإن منصب الملك يمنع أن يجتمع [معه] 1 متوسط في مجلس واحد، فهذا من باب امتناع اتحاد المجلس، وليس من تفاوت المجلس.
2886 - فإن قيل: لو وقف المتعاقدان متباعدين، وزادت المسافة بينهما على مقدار المجلس، وتناديا بالإيجاب والقبول، فهل ينعقد العقد؟ وإن انعقد فما حكم خيار المجلس؟ قلنا: الوجه القطع بصحة البيع، إذا اتصل الإيجاب بالقبول من جهة الزمان، هذا ما أثق به، نقلاً ومعنى.
فأما خيار المجلس ففيه احتمال ظاهر، يحتمل أن يقال: لا خيار؛ فإنهما أنشآ العقد على صورة التفرق، وهو قاطعٌ للخيار إذا طرأ على المجلس الجامع، فإذا قارَن العقدَ، منع ثبوتَه.
ويجوز أن يقال: يثبت لكل واحد منهما الخيار.
ثم إذا قدرنا
ثبوتَه، اعترض احتمال آخر في أن أحدهما إذا فارق مكانَه، وبطل خيارُه، هل يبطل خيار صاحبه أم يبقى خيار صاحبه إلى أن يفارق هو أيضاً مكانه؟ فيكون خيار كل واحد منهما منقطعاً عن خيار الثاني.
هذا فيه تردد.
فإن قيل: إذا تعاقدا والمجلس جامع، ثم صابرا حتى بُني بينهما جدار حائل، فهل يصيران في حكم المتفرقين؟ قلنا: إن بنى أحدُهما الجدارَ، فالظاهر أن هذا بمثابة مفارقته، وإن بنى غيرُهما، اتصل القول بأن أحد المتبايعين لو حُمل وأُخرج من المجلس، هل ينقطع الخيار؟ وفيه فصل يأتي إن شاء الله تعالى.
ومن لطيف القول في هذا الفصل، أن المتبايعين لو كانا بقربِ الباب، فخرج أحدهما، فهو مفارق، وإن قربت المسافة.
ولو كانا في مكانٍ ضاحٍ، فلا بُد من اعتبار بُعدٍ، كما سبق بيانه، فلو كانا في مكان بارز كما ذكرنا، ففارق أحدهما بعد العقد وبَعُد على الحدّ المذكور، فانتصب (1 واتبعه الآخَر، لم ينفعه ذلك بعد وقوع الفراق.
ولو كانا في بيتٍ قريبين من بابه، ففرّ أحدُهما وفارق العتبة 1)، فاتبعه الثاني على الفور، فالظاهر عندي في هذه الصورة أن البيع على جوازه؛ فإن مثل هذا لا يُعد تفرقاً في العرف.
فهذا مقدار غرضنا في البعد المُنهي للمجلس.
فصل
2887 - إذا مات أحد المتعاقدين في مجلس العقد، فالمنصوص للشافعي أنه لا ينقطع الخيار بموته، بل يقوم وارثه مقامه.
وقال في المكاتَب: إذا باع شيئاً أو اشتراه، ثم مات في مجلس العقد، وجب العقد، فأشعر قولُه "وجب" بانقطاع الخيار.
واختلف الأئمة: فمنهم من قال: في انقطاع خيار المجلس بالموت قولان، سواء فُرض العاقد مكاتَباً أو حُرّاً.1
توجيه القولين: من قال بالانقطاع تمسك بأن خيار المجلس يقطعه التفرق؛ من حيث إن المفارق بفراقه يخرج عن مجلس التخاطب، ومفارقة الدنيا بالموت أبلغ في هذا المعنى، والميت في حكم التصرفات كالمعدوم، فكأنه عُدم عن مجلس العقد.
والقول الثاني - أنه لا ينقطع الخيار؛ فإنه حقٌ ثابت قاطِعُه في الحديث التفرّق، وهذا ليس تفرقاً إطلاقاً، فالوجه إبقاء الخيار حقا لوارثه.
ومن أصحابنا من قطع ببقاء الخيار، وقال: أراد الشافعي بقوله: وجب البيع، أي استمرت صحته، ولم يبطل، وقد يَظن ظانٌّ أن البيع ينقطع بموت المكاتب رقيقاً.
ومن أئمتنا من حاول الفرق، وتقرير النصين، وقال: إن كان العاقد مكاتباً، انقطع الخيار بموته، بخلاف ما لو مات من يورَث؛ لأن الوارث ينوب مناب المورث، وكأنه هو، فإذا خلفه كان بمثابة الميت، والسيد ليس في حكم النائب عن مكاتبه، فإذا انقلب إلى الرق، بَعُد أن يقال: ينوب السيد عن مكاتبه، ويخلُفه.
وهذا ليس بشيء؛ فإن المكاتب إذا رَقَّ، قام السيد مقامه في الحقوق، التي ثبتت له، والخيار من الحقوق التابعة للملك والعقد، فإذا انقلب العقد بحقوقه إلى السيد، فالخيار من حقوقه.
والطريقة المشهورة طرد القولين.
التفريع:
2888 - إن حكمنا بانقطاع الخيار بموت أحدهما، فقد لزم العقد من الجانبين، وإن قلنا: لا ينقطع خيار المجلس بموت أحد المتعاقدين، فإن كان الوارث في مجلس العقد حل محل الميت، وكأنه لم يمت، فيتعلق بالوارث من المفارقة والبقاء في المجلس ما كان يتعلق بالعاقد لو بقي، وإن كان الوارث غائباً، فبلغه الخبر، ثبت الخيار.
ثم ذلك الخيار يثبت على الفور، أو يمتد امتداد مجلس بلوغ الخبر، فعلى وجهين ذكرهما الإمام، وصاحب التقريب: أحدهما - أنه على الفور؛ فإن المجلس قد انقضى، ولكنّا رأينا ألاّ نعطلَ حقا ثبت للمورث، فأثبتنا أصله للوارث، وعسر اعتبار المجلس؛ فاقتضى ذلك الفور.
والوجه الثاني - أنه يمتد؛ فإن الخيار الذي ثبت للمورث كان ممتداً، فليثبت للوارث على الامتداد، والوجهان كالوجهين فيه إذا مات أحد المتعاقدين في زمان الخيار، فخيار الشرط موروث، فإن كان الوارث غائباً، فلم يبلغه الخبر حتى انقضى الزمان المضروب للخيار، فكيف يثبت الخيار لذلك الوارث؟ فيه وجهان: أحدهما - أنه يثبت على الفور؛ فإن الزمان المذكور قد انقضى، والثاني - أنا نثبت للوارث الخيارَ في مثل المدة التي كانت بقيت، لما مات من له الخيار.
ونتمم تفريع ذلك في خيار الشرط ثم نعود إلى خيار المجلس، فنقول: إذا مات من تولى العقد، فقد انقضى من زمان الخيار يومٌ، وقد بقي يومان، فبلغ الوارثَ الخبرُ، وقد بقي من مدة الخيار يوم، فلا خلاف أن خيار الوارث يدوم في هذا اليوم؛ فإنه من بقية الزمان المذكور، وهل ينقطع خياره بانقضاء اليوم الأخير؟ أم يثبت له مع ذلك اليوم الخيارُ في يوم آخر؟ حتى يكمل له -بعد بلوغ الخبر- من الخيار ما كان باقياً لمَّا مات المورِّث؟ على وجهين.
ومأخذهما ما قدمناه.
2889 - عاد بنا الكلام إلى خيار المجلس، فنقول: انقطاع المجلس بالموت كانقضاء زمان الخيار قبل انتهاء الخبر إلى الوارث، وتقدير مجلسٍ بمثابة ضرب مدةٍ للوارث، وقد انقضت المدة المذكورة قبل الخبر، والفور كالفور.
2890 - ومما نذكره في ذلك أنه إذا مات أحد المتعاقدين ووارثه غائب، فبلغه الخبر، والعاقد الباقي سبقه 1 إلى ذلك المجلس، فلا خلاف أنه يثبت له مع ذلك الوارث الخيارُ؛ فإن موت من مات إذا لم يقطع الخيارَ عن وارثه، فلا يتضمن قطع الخيار عن العاقد الباقي.
ولكن اختلف أئمتنا في أنه هل يدوم خيارُ الباقي من المتعاقدين إلى أن يبلغ الخبرُ الوارثَ؟ أم يقضى بان الخيار يزول في حقه، حتى يثبت للوارث، ثم يعود إذ ذاك خيارُه؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - أنه يدوم خيارُه؛ إذ سبب استئخار خيارِ الوارث عدم بلوغ الخبر إليه، ولو كان الوارث عالماً، لتخيَّرَ، والباقي من المتعاقدين عالم بحقيقة الحال.
والوجه الثاني - أنه لا يثبت له الخيار، قبل بلوغ الخبر إلى الوارث؛ فإنه لو تخير، لكان منفرداً في التصرف في خيار المجلس، في وقتٍ لا ينفذ فيه تصرف صاحبه.
2891 - وتحقيق ذلك يستدعي مزيداً؛ فنقول: من مات أبوه في غيبةٍ وهو لم يشعر بموته، فتصرف في ماله، على ظن أنه يتصرف ظالماً في مال أبيه، ثم بان أنه كان مات أبوه، وأنه تصرف في ملك نفسه، ففي نفوذ تصرفه اختلاف قولٍ، سيأتي إن شاء الله تعالى.
فإن لم ننفذ تصرفَه في الصورة التي ذكرناها، فالوارث لو فُرض منه فسخٌ، أو إجازة قبل أن يبلغه الخبر، لم ينفذ.
وإن نفّذنا التصرفَ في الصورة المتقدمة، فالوجه أن يقال: إجازته لا تنفذ، وفسخه ينفذ، بناء على القاعدة التي نبهنا عليها في وقف العقود، أما ردُّ الإجازة، فالسبب فيه أن الإجازة رضا، وإنما يتحقق الرضا مع القطع وتصميم العقد، فأما ما كان على تردد، فلا يتأتى منه قطع الإجازة، وقد قدّمنا في تفريع خيار الرؤية أن إجازة المشتري لا تنفذ قبل رؤية المبيع، وفي تنفيذ فسخه كلام، وفيما ذكرتُه من الإجازة في المسألتين احتمال ظاهر.
فإن قيل: إذا قلنا: لا يثبت للعاقد الباقي الخيارُ قبل بلوغ الخبر إلى الوارث، تعليلاً بأنه لا ينفرد بالتصرف عاقدٌ في خيار المجلس، فلو بلغ الخبرُ الوارثَ، والعاقدُ لم يكن مع الوارث في ذلك المجلس، ولم يكن على علم من بلوغ الخبر إلى الوارث، فلا يثبت لهذا العاقد الخيارُ، إذا لم ينفذ التصرف على وقفٍ كما مضى.
وإذا كان كذلك، فالوارث لو تخير، لكان منفرداً في تخيره.
ومنشأ ما نُفرعُ عليه منعُ التفرد بالخيار، فلو جَرَينا على حَقِّ هذا القياس، لقلنا: لا يثبت للوارث الخيار إلا إذا كان العاقد عالماً مع علمه.
قلنا: هذا مُشكل، ولكن قطع الأئمة أنه يثبت له الخيار كما 1 بلغه الخبر، سواء اقترن ببلوغ الخبر علمُ العاقد الباقي، أو لم يقترن، وعللوا بأن شرط اقتران علمه يعطل خيار الوارث، ويُعسِّر الأمرَ.
هذا منتهى الإمكان.
ثم إذا ثبت الخيار للوارث؛ فإن فسخ، نفذ، وإن أجاز، فحق العاقد الباقي في الفسخ هل يبقى؟ الوجه أن يقال: إن أثبتنا الخيار للوارث على الفور، وقلنا: لا يمتد امتداد المجلس، فإذا بطل الخيار بالتأخير، أو بالإجازة، انقطع خيارُ العاقد الباقي.
وإن قلنا: امتد خياره امتداد مجلس بلوغ الخبر، فإن أجاز وهو في مجلسه بعْدُ لم يفارقه، فبلغ الخبرُ العاقدَ الحى والمجلس مستمر بَعْدُ، يثبت له حق الفسخ.
وإن فارق الوارثُ مجلسَ بلوغ الخبر، فقد انقطع خياره، فينقطع الآن خيار العاقد الباقي، ونجعل مفارقة الوارث لذلك المجلس، بمثابة مفارقة أحد المتعاقدين.
فإن قيل: إذا مات أحدُ المتعاقدين، وحكمنا بأن الخيار يثبت لوارثه، وكان غائباً، فقد بطل أثر هذا المجلس، فلو فارقه العاقد الباقي هل يتعلق بمفارقته حكمٌ؟ قلنا: لا يتعلق بمفارقته حكمٌ، والسبب فيه أن القاطع لخيار المجلس مفارقةُ أحد المتعاقدين الثاني، وإذا مات أحد المتعاقدين، فلا أثر لمفارقته، ولا يتعلق به في أمر المجلس حكمٌ، ووجوده وعدمه بمثابة.
فصل
2892 - مذهب الشافعي أن خيارَ الشرط موروث، فإذا شُرط للمتعاقدين، فمات أحدهما في مدة الخيار، قام وارثه مقامه، كما قدمنا التفصيل في انقضاء المدة قبل بلوغ الخبر، وانقضاء بعضها.
قال صاحب التقريب: إذا حكمنا بأن خيار المجلس لا يورث، فقد خرَّج عليه بعضُ أئمتنا قولاً أن خيار الشرط لا يورث، [فإنه] 1 كما اختص المجلس بالعاقد، ولم يوجد منه فراق محسوس، فكذلك الشرط [يختص] 2 بالعاقد.
وهذا بعيدٌ جداً، لم أره لغيره.
فصل
2893 - إذا ثبت خيارُ المجلس بين المتعاقدَيْن، فأُخرج أحدُهما من المجلس محمولاً مكرهاً، فلا يخلو: إما أن يُسدَّ فُوه في حال النقل، حتى لا يتمكن من الفسخ، أو ينقل من غير ذلك، فإن حُمل مُكرهاً مسدودَ الفم، وأُخرج من المجلس، ففي انقطاع خيار المجلس وجهان في الطرق، يقربان من القول في الانقطاع بموت أحد المتعاقدين، والأقرب في الإخراج بقاء الخيار؛ فإنَّ من له حق الخيار باقٍ، وإبطال حقه اللازم قهراً مع بقائه بعيدٌ، فهذا فيه إذا أخرج مسدود الفم.
فأما إذا حُمل مفتوح الفم، وكان متمكناً من الفسخ، ففيه طريقان: من أصحابنا من قطع بانقطاع الخيار، وهو اختيار الصيدلاني، فإنه كان متمكناً من التصرف، فلا يتحقق الإكراه.
وذكر بعضُ أصحابنا وجهين في هذه الصورة، وأشار إليهما العراقيون، ووجه ذلك أنه كان مكرهاً في الإخراج، وهو سبب المفارقة، فقد جرى السبب القاطع للمجلس على كُره، فلا ننظر إلى تمكنه من الفسخ، وهذا يضاهي تركَ المجروح مداواةَ الجرح، مع القدرة عليها، حتى تَزهقَ روحُه 1، وقد يكون المخرَج مبهوتاً في تلك الحالة، أو تكون عليه بقية من التروِّي، ففي إرهاقه وهو في تروّيه إكراه في مقصود الخيار.
فإن قلنا: يبطل خيار المكرَه المُخرج، فيبطل خيار الباقي في المجلس؛ فإنا نجعل هذا الإخراج في قطع المجلس بمثابة الخروج على سبيل الاختيار، ولو خرج مختاراً، لانقطع خيارهما جميعاً.
فأما إذا قلنا: لا يبطل خيار المخرَج كُرهاً، نُظر في الباقي، فإن ضُبطَ 2 حتى لا يساوق هذا المخرَج، فلا يبطل خيارُه؛ [إذْ] 3 تحقق الإكراه في حقه، كما
تحقق في حق [المخرج] 1، وإن كان مطلقاً، وكان يمكنه أن يساوقه حتى لا يتحقق الافتراق، فتقاعد ولم يساوقه، فذلك منه بمثابة إجازة العقد مع دوام المجلس.
وقد ذكرنا أن أحد المتعاقدين إذا أبطل خيار نفسه وحكمنا ببقاء خيار صاحبه، فهل يبطل خيار من أبطل خيار نفسه؟ فعلى وجهين: والمذهب البطلان.
ثم تمام التفريع في ذلك أنا إذا أثبتنا لهما الخيار، وقد جرى التفرق، فمهما 2 تمكن المخرجُ من التصرف وهو في المجلس، فالقولُ فيه كالقول في الوارث إذا بلغه الخبر، وأثبتنا له الخيارَ، وقد سبق القول في الفور والامتداد إذا زايله الإكراه وهو مارٌّ، غيرُ قار في موضع، فإن كنا نرى الخيار على الفور لو كان في مجلس، فالخيار على الفور، عند تحقق التمكن، وزوال الإكراه، وإن قلنا: يمتد الخيار امتداد المجلس، فإذا كان ماراً غيرَ لابثٍ، فالذي أراه أنه إذا فارق في مروره مكان التمكن، انقطع خياره؛ إذ لا ينضبط لمروره منتهى، فكان مكان التمكن مجلساً، وقد فارقه.
2894 - فإن قيل: إذا خرج عن مجلس العقد مكرهاً، وحكمنا بأنه لا يبطل خياره وبسبب هذه المفارقة، فإذا زايله الإكراه وتمكن من الانقلاب على المجلس والاجتماع بمُعَاقِده، فهل عليه ذلك إن أراد بقاء الخيار؟ قلنا: الوجه عندنا أنه إن طال الزمان، فقد انقطع ذلك المجلس حسّاً، فلا معنى للعود.
وإن قرب، ولم يطل الفصل، ففي المسألة احتمال في تكليفه العودَ إلى الاجتماع بمُعاقده، من حيث إنه في استدامة الكَوْن على صورة المفارقة في حكم المؤْثر للفراق.
والعلم عند الله تعالى.
فرع:
2895 - إذا جُنَّ من له الخيار في مكان الخيار وزمانِ الخيار، لم ينقطع خيارُه وفاقاً، وقام من يقوم عليه في أموره مقامه في أمر الخيار، وليس الجنون في معنى الموت؛ فإن الموت فراقٌ كما قدمناه.
فلو فارق المجنون مجلسَ العقد، فهذا فيه احتمال يلاحِظ إخراج أحد المتعاقدين عن مجلس العقد كُرهاً.
ويجوز أن يقال: لا ينقطع بمفارقة المجنون؛ فإن التصرف
في الخيار، انقلب إلى الولي القوَّام عليه، ويعارض ما ذكرنا أنه لو كان كذلك، لكان الجنون كالموت، وكان المجنون كالمعدوم، حتى تخرج المسألة على قولين في بطلان الخيار، وليس الأمر كذلك، ولا شك أن من نسي العقدَ، وفارق المجلس، ثم تذكره، فينقطع خيارُه، ولو أكره على المفارقة حتى تعدى بنفسه المجلسَ، فيظهر تنزيل هذا منزلة ما لو حُمل وأُخرج.
ولا وجه لتقريب ما نحن فيه من أحكام الحِنث في اليمين، وقد ذكرنا قولين في أن الناسي هل يحنَث في يمينه؟ فالذي نحن فيه لا يُتلقى من ذلك الأصل؛ فإن المعتبر في نفي الحِنْث، في حق الناسي على قولٍ = أن الحالف جعل اليمين وازعةً إياه مما حلف عليه، وهذا يُشعر بتخصيصه عقد اليمين بحالة الذكر؛ فإنّ اليمين المنسية لا تَزَعُ.
والأصل الذي نحن فيه ليس من ذلك، والناسي إذا فارق مجلس العقد في حكم مضيّعٍ حقَّ نفسه بالنسيان.
وأما إذا كان مكرهاً، فقد نقول: لا يبطل حقه اللازم بما هو مكره فيه، وذلك واضح لمن أَلِفَ مسالك الفقه.
فصل
2896 - خيار الشرط ثابت في نص السنَّة، وهو متفق عليه، ومذهب الشافعي أنه لا يُزاد على ثلاثة أيام، والمتبع في ذلك التوقيفُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حديث حَبّانَ بنِ مُنقذ، أنه قال فيما رواه نافع، عن ابن عمرَ، قال: "كان حَبانُ بنُ مُنقذ رجلاً ضعيفاً، وكان قد سُفع في رأسه مأموماً 1، فجعل له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار فيما اشترى ثلاثاً، وقال له: بع وقل لا خِلابة" 2 وكان
ثقل لسانُه لمكان الشجَّة، وكان يقول: لا خذابة، لا خذابة.
والخيارُ مخالفٌ لوضع البيع، في منع نقل الملك، أو في منع لزومه، فثبوتُ الخيارِ حائدٌ عن الموضوع، فيتعين التوقيف فيه، فليس في إثباته غيرُ الاتباع، وقد ورد الخبرُ في إثبات الثلاث 1، فلا مزيد عليها، فإذا تشارط المتبايعان الخيارَ ثلاثة أيام، ثبت.
وإن شرطاه أقل من ذلك، ثبت المشروطُ بلا مزيدٍ، ولا سبيل إلى الزيادة على الثلاث، ولا يختلف ذلك باختلاف صفات المعقود عليه.
2897 - ثم أول ما نذكره تفصيلُ القول فيما يثبت فيه خيار الشرط من العقود، فنقول: خيار المجلس يعم كلَّ بيع، كما تقدم.
وخيار الشرط لا يثبت من البيوع في الصرف والسلم.
والسبب فيه أن الصرف لا يقبل الأجل، والخيارُ أحق بأن يكون غرراً من الأجل، وهو في التحقيق تأجيلُ نقل الملك، أو تأجيلُ لزومه، والسلم وإن قيل: التأجيل في جهة المسلَم فيه، فلا يتصور ذلك في رأس المال؛ إذْ إقباضُه في المجلس شرط العقد، فكان في ذلك كالصرف من الجانبين، والخيارُ لو قُدر ثبوته، لتضمن جوازَ العقد في عِوَضيْه؛ إذ لا يتصوّر بيعٌ جائزٌ في أحد العوضين.
فرع:
2898 - إذا ثبت أن خيار المجلس يثبت في الصرف والسلم، فأثر ثبوته أن مَن فسخ العقد من المتعاقدين، انفسخ، وإن كان ذلك بعد جريان التقابض حِساً، ولو = وأحمد، وابن خزيمة وابن الجارود، والحاكم، والدارقطني.
ذكر هذا ابن حجر في الإصابة في ترجمة حبان.
وقيل: إن صاحب القصة هو منقذ والد حَبانَ، وليس حَبان، وذكر ذلك البخاري في تاريخه، وابن ماجه، وحكاه النووي في المجموع، والتهذيب، وذكر الحافظ في التلخيص أن النووي قال: إنه الصحيح.
أجازا العقدَ، نُظر: فإن أجازا بعد التقابضِ، لزم العقدُ، وامتنع فسخه، وإن أجازا العقدَ قبل جريان القبض، ففي المسألة وجهان، ذكرهما شيخي، وصاحب التقريب: أحدهما - أن الإجازة لاغية؛ فإن القبضَ يتعلق بالمجلس، وهو بعدُ باقٍ، فحكم المجلس في الخيار باقي.
والوجه الثاني - أن خيار المجلس ينقطع.
ثم الذي أثق به في التفريع، أنا إذا قطعنا باللزوم، تعيّن على المتعاقدين التقابضُ، فإن تفرقا قبل التقابض، انفسخ العقدُ بعد اللزوم، ولم نُعَصِّهما إذا كان تفرقهما عن تراضٍ، وإن فارق أحدُهما الثانيَ منفرداً قبل القبض، انفسخ العقد، ولكنه عصى بانفراده بما تضمن فسخَ العقد، وإسقاطَ المستحق عليه من العوض.
فرع:
2899 - الإجارة هل يثبت فيها خيارُ المجلس والشرط؟ الطريقة المرضية فيها، أن خيار الشرط لا يثبت فيها؛ لأنه يتضمن تعطيل المنافع، ونحن منعنا إثبات خيار الشرط في الصرف؛ من حيث إن الصرفَ يقتضي تعجيلَ الإقباض، والخيار يؤخر التصرّفَ، وهو نقيض موضوع الصرف.
فإذا فسد شرطُ الخيار في الصَّرف بتأخير مقصوده، فالخيار الذي يعطل المنافع بذلك أولى، وهل يثبت فيها خيارُ المجلس؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يثبت؛ فإن المعتمد فيه الخبر، وهو مختص بالمتبايعين، والإجارة لا تسمى بيعاً.
والوجه الثاني - أن خيار المجلس يثبت؛ فإنا فهمنا من إثبات خيار المجلس غرضَ تدارك الغبن إن كان، والإجارة في هذا المعنى كالبيع، وقد قال الشافعي: الإجارات صنفٌ من البيوع، فهو في التحقيق بيعُ المنافع.
ثم المجلس في غالب الأمر لا يمتد، فإن مضى شيء من الزمان، وتعطل فيه مقدار نزر من المنفعة، فهو مما لا يبالَى به، وإن طال المجلس على ندور، فالنادر لا يغير وضعَ الشيء.
وذكر الإمام وبعض أصحاب القفال الخلافَ في خيار الشرط أيضاً.
وحاصل الطريقة ثلاثةُ أوجه في الخيارين: أحدها - يثبتان، [والثاني - لا يثبتان] 1، والثالث -
يثبت خيارُ المجلس، ولا يثبت خيار الشرط.
والمرتضى الطريقةُ الأولى، فإن قلنا: لا يثبت الخياران جميعاً، وهو الأصح، فلا كلام.
وإن قلنا: يثبت الخياران، أو أحدُهُما، فالوجه عندي القطعُ بأن ابتداء المدة المضروبة في الإجارة تُحتسب من وقت العقد؛ فإن المصيرَ إلى أن المدة يحتسب ابتداؤها من انقضاء الخيار، يتضمن استئخار مدة الإجارة عن العقد، وهذا ينافي مذهب الشافعي؛ فإنه لا يرى إجارةَ الدار للسنةِ القابلة.
والمصيرُ إلى أن ابتداء المدة من وقت تصرُّمِ الخيار تصريحٌ باستئخار موجَب العقد [عن العقد] 1 وإجارة الدار للسنة القابلة عند الشافعي بمثابة تعليق العقد على مجيء الزمان المرتقب، وهذا لا مساغ له.
فإن قيل: إذا احتسبنا المدة من ابتداء العقد، فتتعطل المنافع على المستأجر، أو
على المكري؟ قلنا: لا بد من التزام ذلك إذا قلنا بإثبات الخيار.
ومن فساد التفريع نتبين فساد الأصل.
ثم نقول: لو قُلنا: ابتداءُ المدّة من انقضاء الخيار، فالمنافعُ في مدة الخيار تتعطل على المكري، فلا بد من تعطيل كيف فرض الأمرُ.
فلو قالَ قائل: ينبغي أن تُجوّزوا للمُكري الانتفاعَ إذا صرنا إلى [أن] 2 ابتداء المُدَّة يُحسَبُ من انقضاء الخيار.
قلنا: هذا الآن ينتهي إلى القُرب من خرق الإجماع.
ومن أكرى داراً سنة مطلقاً، ثم أكراها من غير المكتري ثلاثة أيام، فلا مُجيز لذلك، فيما أظنُّ.
وقال شيخي: من أئمتنا من يحتسب ابتداء مدة الإجارة من وقت انقضاء الخيار، وهذا يمكن توجيهُه على بُعده.
ولهذا القائل أن يقول: إنما يمتنع استئخار حُكم الإجارةِ عن العقد، إذا لزم العقد.
وهذا كما أنه يلزم ملك المشتري إذا لزم العقد، ويتأخر ملكُه، أو لزومُ ملكه إذا اشتمل العقد على الخيار.
فإن صح هذا
الوجه، فالقياس يقتضي جوازَ إجارة الدار للمكري في مدة الخيار، وأراه بعيداً.
التفريع:
2900 - إن احتسبنا المدةَ من العقد، فالمنافع الفائتة في زمان الخيار يُنظرُ فيها، فإن هي فاتت في يد المكري، فهي من ضمانه، وإن كانت الدارُ في يد المكتري، ففوات المنافع في يده بمثابة تلف جزءٍ من المبيع في زمان الخيار في يد المشتري.
وسنعقد في ذلكَ فصلاً.
وإن فرَّعنا على أن العقد يحتسب ابتداءُ مدته من انقضاءِ الخيار، فلا خفاءَ بما نحاولهُ.
وإنما الذي يغمض فيه أن المكرِي لو أراد أن يُكري الدار في مدَّة الخيار، فهل له ذلك؟
وكل ما ذكرناه في إجارةٍ تورد على عين، فأما الإجارة الواردة على المدة، فقد قال الشيخ أبو علي: من يجعلها كالسَّلَم، ففيها خيار المجلس، ولا يثبت فيها خيار الشرط، ومن أئمتنا من يجعلُها كالسلم 1، فيثبتُ عنده فيها الخياران، بخلاف الإجارة الواردةِ على الحين، وذلك لأن المعتمد في نفي الخيار في الإجارة الواردة على العين ما قدمناه من تعطّل المنافع، وهذا المعنى لا يتحقق في الإجارة الواردة على الذمَّة، وفيه احتمالٌ عندي؛ لأن هذا لا يسمى بيعاً، والمعتمدُ في الخيارين الخبر، وهو في البيع.
فرع:
2901 - في المسابقة قولان: أحدهما - أنها جائزة، فلا معنى لتقدير الخيار على ذلك، والثاني - أنها لازمة، قال الأئمة: إذا حكمنا بلزومها، فهي في الخيارين بمثابَةِ الإجارة، والمسابقة عندي أبعد من الخيار، لأنها لا تعدُّ من عقود المغابنات، فازدادت بُعداً من البيع الذي هو مورد الخبر.
فصل
يحوي حقائق في جمع الخيارين وفي ثبوت أحدهما دون الثاني
2902 - فنقول: خيار المجلس يثبت في كل بيعٍ، وخيار الشرط لا يثبت في الصَّرف والسَلَم، ويثبت في غيرهما من البيوع.
والوجه نفي الخيارين في الإجارة، ولا يتَّجه إثبات خيار الشرط في الإجارة؛ فيخرج من ذلك أن خيار الشرط أولى بالانتفاء في الإجارة؛ لأنه يتضمن التعطيلَ لا محالة، وخيار المجلس في الغالب لا يدوم.
وإذا قُلنا: القسمةُ بيع، وكانت قسمةَ اختيار، فقد ذكرتُ التردد فيها.
والوجه أن يقال: هذا التردد في خيار المجلس؛ فإن خيار الشرط معتمدُه اللفظ، ويبعُد ثبوتُه لفظاً في القسمة، وهي لا تعتمد لفظاً.
ومن هذا الجنس أخذُ الشفيع الشقص المشفوعَ، فإذا أخذهُ ملكه بعوضٍ يبذله، وهو في حكم بيعٍ، ففي ثبوت الخيار للشفيع وجهان؛ فإنهُ ابتياع حكماً، ثم هذا إنما يجري في خيار المجلس، فأما خيار الشرط، فلا يثبت؛ فإن الخيار الذي يُثبته اللفظ يليق بعقدٍ يعتمد الإيجابَ والقبول.
ثم في خيار المجلس للشفيع غموضٌ أيضاً، من حيث إنه يستحيل ثبوتُهُ للمشتري؛ إذ هو مقهور، وثبوت الخيار حكماً في أحد الجانبين بعيدٌ.
ثم إذا أثبتنا الخيار للشفيع، فليس المعني به ثبوتَ الخِيرة في الأخذ والترك، مادام في المجلس، تفريعاً على قول الفور.
وقد غلط بذلك بعضُ الأصحاب.
والصحيحُ عندنا أنه يأخذ على الفور، ثم له الخيار في نقض الملك وردّه.
وأما الحوالة فقد ذكرنا ترتيبَ المذهب في الخيار فيها، فإن قُلنا بثبوت الخيار، فقد قال العراقيون: لا يثبت خيارُ الشرط، وليس يتجه عندي فرق بين الخيارين في الحوالة؛ فإن المعتمد في الحوالة اللفظُ، فلا يبعد شرط الخيار معهُ.
فرع:
2903 - ذكر الأئمة أن الصداقَ لا يثبت فيه الخياران جميعاً، وقد ذكر
صاحب التقريب وغيرُه وجهاً آخر في إثبات الخيار في الصداق وحده، وإن كان لا يثبت في النكاح، كما يجري الرد في الصداق والنكاحُ بحاله.
وهذا منقاسٌ، وقد ذكر الصيدلاني في كتاب الصداق قولين منصوصين في ثبوت الخيار في الصداق، ثم من أثبت الخيار في الصداق، لم يفصل بين خيار المجلس، وخيار الشرط.
وخيارُ الشرط أليق بالصداق عندي من خيار المجلس، من حيث إنه يعتمد اللفظ، ويقبل التخصيص، فيجوز أن يشترط مختصّاً بالصداق.
وخيار المجلس يبعُد ثبوتُه في الصداق؛ فإن وضعَه يتضمن التعَلُّقَ بالجانبين، فإذا امتنع ثبوتُه من جانبٍ، بَعُد ثبوته من الجانب الثاني.
فصل
2904 - إذا شرطنا في البيع خيارَ ثلاثة أيام، وثبتَ فيه خيار المجلس شرعاً، فقد رَتَّبَ الشيخُ في شرح الفروع ترتيباً وافقَ في معظمه ترتيبَ صاحب التقريب، فمما اشتهر فيه خلاف الأصحاب أن البيع إذا شُرط فيه خيار ثلاثة أيام مطلقاً، وثبت فيه خيار المجلس لا محالة، فخيار الشرط من أي وقت يحتسب؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يحتسبُ من وقت العقد، ولا يبعُد ثبوتُ الخيارين في وقتٍ واحدٍ، ومطلقُ الشرط يتضمنُ اتصال المشروط بالعقد.
والوجه الثاني - أنه يثبت ابتداءُ مدة الخيار المشروط من وقت التفرق، وهذا القائل يعلل ما قاله بوجهين: أحدهما - أن الشرط المطلق يتضمن إثبات الخيار في زمان لولا الشرط، لم يثبت جواز العقد، فإذا كان خيار المجلس ثابتاً شرعاً، وجَرَى شرط الخيار، أشعر ذلك بتخصيص الخيار المشروط بما بعد المجلس.
والوجه الثاني - أن إثبات خيارين متماثلين، في وقتٍ واحدٍ لاغٍ، لا معنى له، وكل شرط لم يتضمن فائدة لغا، فسقط أثر الخيار.
ثم قال الشيخ وصاحب التقريب: هذا فيه إذا كان شَرْطُ الخيار مطلقاًً، فأما إذا صرحنا بإثبات خيار الشرط من وقت العقد، فإن قلنا: مطلق الشرط يقتضي ذلك، فهذا تصريح بمقتضى الإطلاق، فيصح.
وإن قلنا: إن (1 الخيار المطلق يحتسب من وقت التفرق، فإذا شرطا احتسابه من وقت العقد، ففي صحة الشرط وجهان، يتلقى توجيههما 1) من المعنيين اللَّذيْن ذكرناهُما في توجيهِ احتساب الخيار المطلق من وقت التفرق.
فإن قلنا: سبب ذلك أن الشرط يتضمن إثبات الخيار، [حتى] 2 لا يثبت لولا الشرط؛ فاستئخار الخيار إذن من حكم إطلاق اللفظ، فإذا وقع التصريح بالاحتساب من وقت العقد، نجري على حكم التصريح، وإن اعتبرنا في التوجيه استبعادَ ثبوت خيارين، فهذا مسلكه المعنى إذن.
فلا يجوز التصريح باشتراط جمع الخيارين، والشرطُ فاسد مفسدٌ للعقد، كما سيأتي تفصيل الشرائط في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
وإن قلنا: الخيار المشروط يحتسب ابتداءُ مدته من وقت العقد عند الإطلاق، وهو الصحيح الذي اختاره ابن الحدّاد، فلو شرط احتساب ابتداء خيار الشرط من وقت التفرق، فقد قطع الشيخ بفساد الشرط، على هذا الوجه الذي عليه نفرعّ.
ووجَّهه بأن الشرط تضمن إثباتَ ابتداء الخيارِ في وقتٍ مجهول، إذ لا يُدرَى متى يكون التفرق.
وذكر صاحب التقريب في هذه الصورة وجهين: أحدهما - ما ذكرناه، والثاني - أن الشرط يصح.
وهذا وإن أمكن توجيهه، فالأصح ما ذكره الشيخ.
فرع:
2905 - إذا حكمنا باجتماع الخيارين، فلو قالا: أبطلنا الخيارين، بطل الخيار.
وإن قلنا: يستأخر ابتداءُ خيار الشرط عن المجلس، فإذا قالا: أبطلنا الخيارَ أو قطعناه، فينقطع خيارُ المجلس، وهل ينقطع خيارُ الشرط؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يبطل؛ فإنه لم يصادفه الإبطال.
والثاني - يبطل الخياران؛ فإن مقصودَهما إلزامُ العقد، هذا هو المفهوم من مطلق الإبطال.
فلو قالا: أَلزمنا العقدَ، وجب القطعُ بانقطاع الخيارين.
فرع:
2906 - قد أوضحنا أن خيار الشرط يتأقَّت بثلاثة أيام، وشرط خيار زائد1
فاسدٌ مفسد.
وأما خيار المجلس، فلا يتقدَّر بمقدارٍ، ومنتهاه إن لم يُقطع التفرقُ 1.
وحكى الشيخ أبو علي وجهاً أن خيار المجلس لا يزيد على ثلاثة أيام، وإذا تمادى المجلس في سفينة، أو غيرها، وانتهى إلى ثلاثة أيام، انقطع الخيارُ.
وهذا بعيدٌ مزيّفٌ.
فرع:
2907 - إذا ذكرا في البيع أجلاً، والعقد استعقبَ خيارَ المجلس، فقد ذكرنا أنه لو شرط فيه خيار الشرط، فهوَ من أيّ وقتٍ يحتسب؟ قال الشيخ: إن قلنا: خيارُ الشرط يحتسب ابتداؤه من وقت العقد، فيحسب ابتداءُ الأجل من وقت العقد أيضاً، وإن قلنا: الخيار المشروط يحسب ابتداؤه من وقت التفرق، ففي الأجل وجهان، والفرق بين الأجل والخيار أن الأجل ليس من جنس الخيار، فكان اجتماعهما أقربَ؛ لما بينهما من الاختلاف.
فإن قيل: لا وجه لقول من يحتسب الأجلَ من وقت التفرق إذن، قلنا: الخيار يمنع المطالبةَ بالثمن، كالأجل، فكان قريباً منه.
والخيار في التحقيق تأجيل لإلزام الملك، أو نقله، والأجلُ تأخيرُ المطالبة، ومن أخّر الأجل عن خيار المجلس، فقياسه يقتضي أن نقول: إذا شَرط في البيع خيار ثلاثة أيام، وأجَّل الثمنَ فيهِ، فينبغي أن يفتتح هذا القائلُ ابتداءَ الأجل من انقضاء خيار الشرط؛ لأنه عنده في معناه، ولا سبيل إلى الجمع بين المثلَين كما قررناه.
فرع:
2908 - إذا شرط المتبايعان الخيار لثالث، وفوضا إليه الفسخَ والإجازةَ، صح ذلك باتفاق الأصحاب، ونفذ منه الفسخُ والإجازةُ.
فإذا شرطا الخيارَ لثالث، ولم يتعرضا لثبوت الخيارِ لأنفسهما، فهل يثبت لهما الخيار، وقد أطلقا شرط الخيار لثالث، ولم ينفياه عن أنفُسِهما؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يثبت لهما الخيار؛ فإن الثالث في حكم النائب عنهما، وليس عاقداً؛ فاستحال أن يثبت له الخيار، ولا يثبت لهما.
والثاني - أنه لا يثبت لهما؛ فإن هذا الخيار في أصله يتبع الشرط، فثبت لمن شُرِط له، ولا يثبت لغيره.
فإن حكمنا بأن الخيار يثبت لهما، فلو صرَّحا بنفي الخيارِ عن أنفسِهما، وخَصَّصا الخيارَ بالثالث، فَفي صحة هذا الشرط وجهان: أحدهما - يصح اتباعاً للشرط.
والثاني - لا يصح.
وحقيقةُ الوجهين ترجع إلى أن من حكم بثبوت الخيار للعاقدين فهو بماذا؟ فكان من أصحابنا من يقول: سبب ثبوت الخيار لهما أن شرطَهما الخيارَ لثالث يقتضي من حيث اللفظ أن يثبت لهُما.
فمن قال ذلك بنى عليه أنهما لو صرَّحا بالنفي عن أنفسهما، انتفى عنهما.
ومن أصحابنا من قالَ: سبب ثبوت الخيار للمتعاقدَيْن استحالةُ ثبوته لمن ليس عاقداً، إلا على طريق النيابة، فعلى هذا الجمع بين إثبات الخيار للغَيرِ ونفيه عن المتعاقدين فاسدٌ.
ولا خلاف أنهما لو شَرَطا الخيارَ لأحدِ المتعاقِدَين ثبتَ له مختصّاً به، وانتفى عن الثاني.
قال صاحب التلخيص: لو كان المبيع عبداً، فشرط المتعاقدانِ الخيارَ له، ففوَّضا إليه الفسخَ والإجازة، جاز.
وكان تفويضُ الخيار إليه بمثابة تفويضه إلى أجنبي، وقد ساعده الأصحاب على ما قالَ.
فرع:
2909 - إذا وكل رجل وكيلاً في بيع، وأذنَ له في اشتراطِ الخيار، فاشترَط على حسب أمره، ثبت الخيار له، واختلفَ أئمتنا في أن الخيارَ الثابتَ لمن؟ فمنهم من قالَ: هو للموكِّل، كما أن الملك في العوض له، والخيار من حقوق الملك والعقد.
والوجه الثاني - أن الخيار للوكيل؛ فإنه المتعاطي للعقد، والوجه الثالث - أن الخيار ثابتٌ لهما جميعاً، فيثبت للوكيل لتوليه العقد، ويثبت للموكِّل لأن مقصود العقد إليه يئول.
وإذا شرط المتعاقدان الخيارَ لثالث، فلا يجري فيه إلا وجهان، كما تقدمَ ذكرُهما، ولا يخرج فيه أن الخيار لهما، ولا خيار للثالث.
وقد ذكرنا وجهاً أن الخيار للموكّل ولا خيار للوكيل، ثم إذا أثبتنا الخيار للموكل وحده، أو للوكيل والموكل جميعاً، فإنما ذاك في خيار الشرط، فأمّا خيارُ المجلس، فإنه يتعلق بالوكيل، وينتهي بمفارقته المجلس.
ويجب القطع بأنه لا ينفذ فسخُ الموكِّل وإجازتُه؛ فإنه لا تعلق له بالمجلس.
وخيار المجلس إنما يثبت لمن يتعلق به المجلس، وينقطع بفراقِه.
وهذا
كما أن حق القبول يتعلق بالوكيل المخاطب، فمجلس العقد يختص بالعاقد كالعقد.
فهذا ما أراه.
وقد نجزت قواعدُ القول في الخيارين.
فصل
2910 - قد تقدَّم القول في ثبوت الخيارين، ونحن الآن نذكر أحكام الزوائد التي تَحدثُ في زمانِ الخيار، ثم نذكر التصرُّفَ الذي يَصدُر من المتعاقدَين، أو من أحدهما.
والوجه تقديمُ القول في المِلكِ، فإذا ثبت الخيار للمتعاقدَيْن جميعاً، فقد اختلفت نصوص الشافعي في أن الملكَ في زمان الخيار لمن؟ والنصوص مشهورٌ، فلم أنقلها، وحاصلها أقوال: أحدها - "أن الملك في المبيع للمشتري"، وهو الصحيح.
والثاني - "أن المِلكَ فيه للبائع".
والثالث - "أن الملك موقوف".
فإن تم العقد تبيّنا أن الملك زال إلى المشتري، بنفس العقد، وإن فُسخ العقدُ في زمان الخيار، تبيَّنا أن الملك لم يَزُل عن البائع، ثم طرد الأئمةُ الأقوالَ الثلاثةَ فيه، إذا كان الخيارُ لهما، أو كان الخيار لأحدهما.
وقال بعضُ المحققين: إن كان الخيار لهما، ففيه الأقوال.
والأصحُّ أن الملك موقوف، وإن كان الخيار للمشتري فالأصحُّ أن المِلك له، وإن كان الخيار للبائع، فالأصح أن المبيع باق على ملكه، وكان الإمام يقول: يتّجه أن نجعل ذلك قولاً رابعاً مفصلاً، ضماً إلى الأقوال المرسلة.
توجيه الأقوال: إن قلنا: إن الملك للمشتري، فلأن البيعَ موضوعٌ لنقل المِلكِ، فلو استأخر عنه موضوعه، لكان في معنى تعليق العقدِ؛ إذ لا وجه لعقد لا يتحققُ فيه موضوعُه.
نعم مقصود الخيار ثبوت استدراكٍ، وإلا فلا فرق بين تأخير المقصود بالعقدِ، وبين تأخير انعقادِه.
وإن قلنا: الملك للبائع، فوجهه أن البيع [المطلق] 1 الذي لا يفرض فيه خيارٌ
موضوعُه نزولُ المشتري في المبيع منزلة البائع، في استفادة التصرفات، ومعلومٌ أن الخيار يوجب استئخار التصرُّف، فأشعر ذلك باستئخار الملك.
وإن قلنا بالوقف، فوجهه النظر في الجانبين، واعتمادُ العاقبة في الأمر، وهذا القول يلاحظ [قول] 2 وقفِ العقود بعضَ الملاحظة.
ثم إذا حكمنا بأن الملك في المبيع للمشتري، فلا شك أن الملك في الثمن للبائع، وإذا حكمنا بأن المبيعَ باقٍ على ملك البائع، فالثمن باقٍ على ملك المشتري، وإذا حكمنا على الوقف، فالأمر في العوضين موقوف.
فإذا وضح غرضُنا في الملك، فنذكرُ بعد ذلك فصولاً: أحدها - في الزوائد، والثاني - في التصرفات المتعلقة [بالأقوال، والثالث في التصرفات المتعلّقة] 3 بالأفعالِ، ونختم الغرضَ بما يقطع الخيار وما لا يقطع.
[الفصل الأول
في الزوائد التي تحدث في المبيع في زمن الخيار] 4
2911 - فأما الزوائد: أما المتَّصلةُ، فلا أثر لها، وهي لمن يستقر الملك في الأصل له، ولا موقع للزوائد إلا في الصداقِ، عند فرض الطلاق قبل المسيسِ، كما سنذكره إن شاء اللهُ تعالى.
وأما الزوائد المنفصلة، فمنها الكسبُ، فإذا اكتسب العبد المبيعُ في زمان الخيار شيئاً، فنفرع حكمه فيه إذا أُجيز العقد وتَم، ثُم نفرع حكمَه إذا فُسخ العقد.
فإن أجيز العقد، نُفرِّع الأمر على الأقوال في الملك، فإن فرّعنا على أن الملك للمشتري، فالزوائد له؛ فإنها استفيدت والملكُ له، ثم استقرَّ الملك آخراً.
وإن
قُلنا: المِلكُ للبائع، ففي الكسب وجهان: أحدهما - أنه للبائع؛ فإنه جرى والملك في الأصل [له، على هذا القول، وهو الظاهر، والثاني - أن الملك للمشتري؛ فإن الملك في الأصل] 1 تقرر عليه، وكان العقد معقوداً لذلك، والبائع لم يقصد باستبقاء الملك تأثُّلَه 2، وهذا الوجه يلاحظ قولَ الوقف.
وإن فرعنا على قول الوقف، فالملك في الكسب للمشتري؛ فإن العقد إذا أُجيز نتبين أن الملك للمشتري.
فهذا تفريع الكسب، وقد أُجيز العقدُ.
2912 - فأما إذا فسخ العقد في زمان الخيار، بعد حصول الكسب، فنخرّج ذلك على أقوال الملك، فإن حكمنا بأن الملك للبائع، وقد استقر الملك عليه آخراً، فالكسبُ لهُ، وإن حكمنا بأن الملك موقوفٌ، فالكسب للبائع أيضاً؛ فإن العقدَ إذا فسخ فمُوجَب الوقف أنا نتبين أن مِلكَ البائع لم يزل، وإن حكمنا بأن الملك للمشتري، ففي الكسب وجهان: أحدهما - أنه له؛ إذْ حصل في زمانٍ كان الأصلُ مملوكاً له فيه.
والثاني - أنه للبائع؛ فإن الملك في الأصل استقرَّ له، وآل إليه.
وحاصل الخلاف والوفاق في الإجازة والفسخ، أنا نقول: من اجتمع له ملكُ الأصل، واستقراره عليه، فالملكُ في الكسب له وجهاً واحداً.
ومن لم يكن له ملكٌ في الأصل، ولم يصر المِلكُ إليه في المآل، فليس الكسب له وجهاً واحداً.
وإن كان الملك لأحدهما أولاً، ثم لم يستقرَّ له، بل صار إلى صاحبهِ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن ملك الكسب لمن صار الملكُ في المآلِ إليه، والثاني - أن الملكَ في الكسب لمن كان الملكُ حالة حصول الكسب له في الأصل.
ولو حدثت ثمرةٌ، أو وُلد مملوكٌ في زمان الخيار، فالقول فيه كالقول في الكسبِ، حرفاً حرفاً.
فهذا بيان الزوائد في زمان الخيار.
[الفصل الثاني
في التصرفات التي تقطع الخيار] 1
2913 - فأما التصرف، فنبدأ بالأقوال، وهي تنقسم إلى ما يقبل التعليق، وهو العتق، وإلى ما لا يقبله، كالبيع، فنبدأ بالعتق، فنقول:
إن أعتق المشتري العبدَ في زمان الخيار، فلا يخلو إما إن كان المشتري منفرداً بالخيار، أو كان الخيار لهما جميعاً، أو كان الخيار للبائع وحدهُ.
فإن كان الخيار للمشتري وحده، فينفذ عتقُه، سواء قلنا: الملك له، أو قلنا: الملك للبائع، أو وقفناه؛ فإنّ عتقه إجازةٌ منه، وله الانفراد بها، إذا كان منفرداً بالخيارِ، فنَفَذَ إذاً عتقُه وتضمَّن الإجازة، وإن فرَّعنا على أنه لا ملك لهُ.
وإن كان الخيارُ لهما جميعاً، نفرعّ العتق على الملك، فإن قُلنا: الملكُ للمشتري، ففي نُفوذ عتقهِ وجهان: أحدهما - ينفذ لمصادفته الملكَ.
والثاني - لا ينفذ لثبوت حق البائع من الخيار فيهِ، وهذا يدنو من اختلاف القول في نفوذ عتق الراهنِ في المرهُون.
فإن قلنا: ينفذ عتقه، فهل يبطل حق البائع من الخيار؟ فعلى وجهين: أحدهما - يبطل؛ فإن متعلّق الخيارِ العين، وإذا نفذنا العتق وتعذَّرَ ردُّه، فلا معنىً للخيارِ.
والوجه الثاني - أن الخيار يبقى متعلّقه العقد، والعقدُ لا ينقطع بفوات المِلكِ في المعقود عليه.
التفريع:
2914 - إن حكمنا بأن الخيار قد انقطع، فلا كلام، وقد لزم العقد، واستقرَّ الثمن، وإن حكمنا بأن خيار البائع باق، فهل له ردّ العتق، فعلى وجهين: أحدُهما- ليس لهُ ذلك؛ فإن رد العتق بعيدٌ بَعدَ الحكم بنفوذهِ.
والوجهُ الثاني - له ردّهُ؛ فإن العتق يضاهي الملك، فإذا كان جائزاً، كان العتق مشابهاً لهُ في الجواز.
التفريع على هذين الوجهين:
2915 - إن قلنا: له ردُّ الملك، فلا كلام.
وإن قُلنا: ليس له رَدُّه، فإن أجاز
العقدَ، جازَ، وإن فسخ، وجب على المشتري قيمةُ العبد، وقد يستفيد بذلك مزيداً، إذا كانت القيمة أكثرَ من الثمن.
هذا كلُّه تفريعٌ على قولنا: إنهُ ينفذ عتق المشتري، فأمَّا إذا قُلنا: لا يَنفذ عتقُ المشتري، فلا يخلو إما أن يفسخ البائعُ أو يجيز، فإن فسخ، ارتد العبدُ إليه مملوكاً، وإن أجاز العقدَ، ولزم الملك للمشتري، فهل ينفذ الآن عتق المشتري، فعلى وجهين: أحدهما - لا ينفذ؛ لأنه نجَّز العتقَ، فرددناه، فتنفيذُه بعد ردّه محال، وهو بمثابة ما لو أعتقَ عبداً لغيره، ثم اشتراه.
والوجه الثاني - أنه ينفذ عتقُه [إذا] 1 لزم ملكه؛ فإنه استقرَّ ملكه آخراً، فالاعتبار بما استقرَّ الأمر عليه، وهذا ميلٌ إلى قول الوقف.
فإن قلنا: بأن العتقَ لا ينفذ، فلا كلام، وإن قلنا: إن العتق ينفذ، فمتى ينفذ؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه ينفذ إذا لزم الملك، والثاني - أنا نتبين أنه نفذ حين أنشأه، وإن كنا لا نُفرّع على قول الوقف.
وهذا بعيد جداً، وهو تصريحٌ بمقتضى الوقف.
وكل ما ذكرناه تفريعٌ على أن الملك للمشتري، فإن حكمنا بأن الملك للبائع، فلا ينفذ عتق المشتري أصلاً؛ إذ لا ملك له، وليس منفرداً بالخيار، وإن أجيز العقد، ففي نفوذ العتق الخلافُ المتقدّم.
وهذا أولى بألاّ ينفذ.
ثم التفريع ينساق كما مضى.
2916 - وإن فرَّعنا على أن الملك موقوف، فالقول الحاوي في التفريع عليه، أنه إن أُجيز العقد، فالتفريع في هذه الحالة على هذا القول، كالتفريع على أن الملك للمشتري وقد أجيز العقد.
وإن فسخ، فالتفريع في هذه الصورة كالتفريع على أن الملك للبائع وقد فسخ العقد.
وكل ما ذكرناه فيهِ إذا كان الخيار لهُما جميعاً، أو كان الخيار للمشتري وحده.