كتاب الوصايا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
كما لو كان قتله العبد خطأً، واستمرت المسألة في [حكمها] 1 وحسابها على ما تقدم.
وإن عفا على غير مالٍ، فتفصيل القول [في] 2 عفو المريض عن الدية في الجناية الموجبة للقصاص كتفصيل القول في المفلس، واستقصاء الكلام في [عفو] 3 المفلس عن الجناية الموجبة للقصاص وعن أرشها من أصول المذهب في كتاب الجراح.
وكذلك القول في العفو مطلقاً من غير تعرض للمال نفياً وإثباتاً.
فإذا قتل العبدُ الموهوبُ الواهبَ خطأً وخلّف ورثةً فأبرءوا عن الدية، فقد قال الأستاذ: الإبراء منهم بمثابة استيفاء الحق.
ثم لو فرضنا استيفاء الحق، لم يتغير من مقتضى المسألة على ما يوضحه الحساب شيء، فإنه إنما يستوفي ما يجب له، فإن زاد كانت الزيادة مردودةً، وكذلك الإبراء النازل منزلة الأداء لا يغيّر من حكم المسألة شيئاً، ووضوح ذلك يغني عن بسط القول فيه.
7196 - فإذا كانت الجناية موجبةً للقصاص ثم فُرض العفو عن القود على وجهٍ لا يثبت المالُ معه من المطلق، فهذا يفرَّع على أن العفو في [العمد] 4 هل يقتضي المال مطلقاً؟ فإن قلنا: إنه لا يقتضي المال، [فهذا يتفرع] 5 على أن موجَب العمد القودُ المحض، والعفوُ المطلق لا يوجب المال.
فعلى هذا إذا جرى العفو مطلقاً، وكان المال لم يثبت في أصله، [لم] 6 يؤثر العفو في إسقاطه، فإذا لم يثبت المال، تجردت الهبة، وجُعل الجناية كأن لم تكن، ولو تجردت، لكان الحكم [فيها] 7 إذا جرت من المريض -ولا مال له غيرُ الموهوب - أن تحتسب الهبةُ من الثلث.
وإن قلنا: [الجنايةُ] 1 توجب المالَ، والعفوُ المطلَقُ لا يسقطه، فإسقاطه القصاصَ يُقرِّر المالَ إذا لم يتعرض له، ويعود التفصيل: إن الجناية الموجبةَ للمال الواقعةُ خطأً، وإن عفا العافي عن القود والمال، فالعفو عن المال بعد ما حكمنا بثبوته بمثابة الإبراء عن دية الخطأ، وقد ذكرنا أن الإبراء عن دية الخطأ [كاستيفائها] 2 وسبيلهما جميعاً: ألا يغيرَ حسابُ المسألة وفقهُها.
7197 - فإن قتل العبدُ الواهبَ قَتْلَ قصاصٍ، وخلّف ابنين، فإن عفا الابنان جميعاً، تفرع على ما ذكرناه، وأن المال هل يجب بالقتل أم كيف السبيل فيه؟ فإن غلّبنا القصاصَ، فإن عفَوَا [على] 3 مال، التحقت المسألة بما إذا كانت الجناية خطأ؛ فإن المال إذا ثبت، استند إلى القتل عندنا.
وإنما يظهر اختلاف القول فيه إذا جرى العفو على غير مال، فلو جرى العفو منهما على وجه لا يُثبت المال، فهو كما تقدم.
وإن قلنا: لا يثبت أصلاً، فهبةٌ مجردةٌ من مريضٍ.
وإن قلنا: يثبت المال، ويسقط بالإسقاط، فالإسقاط كالاستيفاء، والمسألة مشتملةٌ على هبةٍ وجنايةٍ مثبتةٍ للمال.
فإن عفا أحد الورثة على غير مال دون الثاني، فلا شك أن القصاص يسقط، ويثبت المال في حق من لم يعفُ، فالذي عفا يفرَّع أمرُه على ما ذكرنا.
فإن قلنا: يثبت المال في حقه، ويسقط بإسقاطه، فهو بمثابة الإبراء عن المال إذا وقع القتل خطأً، وإن قلنا: المال لم يثبت بالقتل أصلاً في حق العافي، فوجه الجواب في المسألة أن نقول: [النصف] 4 الذي يتعلق حكمه [بالعافي] 5 حكمه في حقه كحكم هبةٍ مجردةٍ
لا جناية فيها، وحكم النصف في حق من لم يعف كحكم هبةٍ مع جريان الجناية الموجبة للمال.
وليقع الفرض فيه إذا كانت القيمةُ مثلَ الدية، فنقول: أما العافي من الابنين، فالنصف في حقه كعبدٍ [تجردت] 1 فيه الهبة على الأوصاف المقدمة، فينفذ التبرع في ثلثه ويرتدُّ في ثلثيه، وثلثُ النصف سدس الجميع.
وأما الذي لم يعف، فالمال ثابت في حقه، فحكم نصفه كحكم عبدٍ فرضت فيه الهبة مع الجناية، وكان الأرش كالقيمة مثلاًً؛ حتى [لا يتفرعّ] 2 الحكم في التقاسيم وحكم مثل نصف ذلك أن ينفذ التبرع في النصف، ليكون نصف الباقي مع المال الذي يحصل بسبب الجناية ضعفاً لما يصح التبرع فيه.
فخرج من ذلك أن الموهوبَ له يرد الثلثَ: ثلثَ العبد إلى العافي بسبب انتقاض الهبة، ويسلِّم إلى الآخر الربعَ بسبب انتقاض الهبة، ويسلِّم الربع الآخر إلى من [لم] 3 يعف إن اختار التسليمَ في الجناية أو يفدي، فيحصل في يد من لم يعفُ نصفُ العبد أو مقدارُه، ويحصل في يد من عفا ثلثُ العبد، ويَسْلَم للموهوب له سدُسُ العبد بلا مال يبذله في مقابله؛ لمكان العفو.
هذا بيان فقه هذه المسائل.
7198 - مسألة: لو وهب في مرضه عبداً وأقبضه، ثم إن العبد قتل أجنبياً خطأ، ثم قتل سيدَه، فإن اختار الموهوب له الدفعَ والتسليمَ [وكانت] 4 قيمةُ العبد قدرَ الدية أو أقلَّ، بطلت الهبة من أصلها، وكأنها لم تكن.
ثم من حُكم ذلك [إهدار] 5 الجناية على السيد؛ [إذ] 6 تبيّن أن العبد جنى على مالكه.
ونقول للورثة: إن سلمتم
العبد بالجناية، فسلموه ليباع في دية الأجنبي، وإن أردتم الفداء، فافعلوا ما بدا لكم، ولا زيادة على ما قدمناه، من أن الهبة باطلةٌ من أصلها، وهذا عبد جانٍ، والورثة في تسليمه وفدائه بالخيار.
هذا فتوى المسألة وحكمُها، وعليه ما ذكرناه أن القيمة إذا كانت مثل الدية.
7199 - فلو فرضنا [نفاذ] 1 الهبة في [جميعه] 2 مثلاَّ، فموجبُه توجُّه الطَّلِبة بحكم الجناية على الموهوب له؛ [فإنه] 3 مالك الرقبة على تقدير صحة الهبة، فلو سلَّم العبدَ، [فإنه] 4 يكون بين الأجنبي والواهب نصفين؛ فإنّ تقدّم الجناية لا يثبت للمجني عليه أولاً حقَّ التقدم، وإذا سلّم الموهوبُ له نصفَ العبد إلى الواهب، فليس يسلَّم لورثته إلا النصف على هذا التقدير، ويستحيل أن يصحّ التبرّعُ في جملةٍ، ويسلم الورثةُ مثلَ نصفها، [بل] 5 موجَبُ الشرع أن يصح التبرع في [شيء] 6 ويسلم الورثة ضعفَه.
فلو قلنا: يرجع النصف إلى الورثة، وتصح الهبة في الربع، بطلت الثلاثة الأرباع.
ثم إذا جنى على الأجنبي وعلى السيد الواهب، فتهدر الجناية على السيد ممَّا لم تصح الهبةُ منه، ويسلّم إلي ورثة الأجنبي المقتول كلُّه، فلا يبقى لورثة الواهب شيء، ولا نقدر الهبة في مقدارٍ [إلا] 7 وتهدر جنايةُ العبد على مولاه فيما بطلت الهبة فيه، ويسلم جميع ما بطلت الهبة فيه [إلى] 8 الأجنبي، فلا يتسق تصحيح الهبة في شيء أصلاً؛ فإن جميع قيمته مستوعَبةٌ [بدية] 9 الأجنبي.
والمسألة فيه إذا كان العبد يسلم
[في] 1 الجناية، ولا يتصور أن يسلم شيء من العبد في الجناية على الواهب؛ فإنه إنما يسلم 2 ما تصح الهبة فيه، ولا يبقى وراء ما نقدّر فيه صحةَ الهبة لورثة الواهب 3. وهذا ظاهر، ولكن على المنتهي أن يعتني بفهمه؛ فإنه فنٌّ من الدور، ولا انقطاع له، وسنبني عليه مسائل، فقد صح ما قدمناه في فتوى المسألة.
وهذا فيه إذا كانت القيمة قدر الدية أو أقلَّ، واختار الموهوبُ له تسليمَ العبد.
وإن اختار الموهوبُ له الفداء في قول من رأى الفداء بالقيمة، فالجواب كما مضى؛ لأن الفادي بالقيمة لا يزيد على قيمة واحدةٍ في حق [الدّيتين] 4 فيقتضي الحساب ما ذكرناه.
فأما من رأى الفداء بالدية، نُظر: فإن كانت قيمتُه مثلَ نصف الدية أو أقل من [الدية] 5 في الجميع، فإن الفادي بالدية يفدي بديتين؛ [إذ] 6 شَرْط أن يفدي بأرش الجنايات بالغةً ما بلغت، وإذا فدى كلَّ قتيل بديته، فيقع العبد شطرَ الفداء أو أقلَّ من الشطر.
7200 - وإن كانت قيمة العبد أكثرَ من [نصف] 7 الفداء إلى تمام الدية من غير مزيد، [كأن تكون ستة آلاف، والدية عشرة آلاف مثلاً] 8، فالحكم أن نقول: إذا زادت على النصف، ولم تزد على مقدار الدية، والتفريع على أن الفداء بالدية، بطلت
الهبة في الجميع، وتعليل ذلك أنا لو صححنا الهبة في الجميع [مثلاً] 1، وقلنا: الموهوب له يفدي العبدَ، فيسلِّم على هذا التقدير لورثة الواهب عشرةَ آلاف، وقيمة العبد ستة آلاف، فلا يكون ما سلم لهم ضعفَ الهبة.
ولو قلنا: تصح الهبة في نصف العبد مثلاً، فالموهوب له على هذا [التقدير] 2 يفديه بنصف الدية، فلا يحصل للورثة ضعفُ التبرع؛ فإن التبرع ثلاثة آلاف، ونصف الدية على ما قدرنا خمسةُ آلاف، فلا يكون الحاصل ضعفَ التبرع.
فإن قيل: قد بطلت الهبة في نصف العبد على هذا التقدير الذي نحن فيه، فينبغي أن نضم هذا النصف إلى نصف الدية، فيزيد المجموع على ضعف ما قدرنا التبرع فيه.
قلنا: إذا كان الموهوب له يفدي على نسبة ما ملكه من العبد، وقد قدرنا له الملك في نصف العبد؛ فإنه لا يفدي في حق الأجنبي إلا بنصف الدية أيضاً، فيبقى له من حقه نصف الدية، والنصف الباقي من العبد [جنايته] 3 هدر على الواهب؛ فإنها جناية على المالك، فيتعين صرفُ ذلك النصف إلى الأجنبي.
وإن نقصنا مقدار الموهوب، لم يتخلص عن هذه النسبة، ولم ينتظم لنا اعتدال الثلث والثلثين، فلا يزال ينقص، ومنتهى ذلك الحكم بإبطال الهبة رأساً، وهذا الملك يجري من زيادة القيمة على نصف الدية إلى أن يزيد على تمام الدية، والتفريع على الفداء بالأرش.
7201 - فإن كانت قيمته أكثرَ من الدية مثل أن كانت قيمته عشرين ألفاً والدية عشرة آلاف، فتصح الهبة في شيءٍ لا محالة، وتعليل صحتها على الجملة إلى أن نحسب أنا إذا قدرنا الصحة في جزءٍ على ما يقتضيه الحساب وأبطلنا الهبة في بقية العبد، وقدَّرنا تسليم البقية في الجناية، فلا حاجة إلى تسليم الكل، فيبقى للورثة شيء؛ فإن جرى الفداء بالأرش، فإن القيمة زائدة على الدية، وإن كان تبقى لهم شيء، فلا بد من نفوذ التبرع في شيء.
وسبيل الحساب أن نقول: صحت الهبة في شيء ورجع نصف ذلك الشيء إلى الواهب بسبب الجناية؛ فإن الهبة إذا صحت في شيء، وثبت الملك فيه، ثم فرضت الجناية على الواهب، فاختار من حصل له الملك الفداءَ 1 بالدية، والدية نصف القيمة، فلا بد وأن يرجع بالجناية نصفُ ما يخرج بالهبة، فقد استقام قولنا: صحت الهبة في شيء ورجع نصف ذلك الشيء [إلى ورثة الواهب] 2، ورجع نصفه أيضاً إلى ورثة الأجنبي، وبطلت الهبة في عبد إلا شيئاً، وورثة الواهب يلزمهم تسليمُ نصفهم إلى ورثة الأجنبي؛ فإنه إذا ثبت ملكٌ فيما بطلت الهبةُ فيه، تعلق ضمان الأجنبي بذلك القدر، فيبقى مع ورثة الواهب نصف عبدٍ إلا نصفَ شيءٍ [مضمومٌ] 3 إليه ما رجع إليهم بالجناية، وهو نصف شيء، فيبقى لهم نصف عبدٍ [لا استثناء منه] 4، وذلك يعدل شيئين: ضعفَ التبرع، فالشيء ربعُ العبد، وهو الذي نفذت الهبة فيه، وقيمته خمسة آلاف، وبطلت الهبة في ثلاثة أرباع العبد، وورثة السيد يفدونها بثلاثة أرباع الدية، أو يسلمون ذلك القدرَ: ثلاثة [أرباع العبد] 5، فيبقى معهم مقدارُ سبعة آلاف وخَمسُ 6 مائة، والموهوب له يدفع الربع الذي صحت الهبة فيه إلى ورثة الواهب، وورثة الأجنبي نصفين، أو يفديه من كل واحد منهما بربع الدية، فيجتمع لورثة الواهب عشرة آلاف 7، وهي ضعف ما نفذت الهبة فيه، ونهدِر 8 الجناية على ثلاثة أرباع السيد؛ لأنها جناية على المالك.
7202 - فإن [كان] 9 العبد قتل السيدَ أولاً، ثم قتل الأجنبيَّ بعده، وقيمته ألف
درهم مثلاًً، فإن لم يُجز الورثةُ الهبةَ [فما] 1 تصح فيه الهبةُ على ما ذكرنا، [جنى] 2 أو لم [يجن] 3 على الأجنبي، والسبب فيه [أنه بقتل] 4 السيد [فاتت] 5 التركة، وانتقل الحق إلى الورثة، وإذا [فاتت] (5) التركة، [فات] 6 [ ... ] 7 ما صحت الهبة فيه ولا يتغير هذا بجنايةٍ أخرى من العبد بعد انتقال الحق إلى الورثة، ثم يفدي ورثةُ السيد [ما بطل] 8 فيه الهبة من الأجنبي، ويفدي الموهوب له ما صح فيه الهبة من ورثة كلِّ واحدٍ منهما؛ لأنه [جنى] 9 على الأجنبي وهو في ملك الورثةِ، والموهوبِ له.
وحسابه أن الهبة صحت 10 في شيء منه، ثم إن الموهوبَ له دفع نصفَ الشيء إلى ورثة الواهب، ونصفَه إلى ورثة الأجنبي، فحصل لورثة الواهب عبد إلا نصفَ شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر والمقابلة بالبسط يكون الشيء خمسَي العبد، وهو الجاني بالهبة ويدفع الموهوبُ له الخمسين بالجناية، فيحصل لورثة الواهب أربعةُ أخماس العبد بقاءً وعوداً إليهم، وهي ضعف الهبة، ثم يدفعون ثلاثة الأخماس التي بطلت فيها الهبة إلى ورثة الأجنبي؛ لأنه جنى عليه، وهو في ملكهم.
فإن اختار الموهوبُ له الفداء، فمن رأى الفداء بالقيمة، فجوابه كذلك، ومن فدى بالدية، فإنه يقول: تمت الهبة في العبد؛ فإن الموهوب له يفديه من [كل] 11 واحد بالدية الثابتة، فيحصل في يد ورثة الواهب أكثرُ من الضعف.
فإن كانت قيمته ستةَ آلاف والدية عشرة آلاف، صحت الهبة في شيء، وفداه بشيءٍ
وثلثي شيء، من كل واحد منهما؛ فإن التفريع على الفداء بالأرش والدية زائدة على القيمة [بثلثيها] 1، فيحصل لورثة الواهب عبدٌ وثلثا شيء يعدل شيئين، فنطرح [ثلثي شيء] 2 بثلثي شيء قصاصاً، فيبقى عبدٌ في معادلة شيء وثلث شيء، فنبسط ونقلب الاسم، فيكون الشيء ثلاثة أرباع العبد، وهي التي تصح الهبة فيه.
ثم الموهوب له يفدي من كل واحد منهما ما صحت الهبة فيه بثلاثة أرباع الدية، فيحصل لورثة السيد ثلاثة أرباع الدية وربع العبد وذلك تسعة آلاف، وهي ضعف الهبة، يفدي ورثة الواهب ربعَ العبد، أو يسلمونه في حق فدية الأجنبي؛ فإن الجناية على الأجنبي وقعت بعد قتل الواهب في هذه المسائل، وبعد استقرار الملك للورثة.
7203 - فإن كانت قيمته والمسألة بحالها عشرين ألفاً والدية عشرة آلاف، صحت الهبة في شيء من العبد، وفداه الموهوب له من كل واحد منهما بنصف شيء، فيحصل لورثة الواهب عبدٌ إلا نصفَ شيء يعدل شيئين، [فبعد] 3 الجبر والبسط وقلب الاسم يكون الشيء [خُمسا] 4 العبد، فنقول: تصح الهبة في [خمسيه] 5، ويرجع أحد الخمسين إلى ورثة الواهب بالجناية، وهو نصف ما صحت الهبة فيه، فيحصل لهم قدر أربعة أخماسه، وذلك ضعف ما صحت الهبة فيه، وجناية ثلاثة أخماسه على الواهب هدر، ثم يفدي ورثة الواهب ثلاثة أخماسه من الأجنبي بثلاثة أخماس الدية.
7204 - مسألة: إذا وهب عبداً في مرضه، وسلّمه، فجنى العبد مع أجنبي، فقتلا الواهبَ خطأ.
فإن كانت قيمته نصفَ الدية أو أقل، تمت الهبة، وفداه الموهوب له بنصف الدية، أو سلمه، وأخذ من الأجنبي نصف الدية، فيكون الحاصل في أيدي ورثة الواهب أكثرَ من ضعف الموهوب، وهو العبد.
وإن كانت قيمته مثل الدية، فنقول: صحت الهبة في شيء، وفداه الموهوب له بنصف شيء؛ فإن الأرش يتعلق بالجانبين، فيخص المقدارَ الموهوبَ نصفٌ، فإن القيمة كالأرش، فنقول: إذا صحت الهبة في شيء ورجع من جهة الموهوب له نصفُ شيء، ويأخذ ورثة الواهب من الأجنبي نصف الدية وهو خمسة آلاف، فيجتمع معهم خمسةَ عشرَ ألفاً إلا نصفَ شيء يعدل شيئين، فبعد الجبر والبسط يكون الشيء [خمسي] 1 خمسة عشرَ ألفاً وذلك ستةُ الاف، وهو المقدار الذي صحت الهبة فيه من العبد، وذلك ثلاثة أخماس العبد، فيفديه الموهوب له بثلاثة أخماس نصف الدية، وذلك ثلاثة آلاف، ويأخذون من الأجنبي نصف الدية، فيجتمع مع ورثة الواهب اثنا عشر ألفاً، وهي ضعف ما صحت الهبة فيه.
7205 - مسألة: إذا وهب في مرضه عبداً، وأقبضه، فقتل العبد الموهوبَ له خطأً، وقيمته مثلُ الدية أو أقلَّ، ثم مات الواهب.
قلنا للورثة: إن [أجزتم] 2 الهبة، نفذت، وبطلت الجناية؛ لأنها على مالك الجاني، وإن لم تجيزوها بطلت الهبة جملةً؛ فإن الهبة لو صحت [في] 3 مقدارٍ، فالذي لا تصح الهبة فيه يجب تسليمه إلى الموهوب [له] 4 بحكم الجناية أو الدية، مثل القيمة، أو أكثر، فلا يبقى للورثة شيء.
فإذا لم يبق لهم شيء، لم تنفذ الهبة في شيء، وإذا بطلت الهبة في جميعه، عند رد الورثة قُبل منهم تسليم العبد أو الفداء لورثة الموهوب له بسبب الجناية، فإن كانت قيمته عشرون ألفاً والدية عشرة آلاف، قلنا: جازت الهبة في شيء، وفدى الورثةُ باقي العبد بقدر نصفه؛ فإن الديةَ نصفُ القيمة، فيبقى معهم عبد إلا نصفَ شيء، كان عبداً إلا شيئاً بسبب الهبة، ثم جبره مما بقي نصفه، فبقي نصف عبد إلا نصف شيء، وهذا يعدل شيئين، فبعد الجبر
والمقابلة وقلب الاسم يكون [الشيء] 1 [خمسي] 2 نصف العبد، وهو بالإضافة إلى العبد خُمسه.
فنقول: صحت الهبة في خُمسه، والجناية هدَرٌ في هذا الخمس؛ فإنها جناية المِلْك على المالك، ويفدي ورثة الواهب أربعة أخماسه بأربعة أخماس الدية، وهو مثل [خمسي] 3 الرقبة، فبقي معهم خمساها، وهي ضعف ما صحت الهبة منه.
7206 - فإن قتل العبدُ الواهبَ، ثم قتل الموهوبَ له، نظر: فإن اختار ورثةُ الواهب الهبةَ، صارت [جنايته] 4 على الموهوب له [هدراً] 5 وفداه ورثة الموهوب له، وفداه ورثة الواهب.
وإن لم يجيزوا الهبة، نُظر: فإن اختار ورثةُ الموهوب له الدفعَ، وقيمتُه قدرُ الدية أو أقل، قلنا: صحت الهبة في شيء منه، وسلم ورثةُ الموهوب له ذلك الشيء إلى ورثة الواهب بالجناية، فيحصل لهم عبد كاملٌ بقاءً وعوداً يعدل شيئين، فالشيء نصفُ العبد، وهو المقدار الذي صحت الهبة فيه، وتبطل الهبة في نصفه، ويهدر نصفُ دم كل واحد منهما، من جهة أن كل واحد منهم [كان مالكاً] 6 لنصفه في حال جنايته عليه، ويجب على ورثة كل واحد منهما تسليم نصف العبد بجنايته، فيصير ذلك قصاصاً.
وإن اختار ورثةُ الموهوب له الفداء، وقيمته نصفُ الدية أو أقلُّ، تمت الهبة، وصار دم الموهوب له هدَراً، وفدَوْه من ورثة الواهب بالدية.
وإن كانت قيمته عشرين ألفاً [والدية عشرة آلاف] 7، جازت الهبة في شيء، ورجع إليه بالجناية نصفُ شيء، فيحصل لورثة الواهب عبدٌ إلا نصفَ شيء، يعدل
شيئين فبعد الجبر والمقابلة والبسط، يقع الشيء [خمسي] 1 العبد، وتصح الهبة في خمسيه، والموهوب له يفديه من ورثة الواهب [بخمسي] 2 الدية، وهو مثلُ خمس الرقبة، فيحصل لهم أربعة أخماس الرقبة، وهو مثل الهبة، ويهدر ثلاثة أخماس دم الواهب.
ويفدي ورثةُ الواهب ما بطلت فيه الهبة، وهو ثلاثة أخماس بثلاثة أخماس الدية من ورثة الموهوب له.
فإن تقاصّوْا، بقي لورثة الموهوب على ورثة الواهب خُمسُ الدية.
7207 - وإن قتل العبدُ الموهوبَ له، ثم قتل الواهبَ، وقيمته الديةُ أو أقل، بطلت الهبة، وهدر دم الواهب، وسلموه إلى ورثة الموهوب له بالجناية.
وإن كانت قيمته عشرين ألفاً، قلنا: جازت الهبة في شيء، وسلموا نصف الباقي بالجناية، يبقى معهم [نصف] 3 عبد إلا نصفَ شيء، فيأخذون من ورثة الموهوب [له] 4 نصف الشيء الذي تجب فيه الهبة بالجناية على الواهب، فيجتمع لهم نصف عبد لا استثناء فيه يعدل شيئين، فنعلم أن الشيء ربعُ العبد، وهو الجائز بالهبة، ونفدي ثلاثة أرباعه بثلاثة أرباع الدية من ورثة الموهوب له، ويفدي ورثةُ الموهوب له الربعَ الذي صحت الهبة فيه من ورثة الواهب بربع الدية، فإن تقاصا بقي لورثة الموهوب له على ورثة الواهب نصفُ الدية، يعطونه من ثلاثة أرباع العبد، فيبقى معهم نصف العبد، وهو ضعف الهبة، ويُهدر ربع دم الموهوب له، وثلاثة أرباع دم الواهب.
7208 - مسألة: إذا وهب في مرضه عبداً وأقبضه، ثم وهبه الثاني في مرضه لثالثٍ وأقبضه، ثم قتل العبدُ الواهبَ الأول وهو في يد الثالث، ثم مات المريض الثاني ولا مال للواهبين غيرُه، نظر: فإن لم يجز ورثة الأول جميع الهبة، ولم يجز
[ورثة] 1 الثاني أيضاً، فإن كانت قيمته قدرَ الدية أو أقلَّ، بطلت هبة الثاني، وصحت هبة الأول في نصف العبد، وسُلّم بالجناية، فيجتمع لورثة المقتول نصف العبد [الذي بطلت فيه] 2 الهبة، ونصفه بالجناية، ولا يبقى لورثة الثاني شيء ينفذ فيه وصية.
وبيان هذا على وضوحه: أنا إذا قدّرنا قيمة العبد قدْر الدية مثلاً، وصححنا هبة الأول في نصف العبد، فالذي تبطل الهبة فيه نُبقيه لورثة الأول؛ إذ لا مجنيّ عليه غيرُ الأول، ثم يرجع إلى ورثة الأول بالتسليم ما صحت الهبة فيه من العبد.
والذي يقتضيه التعديل منه التنصيف، حتى يثبت لورثة الأول نصف العبد من جهة التنفيذ 3، ونصفه من جهة القود بالجناية، ويكون العبد ضعفاً للذي نفذ التبرع فيه.
ولا يُتصور مع هذا أن يبقى لورثة الثاني شيء، فلا جرم لم ينفذ تبرعه.
وإذا لاح هذا وقيمةُ العبد مثلُ الدية، فكذلك 4 إذا كانت قيمته أقلَّ من الدية.
وكل ذلك إذا لم يُجز ورثةُ الأول، ولم يجز ورثةُ الثاني.
فإن لم يجز ورثةُ الأول [وأجاز] 5 ورثة الثاني هبةَ الثاني كاملةً، فسبيل الجواب أن نقول: الهبة تنفذ للثالث، ثم يقوم الثالث مقام الثاني.
في الفداء والدفع، فما جاز للموهوب له الأول بالهبة، كان ذلك [للموهوب له الثاني] 6.
وبيان ذلك أن الهبة من الثاني جرت قبل قَتْل العبدِ الواهبَ الأول، وإنما أبطلنا هبة الثاني عند رد ورثته؛ لأنا لو قدرناها، لم نُبق لورثة الثاني شيئاً على القياس الذي تقدم، وشرطُ تنفيذ التبرع مع رد الورثة ما يزيد على الثلث أن يبقى للورثة ضعفُ ما ينفذ [التبرّع] 7 فيه، وهذا لم يتأت مع [ردّهم] 8، فإذا أجاز الورثة، سقط
حقهم، ولم نحتج إلى إبقاء شيء لهم، وقد صحت هبة الثاني في مقدارٍ من العبد، وجرت الجنايةُ بعد الهبة والإقباض، وليس في تنفيذ هبةِ الثاني منعُ حقِّ ورثة الأول؛ فإن ذلك القدر يعود من الثالث إليهم، كما كان يعود من الثاني في الصورة الأولى، فلا منع من تنفيذ الهبة من الأول والثاني.
7209 - وإن كانت قيمة العبد عشرين ألفاً، ولم يُجز [ورثة الأول، وكذلك ورثة الثاني لم يجيزوا] 1.
فنقول: صحت هبة الأول في شيء من العبد، وصحت هبة الثاني من ذلك الشيء في وصيته، وإنما غايرنا في العبارة بين محل [تبرّعهما] 2؛ لأن تبرع الثاني يقع جزءاً من محل تبرع الأول، وقد يلتبس الكلام إذا قلنا: ينفذ تبرع الثاني في شيء من الشيء الأول؛ فعبّرنا عن تبرع الثاني بالوصية، ثم [بعد ذلك] 3 يبقى مع ورثة الثاني شيء إلا وصية، وهم يدفعون نصفَه بالفداء إلى ورثة الأول، فبقي معهم نصفُ شيء إلا نصفَ وصية؛ وإنما يدفعون نصفَ ما بقي معهم؛ لأن الدية نصف القيمة، فيقع الفداء على هذه النسبة، فإذا بقي مع ورثة الثاني نصف شيء إلا نصفَ وصية، قلنا: هذا يعدل وصيتين ضعف ما تبرع الثاني، فبعد الجبر والمقابلة يعدل نصفُ شيء وصيتين ونصف، فنبسطهما أنصافاً ونقلب الاسم فيهما، فتكون الوصية خمس الشيء، فإنا قابلنا نصفَ [شيء] 4 بوصيتين ونصفٍ، فتقع الوصية الواحدة خُمسي نصفِ شيء، وخمسا النصف خُمس الكل، فانتظم قولنا: الوصية خمس الشيء، فإذا صحت هبة الثاني في خمس ما ملكه بالهبة، فنرجع بعد ذلك ونقول: صحت هبة الأول في شيء من العبد، فيبقى مع ورثته عبد إلا شيئاً، وهم يأخذون من الثالث ومن [ورثة الثاني] 5 نصفَ ما حصل في أيديهم بالجناية، وذلك ضعفُ نصف شيء، هذه النسبة
لا بد منها، لما قدّرنا من [وقوع] 1 الدية نصفاً للقيمة، فيجتمع مع ورثة الأول عبدٌ إلا نصفَ شيء يعدل شيئين، فبعد الجبر والبسط وقلب الاسم يكون الشيء خمسي العبد، فنقول: صحت هبة الأول في خمس العبد، وصحت هبة الثاني في خمس هذين الخمسين، والمسألة مُقامةٌ من خمسةٍ وعشرين سهماً، فنقول: العبد خمسةٌ وعشرون، وصحت هبة الأول في عشرة أسهم، وهي خُمسا هذا المبلغ، وتصح هبة الثاني في خُمس العشرة، وهو سهمان، يبقى مع ورثة الثاني ثمانية أسهم، يدفعون نصفها بالجناية، فتُدفع إلى ورثة الأول، فبقي معهم أربعة أسهم، وهي ضعف هبة الثاني، ثم الثالث يدفع [نصفَ] 2 ما حصل في يده، وهو سهم واحد بالجناية إلى ورثة الأول، فيجتمع مع ورثة الأول عشرون سهماً من الرقبة؛ فإنه بقيت في أيديهم خمسة عشرَ أولاً، ورجعت إليهم أربعةٌ من الثاني وواحدٌ من الثالث، وكان ذلك عشرين، وهي ضعف ما صحت فيه هبة الأول.
فإن أجاز ورثة الأول هبته، نفذت في جميع العبد لا محالة، فإذا رد ورثةُ الثاني ما يزيد على محل التبرع، صحت هبة الثاني في خُمس العبد، وبطل أربعةُ أخماسه، ودفع ورثةُ الثاني نصف ما في أيديهم بالجناية إلى ورثة الأول، وهو خمسا العبد.
وهذه [نسبة] 3 التنصيف، فيقع خمسا العبد أربعة أخماس الدية، ويدفع الثالث نصفَ الخمس إلى ورثة الأول، فيبقى مع ورثة الثاني خمساه، وهو ضعف هبته، فيجتمع لورثة الأول خمسا العبد ونصفُ خُمسه، وهو تمام [الدية] 4 ولا نحتاج إلى تعديل في حق الأول: الثلث والثلثين؛ فإن ورثته قد أجازوا تبرعه، ولكن يحصل لهم موجَبُ الجناية كَمَلاً؛ فإنهم لم ينزلوا عنه.
7210 - فإن قتل العبدُ الموهوبَ له الأولَ، وهو الواهب الثاني ولم يقتل الواهبَ الأول، ثم مات الواهب الأول في مرضه.
فإن أجاز ورثةُ الأول الهبةَ، نفذت الهبة في تمام العبد، وقيل [للثالث: أَرجعه] 1 إلى ورثة الثاني، أو افده منهم، كما ذكرناه قبلُ في العبد الموهوب إذا قتل الواهب.
فإن اختار الدفعَ، كان كلُّ العبد لورثة الثاني.
فإن أجرينا هذه المسألةَ على [الترتيب] 2 الأول، فهي مفروضة [فيه] 3 إذا كانت قيمةُ العبد مثلَ الدية أو أقلَّ.
فإذا اختار الثالث الدفعَ، فالجواب ما ذكرناه.
فنقول: صحت هبة الثاني في نصف العبد، ثم رجع ذلك النصف بالجناية، فكان تمامُ العبد ضعفاً لنصفه الذي صححنا الهبةَ فيه، وخرج الواهب الأول من [المسألة] 4؛ فإنّ ورثته قد أجازوا، [ولا] 5 جنايةَ على الأول؛ فكان الثاني مع الثالث في هذه المسألة كالأول مع الثاني في المسألة الأولى.
وما ذكرناه يجري إذا كانت قيمةُ العبد أقلّ من الدية، كما جرى وقيمتُه مثلُ الدية.
وإن اختار الثالث الفداء على قولِ الأرش، وقيمة العبد نصفُ الدية، أو أقلُّ، فإنه يفديه بالدية، وتمت الهبة من الثاني في جميع العبد؛ فإن الدية تقع ضعفاً للعبد إن كانت القيمة نصفاً أو [أقلَّ] 6 من النصف.
7211 - وإن لم يُجز ورثةُ الأول والثاني، والكلامُ في الصورة التي انتهينا [إليها] 7، بطلت الهبتان؛ والسبب 8 فيه أنا لو صححنا هبة الأول في جزءٍ من العبد، لاحتجنا إلى تسليم باقيه إلى الموهوب له الأول بالجناية، فلا يُسلَّم لورثة
الأول شيء، فإذا كانوا على [عدم الإجازة] 1 يُشترط أن يبقى لهم ضعفُ [ما تقرر] 2 التبرع [فيه] 3، وإذا بطلت الهبةُ الأولى لما ذكرناه، عاد الكلام إلى أن عبدَ الواهب الأول قتل الثاني في حياة الأول، فيسلّم بالجناية لا بالقيمة.
وهذا الذي ذكرناه [إذا] 4 ردّ ورثة الأول، وقيمة العبد نصفٌ أو أقلُّ من النصف، فجرى على هذا النسق إذا كانت قيمةُ العبد مثلُ الدية أو أقل منه 5 وأكثر من النصف؛ وذلك أن القيمة إذا كانت مثلَ الدية، فلو صححنا [الهبة] 6 في بعض [العبد] 7، سلمنا الباقي بالجناية، وإنما نحتاج [في] 8 باقي العبد إلى قيمة الدية، فلا يسلّم لورثة الأول شيء، كما سبق تقريره.
7212 - فإن كانت قيمته عشرين ألفاً، وقد رد ورثةُ الأول، فتصح هبته في شيء لا محالة؛ فإنا إذا صححنا الهبةَ في شيء، [وسلمناه] 9 بالجناية، فلا نسلم تمام الباقي؛ فإنه يقع الاكتفاء بل ننقص لزيادة القيمة، فيبقى للورثة شيء من الرقبة، فيجب تنفيذ الهبة بذلك القدر.
وحساب المسألة أن نقول: صحت الهبة في شيء من العبد، وسلموا نصف ما بطلت الهبة فيه بالجناية، وعليه نسبة التنصيف 10، ما قررناه مراراً، ونصف الباقي نصفُ عبدٍ إلا نصفَ شيء، فيبقى في يد الورثة بعد الهبة والتسليم بالجناية، نصفُ عبدٍ إلا نصفَ شيء، وذلك يعدل شيئين: ضعفَ الهبة، فإذا جبرنا وقابلنا،
كان الشيء [خمسي النصف] 1 وخُمسا النصف خُمس الكل، فقد نفذت الهبة في خمس العبد، وبطلت في أربعة أخماسه، ثم ورثة الأول يدفعون خمسين من الرقبة بالجناية، [إن] 2 فدَوْه بالأرش، فهو أربعة أخماس الدية، ولا [يصح هذا] 3 الجواب والمقدار إذا كانت أكثر، فيبقى معهم خمسا العبد، وهو ضعف ما نفذت الهبة فيه.
ويجتمع لورثة المقتول ثلاثة أخماس العبد بالهبة والجناية، فتتم هبة الثاني في الشيء الذي صحت فيه هبة الأول، لأنه يخرج من الثلث، ثم يفديه الثالث من ورثة الثاني بنصف الشيء، وذلك نصف خمس العبد.
هذا لا بد منه لمكان الجناية.
7213 - فإن قتل العبدُ الواهبَ الأول، ثم قتل الموهوبَ له الأول، وهو في يد الثالث، وقيمته نصف الدية أو أقلُّ، نظرنا، فإن اختار الثالث الفداء على قول الأرش، تمت الهبتان؛ فإنه يبذل [للأول] 4 الديةَ الكاملة، ويبذل للثاني أيضاً الدية، فيخرج التبرعان.
[وإن] 5 اختار الدفعَ، وكانت قيمة العبد قدر الدية أو أقلّ، صحت هبة الثاني في جميع ما وهب له الأول، وصحت هبة الأول في شيء من العبد، وهو صحيح للثالث، ثم يدفع الثالث نصف الشيء إلى ورثة الأول، ونصفَه إلى ورثة الثاني، فيجتمع لورثة الأول عبد إلا نصفَ شيء، إذ كان معهم عبد إلا شيئاً، فانضم إليه نصف شيء، فالجملة عبد إلا نصفَ شيء، يعدل شيئين، فنجبر ونقابل، فيصير الشيء خمسي العبد، وهو الذي نفذت هبة الأول فيه، وهبة الثاني تتم أيضاً فيه، ثم يدفع الثالث إلى ورثة كل واحد منهما خمساً واحداً، فيجتمع لورثة الأول أربعة
[أخماس العبد] 1: ضعف هبته؛ إذ هبتُه خمسان.
ثم ورثةُ الأول يدفعون إلى ورثة الثاني ما بطلت فيه هبةُ الأول، وهو ثلاثة أخماس العبد، فيجتمع لورثة الثاني أربعةُ أخماس العبد: ثلاثةٌ من ورثة الأول يسلمونها 2 بالجناية، وخمسٌ من الثالث، وهو ضعف هبة الثاني.
7214 - فإن كانت قيمة العبد ستة آلاف، واختار الثالث أن يفدي من ورثة الأول، ويسلّم أو يدفع إلى ورثة الثاني -والتفريع على أن من يفدي يفدي بالأرش- فقد أراد أن يجمع بين حسابين مختلفين: أحدهما - حساب الفداء، والآخر- حساب التسليم والدفع.
فنقول: صحت هبة [الأول] 3 في شيء من العبد، وجازت 4 هبة الثاني في وصية من الشيء، وهذه الوصية هي التي يتعلق بها الفداء والتسليم، فهذا الثالث يفدي الوصية من الأول بمثلها ومثل [ثلثيها] 5؛ فإن القيمة ستة آلاف والدية عشرة، ونسبة العشرة من الستة هكذا تكون، ونعبّر عما يبذله في الفداء، فنقول: يفدي من الأول الوصيةَ بوصيةٍ وثلثي وصية، ويدفع ورثةُ الثاني إلى ورثة الأول ما بطل [فيه] 6 هبةُ الثاني، وقد كانت هبةُ الثاني شيئاً، فخرجت منه وصية، فيبقى في يد ورثة الثاني شيء إلا وصية، فحصل لورثة الأول عبد وثلثا وصية، وذلك أنهم كان لهم عبد إلا شيئاً بعد تنفيذ الهبة الأولى، وسلم الثالث إليهم وصيةً وثلثي وصية، ورد الثاني شيئاً إلا وصية، فقد انضم الشيء المستثنى إلى العبد، ولكن كان في ذلك الشيء الراجع استثناء وصية، وبه غَرِم الثالثُ من الدية مثلَ وصية وثُلثي وصية، فانجبر نقصان الشيء بالوصية الواحدة، فكمل العبد وفضل ثلثا وصية، فحصل لورثة الأول عبدٌ وثلثا
وصية، وهذا يعدل شيئين ضعفَ الهبة الأولى، فالشيء الواحد نصفُ عبد وثلثُ وصية، وهو الذي نفذت فيه هبة الأول، وبطلت هبة الأول في نصف عبد إلا ثلثَ وصية.
وبيان ذلك أنا جمعنا ما يتحصّل في أيدي ورثة الأول من العبد والفداء، فوجدناه عبداً وثلثي وصية، ثم بان لنا لما وقف هذا في مقابلة الشيئين أن الشيء الواحدَ نصفُ هذا المبلغ، ونصفه [نصف] 1 عبد وثلثُ وصية.
والآن بعد ما بانت قيمة الشيء، [فنردّ] 2 نظرنا إلى عبدٍ بلا زيادة؛ فإنا نريد أن نبين مقدار الهبة من عبد، فنقول: صحت الهبة من العبد الفرد في نصف عبد وثلث وصية، فيبقى من العبد الفردِ نصفُ عبد إلا ثلثَ وصية، فإذا بان أن الشيء نصفُ عبد وثلثُ وصية، فتخرج وصية الثالث من هذا، فيبقى منه نصف عبد إلا ثلثي وصية؛ فإن الشيء كان [نصف] 3 عبدٍ وثلثَ وصية، فنأخذ ثلث وصية، ثم ثلثي وصية من النصف، فيبقى نصفٌ إلا ثلثي وصية.
ثم ورثة الثاني يدفعون هذا الباقي، وهو نصف عبد إلا ثلثي وصية إلى ورثة الأول بالجناية 4، ثم هم يأخذون من ورثة الأول ما بطلت فيه هبةُ 5 الأول، وهو نصفٌ إلا ثلثَ وصية، ويأخذون أيضاً من الثالث الوصية كاملةً 6 بالجناية؛ لأنه قد فدى هذه الوصية من الأول بالدية، وإذا وقع التفريع على هذا، فالمطالبة لا محالة [بالتسليم] 7.
وإن فدى من الأ [ول بالدية] 1 وبقي قدر الوصية في 2 يده وا [لتفريع على اختياره الجمعَ بين الفداء و] 3 التسليم، كما وضعنا المسألة 4، فيسلِّم جميعَ الوصية إلى ورثة الثاني، فيجتمع لورثة الثاني نصف عبد وثلثا وصية؛ فإنهم أخذوا من الأول نصف عبد [إلا ثُلثَ وصية] 5، وأخذوا من الثالث وصية؛ فاجتمع لهم نصف عبد وثلثا وصية، وهذا الحاصل يعدل وصيتين.
والوصية الواحدة تعدل ثلاثة أثمان العبد.
7215 - وبيان ذلك أنا نقول: نصف عبد وثلثا وصية تعدل وصيتين، فنُقسط ثُلثي وصية من الوصيتين قصاصاً بثلثي وصية، [فيبقى وصية] 6 وثلث وصية في مقابلة نصف [عبد] 7 بلا زيادة ولا استثناء.
فنبسط الوصية والثلث أثلاثاً، فتصير أربعة، وكل نصفٍ من [العبد أربعة أثلاث وصية، فتكون] 8 وصية من وصيةٍ وثلث ثلاثةَ أثمان العبد.
وهذه هي النافذة بالهبة الثانية.
وكان قد بان أن الشيءَ نصفُ عبدٍ وثلثُ وصية، فزد ثلثَ وصية على نصف عبد، فيصير خمسةَ أثمان عبد.
وبيانه أن الوصية إذا عَدَلت ثلاثةَ أثمان، فثلث وصية يعدل ثمناً، والنصف أربعةُ أثمان، فنصفٌ وثلثُ وصيةٍ خمسةُ أثمان.
[وهي الخمسةُ] 9 التي نفذت الهبة الأولى فيها، وصحت هبةُ الثاني من هذه الأثمان الخمسة في ثلاثة أثمان، يبقى مع ورثة الأول ثلاثة أثمان العبد، وهو ما بطلت فيه الهبة الأولى، ومع ورثة الثاني ثمنان،
ومع الثالث ثلاثة أثمان.
هكذا انقسم العبد أثماناً عليهم.
ثم [فدى] 1 الثالث من ورثة الأول بثلاثة أثمان الدية، وهي مثل خمسة أثمان العبد؛ لأن الدية مثل القيمة، ومثلُ ثلثيها.
فإذا كان المفدي ثلاثةَ أثمان، فمثلها ومثل ثلثيها خمسةُ أثمان، فقد حصل في يد ورثة الأول من الرقبة ثلاثةُ أثمان، ومن الفداء خمسة أثمان، ويأخذ أيضاً ورثةُ الأول من ورثة الثاني ما بطل فيه هبة الثاني، وهو ثمنان، فيجتمع لورثة الأول مما بقي من الهبة الأولى ومن الفداء، ومما بطلت فيه هبةُ الثاني عشرةُ أثمان: وهي عبدٌ وثمنان، وهو عبد وربع، وقيمة ذلك [سبعة آلاف وخَمسُمائة] 2، وهذه الجملة ضعف الهبة الأولى، وهي خمسة أثمان [العبد] 3
[والعشرة ضعف الخمسة] 4، ثم ورثة الأول يدفعون إلى ورثة الثاني ما بطل فيه الهبة الأولى، وهو ثلاثة أثمان العبد، وقد سلّم إليهم الثالثُ ما كان صح له بالهبة الثانية، وهو ثلاثة أثمان العبد، فيجتمع لهم من هاتين الخمسين ستةُ أثمان، وهي ثلاثة أرباع العبد، وهي ضعف الهبة الثانية؛ فإن الهبة الثانية كانت ثلاثة أثمان.
فهذا إيضاح المسألة وبيان قياسها، وعلى ما ذكرناه فقس ما إذا [اختار] 5 الثالث الدفعَ إلى ورثة الأول والفداء من ورثة الثاني.
7216 - فإن كانت قيمته عشرين ألفاً، فنقول: صحت هبة الأول في شيء، وصحت هبة الثاني في وصيةٍ من الشيء، ويدفع الثاني والثالث، ما في أيديهما إلى ورثة الأول بالجناية؛ فإن القيمة إذا كانت أكبر، استوى الدفع والفداء في مثل هذه الصورة.
فيحصل لورثة الأول عبدٌ إلا نصفَ شيء، وبيانه أنه صحت هبته في شيء ثم رجع
نصفُ الشيء مما صحت فيه الهبة الثانية، وهو المسمى الوصية، ومما بقي في يد الواهب الثاني نصفه إلى ورثة الأول.
هذا حكم التسليم وموجَب النسبة إذا كانت [القيمة] 1 ضعفَ الدية، والدية نصف القيمة؛ فانتظم قولنا: حصل في يد ورثة الأول [عبدٌ] 2 إلا نصفَ شيء، ثم هذا يعدل شيئين، فيخرج من العمل وقد تكرر قياسه مراراً أن الشيء [خمسا] 3 العبد، وهو الذي نفذت الهبة الأولى فيه، ثم جازت هبة الثاني في وصية، فنقول: يبقى خمسا عبد إلا وصية، فيخرج نصف ذلك بالجناية، فيبقى مع ورثة الثاني خمسٌ إلا نصفَ وصية، وقد أخذوا بالجناية نصف
ما بطلت فيه الهبة الأولى، وذلك خُمسُ عبدٍ ونصفُ خُمسه، وأخذوا أيضاً من الثالث نصفَ الوصية، فاجتمع نصفُ عبدٍ.
وبيانه أنه حصل في أيديهم خمسٌ ونصف خمسٍ من الأوليين بسبب الجناية، وكان قد بقي في أيديهم مما صحت فيه الهبة الأولى ونفذت فيه الوصية الثانية خمس عبد ونصف وصية، فإنهم سلموا نصف ما كان بقي بالجناية الأولى، فيبقى في أيديهم خمسا عبد ونصف خمس عبد إلا نصفَ وصية، فلما [ضمُّوا] 4 نصفَ وصية، وهو ما أخذوه بالجناية من الثالث، [كمل] 5 في أيديهم نصفُ عبد، وهذا يعدل وصيتين، فالوصيةُ إذاً ربعُ العبد الذي صحت فيه الهبةُ الثانية، فنجعل قيمةَ العبد عشرين سهماً ليكون [للسهام] 6 خمسٌ ولخمسها ربعٌ.
ثم نعود فنقول: تصح هبة الأول في خمسيه، وهو ثمانية أسهم، وتبطل هبته في اثني عشر سهماً، وقد بان أن هبة الثاني ربع العبد وهو خمسة أسهم؛ يبقى في يد الثاني ثلاثة أسهم.
فيدفع ورثةُ الثاني إلى ورثة الأول نصفَ ما في أيديهم وهو أربعة أسهم 1، فيجتمع لورثة الأول ستةَ عشرَ سهماً، وهي ضعف ما صحت الهبة فيه، ويبقى مع ورثة الثاني سهم ونصف، ويأخذون من ورثة الأول نصفَ ما بطلت فيه الهبة الأولى، وذلك ستة.
ويأخذون من الثالث نصفَ ما في يده وهو سهمان ونصف، فيجتمع لهم عشرةُ أسهم، وذلك ضعف هبة الثاني.
فإن فرضنا تقاصّاً بين ورثة الأول وورثة الثاني، بقي لورثة الثاني على ورثة الأول أربعة أسهم ونصف من العبد فيما يتراجعان فيه بحكم الجنايتين.
وبيان ذلك أن حق ورثة الثاني نصف ما في يده، وفي يده ثلاثة أسهم، وهي بقية الثمانية التي صحت الهبة الأولى [فيها] 2، فأخرجنا إلى الوصية خمسة، فإذا [هما تراجعا] 3 بحكم الجناية في هذا القدر، فإذا حَطّ 4 عن الستة أسهم ونصف، بقي لورثة الثاني على ورثة الأول أربعة أسهم ونصف سهم من عشرين سهماً.
وعلى هذا فقس كلما طوّلتَ المسائل.
والذي نوصي الناظرَ به أن يتخيّل بُعْدَ المسألة أولاً، وما فيها من الراجع بحكم الجناية، وأن يعدّل الثلث والثلثين، بعد أن يحصّل أقصى ما يمكن من الجهات، فينتظم له تمام المراد.
وقد نجز هذا القول، والحمد لله وحده.
مقالة تجمع نوادر في المسائل الدائرة من الفنون المختلفة
مسائل في استخراج المجاهيل في الدوائر المشتملة على العتق والكسب
7217 - مسألة: إذا سأل سائلٌ، فقال: مريضٌ أعتق عبداً، فاكتسب ذلك العبدُ بعد العتق، وقبل موت السيد كسباً، فكان الذي عتَق منه النصفُ، كم كان كسبه؟
فنقول: كسبه مثل قيمته، وطريق استخراجه بالجبر أن نقول: إذا أعتق نصفَه، تبعه نصفُ كسبه، غيرَ محسوب عليه، ويلزم أن يبقى في يد الورثة ضعفُ العتق، وفي أيديهم نصف الرقبة، فيلزم لا محالة أن يبقى من كسبه مثلُ ما بقي من رقبته، وإذا كان الباقي من الكسب مثلُ نصف الرقبة، فكل الكسب ككل الرقبة.
وإن قيل: اكتسب العبد كما صورناه، واقتضى الحسابُ أن يعتِق ثلثاه، فكم مقدارُ كسبه؟
قلنا: إذا عَتَق ثلثاه، تبعه من كسبه ثلثاه غيرَ محسوب ولا معتدٍّ به، وبقي ثلث الرقبة، فيجب أن يبقى من الكسب مثلُ [ثلث الرقبة وضعفُ ثلث] 1 الرقبة، وذلك أن يكون باقي الكسب مثلَ الرقبة، لتكون رقبة وثلث ضعفاً للثلثين.
وإذا [دقَّقتَ] 2، [قلتَ] 3: وقع في مقابلة ثلث الرقبة من الكسب مثلُ الرقبة، فينتظم هذا في مقابلة كل ثلث، ويكون الكسب ثلاثة أمثال الرقبة.
7218 - وقد تقع أسئلةٌ مستحيلة لا تكاد تخفى على النظر، منها: أن يقول السائل: مريض أعتق عبداً، فاكتسب العبدُ بعد العتق، وقبل موت السيد كسباً، فكان الذي عتَق منه ربعُه، ولا دَيْنَ.
فالمسألة مستحيلة؛ فإنه لو لم يكتسب شيئاً، لعَتَقَ ثلثه، وبالكسب يزيد العتق ولا ينقص.
وكذلك إن قال -والتصوير على نحو ما سبق-: عَتقَ جميع العبد، كان ذلك محالاً؛ فإنه لو عتق جميعه، لتبعه جميعُ الكسب، وذلك محالٌ، فالعتق إذا زيد على الثلث إذا وقع كسب على ما صورناه، لا يتصور 1 أن يستغرق الرقبة.
7219 - مسألة: إذا قيل: مريض أعتق عبداً، فكسب مثلَ قيمته، وانتقص من قيمة الرقبة وعتَقَ منه الخمسان، كم الذي نقص منه؟ قلنا: نقص من قيمته الثلثان.
وحساب المسألة أن نقول: عتق منه خمساه، واستحق خمسي كسبه، ورق للورثة ثلاثة أخماسه، ولهم ثلاثة أخماس [كسبه] 2 وثلاثة أخماس الكسب باقية لهم بلا نقيصة.
فنحصر النقص في الرقبة، وقد علمنا أنه لو جُمع خمس واحد إلى الكسب السالم للورثة، لكفى وكان المجموع ضعفَ الخمسين، وقد بقي من الرقبة ثلاثة أخماسها، فعرفنا أن قيمتَها قيمةُ خمسٍ واحد، ونحكم بهذه النسبة على جميع الأجزاء، فقد رجع كلُّ جزء إلى ثُلثه.
ومما يجب التنبه له أن العتق النافذ في الخمسين بإعتاق القيمة التامة لا يزيد فيه بسبب نقصان القيمة؛ فإن النقصان لا يؤثر فيما نفذ العتق فيه.
وهذا قد مهدناه في المسائِل الدائرة في العتق.
7220 - فإن قيل: أعتق عبده في مرضه، فاكتسب ضعفَ قيمته، وزادت القيمةُ حتى عتِق ثلثاه، فكم الزيادة؟ قلنا: زاد على القيمة مثلُها.
وسبيل استخراج القيمة أن نقول: إذا عتق ثلثاه، تبعه من الكسب ثلثاه، فتبقَّى ثلث الرقبة وثلث الكسب، ويجب أن يكون الحاصل في يد الورثة قدرَ عبدٍ وثلث، والكسب مع ثلث الرقبة [قدر] 3 عبدٍ، فيجب أن نفرض في القيمة زيادة مثلها، ثم نُجري ذلك على طردٍ في
الأجزاء، وقد ذكرنا أن زيادة القيمة تجري مجرى الكسب، وأوضحنا في المسائل أن الكسب إذا كان ثلاثة أمثال الرقبة، فيعتِق من العبد ثلثاه.
فإذا كان الكسب مثلَ الرقبة، فيجب أن يزيد مثل القيمة، حتى تصير الزيادة في القيمة مع الكسب ثلاثة أمثال الرقبة.
7221 - وإن قيل: مريض أعتق عبداً، فكسب مثلَ قيمته، ونقصت القيمةُ، وكان الذي عتَق منه ربعُ العبد، قلنا: السؤال محال؛ لأنه لو تلف، لكان ثُلثه حراً، وتبعه ثُلث كسبه، وللورثة ثلثا كسبه، وهو ضعف ما عتق منه، فإذا كان حياً، فكيف [يقع العتق على رُبعه] 1 والكسبُ مماثل للقيمة الباقية.
فصل
جمع الأستاذ مذاهب رآها [غريبة] 3 من أجوبة ابن سريج في المسائل التي تتعلق أطرافها بالحساب، فلم نؤثر تركَها؛ فإنها مستفادة في الفقه.
وقد ذكرنا من قبلُ أن الجارية إذا أعتقها سيدها في المرض، فحملت بعد العتق من زناً أو زوجٍ، وولدت [ولداً] 4 أن حكمَ ولدها حكمُ كسبها إن أتت به وولدته بعد العتق وقبل موت السيد.
فإن علقت قبل موت السيد وولدت بعد موته، ولا مال له غيرُها، فالظاهر من قول الشافعي أن ذلك بمثابة كسبها بعد موت المولى.
هكذا نقل الأستاذ.
فلا يكون ذلك [الولد من] 5 التركة؛ لأنه 6 حدث في ملك الورثة، والاعتبار في الولد بيوم الانفصال؛ فإنه لا قيمة له ما دام حملاً، بل هو تابعٌ لأُمه.
هكذا [نقل] 7 الأستاذ.2
ثم قال: قال ابن سريج: يحتمل أن نجعل قيمة الولد عند خروجه من التركة؛ [لأن] 1 العلوق بالحمل حصل في حياة المولى، فالوجه إسناد الحمل يوم الانفصال إلى حياة المولى، حتى نقول: كأنه مات عنه، والولد منفصل 2 على [ما عهدناه] 3 (4 عليه وقت الانفصال.
واحتج ابن سريج لهذا الوجه بأن قال: لو أوصى بحمل جاريةٍ 4)، فالوصية صحيحةٌ على ظاهر المذهب، وإن كان ينفصل بعد الموت، [ولو كان حكم ما ينفصل بعد الموت] 5 كحكم ما يحدث حقاً بعد الموت على [ملك] 6 الورثة، لكانت الوصية بالحمل وصيةً بما يحدث ملكاً للورثة.
والمسألة محتملةٌ، وما نسبه ابن سريج إلى [نصّ] 7 الشافعي [متجه بالغ] 8 وفيه تفصيل [لا بد] 9 من التنبه له.
فإن كانت الجارية حاملاً على قيمةٍ، فلم تزد قيمتها بالحمل على قيمتها عند [الحيال] 10، فما ذكره الشافعي ظاهر، وتفصيل الغرض 11 فيه بسؤال وجواب.
فإن قيل: إذا زادت قيمةُ التركة بالسوق، أو زادت أعيانُها زياداتٍ متصلةً، فالزيادات الحاصلة من هذه الجهات محسوبةٌ من التركة، وتتعلق بها الديون، ولقد كان الحمل في البطن مملوكاً، فإن زادت بالانفصال، وجب أن تكون تلك الزيادة من التركة.4
قلنا: حكم الزيادات المتصلة، والتي ترجع إلى غلاء الأسعار في الديون كما ذكره السائل، فأما ما يتعلق [بتقدير الثلث والثلثين] 1، فالاعتبار فيه بحالة الموت، حتى إذا فرض مزيدٌ في القيمة بعد الموت، لم [يعتبر] 2 بذلك المزيدِ تعديلُ الثلث والثلثين، وإنما أورد ابنُ سريج ما أورده فيما يتعلق بالثلث والثلثين والزيادة بالعتق والنقصان [منه] 3، فلو مات وقيمة الجارية يوم الموت زائدةٌ لأجل الحمل، فهذه الزيادة لا بد من اعتبارها، نظراً إلى حالة [الموت] 4 في مقدار التركة، وليس هذا موضع النص وتخريجِ ابن سريج.
فهذا منتهى فقه المسألة.
7222 - ونحن 5 [نقول بعده] 6: إذا ملك جاريةً حاملاً بولد رقيق، فأعتقها في المرض، ثم ولدت بعد موته [] 7، قال الأستاذ؛ فيما حكاه من أجوبة ابن سريج: هذا يخرّج على الجوابين: أما على الوجه الأول - فانه عتَق ثلُثها، وعَتَقَ ثلثُ الولد لا محالة، فإنّ عِتْق [الأم يستتبع] 8 عتق الولد، وللورثة ثلثاها وثلثا ولدها، ولا [دور] 9؛ فإن الولادة [وقعت] 10 بعد الموت، وليس المقدار الرقيق من الولد محسوباً من التركة.
وعلى تخريج ابن سُريج يصير كما لو ولدته قبل موته، [فيعتبر] 11 الرقيق من
الولد في مقدار التركة، وهذا يقتضي مزيدَ العتق، وتدور المسألة، فإذا كان قيمة الولد مثلُ قيمة الأم، والتفريع على التخريج، فيعتق نصفُ الأم، ويتبعها نصف الولد، ويبقى للورثة نصف الأم ونصف الولد، وهما ضعف العتق 1، وما تبع الحرية من الولد غيرُ محسوب.
وقد تقدم هذا.
7223 - ومما حكاه من المذاهب الغريبة 2 أن قال: من أعتق في مرضه جاريةً، ثم وطئها، ومهرُ مثلها مثلُ نصف قيمتها، ولم يكن له مال غيرها، [قال] 3: قياس الشافعي أنه 4 يعتق منها [سبعاها] 5، [فرقَّ] 6 خمسة أسباعها، ولها سبعا عُقرِها، وهو مثل سبعها؛ فإن عُقرَها نصفُ قيمتها.
قال 7: ثم يقال للورثة: إن [بعتم] 8 سُبع رقبتها، وأعطيتموها [ثمنه] 9 بما استحقت من العُقر، فيبقى معكم أربعة أسباعها، ضعفُ ما عتَقَ، وإن أعطيتموها سُبعي مهرها من سائر أموالكم 10، ملكتم خمسةَ أسباعها، ثم ذكر أن الأمة إن اختارت أن تأخذ سُبع رقبة نفسها بديتها وما لَها من العُقر، [كانت أحقَّ من الأجنبي.
وظاهر ما ذكره أنه يجب على الورثة أن يسلموا السُّبعَ إليها، ولا يبيعوه من الأجنبي، ولا خلاف أنهم لو أمسكوا السبع وبذلوا حقها من العقر] 11، كان لهم ذلك، وإنما ذكر ما ذكره فيه إذا أرادوا بيع سُبعٍ من أجنبي.
وهذا ليس على [وجهه] 1 لو أراد بما قال إيجاباً، فإنه لا حجرَ على الورثة في بيع ملكهم، ولا سبيل إلى تعيين المشتري عليهم، وقد سبق إيضاح هذا.
وقدر الغرض الآن أنها تستحق مقداراً من العُقر ولا يكون ما تستحقه من الثلث، بل هو دَيْنٌ محقق محسوبٌ من رأس المال، ولا يحتسب ما يستحقه عليها.
7224 - وذكر ابن سريج وجهين آخرين شاذّين سوى ذلك: أحدهما - أنه قال: يحتمل أن نجعل ما [غرِمه] 2 السيد من عُقرها من الثلث؛ لأنه وجب بسبب العتق، فينبغي أن يكون بمثابة العتق، حتى يحتسب من الثلث.
والحساب على هذا القول -إذا كان عُقرها مثلَ نصف قيمتها- أن نقول: عتَقَ منها شيء، وله بعُقرها نصفُ شيء محسوبٍ على التبرع، يبقى للورثة أمةٌ إلا شيئاً ونصفَ شيء، وذلك يعدل ضعفَ ما عتَق منها وضعفَ ما أخذت من مهرها، وذلك ثلاثةُ أشياء، ثم نجبر بعد ذلك ونقابل، فيصير [أمة] 3 تعدل أربعة أشياء ونصفَ شيء، فنبسطها أنصافاً، ونقلب الاسم فيهما، ونقول: صارت الأمة تسعةً 4، والشيء اثنين، وهو تسعاها، فيعتِق تسعاها ويرق سبعةُ أتساعها، ونأخذ تسعي عُقرها، وذلك مثلُ تسع رقبتها، فيبقى للورثة ثلثاها، وهو ضعف ما عتق منها، وضعفُ ما أخذت من المهر، وقد وقع العتق والعقر ثلثاً، وكان العُقر محسوباً عليها.
هذا وجهٌ ذكره ابن سريج.
وذكر مسلكاً آخر يؤدي في هذه المسألة إلى ما أدى إليه الوجه الأول في اعتبار
[الثلث والثلثين] 5، وذلك أنه قال: يحتمل أن يسقط مهرها ونُهدره، ولا نوجب منه شيئاً، ويُجعل كأنه وطىء أولاً ثم أعتق، لأنه لو لم يطأها، لعتق ثلثاها، فلا يجوز أن ينقص عتقها [عن] 6 الثلث بسبب شيء تستحقه على المولى.
وعلى هذا
الجواب [يعتق ثلثها] 1 ويرق للورثة 2 ثلثاها، ولا دور.
وهذان 3 الجوابان ضعيفان، لا اعتداد بهما، والمذهب الذي عليه التعويل ما قدمناه في ابتداء المسألة.
ومن عادة ابن سريج أن يذكر وجوهاً من الأجوبة يعدد بها طرقَ الاحتمال، كالذي يستفتح نظراً، [ولا يبغي بشيء منها تعيينَ مذهب فيظن الناظر] 4 أن ما [أبداه] 5 من الاحتمالات وجوهٌ، وليست وجوهاً.
7225 - فإن كانت قيمتها مائة وعقرها خمسين 6، وترك السيد مائةَ درهم، وقد
أعتقها في المرض ثم وطئها، فالتفريع على [ما هو المذهب] 7 المعتد أن نقول: عتَقَ منها شيء بالوصية من يوم العتق، ولها نصف شيء بالعُقر تأخذه من المائة، فيبقى للورثة مائة درهم 8 إلا نصفَ شيء، يعدل ضعف ما عتق منها، وهو شيئان، فبعد الجبر والمقابلة يعدل مائةُ درهمٍ شيئين 9 ونصف شيء، فالشيء خُمسا المائة، فيعتِق خمساها، ولها خمسا مهرها، وذلك عشرون، ويعتق باقيها بالإحبال والاستيلاد من رأس المال، وقد عتق منها الخمسان، عتقاً محسوباً من التبرع، وأخذت [خمسي] 10 مهرها، وهو خمس المائة، ويبقى للورثة أربعة أخماس المائة، وهي ضعف ما عتَقَ منها بالإعتاق [المتبرع] 11 به المعدود من الثلث، وباقي العتق محمول على
الاستيلاد، وما يحصل بالاستيلاد محسوب من رأس المال.
ومن جعل عُقرها من الثلث، قال: تأخذ من المائة نصفَ شيء للعُقر كما ذكرناه، فتعدل المائة إلا نصفَ شيء ضعفَ ما عتَقَ منها بالوصية، وضعفَ ما استُحِق بالعُقر، وقد عتق منها شيء والعقر نصفُ شيء، وضعفهما ثلاثة أشياء، فبعد الجبر والمقابلة تعدل مائةٌ ثلاثة أشياء ونصفَ شيء، فإذا بسطناهما أنصافاً وقلبنا الاسم فيهما، صار الشيء 1 سُبعين، فنقول: يعتق 2 سبعاها يوم العتق قبل الاستيلاد، وتأخذ من المائة سُبعي مهرها، وذلك مثل سبع المائة، ويعتِق باقيها عند الموت بالاستيلاد، ويبقى للورثة ستةُ أسباع 3 المائة، وهي ضعف ما عتق منها بالإعتاق، وضعفُ ما استحقت من عُقرها.
ومن جعل الوطء هدراً، ولم يوجب مهراً، أعتق نصفها بالوصية يوم الإعتاق، ونصفها بالإحبال من رأس المال عند الموت، وللورثة المائةُ كلُّها، وهي ضعف ما عتق منها.
والمذهب المسلك الأول 4 الذي ذكرناه.
مسائل في الوطء والإحبال من الشريكين،
أو من الواهب، أو من الموهوب له
7226 - إذا وهب جارية لا مال له غيرُها من رجلٍ وأقبضه إياها، ثم وطئها الواهب في مرضه وأحبلها، وقيمة ولدها يوم السقوط خمسون درهماً: مثلُ نصف قيمة الأمة، وأسقطته في حياة الواهب.
فنقول: بطلت الهبة أصلاً؛ لأنه لا ينتظم للورثة ثلثان [ويتعلق ضعفاً للتبرع] 5 الذي تقرر، فإنه إذا نفذت الهبة في مقدارٍ منها، فيصير باقي الأمة مستهلكاً
بالاستيلاد، ولا يبقى في أيدي الورثة من الرقبة عند الموت، وما يثبتُ الاستيلاد [فيه يثبت فيه] 1 عتقُ الولد لا محالة، [فإذا] 2 لم ينتظم الثلث والثلثان، فالوجه [إبطال] 3 الهبة رأساً، والحكم بنفوذ الاستيلاد من الواهب في جميع الجارية.
فإن ترك الواهب مائتي درهم سوى الجارية، فنقول: نفذت الهبة في شيء منها، وعليه نصفُ شيء من عُقرها؛ إذا قدرنا عقرَها مثل نصف قيمتها، وعليه من قيمة الولد قدرُ ما جازت الهبة فيه، وهو مثل نصف شيء، ويعتق باقي الأمة بالإحبال من رأس المال، فيبقى للورثة مائتا درهم إلا شيئاً؛ فإنّا أخذنا من المائتين شيئاً من حساب العُقر [وقيمة الولد، فما يبقى من المائتين يعدل شيئين ضعف العتق، فبعد الجبر والمقابلة يكون] 4 مائتا درهم في معادلة ثلاثة أشياء، فيقع الشيء ثلث المائتين، وذلك مثل ثلثي الأمة، فتصح الهبة في ثلثيها، وتبطل الهبة في ثلثها، [وعليه] 5 ثلثا مهرها وثلثا قيمة الولد يوم السقوط، ومجموعهما ستة وستون وثلثان، وهي مأخوذة من المائتين ويعتِق ثلثها من رأس المال، ويبقى للورثة مائة وثلاثة وثلاثون وثلث، وهي ضعف ما جازت الهبة فيه.
وما [أخذناه] 6 في حساب المهر، وقيمةُ الولد غيرُ محسوب، لما تقرر في هذه الأصول من وجوب الإتباع 7 والمقابلة والتعديل بين ما يبقى في يد الورثة من المائتين وبين ما تصح الهبة فيه، والاستيلاد ينفذ فيما بطلت الهبة فيه من رأس المال، ولا سريان للاستيلاد؛ فإنه يقع فيمن هو معسر؛ [إذ] 8 لا مالَ للميت إلا الثلث، وهو مستغرق بتبرعه.
فإن ترك ثلاثمائة والمسألة بحالها، تمت الهبة في جميعها، ولم تصر أمَّ ولد، وعليه عُقرها تاماً وقيمة الولد، ومجموعهما مائة درهم تأخذها من الثلاثمائة، ويبقى للورثة مائتان: ضعفُ ما صحت الهبة فيه، [فلست أفرّع] (1) على تخريج ابن سريج في احتسابه الغرامة مع الهبة من الثلث، ولا شك أنا لو فعلنا (2)، لم ينفذ تمامُ الهبة؛ فإن الثلث يضيق عن قيمةِ الجارية وعُقرِها وقيمةِ ولدها؛ وتتبعّض الهبة.
ولكن إذا نبهنا على مسلكٍ ضعيف في مسألةٍ أومسائل، وجب الاكتفاء به.
مسائل في إعتاق المريض أمةً [وتزوجه] (3) بها أو إعتاق المرأة عبدها [وتزوّجها] (4) به
7227 - مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب الوصايا الذي وضعه بخطه، لم يسمع منه: لو أعتق أمةً في مرضه، ثم نكحها وأصدقها صداقاً ملتزماً في الذمة، وكان لا يملك غيرَها.
قال رضي الله عنه: لم يجز عتقُه في جميعها، وعتَق بعضُها ورقَّ بعضُها، فإذا رق بعضها، بطل النكاح وبطل الصداق المسمى، فإن وطئها وبعضها حر، كان عليه بقدر ما عتق منها من مهر مثلها.
وقال: فإن كانت قيمتها مائةً ومهرُ مثلها خمسون، عتق سبعاها ورق خمسةُ أسباعها، وعليه سبعا مهرها، وهو مثل سبع رقبتها.
فإذا بيع ذلك منها في مهرها، بقي للورثة [أربعةُ] 5 أسباعها، وهي ضعف ما عتق منها.
هذا كلام الشافعي.
وقد ذكرنا هذا الجواب وفصلناه، ولكنا [تيمَّنا] 6 بنقل جواب الشافعي.
ثم قال الشافعي: هذا إذا [ردّ] 7 الورثةُ ما يزيد على الثلث، فإن أجاز الورثةُ1234
عتقها، صح النكاح وعتَقت يومَ أعتقها تبيُّناً، [وصادف النكاح] 1 حرة، وكان مهرها ديناً في ذمة المعتِق، وقد فرع الشافعى المسألة على القول الأصح في أن إجازة الورثة تنفيذُ وصية، وليس ابتداءَ عطية منهم، وإذا كان ذلك تنفيذاً، فالجواب على ما ذكره، فيقع العتق التام متقدماً على النكاح.
فإن جعلنا إجازة الورثة ابتداءً منهم، فلا يستند العتق التام إلى ما تقدم، ولا بدَّ من إنشائهم العتقَ في مقدار حقوقهم، [ويقع] 2 ذلك بعد الموت لا محالة والنكاح فاسد.
7228 - فإن خلّف سيدها ضعفَ قيمتها، وقد 3 جرى الإعتاقُ على [المذهب] 4 الذي ذكرناه، فنقول [لها: إن أبرأته من مهرك، تم] 5 عتقك، وصح نكاحك وعليك [عدة] 6 [الوفاة] 7، ولا ميراث لك؛ لأنا لو ورثناك، لرجع العتق في المرض وصية، ولا وصية لوارث، فيلزم من التوريث ردُّ العتق، وإذا ارتد العتق، بطل التوريث، والمسألة من الدوائر الفقهية، وسنجمع منها مسائل في كتاب النكاح، إن شاء الله عز وجل.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: إبطال الميراث أولى من إبطال الوصية؛ لأن في إبطال الوصية إبطالَ الميراث أيضاً، وإبطال الميراث لا يؤدي إلى إبطال الوصية، فالمائتان إذاً للورثة، والعفو نافذ، والنكاح صحيح.
هذا موجَب النص، والميراث منقطع.
وما ذكرناه إذا أبرأت من المهر، فإن أبت أن تبرئه، فلا يتم العتق، ولا يصح النكاح؛ فإن المائتين لو قدر أخذُ المهر منها، لما وفت التركة بالقيمة.
ثم إن كان وطئها وهي غير مبرئة، فسبيل المسألة أن نقول: عتق منها شيء ولها بالمهر نصفُ شيء، وللورثة من المائتين والرقبة ثَلاثُمائة إلا شيئاً ونصفَ شيء يعدل شيئين، فبعد الجبر والمقابلة يكون الشيء سُبعين للثلاثمائة، وذلك ستةُ أسباع 1 الأمة، وهو الذي يعتق منها، ولها ستة أسباع مهرها، فبقي للورثة مائة وأحدٌ وسبعون وثلاثة أسباع، وهي ضعف ما عتق منها.
7229 - مسألة: إذا أعتقت امرأةٌ عبداً في مرضها قيمته مائة، ثم تزوجته على مائة، ومهرُ مثلها خمسون، وماتت في مرضها، ولا مال لها غيرُه.
فإن أجاز الورثةُ العتق، صح نكاحها، وعليه المهر المسمى، سواء جرى الوطء، أو لم يجر، ولم يرثها؛ لأن توريثه يؤدي 2 إلى إبطال توريثه.
هذا إذا أجاز الورثةُ، والتفريع على أن إجازتهم تنفيذٌ وإمضاءٌ للوصية وليس ابتداءَ عطية.
وإن لم يُجز الورثة، رق 3 بعضُ العبد لا محالة، وإذا رق بعضُه، بطل النكاح، وسقط المهر المسمّى، فان لم يكن وطئها، فلا شيء عليه، وإن كان وطئها، فعليه من العُقر بقدر ما عتق منه، ولا شيء عليه في مقابلة ما رق؛ لأنها لا تستحق في رقبة رقيقها مالاً، فإن كان معه ما [يؤدي به ما يلزمه] 4 من عقرها، عتق خمساه، وعليه خمسا عُقرها خمسون درهماً، ويرق ثلاثة أخماسه.
وبيانه أنه إذا عَتَقَ خمساه ورق ثلاثة أخماسه، [وغرِم خُمسا العُقر] 5، وخمسا العقر مثلُ خمس الرقبة، فيحصل للورثة من الرقبة والعُقر أربعةُ أخماس، وهي ضعف ما جرى العتق فيه.
هذا إذا كان معه ما يؤدي منه ما يلزمه من المهر.
وإن لم يكن معه ما يؤدي به [ما يلزمه من] 1 المهر، كان ذلك ديناً عليه، ولا مال غيرُ العبد، ولا دَوْرَ.
والوجه الحكم بعتق ثُلثه، وإرقاق [ثلثيه] 2. هذا حكم الحال، فإن ملك ما يؤدي منه ما عليه من المهر، عتق خمساه ولا [مزيد] 3.
ثم إذا ترقَّى العتق إلى الخمسين، كان ذلك [تبيّناً] 4، ويحصل منه أن ما بين الثلث إلى قيمة الخمسين موقوفٌ.
فإن كان قد اكتسب بعد العتق وقبل موت السيد مثلَ قيمته، وهو مائة، عتق منه شيء، وله من كسبه شيء يؤدي منه [المهرَ] 5: نصفَ شيء، يبقى للورثة من الرقبة والكسب مائتان إلا شيئاً ونصفَ شيء يعدل شيئين، فالشيء سبعا المائتين، وذلك أربعة أسباع العبد، فيعتِق أربعةُ أسباعه، وله أربعة أسباع كسبه، فيبقى للورثة ثلاثة أسباع العبد، وثلاثة أسباع الكسب، ثم العبد يؤدي من الكسب الذي حصل له أربعة أسباع العُقر وهي قدر سبعي الرقبة، فيحصل في يد الورثة ثلاثة أسباع الرقبة وخمسة أسباع الكسب، وجملته عبد وسبع، أو ثمانية [أسباع] 6، وهي ضعف ما حصل العتق فيه.
مسائل
من نوادر المحاباة في البيع والوصية
7230 - مسألة: إذا أوصى الرجل بأن يباع كُرّ حنطة -وهو مالكه- قيمتُه ألفُ درهم من رجلٍ عينه، بكرٍّ قيمته خَمسمائة، وأوصى لآخر بثلثٍ من كُرِّه، فليس في
[التبرعين] 1 تقديمٌ، وهما على ازدحامٍ 2، فإذا لم يُجز الورثةُ الزائدَ على الثلث، وجب قسمةُ الثلث بين صاحب المحاباة وبين صاحب الوصية، ولا بد 3 من إجراء بيعٍ على صفة المحاباة، إذ لا سبيل إلى تسليم قدر المحاباة إليه من غير بيع، ولو فرض ذلك، لم يكن [تنفيذاً للوصية] 4 على مقتضاها.
وسبيل الحساب أن نقول: ثلث ماله ثَلاثُمائةٍ وثلاثةٌ وثلاثون وثلث.
والمحاباة خَمسُمائة، فهو مثل الثلث، ومثل نصف الثلث، والثلث يقع سهمين، والمحاباة تقع ثلاثة أسهم، فالمجموع خمسة أسهم، فيجب لذلك قسمة الثلث [بينهما] 5 على خمسة.
ثم [وجه] 6 العمل أن [نقول] 7: جاز البيع في شيء من الكُرّ، ورجع بالفرض شيءٌ قيمته نصفُ شيء، فيبقى من جهة التقدير بالقيمة كُرٌّ إلا نصفَ شيء، والمحاباة نصفُ شيء، وقد علمنا أن لصاحب الهبة بالوصية [مثل] 8 ثلثي وصية صاحب المحاباة، فإذا كانت المحاباة نصفَ شيء، فنزيد عليه [ثلثيه] 9 وثلثا النصف ثلثُ شيء، فمجموعهما خمسةُ أسداس شيء، فنُسقط ذلك من الكر الأرفع، فيبقى كرٌّ إلا خمسة أسداس شيء، وذلك يعدل ضعفَ المحاباة والهبة، وهو شيء وثلثا شيء، هذا ضعف خمسة أسداس شيء، فنجبر ونقابل، فيكون كُرٌّ في معادلة شيئين ونصف شيء، فنبسطها أنصافاً، ونقلب الاسم فيهما، فيكون [الكر] (1) خمسةً، والشيء اثنين، فنعلم أن البيع صح في خُمسي الكر الأرفع، وبطل في ثلاثة أخماسه، ورجع10
[بالثمن] 1 خمسا كر قيمتُه خمس كر، فالمحاباة إذاً خُمسُ كر، ولصاحب [الوصية] 2 مثلُ ثلثي المحاباة، وهي ثلثا خمس كر.
فنسقط ذلك من الأربعة الأخماس الباقية، فبقي مع ورثة البائع ثلاثة أخماس كر وثلث خمس كر، وذلك ضعف ما جاز فيه المحاباة [والوصية] 3.
فهذه المسألة التي أجريناها على السداد، وقعت في كتاب الأستاذ [مختلَّةً] 4؛ فإنه قال في تصويرها: إذا باع مريض كُرّاً قيمتُه ألفُ درهم بكُرٍّ قيمتُه خَمسُمائة درهم، ووهب لاخر من كره بمقدار ثلثه، ثم استمر على المنهاج الذي ذكرناه.
وهذا [مختلٌ] 5؛ فإن المحاباة إن 6 تقدمت على الهبة، قُدِّمت، فإن لم يف الثلث بها، استوعبنا الثلث منها.
هذا موجب التقديم.
فإن قدم الهبةَ، [فهي] 7 مقدمة على المحاباة إذا تمت بالقبض، على ما سيأتي ذلك في فقه الوصايا، إن شاء الله عز وجل، وفرض إنشائهما يتناقض، فالوجه في تصويرهما ردهما 8 إلى الوصية، وما ذكره الأستاذ على التسامح في التصوير [والثقة بفهم] 9 من يتفطن.
7231 - مسألة: إذا باع كُرَّي طعامٍ قيمةُ كل واحد منهما ألفُ درهم من رجلين بكُرين قيمةُ أحدهما خَمسُمائة، وقيمة الآخر ستمائة.
فحق تصوير هذه المسألة أن نفرض إنشاء البيعين من وكيلين دفعةً واحدة، حتى لا تتقدم إحدى الصفقتين على الأخرى، فنعلم أولاً النسبة بين المحاباتين، فمحاباة