نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 5-44
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح

صفحات 5-44
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

(1)

باب ما جاء في أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأزواجه في النكاح

7831 - والأصل في النكاح قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ [النساء: 3].
وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32].
وقوله صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا تكثروا" 2. قال 3: واتفق المسلمون على أن النكاح شرع لإحلال النساء للرجال.
قلت 4: الآيتان، والخبر لا يخص ما ترجم الباب 5، بل هي عامة.
وقوله: "النكاح شرع لإحلال النساء للرجال" فيه نقد، بل لتحليل كل واحد من القبيلين للآخر.
قال: وصدّر الشافعي رضي الله عنه الكتاب بهذا الباب، وأضاف الأصحاب إليه خصائصه في غير النكاح.1

7832 - ويحصر خصائصه صلى الله عليه وسلم ضربان: تغليظٌ، وتخفيف، وينقسم التغليظ إلى التحريم والإيجاب: أما الإيجاب فمنه: صلاة الليل، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] والنافلة في اللغة: الزيادة.
وهي في حق الأمة جائزة لنقصان فرائضهم، وفرائضه صلى الله عليه وسلم [منزّهة] 1 من النقص؛ فكان تهجده زيادة على مفروضاته.
ومنه وجوب الأضحى 2، والضُّحى، والوتر.
وفي وجوب السواك خلاف.
وكان يقضي دين من مات معسراً، لما اتسع عليه المال وجوباً عند الجمهور، أشعر به قوله صلى الله عليه وسلم: "من ترك كَلاًّ فإليَّ، أو ديناً فعليَّ" 3. وقيل: كان تكرّماً منه، وهو غير سديد؛ لأن قوله حقٌ، فلا يجوز تقدير خلافه، ولا يمكن حمله على الضمان عند من أجاز ضمان المجهول لما يتضاعف فيه من جهالة الجنس، والقدر، والصفة، ومن له، وعليه.
وذُكر في إيجاب ذلك على الإمام من سهم المصالح وجهان.
قال 4: وفيه تفصيل: فإن [من] 5 لم يقدر على القضاء، ولم يمطُل، يلقى الله تعالى ولا مظلمة عليه، قالت عائشة رضي الله عنها: "لأن أموت وعلي مائة ألف

لا أملك قضاءها أحب إليّ من أن أموت وأخلف مثلها" 1. ولا معنى لصرف مال المصالح في دينه 2. وإن ظلم بالمطل، ومات معسراً، فالأوجه ألا يصرف مال المصالح إليه، فإن قيل بجوازه، فيقضى أيضاً دين من لم يظلم؛ ترغيباً لأرباب الأموال في إسعاف المحتاجين وشرطه -عاماً وخاصاً- أن يفضل المال عن مصالح الأحياء.
ومن الإيجاب مشاورة [ذوي الأحلام] 3 عند قومٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]. وقيل: نُدِب إليها استعطافاً للقلوب.
وسر تخصيصه بالإيجاب تعظيم ثوابه؛ فإن ثواب الفرض أعظم؛ قال صلى الله عليه وسلم حاكياً عن ربه عز وجل: "ما تقرّب المتقربون إليَّ بمثل أداء ما افترضت عليهم" 4. وقال صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: عبدي، أدِّ ما افترضت عليك، تكن أعبد الناس، وانته عما نهيتك عنه، تكن أورع الناس، وارض بما قسمت لك، تكن أغنى الناس، وتوكّل على الله، تكن أكفى الناس" 5. وقيل: يزيد ثواب الفرض على النفل سبعين درجة؛ لما روى سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شهر رمضان: "من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه" 6.

فقابل النفل فيه بالفرض في غيره، وقابل الفرض فيه بسبعين فريضة في غيره، فأشعر أن الفرض يزيد على النفل سبعين درجة، بل دلّ أن كل نفل شهر رمضان كفرض غيره، وأن فرضه بسبعين فريضة في غيره.
7833 - فأما ما وجب في النكاح: فمنه تخييره نساءه، لقوله سبحانه: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28].
وقيل: إن سبب التخيير أنهن طالبنه بشيء من الدنيا، ولم يكن في يديه وفاء به 1. وروي أن إحداهن طلبت منه خاتماً من ذهب، فجاءها بخاتم من فضة، لطخه بالزعفران، فردته.
وقد روي في سبب التخيير وجوه، ويظهر أن [نفرة] 2 زحفت إلى قلبه صلى الله عليه وسلم لمطالبتهن له بما لايجده، فآلى صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل عليهن شهراً.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: كنّا معاشر المهاجرين متسلطين على نسائنا بمكة، وكانت نساء الأنصار مسلّطات على رجالهن، فلما قدمنا المدينة اختلطت نساؤنا بنسائهم، فطفقن يتخلقن بأخلاقهن، فكلمت امرأتي ذات يوم في شيء، فراجعتني، فرفعت يدي لأضربها، وقلت: لا تراجعيني يا لكعاء، فقالت: إن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجعنه، وهو خير منك، فقلت: خابت حفصة وخسرت إذاً.
فجمعت ثيابي وقمت، فأتيت حفصة، فقلت لها: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقالت: نعم.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يظلّ على = "والحديث المذكور ذكره الإمام في نهايته، وهو حديث سلمان مرفوعاً" وساق الحديث على نحو ما هو وارد هنا في شهر رمضان.
ثم قال: "وهو حديث ضعيف، أخرجه ابن خزيمة، وعلّق القول بصحته [أي قال: إن صح الخبر] واعترض على استدلال الإمام به، والظاهر أن ذلك من خصائص رمضان، ولهذا قال النووي: استأنسوا، والله أعلم" انتهى كلام الحافظ (ر.
التلخيص: 3/ 254) وانظر صحيح ابن خزيمة: 3/ 191 - 192 - رقم: 1887.

بعض نسائه طول نهاره مغضباً، فقلت لها: لا تفعلي ذلك ولا تغترّي بابنة أبي قحافة، فإنها حِبّ النبي صلى الله عليه وسلم، يحتمل منها ما لا يحتمل منك، وكنت قد ناوبت رجلاً من الأنصار حضور مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فكنت أحضر يوماً، ويغيب في حاجته، فأخبره بما يجري، ويحضر يوماً وأغيب في حاجتي، فيحدثني بما جرى، فكنت في البيت إذْ قرع الأنصاري الباب عليّ، وقال: أَثمَّ عمر، فقلت: نعم.
أحدث أمر؟ فقال: نعم، قلت: أجاءتنا غسان؟ - وكنا نحدث بأن [غسانَ] 1 تنعل خيولها لتغزونا فقال: أمر أفظع من ذلك: طلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فخرجت من البيت، ودخلت المسجد، ورأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حول المنبر جلوساً يبكون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على [مَشْرُبة] 2، وكان أسامة 3 على الباب، فتقدمت إليه فقلت: استأذن لي، فاستأذن، فلم يُجَب، فرجعت.
فلما بلغت بعض حجر المدينة، نازعتني نفسي؛ فانصرفت فقلت: استأذن لي، فاستأذن؛ فلم يجب؛ فرجعت، فلما بلغت بعض حجر المدينة نازعتني نفسي، فانصرفت فقلت: استأذن لي، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتي، فقال: اصعد، فكان صلى الله عليه وسلم نائماً على حصير من الليف، فاستوى جالساً، وإذا الليف قد أثّر في جنبه، فقلت: إن كسرى وقيصر يفترشان الديباج والحرير وأنت على مثل هذا، فقال صلى الله عليه وسلم: "في شك أنت يا بن الخطاب؟ أما علمت أنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة"، ثم قصصت عليه القصة، فلما بلغت إلى قولي لحفصة لا تغتري ببنت ابن أبي قحافة بَسِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أطلقت نساءك؟ فقال: "ل".
فقلت: الله أكبر" 4.

وروي أنه آلى عن نسائه شهراً، فمكث في غرفته شهراً، فنزلت آية التخيير، فلما نزلت بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها، فدخل عليها وقال: "إني ملق إليك أمراً، فلا تبادريني فيه بالجواب حتى تؤامري فيه أبويك"، وتلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] الآيات.
فقالت: أفي مثل هذا أؤامر أبوي؟ اخترت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم قالت: لا تخبر زوجاتك بذلك، وطلبت أن يخترن الدنيا، فيفارقهن صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل على نسائه، وأخبرهن بما جرى مع عائشة، وكان يتلو عليهن آية التخيير، فاخترن بأجمعهن الله ورسوله والدار الآخرة 1. فثبت بذلك وجوب التخيير عليه صلى الله عليه وسلم.
وذهب بعض الأصحاب إلى أن واحدة منهن لو اختارت الدنيا، لكانت تبين بنفس الاختيار، كما لو خيّر أحدنا زوجته، ونوى تفويض الطلاق إليها، فقالت: اخترت نفسي، ونوت الطلاق؛ فإنها تبين بنفس الاختيار.
قال 2: وهذا غير مرضي؛ فإن الآية اقتضت التخيير بين الدنيا وزهرتها وبين الآخرة، ولا يماثل ما يجري بين الزوجين منا.
قال: والأولى في التوجيه أن اختيار إحداهن الدنيا يضاد صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدليل عليه أن هذا القائل يقول: لو اختارت الدنيا، كان يجب على المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يفارقها، والفرقة إذا وجبت، وقعت عندنا، ولهذا

استدللنا بوجوب الفراق في اللعان على وقوعه.
قلت: وفيما ذكره نظر؛ فإنه لو كان اختيار الدنيا يضاد صحبة رسولى الله صلى الله عليه وسلم، لتعجلت الفرقة، ولو وقعت الفرقة، لم يكن لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] معنى؛ فإن المفارِقة كيف تفارَق؟ وقوله: إن الفرقة إذا وجبت وقعت - لا يصح، وليس ذلك مذهباً، ولهذا إذا أمتنع المُولي من الفيئة، وجب عليه أن يطلق، ولا يقع الطلاق قبل تطليقه.
وكذا إذا رأى الحكمان في باب النشوز الطلاق، كان التطليق واجباً، ولا تطلق بنفس وجوب التطليق.
وأما في باب اللعان، فلا نقول بأن الفرقة وقعت بوجوبها، بل تقع بكمال ألفاظ اللعان.
قالى: ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: إن الفرقة لا تقع، لكن كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها تلقياً من قوله سبحانه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28].
وظاهرهُ وجوبُ الفرقة، وقد تحقق أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فلا يناط بالأقيسة التي تناط بها أحكام العامة، وإنما يتبع فيها موارد الشرع من غير زيادة.
وذكر الخلاف في خصائصه خبطٌ، لا فائدة فيه؛ لأنه لا يتعلق بها حكم ناجز تمس الحاجة إليه، وإنما نجتهد فيما لا نجد بداً من إثباته أو نفيه، وما خلا منه تهجّم على الغيب من غير ثمرة.
وانبنى على هذا أنه هل كان يلزمهن الجواب على الفور؟ فقيل: إن قلنا: إن الفرقة تقع بنفس الاختيار، اقتضى أن يكون الجواب على الفور، على قولٍ، كما لو خير أحدنا زوجته، ففي وجوب الاختيار على الفور قولان.
قالى: وهذا في نهاية الضعف؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: "ولا تبادريني بالجواب حتى تستأمري أبويك".
فإن قيل: ما كان لها ذلك تخييراً ناجزاً، قلنا: فلم اكتفى به صلى الله عليه وسلم في جواب التخيير؟ فلا حاصل لذكر الخلاف فيه.
وإن قلنا: لا تحصل الفرقة بنفس الاختيار، فلا يلزمهن الجواب على الفور، وهو الصحيح.
ولما اخترن الله سبحانه ورسوله والدار الآخرة جازاهنّ الله سبحانه، فحرم عليه

التبدل بهن، والتزوج عليهن، فقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52] والذي صح عند الشافعي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أُبيح له ما حرّم من ذلك 1. وقال أبو حنيفة: مات ولم يبح له.
لنا ما روت عائشة رضي الله عنها: "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء اللائي حرمن عليه" 2. وفي تحريم طلاقهن وجهان: أحدهما - كان حراماً عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52] والتبدّل إنما يكون بمفارقتهن وإقامة غيرهن مقامهن.
والثاني - لم يحرم طلاقهن، وهو الظاهر؛ لأن الخصائص يجب أن يقتصر فيها على المنقول.
وقال بعضهم: إنه في صورة خاصة، وهو أنه لو وجد التطليق باختيارهن الدنيا، فأما منعه من إنشاء طلاق بعد انقضاء التخيير، وأثره، فلا وجه له.
قال: وهذا التفصيل لا حاجة إليه، والوجه القطع بأنّ له اختيار الطلاق متى شاء.
ولما أباح الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم التبدّل بهن، لم يتبدّل، وهو السر في إباحته إظهاراً لمنته صلى الله عليه وسلم عليهن.
7834 - أما المحرمات من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فمما حرم عليه من دون أمته إلا ذوي القربى، فالصدقة 3 المفروضة، وكذا صدقة التطوع على المذهب

المعروف، وفي تحريمها على ذوي القربى خلاف تقدم.
وقيل: بأنها لم تحرم عليه، لكنه كان يأنف منها تعففاً.
وهو بعيد غريب.
ومنه خائنة الأعين 1، فكان لا يجوز له أن يظهر شيئاً ويسر خلافه وهو يسمى الإيماض بالعين.
وقيل: كان يحرم عليه الإيهام، والختل بجميع وجوه الأفعال، حتى الخُدعة في الحرب.
وهذا مزيف.
فقد صح "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أرِاد سفراً وزَى بغيره" 2. وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الحرب خُدعة" 3. قال: لا أدري أخبرٌ هو عنه، أم أثر عن علي كرم الله وجهه لما قتل عمرو بنَ عبد ود؛ ولأن الإيماض والتلويح بالترامز يحط من قدر المتكلم، ويسقط من أبّهته؛ فأما الإيهام في الأمور العظام، فمعدود من الإيالات والسياسات.
ومكائد الحروب لا تزري بأصحابها.
= فالكلمة (الصدقة) مبتدأ مؤخر، خبره فمما حرم عليه، والله أعلم.

وكان يحرم عليه إذا لبس لأَمَة حربه، حرم عليه نزعها حتى يلقى العدو 1، وقيل: هو مكروه.
وهو بعيد.
وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا لا آكل متكئاً" 2، فقيل: إنه حرام.
والظاهر أنه لا يحرم؛ لأنه لم يثبت فيه ما يدل على التحريم، واجتنابه عنه واختياره غيره لا يدل على التحريم.
ومن هذا اجتنابه أكل الثوم، وما له رائحة كريهة، ففيه هذا الخلاف.
7835 - أما محرمات النكاح، فقد صح أنه حرم عليه التبدل بأزواجه، وقد بيّناه.
وكان يحرم عليه استدامة نكاح امرأة تكره صحبته، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نكح امرأة ذات جمال فلُقِّنَتْ أن تقول له صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بالله منك".
وقيل لها: إن هذا الكلام يعجبه.
فلما قالت له ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "لقد استعذت بمعاذ، الحقي بأهلك" 3.

وقيل: إن نكاحه الحرة الكتابية كان لا يحرم عليه؛ فإن حل النكاح كان أوسع عليه من أمته.
وقيل: كان يحرم عليه؛ لأن الغالب أنها كانت تكره صحبته ديناً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "زوجاتي في الدنيا، زوجاتي في الآخرة" 1. ولا يحكم بهذا في الكافرة، ولأن قدره العلي لا يقتضي أن يضع ماءه في كافرة.
وكان يحرم عليه نكاح الأمة الكتابية كما يحرم على غيره.
قلت: فلا ينبغي أن تعد من خصائصه.
قال: ويحل للواحد من الأُمّة أن يتزوج الأمة المسلمة إذا عَدِم طَوْلَ حرّة، وخاف العنت، وفي تحريمها عليه صلى الله عليه وسلم وجهان: أحدهما - يحرم: لأن شرط إباحته خوف العنت، وهو الزنا، وقد عُصم صلى الله عليه وسلم.
والثاني - يحل له، والشرط يعتبر في حق الأُمّة خاصة.
وفي اشتراط عدم الطول وجهان؛ لأن حله أوسع باباً، ولهذا ينكح من غير عدد، فإن لم يعتبر فقدان الطول، جاز أن يتزوج الإماء بغير عدد، وإن اعتبرناه، لم يزد على واحدة، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم = (ر.
البخاري: الطلاق، باب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، ح 5254، 5255، 5256، 5257. مسلم: الأشربة، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكراً، ح 2007، النسائي: الطلاق، باب مواجهة الرجل المرأة بالطلاق ح 3446. ابن ماجه: الطلاق، باب ما يقع به الطلاق من الكلام، ح 2050، طبقات ابن سعد: 8/ 113 - 116 الحاكم: 4/ 37، مشكل الوسيط لابن الصلاح.
بهامش الوسيط: 5/ 13، التلخيص: 3/ 278 ح 1553).

تسرّى بمارية القبطية: أم ولده إبراهيم عليه السلام.
واختلفوا في جواز نكاح الأمة الكتابية، ويقرب من اختلافهم في جواز نكاحه الحرّة الكتابية.
ومن نكح من الأُمّة أمة كتابية، فولده منها رقيق، فلو نكح صلى الله عليه وسلم أمة كتابية، فولده منها حرّ؛ إذ يستحيل أن يُسترق جزء منه.
وقيل: إن جوزنا استرقاق العرب، ففي ولده صلى الله عليه وسلم وجهان، وهذا لا يحل اعتقاده، فلو تُصُوِّر أن غُرَّ بنكاح أمة، فولده منها حرّ، ولا قيمة 1 عليه؛ لأنه لا يَعْلق رقيقاً مع العلم، فظن الحرية يكون دافعاً للرق.
وسر ما حرم عليه دون أمته تكثير ثوابه في اجتنابه، لأن اجتناب المحرمات كفعل الواجبات، ووقعه أعظم من وقع اجتناب المكروه.
قال صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل كان في البيت وقلبه متعلق بالمساجد، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، بحيث لم تعلم يساره ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين" 2. 7836 - أما التخفيف، فهو ما أبيح له دون غيره، فمنه: الصفيُّ 3 من المغنم، وخمس الخمس، والوصال في الصوم.
وأما في باب النكاح، فإنه كان له أن يزيد على أربع، وقيل: كان يباح له أن يجمع بين تسع نسوة من غير زيادة.
وقيل: منكوحاته كالسراري في حق أمته.

وفي انحصار طلاقه [في] 1 الثلاث الخلافُ في انحصار زوجاته.
وكان ينعقد نكاحه بلفظ الهبة.
وفي اشتراط لفظ النكاح في حقه خلاف سيأتي.
7837 - وقيل: كان يفتقر نكاحه إلى الولي كغيره، والصحيح أنه لا يفتقر؛ لأنه شرط لحفظ الكفاءة، وطلب الحظ، وذلك مستغنى عنه؛ فإنه سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم وعلى أبيه 2. ولما خطب صلى الله عليه وسلم أم سلمة اعتذرت بمعاذير، وقالت: إني امرأة مُصْبية، غيرَى، وأوليائي غُيّب.
فقال صلى الله عليه وسلم: "أما الصبية فسنكفيكهم، وأما الغَيْرة، فأسال الله أن يذهبها، وأما الأولياء، فلم يكن أحد منهم يكرهني إذا حضر" 3. والأصح أن نكاحه ينعقد بغير شهود؛ لأن الغرض دفع ما يتوقع من الجحود، وذلك مستحيل منه صلى الله عليه وسلم، ولو فُرض من جانبها، لكان تكذيباً له، ومن كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كفر.
وقيل: هذه المسائل تندرج تحت الخلاف في أن نكاحه كالتسرّي في حقنا، فإن جعلناه كذلك، لم يفتقر إلى الولي والشهود، ولم ينحصر العدد، وصح بلفظ الهبة من الجانبين، وفي حالة إحرامه.
وإن قلنا: ليس كالتسري، فحكم هذه المسائل على العكس.
وقيل: إن القَسْمَ كان واجباً عليه، ويحمل قوله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: 51] على إباحة التبدل.
وكان يأمر في مرض موته أن يُطاف به على نسائه في بيوتهن 4، وكان يستبطىء نوبة عائشة ويقول: أين أنا اليوم، أين أنا غداً؛ ففطِن

لمراده صلى الله عليه وسلم فحلّلنه، فكان يمرّض في بيت عائشة رضي الله عنها إلى أن قبضه الله، فقالت عائشة: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي، ورأسه بين سَحْري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه 1. وقيل: ما كان يجب عليه القسم، وإنما فعله تكرّماً.
وهذا يخرج على تشبيه زوجاته بالسراري.
ومن خصائصه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رمق امرأة، ووقعت منه موقعاً، وجب على زوجها أن يطلقها، وقصة زينب مشهورة تشهد بذلك، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] فقيل: إنه لم يباشر عليها عقد نكاح، وإنما حلّت له بهذه الكلمة الإلهية.
وقيل: إنه عقد عليها.
ومعنى قوله سبحانه ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أبحنا لك أن تتزوجها 2. = أسامة في مسنده بسند رجاله ثقات إلا أنه منقطع.
قاله الحافظ في التلخيص: (3/ 289 ح 1562).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = زوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من زيد، فمكثت عنده حيناً، ثم إنه عليه السلام أتى زيداً يوماً يطلبه، فأبصر زينب قائمة، وكانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش، فهويها؛ وقال: "سبحان الله مقلّب القلوب"! فسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد؛ ففطن زيد؛ ففال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها؛ فإن فيها كبراً، تعظُم عليَّ، وتؤذيني بلسانها، فقال عليه السلام: أمسك عليك زوجك واتق الله" انتهى ما حكاه القرطبي عن مقاتل.
وأتبعها بروايات أخرى مثلها، مما قال عنه الألوسي في تفسيره: "وللقصاص في هذا كلامٌ لا ينبغي أن يجعل في حيز القبول".
أما ابن العربي فبعد أن روى مثل هذا عن المفسرين، قال ثائراً غاضباً فيما سماه تنقيح الأقوال وتصحيح الحال.
قال: "قد بينا في غير موضع عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم من الذنوب ... وعهدنا إليكم عهداً لن تجدوا له ردّاً أن أحداً لا ينبغي له أن يذكر نبياً إلا بما ذكره الله لا يزيد عليه؛ فإن أخبارهم مروية وأحاديثهم منقولة بزياداتٍ تولاها أحد رجلين: إما غبيٌّ عن مقدارهم، وإما بدْعي لا أرب له في برّهم ووقارهم؛ فيدس تحت المقال المطلق الدواهي، ولا يراعي الأدلَة والنواهي ... فهذا محمد صلى الله عليه وسلم ما عصى قط ربّه في حال الجاهلية ولا بعدها ... فلم يقع قط في ذنب صغير -حاشا لله- ولا كبير، ولا وقع في أمر يتعلّق به لأجله نقصٌ، ولا تعيير ... فهذه الروايات كلها ساقطة".
ثم قال بعد ذلك: " ... فأما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها؛ فوقعت في قلبه، فباطلٌ؛ فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذٍ حجاب.
فكيف تنشأ معه وينشا معها، ويلحظها في كل ساعة، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج ... حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة".
ا. هـ. هذا ومن المعاصرين الذين قالوا بهذا التفسير الدكتورة بنت الشاطىء - عائشة عبد الرحمن -على علمها وفضلها- فقد جاهرت بهذا التفسير ودافعت عنه بقوة في خبط وتخليط حول تأكيد بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم.
والإمام السيوطي الذي أورد مثل هذا القصص في أسباب النزول، لم يعدّ هذه من الخصائص -على كثرة ما عدّد من الخصائص الكبرى- بل اقتصر في تفسير الآية على ما رواه البيهقي عن علي بن الحسين زين العابدين، وهو التفسير المرضي الذي سنورده بعد سطور.
أما التفسير الصحيح الذي قال عنه القرطبي: "قال علماؤنا -رحمة الله عليهم-: هو أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم"، وهذا التفسير يقوم على أن الذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه هو علمه بأن زيداً سيفارقها، وأنه صلى الله عليه وسلم سيتزوجها، فقد كان الله قد أوحى إليه بذلك، وليس أنه أخفى حبه لها!!

ومنها أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها 1، ووقع الاتفاق على أنه كان له في ذلك خاصية، فقيل: هي أنه لزمها الوفاء بالتزوج به، وغيره لو أعتق أمته على أن تتزوج به، لم يلزمها الوفاء وتلزمها قيمتها.
وقيل: الخاصية أنه جعل عتقها صداقها مع الجهل بقيمتها، وفي جواز ذلك في حق الأمة خلاف.
ومنها أنه جاز له دخول مكة من غير إحرام، وفي جوازه للأُمّة خلاف.
= "فحاصل العتاب -كما قال الألوسي-: لم قلتَ: أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك، وهو مطابق للتلاوة -أي يتفق مع نظم الآية- لأن الله تعالى أعلم أنه مبدي ما أخفاه عليه الصلاة والسلام، ولم يظهر غير تزويجها منه، فقال سبحانه ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فلو كان المضمر محبتها، وإرادة طلاقها ونحو ذلك، لأظهره الله جل وعلا".
انتهى كلام الألوسي.
أما ما كان يخشاه صلى الله عليه وسلم من الناس، فهو أن يرجف المنافقون بأنه نهى عن تزوّج نساء الأبناء، وتزوجّ بزوجة ابنه.
ويبقى بعد ذلك إشكال، وهو كيف يقول صلى الله عليه وسلم لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وقد أعلمه الله أنه مفارقها، وأنه سيتزوجها؟ وقد أجاب عن ذلك ابن العربي بقوله: "فإن قيل: كيف يأمره بالتمسك بها، وقد علم أن الفراق لا بدّ منه، وهذا تناقض؟ قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة، لإقامة الحجة، ومعرفة العاقبة.
ألا ترى أن الله يأمر العبد بالإيمان، وقد علم أنه لا يؤمن، فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلاً وحكماً، هذا من نفيس العلم، فتيقنوه وتقبلوه" هذا ما قاله ابن العربي في (أحكام القرآن) ونقله عنه القرطبي في تفسيره.
وأخيراً نقول: لعل إمام الحرمين كان أول من قال بهذه الخصيصة من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فإن ابن العربي وهو يعدد خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الخصيصة، ثم قال: "هكذا قال إمام الحرمين، ثم أشار إلى ما سبق من ردّه لذلك، وتبع الغزالي إمامه في ذلك.
(راجع في هذه القضية: أحكام القرآن لابن العربي: 3/ 1541 - 1544، 1563) و (تفسير القرطبي: 14/ 188 - 192) و (تفسير الألوسي: 22/ 24 - 26) و (تفسير الماوردي: 326 - 328) و (الخصائص الكبرى للسيوطي: 2/ 246) و (الوسيط للغزالي: 5/ 17).

ومنها أنه لا يورث.
قال صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" 1، فكان ما خلفه على ما كان عليه في حياته وكان الصدّيق رضي الله عنه ينفق منه على أهله وخدمه، ويراه باقياً على ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ الأنبياء أحياء، وهذا هو الصحيح الموافق لسيرة الصديق.
وقيل: كان سبيله سبيل الصدقة، قال صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة".
وقيل: كان إذا أمَّن كافراً لا يلزمه الوفاء بأمانه، وكان يجوز له قتله.
وهذا مما أُجمع على تخطئة صاحب التلخيص 2 فيه.
وكيف يليق بمنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخالف قولَه، ويخفر ذمته، ولو جاز، لكان فيه حط مرتبته، وتتبير 3 أمره، وعدم حصول الثقة به، ومن حرمت عليه خائنة الأعين كيف يجوز له أن يخفر ذمته؟ ومنها أنه كان يجوز له أن يلعن من شاء من غير سبب يوجبه؛ لأنه كانت لعنته رحمة.
وهو غلط باتفاق الأئمة.
ومن هذا القبيل أنه كان يجوز له أن يدخل المسجد جنباً.
وهذا هَوَسٌ لا مستند له.
ومن خصائصه شهادة خزيمة له، وإجازتها، وإقامتها مقام شهادة شاهدين عدلين، وفي هذا اضطراب؛ فإنه لم يصح ردّ شهادته في حقّ غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى شهادته؛ لأنه معصوم عن الحلف، ومن كذّبه كفر.

ومنها أنه أبيح له الوصال في الصوم، وكان حراماً على غيره، وقيل مكروهاً.
فصل في أحكام نسائه 7838 - فنقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تسع، وكان يقسم لثمان، وهنّ: عائشة بنة الصديق، وحفصة بنة الفاروق، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وميمونة بنت الحارث خالة ابن عباس، وصفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش، وهي التي كانت امرأة زيد.
فهنّ اللواتي مات عنهن صلى الله عليه وسلم، وهنّ أمهات المؤمنين، محرمات على الأبد على غيره.
ولو فارق امرأة في حياته هل كان يحل لغيره نكاحها؟ قيل: لا يحل كالتي مات عنها، وقيل: كانت تحل؛ لأن النكاح لم ينته نهايته، وقيل: إن كان صلى الله عليه وسلم دخل بها، لم تحل لغيره، وإن لم يكن دخل بها حلّت لغيره.
ولهذا روي أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر رضي الله عنه، فرفعت قصته إليه، فحبسه وهمّ برجمه، فذكر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان دخل بها، فكفّ عنه وتركها في حِباله 1. ولا خلاف أن اللاتي خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو اختارت واحدة منهن الدنيا، لحلّ لها أن تتزوج؛ لأنها لو منعت ما تمكنت من غرضها من الدنيا.

وليس المراد بكونهن أمهات المؤمنين أنه يجوز لهنّ التكشف لهم، كتكشف الأم لأولادها، بل المراد به التشبه بالأمهات في التحريم.
7839 - وبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشبهن أخوات المؤمنين؛ لأنه لو كان كذلك، لحرمن كما حرم زوجاته، لكن يقال: هن بنات أمهات المؤمنين.
ومن ذلك لا يقال: معاوية خال المؤمنين، بل نقتصر على ما جاء التوقيف به ولا نتعداه.
قال المزني رحمه الله: "إنّ الله تعالى لما خص به رسوله صلى الله عليه وسلم، وميز بينه وبين خلقه لما فرض عليهم من طاعته، افترض عليه أشياء خففها عن خلقه ليزيده بها إن شاء الله قربة إليه" 1. والقراءة المشهورة (لِمَا) مخففة مكسورة اللام؛ ليكون بمعنى التعليل.
وفي الكلام خلل من وجوه، ينقدح في بعضها الذب 2 والتأويل، ولا يتجه في بعضها جواب، فمن وجوه الخلل أنه قال: "إنّ الله تعالى لما خصّ به رسوله من وحيه، وأبان 3 بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته، افترض عليه أشياء" 4، فجعل تخصيصه بما افترض عليه معللاً بما خُص به من الوحي، وفُرِض على الخلق من طاعته، فهذا [كلام] 5 مضطرب، نبيّن ما فيه من الخلل.
قلنا: لفظ الشافعي على ما نقل المعتمدون عنه، قال رضي الله عنه: "إن الله تعالى لما خصّ به رسوله فأبان من فضله بالمباينة بينه وبين خلقه، افترض عليهم طاعته" 6 فجعل افتراض طاعته منوطاً

برسالته.
ثم استأنف فقال: "وافترض عليه أشياء خففها عن خلقه".
فإن تكلّف متكلّف وعلّل ما خص به بعلو منصبه [بما] 1 خص به من الوحي وافتراض الطاعة، أمكن تقريب القول فيه، لكن الأوجه ما ذكره الشافعي.
وقوله 2: "وأبان بينه وبين خلقه" غلط في اللغة والعربية لا يخفى دركه على الشادي 3؛ فإن العرب لا تقول: أبنت بين فلان وبين فلان، بل تقول: أبنت الشيء عن الشيء، بمعنى القطع.
وأبنت الشيء إذا أظهرته، وباينت بين فلان وفلان.
ولفظ الشافعي "وأبان من فضله بالمباينة بينه وبين خلقه".
وقوله "ليزيده بها قربة إن شاء الله" لا يرجع الاستثناء 4 فيه إلى نفس القربة، بل إلى جهتها؛ لأنه لا شك في حصول القربة له لما خصه به.
...

باب ما جاء من الترغيب في النكاح

7840 - والنكاح على الجملة مرغوب فيه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] فوعد به الغنى، وكان الحسن بن علي منكاحاً مطلاقاً، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ الله وعد الغِنى عليهما، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32] ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] فأنا أطلب الغنى بهما 1. والأخبار في الترغيب فيه كثيرة، قال صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا، تكثروا".
وقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" 2 و"من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه، فليتق الله في الثلث الباقي" 3 فقيل: المراد به أكل الحلال.
وقال صلى الله عليه وسلم لعَكاف بن وَدَاعَة الهلالي: "أتزوجت؟ " فقال: لا، فقال: "إنك إذاً من إخوان الشياطين، أو من

رهبان النصارى، فإن كنت من رهبان النصارى، فالحق بهم، وإن كنت منا، فمن سنتنا النكاح" 1. وقال عمر لأبي الزوائد: "أتزوجت؟ فقال: لا، فقال: لا يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور" 2. ولما احتضر معاذ قال: "زوجوني، زوجوني؛ لا ألقى الله عزباً" 3. وفي القرآن الثناء على المتعفف القاعد عن النكاح، قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: 60] وقال في صفة يحيى بن زكريا: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] فسّره بعض أهل اللغة بالذي لا يقدر على إتيان النساء، وفسره الشافعي بالذي لا يأتي النساء مع القدرة؛ لأنه ذكر في سياق المدح والإطراء، ولا يستحق المدح عاجزٌ.
ونظر الشافعي في الأخبار المرغّبة في النكاح، وما يعارضها من الحث على التخلي لعبادة الله تعالى، فسلك طريقاً وسطاً، فقال: من تاقت نفسه إليه، ووجد أهبته، فالمستحب له أن ينكح، ومن لم تتق نفسه إليه، فالأولى أن يتخلى للعبادة.
ومن تاقت نفسه إليه ولم يقدر على أهبته، فالأولى له أن لا يتزوج؛ لأنه لو تزوج، لوقع

في شغل شاغل عن العبادة.
ثم يشتغل بما يكسر توقان نفسه وهو الصوم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء".
والمعنى فيه أن النكاح ليس من القربات، وتحصيل النسل به مظنون، وفي الحال يشتغل بالمُلهي عن عبادة الله تعالى بتوقع أمر لا يتحقق وجوده، ولو وُجد، فلا يدري أصالح أم طالح؟ والمعتبر ليس [إلا] 1 توقان النفس والحذار من الوقوع في المخازي الموبقات، فإن أمكن ذلك، فليأخذ المرء حذره 2، وإن لم يمكن، فالوجه الاعتصام بالله، وكسر قوى النفس بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا معصوم إلا من عصمه الله، وكم من ناكح يفجُر، ومن عَزْبٍ يتقي.
فإن تزوج ولا أهبة له، فقد يجر ذلك خللاً في فى ينه.
7841 - وينبغي أن يقصد ذات الدين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "عليك بذات الدين تربت يداك" 3. ويطلب الحسيبة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إياكم وخضراء الدِّمن، قيل: وما خضراء الدمن، قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء" 4 وقال صلى الله عليه وسلم: "تخيروا لنطفكم، لا تضعوها في غير الأكفاء" 5.

ويقصد البكر، لما روي أن جابراً تزوج، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " تزوجت"؟ فقال: نعم.
فقال: بكراً أم ثيباً؟ فقال: ثيباً.
فقال صلى الله عليه وسلم: "فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك؟ "فقال: إنّ أبي قتل، وخلف بنات صغاراً، ولم أرد أن أدخل عليهن خرقاء مثلهن 1. وصح الندب إلى نكاح الولود، لما روي عن معقل بن يسار أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني وجدت امرأة ذات منصب وجمال غير أنها لا تلد، أفأنكحها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا تنكح إلا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم" 2. ويستحب ألا ينكح القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاوياً، يعني ضئيلاً محمَّقاً هزيلاً.
قال صلى الله عليه وسلم: "أغربوا ولا تضووا" 3. = الصحيحة (ر.
ابن ماجه: النكاح، باب الأكفاء ح 1968، الدارقطني: 3/ 299، الحاكم: 2/ 163، سلسلة الأحاديث الصحيحة: 3/ 56 ح 1067).

فصل 7842 - لا يحل للرجل أن ينظر من الرجل إلى ما هو عورة، ولا يحل مسّ ذلك، ولا الإفضاء إليه من غير حائل.
ويحل أن ينظر إلى غير العورة إذا أمن منه الفتنة.
فأما الأمرد إذا خيف من ترديد النظر إليه الفتنة، فإن كان لشهوة، فهو حرام اتفاقاً، وإن لم يقصد قضاء وطر شهوة.
وإن لم يمكن فتنة، فلا بأس، وإن أمكنت فتنة وظهر إمكانها، قال صاحب التقريب: لا يحرم.
وقال طوائف: يحرم، لاجتناب الفتنة، ووجه نفيه 1 أن الأمرد الوضيء محل الفتنة، ولا يُمنع من الدخول بين الناس على أحسن بزّة وهيئة، والغالب من الشباب الافتتان، ثم لم يُضرب على المرد الحجاب، فالوجه نفي تحريم النظر، والأمر بالتقوى، وقد روي أن قوماً وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم غلام حسن الوجه، فأجلسه من ورائه، وقال: "إني أخشى على نفسي مثل ما أصاب أخي داود" 2، وهذه القصة تستحث على الورع، ولا تقتضي التحريم؛ لأن ذلك الصبي كان بمرأى من الحاضرين الناظرين، ولم ينههم عن النظر.
ويكره تضاجع الرجلين في ثوب واحد، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوبٍ واحد" 3 والحديث صحيح أخرجه مسلم.
7843 - فأما نظر المرأة إلى المرأة، فقد ذكرنا أنه يجب على المرأة ستر جميع بدنها

إلا الوجه والكفين لأجل الصلاة، فجملة بدنها إلا ما استثني لأجل الصلاة بمثابة ما بين سرّة الرجل وركبته.
وقيل: لا تنظر المرأة من المرأة إلا ما ينظر الرجل من محارمه.
ولم يَصِر أحد من أصحابنا إلى قصر النظر من المرأة إلى المرأة على الوجه والكفين.
وذهب المحققون إلى أن المرأة من المرأة كالرجل من الرجل في كل قسم، إلا ما يجب ستره في الصلاة؛ فإن ما يجب على الرجل ستره في الصلاة يجب في غير الصلاة، حتى في الخلوة عند طائفة من الأئمة.
وما يجب على الحرة ستره في الصلاة لا يجب عليها ستره في غير الصلاة، إلا ما بين السرة والركبة.
والذّميّة فيما تنظر من المسلمة كالمسلمة، إلا أنه يستحب البعد منها، وقيل: إنها لا تنظر من المسلمة إلا ما ينظره الرجل الأجنبي منها، لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] فخصّ نساء المسلمين بذلك.
7844 - أما نظر الرجل إلى المرأة التي تحل له، فجائز إلى جميع بدنها، وما وراء إزارها، وإلى الفرج على المذهب الصحيح، لأنه يباح له الاستمتاع به، وهو زائد على النظر، وأما الخبر 1، ففيه ضعف، ويُحمل إن صحّ على الكراهية؛ لأن خبر الرسول صلى الله عليه وسلم لا يوجد 2 خلافه.
وقيل: يباح النظر إلى ظاهره دون باطنه، ولا معنى فيه، وقد روي أن ابن عمر رضي الله عنهما قال لجاريته: "تجردي، وأقبلي وأدبري ولك ألف درهم" 3. ولا يحرم نظر الرجل إلى فرج نفسه، لكنه يكره من غير حاجة.

7845 - وإن كانت المرأة لا تحل له، فإن كانت محرماً له بقرابة، أو رضاع، أو صهر، فله أن ينظر منها إلى ما يظهر عند المهنة، كالساق، والساعد، والعنق، والرأس، والوجه، ولا يحل له ما بين السرة والركبة.
وفيما فوق السرة وتحت الركبة وجهان.
وفي الثدي في زمن الرضاع طريقان، منهم من ألحقها 1 بمحل الوجهين، ومنهم من ألحقها بما يظهر عند المهنة في هذا الزمان، فما هو عورة من الرجل يجب أن يكون مستوراً [منها] 2 أبداً، وعليها وراء ذلك رعاية [هيئة، وأخذ ريبة] 3 وإذا لابست الصلاة، راعينا نهايته، ولا تكلف ذلك في تصرفاتها، فيشق عليها.
أما الأجنبية فلا يحل للأجنبي أن ينظر منها إلى غير الوجه والكفين من غير حاجة.
والنظر إلى الوجه والكفين يحرم عند خوف الفتنة إجماعاً، فإن لم يظهر خوف الفتنة، فالجمهور يردعون التحريم، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] قال أكثر المفسرين: الوجه والكفان، لأن المعتبر الإفضاء في الصلاة، ولا يلزمهن ستره، فيلحق بما يظهر من الرجال.
وذهب العراقيون وغيرهم إلى تحريمه من غير حاجة.
قال 4: وهو قوي عندي، مع اتفاق المسلمين على منع النساء من التبرج والسفور وترك التنقب 5، ولو جاز النظر إلى وجوههنّ لكُنَّ كالمُرد 6، ولأنهنّ حبائل الشيطان، واللائق بمحاسن الشريعة حسم الباب وترك تفصيل الأحوال 7، كتحريم الخلوة تعمّ

الأشخاص، والأحوال إذا لم تكن محرميّة.
وهو حسن 1. والمباح من الكف من البراجم إلى المعصم، ولا يختص بالراحة، وغلط من خصّ التحليل بالراحة دون ظهر الكف، وفي جواز ظهور أخمص قدمي المرأة الحرة وجهان في الصلاة، وقيل: هو في جواز كشفه والنظر إليه في غير الصلاة على الخلاف، والصحيح تحريم النظر إليه.
ولا يجري ذلك الخلاف في ظهر القدم أصلاً، بخلاف ظهر الكف.
وسئل أبو عبد الله [الخِضْري] 2 عن الأجنبي ينظر إلى قلامة ظفر المرأة، فأطرق طويلاً، فقالت زوجته -وكانت ابنة أبي علي الشَّنوي 3 -: لمَ تفكر؟ وقد = الباب، والإعراض عن تفاصيل الأحوال، كالخلوة بالأجنبية" (الشرح الكبير: 7/ 472).

سمعت أبي يقول في جوابها: إن كانت قلامة أظفار اليد، جاز، وإن كانت قلامة أظفار الرجل لم يجز؛ لأن كفها ليس بعورة، بخلاف ظهر القدم، ففرح الخضري، وقال: لو لم أستفد من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة، لكانت كافية 1. وقد قطع الأصحاب بتحريم النظر إلى العضو المبان من الأجنبية، كتحريم النظر إليها ميتة.
ونصّ الشافعي على تحريم النظر إلى شعر الأجنبية إذا وصلته الزوجة بشعرها.
والنظر إلى شعر الأمة من رأسها متصلاً ومنفصلاً جائز، فلو اختلط شعر حرة بشعر أمة ولم يتميز، فلا يليق بدأب 2 الفقه منع النظر إليه؛ لأن تحريم المناظر يبتني على تميز المنظور من غيره، وكذلك حكم جلده يسقط ويشكل.
وهذا مقتضى الرأي = الدين في توضيح المشتبه فقال: بفتح أوله، وضم الموحدة المشددة، وكسر الواو، تليها ياء النسب، كذا قاله الجمهور، وقيل بسكون الواو، بعدها مثناتان تحت الأولى مكسورة والثانية ياء النسب.
ا. هـ وبهذه الأخيرة ضبط ابن الأثير في اللباب (الشَّبُّوْيِيّ).
وقد أفادنا العلامة المحقق المحدث الشيخ عبد الرحمن المعلمي في حاشيته على الإكمال بتفسيرٍ لسبب اختلاف الضبط في النسبة لمثل هذا العلم المختوم بويه، فنذكره لفائدته - على طوله، قال: للعلم المختوم بويه طريقان، الأولى: ما جرى عليه أهل الحديث، وهو: ضم ما قبل الواو، وإسكانها، وفتح التحتانية.
والثانية: ما عليه أهل العربية، وهو: فتح ما قبل الواو، والواو أيضاً، وسكون التحتانية، والنسبة إليه على هذا الأخير تكون بإبقاء ما قبل الواو مفتوحاً، وكسر الواو، تليها ياء النسبة وتسقط الياء التي كانت في المنسوب إليه.
فأما على ما جرى عليه أهل الحديث فالوجه أن يكون كذلك أيضاً إلا أنّ ما قبل الواو يبقى مضموماً، وهذا هو الذي نسبه صاحب التوضيح إلى الجمهور".
ر. الإكمال لابن ماكولا: 5/ 108، الأنساب للسمعاني، اللباب لابن الأثر الجزري، وفيات الأعيان: 4/ 215، 216، سير أعلام النبلاء: 16/ 423، تاريخ الإسلام للذهبي: 8/ 497، طبقات السبكي: 3/ 100، الوافي بالوفيات: 2/ 72، توضيح المشتبه: 5/ 219).

الكلي، ولأن أئمة الورع كانوا لا يغضون الطرف عن الشعور الملقاة في الطرقات، مع جواز كونه شعر من لا تحل رؤية شعرها لما ذكرناه.
ومن أصحابنا من فرّق بين الحرة والأمة، وجوّز أن ينظر من مملوكة غيره ما ينظر الرجل من محارمه، لما روي أن عمر رأى أمة مقنعة، فعلاها بالدرة، وقال: "يا لكعاء تتشبهين بالحرائر" 1 وهذا قد يتجه بأن حكم العورة في الحرائر أضيق منه في الإماء، ولهذا [افترقا] 2 فيما يجب ستره في الصلاة، فما لا يجب على الأمة ستره في الصلاة فهو منها بمثابة الوجه من الحرّة، لكنا بينا أن الظاهر أنه لا يحل النظر إلى وجوه الحرائر، وأولى الأعضاء بمنع النظر إليه الوجه، ومملوكته التي لا تحل له كأخته من الرضاع والنسب، والمجوسية والوثنية والمرتدة والمعتدة والمكاتبة والمزوجة كأمة غيره.
7846 - أما نظر المرأة إلى الرجل، فإن كان زوجها أو مالكها، فهو كنظر الزوج والمالك إلى زوجته ومملوكته، وفي فرجه ما قدمناه في فرجها.
وأما نظر الأجنبية إلى الأجنبي، فقيل: هو بمثابة نظر الرجل إلى المرأة، وقيل: لا يحل أن تنظر منه إلا الوجه والكفين، وقيل: إلى ما يظهر منه عند المهنة، وقيل: إلى ما فوق السرة وتحت الركبة، وهو القياس المحقق.
وروي أن عبد الله بن أم مكتوم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة وحفصة، فقال: لمَ لمْ تحتجبا عنه، فقالتا: إنه أعمى.
فقال صلى الله عليه وسلم: "أفعمياوان أنتما" 3.

7847 - مسائل مفردة: إذا كان للمرأة عبد مملوك، فقد قيل هو محرم لها، لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31]، وقيل: لا؛ لأن النفوس تتقاضى أربابها بالكف عن المحارم، فصار الإطباق عليه مانعاً من التهم، ولسنا نرى ذلك بين السيدة وعبدها، والآية محمولة على الإماء، وفيه نوع استكراه، واحتماله أهون من خلوة العبد بسيدته، ولا يحمل قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَال﴾ [النور: 31] على المخانيث المتشبهين بالنساء، بل حكمهم حكم الرجال.
وحكم العنِّين حكم المقتدر على الوطء.
والشيخ الهِمّ بمثابة الشباب.
[وأما] 1 الخصيُّ الممسوح، فالأكثرون [نزَّلوه] 2 من الأجنبيات بمنزلة الرجل المَحْرَم، وقيل: هو كالفحل؛ لأنه يحل له نكاح التي ينظر إليها، ولو التحق بالمحارم، لسُدَّ عليه بابُ نكاحها.
ولو كان [مسلولا] 3 سليم الذكر أو مجبوباً سليم الأنثيين، فحكمه كالفحول.
وقد حمل بعض أصحابنا قوله تعالى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: 31] على الخصي الممسوح، والإربة الحاجة.
وقيل: المراد به الأطفال الذين لم يتشوفوا إلى الشهوة = حديث أسامة على وفق ما نقله القاضي حسين، والإمام، فيحمل الأمر على التعدد، ويؤيده أثر عائشة عند مالك أنها احتجبت من أعمى، فقيل لها: إنه لا ينظر إليك، قالت: لكني أنظر إليه، وقد يحمل الأمر كما قال ابن حجر "على أن الراوي قلبه، لأنّ ابن حبان وصف راويه (وهب بن حفص الحراني) بأنه كان شيخاً مغفلاً يقلب الأخبار".
فإمام الحرمين على أيٍّ من الحالين بريء من التعقب.
(ر.
أبو داود: اللباس، باب في قوله عز وجل: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِن﴾ [النور: 31]، ح 4112، الترمذي: الأدب باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال، ح 2778، النسائي في الكبرى: عشرة النساء، باب نظر النساء إلى الأعمى، ح 9241، 9242، ابن حبان: ح 5549، التلخيص: 3/ 308 ح 1588).

تشوف نزوان، ويحملون قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ [النور: 31] على التأكيد.
وهذا بعيد لا يوافق نظم القرآن.
واختلف في قوله سبحانه: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: 31] فقيل: لم يبلغوا مبلغاً يحكون ما يرون، وتحملهم الدواعي على حكايته.
وقيل معناه: لم يتشوفوا على ما فسرناه، والمعتبر هو التشوف في المناظر واعتماد حكاية ما يواريه الإزار، فإذا لم يبلغ هذا المبلغ، فحضوره كغيبته، واعتماد الحكاية تقع قبل سن التمييز، والقول في الصبي المتشوف كالقول في الرجل في وجوب الاحتجاب.
وإن لم يبلغ التشوف، نزل منزلة المحارم.
وأما الخنثى، فقيل: هو في نظره إلى المرأة كالرجل، احتياطاً، كما ثبتت أحكامه، ولم يطلق القفال فتواه بالتحريم استدامة لحكمه وحال طفوليته.
قال الإمام: وجه هذا إذا لم تَدْعُ حاجة للنظر، فإن دعت حاجة، أبيح له النظر، فمن الحاجة المبيحة معالجة الطبيب، ويباح له بها المسّ، ومنها تحمّل الشهادة، فقد تفضي إلى النظر إلى ما وراء الإزار، ومطلق الحاجة لا تبيح النظر المحرم، والضرورة المهلكة لا تشترط، فالضابط فيها المرض الذي يبيح الانتقال من الماء إلى التيمم، وقد سبق بيانه.
7848 - وجواز النظر إلى الأجنبية عند خطبتها مقصور على الوجه والكفين واليدين، إذا لم يُخف الفتنة، لعموم الحاجة في بناء النكاح على تمييزه، وبيان عمومها أنه ليس في [الخلق] 1 من يستوي عنده الدمامة والحسن، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الحاقة، وعليه يبنى جواز النظر إلى وجه المرأة عند تحمّل الشهادة عليها دون غيره.
فأما ما يحرم النظر إليه لغير خوف الفتنة كالعورة، فهو حجاب شرعي متاصل، فإزالته في حكم رفع الحجاب بين الرجل والمرأة، فيراعى فيه الحاجة التي ضبطناها، ولا يبعد أن يشترط بعد الوجه والكف مزيد حاجة في عضو دون عضو، ولهذا أبحنا

للمحارم النظر إلى ما يظهر في حالة المهنة، ولم نجوز للمحرمية النظر إلى ما تحت الإزار، وردّدنا القول فيما بينهما 1، ولم تقتض المحرمية إباحة النظر إلى ما تحت الإزار لمزيد تغليظ من الشرع في ستره، ولذلك سوّي في منعه بين الذكر والأنثى.
فما جاز الانتقال فيه إلى التراب 2 قطعاً يكون مُسلِّطاً على الكشف، وما اختلف القول فيه في جواز الانتقال هناك يسلط على الكشف هاهنا قولاً واحداً؛ لأن الانتقال إلى التراب من الأحوال النادرة، والحاجة إلى الكشف مما يعم بسبب الأمراض، فلا يرتب ما تعم حاجته وإن خف على ما تندر حاجته.
والأصل في حل النظر إلى من يريد نكاحها قوله صلى الله عليه وسلم "من أراد أن ينكح امرأة فلينظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينهما" 3 وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد أحدكم أن يتزوج بامرأة فلينظر إليها، فإن في أعين الأنصار سوءاً" وروي "شيئاً" 4. وهذا النظر مستحب لندب الرسول صلى الله عليه وسلم إليه، وقيل: هو مباح، وصيغة الأمر قد تحمل على الإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]، والنظر مباح وإن خيفت الفتنة، فاستحباب التعرض إلى الفتنة بعيد عن قاعدة الشريعة.
ولا يحل النظر إلى ما سوى الوجه والكفين؛ فإن قصد التزوج، لم يحرم عليه النظر -وإن خاف الفتنة- إلى الوجه والكفين للخبر.

وينبغي أن يقدم النظر على الخطبة؛ لأنه إذا قدم الخطبة، ثم نظر، فقد لا تقع بغرضه، فَتَرْكُ الخطبة يؤدي إلى الإيحاش.
ولا يفتقر 1 إلى إذن المرأة، بل له أن يتغفّلها فينظرها، لأن استئذانها بمثابة تقديم الخطبة.
ولو أمر امرأة تنظر إلى مجردها، فلا بأس، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يتزوج امرأة، فبعث إليها أم عطية وقال لها: "شمي معاطفها، وانظري إلى عرقوبها" 2. ...

باب ما على الأولياء وإنكاح الأب البكرَ بغير إذنها

7849 - إذا دعت الحرة البالغة العاقلة وليّها إلى تزويجها من كفء، وجبت عليه إجابتها، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ﴾ [البقرة: 232] قال الشافعي: هذه [أبين آية] 1 في كتاب الله تعالى [دلالة] 2 على أنه ليس للمرأة أن تتزوج دون الولي؛ لأنها لو تمكنت من تزويجها نفسها، لما كان لمنع الولي وعضله معنى.
ولا تصلح عبارتها بعقد النكاح مطلقاً، فلا تزوج نفسها، ولا غيرها بولاية، ولا ملك، ولا نيابة، لا موجبة، ولا قابلة.
وقال أبو حنيفة 3: تلي عقد النكاح بنفسها، فإن تزوجت مَن لا يكافئها، اعترض الولي على عقدها.
وقال أبو يوسف ومحمد 4: إذا زوجت نفسها، انعقد موقوفاً على إجازة الولي، وإن زوّجها الولي انعقد موقوفاً على إجازتها.
وقال داود 5: الثيب تزوج نفسها، والبكر لا تزوج نفسها.
وقال مالك 6: الوضيعة تزوج نفسها، والشريفة لا تزوج نفسها.

7850 - وإذا أقرّت المرأة بالزوجية، فإن قالت: زوجت نفسي، فإقرارها مردود؛ لأنها لا يصح إنشاؤها له، ولو قالت: زوجني وليّي، قبل في الجديد، ويردّ في القديم، إلا أن تكون مع الزوج في بلد غربة، فيحكم به؛ لأنه يعسر استصحاب الولي في أسفارهما، فلو عادا إلى الوطن، لم يتبع ذلك الإقرار بالنقض.
وقال شيخه 1: لا حكم له؛ تفريعاً على القديم، وزعم أن إقرارها في الغربة غير مقبول ولا يفرّق بينهما، للضرورة التي أشرنا إليها.
قال 2: وإن اتجه هذا في القياس، فهو بعيد من المذهب.
ولا شك أنه لا ينقض القضاء المتصل به.
وإن فرعنا على الجديد، فأقرت بالنكاح مطلقاً، انبنى على سماع دعواها بمطلق النكاح، فإن لم تصح دعواها المطلقة، لم يصح إقرارها المطلق.
وإن قالت: زوجني وليي، فإن كان غائباً، لم نتوقف على حضوره، بل تسلم إلى المقرّ له، وإن كان الولي حاضراً، فالوجه مراجعته، فإن صدّقها، فهو المراد، وإن كذبها، لم يقبل القفال إقرارها؛ لأنها مقرة على الولي.
وقيل: يقبل إقرارها؛ لأنها أثبتت حقاً عليها لزوجها، فهي كالمقرة بالرّق لغيرها.
وإن قلنا: تكذيب الولي يبطل إقرارها، فجرى في غيبته، سلمت إلى الزوج، فإذا عاد الولي، فكذبها، فيخرج إلى أنّا إذا قبلنا إقرارها في الغربة، ثم عادت إلى الوطن، هل يستدام ذلك القبول؟ وإن قلنا: نقبل إقرارها على الإطلاق، فقال الولي: "لا ولي لك غيري، وما زوّجتك"، فهو على الخلاف الذي ذكرناه، والأظهر أنه لا يؤثر تكذيبه.
7851 - أما الولي إذا أقر بتزويجها، فإن لم يملك إجبارها، لم نقبل إقراره عليها؛ لأن رضاها شرط يجب اعتباره.
وإن كان مجبراً لها، فإن أقر في حالة يملك إنشاء العقد عليها، قُبل إقراره؛ لأن ملك الإقرار يتبع ملك الإنشاء نفياً وإثباتاً، وإن كان قد زال عنها الإجبار، فزعم أنه

زوجها حال بكارتها، فإقراره مردود، وإن أضافه إلى حالة يملك إجبارها؛ لأن الاعتبار بحالة الإقرار.
فإن وكّل الولي المرأةَ أن توكّل رجلاً في تزويجها، فإن قال: وكّلي عن نفسك، لم يصح.
وإن قال: وكّلي عنّي، فوجهان مبنيان على أن وكيل الوكيل وكيله، أو وكيل الموكِّل.
7852 - فإذا زوجت المرأة نفسها، ودخل بها الزوج، فهو وطء شبهة، يوجب المهر دون الحد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن أصابها، فلها المهر بما استحل من فرجها" 1. وقال الصَّيْرَفي 2: يجب الحد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الزانية من أنكحت نفسها" (3). قلت 4: الصيرفي شرط أن يكون الزوج شافعياً يعتقد تحريمه، ولا يحدّ الذي يعتقد حلّه.
قال 5: والمذهب الأول، والحديث يتأول على أنها إذا تزوجت3

واستقلّت به، فقد فعلت فعل الزانية، وقد جاء مثل هذا في قوله صلى الله عليه وسلم: "العينان تزنيان".
ولو حكم بصحته حاكم، لم ينقض حكمه إذا وقع البناء؛ لأنه مجتهد فيه.
وقيل: ينقض، لمخالفته النص الذي لا يقبل التأويل.
قلت: وذلك النص مفقود في هذه المسألة، والحديث الذي يرويه فيه عليه وجوه من التأويل كثيرة.
فرع: 7853 - ولا يملك الوصي التزويج؛ لأنه لا يلحقه عار الدناءة؛ فلم يفوّض إليه العقد الذي هو بسبب رعاية الكفاءة، ولا فرق بين أن يصرّح له الموصي بالتزويج، وبين أن يفوّض إليه القيام بمصالح الطفلة، وقصد [بذكره] 1 الرد على مالك، فإنه يجيز للوصي أن يزوجها 2. فصل 7854 - الولي الكامل الشفقة هو الأب والجد، ويملكان إجبار البكر على النكاح في الحالة التي تجبر فيها الأبكار، وشرطه البكارة، ومعتمده قوله عليه السلام: "الثيب أحق بنفسها من وليها" 3 ومفهومه أن الولي أحق بالبكر من نفسها، وسواء في ذلك الصغيرة والبالغ.
والثيب لا تجبر؛ فإن كانت بالغة عاقلة لا تزوج إلا بإذنها، ولو كانت صغيرة، لم تزوج حتى تبلغ وتأذن.
وإن كانت مجنونة صغيرة، فوجهان: أحدهما - لا تزوج حتى تبلغ، كالعاقلة، لعدم حاجتها.
والثاني - تزوج، كالمجنونة البالغة، ولأن الجنون ليس له وقت معلوم يُرتقب زواله فيه، بخلاف الصغر؛ ولأنّ الجنون مع الصغر أبلغ في إبطال معنى الاستقلال من البكارة؛ فكان أولى بالتجويز.

فاما المجنونة البالغة، فإن بلغت مجنونة، لم تزُل ولاية الإجبار عنها، ولأن مع البلوغ والشهوة تمس الحاجة إلى النكاح، وهو من أسباب زوال الجنون، كما، أنّ العُزْبة من أسباب الجنون.
وإن بلغت عاقلة، ثم جنّت، انبنى على ولاية مالها، وفيه قولان: أحدهما - للأب والجد، كما قبل البلوغ.
والثاني - للسلطان؛ لأنها ببلوغها عاقلة رشيدة زالت ولاية الأب، فلا تعود بالجنون.
فإن قلنا: ولي مالها الأب، فهو ولي نكاحها كالصغيرة.
وإن قلنا: السلطان ينظر في مالها، فالقول في تزويجه مع وجود الأب كالقول في تزويج البالغ المجنونة مع الأخ.
7855 - وكما يزوج الأبُ البكرَ الصغيرة يزوج ابنه الصغير، ولا تعتبر البكارة والثيوبة هاهنا، وإن اعتبرت في باب الإحصان في الزنا في الذكور، والمعتبر في تزويج الابن بالصغر والجنون العقلُ والبلوغ، فيزوّج الأب ابنه الصغير العاقل، فإذا بلغ عاقلاً، لم يجبره، فإن كان رشيداً، استقل بالعقد، وإن كان مبذراً، فقد ذُكر في الحجر، وسنعيد منه شيئاً، إن شاء الله عز وجل.
وإن كان الابن البالغ مجنوناً، نظر، فإن بلغ مجنوناً، زوجه الأب ناظراً 1، وإن بلغ عاقلاً ثم جن، فعلى الخلاف في الثيب إذ بلغت عاقلة ثم جنت.
وإن كان المجنون صغيراً، فظاهر المذهب أن الأب لا يزوجه، بخلاف الثيب الصغيرة المجنونة؛ لأنه يستفيد به القيامَ بمؤنتها، والابن الصغير يكلّف المؤنة.
وقيل في الابن والثيّب الصغيرين المجنونين أوجه: أحدها - يزوجان.
والثاني - لا يزوجان.
والثالث - تزوج البنت، دون الابن.
والبكارة عبارة عن جلدة العُذْرة، فإن زالت بجماع حلال أو حرام، أو وطء شبهة، صارت ثيباً، ولو زالت بقفزة أو وثبة، أو بأصبع، أو بطول التعنيس والتعزب، ففيها وجهان: أحدهما - أنها ثيب؛ لزوال البكارة.
والثاني - أنها بكر؛ لأن البكارة عبارة عن عدم الممارسة واختبار الرجال، وذلك لم يحصل.

وتردد الشيخ أبو محمد في دخولهن في وصية الأبكار والثُيَّب 1. وقال الشيخ أبو علي: لا يدخلن فيهما؛ لأنهن لم يجامَعْن، ولا معهن جلدة العذرة.
وقال صاحب التلخيص: يُقْسم 2 لهنّ حق العقد قسمة الأبكار وجهاً واحداً؛ لأن الغرض إيناسهن عن نفار الأبكار (3). وقال الشيخ أبو علي: هي على وجهين.
7856 - فأما الولي النسيب الذي لا يوصف بكمال الشفقة، وهم العصبة المدلون بالأب والجد، فليس لهم ولاية الإجبار؛ لعدم كمال الشفقة فيهم، فلا [يزوّجون] 4 صغيرة ولا كبيرة -وإن كانت بكراً- بإجبار، لكن يزوجونها والثيبَ العاقلة البالغة برضاهما وإذنهما، وفي إذن هذه البكر وجهان: أحدهما - أن إذنها بالسكوت، لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذنها صماتها".
والثاني - يعتبر صريح نطقها.
قال: وهو القياس البيّن، ويُحمل الحديث على البكر التي يجبرها أبوها أو جدها، فإنه يكتفى بصماتها إذا استؤمرت.
قلت: وفي نفس المسألة نصّ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن، فإن سكتن، فهو إذنهن" 5 فلا يمكن3

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل