نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 107-146
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوصايا

صفحات 107-146
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وإذا فرعنا على الوجه الثاني، فعليه خرّج القفال وجهَ ابن سريج، كما بيّنه الآن، ولا خروج له عندي؛ فإنا على ذلك الوجه نقول: يفوز الابن الموصى له بالمقدار الموصى به، فيبقى السدس حقاً للابن الذي لا وصية له، فلا حاجة إلى إجازة الابن الموصى له، وإنما ترتبط الإجازة في حق الأجنبي بالابن الذي لا وصية له، ولا أثر لرد الموصَى [له] 1؛ فإنه لا يستحق من التركة إلا النصفَ الذي 2 أخذه من جهة الوصية، ولا إجازة من الوصية، فإذا قال الابن الذي لا وصية له: أجزت [وصية أبي] 3 كما قال، [فقد] 4 أسقط جميعَ حقه من المال، فانصرف السدس إلى تكملة نصف الأجنبي على الخصوص، ولا حاجة إلى إجازة الموصى له.
وإذا نظر الناظر إلى وصيةٍ [لشخصٍ] 5 مع طيب نفس من لا وصية له، فخروجه من التركة في موافقة أبيه، فكيف نطوّقه نصفَ سدس وهو لا يبغيه؟ والوصيتان مستغرقتان للتركة، فالوجه إذاً القطعُ بما أجاب به القفال أوَّلاً.
ولو أوصى لأحد ابنيه بنصف ماله، وأوصى [لأجنبي] 6 بنصف ماله، وأوصى لأجنبي آخر بثلث ماله، فأجاز الابنان ورضيا؟ موجبُ القضية في سبيل الجواب أن نقول: نقدّر للأجنبيين الثلث، ولا نتعرض معه لكيفية [قسمته عليهما] 7، حتى يستتم ما يحصل لهما.
ونعود فنقول: قد خرج الثلث من غير حاجة إلى الإجازة، ومجموع وصيتي الأجنبيين خمسةُ أسداس المال، وقد خرج من غير حاجة إلى الإجازة الثلثُ، فيبقى نصف المال موصى به بين الأجنبيين، ولسنا نتعرض لكيفية وقوع ذلك النصف

بينهما، حتى نتبين الغرض [آخراً] 1، فقد بقي الثلثان من التركة، والأجنبيَّان يضربان فيهما بالنصف، والابن الموصى له بالنصف يضرب في الثلثين بالنصف، فإذا استوى ما يضربان [به] 2 [جُزئيةً] 3 وقدراً، اقتضى ذلك جعلَ الثلثين بين الابن الموصى له بالنصف، وبين الأجنبيين نصفين، فيقع الثلث للابن الموصى له، ويصرف الثلث إلى جهة [الأجنبيّين] 4، فيحصل لهما ثلثان، الثلث الأول من غير إجازة، والثلث الثاني [بالمضارَبة] 5 بعد وقوع الإجازة، ثم نقول: يُقسَّمُ الثلثان بين [الأجنبيّين] 6 أخماساً؛ فإن [وصية] 7 أحدهما النصف، ووصية الثاني الثلث، [فالقسمة] 8 على هذه الجزئية توجب نسبة الأخماس، فللموصى له بالنصف ثلاثة أخماس الثلثين، وللموصى له بالثلث خمسا الثلثين.
وللابن الموصى له بالنصف الثلث، وسبب نقصان حقه عن المبلغ الذي أخذه الأجنبي الموصى له بالنصف أنه استبد 9 بأجزاء من الثلث الذي لا [يزاحَم الأجنبي فيه] 10، وانحصر حقُّ الابن الموصى له في الثلثين، ثم اقتضى التضارب [بينهم] 11 النصفَ له: نصفَ الثلثين.
هذا هو الحق، وليس يسوغ الالتفات على ما فرعنا عليه نقلاً عن القفال؛ فإن

ذلك الوجهَ، لم ينتظم، ولم نجد [له] 1 فائدة، فلا ينبغي أن يشغل الفقيه نفسه بالتعرض لمثله، على أن ذلك إنما تخيله الحذاق؛ من جهة أنه يبقى للابن المجيز شيء، فتخيلوا معنى تفضيل الموصَى له، واعتقدوا صرف الوصية إلى قدر التفضيل، والابن المجيز في هذه المسألة لا يسلم له شيء؛ فإن الوصايا عائلة زائدة على أجزاء المال.
هذا إذا أجاز الابنان للأجنبيين.
7352 - فأما إذا قال الابن [الذي] 2 لا وصية له: أجزت ما [فعل أبي] 3، وقال [الابن] 4 الموصى له: رددتُ أنا ما يتعلق بي من الوصية الزائدة على الثلث للأجنبيين، فقد قال الأستاذ: سبيل الجواب أن نقول: أما الثلث، فإنه مصروف إلى [الأجنبيين] 5 من غير احتياج إلى إجازة، فيبقى الثلثان، ونقسم المسألة من ستة، ونقول فيها: لهما سهمان من ستة، كما سنبين القسمة بينهما، ثم نقدر سهمين في يد الموصى له، وسهمين في يد المجيز، ثم يفوز الموصى له بسهميه، فيبقى السهمان في يد المجيز، فيزدحم فيهما الابن الموصى له والأجنبيان على نسبةٍ واحدة، فيصرف نصفه وهو سهم إلى الابن الموصى له، ونصفه إلى الأجنبيين.
وبيان ذلك أن الأجنبيين كانا يضربان بالنصف، وهو سهم إلى الابن الموصى له [والابنُ الموصى له] 6 والأجنبيان على نسبة واحدة، فيصرف نصفه، وهو سهم إلى الابن الموصى له، ونصفه إلى الأجنبي.
وبيان ذلك أن الأجنبيين كانا يضربان بالنصف بعد إقرار الثلث، وضربهما [بسدس] 7 من كل واحد من الثلثين الباقيين، ثم إن الابن الموصى له لما 8 ردّ

ما يتعلق به، فقد رجع إلى حق الإرث في ثلث المال، فكأنه قطع عن هذا الثلث ضربَ الأجنبي، وقطع عنه أيضاً حكمَ الوصية في حق نفسه، واكتفى في هذا الثلث بجهة الإرث، فانقطع عن هذا الثلث حق الوصايا كلها، وبقي الأجنبيان على نسبة النصف في الثلث الباقي، وبقي الابن الموصى له على مثل تلك النسبة في ذلك الثلث؛ فإن [نصفي] 1 الجهتين ثبتا على قضية واحدة، ثم انقطعت الجهتان عن أحد الثلثين على نسبة واحدة، فبقي التضارب في الثلث الباقي على نسبة واحدة.
7353 - هذا بيان مسائل الباب، وما مرت 2 من مسائل الكتاب [أعوصُ] 3 وأغمضُ منها، وسبب ذلك عسر تصوير الوصية للوارث؛ فإنه يستحق بجهة الإرث، فإذا صححنا له الوصية أُحوجنا إلى الوصية لمالكٍ في بعض ما أُوصي له، وحق الإرث قهري، والوصية [نحلة] 4، فاعتاصت مسائل الباب؛ لأنها استحدثت قضيةً في الوصايا، لا عهد بها.
7354 - ومما نختم الفصلَ به أنَّا حكينا عن الأصحاب أن الوصية [للوارث] 5 والأجنبي إذا ثبتت، فالأجنبي مقدّمٌ بحقه: مقدارِ الثلث، والورثةُ لا يزاحِمون فيه؛ فإن الثلث محل حق الأجانب، وإنما تُفرض الزحمة من الوارث والأجنبي في الوصية الواقعة وراء الثلث.
هذا هو الأصل، وعليه تفريع المسائل، وتعليله واضح.
7355 - فلو 6 أوصى بثلث ماله لأجنبي ووارث، ثم ردّ الورثة الوصيةَ للوارث، فالسدس للأجنبي؛ فإن الموصي لم يوصِ له إلا بالسدس، لمّا جعل الثلث بينه وبين الوارث.

ونُقل 1 أن أبا حنيفة صرف الثلث بكماله إلى الأجنبي في هذه الصورة، وهذا مذهب سخيف 2؛ من جهة أن صيغة الوصية في وضعها لم تقتضِ للأجنبي إلا نصفَ الثلث، فلئن بطلت الوصية في حق الوارث في مقدارٍ من الثلث، فإثبات الزيادة للأجنبي على ما يقتضيه لفظ الموصي [بحاله] 3. 7356 - ولو أوصى لأجنبي بثلث ماله، وأوصى لأحد الورثة بثلث ماله، ورد الورثةُ الوصيةَ للوارث، فتبقَى الوصيةُ بالثلث في حق الأجنبي.
ولو كانت المسألة بحالها ببيان 4 الورثة بردّ الوصيتين إلى الثلث، ثم يبطل حق الوارث، فيبقى للأجنبي السدس، كان ذلك محالاً منهم؛ لأن الوصية وقعت بالثلث للأجنبي، فلا حطيطة في حقه من الثلث قط.
وأيضاً، فإن الورثة إذا أرادوا ردّ وصية [الوارث] 5 فكيف يقدرونه مزاحماً لا حق له.
ولو قالوا: نرد الوصيتين إلى الثلث، فيكون الثلث بين الوارث [وبين] 6 الأجنبي، قيل: لا سبيل إلى ذلك؛ فإن الأجنبي 7 لا ينقص من الثلث، فإن الوصية وقعت في حقه بالثلث.
هذا قانون الباب.
7357 - وقد حكى الصيدلانيُّ مسألةً وفيها وجهٌ عن القفال أخرت حكايته، لأنه ليس معتداً به، وهو من الهفوات، ولولا [الثقة] 8 بنقله، وعلو قدر المنقول عنه، لما استجزت نقلَه:

فنذكر تلك المسألة، قال: إذا أوصى لأجنبي بثلث ماله وأوصى لكل واحد من ابنيه بثلث ماله، فأجاز كل واحد من الابنين لصاحبه، ولم يجيزا للأجنبي.
فالمذهب المبتوت أن الأجنبي يستحق ثلثَ المال، ولا معنى لقولهما: " لا نجيز للأجنبي "؛ فإن الثلث مستحق للأجنبي، لا حاجة فيه إلى الإجازة، ولا أثر فيه للرد كما قدمناه.
وحكى عن القفال وجهاً ثانياً أن للأجنبي ثلث أسهل 1 الثلث؛ فإن ثلثه كان شائعاً في أثلاث المال، وإذا ردّ الابنان حقَّه عن ثلثيهما، فقد سقط ثلثا الثلث.
وهذا ليس بشيء، وهو خرمٌ للقاعدة التي أجمع الأصحاب عليها.
وإذا لم يكن للوارث أن ينقص حق الأجنبي في الثلث، حيث لا وصية للوارث، فكيف ينتظم من الابنين أن ينقصا ثلثه بأن فرضت لهما وصية.
ثم لا حاصل للوصية بمقدار الإرث؛ إذْ لكل واحد من الابنين الثلث، فالوصية بالثلث المستحق بالإرث لا حاصل له.
هذا تمام المراد في ذلك.
فرع متعلق بالوصية للوارث: 7358 - إذا وقف الرجل داراً لا يملك غيرها على ابنه وابنته لا يرثه غيرُهما، فقد مضى هذا في فرع ابن الحداد، ولكنا رسمنا هذا الفرع لمزيد [معنى] 2، فلو ردّا الوقفَ في الزائد على الثلث، ارتد الوقفُ بردهما في الثلثين، وبقي الوقف في مقدار الثلث.
ثم الثلثان يقسمانها للذكر مثل حظ الأثثيين، ويبقى الثلث موقوفاً بينهما، والوقف لازمٌ فيه، تفريعاً على الأصل الذي فرعنا عليه مسألةَ ابن الحداد.
فإن قيل: إن كان الوقف في ثلث الدار بينهما نصفين، فهذا خلاف ما يقتضيه وضع القسمة؛ فإن حق الذكر ضعفُ حق الأنثيين، فهذا الساري 3 تفاضلٌ في

الحقيقة بالإضافة إلى حق الذكر والأنثى في الميراث، وقد ذكرنا أن الأب لو أراد أن يفضّل بعضَ ورثته على بعض في الثلث الذي هو محل تصرفه، لم يكن له ذلك على المذهب.
فإن قلنا: الوقف في الثلث بينهما على التفاوت، كان ذلك على خلاف شرط الواقف، فإن موجبَ شرطه التسويةُ بينهما، فإن رُدَّ الوقف في مقدار لحق الورثة في الملك 1، فتغييّر شرط الواقف في المقدار الذي يصح الوقف فيه محال.
قلنا: [الشرط] 2 أولاً أن الوقف على التفاوت، ووجه الجواب عما ذكره القائل من خروج الوقف عن شرط الواقف أنا نقدّ الثلثين مثلاً في جانب الابن، والثلث في جانبها، ثم الابن نقضَ الوقف في ثلثي حصته، ونفرض [نقْضَ] 3 ثلثي حصتها، فيبقى ثلث حصتها، وهو تسع، ويبقى ثلث حصته وهو تسعان 4. وإن أحببت قلت: نقدر الدار في يد كل واحد منهما على حكم الوقف المرسل، ثم الابن يسترد سدسها؛ حتى يكون في يده ضعف ما في يدها.
ثم الذي يسترده لا يبقى وقفاً، ثم يزداد في نقض الوقف حتى [يرجع] 5 إلى ما ذكرناه.
فرع: 7359 - إذا خلف رجل ورثةً وأعيانَ أموال، فأوصى لكل واحد منهم بعينٍ من أعيان ماله، وكانت قيمة تلك العين على قدر حصة ذلك الشخص الذي عيّن له تلك العين، فلم يفضِّل في أقدار المالية، وإنما خصص كلاً بعينٍ.
مثل أن يخلف بنين وأعبداً قيمهم متساوية، وأوصى لكل واحد من بنيه بعبد معيّن.

فقد اختلف أئمتنا في ذلك على وجهين.
قال قائلون: ينفُذُ ذلك، وليس لبعضهم أن يبطل التعيين على البعض؛ فإن حقوقهم في المقادير لا في الأعيان، بدليل أنه لو باع داراً منه في مرض موته بثمن مثلها، لم يُنقض ذلك عليه، ولم يكن تعيين الدار له بالبيع وصية.
وذهب بعضهم إلى أن ذلك وصية وللبعض أن يبطل على البعض؛ فإن للناس في الأعيان أغراضاً واضحة، فلا يجوز إبطالها بطريق الشرع، وليس كالبيع؛ فإنه عقدٌ لازم، فإذا خلا عن المحاباة، نفذ البيع لوضعه في أصل الشرع.
فصل قال: " ويجوز الوصية لما في البطن وبما في البطن ... إلى آخره " 1. 7360 - هذا الفصل مشتمل على مقصودين: أحدهما - الوصية للحمل، والثاني - الوصية بالحمل.
فأما الوصية للحمل، فإنها جائزٌ بشرطين: أحدهما - أن ينفصل الحمل حيّاً، ويكون بحيث تصح الوصية لمثله حالة الانفصال، ولو انفصل ميتاً، فلا وصية، ولا يُقضَى بأنها صحت وبطلت، بل نتبين أنها لم تصح، ولا فرق بين أن ينفصل ميتاً بإجهاض من غير جناية، وبين أن ينفصل بجناية جانٍ، وإنما ذكرنا هذا على [وضوحه] 2؛ لأنا قد نقيم [الولد] 3 المنفصل بالجناية مقام الولد المنفصل [حياً] 4 في قاعدة الغرور؛ فإن المغرور لا يغرم قيمة الولد إذا انفصل ميتاً، ويغرَم قيمته إذا انفصل حياً، وإذا انفصل بجناية يقوَّم ويرجع [عليه] 5، على تفصيلٍ طويل سيأتي، إن شاء الله عز وجل في كتاب النكاح.

فأحببنا أن نقطع وهم من يظن أنا نفصل بين السقوط بالجناية، وبين السقوط من غير جناية، كصنعنا في الغرور؛ فإن هذا الأصلَ وهو الوصية مداره على استيقان حياة الموصى له.
وهذا المعنى يفوت بانفصال الجنين ميتاً، سواء انفصل بجناية [أو] 1 غيرها.
هذا أحد الشرطين.
7361 - والشرط الثاني أن يكون العلوق بالولد الموصى له متحققاً حالة الوصية، فإذا أوصى لحملٍ بشيء، فأتت المرأة به لأقلَّ من ستة أشهر من وقت الوصية، فقد استيقنا وجودَ الحمل حالة الوصية.
ولا ينبغي للفقيه أن يصرف فكره إلى اشتراط كون الحمل حياً حالة الوصية؛ فإن هذا لا مطلع عليه والحملُ جنين، فيكفي وجود العلوق حالة الوصية، وتحقق الحياة حالة الانفصال.
ولو أتت المرأة بالولد لأكثر من أربع سنين من وقت الوصية، فلا شك في بطلان الوصية؛ فإنه أوصى للحمل الكائن، وقد تحقق أنه لم يكن حالة الوصية حملٌ.
ولو أتت بالولد لأقلَّ من أربع سنين، وأكثر من ستة أشهر، نُظر: فإن كانت المرأة تحت زوج يُظن أنه يغشاها، فلا تصح الوصية لجواز أنها علقت بعد الوصية بوطء الزوج إياها.
ولو لم تكن ذات زوج، فأتت بولدٍ لأكثرَ من ستة أشهر، فهل تصح الوصية له؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أن الوصية لا تصح لجواز حدوث العلوق بعد الوصية بوطء شبهة، أو سفاح.
والوجه الثاني - أن الوصية تصح؛ إذ لا سبب يستند إليه تجدد الوطء [وتقدير] 2 وطء الشبهة والزنا بعيد، ودوام الحمل أكثر من ستة أشهر غالبٌ غيرُ نادر؛ فإن الوضع على الستة والسبعة من النوادر التي تذكر.

هذا تأسيس الكلام.
ولو قال للحامل: أوصيت لحملك من فلانٍ بكذا، فأتت به لأقلَّ من ستة أشهر من وقت الوصية، ولمدة يقتضي الشرع التحاقه بمن نسبه إليه، استحق الوصية إذا انفصل حياً، حتى لو كان طلقها، فأتت به لأقلَّ من ستة أشهر من وقت الوصية، ولأكثر من ستة أشهر من وقت الطلاق، وأقلّ من أربع سنين، فالولد يلحق والوصية تثبت.
فإن قيل: ذكرتم أن الوصية لا تثبت ما لم تستند إلى تعيين، وثبوت النسب.
[وثبوتُ النسب] 1 في الصورة التي ذكرتموها ليس مستيقناً.
قلنا: أولاً تحقق الوجود، فلا طريق لثبوت النسب إلا ظاهرُ الإمكان، مع تقدم الفراش، فيحمل قوله في النسب على الممكن فيه.
ولو أتت بالولد لأقلَّ من ستة أشهر من وقت الفراق، لما كان النسب مقطوعاً به [حسّاً] 2؛ فإن كون الحمل من رجل معين غيبٌ لا اطلاع عليه، ولكن يكفي ويكون [النسب] 3 محكوماً به.
نعم، لو أتت بالحمل لأكثر من ستة أشهر من وقت الوصية، ولأكثرَ من وقت الطلاق [حيّاً] 4، ولأقل من أربع سنين من الوصية والطلاق، فالنسب يثبت، والوصية لا تثبت؛ فإن ثبوت النسب يعتمد الإمكان [و] 5 قد تحقق وثبوت الوصية يستدعي استيقان الوجود حالة العقد، وهذا المعنى لم يتحقق.
هذا أصح الوجهين.
ومن أئمتنا من أثبت الوصية إذا لم تكن ذات زوج، ولم يبنِ الأمرَ على تقدير وطء شبهة أو سفاح، على ما قدمنا ذكره.
ثم ذكر صاحب التقريب مسائل فيه.

[مسائل] (1) في الوصية للحمل

7362 - منها: أنه لو قال الموصي: أوصيت لحمل فلانة بكذا، فخرج اثنان حيان، فالوصية لهما جميعاً.
ولو خرج أحدهما حيّاً والآخر ميتاً، فجميع الوصية للحي، ويجعل كأن الميت لم يكن، ولا نقول: إن الوصية تتقسط على الولدين، ثم تبطل حصة الميت، وليس كما لو أوصى لحي وميت ابتداء، فإنا قد نسقط قسطاً من الوصية، على ما سيأتي ذلك مشروحاً من بعدُ، إن شاء الله عز وجل.
هذا ما ذكره صاحب التقريب، ووجهه أن الميت غيرُ معتد به في الحمل، وكأنه عَلقَة أو مُضغة، ولا حمل إلا الحي، وليس يخلو ما ذكره [عن كلام] 2؛ فإنه لو أوصى لحمل امرأة، فانفصل ميتاً، فقيل: الوصية باطلة كما إذا ابتدأ، فأوصى لميت، والميت حمل، فلا 3 تصح الوصية له، فلا يبعد عن القياس أن نقول: لو نيطت الوصية [بالحمل] 4 وهو حي وميت، فليبطل قسطٌ منها يقابل الميت.
7363 - ومما ذكره صاحب التقريب أنه لو قال: إن كان حملك غلاماً، فقد أوصيت له بألف، فأتت بغلامين، فلا شيء لواحد منهما؛ فإن حملها عبارة عن جميع ما يحتوي عليه رحمها، فقد بان أن حملها لم يكن غلاماً، بل كان غلامين.
وكذلك لو أتت بغلام وجارية.
7364 - [ومثله لو] 5 قال: إن كان في بطنك غلام، فقد أوصيت له بألف، فخرج غلام وجارية، صح الألف للغلام؛ فإنه كان في بطنها غلام، ومثله لو خرج غلامان،1

فالوصية ثابتة، ثم ذكر قولين بعد الحكم بثبوت الوصية: أحدهما - أن الخيرة في ذلك إلى الوارث [يصرف الألف] 1 إلى أي الغلامين شاء، ولا سبيل إلى التشريك؛ فإنه ما أوصى لجميع الحمل، بل أوصى لغلام في البطن، والوارث ينزل منزلة الموروث في التعيين.
هذا قولٌ.
والقول الثاني - أنه لا خيار للورثة في ذلك، ثم على هذا القول قولان: أحدهما - أن الموصى به مقسوم على الغلامين نصفين، إذ ليس أحدهما أولى من الثاني، واسم الغلام يتناول كلَّ واحد منهما.
وقد ثبتت الوصية، والقول الثاني - أنه مالٌ مشاعٌ بينهما، يدّعيه كل واحد منهما، فهو موقوف إلى أن يصطلحا.
وهذا يضاهي مسألة ستأتي في نكاح المشركات، وهي أن الكافر لو أسلم عن ثمانٍ، وأسلمن معه، ولم يتفق أن يختار أربعاً منهن، فإذا مات قبل الاختيار، فظاهر المذهب أنه يوقف بينهن ميراث زوجة إلى أن يصطلحن.
وفي المسألة قولٌ آخر حكاه صاحب التقريب: أن الميراث مفضوضٌ عليهن بالسوية؛ إذ ليس إحداهن أولى به من صواحباتها.
وليس هذا كالطلاق المبهم، على ما سيأتي مشروحاً، إن شاء الله عز وجل.
7365 - ولو قال الرجل: أوصيت لأحد هذين الرجلين بألفٍ، وأشار إلى زيد وعمرو، ثم توفي قبل التعيين.
قال صاحب التقريب: هذه المسألة كمسألة الحمل، وقد قال: إن كان في بطنك غلام، فقد أوصيت له بألف، فانفصل غلامان، ووجه التشبيه [بيّن] 2، وقد ينقدح للفقيه فرقٌ بينهما؛ فإن قوله: أوصيت لأحدكما تنصيصٌ منه على تخصيص أحدهما بالاستحقاق، وحرمان الثاني، فيبعد قول الاشتراك في هذه المسألة، ويجرى قولُ تعيين الوارث، وقول الوقف بينهما.

وإذا قال: إذا كان في بطنك غلام، أمكن أن يُتخيّل من لفظه صرف الوصية إلى جنس الغلامين؛ إذ ليس في لفظه نفيٌ وإثبات بين غلامين، ومسألة نكاح المشركات بالوصية لأحد الرجلين أشبه؛ فإن الزوجية لا يفرض شيوعها في ثمانٍ، على ما سنصف ذلك في موضعه، إن شاء الله عز وجل.
7366 - ولو أوصى بشيء لحمل امرأة من زيد، فأتت به لأقلَّ من ستة أشهر من وقت الوصية، [فظاهر الإمكان] 1 يلتحق فيه [بزيد] 2، لكن زيداً نفاه باللعان، فقد حكى العراقيون والشيخ أبو علي في ذلك وجهين: أحدهما - أن الوصية لا تثبت؛ فإن النسب من زيد قد انتفى، وشرط ثبوت الوصية ثبوتُ النسب من زيد.
والوجه الثاني - حكاه العراقيون عن أبي إسحاق المروزي: إن الوصية تثبت، وإن انتفى النسب باللعان؛ فإنه يثبت ظاهراً [للإمكان] 3، وهو يعتمد للنسب، فإن نفينا النسب -لضرورةٍ داعية- باللعان، فلا ينقطع الإمكان المعتبر في باب الوصية، حكَوْا ذلك، وزيفوه [وعدّوه] 4 من غلطاته.
7367 - ولم يتناه الشيخ 5 في تزييف ذلك، وبنى عليه مسألة أخرى، تتعلق بأحكام النسب، فقال: لو أتت امرأةُ الرجل [بولدين] 6 توأمين من بطن واحدٍ، فنفاهما الزوج باللعان، فلا شك أنهما يتوارثان بقرابة الأم، فإنهما يُنسبان إلى الأم، وإن كانت زانيةً، فهما إذاً أخوان من الأم، وهل يثبت بينهما أخوة الأب حتى يقال: إنهما أخوان من أبٍ وأمٍّ؟ ذكر الشيخ وجهين مأخوذين من المأخذ الذي ذكرناه في الوصية: أحدهما - أن

الأخوّة من الأب لا تثبت بينهما؛ لأن الأبوة لم تثبت، بل انتفت.
والأخوة من الأب متفرعة على الأبوة.
والوجه الثاني - أنه تثبت بينهما أخوة الأب؛ تعويلاً على الإمكان، وقيام الفراش، وكأن هذا القائل يزعم أن أثر اللعان في النفي يختص بالملاعِن؛ فإن اللعان حجةُ خصوص.
وهذا لا حاصل له، وهو من خيالات الاحتجاج.
فإن قيل: هلا تردد الأصحاب في أن الرجل إذا قذف امرأته بأجنبي 1، [والْتعن فلا يندفع عنه الحد] 2؛ من جهة أن اللعان يختص بالنكاح ولا يتعلق بالأجنبي 3؟ قلنا: هذا مما يتوجه به أحد الوجهين، ثم الأصحاب [عدّوا] 4 ذكر الأجنبي من الضرورة 5، على ما قررناه في مسائل اللعان.
7368 - ومما ذكره الشيخ أبو علي رحمة الله عليه في شرح الفروع أنه لو أوصى لحمل امرأة، فأتت بولد لدون ستة أشهر من وقت الوصية، ثم أتت بولدٍ آخر لأكثر من ستة أشهر من وقت الوصية، ولأقل من ستة أشهر من الولادة، فالوصية مصروفةٌ إلى

الولدين جميعاً؛ فإنا تبيّنا أنهما حملٌ واحد؛ تحققنا الوجود بانفصال الولد الأول دون ستة أشهر، [وتحققنا من وجود الثاني لانفصاله بعد الأول لدون ستة أشهر] 1 فانتظم من مجموع ذلك أنا استيقنا وجودهما جميعاً حال الوصية.
وهذا ظاهر [لا إشكال] 2 فيه.
وقد انتهى تفصيل القول في الوصية للحمل.
7369 - [ونحن] 3 الآن نذكر الوصية بالحمل فنقول: الوصية بالحمل جائزة إذا تحقق وجوده حالة الوصية، [بان] 4 تأتي الأم به لأقلّ من ستة أشهر من وقت الوصية.
فإن كانت الوصية [بحمل بهيمة] 5، فالرجوع [فيها] 6 إلى أهل الخبرة، فإن [زعموا] 7 أنه لم يحدث علوق بعد الوصية، فالحمل [موصىً] 8 به إذا انفصل.
وليس عندنا في حمل البهائم ضبط في الأوقات [يُرجَع] 9 إليه، على حسب ما ذكرناه في بنات آدم؛ فإن العلماء اعتنَوْا بتتبع أوقات الحمل في النسوة، وأحاطوا بالأكثر والأقل، وحكَّموا الوجودَ 10 في ذلك تحكيمهم إياه في أقل الحيض وأكثره، وأوقاتُ الحمل في البهائم تختلف باختلاف أجناسها، فليقع الرجوع إلى أهل الخبرة، فإن قطعوا بطريان الحمل، فلا وصية، وإن قطعوا بوجوده، أثبتنا الوصية.
فإن كان قَرُبَ الزمان، فترددوا، فلم يُبعدوا طريان الحمل بعد الوصية، أبطلناها.

ومما يختص بهذا الطرف أنه لو أوصى لإنسان بحمل جارية منكوحة، فلو انفصل الحمل ميتاً، فلا أثر للوصية، ولو انفصل بجناية جانٍ وألزمناه ما يلزم في الأجنة 1 المملوكة [فالوصية] 2 ثابتة، وما أُلزمه الجاني مصروف إلى الموصى له، وليس كما إذا كان الحمل موصىً له، ثم انفصل ميتاً بجناية جانٍ؛ فإنا لم نصادف للموصى له حياة، فوقعت الوصية [لمن] 3 لم نعلم حياته، والحمل لا يمتنع تعلّقُ [الحكم] 4 به حملاً، وإذا انفصل بجناية جانٍ، قام الغرم على الجاني مقام حياة الجنين لو انفصل حياً؛ فإن المالية دامت بالتزام الجاني بدل الجنين.
وهذا واضح.
7370 - ولو أوصى بالحمل كما ذكرنا، فانفصل حياً ومات، فمؤونة تجهيزه على الموصى له، ولو انفصل ميتاً، فالذي أراه أن الموصى له لا يلتزم مؤنة تجهيزه؛ من جهة أن الوصية تعتمد ثبوت المالية، أو ثبوت كون الموصى به منتفعاً به، ولم يتحقق واحد منهما، إذا انفصل الحمل ميتاً، فالوجه أن يتبع الحمل الجارية، فيقوم بتجهيزه من يقوم بمؤونة الجارية.
7371 - ومما يتعلق الفصل [به] 5 أنا إذا جوّزنا الوصية بالحمل، فيجوز استثناء الحمل من الوصية بالجارية، وذلك بأن يوصي لإنسان بجاريةٍ حاملٍ دون ولدها، وهذا على خلاف حُكمنا في البيع؛ فإنه لما لم يجز إفراد الحمل بالبيع، لم يجز استثناء الحمل عن بيع الجارية، على ما فصلتُ المذهبَ فيه في كتاب البيع.
ولا خلاف أنه لو أوصى بجاريةٍ لشخصٍ وبحَمْلها لآخر، صح، ولو أطلق الوصية بالجارية الحامل، ولم يتعرض لحملها بنفي ولا إثبات، [ففي] 6 اشتمال الوصية على

الحمل احتمال ظاهر، مستنده إلى تردد العلماء في أن الحمل هل يحل محل أجزاء الأم في تناوله الاسم المطلق الواقع على الأم؟ ولهذا التفات على قواعد يكفي التنبيه عليها.
ثم إن قلنا: لا يدخل تحت الوصية بالجارية، فإنه يبقى ملكاً للموصي، ثم يخلُفه الورثةُ فيه.
صيان قلنا: تتناوله الوصيةُ، فإذا انفصل قبل موت الموصي، وقد كان موجوداً حالة الوصية، فهو يوصي به.
فإن أوصى بالجارية مطلقاً، وقضينا باشتمال الوصية على الحمل، فلو أوصى بعد ذلك بحملها لآخر، فإن رجع عن الوصية الأولى، ثبت الرجوع، واختص الموصى له الثاني بالحمل، وإن لم يرجع عن الوصية الأولى، ازدحمت وصيتان على الحمل، وكان هذا كما لو أوصى بعبدٍ لزيد، ثم أوصى به لعمرو، فالعبد بينهما نصفان.
وحساب المسألة يقام على قاعدة [العول] 1، فهذه مسألة عالت [بكلها] 2 ويقتضي ذلك التنصيف.
7372 - ومما يتعلق بهذا المقصود أنه لو أوصى بحمل جاريةٍ، ثم تحققنا أنه لم يكن حالة الوصية حملٌ، ولكن الجارية علقت بعد الوصية، فليس الحمل الحادث موصىً به.
وإن تردد الأمر، فهو على القياس [المقدّم] 3 في الوصية للحمل.
7373 - ولو قال الموصي: أوصيت لك [بما] 4 ستحمل هذه في المستقبل، أو أَوْصى [بنتاجٍ اعتاده] 5 في المستقبل.

ضبطُ 1 المذهب في ذلك أن الوصية بمنافع الدار وغيرها في المستقبل جائزة وفاقاً -على ما سنعقد في ذلك فصلاً على أثر هذا، إن شاء الله عز وجل- وإن 2 كانت المنافع معدومة في الحال؛ لأن الشرع ألحق [توقّعَ] 3 الوجود منها حالاً على حال بتحقق الوجود في الأعيان، ولذلك صحت الإجارة، ومقصودُها المنافع التي ستكون.
فأما إذا أوصى بما سيكون من حمل، أو نتاجٍ، ففي صحة الوصية وجهان مشهوران: أحدهما - أنها تصح قياساً على المنافع.
والثاني - لا تصح؛ فإن ارتقاب وجود المنافع تباعاً ووِلاء في الاعتياد ملتحق بالحاصل الكائن، والنتاج والولد [أعيان] 4 لا يستند التوقع فيهما إلى ثبت واطراد في الاعتياد.
ولو أوصى لإنسان بالثمار التي ستكون في مستقبل الزمان، فلأئمتنا طريقان: منهم من ألحق هذه الوصية بالوصية بالنتاج المنتظر والحمل المتوقع؛ من جهة أن الثمار إذا وجدت، كانت أعياناً كالنتاج والولد، وليست كالمنافع؛ فإن المنافع في وجودها لا تبقى، فلا تعويل على وجودها؛ إذ لا ننالها بعد الوجود، ولو لم يكن التصرف متقدماً على وجودها، لم يُتصوّر فيها التصرف، والأعيان إذا وجدت، بقيت، فأمكن ارتقاب وجودها حتى يعتمدَ التصرفُ الوجودَ المستمر.
ومن أئمتنا من ألحق الثمار بالمنافع، فقطع بجواز الوصية بها، واستدل هؤلاء بأن قالوا: وجدنا في قبيل الثمار تصرفاً لازماً وارداً على الثمار المتوقعة، وهي المساقاة، فالتحقت الثمار لذلك بالمنافع، وليس في قبيل المعاملات ما يلزم على الحمل والنتاج في الاستقبال.

وإن التفت ملتفتٌ إلى السّلم في الحيوان، فهو [منقطع عما] 1 نحن فيه؛ فإن معتمد السلم الذَّيْن الواقع في الذمة معلوماً بالوصف مقدوراً عليه عند توجه الطلب، وعلى الفقيه تكلف في الحكم بأن المسلم المتعين بالتسليم هو المسلَم فيه، ولولا أن سبيل تأدية الديون هذا، لقلنا: ليس المقبوض مسلماً فيه.
والوصايا إذا أضيفت إلى نتاج [أغنام] 2 بأعيانها، فهي بعيدةٌ عن وضع السَّلَم؛ فإن التعيين والسلم يتنافيان.
7374 - ومما يتصل بتمام القول في ذلك [أنا] 3 إن منعنا الوصيةَ بما سيكون من حمل، أو أجزناها، ففي الوصية للحمل الذي سيكون تردد [ظاهرٌ للأصحاب] 4: قال العراقيون: المذهب في ذلك المنع؛ فإن حق الوصية أن ترتبط بالموجود وتصح الوصية له حال الإنشاء، والعدمُ يضاد [الإثبات] 5. ولا تصح الوصية لكل ثابت فكيف تصح [لمن] 6 لا ثبوت له.
وحكَوْا عن أبي إسحاق المروزي أنه أجاز الوصية [لمن] 7 سيكون، وزيفوا مذهبه في ذلك.
وليس ما قاله أبو إسحاق بعيداً عندنا؛ من جهة أن الوقف يصح على من سيكون، إذا وَجَد الوقفُ مورداً في الحال، وهذا سبيل وقف الرجل على أولاده، وأولاد أولاده ما توالدوا، ولو كان الوقف منقطع الأول، وكان وروده على [متوقع] 8، ففيه اختلاف قدمته في كتاب الوقف، والوقف من التصرفات الناجزة اللازمة، فإذا تطرق إليها خلافٌ في صورةٍ، فاللائق بالوصية القطعُ بصحتها فيها؛ فإن مبنى الوصية على

التوقع، وإذا كان يستأخر القبول فيها عن الإيجاب، فليس الاستئخار بعيداً في وضعها.
وهذا نجاز القول في الوصية للحمل، والوصية بالحمل.
فصل قال: " ولو أوصى بخدمة عبده، أو بغَلّة داره، أو بثمرة بستانه، والثلث يحتمله، جاز ذلك ... إلى آخره " 1. 7375 - اتفق الأئمة على صحة الوصية بمنافع الدور وغيرِها، من العقار، والعبيد، والدواب، وكلُّ منفعة يثبت استحقاقها بطريق الإجارة يصح الوصية بها، ثم أصل القول فيها أنها ليست إعارةً على قاعدتنا، ولذلك تلزم الوصية بها إذا اتصفت بالقبول، والعواري لا تلزم.
وأبو حنيفة رحمه الله 2 زعم أن الوصية بالمنافع في معنى الإعارة، ولكنها من حيث إنها تقع بعد موت المبيح تلزم؛ فإن الرجوع في العاريّة يثبت للمعير، وتنقطع العاريّة بموته، وابتداء الوصية يقع بعد [موت] 3 الموصي، فكان لزومها لذلك.
وليس الأمر على هذا الوجه عندنا؛ ولكن الإعارة لم تلزم؛ من جهة أنها نِحْلةٌ وهبة، وركنُ لزوم الهبات القبض، والقبض لا يلزم في المنافع؛ من حيث إنه لا يتحقق وجودها، والوصية [منيحة] 4 ولكنها لا تستدعي في تمامها الإقباضَ؛ فإنها تلزم بالقبول إذا وسعها الثلث في الأعيان من غير جريان القبض [فيها] 5. وحقيقة المذهب في المنافع الموصى بها أنها [تصير] 6 ملكَ الموصَى له، كما أن

الأعيان تصير ملكاً للموصى له، [وآية] 1 ذلك أنه ينفذ تصرفه في المنافع بالإجارة، والمستعيرُ لا يصح منه إجارة المستعار، والمنافع لا يستوفيها ملكاً، وإنما يستوفيها على حكم الإباحة، وهي قريبة الشبه من إباحة الطعام للضيفان.
ولهذا المعنى لم تكن العين الموصى بمنفعتها مضمونةً على الموصى له، بخلاف العين المستعارة؛ فإن المستعير لا يثبت له استحقاق في المنافع، والموصى له يستحق لها، على ما قدرنا مسالك الجمع والفرق في مسألة العارية.
فهذا بيان حقيقة الوصية بالمنفعة.
7376 - ثم إنا نذكر بعد هذا أصولاً في هذه القاعدة، ونذكر في كل أصل ما يتصل به؛ فإن شذت مسائل رسمناها فروعاً، على [دأبنا] 2 في أصول المذهب.
7377 - فممّا نرى تقديمَه القولُ في بيع العين الموصى بمنفعتها، فإن كانت المنفعة الموصى بها [مُقدّرةً] 3 مضبوطة بأمدٍ مضروبٍ، فالقول في جواز بيع [العين] 4 الموصَى بمنفعتها كالقول في بيع الدار المستأجرة؛ فإن الاستحقاق في المنفعة والاستيلاء على العين بسببها ثابتٌ في الموضعين، والاستحقاق مؤقت.
وإن أوصى الموصي بمنفعة عينٍ أبداً، فالوصية صحيحة، لم يختلف في صحتها علماؤنا وإن قال قائل: إنها مجهولة، فالجهل لا ينافي صحة الوصية، وإنما يراعَى الإعلام في [الأعواض] 5 والمعوّضات في عقود [المعاوضة] 6، ثم العين الموصى بمنفعتها [أبداً] 7 لا يصح بيعها إذا لزمت الوصية، وتمت بالقبول، وفي الثلث.
هذا هو المذهب الظاهر.

وذكر العراقيون من طريق التنبيه وجهاً عن بعض الأصحاب في تخريج بيع العين الموصى بمنفعتها أبداً على القولين، وصرح بنقل هذا الوجه الشيخ أبو علي في الشرح، وهذا بعيد؛ فإن العين مسلوبةُ المنفعة.
ووجهُه على بعده أن الملك في الرقبة لا يَنقُص [بها] 1، وامتناع الانتفاع ينزل منزلة امتناعه بزمانة 2 العبد، ولم يختلف علماؤنا في جواز بيع العبد الزَّمِن، الذي لا انتفاع فيه.
وهذا ملتبس؛ من جهة أن المعتمد في منع البيع ثبوتُ يد مستحق المنفعة، وامتناعُ إزالتها، وهذا لا يتحقق في الزَّمِن.
والتعلق بالنكاح في توجيه الوجه البعيد أمثلُ؛ فإن النكاح معقود على التأبيد، ثم لا يمتنع به البيع في الرقبة.
7378 - وإذا جرينا على المسلك الأصح، وهو المنصوص عليه للشافعي، وصححنا الوصية بالثمار التي ستكون في المستقبل كتصحيحنا الوصيةَ بالمنافع، فتفصيل القول في بيع الأشجار الموصى بثمارها، كتفصيل القول في بيع العين الموصى بمنفعتها، [فالمقدّر] 3 من الثمار كالمقدّر من المنافع، والاستحقاق على التأبيد في الثمار يضاهي المنفعة المؤبدة في ترتيب المذهب في بيع الأعيان.
وكان شيخي أبو محمد يقطع القول بأن [الوصية] 4 بأولاد الأمة في مستقبل الزمان لا تمنع بيعها قولاً واحداً؛ فإن منافعها باقية، وولدُها ليس مما يؤثِّر ويقدح في تمام الملك في الرقبة، وكان [يتردّد] 5 في بيع المواشي الموصى بنتاجها، وصغْوُه الأظهر إلى صحة بيعها.
ويتجه عندي تصحيح بيع الأشجار الموصى بثمارها؛ فإن الذي يتجه اعتماده في

منع بيع العين الموصى بمنفعتها استيلاء المنتفع بها، [وإدامة] 1 اليد عليها، لا سقوطُ المنفعة؛ فإنا لو اعتمدنا سقوطَ المنفعة، لترددنا في بيع المعضوب 2 الزَّمِن، ولا تكاد تثبت اليدُ على الأشجار للموصى له بثمارها؛ فإنه [يبغي] 3 ثمارها إذا برزت الثمار، ولا تطّرد يده اطراد يد الموصى له بالمنفعة والمستأجر، وهذا بمثابة النكاح؛ فإن الزوج وإن كان يستحق [الاستخلاء] 4 بزوجته الأَمة لقضاء الوطر منها، فليست يده يد استيلاء، ويد السيد أغلب وأعلى من يده.
فانتظم [مما] 5 ذكرناه تردّدُ الأصحاب في المنافع، كما تفصل المذهب فيها، والقطعُ بأن الوصية بولد الجارية [لا تمنع] 6 بيعها، وفي المواشي الموصى بنتاجها تردّدٌ [للأصحاب، ونزَّلوا] 7 الأشجار الموصى بثمارها منزلة الأعيان الموصى بمنافعها، وفي ذلك شيء نبهت عليه.
7379 - ومما يتعلق بهذا الأصل أن ابن الحداد قال: إذا أوصى رجل لرجل بدرهم من غلّة [داره] 8، وكانت أجرة الدار مائة درهم، فإذا كانت الوصية [مؤبّدة] 9، امتنع البيع في جميع رقبة الدار؛ جرياً على الأصح في أن التأبيد يمنع البيع، وغرضه بذكر هذه الصورة أن يبيّن أن البيع ينحسم في جميع الدار، وليس للقائل أن يقول: ينبغي ألا يمتنع البيع إلا فيما [يُدرّ] 10 مقدارَ الدرهم من الدار؛ فإن الدار قد ترجع غلتها إلى مقدار درهم، وهذا من قول ابن الحداد دليل على امتناع بيع الأشجار

الموصى بثمارها؛ فإنه فرض [مسألته] 1 في الوصية بالولد، ولم يفرضها في إثبات حق الانتفاع [الذي] 2 يستدعي استيلاء يده على رقبة الدار.
هذا تمام الغرض في هذا الركن.
7380 - ومن أركان الفصل القولُ في كيفية اعتبار خروج المنفعة الموصى بها من الثلث، فنقول: هذه الوصية معتبرةٌ من الثلث اعتبار غيرها، فالموصي وإن كان خلّف على ورثته تركته، فالمنافع التي ستوجد بعد وفاته ملحقة في اعتبار الوصية بها من الثلث، باعتبار التركة، [فلينتبه] 3 الناظر عند ذلك.
وقد نقول: منافع أعيان التركة ليست من التركة، حتى لا يتعلق بها قضاء الديون [وتنفيذ] 4 الوصايا، ولعلنا نذكر تحقيق ذلك في أثناء الكتاب، إن شاء الله عز وجل.
وسبب هذا أن الوصية بالمنافع [تنقُص] 5 قيمةَ الأعيان، وتؤثر [فيها] 6 أثراً بيّناً.
فهذا وجه عدّ الشرع [المنافع] 7 من الثلث، وأيضاً، فإن ما أدخله من المنافع في تصرفه صار كالناجز المحصل، فإذا أوصى بها، فكأنها حصلت.
7381 - فإذا وضح بالتنبيه الذي ذكرناه [الأصلَ المجمعَ] 8 عليه، وهو اعتبار الوصية بالمنافع من الثلث - فالكلام بعد هذا في بيان ما يحسب من الثلث، والوجه أن نقسم القول، فنقول: الوصية لا تخلو إما أن تقع على التأبيد، وإما أن تقع على التأقيت؛ فإن وقعت على

التأبيد، والتفريعُ على الأصح، الذي هو الأصل في أن الوصية بالمنفعة على التأبيد إذا لزمت، [امتنع] 1 منها بيع العين.
فإذا فرعنا على هذا، فقد اختلف أئمتنا فيما يعتبر خروجه من الثلث، فمنهم من قال: المعتبر خروجُ قيمة العين من الثلث؛ فإنها مسلوبة المنفعة في جهة الوصية، والتصرفات ممتنعة على الورثة بحيلولةٍ دائمةٍ، وكأن العين مستهلكة [من] 2 حقوقهم، وكأن الوصيةَ واقعةٌ بالرقبة.
ومن أصحابنا من قال: تعتبر قيمةُ المنافع وخروجُها من الثلث؛ فإنها الموصى بها، والسبيل في اعتبارها أن نقول: هذا العبد كم يساوي مع وفور المنفعة؟ فيقال: مائة، فنقول: كم قيمته، وهو مستحق المنافع؟ فيقال: عشرة، فنتبين أن قيمة المنفعة تسعون.
فهذا وجهُ الوصول إلى معرفة قيمة المنفعة، ومعنى اعتبارها من الثلث.
التفريع على الوجهين: 7382 - إن اعتبرنا خروج الرقبة من الثلث، فلا كلام، ومعنى اعتبار الرقبة اعتبار خروج قيمتها موفورةَ المنافع.
فإن قلنا: الاعتبار بخروج قيمة المنفعة من الثلث، على ما أوضحنا معنى ذلك، فالمقدار الذي يُفرض قيمةَ الرقبة وهي مسلوبة المنفعة هل يحسب على الورثة من التركة أم لا يحسب عليهم؛ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنها محسوبة على الورثة من التركة؛ فإنها حقهم وملكهم استحقوها إرثاً.
والوجه الثاني - أنها لا تحتسب من مقدار الوصية؛ فإن الموصى بها المنفعة، ولا تحسب على الورثة، لوقوع الحيلولة المؤبدة بينهم وبينها 3. هذا أصل القول فيما يحتسب من الثلث، إذا كانت المنافع مؤبدة في مقتضى الوصية.

وعلينا في ذلك بقية سنذكرها، إن شاء الله عز وجل إذا تكلمنا في الوصية المؤقتة، فنقول: 7383 - قدمنا التفصيل في أن الموصى بمنفعته على التأقيت هل يجوز بيعه؟ فإن قضينا بجواز بيعه، فلا خلاف أن المحتسب من الثلث أجرة المنافع لا غير.
وقد يعترض في هذا المنتهى إشكال؛ فإن المنافع ليست بتركةٍ على الحقيقة -كما نبهنا عليه- فكان يجب أن نجعل الموصي بالمنافع في حكم من لم يتصرف في التركة، وهذا غير سديد؛ فإنه لو كان كذلك، [لانتفت] 1 الوصية بالمنفعة رأساً؛ فإنها تصرفٌ في حق الورثة، فإذا نفذنا الوصية، دلّ [ذلك على] 2 أن المنافع ملحقةٌ بالتركة في هذه القضية، وأيضاً، إن الوصية بالمنفعة تؤثر في قيمة العين، وتقلل الرغبة فيها.
هذا إذا قلنا: الوصية المؤقتة لا تمنع البيع.
فأما إذا قلنا: الوصية المؤقتة تمنع بيعَ العين ما دامت، فلأئمتنا طريقان: منهم من قطع بأن المحتسَب من الثلث قيمة المنافع، ومنهم من خرّج المسألة على وجهين، كالوجهين المقدّمين في الوصية بالمنفعة على التأبيد.
أحدهما - أنا نعتبر خروج قيمة الرقبة لمكان الحيلولة الواقعة في [الحال] 3 ولا ننظر إلى توقع انقضاء الحيلولة بانقضاء المدة المضروبة.
والوجه الثاني - أن الذي يعتبر خروجُه المنافعُ، ولا مبالاة بالحيلولة الناجزة في العين إذا كانت عرضة الزوال.
فإن قيل: هلا جعلتم الحيلولة الواقعة في العين [بمنزلة] 4 الحيلولة الحاصلة في الثمن [بالأجل] 5 المضروب [فيه] 6، حتى تسلكوا بهذا مسلك البيع بالثمن

المؤجل؟ قلنا: هذه الحيلولة، مع حصول العين، وتوقع الزوال لا مبالاة بها؛ فإنا لا نعرف خلافاً في أن المريض إذا أجّر داره بأجرة مثلها، والتفريع على أن الدار المستأجرة لا تباع، فلا نقول: إذا مات المكري في أثناء المدة نبيع [عقاره] 1 بالنقص؛ فإن الإجارة من عقود الغبطة، وكان أوقع حيلولةً [بعوض] 2. ولو باع عَيْنَه بعوض، لنفذ فيه، فلا فرق إذاً بين الإجارة، وبين الوصية بالمنفعة [إلا أن] 3 الإجارةَ معاوضة، والوصية تبرّع، ثم حق ما كان تبرعاً أن يحتسب من الثلث؛ فإنّ الثلث يستحق للمريض لا يعترض عليه فيما يوقعه [فيه] 4. هذا بيان أصل المذهب في أنَّ المحتسب من الثلث [ماذا؟] 5 قيمة المنفعة أو قيمة العين في الوصية المؤقتة والمؤبدة.
7384 - ومما نستكمل به بيان هذا الفصل أن الثلث إذا ضاق عن احتمال الوصية بالمنفعة، واقتضت الحالُ، رَدَّ الوصية إلى الثلث، ففي كيفية ردها كلام، نحن نفصّله، فنقول: إن كانت الوصية بالمنفعة مؤقتةً، [كأن] 6 أوصى بخدمة عبده عشر سنين، فقد ذكرنا أن الاعتبار بخروج المنافع من الثلث، فعلى هذا إذا كان العبد يساوي مائة، وما كان خلّف سواه شيئاً، فنقول: منافعه عشرَ سنين كم تساوي؟ فإن قيل: إنها تساوي ثُلُث المائة، والعبد الآن دون منافعه في العَشْر يساوي ثلثي المائة، فالوصية منفّذة؛ فإنها خارجة في الثلث والثلث [وافٍ] 7 بها.
وإن كانت المنافع في عشر سنين تساوي خمسين، والعبد مع استحقاق منافعه في

العشر يساوي في الحال خمسين، فلا بد من ردّ الوصية إلى الثلث، وقد اختلف أصحابنا في كيفية ردها، فمنهم من قال: ننقص من المدة ونردها إلى قدر الثلث، ويكون جميع العبد مستحَق المنفعة في أقلَّ من المدة التي ضربها، على ما يقتضيه الحساب.
والوجه الثاني - أنا لا ننقص من المدة، ولكن ننقص من الرقبة، فنقول: إذا كان الثلث لا يفي باستحقاق جميع منفعة العبد عشرَ سنين، وكان يفي باستحقاق منفعة ثلثي العبد، أو ما يتفق عشْرَ سنين، فنرد الأجرة 1 إلى بعض الرقبة في تمام المدة، ولا ننقص من المدة شيئاً.
وارتضى الشيخ أبو علي هذا الوجهَ، وذلك أن المدة قد تختلف أجرتها، فلو نقصنا من المدة، وقعنا في جهالة يتعذر ضبطها.
ويمكن أن يقال: هذان الوجهان متعلّقان بأن البيع هل يُمنع في الرقبة لمكان الوصية؟ فإن قلنا: إن البيع لا يمتنع في الرقبة، فينقدح خروج الوجهين لما ذكرناه في الوجه الثاني [الذي] 2 اختاره الشيخ.
وإن قلنا: البيع يمتنع في الرقبة، فالظاهر ردّ الأجرة، وأن [ننقص] 3 الرقبة حتى ترتفع الحيلولة عن بعضها 4، وينطلق [فيه] 5 تصرف الورثة، وكل ذلك على أن المعتبر خروج المنفعة من الثلث، فإذا اعتبرنا خروجَ الرقبة، فلا يخفى أنا نرفع الحيلولة عن ثلثي الرقبة إذا لم يخلِّف غيرَها.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الوصية بالمنفعة مؤقتة.
7385 - فأما إذا كانت الوصية بالمنفعة مؤبدة، والتفريع على الأصح، وهو امتناع البيع في الرقبة، فلا يتجه في هذا القسم إذا طلبنا ردّ بعض الوصية إلا تبعيضَ الأمر في

الرقبة؛ فإنا إن اعتبرنا خروج الرقبة من الثلث، لم يخف ذلك، وإن اعتبرنا خروج المنفعة، فالمنفعةُ مؤبدة، لا نهاية فيها، ولا ضبط لها، ولا يمكن التصرف [فيها] 1 بالتبعيض، ولا وجه إلا تبعيض الوصية على الرقبة؛ حتى تثبت على التأبيد في بعض الرقبة، على ما يقتضيه الحساب.
هذا تمام البيان في معنى احتساب هذه الوصية من الثلث، ونحن نختتمه بذكر سؤالٍ على وجه ضعيف وجواب عنه فنقول: 7386 - إذا فرعنا على الوجه الضعيف في أن الوصية بالمنفعة على التأقيت توجب احتساب الرقبة [من] 2 الثلث، فإذا كان أوصى بمنفعة عبده سنةً، ولم يكن له مالٌ غيرُ العبد، فالذي يقتضيه التفريع على الوجه الضعيف ردُّ الوصية إلى ثلث العبد ورجعها عن الثلثين.
فإن قيل: إذا انقضت المدة، انطلق الحجر عن جميع الرقبة، واستمكن الورثة من جميع الرقبة، فلا تقع الوصية ثلثاً، وليس كان ينقدح ذلك في الوصية المؤبدة، من حيث إن الوصية المردودة إلى [الثلث مردودة إلى] 3 ثلث العبد متأبداً، وتنزل منزلةَ وقف جزء من العبد، وتحبيسه، [وهذا] 4 لا اتجاه له، والوصيةُ مؤقتة.
قلنا: هذا يُضعف هذا الوجهَ، ويبين [سقوطه] 5. ثم الممكن في توجيه [هذا] 6 الوجه أن الوصية بالمنفعة المؤقتة مقصودُها تمكّن الموصى له من المنفعة مدة معلومة، ثم اقتضى وقوع الحيلولة ردّ الاعتبار إلى الرقبة، فإذا انقضت المدة التي ضربها الموصي، فقد انقضى ثلث مقصوده، وكأن هذا القائل لا ينظر إلى القيمة، وإنما يثلّث المنحة في نفسها بفضِّها على أجزاء العبد، فلئن انطلق

الحجر عن العبد، فهذا انطلاق على حسب مقتضى الوصية.
والذي ذكرناه لا ثبات له؛ فإن الوصايا تعتبر من الثلث على قياس القيم وأقدارها، وهذا النوع من التثليث لا ينتظم فيه اعتبار القيمة أصلاً؛ فإنا اعتبرنا قيمة الرقبة وثبتنا التثليث عليها، ثم الثلث المصروف إلى الوصية استرددناه، ورددناه إلى الورثة.
وقد نجز المقصود.
7387 - ومما يعد من أركان الفصل القول في نفقة العبد الموصى بمنفعته.
حاصل ما ذكره الأصحاب أوجه: أصحها - أن نفقة العبد تجب على الورثة؛ فإن ملك الرقبة لهم، والنفقة تتبع ملك الرقبة إذا لم تثبت عوضاً في عقد، وهذا احتراز عن نفقة النكاح؛ فإنها بنيت على مضاهاة الأعواض، ولا ينظر إلى خروجها عن الضبط؛ فإنها تعارض 1 معوضاً خارجاً عن الضبط، وهو منفعة البضع.
هذا ظاهر المذهب في نفقة العبد الموصى بمنفعته.
ومن أصحابنا من قال: النفقةُ على الموصى له بالمنفعة، وهذا الوجه حكاه صاحب التقريب، ووجهه تشبيه استحقاقه المنفعة باستحقاق الزوج منفعة البضع.
وهذا رديء، لا اتجاه له، والذي أرى القطعَ به تخصيصُ حكاية هذا الوجه بالوصية المؤبدة، فإنها إذا كانت مؤقتة، كان العبد الموصى بخدمته بمثابة العبد المستأجر، ثم نفقة العبد المستأجر على المالك، ثم [بنى] 2 صاحب التقريب فِطرة العبد على الخلاف في النفقة؛ فإن الفطرة تتبع النفقة، فإن أوجبنا نفقةَ العبد على الورثة، فعليهم زكاة فطره، وإن أوجبناها على الموصى له، فعليه زكاة فطره.
وذكر العراقيون وجهاً ثالثاً في النفقة، فقالوا: نفقة العبد تتعلق بكسبه [وحق] 3 الموصى له وراء عمل العبد في تحصيل [مؤنته] 4. ثم قالوا: إن عجز العبد عن

الكسب، فصاحب هذا الوجه لا يوجب نفقته على الورثة، ولا على الموصى له، بل يوجبها في بيت المال.
وهذا فيه ضعف؛ من جهة أن صرف نفقة [المملوك] 1 على بيت المال مع استظهار 2 المالك وبقائه بعيدٌ، وكان لا يبعد في قياس هذا الوجه أن يقال: النفقة تتعلق بالكسب، فإن لم يكن، انقلب وجوبُها إلى الوارث، أو إلى الموصى له.
فإن قيل: لم تذكروا متعلق الوجه الذي حكاه صاحب التقريب سوى التحكم بالتشبيه بالنكاح.
قلنا: ذاك وجهٌ بعيد لا يتوجه، ثم الذي يظهر التعلّقُ به أنا لو صرفنا المنفعة إلى الموصى له أبدأ، [وصرفنا] 3 كلّ العبد ومؤونته على الوارث، لثقل وقع ذلك، وانضمّ إلى الحيلولة غُرم النفقة.
وليس هذا كنفقة العبد المستأجر؛ فإن المكري اعتاض عوضاً من المنفعة، وعوض المنفعة في موجب العادة يقابل احتمال النفقة، وقد يظهر مع هذا التنبيه طردُ ذلك الوجه الضعيف في الوصية المؤقتة بالمنفعة.
ثم ما ذكرناه في النفقة يطّرد في الكسوة، وفي جملة المؤن الواجبة على المالك في [مملوكه] 4. 7388 - ومما [يُعد] 5 من أركان الفصل الكلام في الجناية على هذا العبد، وفي جنايته.
ونحن نبدأ بالجناية عليه، والقول فيه ينقسم إلى الكلام في [قتله] 6، وإلى الكلام في الجناية على أطرافه.

فإن قتله قاتل قتلاً يوجب المالَ، التزم قيمتَه، وفيمن تصرف إليه القيمة اضطرابٌ للأصحاب: فذهب ذاهبون منهم إلى أن القيمة مصروفةٌ إلى الورثة، وقد بطلت الوصية، وانقطعت؛ فإن الموصى له كان يستحق منفعته ما دام حياً، فإذ قتل، فقد [انتهت] 1 الوصاية به نهايتها، كما ينتهي النكاح بموت [الزوجة] 2 وقتلها؛ [فالقيمة] 3 تسلم إلى مالك الرقبة، وهو الوارث.
ومن أصحابنا من قال: نصرف [تلك] 4 القيمة إلى [شراء] 5 عبدٍ ونقيمه [خادماً] 6 للموصى له بالخدمة، حتى نكون مقيمين [لحق] 7 مالك الرقبة [ولحق] 8 مالك المنفعة.
وأبعد بعض أصحابنا، فزعم أن القيمة مصروفةٌ إلى الموصى له بالمنفعة، وزعم هذا القائل أن هذا الوجه يخرّج على اعتبار خروج قيمة الرقبة من الثلث، فإذا كنا نعتقد ذلك، فكأنا اعتقدنا كونَ العبد مستوعباً بحق الموصى له؛ فإذا قُتل، صرفنا القيمة إلى من اعتبرنا خروج القيمة من الثلث في حقه، ولا شك أن هذا الوجه إن صح النقلُ فيه إنما يجري إذا كان العبد موصىً [بمنفعته] 9 أبداً.
والوجه الثاني [المذكور] 10 قبل هذا، يجري مع تأقت الوصية؛ فإن صاحب

ذلك الوجه يرى شراء عبد بتلك القيمة، ثم إذا مرّت المنفعة وانقضت المدة، خلصت الرقبةُ ومنفعتها للوارث.
فإن قيل: أليس العبد المستأجر إذا قتل في أثناء المدة، ارتفعت الإجارة في بقية المدة، فما الفرق بين الإجارة وبين الوصية المؤقتة؟ قلنا: الإجارة عقد معاوضة، وإذا لم يَسْلَم فيه المعقود عليه [إن تملكه] 1، فحكم [المعاوضة] 2 الانفساخ، ثم إنه [يرجع] 3 بقسط من [العوض] 4 ولا [تبعض] 5 في الوصية، فلو قطعناها، لكان ذلك إحباطاً 6 لحق الموصى له.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً رابعاً من أصل المسألة وقال: القيمة [تُفضُّ] 7 على المنفعة [به، وعلى] 8 الرقبة، [وهي مسلوبة المنفعة] 9، فينصرف ما يخص المنفعة إلى الموصى له، وما يخص الرقبة إلى الوارث، وسبيل تقويم المنفعة [إن] 10 كانت مستحقة على التأبيد أن يقال: منفعة هذا العبد كم تساوي؟ والعبد مسلوب المنفعة كم يساوي؟ فإن قيل: كيف يتأتى تقويم المنفعة، [وهي] 11 مجهولةُ المقدار؟ قلنا: سبيل [تقويم المنفعة سبيل] 12 تقويم الرقبة؛ فإن قيمة الرقبة تتعلق برجاء البقاء، ولو علم طالب الرقبة أنها فائتةٌ على القرب، لم يرغب فيها، ثم القيمة معلومةٌ

مع تردد في طرفي البقاء، فكذلك القول في المنفعة.
ويتأتى [تقويم] 1 المنفعة على وجهٍ آخر، قدمنا ذكره في فصل الخروج من الثلث، فنقدر العبد منتفعاً به، فنضبط قيمته، ثم نقومه مسلوب المنفعة، فالقدر الذي ينحط مع تقدير الانتفاع قيمةُ المنفعة.
وما ذكرناه فيه إذا قُتل العبد قتلاً يوجب المال.
7389 - فإن قتل قَتْلَ قصاص، فقد أجمع أئمتنا على أن المالك -وهو الوارث - يثبت له حق طلب القصاص، وإذا اقتص من القاتل، سقطت الوصية، وصار كما لو مات العبد الموصى بمنفعته حتف أنفه.
وأبعد بعض أصحابنا، فأثبت للموصى له حقَّ طلب القصاص، وهذا غلطٌ غيرُ معتد به؛ فإن طلب القصاص [والقتيل] 2 مملوك من خواص أحكام ملك الرقبة، وإنما غلِط هذا القائل [من] 3 مصير بعض الأصحاب إلى صرف القيمة بكمالها إلى الموصى له بالمنفعة، وهذا لا [متعلَّقَ به] 4؛ فإن القيمة قد تصرف إلى حق من لا يطلب القصاص، كالمرتهن إذا قتل العبد المرهون في يده.
هذا كله إذا كانت الجناية على نفسه.
7390 - فأما إذا قطع الجاني يدَ العبد، فقد ظهر اختلاف أصحابنا في مصرف الأرش، فقال قائلون: الأرش مصروف إلى الوارث؛ فإنه بدل الطرف الفائت، والطرف ملكُ مَن الرقبة ملكه.
وحكى صاحب التقريب وجهاً آخر: وهو أنا ننظر إلى ما انتقص من المنفعة، وإلى ما انتقص من قيمة الرقبة، فنفضّ الأرش عليهما، ونصرف ما يجبر نقصانَ الرقبة إلى الوارث، وما يخص نقصان المنفعة إلى الموصى له بالمنفعة.
وإذا اعتبرنا نقصان

القيمة، نظرنا إلى قيمة عبد مسلوب المنفعة، ونسبنا النقصان إليه، وهذا الوجه هو الذي حكيناه في الجناية على النفس.
وصار صائرون إلى أن ما يقابل المنفعة من القيمة مصروف إلى الموصى له بالمنفعة، وما يقابل الرقبة منها مصروف إلى الوارث.
ولم يصر أحد إلى صرف تمام الأرش إلى الموصى له بالمنفعة، وإن [ذُكر] 1 في القيمةِ والجنايةُ على النفس.
ولم ير أحدٌ صرف الأرش إلى عبدٍ أو شقصٍ من عبد، حتى يستحقه الموصى له بالمنفعة.
هذا قولنا في الجناية على العبد الموصى بمنفعته.
7391 - فأما التفصيل في جناية العبد الموصى بمنفعته، فنقول: إذا كان هو الجاني، وجنى جناية مذهبها المال، فالأرش يتعلق برقبته، وحق الموصى له لا يمنع من ذلك، كما أن ملكَ المالك، وحقَّ المرتهن لا يمنع من تعلق الأرش بالرقبة، ثم إن فداه الوارث، وتخلّصت الرقبة، فحق الموصى له بالمنفعة قائم كما كان، وإن امتنع الوارث من فدائه لم يلزم الفداء، ولكن يباع العبد إن مست الحاجة إلى بيع جميعه.
فإن قيل: هلا قلتم يمتنع بيعُه لأنه مسلوب المنفعة؟ قلنا: حق الأرش مقدّم على حق الموصى له، وهذا كما أن المرهون لا يباع دون إذن المرتهن، وإذا جنى بيع، وأُبطل حق المرتهن.
فإن قال الموصى له عند امتناع الوارث من الفداء: أنا أفديه، فإن قبل المجني عليه الفداء، فلا كلام؛ فإن الأجنبي لو فدى العبد الجاني وقبله المجني عليه، انفلت [من] 2 الجناية، وإن قال المجني عليه: لست أقبل الفداء، فقد ذكر الأصحاب

وجهين في أنه هل يجبر على قبول الفداء؟ أحدهما - لا يجبر كالأجنبي؛ فإنه لا حق له في الرقبة، والأرش يتعلق بالرقبة.
والوجه الثاني - يجب قبول الفداء فيه؛ [فإن في فداء العبد فداء حقه] 1، وفي بيعه انقطاع حقه.
وقد أجرى الأصحاب هذين الوجهين في العبد المرهون إذا جنى، وامتنع الراهن من فدائه، وأراد المرتهن أن يفديه، حتى لا ينفك حق [استيثاقه] 2؛ [ففيه] 3 الوجهان اللذان ذكرناهما في الموصى له، ولعل تصحيح الفداء من المرتهن أوْجَهُ؛ لأن حقه متعلق بالعين، ولهذا تصرف قيمة المرهون إذا أُتلف إليه من غير تردد، وفي قيمة العبد الموصى بمنفعته إذا قُتل ما ذكرناه.
7392 - ومما يعدّ من قواعد الفصل التفصيلُ فيما يملكه الموصى له بالمنفعة، وفي تصرفاته [بمنافع] 4 البدن، فلا شك أنه يملكها، وبنى الأصحاب عليه أنه لو احتطب أو احتش، أو صاد، فهذا الاكتسابُ للموصى له بالمنفعة، ولو كان محترفاً، فأجر أعماله له.
فإن اكتسب [كسباً] 5 نادراً مثل أن يهب منه إنسان شيئاً فيتّهبه، ففي هذا الفن وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا يستحقه الموصى له، وإنما [يستحقه] 6 الوارث بحق ملك الرقبة.
والثاني - أنه يستحقه الموصى له بالمنفعة.
هكذا أطلق الأصحاب الخلاف، وهو يحتاج إلى فضل بيان، فالاتهاب ليس مما يتعلق بعمل العبد، فالوجه في تنزيل الخلاف والوفاق أن نقول: كل كسب يحصّله

عملٌ، فهو للموصى له بالمنفعة، وكل كسب لا يحصله ما [يعدّ من الأعمال] 1 [كذلك العبد الذي اتهب] 2، ففيه خلاف: من أصحابنا من قال: هذا لا [يعاوضه] 3 عمل، ولا يقتضيه نوعٌ من المنفعة، بل التغليب فيه لهبة الواهب، فيجب صرفه إلى مالك الرقبة.
فإن أردنا في ذلك ضبطاً، [فكل] 4 ما يمتنع على العبد من أعماله، حتى يراجع مولاه، فهو المنفعة التي يتعلق بها الاستحقاق، فأما قوله وحكمه، فمما لا يحتاج العبد في إطلاقها إلى مراجعة مولاه.
هذا قاعدة المذهب.
ثم الذي ذكره العراقيون [أن] 5 منفعة البضع تدخل تحت مطلق الوصية بالمنفعة؟ وبنَوْا عليه أن الجارية الموصى [بمنفعتها] 6 لو وطئت بشبهة، فالمهر للموصى له بالمنفعة، هذا هو [المعتدّ به] 7 ولا شك أن قياس المراوزة يخالف هذا؛ فإن منفعة البضع مما لا يصح الوصية به، فلا يتعلق الاستحقاق بمنفعة البضع بنحلةٍ وهبةٍ إذا بقي الملك في الرقبة للواهب المتبرع، فيجب ألا يدخل تحت الوصية بالمنفعة إلا المنفعةُ التي تستباح بالإعارة، وتستحَق بالإجارة.
ثم ترقى بعض الأصحاب من منفعة البضع إلى الكلام في الولد، فذكروا وجهين في أن الجارية الموصى بمنفعتها لو أتت بولد رقيقٍ، فالملك فيه للوارث، أو للموصى له.
وهذا خرّجوه على أن [استفادة] 8 الولد فيها [كاستفادة] 9 الأكساب، واشتمال الرحم على المولود كاشتمال الشبكة على الصيد.

وهذا في نهاية البعد؛ فإن الولد يعد في وضع الشرع جزءاً من الأم لا يملكه إلا من ملك الأمَّ، إلا أن تفرض الوصية ناصّةً على الأولاد، فيخرّج القول حينئذٍ على الاختلاف في الوصية بالأولاد في الاستقبال، والوصية بالثمار.
وذكر بعض أصحابنا الولدَ على وجهٍ آخر، فقالوا: الولد المملوك ملكُ الوارث، ولكن هل يصير الموصى له بالمنفعة مستحِقاً لمنفعة الولد، كما أنه مستحق لمنفعة الأم؟ فعلى وجهين: وهذا [أبعد] 1 من الخلاف المحكي في صرف ملك الولد إلى الموصى له بالمنفعة؛ فإن ذلك على بعده محمول على التشبيه بالعبد، والخلاف في منفعة الولد مع تسليم الملك فيه للوارث، لا اتجاه له على مذهب الشافعي رضي الله عنه؛ فإنه لا يُتبع الولدَ الأمَّ في هذه الأشياء، ولذلك لم يحكم بتعدِّي الرهن من الأم إلى الولد، وقد سبق استقصاء القول فيما نُتبع الولدَ فيه الأصلَ، وفيما لا نتبع، وفيما يُختلف فيه.
7393 - ومما يتعلق بتمام القول في هذا الفصل الكلامُ في وطء الجارية الموصى بمنفعتها، فالذي ذكره الأئمة المعتبرون في نقل المذهب أن وطأها محرم على الوارث؛ من جهة أن الوطء يسبب العلوقَ، والعلوقُ يُفضي إلى [الطَّلْق] 2، وهو من أسباب الهلاك، والحملُ ناجزاً يؤثِّر في تنقيص المنفعة.
ولم يختلف علماؤنا في تحريم وطئها على الموصى له، ومَنْ ذهب إلى أن عُقرها إذا وُطئت بشبهة مصروف إلى الموصى له، لم يخالف في تحريم وطئها عليه.
وهذا أصدق آيةٍ على فساد صرف استحقاق منفعة البضع إلى الموصى له.
وحكى الصيدلاني في مجموعٍ له في الخلاف وجهين عن الشيخ الإمام سهل 3 في

أن الوارث هل يستبيح وطء الجارية الموصى بخدمتها؛ تعويلاً على الملك؟ وهذا بعيد.
فإن صح النقل فيهما، فالوجه تنزيلهما على وطء الراهن الجاريةَ المرهونة إذا كانت صغيرة، لا يتوقع علوقها، وقد قدمنا في الرهن أن الوطء مع إمكان الإعلاق محرم، وإذا كان الإعلاق مأموناً، ففي تحريم الوطء وجهان 1: فينبغي أن يخرّج وطء الوارث الجارية على هذا القياس.
فإذا فرعنا على الظاهر، وهو أن الوطء محرّم، فلا شك أن الوارث إذا وطىء لم يستوجب الحد، لمكان ملكه في الرقبة، وهل يلتزم المهرَ؟ هذا يخرّج على ما قدمنا من أن مهر مثل الجاربة إذا وطئت بشبهة هل ينصرف إلى الموصى له؟ فإن صرفناه إليه، فعلى الوارث مهرُ المثل، وإن لم نجعل المهر [مصروفاً] 2 إليه، فهو للوارث.
فعلى هذا إذا وطىء الوارث، لم يستوجب بالوطء مهراً.
وأما الموصى له، فلا خلاف في تحريم وطء الجارية عليه، فإن وطئها، وقلنا: منفعة البضع مصروفةٌ إليه استحقاقاً، وإن امتنع عليه استيفاؤها، فلا حد عليه إذا وطىء، فإن قلنا: منفعة البضع لا تصرف إليه، فيلتزم بالوطء على الشبهة المهرَ للوارث، وإن لم يكن شبهة، فقد قطع العراقيون بانتفاء الحد.
ولا يمتنع عندي أن يجب عليه الحد كما يجب على [المرتهن] 3 إذا وطىء الجارية المرهونة.
والعراقيون بنَوْا ما قالوه على مصيرهم إلى أن المهر للموصى له، فقد ذكرنا أن القياس الظاهر عندنا أن منفعة البضع لا تُصرف إلى الموصى له، ولست أدري ماذا يقول العراقيون فيه إذا أوصى بمنفعة بُضع جاريةٍ لإنسان دون منفعة بدنها؟ فإن قضَوْا

بانصراف الاستحقاق إليه، فهذا سخف خارج عن قاعدة الشريعة، وإن أبطلوا ذلك، [كان] 1 [إقراراً] 2 بإثبات الاستحقاق فيه تبعاً.
مع أن منفعة البضع لا تفهم مندرجة تحت الوصية بالمنافع.
فهذا تمام القول فيما يندرج تحت الوصية بالمنفعة.
7394 - [فأمّا] 3 تصرّف الموصى له في المنفعة، فإنه يتصرف فيها انتفاعاً، وله إباحة المنافع بالإعارة، وله إيراد عقد الإجارة عليها، ومن حقوقه إثبات اليد على العين الموصى بمنفعتها، فاختلفت الأئمة في أنه هل يملك المسافرة بالعبد الموصى بمنفعته: فذهب بعضهم إلى أنه يملك ذلك؛ لأن ملكه ثبت في جميع جهات الانتفاع المسوَّغة للملاك.
[ومن] 4 أئمتنا من منع المسافرة لحق الملك في الرقبة، واستدل بأن زوج الحرة يسافر بها حيث شاء، وزوج الأمة لا يسافر بها.
ولكنْ بين النكاح وبين استحقاق المنفعة 5 فرقٌ؛ فإن للمولى أن يسافر بالجارية الزوجة، ولا يمنعه من المسافرة حقُّ الزوج.
والوارث لو أراد المسافرةَ بالعبد الموصى بمنفعته، لم يكن له ذلك قطعاً، والضابط لتصرفاته حكمنا بالملك الحقيقي له في المنفعة، ولأجل هذا قطع من يعوَّل على نقله من الأئمة بأن الموصى له بالمنفعة إذا مات، انتقل الاستحقاق إلى وارثه 6. وأبعد بعضُ الأصحاب، فذهب إلى انقطاع الحق الموهوب للموصى له وعَوْدِ الاستحقاق إلى وارث الموصي إذا بقي بعده.
وهذا ساقطٌ غيرُ معتد به.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل