نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 405-444
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح

صفحات 405-444
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الذي حصل فيه الاستدخال، ثبت حكم الوطء، ومن أحكامه فيما نحن فيه حصول التحليل.
وإن كان العضو بحيث لا يتوقع انتشاره، فلا يحصل المقصود باستدخاله.
وكان شيخي يقطع بحصول الوطء بالاستدخال كيف فرض الأمر؛ فإنَّ العضو ليس خارجاً عن كونه فرجاً، فليقع الحكم عند حصوله في باطن فرج المرأة.
فرع: 8218 - قد ذكرنا أن الاعتبار بتغييب الحشفة، فلو كانت الحشفة مقطوعة، فظاهر المذهب أن الجماع يحصل بتغييب قدر الحشفة من الباقي.
وذكر العراقيون وجهاً آخر أنه لا بد من الإيعاب، فإن الباقي من العضو في مقابلة الحشفة لو كانت.
التفريع: إن اكتفينا بمقدار الحشفة، اعتبرنا التي كانت لهذا العضو المخصوص، وإن اشترطنا الإيعاب، وكان الباقي من العضو قدر الحشفة، فلا ينبغي أن تكون به مبالاة.
واتفق الأئمة في الطرق على أن وطء الصبي في إفادة التحليل كوطء البالغ، كما أن الصبية إذا طلقت، فوطؤها في صباها كوطئها بعد بلوغها في إفادة التحليل.


باب نكاح المُحرِم

8219 - مذهب الشافعي أن الإحرام ينافي عقد النكاح في المزوِّج والمتزوج والمزوَّجة، ولو كان الولي محرماً لم يزوِّج، وكذا لو كان وكيلاً، أو كان الوالي الأعظم، أو كان دونه.
والإحرام يمنع [الزواج] 1، ولا فرق بين أن يكون القابل ولياً أو وكيلاً أو زوجاً، وإن كان القابل عن الزوج في حكم السفير.
وظهر اختلاف الأصحاب في أن الإحرام في الشهود هل يؤثر؟ فالأظهر أنه لا يؤثر.
وذهب الإصطخري في طائفة من الأصحاب إلى أن النكاح لا ينعقد بحضور محرمين، وهذا لا ينقدح له وجه من طريق المعنى، ولكن في بعض الروايات: "لا ينكح المحرم ولا يُنكِح" 2 ولا يشهد.
وهذا رأيته في كتب الفقهاء، وما عندي أنه يبلغ مبلغ الصحة 3. 8220 - ثم المذهب الصحيح أن الاحرام لا يمنع من الرجعة، فلو كان طلق ثم أحرم في عدة الرجعة، فله الارتجاع مع الإحرام؛ فإن الرجعة في حكم استدامة النكاح، والإحرام لا ينافي دوام النكاح.

وذكر بعض أصحابنا وجهاً آخر في أن الإحرام يمنع الرجعة كما يمنع ابتداء النكاح، حكاه القاضي وغيره، وهو مذهب أحمد بن حنبل 1، ويمكن بناء هذا الاختلاف على القولين في أن الرجعة هل تفتقر إلى الإشهاد؟ وسيأتي ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى.
ثم إذا ظهر منافاة الإحرام للنكاح من الجهات الثلاث: المزوِّج والمتزوج والمزوَّجة - فإلى متى يدوم الامتناع؟ في المسألة قولان: أحدهما - إنه يدوم إلى تمام [التحلُّلَيْن] 2 وسبيله سبيل حل الوطء.
وفي المسألة قول آخر: إنه يزول بالتحلل الأول.
وهذا يقرب عند هذا القائل من التطيّب، والقول في التحللين وأسبابهما مستقصى في كتاب المناسك.
8221 - ومما يتعلق بأحكام الإحرام ما تفصَّل من قبل في أن الإحرام [هل يُخرج] 3 الوليّ من الولاية 4، أو يتنزل منزلة الغَيْبة، وقد مضى في ذلك قول بالغٌ في أحكام الولاية.
...

باب العيب في المنكوحة

8222 - النكاح يفسخ بالعيوب القادحة في مقصود العقد، وهي محصورة عند حملة المذهب.
قالوا: ثلاثة من العيوب يشترك فيها الزوجان: الجنون، والجذام، والبرص، ويثبت اثنان في حق المرأة [وهما] 1: الرَّتَق، والقَرَن.
ويثبت اثنان في حق الزوج وهما: الجَبّ، والعُنة.
وإذا ثبت بأحد الزوجين عيب من هذه العيوب، ثبت للثاني حق الفسخ.
ولا حاجة إلى الكشف في معظم العيوب.
أما الجذام فَعِلَّة عظيمة تقطع الأعضاء، ويتصور في كل عضو، ويغلب ثبوته إذا ثبت في الوجه، والعياذ بالله تعالى، والعضو يحمرّ منه ثم يسودّ ثم ينتثر اللحم ويتقطع ويتقاذف إلى ما وراء، والبرص [بياضٌ] 2 بيّن، وليس البهق منه.
وكان شيخي يقول: أوائل الجذام والبرص قبل الاستحكام لا تثبت الخيار، وإنما يثبت الخيار إذا استحكمت.
وكان يقول: لا يثبت استحكام الجذام إلاّ إذا أخذ العضو في التقطع، وهذا فيه بعض النظر، فيجوز أن يقال: إذا اسودّ العضو، وحكم أهل البصائر باستحكام العلة، كفى ذلك في إثبات الفسخ، وإن لم يتقطع بعد من العضو شيء.
فأما ما عدا هذه العيوب من العمى والقرع والتقرح؛ فالذي ذهب إليه الأئمة: أنه لا أثر لشيء منها، والذي يجب التأمل فيه أن حق الفسخ لو اختص بما يمنع الوطء على الحقيقة كالجَبّ والعنة والرتَقِ والقَرَن، لكان ذلك وجهاً في الحصر والاقتصار، وتخصيص الفسخ بهذه الموانع، وليس الأمر كذلك؛ فإن حق الفسخ تعلّق بالجذام والبرص والجنون، ولم يستند الحصر إلى توقيف من جهة الشارع، فأورث ذلك

اضطراباً في نفوس فقهاء المذهب، حتى حكى بعض الأصحاب خلافاً في البخراء 1 إذا تفاحش بخرها.
والعِذْيَوْط 2، وكذلك الصنَّاء وهي التي بها صنان مفرط لا يقبل العلاج، وكنا نعد هذا الخلاف بعيداً، ثم لم ننقله إلا مخصوصاً بما ذكرناه.
ورأيت القاضي استجرأ على فتح الباب، وخرم التخصيص؛ فإنه قال: كل عيب يؤثر في حق عامة الناس في المنع عن الاستمتاع والوقاع عيافة ونَفَراً 3؛ فإنه يثبت الخيار، وقد يتوقف حصول هذا المعنى على اجتماع عيوب، وإن كان لا يؤثر آحادها، فإذا اجتمعت فيثبت الخيار عند اجتماعها.
وهذا الذي ذكره قياس لما مهدناه في البرص والجذام، ولكن لم يصر إليه أحد من الأصحاب على هذا الوجه غير القاضي، وكنا نحكي ما ذكرناه في البخر وغيره عن زاهر السرخسي 4، والساعة اتسع الخرق على الراقع فيما ذكره القاضي، والعلم عند الله تعالى.
وعلى الإنسان أدنى نظر في الجنون؛ فإن الأصحاب أطلقوا كونه مثبتاً للخيار، ولم يراجعوا فيه أهل البصائر، حتى إذا قالوا: إنه مرجوّ الزوال، فلا يثبت الخيار، وإذا قضَوْا بأنه مستحكم يبعد توقع الزوال فيه، فيثبت الخيار إذ ذاك، وهذا لو قيل

به، لكان قريباً؛ نظراً إلى مبادىء الجذام والبرص، والعلم عند الله تعالى.
والعنة من [بين] 1 العيوب مخصوصة بمباحثة وضرب مدة، وفي ذلك باب معقود سيأتي، إن شاء الله عز وجل.
8223 - ومما يتصل بذلك أن الزوج إذا خرج خنثى، فهل يثبت الخيار لها؟ أو إذا خرجت خنثى، فهل يثبت الخيار له؟ فمن أصحابنا من قال: إن تبين أن الزوج رجل قطعاً، فلا خيار ولا حكم لثُقبٍ زائد عليه، ثم يقع النظر في أنه هل يقدر على الجماع أم لا؟ فإن قدر، فذاك، وإن عجز فعنّين.
فأما إذا وقع الحكم بالذكورة عن علامة -على ما أوضحنا الكلام في العلامات في كتاب الطهارة وميراث الخناثى- فللأصحاب اضطراب، وحاصل ما ذكروه أوجه: أحدها - إنه لا خيار إذا [ظهرت] 2 علامة معتبرة في إثبات الذكورة.
والثاني - يثبت الخيار؛ فإن الأمر مظنون، وقد يتبين بخلاف ما نظن.
ومن أصحابنا من قال: إن كان التعويل على إقرار الخنثى بالذكورة وإقراره عن نفسه، فيثبت الفسخ، وإن ثبتت علامة عليها تعويل، فلا فسخ، هذه طريقة.
وإن استيقنّا ذكورة الزوج، ففي ثبوت الخيار خلاف، حملاً على الشهوة والعيافة، وهذا يقرب من مأخذ القاضي.
وقد ذكر صاحب التقريب والعراقيون جميع الطرق التي أشرنا إليها.
8224 - ومما يتصل بهذا المنتهى أن الرجل إذا اطلع على عيب بها، وكان به عيب أيضاًً، فهذا مما سبقت الإشارة إليه، فإن اختلف جنس العيب، ثبت الخيار لكل واحد منهما، وإن اتفق الجنس، ففي ثبوت الخيار وجهان: أحدهما - أنه يثبت؛ فإن الإنسان لا يعاف من نفسه ما يعاف من غيره.
والذي أراه أن الجب في الزوج إذا عارضه الرتق من المرأة، فيظهر ذكر الخلاف فيه؛ فإن الرتق لا يخبث النفس ولا يشين، وإنما فيه الامتناع عن الوقاع، ولا يظهر

أثر الامتناع عليه وهو مجبوب، وكذلك لا يظهر إحالة الامتناع على الجب وهي رتقاء، فلا أقل من إلحاق ذلك بالقول في الرضا تحت الأبرص.
وقد انتجز القول فيما يؤثر من العيوب، وما لا يؤثر.
وقد طمع الأصحاب على تردداتهم فيما ذكرناه أن يطَّرد لهم في اعتبار العيوب ما يؤثر في المقصود، وهذا لا [يستدّ] 1 إلا للقاضي ومن سلك مسلكه.
8225 - ثم نذكر بعد ذلك أن الخيار يثبت لها إذا اطلعت على عيب -مما ذكرناه- بالزوج، ويثبت له الخيار إذا بدا عيبٌ قديم مستند إلى حالة العقد، وإن كان الزوج قادراً على الطلاق.
وخالف أبو حنيفة 2 في إثبات الخيار له، وأثبت الخيار في الجب والعنة فحسب، وقد يثبت الخيار للأولياء، كما سنعقد فيه فصلاً في آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
وإذا ثبت الخيار، كان على الفور، بمثابة خيار الرد بالعيب في البيع، ولا يتوقف نفوذ الفسخ على قضاء القاضي وشهود مجلس الحكم، قياساً على العيوب في البيع، وتختص العنة من بينها بالافتقار إلى مجلس الحكم، كما سيأتي ذلك مشروحاً، إن شاء الله عز وجل.
ولا يتصور انتهاء الأمر في عيوب النكاح إلى الرجوع بالأرش؛ فإنَّ العوض غير معتبر فيه، وإنما يفضي الأمر إلى الأرش في البيع، [لأن] 3 العيب يقتضي غضَّ شيء من الثمن المسمى لانحصار الغرض في البيع على الماليّة، ووضوح ذلك يغني عن بسط القول فيه.
8226 - ثم إنا نذكر بعد ذلك التفصيلَ فيما يفرض متصلاً من العيوب المقترنة بالنكاح، الموجودة عنده، ثم نذكر التفصيل فيما يطرأ من العيوب بعد انعقاد النكاح على الزوجين.

فإذا كان العيب مقترناً بالنكاح لدى العقد، فلا يخلو: إمَّا أن يكون العيب بها أو به، فإذا كان العيب بها، وفسخ الزوج، فيتعلق الكلام بالمهر ونفقة العدة، والسكنى، والمتعة.
فأمَّا المهر؛ فإن جرى الفسخ قبل المسيس؛ يسقط المهر بكماله، وإن كان الفسخ صادراً من جهة الزوج، وهو على تردده وخِيَرته، وذلك لأنه يفسخ العقد [لعيب] 1 فيها - كان بناء العقد على السلامة منه.
وهذا متفق عليه بين الأصحاب، وليس كما لو ارتد الرجل قبل المسيس، فإنَّا نقضي بتشطر الصداق، والفرق بين البابين لائح.
وإن كان الفسخ بعد المسيس، فالمنصوص عليه للشافعي: أنَّ المهر المسمى يسقط، ويثبت لها مهر مثلها؛ لمكان الوطء الذي جرى.
وخرَّج أصحابنا قولاً آخر ظاهراً -رأوه قياساً- وهو؛ إن المهر لا يسقط إذا جرى الفسخ بعد [التقييد] 2 بالمسيس.
التوجيه: من قال بثبوت المسمى وتقرُّره احتج بأنه إذا لم يكن من إثباتِ مهر بُدٌّ، فالمسمى أولى به، ومن وجَّه النص استمسك بقياس الفسوخ؛ فإنه يقتضي رد الأعواض، فليرتدّ العوض المستحق بالعقد، ثم لا سبيل إلى إعراء الوطء عن المهر، وهذا فيه إشكال؛ من جهة أن الفسخ عندنا قطع للعقد في الحال، وليس رافعاً له من أصله؛ استناداً إلى ما تقدم، وإذا كان كذلك، فالوطء يكون جارياً في وقت الاستحقاق، فمقابلته بالمهر الذي يجب على الواطىء بالشبهة 3 بعيد.
وقد عبّر أصحابنا في توجيه القول المنصوص عليه بعبارتين نذكرهما لمسيس الحاجة إليهما في التفريع: قال قائلون: سبب سقوط المسمى، تعلق الفسخ بسبب كان موجوداً حالة العقد، فاستند إلى حالة العقد بالحكم، وإن لم يرتفع به العقد

من الأصل، وجُعل كان الدخول وُجد في غير العقد.
وقال آخرون: الزوج بذل المسمى، وأُلزمه على أن يسلم له البضع زمن العمر من غير ضرر، فإذا لم يحصل ذلك، سقط المسمى، وسيظهر أثر هذا التردد من بعدُ.
هذا قولنا في فسخ الزوج.
8227 - فأما إذا فسخت الزوجة بعيب فيه، فسبيل سقوط المهر على نحو ما ذكرناه.
فإن كان الفسخ قبل المسيس، سقط المسمى، وإن كان بعد المسيس، فعلى المذكورَيْن المنصوص والمُخَرَّج.
ولا بد وأن يختلج في نفس الفقيه الآن نزاع، من جهة أنَّا إن أسقطنا المهر قبل المسيس -وهي الفاسخة- بسبب إنشائها الفسخ، فقياس هذا يقتضي أن يتشطر المهر إذا كان الفاسخ الزوج، اعتباراً بالردة، وإن زعمنا أن إنشاء الزوج لا يشطر؛ لأن الفسخ لعيب فيها، فظاهر هذا يقتضي أن تُعذر المرأة إذا فسخت لعيب فيه.
وليس الأمر كذلك، فلا فرق بين فسخه وفسخها.
والسبب فيه [أنّا] 1 نُسقط المهر استناداً لعيب إلى العقد 2. فإن كان هو الفاسخ، اتضح هذا المعنى، وإن كانت هي الفاسخة، وهَى العقد وضعُف وقعه، وشطر المهر في مقابلة العقد 3، [وهو] 4 شبيه بالمتعة؛ ولهذا لا يجتمع شطر المهر والمتعة في الرأي الأظهر، كما سيأتي -إن شاء الله عز وجل- وليس هذا مأخوذاً من مأخذ الردة؛ فإنَّ الردة إذا طرأت، لم نتبين بها القطع في أصله، وإنما الذي طرأ قاطع جديد.
ثم رأى الفقهاء الفرق بين الزوجين، وتنزيل ردة الزوج منزلة طلاقه، ونسبوا المرأة إلى قطع العقد، وأسقطوا حقها من حق العقد لما كانت هي القاطعة للعقد، والفرق نوعان: أحدهما - يقع بين مسألتين.
والثاني - يقع بين موضوعين وجاحدين، فما

[يقع] 1 بين مسألتين يثبت وينتفي، وينعكس ويطرد، وما يقع بين جاحدين يتبين مأخذ كل جهة، ثم ذلك يوجب الانفصال بنفيين وإثباتين، فهذا ما أردناه.
8228 - والمتعة لا مطمع في ثبوتها مع ما قررناه من انبتات النكاح، واستناد الأمر إلى أول العقد.
وأما النفقة والسكنى إذا نفذ الفسخ، [فإن] 2 كانت حاملاً، ففي ثبوت النفقة قولان مبنيان على أن النفقة إذا ثبتت مضافة إلى المطلقة البائنة الحامل، فالنفقة لها أو للحمل؟ فعلى قولين، سيأتي ذكرهما مشروحاً في كتاب النفقات.
والذي يجب الإحاطة به: أنَّ المطلقة البائنة تفارق التي فُسخ نكاحها من وجهين: أحدهما - أنَّ المطلقة تستحق السكنى في زمن العدَّة قولاً واحداً، وإذا كانت حاملاً تثبت النفقة قولاً واحداً، والاختلاف في أنَّ وجوبها يعزى إلى الحامل، أو إلى حملها.
والتي تفسخ نكاحها لا تستحق السكنى إذا كانت حائلاً، وفي استحقاقها النفقة والسكنى إذا كانت حاملاً قولان، فإن حكمنا بأنَّ النفقة للحامل، لم تستحق؛ لانقطاع أثر النكاح عنها بالكلية، وإن قلنا: النفقة للحمل، فتثبت النفقة حينئذ، والسكنى في معنى النفقة.
وإنما ينفصل الطلاق [عن] 3 الفسخ؛ من جهة أن الطلاق تصرف في النكاح، والفسخ موضوع لرفعه وقطعه.
وسيأتي بيان ذلك في كتاب النفقات.
وجميع ما ذكرناه في العيوب المقترنة بالنكاح.
8229 - فأما العيوب الطارئة بعد انعقاد النكاح على السلامة، فإنا ننظر فيها، فإن طرأت على الزوج، فيثبت الخيار لها، وهذا يعتضد بقياس جلي وعضَدٍ له، فأما القياس فحق الاستمتاع وما يطرأ عليه من تعذر يضاهي حق الانتفاع في الإجارة، ثم ما يطرأ من العيب على العين المستأجرة يُثبت حق الخيار، كما يثبته العيب الذي يطلع

عليه، ولقد كان موجوداً حالة الإجارة.
هذا بيان القياس.
والذي يعضده أنها لو لم تختر، لبقيت في ضرار العيب ما عاشت؛ إذ ليس بيدها مخلص سوى الفسخ، هذا إذا طرأ العيب عليه.
فأما إذا طرأ العيب عليها، ففي ثبوت الخيار للزوج على الجملة قولان: أحدهما - يثبت الخيار وهو اختيار المزني- كما يثبت لها الخيار، وذلك أنها مستحقة المنافع، وهي حَرِيّة بأن تشبه بالمستأجرة في غرضنا.
ولا يظن ظان فرقاً بينهما في العيب الطارىء لا نَعْكس مثله في المقارن.
والقول الثاني - إنه لا خيار للزوج إذا طرأ العيب؛ فإن الطلاق بيده، وقد [سلم] 1 أصل العقد، ولزم على موجب السلامة، والمرأة في وضمع النكاح كالمقبوضة، ومنافعها لا تتبعض تبعّض منافع الإجارة.
والمزني إن استدّ 2 له اختيار القول الأول، فقد لا يجري لنا ما يجري له؛ فإنا نقول: اليسار الطارىء على نكاح الأمة لا يوجب قطعَه، بخلاف اليسار المقترن بنكاح الأمة، وذلك لأنّا نعتقد الأمة مسلّمة مقبوضة بالنكاح، ونجعل ما يطرأ بمثابة ما يقع بعد تمام الاستيفاء.
ثم ما أطلقناه من حدوث العيب، فهو -مما يجري عليها- جارٍ بلا تفصيل.
وأما ما يطرأ عليه؛ فلا بد من استثناء العُنَّةِ منه؛ من جهة أن الزوج إذا وطىء ثم عنّ، فلا خيار للمرأة، وتفصيل ذلك يأتي -إن شاء الله تعالى- في باب العُنَّة، فإنها بطباعها ووضعها تنفصل عن العيوب بوجوه ستأتي مشروحة في بابها، إن شاء الله عز وجل.
فيخرج عنه أن العنَّة إذا طرأت بعد الدخول، فلا خيار، وإن طرأت قبل الدخول وبعد النكاح؛ ففيها نظر على الضدّ، فيتجه أن [نلحقها] 3 بما يقترن بالعقد، بخلاف البرص والجذام والجنون، فليتأمل الناظر هذا المحل.
ويحتمل أن يكون طارئها بعد الدخول كطارىء البرص.
وإذا طرأ الجَبُّ بعد الدخول، فالمذهب أن طريانه كطريان البرص.
ومن أصحابنا

من ألحق طريانه بطريان العنة، وهذا غير سديد وإن حكاه القاضي.
8230 - فإذا تبين ما يتعلق بالخيار في العيب الطارىء عليها، فإنَّا نتكلم بعد ذلك في سقوط المهر ونقول: إن جرى الفسخ قبل المسيس، فلا شك في سقوط المسمى، سواء كانت هي الفاسخة، أو كان الزوج هو الفاسخ على أحد القولين.
وإن كان ذلك بعد المسيس، فإن قلنا: يجب المسمى والعيب مقترن بالعقد، فلا شك أنّا نوجب المسمى في العيب الطارىء، بل إيجاب المسمى هاهنا أولى، وإن فرّعنا على النص في العيب المقترن، وأوجبنا مهر المثل؛ ففي المسألة ثلاثة أوجه في العيب الطارىء: أحدها - أنّا نوجب مهر المثل طرداً للقياس، ومصيراً إلى أن الفسخ يقتضي ارتداد العوض المسمى في العقد.
والوجه الثاني - أنه يجب المسمى في العيب الطارىء؛ لأن الذي اعتمدناه في توجيه النص والفسخ مستندٌ إلى العيب المقترن أن العيب المقترن بالعقد يُلحق العقد بالذي لم يكن، فإذا لم يتحقق الاقتران، فلا شيء لإسقاط المسمى في [العقد] 1 وأنه لا بدّ من إثبات مهر.
والوجه الثالث - أن العيب إن طرأ بعد المسيس، وجب المسمى وامتنع سقوطه، فإنَّه تقرر على السلامة، فيبعد سقوطه بعد التقرر، وإن طرأ العيب قبل المسيس، فيجب حينئذ مهر المثل، ونجعل اقتران العيب بالوطء المقرر بمثابة اقترانه بالعقد.
وقد انتجز القول في الفسخ المقترن والطارىء وسقوط المهر قبل المسيس وبعده.
ونعقد نحن وراء ذلك فصلاً هو غائلة الباب، ويتوقف على دركه سر القول في المهر.
فصل 8231 - إذا غرِم الزوج المهر بعد المسيس -على ما سبق التفصيل فيه- فهل يثبت له الرجوع على [الولي] 2 بما غرم؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يثبت له الرجوع عليه، والثاني - يرجع، والقولان في هذا الباب يستندان إلى قولين سيأتي ذكرهما في باب

الغرور، إن شاء الله تعالى، وهو أن المتعاطي التزويج إذا غرّ الزوج بحرية الزوجة، وانعقد النكاح على الغرور -على أصح القولين- وغرِم المهر -لما وطىء- للسيد، فهل يرجع بالمهر على العاقد الغارّ؟ فعلى قولين، سيأتي ذكرهما، إن شاء الله عز وجل.
فإن قلنا: لا يرجع المغرور بما غرمه من المهر على من غرّه، فلا يرجع الزوج في هذه المسألة على الولي.
وإن قلنا: يرجع المغرور على الغارّ، فهل يرجع الزوج بما غرمه على الوليّ الذي زوّج من بها عيب؟ فعلى قولين: أحدهما وهو القياس -أنه لا يرجع؛ فإنه قد شرع في النكاح على أن يتقوم عليه البضع، وقد استوفاه وتقوَّم عليه، فكان رجوعه على الولي وهو مطالب بعوض ما التزم عوضه، وقد استوفاه- بعيداً.
والقول الثاني - إنه يرجع على الولي المزوج، وهذا القول لا يوجه بمعنًى، وإنما التعويل فيه على ما رواه الشافعي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أن 1 عمر بن الخطاب قال: "أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها، فلها صداقها، وكذلك لزوجها غرم على وليها" 2. 8232 - ثم قال الأئمة: القولان يجريان إذا كان الولي عالماً بالعيب، فلم يتعرض له، وعقد العقد مطلقاً، فلو كان جاهلاً بالعيب، ففي المسألة وجهان: أحدهما - القطع بأنه لا رجوع على الولي؛ لأنه لم يوجد من جهته تصريح بالتغرير ولا كتمان، ومن أصحابنا من أجرى في هذه الصورة القولين المذكورين، واعتل بأنه إذا بطل والغرم إلى الولي، فلا معنى للفصل بين العلم والجهل، فإنَّ الأسباب المقتضية لضمان المال والمرجع به لا يفرق فيها بين علم الغارم [وجهله] 3. التفريع على هذين الوجهين: إن حكمنا بأن الولي إذا كان جاهلاً بعيب المرأة؛ لم

يثبت الرجوع عليه قولاً واحداً، فلا كلام.
وإن حكمنا بأن الرجوع على الولي يثبت مع كونه جاهلاً بعيب المزوّجة، فالقولان يجريان فيه إذا كان الولي مَحرماً، وهل يجريان إذا لم يكن محرماً للمزوجة؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنهما لا يجريان في غير المحارم؛ فإنه إنما يتحقق للانتساب إلى التفريط ترك البحث في حق المحارم، فيصير ترك البحث في حق المحرم تقصيراً حالاًّ محل إنشاء العقد مع العلم بالعيب، فأما من ليس محرماً؛ فإنه يبعد اطلاعه، فلا ينتسب إلى التقصير بترك البحث عن حقيقة الحال.
والوجه الثاني - إن القولين يجريان في غير المحرم جريانه في المحرم؛ فإنَّ التعويل في إثبات الرجوع على الولي على الأثر الذي نقله الشافعي عن عمر في صدر الباب، وليس فيه فصل بين ولي وولي، كما ليس فيه فصل بين العالم والجاهل.
8233 - ومما يتعلق بهذا المنتهى، أنا إذا قلنا: إنما يغرَم الولي إذا كان عالماً بالعيب وزوّج، ولو كان جاهلاً، لم يثبت عليه مرجع، فلو كتمت المزوَّجة عيبَ نفسها، فهي بكتمانها حَالَّةٌ محل الولي المزوِّج مع العلم بالعيب، ففي ثبوت الرجوع فيها القولان المذكوران في الولي العالم بالعيب.
وسنذكر في باب الغرور أن المرأة إذا كانت هي الغارَّة، ففي الرجوع عليها من الكلام ما في الرجوع على المزوِّج الغارّ.
ثم إن رأينا الرجوع، والمرأة هي الكاتمة، وهي التي وطئها زوجها، فإذا أثبتنا الرجوع عليها، فلا معنى للغرم [لها] 1، وذكرنا الرجوع تقدير يُفضي معناه إلى أنه لا يغرم لها؛ فإنها حلت محل من ثبت الرجوع عليه، والجمع بين الغرم [للشخص] 2 وبين الرجوع بما يغرم له متناقض.
8234 - فإذا أحللناها محل من يرجع عليه، فهل نقول: يدع إليها شيئاًً من المهر يستحل به البضع؟ فعلى وجهين: أحدهما - إنه يجب ذلك؛ فإنها لو لم تستحق شيئاًً من المهر، لكان إعراء الوطء عن العوض إحلالاً له محل السفاح.

والثاني - إنه لا يغرم لها شيئاًً؛ لانتسابها إلى التغرير بالكتمان، واقتضاء التغرير الرجوع لا يختص بجزءٍ من المهر دون جزء، وخلو الوطء عن المهر لا يعدم [نظيراً] 1 في الشرع.
فإن قلنا: يترك إليها مقداراً، فهو أقل ما يتمول، وقد تكلمنا في ذلك في مواضع من الكتاب، وإن قلنا: لا يترك إليها شيئاً، فللأصحاب نوع من الكلام في التقدير والإسقاط في مثل تزويج الرجل أمته من عبده، فلا شك أن السيد لا يثبت له مهر أمته على عبده ثبوتاً يطالب به في الحال، أو في المآل، ولكن هل نقول: هل يثبت المهر تقديراً أو سقط كما 2 ثبت؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي وغيره، وهذا يضاهي اختلاف الأصحاب في أن الأب إذا قتل ابنه، فهل نقول: يلزمه القصاص؟ ثم يسقط بتعذر استيفائه، أو نقول: لا يلزمه القصاص أصلاً؟ تردد فيه الأصحاب.
فإذا كان لهذا النوع من الخلاف جريان، فأحرى المواضع بها ما نحن فيه من تصدي المرأة للغرور، أو لما في معناه؛ فإن حق الرجوع إذا ثبت وتضمن تقدير المطالبة بما به الرجوع، فهل يقدر الوجوب فيما يثبت به الرجوع به أولاً؟ فعلى وجهين.
وجريانهما في هذه الصورة أوجه من جريانهما في الأمة يزوّجها مولاها من عبده.
ويكاد يكون الثبوت في المهر مع ثبوت الرجوع حالاًّ محل ما يجري فيه التقاصّ من الحقوق المقابلة.
فهذا حاصل القول في الرجوع على المولى وما يتصل به.
ولولا أثر عمر بن الخطاب، لما انتظمت هذه المسائل؛ فإن المعنى لا يشير إلى تنزيل الولي المزوّج منزلة الغارّ المصرِّح بالتغرير.
8235 - ثم أجمع الأصحاب على أن ما ذكرناه من إجراء القولين في الرجوع على الولي المزوّج فيه إذا كان العيب المثبت للخيار مقترناً بالعقد، فأما إذا عري العقد عن اقتران عيب به، وانعقد على سلامتها، ثم طرأ عيب، وجرينا على إثبات الخيار

للزوج، فإنه لا يرجع بما يغرم في هذا المقام، قولاً واحداً؛ من جهة أن الولي إن كان ينتسب إلى مضاهاة الغارّ، فذاك إنما يتصور حالة إنشاء العقد، فأما ما يطرأ على العقد من العيوب، فلا يتقرر معنى الرجوع في حق الولي تقديراً ولا تحقيقاً.
ويتصل بهذا الفصل ضبط وتنبيه، سيأتي مشروحاً في باب الغرور، إن شاء الله تعالى.
فرع: 8236 - المرأة إذا اطلعت على عيب من زوجها، وأثبتنا لها الخيار لمكان ذلك العيب؛ فلو رضيت بالمقام تحت زوجها، فهل يثبت لأوليائها حق الاعتراض على العقد بالفسخ؟ ذكر بعض أئمتنا ثلاثة أوجه: أحدها - لهم الفسخ من غير فصل بين عيب وعيب؛ فإن العار يلحقهم بكونها تحت معيب، من غير فرق.
والوجه الثاني - إنه لا يثبت لهم حق الاعتراض إذا رضيت؛ فإن العيوب المثبتة لحق الفسخ إنما تؤثر في حق الزوجة، وهي المختصة بالتضرر بها، وإنما ينال الأولياءَ العارُ من خساسة الأنساب، وما يقع فيها من غض وحطيطة.
والوجه الثالث - إنه يفصل بين الجب والعنة وبين غيرهما، فلا يثبت الخيار للأولياء في الجب والعنة؛ فإن ضررهما مختص بالمرأة، فأما الجنون والجذام والبرص، فيثبت للأولياء حق الاعتراض بسببها إذا ثبت شيء منها.
وسلك العراقيون مسلكاً آخر، فقالوا: لهم الاعتراض بسبب الجنون، ولا اعتراض لهم بسب الجب والعنة، وهل لهم الاعتراض بسبب الجذام والبرص؟ فعلى وجهين.
وهذا التفصيل الذي ذكروه أحسن ما وقع.
ثم كل ما ذكرناه في العيب المقترن بالعقد، فأما ما يطرأ بعد العقد، فإذا رضيت المرأة به، واختارت المقام تحت الزوج معه 1، فلا اعتراض للأولياء، اتفق الأصحاب عليه، وزعموا: إنما يثبت للأولياء حق الاعتراض بما يستند إلى حالة العقد ويقترن به، فأما ما يطرأ عليه؛ فلا حق لهم فيه.

8237 - ومن تمام التفريع فيما ذكرناه أنا حيث نثبت للولي الاعتراض وإن رضيت المرأة، فلو [دعت] 1 المرأة ابتداء إلى التزويج من شخص عيّنته، وكان به أحد العيوب، فإن قلنا: للولي حق الاعتراض وإن رضيت، فلا يجيبها إذا طلبت ودعت إلى التزويج منه، وحيث قلنا: لا يثبت حق الاعتراض في بعض العيوب التي فَصَّلناها، فإذا دعت المرأة وليَّها إلى التزويج ممن به مثل ذلك العيب؛ فعلى الولي إجابتها، فإن لم يجبها كان عاضلاً.
ثم ذكر الشافعي لفظة في السواد 2، فتعرض الأصحاب لها، وذلك أنه قال: "الجذام والبرص -فيما زعم أهل العلم بالطب- يُعدي، فلا تكاد نفس أحد تطيب بأن يجامع من هو به، وأما الولد، فقل ما يَسلَم، وإن سلم، أدرك ذلك نسلَه، فنسأل الله العافية".
هذا ما نقله المزني من لفظ الشافعي.
فإن قيل: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر" 3 فنفى العدوى وقد أثبتها الشافعي، [فكان] 4 ذلك مخالفاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: إنما نفى الرسول صلى الله عليه وسلم العدوى من شخص إلى شخص، ومن جليس إلى جليس، والذي ذكره الشافعي تعرض للعدوى إلى النسل والولد، وفي الحديث ما يدل على أن فعل ذلك غير ممتنع على طرد العادة، والدليل عليه ما روي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاماً أسودَ، فكان ما قاله تعريضاً بها وبإتيانها الولد لا عن رِشْدة، فقال صلى الله عليه وسلم: "هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حُمر، فقال: هل

فيها من أَوْرق؟ قال: نعم.
قال: ذاك من أين؟ قال السائل: لعل عرقاً نزعه.
فقال صلى الله عليه وسلم: فلعل عرقاً نزعه" 1، فبيّن أن العرق [نزّاع] 2، وأن العدوى في الخِلقة وصفات البدن من الأصل على الفرع ليس بمستنكر.
فصل قال: "ولو تزوجها على أنها مسلمة، فإذا هي كتابية، كان له فسخ النكاح ... إلى آخره" 3. 8238 - نقل المزني عن الشافعي أن من نكح امرأة، وشرط كونها كتابية، فخرجت مسلمة؛ قال: لا خيار للزوج.
ثم كان المزني سمع الشافعي يقول: لو اشترى عبداً وشرط كونه كتابياً، فخرج مسلماً، له الخيار، فأخذ ينكر ذلك في البيع، يصير إلى أن لا خيار، واستشهد بما نقله عن نص الشافعي في النكاح، فقال الأصحاب: أما إذا اشترط الإسلام في التي تزوجها، فخرجت كتابية، فهذا من باب الخُلف في الوصف.
وسنذكر في باب الغرور -إن شاء الله تعالى- أن الخلف في الوصف هل يمنع انعقاد النكاح؟ وفيه قولان، فإن حكمنا بأن الخلف في الوصف يوجب فساد النكاح، فلا فرق بين أن يشترط الإسلام، فيظهر أن الزوجة كتابية، وبين أن يشترط كونها كتابية، فيظهر أنها مسلمة.
والقولان في الفساد والصحة يجريان في الخُلف من فضيلة إلى نقيصة ومن نقيصة إلى فضيلة.
وإن حكمنا بأن النكاح ينعقد، فالنص دال على أنه إذا شرط كونها مسلمة فخرجت

كتابية؛ فله الخيار، ولو شرط كونها كتابية، فإذا هي مسلمة؛ فلا خيار له.
فاستدل المزني بنص الشافعي في النكاح وقال: إذا اشترى عبداً على أنه كتابي، فإذا هو مسلم؛ وجب أن لا يثبت له الخيار بخُلف هذا الشرط، وإنما يُثبت الخلفُ الخيارَ إذا اشترى عبداً وشرط أنه مسلم، فخرج كتابياً، وقد نقل عن الشافعي إثبات الخيار في شراء العبد في الطرفين - إذا تحقق الخلف في الشرط، من غير فرق بين أن يكون المشروط هو الإسلام أو الكفر.
8239 - واختلف أصحابنا فيما ذكره المزني، وفيما استشهد به فقالوا أولاً: إذا شرط في النكاح كون المرأة كتابية، فخرجت مسلمة؛ فلا خلاف أنه لا خيار للزوج فإنها خرجت خيراً مما شرط، وكل غرض يستباح بالنكاح في الكتابية، فهو مستباح من المسلمة.
وإذا اشترى عبداً وشرط كونه مسلماً، فخرج كتابياً؛ فلا خلاف في ثبوت الخيار.
وإذا اشترى على شرط أن يكون كتابياً، فخرج مسلماً، فهذا موضع تردد الأصحاب، وحاصل ما ذكروه ثلاثة أوجه: أحدها - أن الخيار يثبت؛ فإن المقصود في الرد راجع إلى المالية، وقد يكون الكفر في المملوك من الأغراض المالية بأن يُبضع 1 المشتري العبدَ في جهة ديار الكفر، ويقدّر أنه [يروج] 2 عليه.
وقد يتعلق الفكر بنوع آخر وهو أن الكافر يطلبه المسلم [وغير المسلم] 3، والمسلم لا يطلبه إلا المسلم، ولو طلبه غيرُ المسلم لم يُسْعَف ولم يُبَع منه، ورواج الشيء بكثرة الراغبين، كما أن وقوفه بقلة الراغبين، هذا وجه.
ومن 4 أصحابنا من قال: إن كان الموضع الذي جرى فيه الشراء قريباً من ديار

الكفر، فكان يُتوقع أن يطرقوا ذلك الموضع، [فيرغبوا] 1 في العبد الذي يوافق دينهم؛ فيثبت الخيار، وكذلك إن اتفق ذلك في بلد يكثر فيه أهل الذمة، فأما إذا جرى في موضع بعيد عن ديار الكفر، [ولا يكثر الكفار وأهل الذمة فيه] 2، فإذا كان شَرَط الكفر في العبد، فخرج مسلماً، فلا خيار - والحالة هذه.
وهذا ما اختاره القاضي.
ومن 3 أصحابنا من وافق المزني ورأى مذهبه قولاً مُخَرَّجاً معدوداً من النظر إلى الأغراض المالية؛ فإنَّ القيمة إن كانت تزيد، من جهة رغبة الكفار، فتيك رغبة باطلة مستندها الكفر وتحسينه، واعتقاد كونه حقاً، فيكاد أن يكون ذلك المزيد بمثابة ثمن الخمر.
هذا بيان الأوجه.
8240 - وبقية الكلام أن هذا العبد لو أُتلف، فمذهب جماهير الأصحاب أنه يجب على المتلِف أن يغرم قيمته اعتباراً بما يقف 4 به، وإن كان بأكثر مما يُشترى به المسلم.
وذهب المزني ومن يوافقه أن ذلك المزيد لا يُضمن لما أشرنا إليه، وهو بمثابة ازدياد قيمة الجارية بأن تصير عوّادة 5. فلا يخفى أن القَيْنة 6 تُشترى في العادة بضعف ما تشترى به الجارية الناسكة، ومن اشتراها لم [يتعرّض] 7 إليه، فإن الشراء يرد على

عينها، ولكن لو [أتلفت] 1 لم يضمن مُتلِفها إلا قيمة مثلها لو كانت لا تحسن الغناء.
وقد ذكرنا طرفاً من هذا في المعاملات، وستكون لنا عودة إليه في الجنايات، إن شاء الله تعالى.
...

باب الأمة تغرّ من نفسها

8241 - قد ذكر الأصحاب حكم الغرور بالنسب فيما تقدم، ونحن أخرناه إلى هذا الباب؛ حتى نأتي بأحكام الغرور مجموعة، والرأي أن نذكر حكم التغرير بالحرية ونستوعب ما فيه، ثم نذكر التغرير بالدين مع ما يتعلق به، ثم نذكر التغرير بالنسب وما يتعلق به من الصفات المرعية في الكفاءة.
8242 - فإذا غُرَّ أحد الزوجين بحرية صاحبه، فلا يخلو إما أن يُغر الرجل بحريتها، أو تغر المرأة بحرية الرجل، فإن غُرّ الرجل بحريتها، ولا يتصور ذلك، أولاً من جهة المولى؛ لأن المولى إذا ذكر حرية أمته، عَتَقَت، فالوجه فرض التغرير من وكيل الولي، بأن يزوّج وكيلُ الولي بأمر المولى، فيذكر الوكيل من تلقاء نفسه أن المزوّجة حرة.
فهذا الأصل لا تتضح الأغراض فيه إلا بتقاسيم، وإذا رتبنا التقسيم في حقه، أَحْوَجَنا الترتيبُ إلى إعادة أحكام؛ حتى تجري الأقسام على انتظام، فليحتملها الناظر؛ [فإنا لا نُخلي معاداً مما هو مستجد] 1 مستفاد، إن شاء الله تعالى.
8243 - والذي نرى تصدير الفصل به -قبل الخوض في التفاصيل- الاعتناءُ بتصوير التغرير؛ فإنه لم يهتم بهذا أئمة المذهب، ولعل الأولين عولوا على فِطَن الطلبة وأبهموا، ثم تناسخت الأعصار، [فصار] 2 ما استهانوا به معضلةً في صدور أهل الزمان، ونحن لا نجد بداً من تقرير الإشكال، وتوجيه فنونٍ من السؤال، ومعارضتها بما يمكن من طريق الانفصال، حتى تنفتح نواظر البصائر، وإذ ذاك نأتي بالحق المبين، والله ولي الإعانة.
فنقول أولاً: التغرير في ظاهره شرط حرية الزوجة، وقد تمهد في أحكام العقود،

ومقتضى المعاملات أن الشرائط إنما تؤثر إذا ذكرت في صلب العقود، فلو أجرى المتعاقدان شرائط قبل الإقدام على العقد، ثم لما عَقدا العقد بالإيجاب والقبول، عرّياه عن التعرض عما كانا [تفاوضا] 1 فيه من الشرط فيما تقدم، [فالشرط] 2 لاغٍ، والعقد مجرى على الإطلاق بالاتفاق.
وموجب هذا الأصل يقتضي أن يجري شرط الحرية بين الإيجاب والقبول في النكاح، ولكن لا سبيل إلى القول بذلك، وقد نص الشافعي على أن الأمة إذا كانت هي الغارّة، فيثبت الحكم بتغريرها، ويترتب على ذلك من أحكام الغرور ما سنصفه، إن شاء الله عز وجل.
وإذا كان يتصور التغرير منها وليست عاقدةً، ولا يتعلق بها من شِقّي العقد شيء، فيتبين بهذا أن التغرير ليس مما يجري إجراؤه في صلب العقد؛ إذ لو كان ذلك مرعياً، لما صدر التغرير إلا من عاقد.
وإن تكلف متكلف وفرض [ذكرَ] 3 الوكيل في التزويج تغريرها في معرض الحكاية، كان ذلك هذياناً؛ فإنه وكيل من جهة المالك بحق الملك، فكيف ينتظم منه ذكر الحرية حكايةً؟ وقول الأمة -وهي مجبرة على النكاح- كيف يغيّر العقد، وليس إليها من العقد شيء؟ [أفلا] 4 يتضح لكل ذي فهم أن تصوير التغرير من الأمة والمكاتبة، يُبيِّن أنا لا نقف صورة التغرير على إجرائه بين الإيجاب والقبول؟ ويجوز أن يذهب ذو الذكاء والفطانة من طريق المعنى إلى أن اشتراط كون العبد المبيع كاتباً لا يرعى فيه الإقرار بالعقد، وذلك أن الغرض من شرط كون العبد كاتباً إعلام المشتري بذلك؛ فإن العقود مبنية على ظاهر العلم بالسلامة، فكفى ذلك، وكان سبباً في إثبات الخيار عند ظهور نقيض السلامة، والفضائل ليست تنضبط بعادة مطردة، فيصير ذكر البائع لها بمثابة اطراد العادة في حِسْبان السلامة من العيوب، وإذا كان كذلك

[فقد] 1 يخطر في مجاري فكر الفطن أن ذكر مَنْقبةٍ في العقد على الاتصال بالعقد قبل الإقدام على شقيه يثبت الخيار إذا تحقق الخُلف فيه، وقد يشهد لذلك التصريةُ والتحفيل؛ فإن ما ترتب عليه من ظن غزارة اللبن يضمن الخيار إذا أخلف الظن، والتصرية متقدمة إنشاءً وفعلاً.
ثم من أساليب الكلام في هذا الفن أن يقول الفقيه: الشرط الذي يُرعى اقترانه بالعقد هو الشرط المفسد؛ فإنه إذا قرن بالعقد، صار كيفيةً في العقد وصفةً فيه، وليس هو من قبيل الإعلام حتى يُكتفى فيه بسابق يغلب على الظن [تحققه.
هذا] 2 مسلكٌ.
وقد يتصل به أنا إذا منعنا شراء الغائب؛ ثم أقمنا تقدم الرؤيةٌ مقام الرؤية المقترنة، وقلنا: لو تقدمت رؤيةٌ وتخلل بينها وبين العقد زمن لا يغلب فيه تغير المبيع، ثم اتفق أن المشتري [الباني] 3 على الرؤية المتقدمة صادف المبيع متغيراً؛ فله الخيار، وإن لم يكن التغير إلى عيب، ونزّل المحققون الرؤية المتقدمة منزلة اشتراط المناقب والفضائل مع اختلاف الشرط، فهذه رؤية تقدمت، وهي مشبّهةٌ بالشرط، فأشعر هذا الترتيب بما ذكرناه من حِسبان تقدم الشرط في مناقب المبيع مؤثراً.
هذا نجاز هذا النوع من الكلام.
8244 - وقد يعارض هذا كلامٌ أفقهُ منه، وهو أن الفضيلة المشروطة لا تنزل منزلة السلامة الغالبة المعتقدة في المبيع؛ فإنَّ التعويل في هذه المنقبة على قول المخبر، وقوله متردد بين الصدق والكذب، ولو كان سمع مشتري 4 العبدِ عُدولاً يُخبرون عن كتابة عبدٍ، فبنى الشراء عليه، ثم تبين اختلاف الظن؛ فلا خلاف أنه لا يملك الفسخ.
وقول العدول الذين لا غرض لهم في ملك الغير أحرى بتغليب الظن من قول الفاسق البائع المتهم [بأنه] 5 يُروِّج متاعَه، وهو على شفا 6 وغارّ، فلا يحصل الإعلام

بهذا، وإن قال القائل: [ألسنا] 1 نعتمد في صحة البيع قولَ البائع في أن المبيع [ملكُه] 2، وقولَه في أن ما يبيعه لحم مُذَكَّاةٍ، قلنا: لأجل هو كذلك، وليس هو لإثارة قوله علماً وظناً، ولكن اضطررنا إلى تنزيل العقود على أقوال العاقدين؛ فإنا لو كُلِّفنا غير ذلك في العقود؛ لعظم الأمر، وشقَّ المأخذ.
والذي يقتضيه الفقه أن الفضيلة إنما تصير مشروطة بالتزامها وإنما يتحقق التزام صفة المبيع حالة البيع، فسبيل اقتضاءِ الشرطِ الخيارَ هذا لا غير.
8245 - فإذا تنبه الناظر لهذه المسالك، جاز أن نقول بعدها: أما الشرط المفسد للعقد، فإنما يؤثر إذا اقترن بالعقد لما ذكرناه، ولو قُدِّم على الاتصال، فالمذهب أنه لا يؤثر، وفيه وجه بعيد: إنه يؤثر؛ أخذاً من مسألة مهر السر والعلانية.
وشرطُ الخيار في العقد، وكذلك شرط الأجل وقتها وقت الشرط المفسد، فأما شرط فضيلة في المبيع، فالذي قدمناه من الإعلام ترديد القول فيه توطئةً لطرق الكلام، والمذهب المبتوت أنه لا بد من الالتزام، ولو قدم شرط الفضيلة في النكاح، انقدح فيه الوجه الضعيف المذكور في مهر السر والعلانية.
وأما ما مهدنا به في تمهيد الكلام من التصرية، فلا متمسك به من وجهين: أحدهما - أن مسألة المصراة [خبرية] 3، فلا ينبغي للقياس أن يبسط فيها، والآخر أن كثرة [اللبن] 4 محسوس في الحال، والنظر [مَزْوِيّ] 5 مطوي عما يفرض من تحفيل وتصرية، وأما مسألة تقدم الرؤية في تفريع الغائب؛ فسبب الخيار ضعف الرؤية وانحطاطها عن إفادة العلم حالة العقد بسبب ما طرأ من التغير، فَلْيُقرَّرْ كل أصل على موضوعه.
هذا قولنا في البيع وما شرط فيه، وكذلك ما في معناه من عقود المعاملات.

8246 - وأما النكاح؛ فالقول في الشرائط المفسدة له كالقول في الشرائط المفسدة للبيع، لا يختلف وقت الشرطين في العقدين.
وأما الغرور، فلست أراه -أحسن اللهُ إرشادكم- من باب الشرائط.
ومن وُفِّقَ لرُشده، تبين له من ترجمة الباب ذلك؛ فإنَّ الباب مترجم بالغرور، فلا ينبغي أن يلحق في وضعه بالشرائط وأحكامها ومواقيتها، ويجب أن يقال: إذا جرى التغير قبل العقد متصلاً، ارتبط به حكم الغرور، وسأصف الاتصال ومعناه.
ويخرّج على ذلك صدَرُ 1 التغرير من الأمة والمكاتبة.
ثم ليعلم الناظر أن أجنبياً لو ذكر حرية أمة، وابتنى العقد عليه، فلا يتعلق بقول ذلك الأجنبي مرجع في غرم، وإنما يثبت حكم التغرير على الكمال إذا صدر من عاقدٍ أو معقود عليه، أما العاقد، فهو الذي غرر، ثم أوقع المغرور في العقد، وكان محقِّقاً تغريرَه، وأما المنكوحة فبها اتصال العقد، فلها حظ في مستمتع العقد، فظهر تصديها للتغرير من حيث دعت إلى نفسها.
والذي يحقق ذلك أنا قدّرنا قولين في باب العيوب في الرجوع على الأولياء، ولم يصدر منهم شرط والتزامه، وقاعدة التغرير مشهورة، ومن صورها أن يقول صاحب اليد في الطعام لمن يقدمه إليك: "دونك فكُلْه"، أو "هذا طعامي فتناوله"، فهذا تغرير ولا عقد.
ثم إذا وجهنا قولاً على قول في التغرير بتقديم الطعام، استمسكنا بالتغرير في النكاح.
هذا تمام ما أردناه.
ولو أنصفنا لقلنا: الرأيُ لا يُسلّطُ على الرجوع على الغارّ في النكاح، ولكن إنما صرنا إلى ما صرنا إليه لقضاء عمر واتفاق الناس على اتباعه، والنكاح أيضاً على حال مُخطرٍ 2، وهو معقود للأبد، معدود من أسباب النسل، فخُصّ في الشرع بالتغليظ على [المغرِّر] 3 فيه، وأمّا البياعات؛ فإنها معاملات تجري يداً بيد، فمدارها على الالتزامات.

والذي يحقق الغرض من ذلك أن الوكيل مُزوِّجَ الأمة إذا ذكر حريتها من عند نفسه، فقوله هذا لغو ولا يتحقق منه التزام، على خلاف إذن المالك، ففي مُقرَنه من الإشكال ما في متقدمه، فهذا في غاية البيان.
8247 - وتمامه بذكر الاتصال وشرحه، فإذا ذكر الرجل أن فلانة حرة، ولم يقصد بهذا تحريضَ سامعٍ على نكاحها، ثم اتفق من ذلك السامع نكاحها بعد أيام، وقد تعاطى تزويجَها من كان يذكر حريتها بتوكيل المالك إياه؛ فلست أرى هذا تغريراً، والرجوع فيه إلى العُرف.
ولو جرى ذكر الحرية في معرض الترغيب في النكاح، ثم اتصل به التزويج، بحكم الوكالة من المغرِّر، فهذا هو التغرير في حقه.
وإن اقترن ذكر الحرية، وشرطُها بالعقد، فهو الذي لا كلام فيه؛ فإنه على أقصى نهايات الاتصال.
ولو جرى ذكر الحرية لا في معرض تحريض الحاضر على [الزواج،] 1 ثم اتفق على القرب العقدُ، فهذا فيه تردد.
وكذلك لو جرى ذكر الحرية في معرض التحريض، ثم جرى عقد النكاح بعد تخلل زمان يُعدّ مثله فاصلاً لما مضى عما أتى به من العقد؛ فهذا على تردد.
ومهما 2 نيط الأمر بمجاري العادات، فمحل القطع فيها على النفي والإثبات بيّن، ومحل التردد فيها يفضي إلى التردد في الحكم، والأمة إذا ذكرت حرية نفسها، فالقول في اتصال كلامها وانفصالها على ما ذكرناه.
وقد انتجز المقصود في تصوير الغرور، ولم يبق منه شيء إلا أمر واحد، وهو أن الأئمة ذكروا قولين في أن شرط الحرية إذا أخلف، هل يوجب فساد النكاح؛ على ما سنذكره -إن شاء الله تعالى- وهذا مخصوص بالشرط المقترن لا محالة؛ لما مهدناه من أن الشرائط المؤثرة في الإفساد لا بد وأن تفرض مقترنة بالعقد؛ فإنهم ذكروا التغرير وقرنوه بإجراء القولين في فساد العقد، ولكن يمكن حمل هذا على ما إذا جرى

التغرير مقترناً.
وإن جرى متقدماً، لم ينقدح فيه الفساد إلا على الوجه الضعيف في مهر السر والعلانية، وهذا التردد لا يعارض ما ذكرناه من تغرير الأمة بنفسها، وليست عاقدة.
هذا مضطربي في تصوير التغرير، وقد نبهت للنظر في ذلك كلَّ فطن، فمن عثر على مزيد، فليلحقه بحاشية كتابنا مأجوراً، إن شاء الله عز وجل.
8248 - وقد عاد بنا الكلام إلى حكم التغرير فإذا غرّ وكيلُ المولى في تزويج الأمة بحريتها، فلا يخلو المزوَّج بها إما أن يكون حراً أو عبداً، فإن كان حراً، نُظر إن كان ممن لا يحل له نكاح الإماء؛ فالنكاح باطل، وإن كان ممن يحل له نكاح الإماء، وقد جرى التغرير شرطاً؛ ففي انعقاد النكاح قولان إذا تحقق الخُلف في الشرط.
وهذان القولان يجريان في كل خُلف يفرض في حقه مشروطاً من الناكح أو المنكوحة، ولا فرق بين أن يتفق الخُلف من كمال إلى نقصان، وبين أن يتفق الخلف من نقصان إلى كمال، أو من صفة إلى أخرى تماثلها في مراتب الفضائل.
توجيه القولين: من قال: يصح النكاح -وهو الأصح- وإليه صار أبو حنيفة 1 واختاره المزني، احتج بأن اختلاف الشرط لا يثبت فساد البيع مع تعرضه لقبول الفساد بكل شرط فاسد متعلق ببعض مقاصد البيع، ثم لم يفسد باختلاف الشرط؛ فلأن لا يفسد النكاح أولى، وفقه التوجيه أن المعقود عليه متعيَّن في البابين، فالمنكوحة متعينة وهي ذات صفات، والعين لا تتبدل بفرض خُلف في الصفة، وكذلك العبد متعيَّن في البيع لا يفرض تبدله باختلاف شرط متعلق بصفة.
ومن قال بفساد النكاح استدل بأن مدار النكاح في العادات على الصفات؛ فإن المرأة لا [تُعايَن] 2 عرفاً، وإنما يَتوصَّل طالبُ الحظ منها إلى غرضه بالوصف، فإذا فرض الخُلف في الوصف، كان ذلك اضطراباً في الطريق المعتاد في درك الأغراض من المعقود عليه، وإن كان مورد العقد المرأة، ذات صفات، ولكن التعويل في العادات

على الصفات؛ فإذا اضطربت، جرَّ اضطرابها فساداً.
وقرّب بعض الأئمة اختلاف القولين في ذلك من الإتيان باسمٍ يخالف اسمَ المبيع مع الإشارة إليه، مثل أن يقول: "بعتك هذه الرّمَكَة 1 والمبيع بقرة: من أصحابنا من حكم بإفساد العقد لاضطراب اللفظ، ومنهم من صححه تغليباً للإشارة والتعيين.
وهذه المسألة بعيدة عما نحن فيه؛ من جهة أن الرَّمَكة لفظة تشعر بموصوف وصفات، وليس تعرضاً لصفة فحسب، فإذا خالف اللفظ بالكلية محلَّ الإشارة، اتجه فيه خلاف على بعد، وآية ذلك أن الجنس يختلف في المفهوم من اللفظ المشار إليه، والمنكوحة متعينة، وإنما المذكور صفة من صفاتها، اختلف الشرط فيها أو لم يختلف، فليس عند الفقيه لإفساد النكاح توجيهٌ عليه معوّل.
وقد يقال لموجه هذا القول: إنما يستقيم التعويل على فصل الصفات لو كان شرط ذكرها في النكاح، فإذا لم يشترط ذكرها و [كفى] 2 التعيين، فيبعد أن يؤثر الخلف في الإفساد.
غايةُ الإمكان في ذلك أنا قد لا نشترط ذكر شيء، وإذا فرض ذكره اشترطنا الاستداد والإصابة فيه.
وهذا كما أنا لا نشترط في المبيع المشار إليه ذكر اسم جنسه، بل يكفي أن نقول: بعتك هذا؛ فلو وقع التعرض لذكر جنسه، فلا بد من الإصابة فيه عند بعض الأصحاب.
هذا بيان القولين والتفريع عليهما.
8249 - فإن حكمنا ببطلان النكاح، فسد النكاح، وألحق التفريع بما إذا كان الحر الخاطب ممن لا يحل له نكاح الإماء.
فإن لم يكن دخول، فرقنا بينهما، وإن جرى دخول على الظن، فوطء شبهة يتعلق به وجوب مهر المثل، والعدّة، ولا نفقة إن كانت حائلاً، وإن علقت منه بمولود، ففي وجوب النفقة قولان مبنيان على أن النفقة إذا وجبت مضافة إلى المطلقة البائنة

الحامل، هي [للحامل أو للحمل] 1، وقد مضى ذلك.
8250 - وإن فرّعنا على القول الصحيح، وهو قول تصحيح العقد، فأول ما نذكره في التفريع على هذا القول، الخيار الذي ذكره أئمة المذهب أن الزوج المغرور يثبت له خيار فسخ النكاح إذا كان حراً.
وذكر صاحب التقريب والعراقيون في الزوج الحر المغرور، وفيه إذا كان الزوج عبداً وقد غُرّ ثلاثة أقاويل: أحدها - إنه لا خيار للزوج أصلاً، فليطلق إن شاء، وهذا القائل يقول: إنما يثبت الخيار للزوج بسبب عيوب المرأة فحسب، فإن النكاح على الجملة بعيد عن قبول الخيار، وجانب الزوج أبعد عن قبول الخيار من جانب الزوجة، فإنَّ الخيار إن ثبت، فالذي يليق به ألا يثبت إلا عند الضرورة لمضطر، وإنما يتحقق نعتُ الاضطرار في حق المرأة، فإنها في ربقةٍ لا تملك حلها اختياراً، والزوج ممكَّن من الطلاق؛ وبهذا المسلك لم يُثبت أبو حنيفة للزوج حق الفسخ بجب الزوج وعنته.
والقول الثاني - إنه يثبت الخيار بالتغرير في الحرية، سواء كان الزوج حراً أو عبداً، وهو الذي تدل عليه الآثار وأقضية الصحابة رضي الله عنهم.
والقول الثالث - إنه يُنظر، فإن كان الزوج حراً، فله الخيار، وإن كان عبداً، فلا خيار له؛ فإن العبد وإن كان مغروراً، فالأمة مع رقها مثله، وسنذكر في خُلف الشرائط في الأنساب أن الزوج إذا بان في نسبه أحط مما شرط، ولكن كان مع ما هو عليه أعلى نسباً من المرأة، أو كان مثلها، فهل يثبت الخيار للمرأة؟ فعلى قولين، فالزوجة إذا جرى شرط حريتها، فبانت رقيقة، فهي وإن بانت دون ما شرط مماثلة لزوجها العبد، فشابه ذلك الصورة التي ذكرناها الآن في اختلاف الشرط في النسب مع التساوي في المنصب.
8251 - فهذا أصل الكلام في الخيار، والتفريع في الزوج الحر.
فإنَّا فيه نتكلم على الأصح وهو أن الخيار يثبت، ثم الزوج لا يخلو إمَّا أن يفسخ أو يُجيز، فإن

أجاز النكاح، استمر ولا رجوع، وعليه المهر المسمى.
ولو فرض بعد البيان 1 علوق بأولاد، فهم أرقاء لمالك الأمة.
8252 - وإن فسخ، فلا يخلو إما أن [يفسخ] 2 قبل الدخول، أو بعده، فإن جرى الفسخ قبل الدخول، فلا نصف مَهر ولا متعة، وحكم العدة والنفقة والسكنى [بيِّن] 3، فإن العدة منفية، فلا تُتوقع نفقة ولا سكنى.
وإن جرى الفسخ بعد الدخول، فالمنصوص عليه للشافعي أن المسمى يسقط، ويجب لها مهر المثل على زوجها.
وفي المسألة القول المخرج المنقاس، وهو أن الواجب هو المسمى؛ فإن النكاح تأكد بالمسيس، وشابه 4 تقرير المهر.
وهذا بقية ما تقدم في باب العيوب.
وحكم العدة والسكنى والنفقة على ما ذكرنا.
وأما الأولاد الذين انعقدوا في زمان الغرور، فإنهم أحرار، وانعقادهم على الحرية، وهذا متفق عليه، وعلى المغرور قِيَمُهم يوم ينفصلون أحياء، وسبب ذلك مع الوفاق المغني عن البحث أن اتصاف الزوج بظن حرية زوجته هو الذي اقتضى انعقاد الأولاد على الحرية، فكان في حكم السبب إلى منع جريان الرق عليهم، فصار منع الرق بمثابة قطع الرق، وهذا يناظر إيجاب الغرة على الجاني، فإنا بين أن ننسبه إلى منع انسلاك الروح بهدم بنية الجنين، والتسبب إلى إجهاضه [أو إلى منع اكتمال خَلْقه بإحراضه] 5. ثم الاعتبار بقيمته يوم الانفصال على صفة الحياة، ولو فرض التمكن من اعتبار حالة العلوق، لاعتبرناها، ولكن لا قيمة للجنين في ذلك الوقت، ولا وصول إليه، وهو أيضاًً على أحكام من البعضية، فاعتبرنا وقت الخروج؛ لأنه أول حالة لاقاها

[إمكان التقويم] 1 وأبو حنيفة 2 يعتبر قيمته يوم الترافع، ثم إذا غرم المغرور قيمة الولد رجع بها على الغارّ إجماعاً، وقد نطق بذلك قضاء عمر.
والمهر الذي يلتزمه بالوطء في زمن الغرور هل يرجع به على الغارّ؟ فيه قولان مشهوران: أحدهما - إنه يرجع به كما يرجع بقيمة الولد، والثاني - لا يرجع به، وهو الأصح؛ لأنه شرع في عقد النكاح على أن يتقوم البضع عليه، ثم استوفى منفعة البضع بجهةٍ وطّن نفسه على التقوّم فيها، فكان كما لو اشترى طعاماً مغصوباً وأتلفه، فإذا غرِم قيمة الطعام لمستحقه، فلا يرجع بما غرمه على الغاصب.
8253 - ثم إذا ثبت أنه يرجع بالقيمة قولاً واحداً، أو بالمهر على أحد القولين؛ فالمذهب الذي عليه التعويل: أنه لا يرجع ما لم يغرَم، وكذلك إذا شهد الشهود على أن فلاناً قتل فلاناً خطأ، ونفذ القضاء بشهادتهم، وضرب القاضي العقلَ على عاقلة المشهود عليه، فإذا رجع الشهود عن الشهادة، فإنهم يغرَمون للعاقلة ما غرِمته العاقلة، فلو أراد العواقل أن يغرّموا الشهود قبل أن يغرموا ما ضرب عليهم، لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً.
ولذلك إذا ضمن رجل عن رجل ديناً على وجهٍ يُثبت له حقَّ الرجوع على المضمون عنه، فليس له الرجوع قبل أن يغرم للمضمون له، هذا أصل المذهب.
وقد ذكرنا في رجوع الضامن على المضمون عنه قبل أن يغرم وجهاً في كتاب الضمان ليس بالقوي، وذلك الوجه يجري في مسألتنا وفي مسألة الشهود، وفي كل من يجد مرجعاً إذا غرم، إذا كان الغرم ديناً مستحقاً على من له حق الرجوع إذا غرم.
ثم الحكم بيّن إذا كان الغار وكيل سيد الأمة.
8254 - فأما إذا صدر الغرور منها -كما سبق تصوير ذلك- فالغرور منها يثبت حق

الرجوع عليها، والكلام في متعلّق الحق.
ومتعلقُ الحقوق المالية في العبيد الكسب أو الذمة أو الرقبة، فأما الكسب، فلا مطمع في تعلّق حق الرجوع به؛ من جهة أن التعلق بالكسب إنما يثبت في الحقوق التي تثبت بإذن المولى في المعاملات والضمان [والاستدانة] 1 ونحوها، ولم يوجد من السيد في ذلك إذن.
وأمّا الرقبة، فلا يتعلق بها حق الرجوع؛ من جهة أنه إنما يتعلق بالرقبة موجَب الإتلافات وأروش الجنايات، والإتلاف والجناية يردان على مملوك أو مستحق مضمون شرعاً، كالحر المحترم.
والغارَّة ليست متلفة رقّاً، ولكنها متسببه إلى إثبات ظن في نفس الزوج، فيترتب عليه اندفاع الرق، فيبعد عن قياس الجنايات، ثم اندفاع الرق بظن يعتري الزوج ليس إتلافاً، بل هو متعلق بموجب معاملة ومعاقدة، وإذا كان كذلك، فالغارّة تسببت إلى ما ليس جناية، فلا يكون تسبّبها جناية، والطرق متفقة على هذا، وكأن الغرور منها بمثابة ضمان، إن صححنا الضمان من المملوك بغير إذن المولى، فإذا لم يتعلق حق المرجع بكسبها ولا برقبتها، لم يبق إلا أن يتعلق بذمتها.
وسبيل ما يتعلق بالذمة [الاكتساب] 2 بعد زوال الرق بالعتق.
ثم إن كان الغرور من الوكيل، وأثبتنا [للمغرور] 3 الرجوع بالمهر، فإنه يرجع بكمال المهر على الوكيل، ولا يدع إليه شيئاًً، وإن كان الغرور من الأمة، وقد عتقت، فيرجع عليها بتمام المهر على القول الذي فرعنا عليه؛ فإنه غرِم المهر لمستحقه، وهو المولى، وإنما رجوعه الآن على من لم يكن مستحقاً للمهر.
8255 - وإن صدر الغرور من المُكاتبة، وأثبتنا الرجوع بالمهر، فهل يترك إليها شيئاًً من المهر، يجوز أن يكون صداقاً؟ فعلى الوجهين المذكورين من قبل، وسبب هذا التردد، أنها المستحقة للمهر، وعليها الرجوع على القول الذي نفرع عليه، فلو وقع الرجوع بتمام المهر؛ لخلا وطؤها عن استحقاق المهر، ولاقتضى ذلك اشتباه وطء النكاح بالسفاح؛ إذ هي المستحقة وعليها الرجوع.

وكل ما ذكرناه فيه إذا كان المغرور حراً.
8256 - فإن كان المغرور عبداً، ففي انعقاد النكاح القولان، فإن قلنا: لم ينعقد، نظر: فإن كان قبل الدخول، فلا نِصْفَ مهر ولا متعة، وإن كان بعد الدخول، فيجب مهر المثل.
وفي محله أقوال: أحدها - إن محله الكسب، وهذا قول ضعيف، وخروجه على أن النكاح الفاسد يدخل تحت مطلق الإذن في النكاح، وقد ذكرنا فيه قولاً ضعيفاً فيما تقدم.
والثاني - إنه يتعلق بالذمة.
والثالث - إنه يتعلق بالرقبة، وكل ذلك فيما سبق مفصلاً في صدر النكاح.
وإن فرعنا على القول الصحيح، وهو أن نكاح المغرور منعقد، ففي ثبوت الخيار للعبد قولان، حكاهما الأئمة بأجمعهم، وهما مندرجان تحت الأقوال الثلاثة التي ذكرناها في صدر التفريع على الغرور.
فإن قلنا: لا خيار للعبد، أو قلنا: له الخيار، فاختار الإجازة، فعليه المهر المسمى في الكسب.
وإن اختار الفسخ، فهذا يتفرع على المنصوص [و] 1 المخرّج.
فإن فرعنا على القول المخرج، وهو أن المسمى يجب بعد الدخول؛ فإنه يتعلق بالكسب أيضاً؛ فإنه دين ثابت على موجب إذن المولى في معاقدةٍ، فأشبه ما ذكرناه من المسمى في بقاء النكاح.
وإن فرّعنا على النص، وهو أن الواجب مهر المثل، فإذا فسخ، ثبت مهر المثل، [وفي] 2 محله الأقوال الثلاثة التي ذكرناها فيه إذا نكح نكاحاً فاسداً، وقد أذن له في النكاح مطلقاً، وإنما التحقت هذه الصورة بتيك؛ لأن مهر المثل يجب في النكاح الفاسد على موجب إذن المولى، ويجب مهر المثل على خلاف موجب الإذن أيضاًً؛ فإن العقد المأذون فيه قد زال، وزال بزواله أثر الإذن، فبقي مهرُ مثلٍ متعلق بوطء محترم.

وكان شيخي يقوي في هذه الصورة قول التعلّق بالكسب؛ لأن المهر الواجب مهر نكاح صحيح مأذون فيه، ولكن أقمنا مهر المثل فيه مقام المسمى لحالة اقتضت ذلك، وإلا فالأصل أن النكاح وقع مأذوناً فيه، وانعقد على الصحة، وجرى الوطء في اطراد الإذن، والفسخ ليس ينعكس يقيناً على الأوقات المتقدمة على الفسخ.
8257 - ثم إذا كان المغرور هو العبد كما صورناه، فإذا علقت المرأة بمولود منه مع اطراد الإشكال، فمذهب الشافعي أن الولد حر، وإن كان الوالدان رقيقين، وذلك أن المغرور إذا كان حراً، فولده إنما ينعقد على الحرية لمكان الغرور، لا لحرية المغرور، إذ لو كانت حريته تقتضي حرية الولد، لكان ولد الحر من زوجته الرقيقة حراً، مع العلم بحقيقة الحال، فإذا ثبت الحال، فإذا ثبت أن المتبع هو الغرور، فالغرور في العبد كالغرور في الحر.
8258 - ومما يتعلق بتمام القول في ذلك أن المنكوحة لو كانت مكاتبة، وقد جرى الغرور بحريتها، نظر؛ فإن لم يكن الغرور منها، وإنما كان من الوكيل المزوّج، فالرجوع على الوكيل على نحو ما ذكرناه، غير أن الذي نزيده هاهنا تفصيلُ القول في ولد المكاتبة لو لم يكن غرور.
وقد اختلف قول الشافعي في ولد المكاتبة من سفاح أو نكاح عري عن الغرور: أحد قوليه - إن ولدها في الموضعين قِنٌّ.
والقول الثاني - إنه بمثابة الأم يعتِق بعتقها إذا عَتَقَت، ويرِق برقها، فإن قلنا: إنه رقيق، فهو للمولى أم هو بمثابة سائر مالها تستعين به على أداء النجوم؟ فعلى قولين.
وسيأتي شرح الأقوال توجيهاً وتفريعاً في كتابها، إن شاء الله عز وجل.
ثم إذا فرضنا الغرور، فالولد حر من الزوج المغرور في دوام الغرور، وينتظم مما ذكرناه من الأقوال قولان في أن المغرور يغرَم قيمة ولد [المكاتبة] 1 للمكاتبة أو

لمولاها، فإذا كان الغارّ وكيل المولى، فيغرم الزوج القيمة للمولى والمكاتبة، وذلك غُرمٌ على الوكيل [الغار] 1. وإن كان الغرور صادراً من جهة المكاتبة، فإن جعلنا القيمة للمولى غرم المغرور له، ورجع على المكاتبة، وإن قلنا حق القيمة للمكاتبة، فلا معنى للغرم لها؛ من جهة أنها الغارّة، ولو غرم لها، لرجع عليها، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
8259 - وأما المهر، فإنه للمكاتبة قولاً واحداً.
وفي الرجوع بالمهر القولان، فإن لم نثبت رجوعاً به، فلا كلام، وإن أثبتنا الرجوع به، فتقدير الرجوع على المكاتبة.
وهل يجب أن نترك لها مقداراً من المهر؟ فعلى الخلاف المقدم.
ولا شك أن مثل ذلك لا يجري في قيمة الولد إذا جعلناها حقاً للمكاتبة، وإيضاح ذلك يغني عن مزيد البسط.
ثم حيث نثبت الرجوع على المكاتبة مثلاً إذا أثبتنا القيمة للمولى، وكانت هي الغارّة، فإذا أراد الرجوع عليها، طالبها بما يرجع به عليها من المال الذي في يديها، فإن لم يصادف في يديها شيئاًً، تعلق بكسبها، فإن فضل فضل، ففي ذمتها، يتبعها به بعد العتق، وجاء في لفظ الشافعي تشبيه ما يرجع به على المكاتبة بالجناية، ولم يشبهه بالجناية من جميع الوجوه؛ لأنها تتعلق بالرقبة إذا لم يف الكسب بها، وهذا الدين الذي نحن فيه لا يتعلق بالرقبة بحال.
وإنما شبهه بالجناية من حيث إنه يؤدى من الكسب بعد العجز.
والقول في متعلق الديون على أقسامها غمرة كتاب [الجناية] 2؛ فلا سبيل إلى الخوض في بيانها الآن، وإنما غرضنا هاهنا أن سبيل ما يرجع به عليها لكونها غارّة كسبيل ديون المعاملات في أنه يتعلق تعلقَ ديون المعاملات.
ولفظ الشافعي في التشبيه بدين الجناية محمول على ما ذكرناه.

فصل قال: "فإن ضربها أحد فألقت جنيناً ... إلى آخره" 1 8260 - مضمون هذا الفصل من بقية أحكام التغرير بالحرية، وليقع فرضه فيه إذا كانت الزوجة مملوكة فيه، وقد قدمنا أن الولد على حكم الغرور حر.
ثم ذكرنا أنه يجب على المغرور قيمة الولد للمولى يوم انفصاله حياً، ولو انفصل ميتاً، لم يغرَم بسببه شيئاًً اعتباراً بحالة الانفصال، وتعليله أن سبب تغريم المغرور [انتسابه] 2 إلى تفويت حق الرق على المولى بسبب ظنه الذي اتصف به، ولو قدرنا الولد رقيقاً وانفصل ميتا من غير جناية جانٍ، فيكون حق المولى في هذه الصورة فائتاً بسبب انفصال الولد ميتاً؛ فلا ينتسب المغرور إذاً إلى تفويتٍ في هذه الحالة.
8261 - ولو انعقد الولد بسبب الغرور حراً، ثم جنى جانٍ على الأم، فألقت الجنين المحكوم بحريته؛ فهذا الطرف مما يجب الاعتناء بفهمه، والاطلاع على حقيقته، فلا تخلو الجناية إما أن تكون من أجنبي وإما أن تكون من المغرور نفسه، وإما أن تكون من مولى الأمة ومالكها.
فإن كانت الجناية من أجنبي، فلا شك أن الغرة تجب، وهي عبدٌ أو أمة، ثم الغرة مضروبة على عاقلة الجاني لا محالة؛ إذ لا يتصور تعمد الجنين بالجناية عليه، وشبه العمد مضروب على العاقلة كالخطأ المحض.
ثم إذا تبين أن الجنين لم ينفصل ميتاً هدراً، بل انفصل مضموناً، فالضمان فيه يثبت على المغرور لا محالة، وليس كما لو انفصل ميتاً من غير جناية جانٍ، ثم الغرة إلى من تصرف؟ وما القدر الواجب على المغرور لسيّد الأمة بسبب [انفصال] 3 الجنين مضموناً؟

فأما مصرف الغرة، فإن لم يكن للجنين وارث سوى أبيه المغرور، فالغرة بكمالها مصروفة إليه، وإن كان للجنين وارث غيرُه، صرف قسط من الغرة إلى من يرث معه على ما تقتضيه قسمة المواريث، ولا يتصور أن ترث معه [الأم، فإنها] 1 رقيقة، [فلا يرث معه] 2 إلا جدة حرة هي أم أم الجنين، فلها السدس من الغرة والباقي للأب.
هذا بيان مصرف الغرة وذكر مستحقها.
فأما القول فيما يغرمه المغرور لسيد الأمة، فنقول: حاصل ما ذكره الأئمة وجهان: أحدهما - إنه يغرم لسيد الأمة أقل الأمرين من عُشر قيمة الأم أو قيمة الغرة، فإن كان عشرُ قيمة الأم أقلَّ، غرِمه للمولى، وربما يفضل من الغرة إذا لم يكن للغرة وارث غيره، وإن كانت قيمة الغرة أقلَّ من عُشر قيمة الأم، لم يلتزم المغرور إلا قيمةَ الغرة، هذا أجد الوجهين.
والوجه الثاني - إن المغرور يغرَم للمولى عُشر قيمة الأم بالغاً ما بلغ، وإن كانت قيمة الغرة أقل منه.
ولا يخفى أن ما ذكرناه من عُشر قيمة الأم هو واجب الجنين الرقيق عند الشافعي، على ما سيأتي موضحاً في موضعه، إن شاء الله عز وجل.
وكأن أحد القائلَيْن يَعتبر الأقلَّ من واجب جنين رقيق أو قيمة الغرة، والقائل الثاني يعتبر واجب الجنين الرقيق بالغاً ما بلغ.
ثم زعم الأئمة أن هذا الاختلاف يقرب من القولين في أن العبد الرقيق إذا جنى وأراد المولى أن يفديه [فبكم يفديه؟] 3 ففيه قولان: أحدهما - إنه يفديه بأقل الأمرين من الأرش أو قيمة العبد الجاني.
والقول الثاني - إنه يفديه بأرش الجناية بالغاً ما بلغ إن أراد أن يسلم له العبد، وإن أبى بيع العبد في الجناية.
ثم أصح القولين: أن السيد يفديه بأقل الأمرين، فقال الأصحاب في مسألة المغرور والغرة: أصح الوجهين أنه يغرم للمولى أقلَّ الأمرين من عُشر قيمة الأم أو قيمة الغرة.
واختار القاضي أنه يغرَم للمولى عُشر قيمة الأم بالغاً ما بلغ، وإن كانت قيمة

الغرة أقل منه.
ولا شك أن القاضي يختار في مسألة الفداء أنه يفدي السيد العبد بأقل الأمرين.
والأصح عندنا ما اختاره القاضي، وسيتضح بتوجيه اختياره، وما يذكره الأصحاب في مقابلته حقيقة الفصل ومداره.
8262 - فنقول: المعتبر فيما يغرمه المغرور للمولى تفويته عليه، فإنا قلنا: إذا انفصل الجنين الحر حياً، فيجب على المغرور قيمته يوم الانفصال، والسبب فيه أنه لو كان رقيقاً، لكان يسلم للمولى، فإذا قلنا: [صار] 1 العبد يسبب الغرور حراً، وقد انفصل الجنين الحر حياً، فقد فوت المغرور الرِّق على السيد.
فإذا بان أن معوّل الضمان ما ذكرناه من التفويت، فنعود ونقول: إذا انفصل الجنين بجناية الأجنبي الجاني، فلو كان رقيقاً، لكان الجاني يغرم عُشر قيمة الأم، فالغرور فَوّت في هذه الحالة عُشرَ قيمة الأم؛ فليجب هذا المقدار على المغرور للسيد، ولا ننظر إلى الغرة.
كما أنّا عند انفصاله حياً نوجب قيمته، وإن زادت على مقدار الدية؛ نظراً إلى ما صار المغرور سبباً في تفويته.
وهذا القائل يقول: أَخْذ هذا من فداء العبد الجاني محال؛ فإنَّ ذلك مفروض في عبد يتعلق الأرش برقبته، والسيد يبغي أن يستبقيَه، فيتجه ألا نلزمه أكثر من قيمته؛ فإنه لو سلمه للبيع، لم يتحصل المجني عليه إلا على ثمنه، وما يضمنه المغرور في مسألتنا ليس مأخوذاً من مأخذ الفداء، وإنما هو مأخوذ من التفويت الذي قررناه.
ومن نصر الوجه الثاني وهو المشهور، وإليه ميل جمهور الأصحاب، احتج [بأن، 2 سبب تغريم المغرور ما وجب على الجاني من الغرة؛ إذ لو انفصل ميتاً من غير جناية، فلا ضمان، [و] 3 ما ضمن المغرور للسيد شيئاًً، فإذا كان سبب التضمين ما يجب على الجاني، فيبعد أن يزيد ما يضمنه المغرور على ما يضمنه الجاني له؛ إذ لو زاد، لكان المسبَّب زائداً على السبب.

وهذا ليس على وجهه، فإنا إذا اخترنا الوجه الأول، فمعولنا فيه أنه جرت في الجنين حالة [لولا] 1 الغرور، لكان يسلم للمولى عُشر قيمة الأم، فقد صار الغرور سبباً في تفويت ذلك.
والتعويل في النفي والتثبيت على التفويت، فإن الجاني غرم الغرة، وقد جرت [جنايته] 2 بعد تحقق الحرية، فينبغي أن يكون النظر إلى الحالة التي جرت الجناية فيها؛ فإن من قتل جاريةً مزوّجة، لم يلزمه قيمتُها خليّة عن الزوج، وإن كان تقدير ذلك فيها ممكناً لو بقيت، ولكنا نعتبر الصفة التي كانت الجارية عليها حالة الإتلاف.
[وهذا] 3 الكلام عري عن التحصيل، فإنه مقبول في حق الجاني على هذا النسق، ولكن [لا وقع له] 4، ولا أثر في حق المغرور، مع ما قررناه من تركه 5 التفويت.
8263 - فإذا تبين الوجهان ومأخذُهما، وما صار إليه الجمهور، واتجه ما اختاره القاضي، وانفصال هذا الأصل عن مأخذ فداء العبد الجاني.
فما نفرعه على هذا المنتهى أنا إن قلنا: يغرم المغرور للسيد أقلَّ الأمرين، فإنه لا يغرمه له ما لم تسلم له الغرة؛ فإنا نأخذ تضمينه من الغرة السالمة، ثم نعتبر الأقل بناء عليها.
وإن سلكنا المسلك الآخر، غرّمنا المغرور عُشرَ قيمة الأم في الحال، ولم ننتظر حصول الغرة له اعتماداً على التفويت، ونظراً إليه.
فعلى هذا لو كان للجنين وارث سوى الأب المغرور، فقد ذكرنا أنه لا يتصور أن ترثها [الأم] 6 مع الأب إذا 7 كانت الأم رقيقة، أما الجدة أم الأم [فترث] 8، فإذاً للجدة السدس والباقي للأب.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل