نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 325-364
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح

صفحات 325-364
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فقال: [مسلك] 1 الاختيار في صورة الوقف يخرّج على أصلٍ تقدم، وهو أن الاختيارَ غير 2 مشبه بابتداء العقد، وهو على حكم الإمساك؛ فيحتَمِل أن نُجري فيه قولين في الجديد، فمعوّل 3 المزني على أحدهما؛ فإن الاختيار -وإن لم يكن قابلاً للتعليق بالأغرار والأخطار- فإذا نُجِّزت [صيغته] 4 لا يمتنع أن يُحَط عن مرتبة العقود، ويقضى بقبوله للوقف.
وإن نزّلنا الاختيار منزلة ابتداء النكاح، فيبعد حينئذ على قياس الجديد تصحيحه على حكم الوقف، ويجوز أن يكون كمسألة نكاح الأخت من الذي أسلم وزوجته متخلفة.
فإن قيل: ألستم زيّفتم ترديد القول في أن الاختيار هل ينزّل منزلة ابتداء العقد؟ قلنا: لسنا ننكر كلام الأصحاب.
والذي نجريه مباحثاتٌ عن المعاني مع الوفاء بالنقل، ثم حملنا ما قاله الأصحاب على مسائل الإماء، ونحن الآن فيها نضطرب 5، فليس يبعد ترديد الرأي فيه على هذا النسق.
وقد أكثر الأصحاب في الكلام على ما نقله المزني، وأتَوْا فيه بما لا يُحتاج إليه.
والمقدار الذي ذكرناه أوقع وأدل على الغرض من جميع ما أتَوْا به.
فصل قال: "ولو كان عبدٌ عنده إماء، وحرائر مسلمات وكتابيات ووثنيات ... إلى آخره" 6. 8135 - إذا نكح العبد في الشرك إماءً، وحرائر: وثنيات وكتابيات، ثم أسلم

وأسلمت الإماء 1، والوثنيات 2 ولم يخترن فراقه، فله أن يمسك اثنتين: إن شاء أمتين، وإن شاء حرتين مسلمتين، وإن شاء كتابيتين، وإن شاء حرة وأمة، وإن شاء كتابية وأمة؛ لأن الكتابية بمنزلة المسلمة في النكاح، والأمة بمنزلة الحرة في حق العبد.
ثم إن الشافعي شرط 3 في إمساكه اثنتين منهن ألا يخترن فراقه، وعطف ذلك على الإماء والحرائر؛ فاقتضى ظاهر الكلام أن الحرة إذا أسلمت وزوجها العبد؛ فلها الخيار، كما يثبت الخيار للأمة إذا أعتقت تحت زوجها القنّ.
وقد اختلف الأصحاب في تنزيل المسألة: فمنهم من قال: ذكر الشافعي الإماء 4 يَعْتِقن والحرائر، وذكر الخيار؛ فرجع جوابه فيه إلى الإماء.
وهذا قد يسوغ في نظم الكلام.
والذي أراه أن هذا الفن لا مساغ له؛ وإنما يعتاد الفقهاءُ إطلاقَه، وهو غير سائغ في نظم الكلام.
ولفظ الشافعي: "ولو كان عبد عنده إماءٌ، وحرائر مسلمات [ووثنيات] وكتابيات، [ثُم أسلم وأسلمن] ولم يخترن فراقه، أمسك اثنتين" 5. وقطعُ الاختيار عن اللواتي ذكرن آخراً - وهن الكتابيات، وردُّه إلى الإماء المذكورات في صدر الكلام غيرُ منتظم، ولا يمكن حمل الكتابيات على الإماء؛ فإن العبد المسلم لا يحل له نكاح الأمة الكتابية على النص.
ثم الكلام مع ذلك لا يتسق؛ فإنه أفرد الإماء بالذكر أولاً، ثم أخذ في ذكر الحرائر وقسمهن مسلمات ووثنيات 6 وكتابيات.
فهذا ما يتعلق بظاهر (السواد) 7.

والمذهب أن الإماء إذا أعتقن، فلا شك أنه يثبت لهن الخيار تحت العبد.
فأما إذا أسلم العبد وتحته حرائر، فأسلمن أو كن كتابيات، فقد ظهر اختلاف أصحابنا: فذهب بعضهم إلى أنه لا خيار للحرة.
وهذا هو المذهب والقياس؛ لأنها رضيت برقّه لدى العقد، فلا خيار لها من بعدُ.
ومن أصحابنا من قال: لها الخيار إذا اتصل نكاح الشرك بالإسلام، وذلك لأن للرق نقائص يظهرها الإسلام، فتصير الحرة عند اتصال عقد الشرك بالإسلام بمثابة الأمة تعتق تحت زوجها العبد.
وهذا تمويه لا حاصل له.
والوجه في قياس المذهب نفيُ خيار الحرة، ويبقى مع ذلك إشكال لفظ المختصر.
فصل قال: "ولو عتقن قبل إسلامه، فاخترن فراقه، كان لهن ذلك ... إلى آخره" 1. 8136 - صورة المسألة: عبد نكح في الشرك أمة، ثم أسلم، وعتقت الأمة، ثم أسلمت، فالمسألة لها أطراف، ولا بد فيها من تقسيمٍ ضابط.
فنقول: لا يخلو - إما أن تسلم هي وتعتق والزوج متخلف، أو يسلم الزوج وعتقت هي وهي متخلفة.
فإن سبقت إلى الإسلام، وجرى العتق، والزوج متخلف؛ فلا يخلو وقد سبقت بالإسلام 2 وجرى العتق؛ إما أن يتقدم عتقها على إسلامها، أو إسلامها على عتقها.
فإن أسلمت أولاً، ثم عتَقَت والزوج متخلف، فلها ثلاثة أحوال: إما أن تختار المقام، وإما أن تختار الفسخ، وإما أن تتوقف.
فإن اختارت المقام، بطل اختيارها ولغا؛ من جهة أن إقامتها تحت كافر غيرُ سائغ؛ وأيضاًً فإنها جارية إلى البينونة لو فرض إصرار الزوج، فإنا نتبين أن النكاح ارتفع باختلاف الدين، والاختيارُ

[تعيين] 1 خصلة من غير تردد، وأثر بطلان اختيارها الإقامةَ ظاهرٌ 2؛ فإنها لو اختارت الإقامة، ثم اختارت بعدها الفسخ، كان لها ذلك.
فأما إن اختارت الفسخ، فإنه ينفذ فسخها، ونحكم بارتفاع النكاح في الحال، وجريانُها إلى البينونة، غير مناف للقطع بارتفاع النكاح في الحال؛ فإن ما تجرى إليه من البينونة يلائم قصدَها في الفسخ، وليس كما لو اختارت الإقامة؛ فإن الإقامة تنافي الجريان إلى البينونة، ثم إنها تستفيد بتنجيز الفسخ قطعَ تطويلٍ موهوم، لأن الزوج ربما يسلم في آخر جزء من العدة، فتحتاج إلى أن تختار الفسخ عند إسلامه إذا كانت تبغي الفسخ، ثم تستقبل العدة من وقت الفسخ؛ فيطول عليها أمد التربص، وإذا نجّزت الفسخَ في أوائل العتق مثلاً، استقبلت العدة.
فإن لم يسلم الزوج، تبيّنّا انفساخ النكاح عند انقضاء العدة، وهي محتسبة من وقت اختلاف الدين.
وإن أسلم الزوج في العدة، تبيّنّا نفوذ فسخها وشروعها في العدة على أثر الفسخ.
وهذا متفق عليه بين الأصحاب.
وفيه دقيقة يجب التنبه لها، وهي: أن الفسخ الذي تُنشئه متردد في ظاهر الأمر بين أن ينفذ وبين أن لا ينفذ؛ من جهة أن الزوج لو أصر حتى انقضت العدة، تبيّنّا أن الفسخ لم ينفذ، وأنها بانت من وقت إسلامها وتخلفِ الزوج عنها، ولكن هذا النوع من التردد لم يُثر خلافاً بين الأصحاب مأخوذاً من الوقف.
والسببُ فيه أن الوجه الذي يقدّر فيه عدم نفوذ الفسخ تنفذ البينونة بدلاً عن الفسخ، وقد يجري مثل هذا في الوقف في العقود.
ولو أرادت أن تتوقف، فلا تفسخ ولا [تختار] 3، فلها ذلك.
وإن كان القول الأصح أن خيار المعتقة تحت زوجها العبد على الفور، والسببُ فيه أنها ترتقب الجريان إلى البينونة تبيّناً، وإذا كان كذلك، فليس في تأخيرها الفسخ ما يشعر بالرضا بالإقامة، وكيف يقدر ذلك، ولو صرحت بالرضا بالإقامة، لم يكن لرضاها حكم،

وإذا كان لا يصح اختيار الإقامة، فلا وجه إلا القطع ببقاء حقها في الفسخ.
8137 - وقد قال الأصحاب: العبد إذا طلق زوجته الأمة طلقة رجعية، فَعَتَقت في خلال العدة، فلها أن تختار الفسخ؛ فإنها زوجته، ولها أن تؤخر الاختيار إلى أن تتبين الزوج هل يراجعها أم لا؟ من جهة أنها جارية إلى تقدير البينونة لو فُرض من الزوج تركُها، حتى تتسرح بانقضاء العدة، فهي غير منسوبة إلى إرادة الإقامة مع توقعها البينونة.
ولو اختارت الإقامة؛ فقد اختلف أئمتنا: فمنهم من قال: يلغو اختيارها.
وهذا اختيار قاضينا الحسين.
وهي [مشبهة] 1 بالمسألة المقدمة في اختيار المسلمة إذا أعتقت الأمة والزوج عبد متخلف.
والفقه أن الرجعية محرمة، فلا يكون اختيارها للإقامة اختيار حِلٍّ ناجز، ولا يرتفع باختيارها أيضاً توقعُ البينونة.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن اختيارها للإقامة يصح، ويفيد ردَّ الأمر إلى رأي الزوج، حتى إن راجعها، انقلبت إلى صلب النكاح.
وهذا القائل يفصل بين الرجعية وبين العتيقة المسلمة وزوجها عبد كافر، فيقول: رضا الرجعية بالإقامة محمول على إثباتها للزوج سلطانَ الرجعة إن أرادها، ولا امتناع في ثبوت رجعة على رجعية، وأما الإقامة تحت كافر من مسلمة، فلا مساغ لها.
فإن قيل: لو نفذنا رضاها، لكان يفيد تفويض الأمر إلى الزوج، فإن أسلم، استقر النكاح، وإن أصر، تثبت البينونة.
قلنا: ليس الإسلام أمراً يناط بالاختيار، وليس هو من التصرفات في النكاح، فالرجعية تُثبت للزوج سلطاناً في النكاح إذا رضيت بالإقامة، والمسلمة لو نفذ رضاها تقديراً، لم يُفد نفوذُه للزوج تصرفاً في النكاح.
8138 - فإذا تبيّن أن للمرأة المسلمة تحت العبد الكافر أن تؤخّر الاختيار إلى أن تتبين حال الزوج، فإن أخرت، فلا يخلو الزوج: إما أن يسلم في العدة، أو يبقى

على التخلف حتى انقضت العدة، فإن أسلم، فلها أن تختار الفسخ، فإن فسخت، نفذ فسخها، وصادف محرماً، واستقبلت عدةَ حرةٍ من وقت فسخها؛ فإن الفراق بالفسخ يقع، وقد زال ما كنّا نتوقع من البينونة باختلاف الدين، ولما أنشأت الفسخ كانت حرة، فاستقبلت عدة الحرائر.
8139 - والرجعية لو عتقت في خلال العدة، فراجعها زوجها، فاختارت الفسخ بعد المراجعة، فإنها تستقبل عدة حرة أو تبني على العدة التي كانت فيها؟ وكيف السبيل في ذلك؟ ولو أنشأت الفسخ في العدة من غير فرض رجعة، فللشافعي قولٌ: إنها تبني على عدة الإماء، ولا تستأنف عدةً أخرى، فالقول في ذلك يترتب.
فإذا طلّق الرجل زوجته طلقة رجعية وجرت في العدة، ثم أتبع الطلاق طلاقاً رجعياً؛ فالأصح أنها تتمادى على العدة الأولى، ولا تستفتح عدةً جديدة.
وللشافعي قول: إنها تستفتح عدة جديدة، وسيأتي التوجيه في كتاب العدّة.
ولو طلق الرجعية [بائناً] 1 وحرَّمها، فخروج قول استئناف العدة في هذه الصورة أوجَه؛ لأن البينونة قطعت عصام الرجعة؛ فكان ورودها على الرجعية في قطع الرجعة بمثابة ورود الطلاق الأول على الزوجة في قطع الحِلّ.
وإذا عتَقَت الرجعية، وفسخت النكاح، فاستفتاح العدة في هذه الصورة أوجَه؛ من جهة أن الفسخ ضربٌ آخر من البينونة، وهو مخالف لجنس الطلاق وحكمِه.
وبالجملة: ليست الرجعية في مراتبها بمثابة المسلمة إذا أسلم زوجها المتخلف؛ فإنا نتبين أنها ما كانت في العدة، وأن الذي كنا نقدره عدة لم يكن [عدة؛ فهذه حرة ورد فسخها على صلب النكاح، ولم تقدِّم على فسخها] 2 عدة.
ولو طلّق الرجل زوجته طلقة رجعية، ثم راجعها، وطلقها طلقة أخرى، فتستفتح عدةً، أم تبني على بقية العدة التي كانت؟ فيها اختلاف قول سيأتي مشروحاً -إن

شاء الله تعالى- في كتاب العدة.
فإن قلنا: إنها تفتتح عدةَ حرة على أثر الطلاق الثاني، فإذا عتَقَت الرجعية تحت زوجها العبد، فارتجعها الزوج وفسخت، فلا شك أنها تستفتح عدة.
وإن قلنا: الرجعية إذا طُلّقت، اكتفت ببقية العدة - فإذا فسخت، فهل تكتفي ببقبة العدة أم تستأنف؟ فيها اختلاف؛ من جهة أن الفسخ أولى [باستئناف] 1 العدة من الطلاق، لما نبهنا عليه في ذكر المراتب.
هذا إذا أسلم الزوج ففسخت.
8140 - وإن أسلم الزوج في مدة العدة فأقامت، لا يخفى حكمه.
8141 - وإن بقي الزوج على التخلف حتى انقضت العدة، تحسب من وقت إسلامها، ثم طرأ العتق، فتتم عدة الحرائر لطريان الحرية، أم تكتفي بعدّة الإماء ويقال لا أثر لطريان العتق؟ نقدم على هذا أصلاً على إيجاز، ونحيل استقصاءه على كتابه، فنقول: الأمة الرجعية إذا عتَقَت في أثناء العدة، فالمنصوص عليه في الجديد: إنها تكمل عدة الحرائر، وفي القديم قولان.
ولو كانت الأمة في عدة البينونة، فعتَقَت، فالمنصوص عليه في القديم: إنها تعتد عدة الإماء، وفي الجديد قولان.
فإذا ظهر ذلك، فقد اختلف أصحابنا في أن الأمة إذا أسلمت، فتخلّف زوجها، فعتَقت، فكيف الترتيب فيها؟ فمن أصحابنا من قال: هي كالرجعية؛ من جهة أن الزوج مهما 2 أسلم، ثبت النكاح، وذلك إلى إيثاره واختياره، كما أن [الرجعة] 3 إلى اختيار الزوج.
ومن أصحابنا من قال: ترتيب المذهب في طريان العتق على عدة اختلاف الدين، كترتيب المذهب في طريان العتق على عدة البينونة؛ من جهة أن عدة الرجعة إذا انقضت، لم تنعكس عليها البينونة تبيّناً، وإنما تتبين مع انقضاء العدة، وإذا انقضى

أمد عدة اختلاف الدين، تبيّنا أن البينونة حصلت في ابتداء العدة، ووقعت العدة بعد البينونة، فيجب إلحاقها في ترتيب المذهب بالبائنات.
ومما نجريه في أقسام الكلام: أن الأمة إذا أعتقت وزوجها متخلف رقيق، فلو اختارت الفسخ، فلا يخلو: إما أن يسلم، أو يبقى على التخلف، فإن أسلم، بان أن الفراق وقع من يوم اختيارها الفسخ، وعليها عدة حرة؛ لأنها وجبت وهي حرة، وبان أن ما كنا نقدره عدة اختلاف الدين لم تكن عدة؛ فتستقبل عدةً كاملة.
وإن بقي الزوج على التخلف، فالعدة من يوم الإسلام، والبينونة وقعت بالإسلام، والفسخ مردود؛ فإنه مسبوق بالبينونة المترتبة على اختلاف الدين، فهذه وإن فسخت، فكأنها لم تفسخ، فليس عليها استئناف عدة 1، بخلاف الرجعية إذا عتقت في خلال العدة، واختارت الفسخ؛ فإن فسخ الرجعية ينفذ على كل حال من غير توقف، وفسخ هذه التي عتقت بعد اختلاف الدين موقوف؛ فإذاً [لا استئنافَ] 2، وعدتها عدة الإماء أو عدة الحرائر؟ فعلى الخلاف الذي قدمناه.
وهذا كله إذا تخلف الزوج، فأسلمت هي وعتقت.
وقد بانت الأقسام، وثبتت الأصول، فإن أغفلنا شيئاً، [فما] 3 ذكرناه مُرشد 4 إليه ودال عليه.
8142 - فأما إذا أسلم الزوج وتخلفت الأمة، وعتقت، فلا تختار الإقامة؛ فإن الإقامة غير ممكنة مع [كفرها] 5، ولو أخّرت الفسخ، فلا شك أن لها ذلك، فلو أسلمت في العدة واختارت الفسخ، نفذ فسخها، وتعتد عدة الحرة من يوم الفسخ.

وإن لم تسلم، وبانت باختلاف الدين، فحكم العدة على ما ذكرنا، غير أن الظاهر هاهنا إلحاقها بترتيب [البائنة] 1 إذا أعتقت؛ لأن الزوج ليس إليه شيء إذا كانت هي المتخلفة.
ولو فسخت في الكفر أو اختارت المقام، فظاهر نص الشافعي أنه لا يصح منها واحد منهما.
فمن أصحابنا من قال بذلك، وعلّل بأن قال: أما [اختيار] 2 المقام، فلا يلائم حالها؛ فإنها جارية في البينونة، وهي أمة كافرة لا تقر تحت مسلم.
وأما اختيار الفسخ، فلا ينفذ أيضاًً، لأن فسخ النكاح بحكم العتق من قضايا الإسلام، وليس لها أن تعمل بأحكام الإسلام وتستوجب حقوقها بموجب دين لا تعتقده؛ ولأن الإسلام بيدها، فلتسلم، ثم لها أن تختار الفسخ، وليس كما لو أسلمت وعتقت وتخلف الزوج؛ فإن لها الفسخ لما تقدم تقريره؛ فإنها التزمت الإسلام، وعملت بموجبه، وإسلام الزوج ليس بيدها.
وقال صاحب التقريب: لها أن تختار الفسخَ والمقام جميعاً.
هكذا حكاه بعض الأئمة عنه، ولم أره في طريقته 3. وهو على نهاية السقوط في اختيار الإقامة؛ فإنا إذا لم نصحح من [المسلمة] 4 اختيار الإقامة، فيجب ألا نصحح من الكافرة أيضاًً اختيار الإقامة.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن لها أن تختار الفراق دون المقام، وهذا هو الذي لا يجوز غيره، قياساً على [المسلمة] (4)، وما ذكره الأولون من أنها لا تفسخ بحكم الإسلام مردودٌ 5؛ فإنا نحكم للكفار وعليهم بحكم الاسلام.

فصل قال: "ولو اجتمع إسلامه وإسلامهن، وهن إماء، ثم عتقن، واخترن فراقه، لم يكن ذلك لهن، إذا أتى عليهن أقل أوقات الدنيا ... إلى آخره" 1. 8143 - هذه المسألة ليست من مسألة نكاح المشركات، ولكن صوّر الشافعي إسلام العبد والإماء معاً، ثم قدر نكاح من يثبت نكاحه منهن، ثم صوّر عتقاً تحت عبد، وفرّع على أن خيار المعتقة على الفور، ثم عبّر عن الفور بعبارة فيها مبالغة؛ حيث قال: إذا مر عليها أقل أوقات الدنيا، فلم تفسخ، بطل نكاحها.
واعترض المزني على هذا، وضرب الأمثلة.
والقول القاطع فيه أن المعنيَّ بالفور في خيارها -إذا فرّعنا على الفور- كالمعنيّ بالفور إذا ردّ بالعيب.
وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيع؛ فلست للإطناب في مثل هذا.
فصل قال: "ولو اجتمع إسلامه وإسلامهن، ثم عتقن، [اختار] 2 حُرتين في العدة ... إلى آخره" 3. 8144 - قد اشتمل الباب على فصولٍ، فوقع الاعتناء في أوائلها بالحر يسلم على حرائر، ثم تلاه التفصيل في الحر يسلم على إماء يبقَيْن على الرق، ثم اتصل بحكمهن التفصيلُ في الإماء يعتِقن وزوجهن حر، وجرى بعد ذلك القول في العبيد يسلمون على إماء، واتصل به عتقهن تحت العبيد، وما يثبت لهن من الخيار، وبيان اختيارهن للفسخ والإجازة، والتفَّ بذلك أحكام العدة، واتصل القول في صنفين: أحدهما - استفتاح العدة.
والثاني - في إكمال عدة الحرائر أو البناء على عدة الإماء.

8145 - وهذا الفصل من بقايا أحكام العبد يُسْلِم على نسوة.
والغرض منه يحويه ثلاثة أقسام: أحدها - أن يسلم العبد على إماء منفردات.
والثاني - أن يكن حرائر منفردات.
والثالث - أن يكن حرائر وإماء.
فإن أسلم وتحته إماء منفردات، فأسلمن معه، أو أسلمن قبل إسلامه، أو بعد إسلامه -الكل في العدة- فللعبد أن يختار اثنتين منهن، فلا يُرعى في حقه خوف العنت، ولا يلزمه الاقتصار على واحدة، بخلاف حكمنا في الحر؛ فإن الإماء في حق العبد بمثابة الحرائر في حق الحر، فلو كان تحته أربع إماء، فأسلمت ثنتان، ثم أسلم العبد قبل تَقضِّي عدتهما - وابتداء العدة محسوب من يوم إسلامهما؛ فإن سبب الفراق اختلاف الدين، وذلك يحصل بالإسلام والتخلف، فلما أسلمتا وتخلف العبد، حصل بإسلامهما صورة الاختلاف، فكان ابتداء مدة العدة من وقت إسلامهما، ثم إذا اتفق إسلام العبد قبل انقضاء زمان عدتهما، فلو أسلمت الأخريان قبل تقضّي عدتهما وعدتهما محسوبة من يوم إسلام العبد؛ فإن الاختلاف في الدين معهما حصل بإسلامه.
فنقول: للعبد أن يختار الأوليين، أو الأخريَيْن، أو واحدة من الأُوليين؛ وواحدة من الأُخْريين؛ لما سبق تمهيده من أن الإماء في حق العبد بمثابة الحرائر في حق الحر، غير أن أقصى عدد العبيد في الزوجات -حرائر كن أو إماء- ثنتان.
ولو أسلم العبد وأسلمن، فحصل الاجتماع في الإسلام على الرق، ثم عتق وعتقن، فلا حكم لهذا العتق، والحكم كما إذا لم يعتِقن، فيختار منهن ثنتين؛ لأن تغير الحال من الرق إلى الحرية حصل بعد الاجتماع في الإسلام، وقد ذكرنا أن ما يحدث بعد الاجتماع في الإسلام لا معتبر به، ولا معوّل عليه.
ولو عتق العبد وعتقن في الشرك، ثم أسلم وأسلمن؛ فله أن يختار أربعاً منهن؛ لأنه حصل الاجتماع في الإسلام وهو حر وهن حرائر، فلا ننظر إلى ما تقدم، ونعتبر حالة الاجتماع في الإسلام، وهذا أصل يطّرد ولا يتناقض في أحكام الرق والحرية، وهو اعتبار حالة الاجتماع في الإسلام.

وكذلك لو أسلمن، وتخلف الزوج، ثم عتق في الشرك، وعتقن في الإسلام، ثم أسلم، وكذلك لو أسلم وعتق، [وعتقن] 1 في الشرك ثم أسلمن 2، فمهما كان حراً وكن حرائر حالة الاجتماع في الإسلام، فالحكم ما ذكرناه.
8146 - ولو عتق العبد، ثم أسلم وأسلمن وهن رقيقات، فليس له أن يختار إلا واحدة منهن، على شرط أن يكون عادماً للطَّوْل خائفاً من العنت، نظراً إلى حالة الاجتماع في الإسلام، وقد كان فيه حراً، فيجعل كما لو لم يزل حراً وكن إماء، فالتحق هذا بما لو نكح الحر في الشرك إماء، فإن كان على شرط نكاح الإماء، اختار منهن واحدة.
وكذلك لو أسلمن وهو في الشرك، ثم أسلم، فلا يختار إلا واحدة.
وكل ذلك يندرج تحت اعتبار حالة الاجتماع في الإسلام.
8147 - ولو أسلم العبد وأسلمت واحدة منهن، وعتق العبد، ثم أسلمت البواقي، فقد حُكي عن القاضي أنه يختار الأُولى، وهي متعينة للزوجية في هذه الصورة، حتى لا يجوز له إمساك أخرى من البواقي.
قال: وذلك بخلاف الحر إذا كان تحته إماء، فأسلم الحر، وأسلمت الإماء على الترتيب - واحدة واحدة؛ فلا تتعين الأُولى للإمساك، بل له أن يمسك أيتهن شاء.
هذا كلام القاضي.
والأصحابُ بجملتهم على مخالفته، وهو هفوة منه لا يستريب فيها فقيه؛ وذلك لأنه لما عَتق بعد الاجتماع مع الأولى في الإسلام، فعتقه الطارىء لا يثبت له درجة تزيد على درجة الحر الأصلي، ولا شك أن [الأُولى] 3 لا تتعيّن في حق الحر الأصلي.
ولو عتق العبد أولاً، ثم أسلم، لم تتعين الأولى، وأي فرق بين أن يعتق قبل الإسلام أو يعتق بعد الإسلام؟ فلا ينبغي أن يشك الفقيه فيما ذكرناه.
ولو أسلم وأسلمت ثنتان، ثم عتق، ثم أسلمت الأخريان؛ فقد قال القاضي في

هذه الصورة: له أن يختار ثنتين: إما الأوليين، وإما الأُخريين، وإما واحدة من الأوليين وواحدة من الأُخْريَين، واعتلّ بأن قال: تغيّرُ 1 الحال بعد استيفاء عدد العبودية لم يتغير به الحكم، بخلاف ما لو عتق بعد إسلامه وإسلام واحدة.
وهذا خبطٌ لا تعويل على مثله، ولا ينبغي الآن أن نفرع على عثرات الأئمة.
8148 - فإن قيل: إذا أسلم العبد وأسلمت الإماء، ثم عتق وعتقن بعد الاجتماع في الإسلام، فقد قلتم: لا يختار منهن أكثر من ثنتين، وينفسخ نكاح البواقي، وله أن يبتدىء نكاح الأخرييْن منهن أو نكاح ثنتين سواهن، فلا معنى للحكم بانفساخ النكاح مع التسليط 2 على أن يبتدئه بعده؟ قلنا: لما حصل الاجتماع في الإسلام على الرق؛ فقد دفع الشرع نكاح اثنتين، وقرر نكاح اثنتين، والانفساخ لا يتوقف على الاختيار، [وإنما] 3 يُعين المختارُ نكاحاً تقدم ثبوته، وفسخاً تقدم نفُوذُهُ، فإذا كان كذلك، فقد جرى الانفساخ في حالة الرق، والجاري حالة الاختيار [تعيين] 4 لما كان واقعاً قبلُ على طريق [التبيّن] 5. والدليل عليه: أنه لو تقدم اجتماع في الإسلام بين الزوج ونسوة، ثم إنهن مُتن، وأسلمت البواقي؛ فللزوج أن يختار الميّتات، مع العلم بأن الميتة غير قابلة لابتداء النكاح، ولكن الاختيار تبيُّنٌ، كما قدمناه.
وكذلك لو أسلم الحر مع إماء، وكان حالة الاجتماع على شرط نكاح الإماء، ثم أيسر من بعدُ؛ فله أن يختار نكاح أمة وإن لم يكن حالة الاختيار ممن يجوز له نكاح الإماء؛ فإن الأمر مستند إلى حالة الاجتماع في الإسلام.
وهذا واضح متمهّد.
ثم ضرب الأصحاب في ذلك [أمثالاً] 6 من الكتب لا حاجة إليها؛ فإن المعنى

الذي ذكرناه مستقل كامل، غيرَ أنهم قالوا: لا يمتنع أن يُمنع الشخص من استدامة 1 ما يجوز له ابتداؤه، وهذا بمثابة ما لو اصطاد المحرِم صيداً، واستدام اليد عليه ثم تحلل ويده قائمة دائمة على الصيد، فعليه رفع يده، وإن كان يجوز له أن [يصطاده] 2 ابتداء في حالة التحلل 3، ولكن لما استندت يده إلى اعتدائه السابق، قلنا: عليه إزالة هذه اليد.
وإن كان لا يمتنع عليه إثبات مثلها.
ولو غسل المتوضّىء إحدى رجليه، وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف 4؛ فإنه لا يمسح إذا أحدث؛ لأنه ابتدأ، فلبس الخف الأول قبل تمام الطهارة، فإن أراد التسبّب إلى المسح، فلينزع الرجل الأولى، وليُعدْها، كما تقرر في موضعه، وهذا مُغنٍ 5 بوضوحه عن الإبعاد في الاستشهاد.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كان تحت العبد إماء منفردات.
8149 - فلو كان تحته حرائر منفردات، فلا يخفى تفصيل المذهب؛ فإن الحرائر في حق العبد كالإماء، فيتخير منهن اثنتين إذا أسلم وأسلمن معه.
8150 - ولو أسلم وأسلمت اثنتان ثم عتق، ثم أسلمت الأخريان، قال الأئمةُ [أجمعون] 6: له أن يمسك اثنتين من غير مزيد، واعتلوا بأن قالوا: عِتْقُهُ وقع بعد استيفاء عدد العبودية.
ولو أسلم وأسلمت واحدة، وعتق العبد، ثم أسلمت البواقي؛ فله أن يُمسك أربعاً، لأن عتقه وقع قبل استيفاء عدد العبيد.
واستشهد الأصحاب على هذا فقالوا: العبد إذا طلق امرأته طلقةً، ثم عتق؛ فإنه يملك طلقتين أُخريين تتمة الثلاث.
ولو طلق امرأته طلقتين، ثم عتق، لم يملك الثالثة؛ لأنه استوفى عدد

العبودية في حالة العتق، ولم يؤثّر طريان الحرية من بعد.
وكذلك الأمة إذا أعتقت في خلال العدة قبل استكمال قرأين؛ فإنها -على قولٍ - تكمل ثلاثة أقراء، ولو عتقت بعد استكمال القرأين، لم يلزمها القرء الثالث.
والأمة إذا عتقت في أثناء ليلتها في القَسْم؛ فالزوج يكمل لها ليلتين فيلحقها بالحرة، ولو عتقت بعد مضي ليلتها، لم يزدها الزوج في هذه النوْبة على قَسْم الإماء، على ما سيأتي تفصيل ذلك في كتابه، إن شاء الله عز وجل.
8151 - وفرّع 1 ابن الحداد مسألة على هذه القاعدة، فقال: الذمي إذا طلق امرأته طلقةً واحدةً، ثم نقض العهد، والتحق بدار الحرب، ووقع في الأسر، وضرب صاحبُ الأمر عليه رقاً، فأراد أن ينكح تلك التي طلقها في حالة الحرية قبل نقض العهد؛ فإذا نكحها، فهو على طلقة واحدة منها، فإنه الآن رقيق، والطلاق الأول محسوب، فألحقناه برقيقٍ استوفى طلقة، وبقيت له طلقة.
وبمثله لو طلق الذمي زوجته طلقتين ثم طرأ ما وصفناه من النقض والالتحاق والوقوع في الأسر وجريان الرق، ثم أراد أن ينكح تلك المطلقة، فله أن ينكحها على طلقة ثالثة، والسبب فيه أنه لما طلق امرأته طلقتين في حال الحرية، لم نحكم بوقوع الحرمة الكبرى المُحْوِجة إلى التحليل، فإذا طرأ بعد ذلك الأحوالُ التي وصفناها، فلا نُحدث تحريماً لم يتقدم، ويجوز النكاح، ثم لا يخلو نكاح عن طلقة.
وهذا الذي ذكره ابن الحداد على التحقيق ناشىء من الأصل الذي مهدناه، وليس يخالفه في المعنى.
وذكر الأصحاب في ذلك عبارة ضابطة، فقالوا: الجامع للمسائل [أن نقول] 2: إذا تغير الحال بعد جريان الحكم، وهناك أصل باق في [حق] 3 المغيّر، فالمغير الطارىء يؤثر - إما بالزيادة وإما بالنقصان على ما يقتضيه الحال؛ لأن المغير يجد 4

أصلاً يتشبث 1 به، و [يستند] 2 إليه ويعمل فيه.
فإذا طرأ الطارىء، وليس ثَمَّ أصلٌ باق، لم يؤثر المغيّر، ولم تظهر فائدة، وعلى هذا تخريج المسائل.
فإذا عَتَقَ العبد بعد إسلامه وإسلام واحدة من الحرائر، ثم عتق البواقي، فإنه يختار أربعاً؛ لأن الحرية طرأت وهناك أصل باق.
ولو عتق بعد إسلامه وإسلام حرتين، لم يمسك إلا اثنتين؛ لأن المغيّر الطارىء لم يصادف أصلاً يعمل فيه بعد تمام عدد العبد.
وكذلك العبد إذا عتق بعد استيفاء طلقتين، لم يملك الثالثة، لأن العتق لم يطرأ على أصل باق له في الطلاق، وإن عتق بعد استيفاء طلقة، [ملك] 3 بعدها طلقتين؛ لأن الحرية وردت مع بقاء أصل، وعلى هذا يخرّج أمر العدة.
وكذلك القول في مسألة ابن الحداد في الذمِّي؛ لأنه إذا طلق طلقتين، ثم طرأ الرق، لم يبق في قياس العبيد عدد بعد الطلقتين حتى يؤثر طريان الرق؛ فسقط أثر الرق الطارىء، وإذا كان طلقها طلقةً واحدة وأثّر الرق الطارىء في الرد إلى طلقتين [فتحسب] 4 منهما الأولى، فقد جرت هذه المسائل على الضبط الذي ذكرناه نفياً وإثباتاً، فهذا ما ذكره الأصحاب.
8152 - ووراء ذلك مباحثة في المعنى، بها تمام البيان، فنقول: المسائل التي الاستشهاد بها -نظيرَ المسألة التي نحن فيها- قد تنفصل في نظر الفقيه عن هذه المسألة، وبيان ذلك: أنَّ العبد إذا طلق امرأته طلقتين، فقد وقع الحكم بالتحريم الذي يتوقف ارتفاعه على التحليل، فطريان العتق بعد ذلك لا يؤثر في رفع التحريم الواقع الممدود إلى حصول التحليل، وإذا انقضت عدة الأَمَة، وقع الحكم ببراءتها وخلوّها عن العدة، وأنها تحل للأزواج، فإذا عتقت، استحال ارتفاع الحل المحكوم به.
وفي مسألتنا إذا أسلمت حرتان مع إسلام العبد، لم يصر العبد مستوفياً حقه،

والمسلمتان ما تعيّنتا لزوجيته 1، بدليل أنه لو لم يخترهما حتى أسلمت البواقي، فله أن يختار اثنتين من البواقي، فلم يوجد إذاً في حال رقه إلا التمكن من اختيار اثنتين، والتمكن من التي لا تحل محل [الثُّنيا] 2. فهذا ما يخطر للفقيه في انفصال هذه المسألة عن نظائرها، وكان لا يبعد من طريق الاحتمال أن يقال: يتوقف إلى إسلام البواقي، ثم إن فرض عتقٌ في بقية العدة نلحقه بالأحرار، وهذا احتمال لا قائل به، ولا صائر إليه، والغرض بذكره التنبيه على طريق من طرق الاحتمال، وإلاَّ، فالحكم المبتوت به والمذهب المقطوع به ما ذكره الأصحاب 3.

فصل 1 قال الشافعي: "ولو أسلم، وأسلم معه أربع، فقال: فسخت نكاحهن، سئل؛ فإن أراد طلاقاً، فهو ما أراد ... إلى آخره" 2. 8153 - نجزت فصول العبد والإماء، وأحكام الرق، وطريان العتاقة، وأخذ الشافعي في ذكر أحكام باقية من نكاح المشركات تجري منه مجرى الأركان، وقد ذكرنا أن الرجل إذا أسلم وتحته نسوة، وليقع الفرض في الحر والحرائر [لئلا] 3 نقع في مضايق أحكام الرق.
فإذا أسلم وأسلمن وهن زائدات على الأربع، فالإسلام يدفع نكاح الزائدات على الإبهام، وتبقى في الزوجية أربعٌ مبهمات، والتعيين إلى الزوج، وهذا قد سبق تمهيده.
فإن قيل: فما أصَّلتموه أنه لو اتصل بالإسلام مفسد، تضمن ذلك الحكمَ بفساد العقد، وعليه بنيتم بقاء بقية العدة وزمان الخيار، ومعلوم أن الجمع بقي إلى الإسلام، فهلا قضيتم بفساد العقود فيهن جُمع؛ من قِبل اتصال العقد بالإسلام؟ قلنا: هذا تلبيس؛ فانَّ العدة المقترنة بالنكاح تبقى مع الإسلام وبعده، فيقع الحكم على النحو الذي مهدناه، والجمع لا يجامع الإسلام؛ فإنَّ الرجل كما 4 أسلم وتحته عشر أو أكثر، اندفع نكاح الزوائد بنفس الإسلام، فلم يجتمع مع الإسلام زائدٌ على العدد المحصور شرعاً.
ولا نقول: يطرأ الإسلام ثم يفسخ العقد في الزوائد، بل يقع الإسلام مع الفسخ، ويضاد الإسلامُ نكاحَ الزوائد مضادةَ السواد البياضَ، فالضدان يتعاقبان، وليس بينهما تخلل زمان، كذلك القول في نكاح الزوائد مع الإسلام.

ومما تقدم ذكره، أنه إذا أسلم على أكثر من أربع وأسلمن معه، أو في العدة، فيتعين اختيار أربع منهن، والزوجية ثابتة في أربع، ولا يحصل بالاختيار الزوجيةُ، وإنما يحصل به تعيين الزوجات المبهمات، ولو أراد الزوج أن يفارقهن من غير طلاق، لم يمكنه، جرياً على ما أوضحناه.
8154 - ولو أسلم وأسلمت أربع، فقال: فسخت نكاحهن، لم نحكم بنفوذ الفسخ إذا أراد بذلك فراقاً من غير طلاق، فلو أصرَّت المتخلفات؛ فالذي عليه الجماهير: أن الفسخ الموجه على الأربع الأوائل لاغٍ مردود، ووجودُه كعدمه.
وقد حكينا عن العراقيين وجهاً في وقف الفسخ 1 الموجه على الأوائل، وتفريع ذلك يقتضي أن نقول: إذا كُنَّ ثمانياً، فأسلم أربع، ثم بعدهن أربع، وقد فسخ نكاح الأوائل، فنتبين الآن أن نكاح الأوائل ارتفع بما تقدم من الفسخ، وتعينت الأواخر للزوجية.
ولو أسلمت الأوائل وهن أربع - في الصورة التي ذكرناها؛ فاختارهن، صح، واندفع نكاح المتخلفات، فإنْ أصررن، فاندفاع نكاحهن بإسلام الزوج، وإن أسلمن في العدة، فقد تبين أيضاًً اندفاع نكاحهن باختلاف الدين، ولكنا تبيّنّا تعيّنهن من وقت تعيينه الأوائل للزوجية 2. ولو طلّق الأربع الأوائل، نفذ، وكان توجيه الطلاق عليهن متضمناً اختيارهن؛ فإن الطلاق حَلٌّ، ومن ضرورته تقدير العقد في محلّه.
ولو قال: الأوائلُ فسختُ نكاحهن، ثم زعم أنه أراد بذلك طلاقاً، قُبل قوله؛ فإنّ اللفظ يحتمله، والطلاق يقع بالصريح تارة وبالكناية أخرى.
وإن زعم أنه أراد حلَّه [بلا طلاق] 3، فقد لاح أنَّ ذلك لا ينفذ في

الحال 1، وإنما الكلام في صحة الوقف.
وقد ذكرت اختلافاً ذكره العراقيون.
8155 - ولو أسلم وتحته ثمان، ثم قال: من أسلم منهن، فقد اخترت نكاحها؛ فمن أسلم منهن لم تتعين للزوجية، ولم يصح الاختيار فيها؛ فإنَّ الاختيار لا يقبل التعليق 2؛ فإنه إن كان بمثابة ابتداء عقد من طريق التشبيه لم يقبل التعليق، وإن نزلناه منزلة الاستدامة، فالاختيار على حالٍ لفظٌ معتبر في الاستدراك، فلا أقل أن ننزله منزلة الرجعة، وهي لا تقبل التعليق أيضاًً، والذي يغني عما ذكرناه أن الاختيار تعيين، وذكره على التعليق إيراده على صيغة الإبهام، وهذا يناقض التعيين المأمور به.
ولو قال: من أسلمت فقد فسخت نكاحها، وأراد تعييناً للفراق وحلاً [بلا طلاق] 3 فمن أسلمت، لم تتعين للفراق لمعنيين: أحدهما - أنَّ التعيين للفراق أحد موجبي الاختيار، فينافيه التعليق، كما ذكرناه في الإجازة.
والمعنى الثاني - أن التعيين للفراق قبل العدد التام غير مسوغّ، كما قدمناه.
ولو قال: من أسلمت، فهي طالق، فمن أسلمت تُطلّق، ويتضمن وقوعُ الطلاق اختيارَها للزوجية أولاً، كما تقدم، [و] 4 اختيار الزوجية، وإن كان لا يقبل التعليق مقصوداً، فقد تحصل ضمناً لما يقبل التعليق.
والدليل عليه أن السيد لو أبرأ المكاتب عن نجوم الكتابة يعتق، والإبراء لا يقبل التعليق، ولو قال لمكاتبه: إن دخلت الدار، فأنت حر؛ فإذا دخل؛ عتَقَ وبرىء، فتحصل البراءة ضمناً، وإن كانت لا تُعلّق وحدها صريحاً.
8156 - ولو قال: من أسلمت، فقد فسخت نكاحها، وزعم أنه أراد بذلك الطلاق، فالذي ذهب إليه الأصحاب أن ذلك مقبول منه.
ثم القول في الطلاق المصرح به ما ذكرناه.

وحكى العراقيون وجهاً، أن تفسيره الفسخ بالطلاق مردود، وهذا لا وجه له.
فإن تكلف متكلف وقال: الفسخ في نكاح المشركات صريح في الفراق الذي هو من خصائص الباب، وما كان صريحاً في موضوعه لا يجوز أن يُعدل به عن موضوعه [بالنية] 1، وهذا كما أن الطلاق لا يصير بالنية ظهاراً، والظهار بالنية لا يصير طلاقاً 2. وهذا بعيد؛ فإنَ الفسخ قبل الإسلام لا يقال له على صيغة التعليق، والطلاق ينفذ، فكان استعمال الفسخ في وقت لا يجد نفاذاً في موضوعه.
8157 - ولو كُنَّ ثمانياً، فأسلمت واحدة، فقال: فسخت نكاحها، ثم هكذا: أسلمن بجملتهن واحدة واحدة، والتفريع على الأصح 3 -وهو إلغاء الفسخ- ففسخه مردود في الأربع الأوائل، وهو نافذ في الأربع الأواخر، والسبب فيه أن فسخ الأربع الأواخر وقع وراء العدد الكامل، وهو الأربع، فكان نافذاً.
وكذلك لو أسلمت أربع دفعة واحدة، ثم أسلمت أربع أخرى، فينفذ الفسخ في المتأخرات؛ فإنه وراء العدد الكامل - وهو الأربع؛ فينبني على هذا ما نريد الآن.
فإذا أسلمن مترتبات واحدةً واحدةً، وهو كان يفسخ نكاح كل من تُسلم، فلا ينفذ الفسخ في الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وينفذ في الخامسة إلى الأخيرة، ثم إذا نفذ الفسخ في المتأخرات، تعنيت الأوائل للزوجية، إذ لا بد من أربع.
وإن فرّعنا على الوجه الضعيف الذي حكاه العراقيون، فنقف الفسخَ في الأربع الأوائل، وننظر إلى ما يكون، فإن أسلمت الخامسة فقال: فسخت نكاحها، فنقدم على ذلك فرضَ الكلام في إسلام أربع جميعاً، وإسلامِ أربع بعدهن، والنسوة ثمان، وقد قال لما أسلمت الأوائل: فسخت نكاحهن، وقال لما أسلمت الأواخر: فسخت نكاحهن، فإن فرعنا على ظاهر المذهب؛ ففسخه الأُول لاغٍ، ولما فسخ نكاح الأربع المتأخرات حالة إسلامهن، نفذ الفسخ فيهن، وتعينت الأوائل للزوجية، [وعلى قول

الوقف] 1 لو فسخ نكاح الأوائل، وقفنا فسخه، وانتظرنا العاقبة، فلما أسلمت الأواخر معاً، ثبت نكاحهن كما 2 أسلمن، وتبيّنّا نفوذ الفسخ في الأوائل.
ولو فسخ نكاح الأواخر، لم ينفذ فسخه؛ فإنا نفذنا على وجه الوقف فسخَه في الأوائل، فاقتضى ذلك تعيين الأواخر للزوجية، وإذا تعيّنّ، بطل تقدير الفسخ فيهن إذا أسلمت أربع معاً، ثم أسلمت أربع.
8158 - فأما إذا أسلمت أربع على الترتيب واحدة واحدة، وفرّعنا على الوقف، فالفسخ في الأربع المترتبات موقوف، فلما أسلمت الخامسة، فقد تمكّنّا من [التنفيذ] 3 لفسخ نكاح واحدة من الأوائل، فإنَّ الإجازة والاختيار في الخمس لا وجه له، فننفذ فسخاً؛ ويتعين [للتنفيذ] 4 الفسخُ في الأولى؛ فإنه أول فسخ صدر، فيتبين نفوذه بأول التمكن، ثم لما نفذنا الفسخ في الأولى يبطل الفسخ في الخامسة وتعيّنها للزوجية إذا كانت المسألة مفروضة في ثمان، ثم إذا أسلمت السادسة، نفذنا الفسخ في الثانية للقياس الذي ذكرناه في الخامسة والأولى، وإذا أسلمت السابعة، ففسخ نكاحها، نفذنا الفسخ في الثالثة، وأثبتنا زوجية [السابعة، وإذا أسلمت الثامنة، ففسخ نكاحها، نفذنا الفسخ في الرابعة، وأثبتنا زوجية] 5 الثامنة، وصار إسلام الأربع الأواخر ترتيباً مع تقدير الفسخ فيهن مؤدياً إلى ما اقتضاه فسخ نكاح الأربع الأواخر جميعاً لو أسلمن معاً بعد تقدم الفسخ في الأوائل جميعاً لما أسلمن معاً.
والمذهب إلغاء الفسخ في الأوائل، وإبطال مذهب الوقف، وليس يخفى التفريع عليه.
8159 - ولو أسلمت أربع من الثمان، فآلى الزوج، لم يصر بالإيلاء مختاراً لهن، بخلاف ما لو طلقهن 6، والسبب فيه أن الإيلاء يمين على الامتناع عن الوطء،

والحلف [على] 1 الامتناع عن الوطء يلائم الأجنبية المعينة للفراق، وليس كالطلاق؛ فإن من ضرورته حَلٌّ بعد تقدير عقد، وكذلك لو أسلمت أربع، فظاهَرَ عنهن، لم يجعل الأصحاب الظهار تعييناً للزوجية؛ فإن معنى الظهار المبالغة في وصف المرأة بالتحريم، من حيث تشبيهها بالمحرمات، وهذا يلائم حال الأجنبية بخلاف الطلاق.
هذا ما وجدته للأصحاب.
8160 - ومما ذكروه واتفقوا عليه؛ أنه لو أسلم من النساء خمس أو ست، فقال الزوج المسلم: أوقعت الأربع المختارات فيهن؛ فالاختيار ينحصر فيهن، وتندفع الباقيات لو قدر إسلامهن.
وقد يتطرق إلى هذا سؤال، وذلك بأن يقال: الاختيار تعيين، وحصره الزوجات في جمع من النسوة زائداتٍ على العدد المعتبر شرعاً لا تعيين فيه؟ وسبيل الجواب عنه: إن التعيين على معنى الحصر في هذا الجمع محقق كائن، وفيه تعيين الباقيات تعييناً للفراق، فصح ذلك.
ولو أبهم رجل طلقة بين أربع نسوة، ثم أشار إلى اثنتين، وقال: من أردته بالطلاق فيهما، كان ذلك ضرباً من التعيين، وترتب عليه تعيين الأخريين للزوجية، وانحصار الطلاق في اللتين ذكرهما للطلاق إبهاماً، ثم يتعين عليه تعيين المطلقة منهما، كذلك القول في اختيار الأربع من الست اللواتي حصر المختارات فيهن، فنقول: عيِّن أربعاً منهن وفارق اثنتين.
هذا ما ذكره الأئمة.
8161ـ ولم يتصل بأطراف الكلام أن الزوج إذا أسلم وتخلفت الزوجة، وطلقها وهي متخلفة، فلا شك أن الطلاق لا ينتجز في تخلفها، مع جواز أن تصرّ على شركها حتى تنقضي العدة؛ إذ لو اتفق ذلك، تبيّنا ارتفاع النكاح بنفس اختلاف الدين، وذلك سابق على تنجيز الطلاق.
ولكن لو طلقها، ثم أسلمت، فقد ظهر اختلاف الأصحاب في تنفيذ ذلك الطلاق

تخريجاً على الوقف، وسبب ظهور الخلاف أن الطلاق أقبل [للغرر] 1 من غيره.
ولو كان تحته نسوة زائدات على العدد المحصور، فأشار إلى أربع منهن في الشرك، فقال: أجزت نكاحهن، [فلا شك] 2 في بطلان اختياره إذا أبطلنا قول الوقف، فأما إذا فرعنا على قول الوقف، فهذا الاختيار فاسد أيضاًً؟ فإنها على ثبوتها 3 لا يصح اختيارها، ومن أجاز وقف العقود، لم يجوّز بيع الخمر على تقدير المصير إلى حموضة الخل.
وفي القلب من هذا أدنى شيء؛ من قِبل أنَّ الخمر ليست مملوكة ويثبت الملك مع تخللها غير مستند إلى حالة الشدة، وإذا أسلمت الوثنية، تبينا أنها كانت زوجة وهي وثنية، وهذا الإسناد محكوم به شرعاً، فيتطرق إمكان القول بالوقف على بُعدٍ في الإجازة.
والعلم عند الله تعالى.
فرع: 8162 - إذا أسلمت نسوة زائدات مع إسلام الزوج، فقد ذكرنا أنه يختار أربعاً منهن، فلو وطىء، فهل يكون وطؤه اختياراً للزوجة؟ فيه وجهان ذكرهما العراقيون، وهما كالوجهين في أن الرجل إذا أبهم طلقة بين امرأتين ثم [وطىء] 4 إحداهما أو أبهم إعتاقاً بين أمتين ثم وطىء إحداهما، فهل يكون الوطء تعييناً للملك والزوجية؛ حتى تتعين الأخرى للعتق وللطلاق؟ فعلى اختلاف 5 مشهور، سيأتي مشروحاً في كتاب الطلاق، إن شاء الله عز وجل.
فرع: 8163 - ظاهر النصوص أن عدة المتعينات للفراق تحتسب من وقت تقدم الإسلام ممن تقدم به، وإن أحببنا قلنا: أول العدة يُحتسب من وقت اختلاف الدين، هذا مقتضى النصوص، وعليه أجرينا المسائل.
وللشافعي نص في كتاب العدة "أن الرجل إذا نكح امرأة نكاحاً فاسداً، فكان

يغشاها، فالعدة تحتسب من وقت التفريق بينهما، لا من آخر وطئه"، وفيه اختلاف وتفصيل سيأتي -إن شاء الله تعالى- في كتاب العدة، والغرض من ذلك أن معظم أئمتنا قالوا: ابتداء العدة محسوب من وقت اختلاف الدين، فإن فرّعنا على ابتداء عدة الشبهة من وقت التفريق بين الزوجين، والسبب فيه [أن] 1 الزوج في النكاح الفاسد يخامر زوجته ويخالطها مخالطة الأزواج، وإن كان لا يغشاها، فيجوز ألا يقع الاعتداد بذلك الزمان من العدة، فالزوج لا يغشى المتخلفات في مسألتنا ولا يخالطهن مخالطة من يتسلط على الغشيان، فكان ذلك فرقاً بين المسألتين.
ومن أصحابنا من قال: إذا حسبنا ابتداء عدة الشبهة من افتراق، فنحسب ابتداء العدة في المتخلفات من وقت التعيين [للفراق] 2، وكذلك القول فيه إذا أسلمن وتخلف، وهذا القائل يعتل، فيقول: إذا كان ظن [الزوجية] 3 على الفساد يمنع الاحتساب بالعدة في النكاح الفاسد، فتقع الزوجية في المتخلفات أو في المسلمات تحت الزوج المتخلف أولى بأن تمنع الاحتساب من العدة.
وحقيقة هذا سيأتي في كتاب العدة، إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: "ولو أسلمن معه، فقال: لا أختار، حُبِسَ حتى يختار ... إلى آخره" 4. 8164 - إذا أسلم وتحته أكثر من أربع أسلمن، فالزوج مأمور بأن يختار أربعاً منهن، والاختيار حتم عليه؛ فلا يجوز له أن يتركهن مبهمات؛ فإنه لو فعل ذلك، لكان حابسَهن على غير تعيين للفراق والزوجية.
وكذلك القول فيه إذا أبهم طلاقاً من نسوة.

ثم قال الشافعي: "إذا امتنع من التعيين، حبسته ليُعيّن، فإن امتنع مع الحبس يُعزر ويضرب حتى يختار" 1. هذا كلام الشافعي.
وفي هذا أدنى تأمل على الناظر.
والحبس في وجوه 2 من ثبت عليه دين نوعٌ من العقوبة، ونحن لا نحبس في الدَّين إلا بعد ثبوته، ولا تعويل على قول القائل: لسنا نقطع بصدق الشهود؛ فإنَّ البينة إذا قامت، أرقنا الدماء بها، وهجمنا على العظائم، ثم حكمنا بالظاهر، ووكلنا الأسرار إلى الرب تعالى، وليس الحبس بأعظم من القتل والرجم، ولكن إنما اختار ولاة المسلمين وقضاةُ الدِّين من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبسَ لسرٍّ، وهو أنه عقوبة دائمة إلى الوفاء بالحق، ولا يتصور إدامةُ عقوبةٍ غيره.
وفيه مع ما ذكرناه لطيفة أخرى، وهو الاستيثاق بمن عليه الحق؛ فاجتمع في الحبس هذان المطلبان.
ثم ذكر الشافعي أن الرجل إذا امتنع من الاختيار، فرأى القاضي أن يعزره، عزّره، وهذا مضموم إلى الحبس، فلا اكتفاء بالتعزير، وإنما رأى الشافعي [ذلك] 3؛ لأنه ما [لم] 4 يتطرق إلى الذي وجب عليه الاختيار إمكانُ عذر؛ فإن 5 الأمر إلا إليه، فتركه للاختيار نكاح 6. فقال الأئمة: لو فرض مثل هذا في الحقوق المتوجهة، ورأى القاضي التعزير [ضمّاً] 7 إلى الحبس، فله ذلك، وإنما يتصور هذا إذا أقر بالحق واعترف بقدرته

[على أدائه، وأخر مماطلةً، من غير أن يكون له وطر] 1؛ فللقاضيَ أن يعزره، فأما إذا قامت البينة وهو [رادٌّ] 2 ولكنا أوضحنا له: "أن القضاء نفذ عليه ولا يقبل منه تكذيبُ البينة"، فإن كان يدعي إعساراً، فلا سبيل إلى المزيد على الحبس، وإن اعترف باليسار؛ فالظاهر عندنا امتناع التعزير، وفي الحبس مقنع.
وفي كلام الأصحاب ما يدل على أن للقاضي أن يعزره.
ثم ما ذكرناه من التعزير ليس حتماً، بل هو إلى رأي الوالي، على ما سيأتي شرح ذلك في كتاب الحدود، إن شاء الله عز وجل.
ثم إن كرر السلطان التعزير حيث يراه، فلا بأس، ويخلَّلُ بين التعزيرين زمانٌ يبرأ فيه عن التعزير الأول؛ فإن الموالاة في العقوبة عظيم.
فإن قيل: هلا قلتم: إذا امتنع الزوج من التعيين، فللقاضي أن يعيّن عليه، كما يطلّق زوجة المُولي بعد المدة إذا امتنع عن الفيئة، على أحد القولين؟ قلنا: المرأة مطالِبة بحقها وهي مضرورة من جهة الزوج، فإنْ قطع الحاكم نكاحاً لإزالة الضرر، لم يبعد، وفي مسألتنا واحدة من النساء لا تتعين لطلب حقها، فلا سبيل إلى تفويض ذلك إلى القاضي.
ثم قال الأصحاب: إذا امتنع الزوج -وتحته ثمان، وأسلم وأسلمن- عن اختيار أربع منهن، وحبسناه، فلا نعزره على الفور، فلعل أ [له في التعيين فكراً] 3، وأقرب معتبر في ذلك مُدَّة الاستتابة 4. 8165 - ثم عليه أن ينفق على جميعهن ما دام ممتنعاً عن اختيار أربع، أجمع

الأصحاب عليه، واعتلّوا بأنهن محبوسات بسببه، والزوج قادر على تخليصهن من الحبس، فإذا أدام حبسهن أُلزم نفقتهن.
وهذا المقدار لا يستقل، والوجه أن نقول: إنما تجب النفقة لأن كل واحدة منهن تزعم أنها مستحِقة، والنفقة من حيث إنها كانت من قبلُ مستحقة، ولم يتحقق في حقها على الخصوص ما يوجب إسقاط النفقة؛ فهي على مطالبتها بحقها من النفقة إلى أن يتبين ما يسقطها.
والذي يوضح ذلك: أنه لو لم تثبت لكل واحدة منهن نفقة، فلا سبيل إلى إسقاط نفقتهن بالكلية، ولو أوجبنا نفقة أربع نسوة، فلا يمكن تعيين المستحقة، ولا سبيل إلى وقف النفقة إلى البيان؛ فإنَّ النفقة أُثبتت شرعاً لحاجة ناجزة لا تقبل الوقف.
ولو فُضّت 1 النفقة التي ذكرناها عليهن من غير وقفٍ، لما وصلت واحدة منهن إلى نفقة تسد مسداً، فإذا تعذر الوقف، وتعذر إسقاط أصل النفقة، ولم يتجه الفضُّ [والتعيين] 2، فالرجوع إلى اعتبار كل واحدة في نفسها؛ نظراً والتفاتاً إلى الاستحقاق القديم، حتى كأنه لا طَلِبة إلا منها ولا مستحقة غيرها - أولى 3 معتبرٍ وأحقُّ مرجوع إليه.
ومما يعضد ذلك أن الجاريات في العدة بسبب اختلاف الدين ينزلن عند معظم الأصحاب منزلة الرجعيات في عدة الرجعة، على ما سنقرر ذلك في آخر الباب، إن شاء الله عز وجل.
والرجعية تنزل منزلة الزوجة في استحقاق النفقة ما دامت في عدة الرجعة.
فقد وضح ما ذكرناه من إيجاب النفقة على الزوج من كل وجه.
8166 - ثم الكلام وراء ذلك يُفرض في موت الزوج قبل اتفاق التعيين والاختيار، فإذا اتفق ذلك، تعلق الكلام بفصلين: أحدهما - في العدة، والثاني - في الميراث.
فأما القول في العدة، فليس يخفى أن الزوجة تعتد عدة الوفاة: أربعة أشهر

وعشراً، التي مات عنها زوجها، والتي تبيّن أنها بانت عن زوجها تعتد بالأقراء، إن كانت من ذوات الأقراء، وتعتد بثلاثة أشهر إن كانت من ذوات الشهور.
ونحن نعتبر في حق كل واحدة مسلك الاحتياط، ولا نحلّها للأزواج إلا على ثَبتٍ، وتعيُّنُ هذا المساق يقتضي لا محالة أن يُرعى في حق كل واحدة منهن أقصى الأجلين، فإن كانت العدة بالأشهر، لم يخف وجه الاحتياط، فإن الأربعة أشهر والعشر تشتمل على ثلاثة أشهر وتزيد، وإن كن حوامل؛ فإذا وضعت الحامل بعد الموت حملها، فقد حلت عن العدة، فإنها سواء فرضت زوجة، أو قدرت بائنة 1 عن زوجها، فوضع الحمل يبرئها إذا وضعت بعد الموت.
وإن كانت من ذوات الأقراء، فينبغي أن تأتي بثلاثة أقراء فيها أربعة أشهر وعشر.
وإن أحببتَ قلتَ: تعتد بأربعة أشهر وعشر، وإن أحْببت قلت: تعتد بأربعة أشهر فيها ثلاثة أقراء، فأي الأجلين انقضى انتظرت الأجل الآخر، وهذا معنى أقصى الأجلين، واليقين يحصل بهذه الطريقة.
ثم عدة الوفاة يعتبر ابتداؤها من وقت موت الزوج لا محالة.
والبينونة، من أي وقت يعتبر ابتداؤها؟ فعلى وجهين، مهدناهما قبلُ: أحدهما - أنا نعتبر ابتداءها من أول الإسلام، إن كان الإسلام على الترتيب، ويعتبر في حق كل واحدة إسلامها وإسلام زوجها، ولا يخفى درك هذا على الفقيه، ولا يضر التعرض للجليات في أثناء الخفيات.
والوجه الثاني - أنا نعتبر ابتداء عدة البينونة في حقوقهن من وقت موت الزوج، فإنهن من قبل ذاك في حال الزوجية والتباس الحال، فشابهن المنكوحة نكاح الشبهة والزوج كافر.
ومن أسرار القول في العدة -وإن كان متّضحاً- أن وجوب العدة قد يحال على اختلاف الدين، كما تقدم، وذلك يستدعي ترتيباً في الإسلام، وتقديرَ سبقٍ من أحد الزوجين إليه، فإذا أسلم الزوج وأسلمن معاً، فالعدة تحال على دفع الإسلام نكاح

الزوائد، فإنا أوضحنا أن الإسلام يتضمن انتفاء أنكحة تزيد على حد الشرع.
ثم المختارات في الزوجية والمندفعات بحكم الزيادة يبنين على الوجه الظاهر من وقت الإسلام الواقع؛ فالعدة إذاً تحال مرة على اختلاف الدين، ومرة على الدفع.
ثم الدفع قبل البيان على لَبْسٍ، كما أن تبين الارتفاع باختلاف الدين موقوف على ما يُبيِّن، فهذا حاصل الكلام في العدة.
8167 - فأما القول في الميراث؛ فإذا مات الزوج [وبقين] 1 [فنفرز] 2 من تركته ميراثَ زوجة من غير مزيد، وهو ربعٌ أو ثمن، عائلٌ أو كامل.
ثم الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن هذا القدر يوقف بينهن، فلنفرض ثمانياً، ونقول: ميراث الزوجة الواحدة موقوف بينهن؛ فإن اصطلحن، فذاك، وإن لم يصطلحن، استمر الوقف.
ثم قال الأصحاب: لو جاءت واحدة أو اثنتان أو ثلاث أو أربع يطلبن من الربع أو الثمن، فلا نجيبهن إلى شيء؛ من جهة أنا نجوّز أن تكون الزوجات من الباقيات اللاتي لم يطلبن شيئاًً من الموقوف، وقد صورنا تحته ثمانياً.
ولو جاءت خمس يطلبن، فنسلم إليهن ربعَ الموقوف؛ فإنا نستيقن أن فيهن زوجة.
فأقل ما يقدر لهن هذا.
وقد قال الشافعي: لو كان فيهن طفلٌ 3، فليس لوليها أن يرضى لها -إذا طلبن [الاصطلاح] 4 - بأقلَّ من ثُمن الموقوف، وعلل بأن قال: إذا وُقف بينهن وهن ثمان

مقدارٌ، [فيدُ] 1 كل واحدة منهن ثابتة على ثُمن الموقوف، فلا يقع الرضا بأقلَّ من ثُمن الموقوف على موافقة ثبوت الأيدي.
ومما ذكره الأئمة؛ أن الخَمس إذا جئن يطلبن، فقد ذكرنا أنا لا نسلم إليهن إلا رُبع الموقوف في الصورة التي صورناها، فهل يشترط عليهن الإبراء عن الباقي؟ فعلى وجهين: أحدهما - وهو القياس الذي لا جريان لغيره، أنا لا نشترط ذلك؛ فإنهن لم يطلبن فوق حقهن، بل اقتصرن على المقدار المستيقن [لهن] 2، فيبعد كل البعد أن نكلفهن إسقاط حق يتوقع لهن، بل يجب أن يُجَبن إلى القدر المستيقن فحسب.
والوجه الثاني - أنا لا ندفع إليهن شيئاًً، بل نديم الوقف إلا أن يسقطن حقوقهن من الباقي؛ فإنَّ سبب إجابتهن في مقدار من الموقوف لهن قطعُ خصومة عاجلاً وآجلاً، وهذا لا يحصل إلا بالإبراء، وهذا وجه لا اتجاه له عندنا.
ويتعلّق بتمام البيان في ذلك أنهن إن كن يطلبن أن يقتسمن الربع المسلّم إليهن، فذاك، وإن كن على أن يقفن ذلك الربع بينهن، فهذا خلي عن الفائدة؛ فإن الوقف كائن قبل ذلك، ولكن إذا أردن هذا، فغرضهن الاختصاص باليد.
ويتفرع عليه أن الخَمس إذا أخذن رُبع الموقوف، فثلاثة أرباعه تبقى تحت أيدي ثلاث نسوة، فإن أسقطت الخَمسُ حقوقهن من الباقي، فتختص به الثلاث الباقيات، وهذا خيال في التفريع لا حاصل له، فإنا إذا اشترطنا في إجابتهن أن يسقطن حقوقهن من الزائد على الرُبع المسلم إليهن، وهن أيضاًً يقفن الربع ولا يقتسمنه، فما استفدن شيئاًً، إلا أن الربع موقوف بين خَمس - يدُ كل واحدة منهن ثابتة على خُمس الرُبع، وهو يقع سهماً من عشرين سهماً من جميع الحصة الموقوفة لهن، وقد كانت يد كل واحدة قبل هذا الاستدعاء ثابتة على سهم من ثمانية أسهم من جملة الحصة.
وإذا وضح ذلك، فليس لاستدعائهن مقصود مطلوب إلا أنهن يملكن الاستبداد بأنفسهن من غير مراجعة الباقيات إذا تراضين بالاقتسام، فَتُبْنى إجابتهن إلى ما يطلبن

على ملكهن الانفراد بأنفسهن من غير مراجعة إلى الباقيات.
وإن قلنا: لا يشترط على الخَمس الطالبات من الثمان إسقاط حقوقهن من الباقي، فيظهر الغرض بأنهن ملكن الانفراد بالتصرف في الربع المسلم به، وحقوقهن بعد حط الربع لهن قائمة في الباقي الموقوف.
ولو زدن على الثمان وكن تسعاً مثلاً، فجاءت خَمسٌ وطلبن أن نقدر لهن شيئاًً، لم نجبهن؛ فإنا نجوز أن يكن الأربع الباقيات هن الزوجات.
ولو كنَّ ستاً، فجاءت أربع منهن يطلبن، فنسلم إليهن نصفَ الموقوف؛ فإنا نعلم أن في [الأربع] 1 زوجتان، ولو جاءت ثلاث يطلبن، فنسلم إليهن ربع الموقوف، فإنا نعلم أن في الثلاث زوجة، وإنما نأخذ هذا الاعتبار من عدد اللواتي لا يطلبن أن [يخصصن] 2 بشيء، وليس يخفى مُدرك الغرض في ذلك على من له فكر.
8168 - [ومما] 3 ذكره الأصحاب في ذلك أن الزوج إذا كان تحته أربع وثنيات وأربع كتابيات، فأسلمت الوثنيات معه، واستقرت الكتابيات؛ فالنكاح متردد بينهن، من جهة أن المسلم يقرر على نكاح الكتابية، فإذا مات، ولم يختر منهن أربعاً، فلا نقف لهن شيئاًً؛ فإنا نقف المقدار المستيقن، ونحن نجوّز أن تكون الزوجاتُ الكتابيات؛ إذ لو اختارهن في حياته، لجاز له ذلك.
ثم لا ميراث للكتابيات، فإذا أمكن تقرير هذا، فقد زال تحققُ الاستحقاق وثبوتُه على قطع، وهذا سديد على مذهب الشافعي في اعتبار اليقين في المواريث عند وقوع اللبس.
وقد ألحق الأئمة بهذه الصورة، أن الرجل لو نكح مسلمة وكتابية ثم قال: "واحدة منكما طالقة ثلاثاً"، ومات قبل البيان، ولم نُقم بيانَ الورثة مقام بيانه، فلا نقف لهما شيئاًً، للعلة التي ذكرناها؛ فإنه كان يجوز أن يعيّن المسلمة للفراق، ثم لا ترث الكتابية لو فعل ذلك ومات.

وذكر صاحب التقريب هذه المسألة، وأجاب فيها بجواب الأصحاب، وحكى وجهاً آخر، أنَّا نقف ميراث زوجة بين المسلمة والورثة إذا وقع بينهما الطلاق المبهم، وطلب أن يفصل بين هذه المسألة وبين المسألة التي ذكرناها في نكاح المشركات من فرض أربع وثنيات يسلمن وأربع كتابيات يصررن على الكفر، ولم يأت بما يقبل الحكاية، ولا يتوقع الفقيه في ذلك فرقاً ممكناً أصلاً.
فهذا ما ذكره جماهير الأصحاب في الميراث طردناه على وجهه.
8169 - وذكر صاحب التقريب طريقةً عن ابن سريج وعدَّها خارجة عن قياس الأصحاب.
ولا يستقر على المسلك الحق عندنا غيرُها 1، وذكر أنه حكي عنه أنه قال: إذا لم يختر المسلم الزوجات، ومات قبل اتفاق ذلك، واتفقت 2 النسوة على صورة الحال، ولم يختلفن، ولم تدّع واحدةٌ منهن كونها مختارة، بل اعترفن بصورة الحال، فالربع أو الثمن مفضوض عليهن بالسوية؛ فإنَّ التوقع في البيان منقطع، وكل واحدة منهن في سبب الاستحقاق بمثابة صاحباتها، وليس ذلك لبساً يُنتظر زواله.
والذي يكشف الغطاء في ذلك: أن محل اللبس ينتظم أن يقال فيه: ما هو مشكل علينا معلوم لله تعالى، فهذا التقدير لا يمكن إجراؤه في هذه المسألة؛ إذ لا وجه في البيان، فيفرض معلوماً لله تعالى.
ولو قال: إن كان هذا الطائر غراباً، فأنت طالق، وقال لزوجته زينب: إن لم يكن غراباً، فأنت طالق، فتطلق إحداهما.
فإن أشكل الطائر، وأشكل تسميةُ الطالق منهما، فهذا الإشكال يختص بنا، والرب تعالى عليم بالطالق، ومثل ذلك لا يتأتى تقديره في المسلمات الزائدات على العدد الشرعي إذا مات الزوج قبل اختيار الزوجات منهن، فلا وجه إلا التسوية بينهن قسمةً وتوزيعاً.

وهذا حسن منقاس، وإن كان مخالفاً لما عليه جماهير الأصحاب، وهذا يخالف ميراث الخناثى، فإنا لا [نأيس] 1 بياناً فيهم، والبيان غير متوقع في المسألة التي ذكرناها، ولا بد من صرف الميراث إليهن، فلا معنى للتوقف إذاً والحالة هذه.
وقد نجز الغرض من هذا الفصل.
فصل قال: "وإن أسلم وعنده وثنية، ثم تزوج أختها ... إلى آخره" 2. 8170 - إذا كان نكح في الشرك وثنية، ثم أسلم وتخلفت الوثنية، وذلك بعد الدخول، فقد بان أنا ننتظر إسلامها في مدة العدة، فلو نكح بعد الإسلام أختها المسلمة، فلا شك أن المتخلفة لو أسلمت في العدة، فنكاح الأخت مردود، فإنا عرفنا أن المسلم بعد التزام الأحكام أدخل نكاح أخت على أخت.
ولو نكح أختها كما فرضنا، ثم أصرت المتخلفة حتى انقضت العدة؛ فقد بان أن نكاح أختها وقع بعد بينونة المتخلفة.
فالذي نقله المزني عن الشافعي أن النكاح مردود، واختار لنفسه صحة النكاح.
وعلل الأصحاب فساد النكاح بما اقترن به مما يقتضي الوقف، والنكاح لا يقبل الوقف، وهذا أجراه الأصحاب على منع وقف العقود، وقد ذكرنا للشافعي قولاً في وقف العقود في كتاب البيع، وأوضحنا فيه مراتب الوقف، وطرق المذهب في كل مرتبة، فهذا نكاح جرى في وقتٍ كان لا يمكن أن نقطع فيه بانعقاد النكاح.
فلم ير الشافعي -فيما نقله المزني- تصحيح النكاح.
8171 - وهذا الفصل فيه سر؛ فإن الوقف الذي اتفق الأصحاب على إجراء القولين فيه مصور فيما إذا زوّج الرجل جارية أبيه في غيبته مثلاً، بناء على تزويج ملكه بغير إذنه، ثم بان أن أباه كان قد مات في وقت التزويج، وأنها كانت مملوكة للمزوّج في

الوقت، فهذا في انعقاده قولان عند كافة الأصحاب.
فإذا وضح ذلك، رجع الكلام إلى نكاح الأخت وأختُها متخلفة، وقد اختلف الأصحاب في ذلك، فذهب جمهورهم إلى إفساد النكاح، وإن تخلفت الوثنية إلى انقضاء العدة.
وأجرى بعضهم القولين كما ذكرناه في الصورة المتقدمة، فأما إجراء القولين؛ فقياسه أنا نتبين آخراً أن الأخت تزوجها المسلم، والوثنية بائنة 1 في تلك الحالة.
ومن رأى القطع 2 أظهر فرقاً بين هذه المسألة وبين مسألة الميراث، وقال: إذا زوّج جارية أبيه في غيبته، ثم بان أنها كانت ملكاً له بالميراث، وأن أباه كان قد مات؛ فالسبب المجوِّز للنكاح كائن في الحال، ولكنه لم يعلمه المزوّج، وأما إصرار المتخلفة إلى انقضاء العدة فليس أمراً واقعاً حالة العقد، ولكنه متعلق بما يكون في الاستقبال، وهو غيب لا مطّلع عليه، ولا يعلمه إلا الله عز وجل، فهذا وجه الفرق.
ومما يتضح به الفرق عند الفارقين أن من الأئمة من جعل المتخلفة بمثابة الرجعية في العدة، ونكاح الأخت في عدة الأخت الرجعية غير سائغ، والمزني لما اختار صحة النكاح بناء على ما تبين في المآل استدلّ بالطلاق، وقال: إذا تخلفت الوثنية [وطلقها] 3 زوجها المسلم، فلو أصرت حتى انقضت عدتها، فقد تبين أن الطلاق لم يصادفها؛ [فإنها] 4 بانت بإسلام الزوج، ولو أسلمت في العدة، لحقها الطلاق، وهذا مما تردد الأئمة فيه، فذهب الأكثرون إلى وقوع الطلاق، وهو الذي لا يسوغ غيره؛ فإن الطلاق يقبل التعليق بالغرر، ومنتهى ما يحذر في الوقف [تقدير] 5 التعليق، والنكاح وما في معناه من العقود لا يقبل التعليق، فلم ينعقد على تقديره، والطلاق إذا كان يقبل صريح التعليق، فيقبل تقديره على حكم الوقف، ومن أصحابنا من أجرى في الطلاق حيث ذكرنا قولَ الوقف.

وعلى هذا النحو اختلف الأصحاب فيه إذا أعتق الرجل عبداً لأبيه، ثم بان أنه كان مِلْكَ الابن بالميراث؛ فالذي ذهب إليه المحققون: الحكم بنفوذ العتق قطعاً، ومنهم من رأى تخريج ذلك على قول الوقف، وقد أشرت إلى هذا الاختلاف من طلاق المتخلفة.
والذي أراه إبطال مذهب من يصير إلى تخريج خلاف في الطلاق لما ذكرناه الآن.
والفقيه من [يميز] 1 عثرات الأئمة عما يعد من أصل المذهب.
8172 - ومما يتعلق بمضمون الفصل أن المرأة لو أسلمت وتخلف الزوج، ونكح أختها في الشرك، وكانوا يرون نكاح الأخت على الأخت، فلو جرى ذلك في الشرك وقد أسلمت الأخت التي كانت زوجته قديماً، ثم أسلم الزوج بعد ما تزوج الأخت، فقد قال الأئمة: نجعل ما جرى بمثابة ما لو نكح في الشرك أختين، ثم أسلم عليهما وأسلمتا، فإنا نخيره بينهما، وهذا مفروض إذا أسلمت الأخت [التي] 2 تزوجها حديثاً، فالحكم أن يتخير.
فإن اختار القديمة، تبين اندفاع الجديدة بعد الحكم بثبوت نكاحها، على الرأي الظاهر في ثبوت أنكحة الشرك، وإن اختار الجديدة، اندفع نكاح القديمة، هذا ما ذكره الأصحاب.
وفي ذلك أدنى مراجعة؛ فإنه لو كان نكح في الشرك أختين ثم أسلم وأسلمتا، فاختار إحداهما، فقد استمر النكاح عليهما في الشرك، ثم اتصل النكاح فيهما بالإسلام، وفي هذه المسألة جرى نكاح إحداهما بعد إسلام الأخرى، ولكن لا يختلف الحكم بهذا الاختلاف؛ فإن اندفاع نكاح إحدى الأختين إنما يحصل ويتبين عند الاجتماع في الإسلام، فإذا أسلم في العدة وهما [مسلمتان] 3، جرى الأمر في اختيار إحداهما على القياس المعلوم.
فإن اختار الجديدة، بان اندفاع نكاح القديمة من وقت إسلامها، فإن اختار القديمة، بان اندفاع نكاح الحديثة، إما من وقت إسلامهما إن أسلما معاً، أو من وقت إسلام من تقدم بالإسلام منهما إن ترتبا في

الإسلام؛ وهذا خارج عن الأصول الممهدة؛ فإنهما إن أسلما معاً، فلا اختلاف بينهما، وسبيل اندفاع الجديدة بدفع الإسلام نكاحها عند اجتماع الأختين في الإسلام، فيتأرخ اندفاع نكاحها بوقت الاجتماع في الإسلام لا بوقت الاختيار؛ فإن الاختيار بيان وليس [بقطع] 1. وإن أسلم الزوج مثلاً أولاً ثم أسلمت الجديدة من بعد، [فاختار] 2 القديمة، فهو كما لو نكح أختين في الشرك فأسلم الزوج وأسلمت واحدة فاختارهما، فنكاح المتخلفة يتأرخ زواله بوقت اختلاف الدين لا محالة.
وقد نجز مقصود نكاح المشركات أصلاً وتفريعاً، ولم يبق منه إلا الكلام في المهر، وما يفرض من اختلافٍ بين الزوجين في التقدم والتأخر، وادعاء الاجتماع في الإسلام على ما تقتضيه أغراض المختلفين، ونحن نعقد في كل غرض من هذه الأغراض فصلاً.
فصل قال: "ولو أسلمت قبله ثم أسلم في العدة ... إلى آخره" 3. 8173 - إذا أسلم أحد الزوجين بعد المسيس قبل الثاني، فلا يخلو إما أن تسلم هي أو يسلم هو، فإن أسلمت هي أولاً، وتخلف الزوج، نُظر: فإن جمعها الإسلام قبل انقضاء العدة، استحقت النفقة لما مضى من الزمان بعد إسلامها.
وإن أصر الزوج على تخلفه حتى انقضت العدة، فقد تبيَّنا انبتات النكاح بينهما، وهل تستحق النفقة لما مضى، يعني لأمد العدة؟ قال الأئمة: الصحيح أنها تستحق، لأنها بالإسلام أدت فرضاً عليها، والنفقة لا تسقط بأداء فرض.
وذكر بعض الأصحاب وجهاً آخر: أنها لا تستحق النفقة من وقت اختلاف الدين،

وعلل بأن قال: هي التي 1 أحدثت سبباً منعت 2 به الاستمتاع، ثم تمادى الأمر إلى تبين الانبتات.
هذا ما ذكره المعتبرون.
وذكر بعض الأصحاب فيه -إذا أسلمت أولاً ثم الزوج في العدة- وجهاً أنها لا تستحق النفقة لما مضى في زمان الاختلاف، وإن استقر النكاح بينهما في الاجتماع في الإسلام؛ لأنها بإسلامها -وإن أحسنت- تسببت إلى منع نفسها من الزوج وسد طريق الاستمتاع.
فهذا نقل ما قيل.
8174 - والذي أراه: أنها إذا أسلمت، وتخلف الزوج إلى انقضاء العدة، فإيجاب النفقة لمدة العدة بعيد عن القياس، وإن صحح الأصحاب إيجابها وعدّوا الوجه [الآخر] 3 ضعيفاً 4؛ وذلك أنا نتبين أنها كانت بائنة، والبائنة لا تستحق النفقة إذا كانت حائلاً.
وهذا لا ينقدح عنه جواب القاضي، [بأن] 5 الخلاف في النفقة ينبني على تردد الأصحاب في أن سبيل الجارية في عدة اختلاف الدين سبيل الرجعيات أو سبيل البائنات، وهذا مما ظهر فيه اختلاف الأصحاب: فمنهم من قال: هي كالرجعيات؛ من جهة أن الزوج يتمكن من إثبات النكاح بنفسه بأن يسلم، وتمكُّنه من ذلك بمثابة تمكُّن الزوج من رجعة المطلقة الرجعية.
ومن أصحابنا من قال: المرأة بمثابة البائنة.
وهذا التردد غير صادر عن ثبت [وتحقُّقٍ؛ من] 6 جهة أن الكلام مفروض فيه إذا انقضت العدة من غير اجتماع في الإسلام، وإذا جرى الأمر كذلك؛ فالتردد في البينونة

غير معقول، والدليل عليه أنه لو طلقها الزوج وقد أسلم وهي المتخلفة، فالطلاق لا يلحقها إذا أصرت، والطلاق يلحق الرجعية، فلا متعلق لمن يقول: عدتها بمثابة عدة الرجعية، إلا ما أشرنا إليه من تمكن الزوج من إثبات النكاح بالإسلام، وهذا لا حاصل له؛ فإن الإسلام ليس تصرفاً في النكاح حتى يُستشهد به على صفة العدة، وإنما حالٌ يجري، ثم يُبتنى عليه حكمٌ في النكاح، وهذا بمثابة قول الفقهاء: المرأة لا تقدر على رفع النكاح من غير ضرار مخصوص تدفعه بالفسخ، ونتصور منها أن ترتد ولا يكون هذا تمكناً منها من فسخ النكاح.
ثم الذي يقتضيه التوجيه الذي ذكره الأصحاب: الفرق بين أن تكون هي المتخلفة وبين أن يكون هو المتخلف، فإنَّ الزوج إذا تخلف وسبقت بالإسلام، فهو متمكن من إثبات النكاح بالإسلام، فهذا يضاهي الرجعة، والزوج المتخلف بمثابة المطلِّق المرتجع من حيث يتمكن من الإسلام تمكن الزوج من الرجعة، فإذا كانت هي المتخلفة والزوج مسلم؛ فليس يتعلق إثبات النكاح باختيار الزوج؛ فإن الأمر معلق بإسلامها وتخلفها، وهذا يوضح أن التعويل على الإسلام في المعنى الذي ذكرناه غير مستقيم؛ فإن البائنة والرجعية لا اختيار لهما في الاستبداد بالرجوع إلى النكاح، والمتخلفة متمكنة من الإسلام، وهو سبب ثبات النكاح.
ولو جرى في مدة العدة، فالذي لا يتجه 1 عندنا غيره: أن العدة إذا انقضت في تخلف الزوج، فلا نفقة لها، وذكر الأئمة أن الأصح وجوب النفقة، وعليه تدل النصوص، وهذا إذا سبقت بالإسلام وتخلف الزوج ثم أسلم في العدة أو أصر.
8175 - فأما إذا أسلم الزوج وتخلفت المرأة؛ فالذي ذكره الأئمة: أنا ننظر: فإن

لم يجمعهما الإسلام قبل انقضاء العدة، فلا نفقة لها لما مضى؛ فإنها المتسببة في تخلفها، فكانت كالناشزة على زوجها، انضم إلى ذلك أنا تبيّنا حصول البينونة مستندة إلى وقت اختلاف الدين.
وإن تخلفت وأسلم الزوج، ثم إنها أسلمت في العدة واستمر النكاح، فهل تستحق النفقة لمدة تخلفها؟ المنصوص عليه في الجديد: أنه لا نفقة لها لتلك المدة، لأنها بالتخلف ممتنعة عن زوجها متسببة بامتناعها فكانت كالناشزة، ونص في القديم على أن لها النفقة لما مضى من الزمان إذا أسلمت في العدة؛ لأن النكاح استقر آخراً، وهي لم تُحدث أمراً، وإنما الزوج هو الذي أحدث سبب امتناع الاستمتاع، وإذا هي أسلمت فلا، يبعد أن نحمل [تخلّفها] 1 على التفكر في قبول الدين.
[ولا] 2 خلاف أن الزوج إذا أسلم وتخلفت، وكان ذلك قبل المسيس يشطر المهر، وهذا دال على إحالة الفراق على إسلام الزوج، فلا يبعد إحالة امتناع الاستمتاع على إسلامه، وناصرُ القول الجديد ينفصل عن المهر، ويقول: المهر في مقابلة العقد، وقد مضى على الصحة، وتعلقت الفرقة بسبب صدر عن اختيار الزوج، واستقرار النفقة في مقابلة التمكين، وهي بتخلفها مانعة من التمكين، فكانت كما لو سافر الزوج، فامتنعت من الخروج معه.
هذا تفصيل القول في النفقة.
8176 - ثم الذي نراه أن نذكر ما يتعلق بالنفقة من اختلاف الزوجين، ثم نذكر على إثر فصل المهر ما يتعلق بالمهر من اختلافهما، فنقول - هاهنا تفريعاً على الجديد في الصورة الجديدة: إذا أسلم الزوج أولاً وتخلفت المرأة، ثم أسلمت في العدة، والتفريع على أنها لا تستحق نفقة زمان التخلف، فإذا قال الزوج: أسلمتِ بعد [إسلامي] 3 بخمسين يوماً، وقالت المرأة: بل أسلمتُ بعدك بثلاثين يوماً، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل بقاؤها على الكفر، ودوام سقوط النفقة، وكانت

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل