نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 307-346
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوصايا

صفحات 307-346
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

حكينا عن شيخنا أن الأحفاد وإن سفلوا مقدمون على الأخ القريب.
ومَنْ ضبط ما قدمناه وأحاط بما [نبهنا] 1 عليه الآن، لم ينقدح له وجه من الرأي إلا تقديم الجد على الأخ؛ فإن تَحَامَل، يسوي بينهما، أما تقديم الأخ، فبعيدٌ عن مأخذ الكلام في المسألة، ولست أذكر مثل هذا لأغيّر 2 المذهب؛ فإن التعويل على النقل فيه، ولكن لا بد من تنبيه.
ولا شك في تقديم بني الإخوة على الأعمام، وإن بعدوا، وكذلك يقدّمون على [بني] 3 الأعمام، والسبب فيه تعلقهم بقوة قرابة الأخوّة، فهذه قوةٌ مقدمة على قرب الدرجة، وليس كقوة ابن ابن الأخ من الأب والأم مع قرب ابن الأخ من الأب؛ فإن القرب مقدم على هذا [القدر من] 4 القوة؛ فإن الأخوّة جامعة، وقرب الدرجة أجلب لاقتضاء اسم الأقرب من الاختصاص بأخوّة مع البعد في الدرجة.
ولم يختلفوا أن الجد مقدم على الأخ من الأم، وقالوا: في أب الأم وأخ الأم قولان؛ فإن أبا 5 الأم أصلٌ، وأخ الأم يدلي إلى الأم بالبنوة، ولا نظر إلى الميراث.
قال الصيدلاني: أبو الأم بمثابة أبي الأب، وأخو الأم بمثابة الأخ من الأب فيجري قولان: أحدهما - أن الأخ من الأم مقدم.
والثاني - أنهما سواء، وهذا [خبط] 6 لا ينساغ للفقيه.
فإن قيل: إخوة متفرقون وأخوات مفترقات؟ قلنا: الوصية لأولاد الأب والأم من الذكور والإناث بالسوية.

فإن قيل: بنو إخوة مفترقون وبنات إخوة مفترقات؟ قلنا: الوصية لبني الإخوة وبنات الإخوة من الأب والأم بالسوية.
7556 - والأعمام والعمات يشتركون في الاستحقاق، وإن اختلفوا في الإرث، ويجب القضاء بالتسوية بين الأخوال والأعمام للاستواء في الدرجة، وقرابة الأم كقرابة الأب.
فهذا بيان معنى الأقرب، مهّدنا أصوله، ثم هذبنا الأصول بالصور، ونصصنا على محل الإشكال، وهو الجدّ والإخوة، فلم يبق مالا يخرج على الأصول التي ذكرناها.
7557 - ثم يتشعب من هذه الأصول مسائل ذكرها العراقيون وغيرهم من أئمة المذهب منها: أنه إذا أوصى لأقرب الناس به رحماً، [فإذا كان] 1 أقرب الناس به وارثاً، ورددنا الوصية للوارث، قالوا: فالوصية تبطل في هذه الصورة؛ فإن الأقربين خرجوا عن استحقاق الوصية، وامتنع تصيير الوصية إلى الأبعدين لمكانهم، وهذا قياس الطرق.
ومما ذكروه أنه إذا أوصى لجماعة من الأقربين [لزيد] 2، وذكر في هذا لفظاً يقتضي الجمعَ، فلو كان لزيد ثلاثة من البنين، وجمعٌ من بني البنين، فلا شك أن الوصية مصروفة إلى البنين [دون بنيهم] 3. قالوا: فلو كان له ابن واحد وابنا ابن، فللابن الثلث والباقي لابني الابن.
وكذلك لو كانوا ثلاثة 4، فللابن الثلث والباقي بينهم، يعني بين البنين.
وزعموا أن ضبط المذهب في ذلك أنا [إن] 5 وجدنا من الأقربين ثلاثة، صرفنا

الكلَّ إليهم، وإن لم نجد منهم ثلاثة، فنصرف إلى من وجدنا ما يخصه لو كانوا ثلاثة، فإن كان واحداً، فالثلث، ثم نصرف الباقي إلى الذين في الدرجة الثانية.
وليس ذلك كما لو أوصى الرجل لأقرب الناس به رحماً، فإنا نبطل الوصية للورثة إذا كانوا هم الأقربين، ولا نقول: إذا لم نجعلهم مستحقين نرتفع إلى غيرهم، وذلك أنهم وجدوا ولم 1 يستحقوا، فهو كما لو ردّوا الوصية فبطلت الوصية بردهم، وليس كذلك إذا ذكر لفظ الجمع، ثم لم نجد من الأقربين إلا واحداً أو اثنين، وهذا ذكره على هذا الوجه صاحب التقريب موافقةً للعراقيين حرفاً حرفاً، والكلام في هذا المقام لطيفٌ جداً.
فإذا قال: أوصيت لأقرب الناس لي، فكان أقرب الناس به وارثاً محجوباً عن الوصية، فوجوده يحجب من بعُد، وإذا ذكر لفظ الجمع، ثم لم يوجد في الدرجة الأولى جمع، فكيف يثبت الحجب، ولم يتحقق جمع؟ ثم إذا لم يثبت الحجب 2 دخل في الاستحقاق من بَعُد، ولكن لمن قرب اختصاصٌ، فاستحق الثلث، فهذا جواب متركب من قواعد حسنة ينجح بمثلها الفقيه.
7558 - وتمام هذا الفصل في مسائل نذكرها للشافعي وللأصحاب تتعلق برعاية الجمع، قال الشافعي رضي الله عنه: إذا أوصى لقرابة فلان أو لأقربائه، فسواء كان له قريب واحد أو اثنان أو ثلاثة، فالوصية لهم، والأقرباء صيغة جمع إن كان في القرابة نظر 3. ووجه ما ذكره الشافعي رضي الله عنه أن لفظ الجمع في هذا المقام لا [يعني الجمع] 4، وإنما الغرض الصرف إلى جهة القرابة، فإن جرت لفظة الجمع، فالغرض أن يستوعب قرابة ذلك الرجل، ثم يذكر الذاكر الجمع وهو يبغي

[الجهة] 1 والصنف، وقد يحمله على ذكر الجمع استيعاب جمعٍ إن كانوا، وليس من غرضه قصرُ الوصية إذا لم يبلغوا جمعاً.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه إذا ذكر لفظ الأقرباء، فلم يكن [له] 2 إلا قريب واحد، فليس له إلا ثلث الوصية، وهذا يتيسر توجيهه.
وما ذكره الشافعي أفقه وأليق بمعنى الكلام.
فإن أوصى لذي قرابته وله قريب واحد، فلا خلاف أن الوصية مصروفةٌ إليه بكمالها.
والذي أطلقه الأصحاب أن الوصية للقرابة لا تتضمن جمعاً؛ فإن القرابة ليست من أبنية الجمع، وإذا قيل: قرابة فلان، فمعناه ذو قرابته.
وإذا قال: أوصيت لذوي قرابة فلان، وقريبُه واحد، فهل يكون له جميع الوصية؟ فهذا لفظ مشعر [بالجمْع] 3 وهو بمثابة قوله: أوصيت لأقرباء فلان؟ ظاهر النص أن الوصية مصروفة إلى قريب واحد إذا لم يكن غيره.
ومن أصحابنا من قال: لا تصرف جميع الوصية إلى ذلك الواحد، ثم هؤلاء يفضّون الوصية 4 على تقدير جمع، وأقل الجمع في هذه المسائل ثلاثة.
وإذا تبين ما ذكرناه، فلو أوصى للأقربين، كان كما لو أوصى للأقارب في أنه هل يُحمل هذا على اقتضاء الجمع لا محالة، أو تصرف الوصية بكمالها إلى واحد إن لم نجد من الأقربين غيره؟ وقد ذكرنا مسألةً في الأقربين، وفرضنا ابناً، وأحفاداً، وتلك المسألة تخرّج على وجوب رعاية الجمع.
فإن فرعت على النص وأردت تخريج تلك المسألة، [فنصوّر] 5 في صيغة الوصية تقييداً بلفظةٍ تقتضي جمعاً لا محالة، مثل أن يقول:

أوصيت لجماعة من [أقرباء] 1 فلان، ثم تتفرع تلك المسألة، وتنساق على حسب ما قدمناه.
7559 - وقد نجز القول في الوصية للقرابة والأقربين، ونحن نذكر ألفاظاً نفرض إجراءها في الوصايا، ونذكر معانيها.
فقد كثر اختباط الفقهاء فيها، وقد نذكر في بعضها مذاهب بعض السلف، لأغراضٍ لنا صحيحة.
فإذا قال: أوصيت لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن آل رسول الله كل من يحرم عليهم الصدقة، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، واعتمد الشافعي في هذا هذا الأصلَ، وهو تحريم الصدقة؛ فإنهم أقيموا في هذه القاعدة مقام رسول الله عليه السلام، وهذا حسن.
وقال مالك: آل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقيل: آل رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمّتُه.
وهذه اللفظة فيها استبهام، واشتقاق اللفظ -إن لم يُقدّر فيه قلبٌ [وإبدال- من قولك] 2 آل يؤول، فكل من آل إليك أمره فهو من آلك، وقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] أراد به الذين ضلّوا بسببه، وآل ضلالُهم إليه.
ومن الناس من يقول أصل الآل الأهل، فأبدلت الهاء همزة، فصار أَأْلاً، ثم استثقلوا اجتماع الهمزتين فأبدلوا الثانية ألفاً، فصار آلاً، واللفظة على [حالٍ] 3 فيها [تردد] 4. ثم الشافعي رضي الله عنه قطع جوابه في آل الرسول صلى الله عليه وسلم للأصل الذي وجده فيهم من تحريم الصدقة، [ونزّل] 5 ذلك منزلة القرينة المشاعة في العرف، ورأى تقييد هذا اللفظ المتردّد بها.

فلو أوصى رجل لآل زيد وعمرو، ولم نتبين معنى لفظه، فمن أصحابنا من أبطل الوصية، لاستبهام اللفظ وتردده بين القرابة، وأهل الدِّين، وأصحاب الموالاة، وغيرها من الجهات.
ومن أصحابنا من صحح الوصية؛ فإن الاحتكام بإبطال الوصية لا معنى له.
وهذه المسألة قطبٌ يقاس به كل وصية تشتمل على لفظ مجمل متردد بين جهات من الاحتمالات يعسر [جمعُها] 1، ويعسر الاحتكام بتعيين بعضها، ثم من صحح الوصية اختلفوا: فمنهم من قال: الوصية للآل كالوصية للقرابة، ومنهم من قال: نصحح الوصية [ونفوضها] 2 إلى اجتهاد الحاكم، ثم سبيل الحاكم أن يرعى الأصلح في جهات الاحتمال، فإن أدى اجتهاده في معنى اللفظ إلى جهة، اتبع رأيه فيها، ولو كان [نصب] 3 وصياً، فقد قال هؤلاء نتبع رأي الوصي أيضاً، وهذا فيه نظر؛ لأنه ليس مسلّطاً على أن يفعل ما يشاء، وليس مجتهداً يرجع إلى اجتهاده، فينتظم مع الوصي وجهان: أحدهما - أن الرجوع إلى رأي الحاكم.
والثاني - أنه يجوز الرجوع إلى رأي الوصي.
7560 - فلو أوصى لأهل بيت رجل، فقد اختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فذهب بعضهم إلى أن الوصية لأهل البيت كالوصية للآل، ومنهم من زاد على معنى الآل الزوجة؛ فإنها أصلٌ في معنى لفظ أهل البيت.
ولو أوصى لأهل رجل، ولم يقل: أوصيت لأهل بيته، فقد قال [بعض] 4 الأصحاب: هذه الوصية تختص بالزوجة، وقال بعض أصحابنا: تعم كلَّ من يلزمه نفقته، والوجه الأول مذهب أبي حنيفة 5، والوجه الثاني مذهب أبي يوسف ومحمد.

ولو أوصى لأهل امرأة، فهذا يخرّج على الخلاف المقدم، فمن قال: الأهل معناه الزوجة، فالوصية باطلة، ومن حمل الأهلَ على من تلزم نفقته، صَرَفَ الوصيةَ إلى من يلزمها نفقتهم.
7561 - ولو أوصى لأختانه، فقد قال أبو حنيفة 1: يدخل فيها زوج كل ذات رحم محرم [منه] 2 ويدخل أيضاً كلُّ ذي رحم محرم من ذلك الزوج.
وقال أصحاب الشافعي رضي الله عنه وأرضاه: الوصية للختن وصيةٌ لزوج البنت، واختلفوا في أزواج الأخوات ولم يتعدَّوا هذا [الحدّ] 3، وقطعوا القول بأنه لا يدخل أزواج العمات والخالات وغيرهم من المحارم.
والأصحُّ التخصيص بأزواج البنات.
ثم سنذكر خلافاً في أن الأحفاد في الوصية للأولاد هل يدخلون تحت اسم الأولاد، فمن أدخلهم تحت الوصية للأولاد، أدخل أزواج الإناث من الأحفاد تحت الوصية للأَخْتان، فلو أوصى للأَخْتان، وكانوا قد طَلَّقوا البنات طلاقاً [يقطع] 4 الزوجية، وصادفنا البناتِ غيرَ ذواتِ أزواج يوم موت الموصي، فلا وصية للذين كانوا أزواجاً، فإنهم لم يكونوا أختاناً عند الموت، وقد يتجه [فيه] 5 قول [أنّا] 6 نعتبر حالة الإيصاء، وهذا يخرّج على أنا إذا ردَدْنا الإقرار للوارث، فيعبتر كونه وارثاً يوم الإقرار، أو يُعتبر ذلك يوم الموت؟ وكان شيخي أبو محمد يقول: هذا التردّد في الاقرار للوارث على قول ردّ الإقرار، فإنا [قد نعلّل] 7 ردَّ الإقرار بالتهمة، فأما الوصايا [فالاعتبار] 8 فيها بحالة

موت الموصي؛ فإنها ليست مبنية على [التهمة، ومقرّ] 1 الوصايا يوم الموت، فعلى هذا لو أوصى لأَختان بناته، وما كن مزوّجات، ثم تزوجن، وكن في حِبالة 2 أزواجهن يوم موت الموصي؛ فالوصية مصروفة إلى أزواجهن، ولو كن متزوجات يوم الموت فقبل الأزواج الوصية، ثم أبانوا البنات، فالوصية قد استقرّت لهم، ولو طلقوا ثم قبلوا، فإن وقع التفريع على أن الملك بالموت أو هو موقوف فالوصية تثبت لهم، وإن قبلوها بعد البينونة، فإن حكمنا [بأن الملك يحصل في الوصية بالقبول، ففي المسألة وجهان: أحدهما -] 3 أن الوصية تبطل إذا تقدمت البينونة على القبول؛ فإن التعويل [في] 4 هذا القول على القبول، وما كانوا أزواجاً يومئذ.
والوجه الثاني - أن الوصية تثبت؛ فإن القبول إن 5 استعقب الملك، فالاعتبار في صفة الموصى له بيوم الموت، والمسألة محتملة.
ولو تزوجن بعد موت الموصي، فهذا فيه تردّد أيضاً، مأخوذ مما ذكرناه، فإن اعتبرنا يوم الموت أو فرّعنا على الوقف، لم نصرف الوصية إليهم، وإن فرعنا على قول القبول، ففيه تردد مأخوذٌ ممّا قدمناه في تقديم البينونة على القبول، وإن طلق الزوج طلاقاً رجعياً، فهو زوج [ووجهه بيّن] 6. 7562 - ولو أوصى [لأصهاره] 7 فقد قال أصحاب الشافعي رضي الله عنه: الوصية للأصهار وصيةٌ لأبوي المرأة، فإن أوصى لأصهار نفسه، دخل تحت الوصية أبو زوجته وأمها، وإن كانت له زوجات، دخل تحت الوصية آباء الزوجات وأمهاتهن

فحسب، ولم يدخل تحتها أبوا امرأة ابنه (1 ولا أبو امرأة أبيه 1).
وإذا خرج هؤلاء، فما الظن بسائر القرابات؟ والوصية للأحماء كالوصية للأصهار.
ثم إذا جعلنا الوصيةَ للأصهار وصيةً لأبوي الزوجة، ففي أجدادها وجداتها تردد بين الأصحاب سيأتي له نظائر، إن شاء الله عز وجل.
7563 - ولو أوصى لأمهاتٍ [رجل، فالجداتُ] 2 من قبل الأم يدخلن لا محالة؛ فإنه لما ذكر الأمهات على صيغة الجمع، عرفنا أنه لم يُردْ قصرَ الوصية على الوالدة، وفي دخول الجدات من قبل الأب تردُّدٌ، والأظهر أنهن لا يدخلن.
وإن أوصى لآبائه، دخل تحت ذلك الأجداد من قبل الأب، وهل يدخل الأجداد من قبل الأم؛ فعلى اختلافٍ وتردُّدٍ بين الأصحاب.
ولو أوصى لأجداده، دخل الأجداد من الجهتين بلا خلاف.
وكذلك إذا أوصى لجدّاته دخلت الجدات من الجهتين بلا خلاف، الوارثات منهن والساقطات عن الإرث بمثابةٍ في استحقاق الوصية.
7564 - ولو أوصى [لبني] 3 فلان، نُظر: فإن كانوا محصورين، وقد عزاهم إلى أب معلوم، وكان له بنون وبنات، فظاهر المذهب أنه يختص بالوصية الذكورُ من أولاده.
ومن أصحابنا من قال: يدخل جميع أولاده الذكور منهم والإناث، وهذا بعيدٌ، لا اعتبار به.
ولو أوصى لبني فلان، وذكر [قبيلة، مثل أن يوصي] 4 لبني شافع، فقد اتفق1

الأصحاب على أن اللفظ لا يخصص بالذكور؛ فإن القبائل يعبر عنها على هذا الوجه، ولكن يتعرض للتفصيل إمكانُ حصرهم، فإن كان الحصر ممكناً، فالوصية صحيحة، وإن لم يكن الحصر ممكناً، ففي المسألة القولان المذكوران في الوصية للعلوية ومن في معناهم.
7565 - ولو أوصى لأولاد رجل، يتناول الذكور والإناث، وهل يختص بأولاد الدِّنية 1، أو يتناول الأحفاد؟ فيها خلاف مشهور، وظاهر النص أنه يختص بأولاد الصلب، فإن جعلنا اللفظ شاملاً لأولاد الصلب والأحفاد، فلا كلام، وإن خصصنا الوصية بأولاد الصلب عند وجودهم، فلو قال: أوصيت لأولاد فلان، ولم يكن له أولاد صلب إذْ ذاك وكان له أولاد أولاد، ففي المسألة خلاف.
ثم إن قلنا: إنهم يدخلون، فيدخل أولاد بنيه، وهل يدخل أولاد بناته على هذا الوجه؟ وجهان، وسبب التردّد أن انتساب أولاد بنيه إليه بوسائط [البنين] 2، وانتساب أولاد بناته إلى أزواجهن، وهذا معنى قول القائل: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد 3 وإن أوصى لإخوة فلان، فقد قال أبو حنيفة 4 والشافعي: إن كانوا ذكوراً استحقوا الوصية وإن كن إناثاً، لم تصرف الوصية إليهن، وإن كانوا ذكوراً وإناثاً إخوة وأخوات، فمذهب أبي حنيفة وظاهر نص الشافعي أنه يختص بالوصية الإخوة دون الأخوات، وقال أبو يوسف ومحمد: هو لجميعهن.

7566 - ولو أوصى لمولاه، فاسم المولى يتناول المعتِق، وهو المولى (1 الأعلى، وقد يتناول المعتَق، وهو المولى 1) الأسفل، قال مالك 2: الوصية للمولى مصروفة إلى الأسفل.
وقال أبو حنيفة 3: إن لم يبين، فالوصية باطلة، وقال أبو ثور: يقرع بين الأعلى والأسفل، وحكى البويطي عن الشافعي قولين: أحدهما - أنه يوقف بينهم حتى يصطلحوا.
والثاني - أنه يقسم بين الأعلى والأسفل.
وهذا إذا وُجد الموليان، فإن كان لا يوجد إلا أحدهما، صرفت الوصية إلى ذلك الصنف، فإن اقتضى الحال صَرْفَ الوصية إلى المعتَقين، فكل من يثبت له الولاء عليه داخلٌ تحت الاستحقاق سواء كان متبرعاً بالعتق، أو مؤدياً فرضاً، كالذي يعتق عن كفارة أو وفاء [نذر] 4، وهل يدخل تحت الوصية أمهات الأولاد والمدبّرون الذين يعتِقون عند الموت؟ اختلف أصحاب الشافعي [في ذلك] 5 فمنهم من قال: لا يدخل هؤلاء، وبه قال محمد بن الحسن، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف.
ومنهم من قال: يدخلون، وهو الرواية الثانية عن أبي يوسف، وليس ذلك بعيداً عن القياس، ومولى الموالاة والمحالفة ليس من الموالي عند الشافعي رضي الله عنه.1

فصل 7567 - إذا أوصى لجيرانه، فقد قال الزهري 1: حدُّ الجوار أربعون داراً من كل ناحية، وهذا هو الذي ذكره العراقيون مذهباً لنا، ولم يعرفوا غيره، واستدلوا فيه بمذهب عائشة رضي الله عنها، والظن بها أنها لا تحتكم بذلك إلا [عن] 2 ثبت عندها 3. وللعلماء في ذلك مذاهب مختلفة، والظاهر من مذهب أصحاب الشافعي أن الجار هو الملاصق من الجوانب لا غير، وهذا مذهب أبي حنيفة 4، وهو القياس؛ لأن الجار من المجاورة، ومعناها الظاهر الملاصقة، فإن حُملت على مزيدٍ، فلا منتهى له يوقف عنده، فيجب الاقتصار على القدر المعلوم.
واختلف أصحابنا في الذين يجمعهم زقاق غير نافذ، فهل نجعلهم جميعاً جيرانا؟ فيه اختلاف، ومحل الخلاف في الذين لا يلاصقون.
وكذلك اختلف الأصحاب في الجار المحاذي وإن كانت السكة نافذة، وسبب الاختلاف أنه يسمى في العرف جاراً، وقد يقال: في تقسيم الجيران: جار ملاصق، وجار مقابل.
ثم من [رأى] 5 إدخال الجار المحاذي، فلا يشترط الحذاء المحقق على معنى

المسامتة، ولكن لو زال عن الحذاء قليلاً، فهو كالمحاذي، والضبط في هذا الفن أن يكون داره من دار الموصي بحيث يتوقع منها ضرار الاطلاع، وفي مثل ذلك نذكر ضرار الجار ونقيضه، وهذا نبينه على تفصيلٍ في اتساع الطريق وضيقها؛ فإن الشارع إذا اتسع، فلا يكون المحاذي من الجانب الآخر جاراً.
وإذا ضممنا إلى ما ذكرنا ما ذكره العراقيون ورأوه مذهباً، انتظم منه أوجهٌ، لا يخفى تعدادها، فهذا اقصى الإمكان في ضبط معاني هذه الألفاظ المشكلة.
وإنما ذكرنا في بعضها مذاهب العلماء إشعاراً بإشكالها؛ حتى يأخذ الفقيه في نظره فيها حِذْرَه، ويتثبت في الفتوى جهده، فقد بلغنا في بعض مسموعاتنا أن المسألة الجلية كانت تُعرض في جمع من علماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتفادَوْن 1 في الجواب، ويحيل البعض على البعض، فربما يخرج السائل ولا جواب معه.
7568 - ومما يتعلق بالألفاظ المذكورة في الوصايا أنه إذا أضاف الوصيةَ إلى صنفٍ من أصناف الزكاة، فسيأتي بيان أوصافهم في قَسْم الصدقات.
والقدر الذي نذكره هاهنا أن الفقراء يتميزون عن المساكين، والفقير أشد حالاً من المسكين، فإن وقعت الوصية للفقراء والمساكين جميعاً، فرَّقنا بينهما بما سنذكره في الصدقات، وإن أوصى للفقراء، فهذا الاسم في الانفراد [يصلح] 2 للفقراء والمساكين جميعاً، لم يختلف علماؤنا فيه، وكذلك إذا أوصى للمساكين، فهو يتناول الفقراء وأهل المسكنة، وكأن اللفظين لا يستقل واحد منهما بمزيّة حتى يجتمعا، [فنتحقق] 3 عند اجتماعهما فرقاً.

فصل 7569 - إذا أوصى لأرامل بني فلان فقد قال الشعبي 1: هذا يقع على الرجال والنساء، وبه قال إسحاق بن راهويه 2 واستدلوا بقول [جرير] 3: هذي الأرامل قد قضيت حاجتَها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر وقال الشافعي رضي الله عنه: الأرامل هن اللواتي مات عنهن أزواجهن، أو بِنَّ عنهم بسبب من الأسباب.
ثم اختلف أصحابنا في أنا هل نشترط مع ذلك فقرهن ليدخلن تحت الوصية للأرامل؟ وظاهر النص يشير إلى اشتراط الحاجة والخِلة، ثم إن كن محصورات، صحت الوصية، وإن لم يكنّ محصورات، صحت الوصية أيضاً، ويحمل على أقل الجمع.
وليست الوصية لهن كالوصية للعلوية؛ فإن ما وصفن به لا يلزمهن أيضاً [كما لا] 4 يلزم الفقر والمسكنة.
ولو أوصى لأيامى بني فلان، كانت الوصية مصروفة إلى غير ذوات الأزواج، والفرق بين الأيامى والأرامل أن الأرملة هي التي [كان] 5 لها زوج، والأيم هي التي ليست ذاتَ زوج في الحال، ولا فرق بين أن يتقدم لها زوج أوْ لا تكون نكحت قط، ثم لا فرق عندنا بين الأبكار والثُّيب 6، فاسم الأيامى يشملهن، وفي اشتراط الفقر،

والوصيةُ للأيامى تردّد كما ذكرنا في الأرامل؛ فإن كلّ واحد من اللفظين يشعر بعدم الكافل، وذلك يشير إلى الحاجة.
ولو أوصى لكل ثيب من بني بكر، فالذي ذهب إليه أكثر أصحابنا أن الوصية للنساء دون الرجال، وهو مذهب أبي حنيفة 1. ومن أصحابنا من قال: يدخل الرجال الذين جامعوا تحت اسم الثيب.
وكذلك لو أوصى لكل بِكرٍ من بني فلان، ففي المسألة وجهان في دخول الرجال.
وإنما صار إلى الوجه الضعيف من صار إليه لقول رسول الله عليه السلام: "البكر بالبكر جلد مائةٍ وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائةٍ والرجم" 2. 7570 - ومن الألفاظ التي تستعمل في الوصايا الغلمان، والشيوخ، والكهول، والأطفال، والصبيان، والفتيان، قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد 3: الغلام من لم يحتلم ولم يبلغ خمس عشرة سنة، وكذلك القول في الطفل والصبي، وكذلك الذراري.
وفي طريق العراقيين ما يدل على أنا لا نشترط في الذراري الصِّغر، وهم النسل والأولاد كيف كانوا، ومن خالف في أن اسم الولد هل يتناول الحافد، ذهبوا إلى [أن] 4 الذرية يتناول الأولاد والأحفاد، فقال أبو يوسف: يكون الإنسان بعد البلوغ فتًى إلى ثلاثين سنة، ثم كهلاً إلى خمسين سنة، ثم يكون بعدها شيخاً إلى آخر عمره.
وقال محمد بن الحسن: هو بعد البلوغ فتى إلى أربعين سنة، ويسمى شاباً في هذه المدة، ثم يكون كهلاً إلى خمسين، ثم شيخاً إلى آخر عمره، وهذه الألفاظ معانيها مشكلة في الإطلاق، ولكنا نعلم أن الطفولية إلى تهيؤ الجبلّة لثبوت مادة الزرع فيها،

ثم من هذا الوقت في كل جبلّة [نموٌّ] 1 وازدياد في الجسم والقوى، ثم إذا انتهى النمو، ظننا [وقوفاً] 2 في مدة، فإذا انتهى ابتدأ النقص.
والشباب من كمال الجبلّة وتهيئها لأن تولد مادة تصلح لمثلها، ومن هذا الوقت شباب إلى منقرض وقت النمو، ووقتُ الوقوف كهولة.
فإذا ابتدأ النقصان الجبليِّ، فهو شيخوخة إلى منقرض العمر.
ثم هذه الأطوار لا تنضبط بمددٍ معلومة في جميع الجبلات؛ فإنها مختلفة في البنية والقوى، وورد في الشرع [ضبطٌ زماني] 3 في البلوغ إن استأخر الحكم، فلو ورد مثلُه في هذه الأطوار، لاتبعناه، هذا إلى اختلال الأبنية [بالاعتلال] 4 والعوارض، فكيف السبيل والذي أطلقه الأصحاب الرجوع إلى العرف، وإلى ما يفهم منه في الجبلات المختلفة؟ ولست أرى في ذلك متمسكاً شرعياً أو جبليّاً، والقدر الذي ورد الشرع به ذكْر الأربعين، فإنها الأشُدّ في التفسير الظاهر، وقد شهد بذلك نصّ القرآن قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: 15] وإذا غمض المدرك في شيء، واستبهم الأمر، اكتفى الفطن بالمتعلق الذي لا يتعلق بمثله إذا اتسع المجال.
هذا، ولا نصَّ لصاحب المذهب، وليس ما [نُجريه] 5 من الأمور الوجودية، كأدوار الحيض، وسن الاحتلام، ومدة الحمل في الأقل والأكثر.
ولست أنكر [مع] 6 ذلك الالتفاتَ إلى شيئين: أحدهما - الضعف الذي لا يحمل على الأعراض والأمراض، ووخط المشيب الذي لا يحمل على الندور، مع أنه قد

يُمتَّع بالسواد الشيخ ويبادر الشابَّ الشيبُ، هذا إلى الاستمساك [بما المرء] 1 فيه إلى ظهور الزوال، على أني ذكرت من مذهب السلف ما يضطرب 2 ذو الرأي فيه.
7571 - ولو أوصى ليتامى بني فلان، فيستوي في ذلك الذكور والإناث، وهم الذين لا آباء لهم، [ولا يتم] 3 بعد البلوغ، اتفق عليه أصحابنا، ونطق به الخبر الصحيح 4، وهل يشترط الفقر، واسم الأيتام مطلق؟ فعلى وجهين، وهذا الخلاف يجري في كل صفة [تذكر] 5 في الوصية مشعرة بعجزٍ في النفس أو انقطاعٍ كامل، كالوصية للعميان والزمنَى والأرامل واليتامى والأيامى.
فأما الوصية للصبيان، فلا تقتضي فقراً وفاقاً، وكذلك الوصية للشيوخ.
ولا يخفى على المتأمل الفرق.
ثم يجري في جميع المسائل انحصار الموصى لهم وخروجهم عن الحصر، وترتيب المذهب على ما تقدم في بيان محل الوفاق والخلاف.
7572 - ولو أوصى لعقب فلان، يتناول ذلك الأولادَ والأحفادَ وإن سفلوا، ولا فرق بين الذكور والإناث.
وذكر بعض الأصحاب أنه إذا كان لمن أوصى لعقبه أولادُ صُلبٍ (1 وأولاد أولادٍ،

فالوصية مصروفةٌ إلى الأَدْنَيْن، فإن لم يكن له أولاد صلب 1)، فإلى الأقرب فالأقرب 2 من الأحفاد.
وهذا غير صحيح عندي؛ فإن اسم العقب في وضعه يتناول الأولاد وأولاد الأولاد، وإن سفلوا، فلا معنى لتخصيص هذا اللفظ المطلق بالأدنَيْن، ولعل الذين رأَوْا ذلك أخذوه من الخلافة، فإن أولاد الدِّنْية يعقبون من الموروث [خلافة] 3، فإن لم يكونوا، فأولاد الأولاد يعقبونه، وهكذا على ترتيب البطون.
ولو أوصى لعقب فلانٍ، ومات الموصي، والمذكورُ عقبه حيٌّ بعدُ، قال جماهير الأصحاب: بطلت الوصية؛ فإنه ما دام حيّاً، فليس يعقبه أحد، وهذا جارٍ على قياس تقديم الأقرب فالأقرب؛ فإنا إذا كنا نفهم من العقب من يعقب، فالحي لا يعقبه أحدٌ وهو حي، ومعنى العقب عند هذا الإنسان من [تقدّم العقب غيرُه] 4. والظاهر عندنا 5 أن الوصية تصح إذا كان له أولادٌ؛ فإنهم يسمون أعقاباً في حياة الإنسان.
7573 - ولو أوصى لورثة إنسان، فالوصية لكل مَنْ ورثه من ذكر أو أنثى بنسب أو بسبب، غير أن الموصى به في الإطلاق موزّع عليهم بالسوية، وإن اختلفت حصصهم في الاستحقاق بالميراث.
ولو أوصى لورثة فلان ومات الموصي ومن يُنسب الورثةُ إليه حي، فقد قال الأصحاب: تبطل الوصية، وقولهم في هذا أظهر؛ فإن الوراثة لا تتبين في حياة1

الإنسان.
فإن كان يتطرق إليه احتمال، فيشترط فيه الوقوف إلى أن يموت، ونتبين من يرثه من الموجودين [عند موت الموصي.
وإذا قلنا: تصرف الوصية إلى عقبه وهو حي] 1 فقد يحتمل أيضاً أن نتوقف حتى نتبين من يعقبه.
ومن هذا التنبيه يتبيّن ظهور كلام الأصحاب.
ولو أوصى لورثة زيد، ثم مات ولم يكن [له] 2 وارث خاص، فالوصية باطلة، ولا نقول: كأنه أوصى للمسلمين، لأنهم يرثونه؛ فإن الوراثة في هذه المنزلة حكم لا يتلقى مثله من موجب الألفاظ.
ولو أوصى لورثة فلان، فمات فلان، وخلفته بنتٌ واحدة، فقد اختلف أصحابنا في المسألة على وجهين: منهم من قال: يصرف إليها جميع الوصية، وإن لم نقل بمذهب الردّ.
ومنهم من قال: نصرف إليها نصفَ الوصية ويبطل النصف منها.
ثم قال الأصحاب: إن أوصى لعصبة فلان، فمات الموصي وفلان حيّ، فالوصية تصح لعصبته، ولا يشترط موته في استحقاق الوصية عند موت الموصي، وليس كالورثة؛ فإن هذا اللفظ يشعر بالوراثة، ولا وراثة في الحياة، وليس كالعقب؛ فإنه يشعر بالخلافة، ولا خلافة في الحياة.
وهذا حسن متجه.
ثم قال الأصحاب 3 في الوصية للعصبة: "أولاهم بالوصية أولاهم بالعصوبة" وهذا مستقيم لا يسوغ غيرُه؛ فإن حكم العصوبة يثبت للأقربين.
هذا منتهى ما بلغنا من الكلام في هذه الألفاظ المدارة في الوصايا.

ولو أوصى لعترته، قال العراقيون: قال ثعلب 1 وابن الأعرابي 2: العترة هم الذرية، وقال القُتبي 3: العترة هم العشيرة، وعشيرة الرجل قرابته، وردّد العراقيون قولَهم لتردد أئمة اللغة.
والله أعلم.
...

باب ما يكون رجوعاً في الوصية

7574 - العطايا المحتسبة من الثلث تنقسم، فمنها: ما ينجزها المريض في حياته ويتممها في ظاهر أمره، فما كان كذلك لم يملك هو في نفسه استدراكه، وإن كنا قد نردّ ما يزيد منهما على الثلث، إذا مات من مرضه الذي يتبرع فيه، وهذا كالعتق المنجز والهبات المبرمة بالقبض والصدقات، والإبراء المنجّز، والمحاباة في البيع والشراء.
وأما الأعطية التي [يُضيفها] 1 إلى حالة الموت، [فهي] 2 محسوبة من الثلث، فجملتها وصايا، والموصي بها يملك الرجوع في جميعها، إلا التدبير، ففيه قولان: أحدهما - أنه بمثابة الوصايا، وفائدة ذلك تمليك المدبِّر الرجوع عن التدبير لفظاً، مع إدامة الملك على الرقبة.
والقول 3 الثاني - أنه [تعليق] 4 عتق.
وفائدة ذلك أنه لا يملك الرجوع عن التدبير لفظاً، وسيأتي إيضاح ذلك في كتاب التدبير، إن شاء الله تعالى.
وحظ هذا الباب منه ما يتعلق بحكم الرجوع، هذا تمهيد قاعدة الباب.
7575 - ثم التبرعات الجارية في مرض الوفاة إذا تمت تصرف المتبرَّعُ عليه تصرف مثله لو جرى التبرع في الصحة من المتبرّع، وإن كنا في الزائد على الثلث [ننعطف

نتعقب] 1 تلك التصرفات بالنقص [تبيّناً] 2 من غير إنشاء نقض، وقد نتبين بطلان جميعها، إذا ركب المريضَ دينٌ مستغرق المال.
ومما يفارق التبرعاتُ فيه الوصايا المضافةَ إلى الموت أن الوصايا تقع محسوبة من الثلث، وإن وقع الإيصاء بها في الصحة؛ نظراً إلى حالة الموت، والتبرعات الواقعة في الصحة لا تحتسب من الثلث، ولو جرى تعليق في الصحة [في] 3 عتقٍ ووجد الصفة في مرض الموت المعلق، فللأصحاب وجهان مشهوران في أن الاعتبار بحالة التعليق أم بحالة وقوع العتق؟ وسيأتي شرح ذلك في موضعه من كتاب العتق، إن شاء الله تعالى.
7576 - وقد تمهد أن الرجوع في الوصايا سائغ، والباب معقود لبيان ما يكون رجوعاً عن الوصية وما لا يكون رجوعاً عنها، فنقول: ما يقع به الرجوع ينقسم إلى ما هو صريحٌ في الرجوع، وإلى ما يتضمن الرجوع.
فأما التصريح في الرجوع، فإذا قال: رجعت عن هذه الوصية، أو قطعتُها، أو رفعتها، أو أبطلتها، أو نسختها، فهذه الألفاظ [وما في معناها] 4 رجوعٌ.
ولو قال: حرمت هذه العين على فلان، وكان قد أوصى له بها، فظاهر المذهب أن هذا يكون رجوعاً عن الوصية؛ [فإنا] 5 نكتفي في ثبوت الرجوع [بمخايل] 6 وعلامات في الأقوال والأفعال، سنشرحها في الباب، ولفظ التحريم أوضح منها وأولى [بإفادة] 7 الرجوع.
7577 - ولو قيل له: أوصيتَ لفلان، فأنكر، وقال: ما أوصيتُ، فالذي ذهب إليه

الأصحاب، وهو ظاهر النص أن هذا يكون رجوعاً، وقد يتجه في هذا نوعٌ من الاحتمال؛ من جهة أنه قد ينسى الوصيةَ، فينكرها، والإنكار إخبار، وليس بإنشاء قطع 1. ولو قيل له: أوصيتَ لفلان، فقال: لا أدري، فهذا لا يكون رجوعاً عند الشافعي رضي الله عنه إذا كان أوصى، خلافاً لأبي حنيفة 2. فهذا ما يكون رجوعاً تصريحاً، أو تلويحاً بقولٍ مقصودٍ في إظهار الرجوع.
وانتظم منه أن النص في الرجوع يقطع الوصية، واللفظ الظاهر كالتحريم فيه تردّدٌ، والتصريح [بالإنكار] 3 ملتحق بالظاهر عندي، والنص قول الأصحاب فيه ما ذكرته، وهذا كلامٌ في قسمٍ واحدٍ.
7578 - فأما القسم الثاني، فهو ما لا يكون رجوعاً صريحاً، ولكنه يتضمنه، وذلك ينقسم إلى تصرفاتٍ بالأقوال وإلى تصرفاتٍ بالأفعال.
فأما الأقوال، فما يتضمن [بتَّ] 4 الملك، فلا شك أنه يقتضي رجوعاً [مثل أن يوصي بعبد لإنسان، ثم يبيعه] 5 بيعاً لازماً، فهذه التصرفات تنفذ متضمنةً رجوعاً.
فأما ما لا يتصف باللزوم [ولكنه] 6 يشعر بقصد الرجوع، فقاعدة المذهب أنه يتضمن الرجوع، فإن كان من تردّدٍ [في] 7 بعض المسائل، فهو لاعتقاد من يتردد في بُعد المسألة عن القاعدة.

قال الأئمة: لو عرض العينَ الموصى بها على البيع، كان ذلك رجوعاً منه، وإن لم يبعها، وكذلك قالوا: لو وكل ببيعها، كان ذلك بمثابة العرض على البيع، فلعله أظهر في الدلالة على قصد الرجوع.
ولو رهن، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يكون رجوعاً؛ فإن مقصود الرهن بيعُ المرهون في الدين، فلا ينحط الرهن عن العرض على البيع.
والوجه الثاني - أن الرهن لا يكون رجوعاً؛ فإن [الذي] 1 يُضمر إبقاء الوصية قد [يرهن] 2 الموصى به لحاجة [باديةٍ] 3 مع إبرامه العزم على فك الرهن، فليس الرهن إذاً من علامات الرجوع، وليس كذلك العرض على البيع؛ فإنه تحكُّمٌ خاص في الدلالة على البيع القاطع للوصية.
ولست أرى في الرهن فرقاً بين أن يتصل بالإقباض وبين ألا يتصل به؛ فإنه إنما يكون رجوعاً -إذا كان- لدلالته على القصد، وهذا لا يختلف بوجود الإقباض وعدمه.
ولو وهب العين الموصى بها، يجب القطع بكون ذلك رجوعاً؛ فإن الهبة عقد تمليك، وظهور القصد كافٍ، ثم لا يتوقف حصول الرجوع على الإقباض، وذكر بعض الناقلين خلافاً في الهبة قبل القبض، وهذا مما لا نستجيز عدَّه من المذهب.
وإذا رأينا العرض على البيع رجوعاً، فإذا جرى البيع على شرط الخيار، لم يسترب الفقيه في كونه رجوعاً، وإن فسخ العقد، وسرُّ هذا الفصل أن [مبنى] 4 الوصية على تقدّم الإيصاء على القبول بزمانٍ متطاولٍ، والعقود التي ينبني انعقادها على الإيجاب والقبول المتصلين لو تخلل [بينهما] 5 قاطع، لقضينا بانقطاع الإيجاب عن

القبول، ولا يشترط في الوصية وقبولها تواصلٌ زماني، ولكن إذا جرى من [الموصي] 1 عَلَمٌ ظاهر في الرجوع، كان ذلك خَرْماً للإيصاء، وقطعاً له.
وهذا يتضح بذكر أصولٍ يفرض في مثلها رجوع، والغرض بذكرها امتيازها عما نحن فيه، فالراجع في هبته بعد الإقباض وإن ملك الاستبداد بالرجوع لا يصح رجوعه بالمخايل والعلامات؛ فإن رجوعه في حكم تملك جديد، حتى نقول: لو أعتق العبدَ الموهوبَ المسلَّمَ 2، لم ينفذ عتقه عند بعض الأصحاب، ما لم يقدِّم على العتق رجوعاً، ولو باع، فالبيع أولى بالرّد من العتق.
ومن باع عبداً بشرط الخيار، ثم عرضه على البيع، فلسنا نرى العرض على البيع فسخاً منه، بخلاف الوصية.
7579 - والغرضُ في ذلك يتبيّن بنظم ترتيبٍ: أما الرجوع في الهبة بعد التمام، فيليق به التصريح بالرجوع؛ فإن الهبة بعد التمام أفادت تمام نقل الملك، وليس [ملك] 3 الرجوع في الهبة خياراً في عقدٍ، وإنما هو تسلط -على ملك الغير- شرعيٌّ.
(4 والرتبة الثانية 4) في الفسخ -[الفسخُ] 5 من البائع في زمان الخيار، [فهذا] 6 يصادف جوازاً من العقد، ولكن العقد [ثَمَّ يسعه] 7، فإن لم يصرح الفاسخ بالفسخ، فلا بد من أحد أمرين: إما أن يتصرف تصرفاً يستدعي نفوذُه الفسخَ، كالإعتاق والبيع، وإما أن يأتي بعلامة في نهاية الظهور كالوطء.
ولسنا نلتزم الآن ذكرَ تلك التفاصيل؛ [فإنا] 8 استقصيناها في أول البيع، وإنما4

غرضنا التنبيه على المراتب لنفصل البعض منها عن البعض.
7580 - ثم الذي نستقصيه الآن ما يتعلق بالوصية، [فالوصية] 1 إذاً مستأخرة عن المرتبتين؛ من جهة أنه لم يثبت إلا أحد شقيها، فلا هي أفضت إلى إثبات حق، ولا أدّت إلى انعقاد عقد، فوقع الاكتفاء بعلامةٍ تخرم الإيصاء.
والذي يدور في الخَلَد عند ذلك أنه لو عَرَضَ الموصى [به] 2 على البيع، ثم قال: كنت نسيت الإيصاء به، أفنقول: انبتّت 3 الوصية ظاهراً وباطناً، أم نقول: الوصية بحالها؟ هذا فيه تردد، والظاهر انقطاع الوصية ظاهراً وباطناً؛ فإنه اختل الإيصاء في هذه العين بما جرى [وانقطع] 4 الإيصاء عن القبول.
وفي المسألة احتمال.
7581 - ومما يتعلق بهذا القسم أنه لو أوصى لإنسانٍ بعبد، ثم إنه دبره، فهذا يستدعي تقديم مسألةٍ مقصودة في نفسها، وبها يحصل الغرض فيما ذكرناه: أجمع الأصحاب في الطرق على أن من أوصى بعبدٍ معين لزيد، ثم لم يتعرض لتلك الوصية، وأنشأ 5 إيصاءً بذلك العبد لعمرو، قال فقهاؤنا: العبد مشترك بين الرجلين إذا تمت الوصية؛ فإن كل واحد منهما [موصًى له، فيصيران فيه بمثابةٍ] 6، وإذا ازدحم شخصان على هذه النسبة على عينٍ، اقتضى ذلك تشطيرها بينهما، وقد ذكرنا في ذلك قواعد ومسائل في الوصية بالكل والجزء، ثم نبهنا في هذا على [دقيقة] 7 وقلنا: الاقتسام يقع على حكم الازدحام من غير فرض رجوع عن الوصية الأولى، حتى لو لم يقبل الموصى له الثاني ورَدَّ، فالعبد بكماله مصروف إلى الأول، وهكذا يكون سبيل القسمة التي تقتضيها الزحمة.

ومن 1 لم يعتقد هذه المسألة حسيكة في باب الرجوع، فليس من الفقه على حظّ؛ فإنا إذا كنا نرى ارتفاع الوصية بالعلامات القريبة، فالوصية [بكمال] 2 الموصى به لغير الموصى له الأول في نهاية الظهور في قصد الرجوع عن الوصية الأولى.
[وقد] 3 قال الأئمة: إن ذكر في الوصية الثانية لفظةً تدل على الرجوع عن الأولى، كان رجوعاً عنها، وذلك أن يقول: العبد الذي أوصيت به لفلان قد جعلته لفلان، أو العبد الذي أوصيت به لفلان هو لفلان، أو العبد الذي أوصيت به لفلان قد أوصيت به لفلان.
وقالوا: هذه القرائن تتضمن الرجوع عن الوصية الأولى، وإنما يحمل الأمر على ازدحام الوصيتين إذا جرت الوصية الثانية مطلقةً، من غير تعرضٍ للوصية الأولى، وما ذكروه الآن من أن الرجوع يثبت في الوصية الأولى جارٍ على قياس الباب، وإنما الإشكال في أن الوصية كيف لم تكن رجوعاً عن الوصية السابقة؟ فهذا لا وجه في تعليله إلا أن الوصايا يثبت فيها أصل الازدحام، وصار ذلك قانوناً متبعاً [وأصلاً] 4 في حكم المتفق عليه، (5 فالوصايا تزدحم على الثلث إذا زادت عليه ورُدّت إليه 5)، [فكل ما ظهر حمله على الزحمة ولم يقترن] 6 به أمر زائد على اقتضاء الزحمة، فهو محمول عليها.
فأما إذا انضم إلى ذلك مزيدٌ في التعرض [للوصية] 7 الأولى، فإذ ذاك يقع الحكم بالرجوع.
فهذا هو الممكن في ذلك.
7582 - رجعنا إلى ما ذكرناه من تدبير العبد الموصى به، قال الأئمة رضي الله عنهم: إذا أوصى الرجل بعبده لإنسان، ثم إنه دبّر ذلك العبدَ، ولم يتعرض للوصية5

الأولى، كان التدبير رجوعاً عن الوصية، وليس كما لو أوصى لزيدٍ بذلك العبد، ثم أوصى به لعمرو وأطلق الوصية الثانية؛ فإن الوصيتين تزدحمان على العبد، وذكروا مسلكين في طلب الفرق: أحدهما - أن مقصود التدبير 1 العتقُ، وهو مخالف لمقصود الوصية بملك الرقبة، فإن اختلف المقصودان، ظهر بالثاني قصد الرجوع عن الأول.
هذا وجه.
والثاني - أن العتق يحصل إذا وسعه الثلث، في المدبر بالموت، والقبول يقع بعده، فيتقدم نفوذ مقصود التدبير على قبول الموصى له الأول.
هذا ما ذكره الأئمة.
قال صاحب التقريب: إن حكمنا بأن التدبير تعليقُ عتق بصفةٍ؛ فإنه يكون رجوعاً عن الوصية 2 في مقصودها ووضعها، والعتق المعلق عند وجود الصفة كالعتق المنجز عند التعليق.
فأما إذا حكمنا بأن التدبير وصيةٌ بالعتق، فإذا أوصى بعبد لإنسان، ثم دبره، فقد ذكر فيه وجهين: أحدهما - أن ذلك يكون رجوعاً عن الوصية الأولى، فيثبت التدبير في جميع العبد، وهذا ما قطع به الأصحاب.
والوجه الثاني - أن ذلك لا يكون رجوعاً عن الوصية الأولى، ولكن [يثبت] 3 حق التدبير على الزحمة في جميع العبد، ويبقى حق الوصية الأولى كذلك في جميع العبد، كما لو أوصى لزيد بعبد، ثم أوصى لعمرٍو بذلك العبد، ثم حكم الازدحام يقتضي التنصيف كما ذكرناه، فيعتِق نصفه بحكم التدبير، ويبقى نصفه موصىً وهذا الذي ذكره صاحب التقريب وإن كان متجهاً في القياس، فهو مخالف لما

ذكره أئمة المذهب، فلو دبّره، ثم أوصى به لرجل، فإذا قلنا: التدبير وصية، فالذي ذهب إليه الأصحاب أن الوصية برقبة العبد رجوعٌ عن التدبير؛ فإن الوصية مع التدبير متناقضان.
ولا شك أن صاحب التقريب يطرد وجهين في هذه الصورة: أحدهما - أن الوصية رجوع عن التدبير، والثاني - أن التدبير والوصية يزدحمان.
وإن قلنا: إن التدبير تعليق عتقٍ بصفة، وقد تقدم واستأخرت الوصية، فالوصية ساقطة؛ فإن التدبير لا يزول بالرجوع عنه، والوصية لا تنجز حقاً، بخلاف تنجيز الإعتاق، وبخلاف البيع والهبة مع الإقباض، فإذا امتنع الرجوع، نفذ العتق المعلق بالموت معه، ولا أثر للوصية.
7583 - ومما يتعلق بهذا القسم أنه لو أوصى بعبدٍ لزيد، ثم قال: بيعوه بعد موتي، وتصدقوا بثمنه، فالأمر بذلك رجوع عن الوصية؛ فإن الأمر بالبيع يناقض استبقاء الرقبة حتى يفرض الازدحام فيها.
ولو أوصى بأن يباع العبد بعد موته ويصرف ثمنه إلى الفقراء، ثم أوصى بأن يصرف [ثمنه] 1 في الرقاب، فهذا يقتضي الازدحام، فيتضمن تشطير الثمن بين الجهتين.
وقد نجز الغرض في ذكر الأقوال التي تتضمن الرجوع عن الوصية.
7584 - فأما الأفعال، فإنا نعدّد منها جملاً ذكرها الأصحاب، ونشير إلى ما اعتمدوه في قياسها، ثم نذكر المسلك المرتضى عندنا.
قال أئمتنا: إذا أوصى لإنسان بحنطة معيّنة، ثم طحنها الموصي، فيكون الطحن رجوعاً عن الوصية، وكذلك لو أوصى بالدقيق، ثم عجنه وخبزه.
وقالوا أيضاً: لو أوصى بشاةٍ لإنسان، ثم ذبحها، كان الذبح رجوعاً عن الوصية، وكذلك لو أوصى بثوبٍ، ثم قطعه وفصله، فالقطع والتفصيل رجوع.
[وتعلق] 2 الأصحاب في تعليل ثبوت الرجوع في هذه المسائل بزوال الاسم،

فقالوا: هذه التصرفات تزيل الأسماء التي تعلقت الوصية بها، فتحولت وزالت، وحدثت أسماء أخرى، فكان الموصى به في حكم التالف المعدوم، وهذا الذي ذكروه من التعليل غيرُ مرضيّ عندنا، بل المعتمد أن نقول: لما أوصى بالحنطة، فبقاؤها إلى نفوذ القبول فيها مظنون ممكن، فإذا اختار طحنها، استبان بهذه العلامة أنه يبغي استعمال الدقيق، وكذلك إذا خبز الدقيق، فقد صرفه به عن جهة البقاء الممكن له إلى جهةِ هو فيها متشوف إلى الاستعمال، وكذلك القول في الشاة والذبح، والثوب والقطع والتفصيل.
7585 - ولو أوصى لإنسانِ بلحمٍ، ثم شواه، فمن يرعى زوال الاسم، فالاسم لم يزل، فلا يبعد أن تبقى الوصية، ومن راعى ظهور علامة الاستعجال والاستعمال، فقد ظهر هذا المعنى.
وذكر العراقيون وجهين فيه إذا أوصى بخبز، ثم دقّه واتخذه فتيتاً: أحدهما - أن ذلك رجوع بمثابة طحن الحنطة الموصى بها.
والثاني - أنه ليس برجوع؛ فإن الدق لم يسلبه اسمَ الخبز، فلا تنقطع الوصية بهذا القدر من التغيير.
ولو أوصى لإنسان بجاريةٍ، ثم كان يستخدمها، لم يكن الاستخدام رجوعاً؛ فإنه ليس علامة في قطع الوصية؛ إذ الإنسان يوصي بعبده، ثم لا يعطل منافعه.
وكذلك لو أوصى بجارية لإنسان، ثم زوّجها، فأما إذا أوصى بها ثم وطئها، فالطريقة المشهورة أنه إن عزل عنها، لم يكن ذلك رجوعاً، وكان الوطء كالاستخدام، وإن لم يعزل عنها، فيكون ذلك رجوعاً حينئذ؛ فإن ذلك يدل على استبقائه إياها لنفسه، والتسري بها.
ومن أصحابنا من قال: الوطء رجوعٌ كيف فرض (1 ومنهم من قال: إنه ليس برجوع كيف فرض 1).
وهذا أضعف الوجوه.1

7586 - وقد أجرى الأصحاب في أثناء الكلام في هذه المسألة مسألةً من اليمين، وهي أن مالك الجارية إذا قال: "والله لا أتسرى بها"، فمتى يحنث؟ ذكروا في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها - أن التسري يحصل بالوطء نفسه.
والوجه الثاني - أن التسري إنما يحصل إذا لم يعزل، فأما إذا عزل، لم يكن الوطء تسرياً، ولم يحنث في يمينه.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً ثالثاً - وهو أنه إذا أفرزها عن خادمات المهنة وحصّنها، وظهر من قصده إرادة الاستئثار [بها] 1، كان ذلك تسرياً، وإن لم يجر وطء، وهذا وجه ضعيف، لا استناد له إلى ثبت.
7587 - ومما يتعلق بهذا القسم أن يوصي بعينٍ، ثم يُحدث فيها زيادةً من غير أن يسقط اسمُها، وذلك مثل أن يوصي بدارٍ، ثم يزيد في بنائها، مع بقائها تحت اسم الدار، فهذه الزيادة لا تكون رجوعاً عن الوصية؛ فإنها لا تشعر [باستئثاره] 2 بالدار، ومن راعى زوال الاسم، فالاسم غير زائل، [وقد] 3 ذكرت تفصيل المذهب في أن تلك الأعيان التي زادها هل تدخل تحت الوصية.
وإن أوصى لإنسان بدار عينها، ثم غيرها، واتخذ منها خاناً، [فالذين] 4 ذهبوا إلى زوال الاسم وبقائه، حكموا ببطلان الوصية، ورأوا هذا التغيير رجوعاً عن الوصية، لأن اسم الدار قد زال.
وهذا فيه احتمال عندي؛ لأنه ليس فيما فعله ردُّ العرصة إلى حكم نفسه [باستعمالٍ] 5 وصرفٍ عن الجهة الأولى، وإنما هذه عمارة رآها وأجراها، وقد ذكرت أن التعويل على الاسم ليس بالقويّ.

7588 - [ولو] 1 أوصى بثوب مفصل غير مخيط، ثم إنه خاطه، فقد قال الشافعي وأبو يوسف: لا يكون ذلك رجوعاً، وتعليله بين؛ فإن الاسم لم يتغير على مذهب من يراعي الاسم، والطريقة التي ذكرناها لا تجرى في هذه المسألة.
وقال أبو حنيفة ومحمد 2: يكون ذلك رجوعاً.
ولو أوصى لإنسان بقطن ثم حشا به جُبة، فقد قال من يعوّل على بقاء الاسم وزواله من أصحابنا: تبقى الوصية؛ فإن اسم القطن [باقٍ، والصحيح عندي أن ذلك رجوع عن الوصية؛ فإن القطن] 3 إذا حشا به الجبة، فهو إلى الفساد والاتساخ، وسقوط القيمة، والخروج عن معظم المقاصد المتعلقة بالقطن، وهذا يشعر بصرفه عن جهة الوصية إلى جهة الاستئثار والاستعمال.
7589 - ومما يتعلق بهذا القسم أنه لو أوصى لإنسانٍ بحنطة معينة، ثم إنه خلطها بحنطة أخرى من عنده، فهذا يكون رجوعاً عن [الوصية] 4، فإنّ فعله يُعسِّر تسليمَ الحنطة المعينة [فيتضمن] 5 هذا رجوعاً عن موجب الوصية، وهذا ظاهر متفق عليه.
ولو أوصى لإنسان بمقدارٍ من الحنطة من جملة حنطة كثيرة، مثل أن يقول: أوصيت لزيد بصاعٍ من حنطة هذا البيت، فلو أنه خلط بحنطة البيت حنطةً أخرى، فقد قال صاحب التقريب: إنْ خلط حنطة البيت بمثلها، فلا يكون ذلك رجوعاً، وإن خلطها بأجود منها، كان رجوعاً، وإن خلطها بأردأ منها، فعلى وجهين.
أما ما ذكره من الخلط بالمثل، فقد اتفق الأصحاب عليه؛ من جهة أنه في وصيته لم يعتمد تعيين مقدار من الحنطة، فلا يكون الخلط مخالفاً لمقصوده.
فأما إذا خلط

بالأجود، فقد لا يسمح بالتسليم لمكان الجودة، وإن خلط بأردأ، فيتعارض فيه معنيان: أحدهما - أنه إذا سمح بالحنطة الأولى، فإنه يسمح بالأردأ أيضاً، وهذا يعارضه أنه قد لا يرضى للموصى له بالأردأ، [فلهذا خرَّج] 1 صاحب التقريب المسألة على وجهين.
وينقدح عندنا من طريق الاحتمال كون الخلط رجوعاً في الأقسام كلّها، فإنه يتعذر به التسليم من تلك الحنطة الأولى، والوصية ضعيفة يتسرع البطلان إليها.
ولو قال: بعتك صاعاً من هذه الصُّبرة، ثم خلطها بمثلها، أو أجود أو أردأ منها، فإنه يتعذر تسليم المبيع، وكل ما يتعذر [بسببه] 2 تسليم المبيع فبالحري أن يقدر رجوعاً عن الوصية في هذا الفن.
هذا تمام البيان فيما يكون رجوعاً عن الوصية.
7590 - واتسق من مضمون الباب أن التبرعات [المنفذة] 3 في المرض لا يملك المتبرع الرجوع فيها، والوصايا المحضة يملك الرجوع فيها صريحاً وضمناً، والتدبير لا ينزل منزلة التبرع المنفذ؛ من جهة أن السيد له بيعُ المدبّر وتنجيز إعتاقه، والتصرف فيه بجميع الجهات التي ينصرف بها في المملوك القنّ، فالتدبير من هذه الوجوه مباين للتبرعات المنجزة، ولكن في [نزوله] 4 منزلة التبرعات المحضة -حتى يجوز التصريح بالرجوع فيه- قولان كما ذكرنا.
...

باب المرض الذي يجوز فيه العطية ولا يجوز

7591 - مقصود هذا الباب متعلق بتنجيز التبرعات؛ فإن الوصايا المعلقة بالموت محسوبة من الثلث، سواء فرض إنشاؤها في الصحة أو في المرض، والتدبير في هذا المعنى نازل منزلة الوصايا؛ ومن هذا ظهر إلحاقه بالوصايا؛ فإنّ عِتق المدبر من الثلث، وإن جرى تدبيره في الصحة؛ فإنما تفترق الحال إذاً بين أن يكون الموصي صحيحاً أو مريضاً مرض الموت في التبرعات المنفذة كالعتق، والهبة، والمحاباة، وما في معناها.
فإن كان المرض مخوفاً وأفضى إلى الموت، [فهي] 1 من الثلث، وإن جرت وانتهت في الصحة، أو في مرض غيرِ مخوف، فمن رأس المال.
7592 - ثم لا مطمع في الاطلاع على تقاسيم الأمراض والمَيْز بين المخوف منها وغير المخوف؛ فإن العلم بذلك ليس [بالهيّن] 2 وهو يتعلق بفنٍّ معروف قد يستوعب طالبُ الكمالِ فيه العمرَ 3، ثم لا ينال مطلوبَه، والعجب أن الفقهاء خاضوا في عدّ المخوف من الأمراض وغير المخوف منها، ولست أرى التزام ذلك، و [إن] 4 اعتلقتُ طرفاً صالحاً منه، ولكن الوفاء به غير ممكن، فالوجه أن نقول: ليس المرض المخوف هو الذي تندرُ النجاةُ منه وُيؤئِس المعالجَ؛ فإن البرْسام معدودٌ من الأمراض المخوفة، [والنجاة] 5 منه ليست بالنادر، فلا ينبغي أن يظن الفقيه أن

المخوف هو الذي يغلب الهلاك منه، حتى يعد الاستبلال والبرء منه في حكم النادر، ولكن يكفي ألا يكون الهلاك منه في حكم النادر، فليتثبت الناظر في هذا [العقد] 1 فإليه الرجوع، فإنا إذا كنا نرعى الخوفَ، كفى [فيه] 2 ظهور توقع الموت وإن لم يغلب عليه يلتحق ببقية [النوادر] 3. والمرض الذي ليس بمخوف هو الذي يندر ترتب الموت عليه، لأجل ذلك لا يكون توقع الموت [منه] 4 في حكم [المظنون] 5. 7593 - فلو كان المرض مخوفاً، وجرت فيه تبرعات ثم اتفق البرء منه، فجملة التبرعات منفَّذة نازلة منزلة ما يقع في الصحة، وهذا لا شك فيه؛ فإن الخوف المعتبر إنما يظهر أثره إذا أفضى إلى الموت.
7594 - وإن كان ذلك المرض بحيث لا يعد مخوفاً، ولكن اتفق ترتب الموت عليه، فهذا لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يتفق الموت من سبب عارض سوى ما كنا نعرفه، وإما أن يتفق غلطٌ ممن رجعنا إليه في نفي الخوف، والغلط يفرض من وجهين: أحدهما - ألا يكون ذلك المرض من الجنس الذي ظنه مَنْ إليه الرجوع، وإما أن يكون من ذلك الجنس، ولكنه لم ينسبه إلى قوّة المريض النسبة الصحيحة؛ فإن القوة إذا انحطت، فالمرض الذي لا يكون مخوفاً من القوي مخوف في حق الضعيف؛ إذ القوةُ حمالةُ الأمراض، وعلى قدرها الخوفُ وظنُّ البرء.
فإن ثبت طريان سبب آخرَ مخوفٍ، فالموت محال عليه، والتبرع الذي جرى في المرض الأول بمثابة التبرع في الصحة.

وإن بان أن سبب الموت ذلك المرضُ بعينه، ولكنه أفضى إلى الموت لضعف المريض وعجزه عن الاستقلال، [فقد بان أنّا ظنناه] 1 غير مخوف وكان مخوفاً.
فإن قال قائل: لو لم يكن ضعفٌ، ولم يتجدد سبب آخر، واتفق الموت؟ [قلنا: هذا ما لايكون في مستقر العادة، وعليه الكلام] 2. ومما يعترض في ذلك أنه إذا اتفق مرضٌ غيرُ مخوف في ظاهر الظن، وترتب الموت عليه، وقال أهل البصر: لا بد من تجدّد [سببٍ] 3 باطن في الأعضاء الرئيسية، فالتبرع المتقدم على ذلك تبرع [في] 4 الصحة.
وإن جوز من [إليه] 5 الرجوع تجدّدَ سببٍ، وجوز أن يكون الموت من ذلك المرض بسبب ضعف القوة، وأنه لم يتأمل مقدار المرض والقوة، فالظاهر -إذا كان كذلك، [وعسُر] 6 الاطلاع على الحقيقة- إلحاقُ المرض بالأمراض المخوفة.
وفيه احتمالٌ من جهة أنا نستصحب حكم الصحة إلى تحقق نقيضه، وقد يطرأ مثل هذا في إفضاء الجرح إلى الموت مع اعتراض هذه الاحتمالات، وحاجتنا تمس إلى دَرْك ذلك لإيجاب القصاص ونفيه، وسيأتي ذلك مستقصىً في كتاب الجراح، إن شاء الله تعالى.
7595 - ومما يجب الاعتناء بدركه أن العليل إذا كان لا يعدّ في مرض مخوفٍ ونشأت 7 علة أخرى، فإن قال أهل البصر: العلة الأولى تُفضي إلى هذه [العلة] 8 إفضاءً مظنوناً مخوفاً، فالعلة الأولى إذاً مخوفة، وإن قالوا: يندر

إفضاؤها إلى هذه العلة، فالأولى ليست مخوفة، وما يجري فيها من تبرع ملتحق بتبرع الصحة.
ولو لم تتجدد علّة، ولكن تزايدت، والعلة واحدة، فهكذا (1 سبيل إفضاء 1) العلل إلى الموت؛ فإنها مقسومة إلى التزايد والانتهاء والانحطاط، والقوى يقسّمها مهرةُ الأطباء على هذه الأطوار، فيبنون على ذلك ظنَّ البرء والهلاك، فإذا جرى التبرع في ابتداء حمّى، وقد لا يطّلع الطبيب على جنس الحمى، وهي منقسمة إلى المخوف وغير المخوف، فإذا ظهرت أعراضها، وبان للطبيب أنها مخوفة، فابتداؤها بحكم التبين مخوفٌ، ولكنه عرفه الآن وليس ما يتجدد من اطلاعه تجرّد علةٍ.
هذا هو الذي لا بد من بناء الباب عليه.
ثم ما ظهر كونه مخوفاً، لم يخف حكمه إذا أفضى إلى الموت، وما لم يكن مخوفاً لم يخف حكمه، وما أشكل الأمر فيه، فالرجوع إلى أهل البصر، ثم إن فرض نزاع، لم يثبت كون المرض مخوفاً إلا بشهادة مسلمَيْن عَدْلين من أهل العدالة، ولا يقبل فيه رجل وامرأتان، وإن كان مقصود الشهادة التعرضَ للمال؛ فإن المشهودَ به المرض وصفتُه، وهو ليس بمالٍ، وليس [موجِبَ] 2 مالٍ بنفسه، بل هو ينفصل عن الأحكام المالية، فإن كانت الشهادة على علةٍ بامرأة على وجهٍ لا يطلع الرجال عليها غالباً، فإن تلك العلة تثبت بشهادة أربع نسوة، وإذا ثبت بِشهادتهن تثبت أيضاً بشهادة رجلين وشهادة رجل وامرأتين.
وإن أشكل الأمر على الذين راجعناهم، كما صورتُ الإشكال في صدر الباب، وذلك بأن يفرض مرضٌ ليس مخوفاً في صنفه ويتقدّر الموت، ثم يتردّد الظن في أن الموت كان لعلّةٍ طارئةٍ، أو هو محمول على ذلك المرض بعينه، مع اعتقاد إفضائه إلى الهلاك بسبب ضعف قوة المريض.
هذا فيه تردّدٌ، وقد قدمته.
والشهادة تمس الحاجة إليها عند ادّعاء علةٍ وإنكارها، فأما إذا ثبتت علةٌ، ووقع الاتفاق على صنفها،1

وآل الكلام إلى أنها مخوفة أم لا، [ورجع] 1 النزاع إلى نسبة قوة المريض إلى العلة، وهذا يختص بدركه الماهرون من علماء الطب، فلا بد مع الإشكال من مراجعة خبير موثوقٍ به.
ثم الذي أراه أن ذلك لا يلحق بمراتب الشهادات من كل الوجوه، بل يلحق بالتقويم وتعديل الأقساط في القسمة، حتى يختلف الرأي في اشتراط العدد 2 ولفظ الشهادة.
هذا منتهى حظ الفقه من الباب.
7596 - ولو ذهبت أتبع ما ذكره الفقهاء من تقاسيم العلل التي عدُّوها وأنّى لهم بها، لأتيتُ بكلام [سخيفٍ] 3، ولو [ستمددتُ] 4 مما حَظِيتُ به من هذه الصناعة، لأتيت بكلام كثير في غير موضعه، وهو لا يثمر فائدةً.
وهذا يضاهي محاولة [إغراق] 5 الكلام في أدلة القبلة في بابها.
7597 - ومما أجراه المزني أن قال: "السل ليس بمخوف"، وهذا كلام مدخولٌ، لا يرتضيه أرباب البصائر، وإن كان يرى أن العلل المزمنة التي ليست بالحادة، ليست مخوفة، كالدِّق 6 والاستسقاء وما في معناهما من الأعلال التي يظهر [الخوف] 7 فيها، وليست سريعة الانقلاب إلى البرء، أو الهلاك، فهذا بعيد مع تحقق الخوف.
فليتأمل الناظر ما يمر به.

7598 - والهرَم في الشيخ الكبير ليس يلتحق بالأمراض المزمنة، (1 فافهموا ترشدوا.
وإنما يتطرق الكلام إلى الأمراض المزمنة 1) من وجهين: أحدهما - أن الأئمة قالوا: الحامل ليست في حالة خوف، وإنما تُعدّ في حالة الخوف إذا طُلقت 2، وإن كنا نعلم أن كل حاملة 3 تضع أو تجهض، وإلى أي المصيرين صارت فإلى الخوف مصيرها، ثم لم تجعل في حالة خوف قبل الطّلْق 4. هكذا.
ولكن المرض المزمن ينفصل عنه، من جهة أن صاحبه مريض في الحالة الراهنة [وذات] 5 الحمل على [أحوال الصحة] 6 إلى أن تُطْلَق، ويتطرق إلى الأمراض المزمنة أنها إذا لم تكن حادّة، فقد تمكّن من العلاج في طول المدة، وهذا مما يجب التنبه له.
والذي يتحصل عندنا في ذلك أن نمزج إمكان العلاج، وطول المدة بقوة المريض 7، وتقع القضية على حسب ذلك، فإن قال [أهل] 8 البصر مع ما ذكرناه: الخوف غالبٌ، فالمرض مرض الموت إذا أفضى إليه، ولا نظر إلى طول المدّة وقصرها، والله أعلم.
وقد ذكرنا في أثناء الكلام مسألةَ الحامل، وهي مقصودة، فلتعرف كما وصفناها.1

فصل 7599 - نص الشافعي رضي الله عنه على أن الرجل إذا كان في قُطرِ وقع فيه الطاعون الغالب، وعم طريانه، فأمر المقيم في ذلك القطر مخوفٌ، وإن لم [يطعن] 1 بعدُ.
وكذلك من كان في التحام القتال بعد التفاف الصفين، وازدحام القسي، فأمره مخوف وإن لم يجرح بعدُ.
وقال في أهل السفينة إذا هاج البحر والتطمت الأمواج وانتهَوْا إلى حالة مخوفة: هم في حالة خوف، وإن لم تنكسر السفينة بعدُ.
هذه نصوص الشافعي رضي الله عنه، ثم نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: من قُدّم ليقتص منه غيرُ مخوف ما لم يجرح 2، فمن أصحابنا من جعل في هذه المسائل كلها قولين، وكذا في أسيرِ في يد طائفة من الكفار يقتلون الأسارى.
وهذا اختيار المزني؛ فإنه [لم ير فرقاً] 3 في هذه المسائل، من جهة أنا إن نظرنا إلى الشخص، فهو صحيح في بدنه، وإن نظرنا في توقّع إلمام الخوف به، فهذا المعنى حاصل.
ومن أصحابنا من فرق بين مسألة القصاص، فأجراها على النص وبَيْن غيرها من المسائل، وقال: يغلب من المسلم أن يرحم إذا ملك واقتدر، وقد يرغب في المال، فيعفو، وهذا لا يتحقق في سائر المسائل، وهذا الفرق لا يكاد يتضح.
والذي يعترض في نفس الفقيه أنا إذا حكمنا [بالخوف] 4 في هذه المسائل، فالحامل وإن لم تُطلَق بعد لا يمتنع أن تلحق بالمسائل التي ذكرناها، وهذا احتمال أبديناه، والذي ذكره الأصحاب أنها ما لم تطلق لا يثبت مقتضى الخوف [في] 5 حقها.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل