كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
والقسم الثالث - المجوس، وهم يقرون بالجزية.
والمذهب الذي عليه التعويل تحريم مناكحتهم وذبيحتهم.
واختلف قول الشافعي في أنه هل كان لهم كتاب، فرفع من بين أظهرهم، أو لم يكن لهم كتاب أصلاً 1؟ وأحد القولين أنهم لم يكن لهم كتاب، ويشهد له قوله "سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب"؛ فدل أنهم ليسوا أهل كتاب.
والقرآن يدل على أنه كان قبل نزول القرآن كتابان لا غير، قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156] وشهدت الأخبار على ذلك، فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: "مثلكم ومثل من كان قبلكم ... الحديث " 2.
وروي أن نوفل الأشجعي قال: علامَ تؤخذ الجزية من المجوس، وليسوا أهل كتاب؛ فقال له المستورد العجلي: أترد سنة الشيخين؟ ثم لبّبه 3، فأتى به علي بن أبي طالب، فقال: أنا أعلمكم بأمر المجوس، فإن لهم كتاباً كانوا يدرسونه وعلماً يتعلمونه حتى واقع ملكهم أخته، فأرادوا رجمه، فقال: أنا على دين أبيكم آدم، وكان يزوّج بناته من بنيه، فأصبحوا وقد أُسْري 4 على كتابهم" 5. وهذا يشهد
للقول الثاني.
ثم قد نطق القرآن بصحف إبراهيم، وورد في الأقاصيص نزول كتب على الأنبياء الأولين، ومن تعلق بشيء منها فلا حكم له؛ وإنما أهل الكتاب على الإطلاق، اليهود والنصارى.
وأما المجوس؛ منزّلون 1 على ما ذكرناه.
وهذا مما أجمع الأصحاب عليه.
8050 - فإذا بان القول في أقسامهم؛ فنعود بعد ذلك إلى الصفات المرعية في أهل الكتاب، فمن كان منهم من أولاد إسرائيل -وهو يعقوب عليه السلام- وآباؤه كانوا مستمسكين بالتهود، من غير تقطع؛ فهؤلاء يُنكحون، وتستحل ذبائحهم.
ومن لم تكن من نسل بني إسرائيل، فإن انتمت إلى أقوامٍ أوّلهم تهوّدوا أو تنصروا بعد المبعث، فلا يجوز نكاحها.
وإن انتمت إلى أقوام أوّلهم دخلوا في اليهودية والنصرانية قبل المبعث، ولم يكونوا من نسل بني إسرائيل، ففي جواز نكاحها قولان.
وللأصحاب في محل القولين طريقان: فمنهم من قال: إن دان أول آبائها بالدين قبل التبديل، فيصح نكاحها، قولاً واحداً.
وإن دان أولهم بعد التبديل وقبل المبعث، ففي جواز نكاحها قولان.
ومنهم من قلب الترتيب، وقال: إن دان أولهم بعد التبديل، فلا تحل المناكحة.
وإن دان أول [آبائها] 2 بالدين قبل التبديل، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنها تحل، وهو القياس؛ فإن سبب التحليل التمسك بالتهود والتنصر، وسبب تخصيص الدينين بهذه الفضيلة انتماؤهما إلى الكتابين.
والقول الثاني - إنها لا تحل؛ لأن تحليل المناكحة والذبيحة أثبتت فيهم تعظيماً لنبي الله تعالى إسرائيل عليه السلام.
فانتظم من مجموع ما ذكرناه: إن كان من بني إسرائيل فاستمر التهود في آبائه، فتحل مناكحته وذبيحته.
ومن ضرورة كونه من ولد إسرائيل أن يكون أول آبائه قد دان بالدين، وهو غير محرف، فيجتمع شرف النسب والتعلق بالدين في أول الآباء قبل التغيير.
ومن لم يكن من بني إسرائيل، وقد دان أول آبائه بالدين قبل التغيير؛ فهذا عري عن شرف الانتساب إلى إسرائيل، ولكن [له] 1 مزية الانتساب إلى من دان بالدين قبل التغيير؛ ففي مناكحته وتحليل ذبيحته طريقان: منهم من قطع بالتحليل، نظراً إلى الدين.
ومنهم من جعل في التحليل قولين.
ومن كان انتماؤه إلى من دان بالدين قبل مبعث المصطفى، وبعد التغيير؛ ففي المسألة طريقان: أحدهما - القطع بالتحريم.
والثاني - إجراء القولين.
ولو كان أول آبائه قد دان 2 بعد التغيير بالدين غير مغير، وتبرأ عما فيه من تحريف على علم به؛ فهذا كما لو كان أول آبائه قبل وقوع التغيير.
وإن دان أول آبائه -بعد التغيير- بالدين المغيّر؛ فهذا محل الطريقين الأخيرين: أحدهما - القطع بالتحريم.
ولو عرفنا أن أول آبائه دان بالدين قبل مبعث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأشكل علينا أنه دان الأول منهم قبل التغيير أو بعد التغيير؛ فهذا متردد بين القسمين المعلومين قبل التغيير وبعد التغيير.
ويتطرق إليه احتمال في الالتحاق بأحد القسمين.
8051 - وإن أردنا جمع مقالات الأصحاب على نسق، قلنا: من كان من نسل بني إسرائيل ولم يتغير أول آبائه عن دينه تحل مناكحته وذبيحته.
ومن لم يكن من نسله، وقد دان أول آبائه قبل التغيير، أو بعد التغيير، ولكن تبرأ عن التحريف، وتعلق بما كان حقاً؛ فقولان: أصحهما وأقيسهما - جواز المناكحة.
ومن دان أول آبائه قبل المبعث، وأشكل أن الأول دان بالمغيّر أو بالدين القويم؟
فقولان، مرتبان على الصورة الأولى.
وهذا أولى بالتحريم من التي تليها.
وإن دان أول آبائه بعد المبعث، فنقطع بتحريم المناكحة والذبيحة؛ فإنه لا عصمة
[بحرمة] 1 بعد نزول الفرقان، إلا لمن يدين بالإسلام.
ومن أشكل أمره، فلم ندر؛ أدان آباؤه قبل المبعث أو بعده؟ فلا خلاف في تحريم المناكحة والذبيحة.
ويقر هؤلاء بالجزية تقرير المجوس، والسبب فيه أن عصمة الدم وما يتبعه من المال، قد ثبت بشبهة كتاب، فأما تحليل المناكحة والذبيحة، فلا يثبت إلا بتحقق.
8052 - ومما يتم به غرض الفصل: أن من كان يدين بدين 2 موسى أولُ آبائه بعد نزول 3 عيسى عليه السلام، فهذا تعلَّقَ بالدين بعد النسخ؛ فكيف السبيل فيه؟
اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: هذا بمثابة ما لو دان 4 أول الآباء بعد مبعث نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وهذا القائل إنما يقول ذلك في تحريم المناكحة والذبيحة، فأما أخذ الجزية؛ فلا خلاف فيه، كما ذكرناه في المجوس وفي الذين أشكل الأمر في أن أول آبائه دان قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم أو بعد مبعثه.
ومن 5 أصحابنا من قال: إذا دان أول الآباء بدين موسى بعد مبعث عيسى، فهو [في] 6 ترتيب المذهب بمثابة ما لو دان أول الآباء بالدين المغيّر؛ فإن دين موسى لو لم يكن مغيّراً [لاستحثَّ على الإيمان بعيسى، ولم يناف تصديقه] 7، ولو كان كذلك، لكان يدين أول آبائه بدين عيسى مصدقاً لموسى، ومن قَبْل عيسى من النبيين.
8053 - ومما نتكلم فيه: السامرة والصابئون.
وقد ظهر اختلاف نص الشافعي في تحريم مناكحتهم وذبيحتهم.
والذي ذهب إليه معظم الأصحاب: أن اختلاف النصين محمول على اختلاف حالين: فحيث حرّم، ظن أنهم مخالفون لليهود والنصارى في أصول دينهم، وحيث نص على التحليل، ظن أنهم ليسوا مخالفين لهم في أصول دينهم، وإنما خالفوهم فيما يجري من دينهم مجرى الفروع من ديننا، ولم يُجر أحد من الأصحاب قولين على [ظاهر] 1 اختلاف النصين إلا الشيخ أبو علي؛ فإنه حكى أن من الأصحاب من أجرى القولين.
وحاصل القول في ذلك: أنهم إن لم يخالفوا اليهود والنصارى في أصول الدين، فهم ملتحقون بالذين وافقوهم في أصل الدين، ولا يجوز أن يكون في ذلك خلاف.
وإن صح أنهم خالفوهم مخالفةً لو فرض مثلها في ديننا، لأوجب [تكفيراً] 2، فليسوا من اليهود ولا من النصارى، ولا تحل مناكحتهم وذبيحتهم.
وإن جرت مخالفتهم [لهم] 3 مجرى مخالفة أهل البدع لعصابة الحق في ملة الإسلام، فهذا محتمل، وعليه ينزّل ما حكاه الشيخ أبو علي من القولين، وليس هذا تعريضاً منا بتحريم مناكحة أهل البدع؛ فإن الذي أقطع به: جواز مناكحتهم، والقول في التكفير والتبري غائصٌ بعيد الغور، ولسنا له الآن.
وسر المذهب أن البدع فينا وإن لم تحرِّم، فهي في الأولين على التردد، والسبب فيه: أنا لم نكفر أهل البدع فينا - تعلقاً بالسمع، ولم يتحقق لنا مثل هذا السمع من الأولين، ثم الذي بلغنا من مذهبهم: أنهم خارجون عن ضبط [المِلَل] 4 إلى اعتقاد إضافة الآثار إلى الأنجم، ومصيرهم إلى التعطيل، ونفي الإله المختار.
هذا ما نقله النقلة عنهم، فإن صح، فهم معطلة يجرون مجرى الزنادقة.
ولا نقبل منهم الجزية.
وإن لم يصح هذا، ورأيناهم ينتمون إلى اليهود، أو إلى النصارى، وتعارض لنا في حقهم التعطيل وقبول المسألة، فلا مناكحة، وسبيلهم في قبول الجزية منهم كسبيل
الذين أشكل أمرهم، فلم ندر أدان أولهم قبل المبعث، أو بعد المبعث؟ فهذا تمام القول فيهم.
8054 - والسر الذي هو ختام الفصل: أن من نجري الكلام في مناكحته نقطع بأنه كافر في دين موسى؛ فإن موجب دينه الإيمان بعيسى، وبمحمد بعده، ولكن هذا النوع لا يؤثر في تحريم المناكحة؛ إذ لو أثّر، لما حل نكاح يهودية.
ولو كان اليهودي مستمسكاً بالدين الحق قبل المبعث، ثم فُرض انبعاث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، لكان يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لا محالة.
وما ذكرناه من التغيير في ذكر موسى وعيسى عند ذكرنا أول الآباء، أردنا به أن أولهم إن دان بالدين على وجه يقتضي الإيمان بما يأتي من الأنبياء عليهم السلام، فما يقع من التحريف المانع من الإيمان بعد موسى في الأولاد، فهذا غير مؤثر، بعد التعلق بالانتماء إلى ما وصفناه.
وإن لم يكن في آبائه من يقتضي دينه الإيمان بمن بعد موسى وعيسى، فهذا الذي ترددنا في مناكحته.
فهذا بيان الفصل وخاتمته.
ولا يحيط بحقيقة الفصل من لم يحط بما ذكرناه.
8055 - وما ذكرناه من مخالفة السامرة، فذاك مخالفة في قاعدة سوى الامتناع [عن الإيمان] 1 بمن بعد موسى.
وبيان ذلك أن السامري لو كان إسرائيلياً، فقد لا نرى مناكحته إذا تحقق لنا أنه مخالف في القاعدة، كما تقدم وصفها.
وقد انتجز بهذا غرض الفصل.
فصل
مشتمل على ما إذا تهوّد النصرانيّ، أو تنصّر اليهوديّ، أو فُرض انتقالُ آخر من كفر إلى كفر
8056 - فنقول: الوثني إذا تهوّد، أو تنصّر، لم يستفد بما تعلّق به أمراً أصلاً، وهو على ما كان عليه من توثّنه؛ وعلتُه أن من لا عصمة له ديناً، لا يستفيد بعد نزول
القرآن 1 عصمة، إلا بالتزام الإسلام، وهو موجب قولنا في الفصل السابق؛ إذ قلنا: من تهوّد بعد مبعث المصطفى، لم يناكَح، ولم تحلّ ذبيحته، وكما لا يستفيد كما ذكرناه الآن، لا يستفيد التقريرَ بالجزية على ما اختاره.
هذا متفق عليه بين الأصحاب 2.
8057 - ولو تهوّد النصرانى، أو تنصّر اليهوديّ؛ ففي المسألة قولان مشهوران:
أحدهما - إنه يُقرّ على الدين الذي انتقل إليه.
والثاني - إنه لا يُقر عليه 3.
توجيه القولين: من قال: لا يقرّ المنتقل على الدين الذي انتقل إليه، احتج بأن هذا استحداث دين بعد ابتعاث محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يقبل، وحكم رده ألا يقر عليه بوجهٍ.
ومن قال: إنه يقر، احتج بأن التنصّر والتهوّد جميعاً باطلان، وهما في جميع الأحكام متساويان في ديننا؛ فلا أثر للانتقال بعد استواء الدينين في المقتضى، وإنما نُنْكِر استفادة عصمةٍ لم تكن، كما لو تهوّد وثني، وهذا المعنى غير متحقق في تهوّد النصراني وتنصّر اليهودي.
التفريع على القولين:
8058 - إن حكمنا بأنه يقر على ما انتقل إليه، فنجعل الذي تنصّر وكان يهودياً، كمن لم يزل نصرانيّاً، وكذلك عكسه، وحظ النكاح منه أن هذه تنكح، ولو تنصرت يهودية تحت مسلم، فلا أثر لما جرى منها.
8059 - وإن قلنا: لا يقر المنتقل على دينه الذي انتقل إليه، فماذا يُصنع به؟ القول في ذلك يتعلق بفصلين: أحدهما - في بيان ما يطالب به، وفيه قولان: أحدهما - أنه
لا نقنع منه بشيء غير الإسلام؛ فإنه بدّل 1 ما كان عليه، ولسنا نُقره على ما انتقل إليه، فلا عاصم إلا الإسلام، وهذا أصح 2 القولين.
والقول الثاني - إنه لو عاد إلى الدين الذي كان عليه، أزلنا الاعتراض عنه، ونجعل كأن الانتقال الذي جرى منه لم يكن أصلاً.
والتعبير عن هذا القول يحتاج إلى تأنق، فلا ينبغي أن يقال: هو مطالب بالإسلام أو العود إلى التهوّد؛ فإن طلبَ الكفر كفر، ولكن الوجه أن يقال: هو غير [مُقرّ] 3 على التنصّر الذي انتقل إليه، ونطالبه بالإسلام، فإن عاد إلى التهود، فهل نكف عنه؟ فعلى قولين كما تقدم ذكرهما، وليس [للانكفاف] 4 عنه إذا عاد إلى ما كان عليه وجه عندي؛ فإن ذلك الدين زال بتركه إياه، فعوده إليه انتقال منه إليه، ولو كنا نقرر على دين منتقل إليه، [لقررناه] 5 على التنصر، هذا ما تسقط به الطَّلِبة، فإن وُفق وتمسك بالإسلام، أو بما يقطع الطلبة عنه، فذاك، وإن أبى إلا الإصرار على ما انتقل إليه، ففي المسألة قولان: أحدهما -أنا نغتاله- إذا تبين إباؤه، ونقتله قتل المرتد، [ونقطع العصمة] 6 عن دمه وماله وذريته؛ لأنه كان على عصمة، فأبطلها؛ فهو كافر، لا عصمة له.
والقول الثاني - إنه لا يُغتال، ويبلّغ مأمنه 7؛ فإنه كان على عهدٍ فينا، فصار كذمّيّ ينقض عهده، ويبغي اللحوق بدار الحرب.
وللقائل الأول أن ينفصل عن هذا، ويقول: الذمّي إذا أراد الالتحاق بدار الحرب لم نمنعه منه، وإذا تهوّد النصراني، فهو ممنوع عن انتقاله هذا، وهذا يناظر ما لو نقض الذمّي العهد بجناية على الإسلام، فإنا قد نقول: إنه يُقتل، كما سيأتي شرح
ذلك في كتاب الجزية، إن شاء الله عز وجل.
8060 - وقد بقي من مقصود الفصل حظ النكاح.
فإذا قلنا: لا يقر المنتقل على ما انتقل إليه، فإن أصرت اليهودية التي تنصرت، لم ننكحها.
ولو كانت تحت مسلم، وفرضنا إصرارها؛ كانت بمثابة المسلمة ترتد تحت مسلم.
وإن قلنا: لا يقتل اليهودي إذا تنصّر، ولا يقر على التنصر، فاليهودية تحت المسلم إذا تنصّرت وأصرّت، فهي كالمرتدة، وإن كنا نبلّغها المأمن، فلا يتوقف تغير النكاح على اغتيالنا المنتقلة، فليفهم الناظر هذا.
وإن كنا نكتفي بالعود إلى ما كانت عليه، فإذا تنصرت اليهودية، وكان تنصرها كالردة؛ [فعودها] 1 إلى التهود كعود المرتدة إلى الإسلام.
8061 - ومما يتعلق بما نحن فيه: أن اليهودي إذا توثّن، فلا شك أنه لا يُقر، فإن الوثني الأصلي لا يقر، ثم بماذا تسقط الطَّلِبة عنه؟ ذكر الصيدلاني والعراقيون ثلاثة أقوال مقتضبة من الأصول التي ذكرناها: أحدها - أنه لا نقنع إلا بالإسلام.
والثاني - أن الطلبة تسقط عنه بالعود إلى التهود.
وهذا متفرع على أن اليهودي إذا تنصر، يقنع منه بالعود إلى التهود.
والقول الثالث - إنه لو تنصر، اكتفي منه بذلك.
وهذا متفرع على قولنا: إن اليهودي إذا تنصر، يقر على تنصره.
وهذا القول أضعف الأقوال الثلاثة؛ فإنا وإن كنا نرى تقرير اليهودي على النصرانية - إذا انتقل إليها، فإنا لا نقر وثنياً على التنصر، ولا نثبت له عصمة النصرانية، وإذا توثن اليهودي ثم تنصّر، فهذا تنصّر عن توثّن، وبمثل هذا يضعف قول العود إلى التهود.
فصل
قال: "فإن نكحها، فهي كالمسلمة فيما لها وعليها ... إلى آخره" 1.
8062 - المسلم إذا نكح يهودية، أو نصرانية، فيثبت لها من حقوق النكاح ما يثبت للمسلمة من النفقة والكسوة، وحق القَسْم - إن كان معها ضَرَّة، وعليها من بذل الطاعة للزوج في توفية حقه من المُسْتَمْتَع ما على المسلمة.
ويمنعها الزوج من البروز إلى الكنائس والبِيع، كما يمنع المسلمة من البروز إلى المساجد ومشاهد الخير، وإذا حاضت، وطهرت عن الحيض، فالزوج يُلزمها الاغتسال؛ فإن الاستحلال موقوف على الاغتسال، ويمنعها من التضمخ بالنجاسات إذا [كانت] 2 تلابسها.
وذكر أئمتنا قولين في أنه هل يُلزمها الاغتسال من الجنابة؟ وإلزامُ الاغتسال عن الجنابة غير متجه.
وقد ذكر العراقيون في مجامع القول في هذا الفصل تفصيلاً حسناً، فقالوا: كل ما يمنع من أصل الاستمتاع، فهي مجبرة على إزالته وتغييره.
وذلك مثل أن تحيض وتطهر، فتُجبر على التطهر؛ فإنّ ترك الغسل مانع من الاستمتاع، وكذلك لو تضمخت بالنجاسة، والزوج لو لابسها، لتضمخت ثيابه؛ فهي ممنوعة من ذلك، وكذلك لو تركت الاستحداد حتى تفاحش الأمر، وبلغ مبلغاً يتعذر معه الاستمتاع؛ فيجب عليها إزالة ذلك.
فأما إذا وجد منها ما لا يمنع من أصل الاستمتاع، ولكن يمنع من كماله؛ فهل تجبر على إزالته؟ فعلى قولين، وهذا كالاستحداد - إذا لم يبلغ المبلغ الذي ذكرناه، ومثله شرب قليل الخمر الذي لا يسكر، ومنه أكل لحم الخنزير مع الغسل، لما فيه من التقذر والعيافة.
ويتصل بذلك أكل الثوم والأشياء ذوات الروائح الخبيثة، وهذا الفن والاستحداد يجري في المسألة على التفصيل الذي ذكرناه.
وهذا -وإن كان [يضبطُه] 1 مقصود الفصل؛ ففيه بقية- لا بد منها، وهي تقرر في الاستحداد، ثم يقاس عليه غيره.
فنقول: إذا كان ترك التنظّف والاستحداد، بحيث يؤثر في غض شهوة التوّاق، فهذا مما نقطع به في إلزام التنظف، وإن كان لا يغض شهوة التواق، ولكن قد يورث المتوسط في شهوته عيافة، فهذا محل القولين.
فأما ما يُحرّم الوقاع شرعاً، فلا شك في وجوب إزالته.
والقول في أن غسل الذمية: هل يعتد به - إذا أسلمت، وكيف سبيل الحكم بتصحيحه، ولا تصح النية من الذمية؟ مما تقرر في كتاب الطهارة.
...
باب الاستطاعة للحرائر وغير الاستطاعة
1
فصل
قال الشافعي: "قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِح الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَات﴾ [النساء: 25].
وفي ذلك دليل أنه ... إلى آخره 2 ".
8063 - لا يحل للحر المسلم أن ينكح الأمة، إلا بشرطين فيه، وشرط فيها، فأما الشرطان المعتبران فيه: فخوف العنت، وفقدان طَوْل الحرة.
وأما الشرط المرعي فيها، فالإسلام.
وحقيقة مذهب الشافعي ترجع إلى أن نكاح الأمة في حق الحر ينزل منزلة الرُّخَص، ونصُّ الشافعي فيما نقله المزني - دالٌّ على ذلك، وقد استدل الشافعي على هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِك لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَت﴾ [النساء: 25].
وقد قررنا في (الأساليب) 3 وجهَ ذلك، وإنما نذكر من مساق الأساليب -ما نذكر- المسلكَ، وئجري ضابطاً لتفصيل المذهب.
ولو وجد طَوْل حرة كتابية، فهل له أن يتزوج الأمة؟ فعلى وجهين: أحدهما -وهو أقربهما إلى طريق المعنى- أن ليس له أن يتزوج أمة 4، لقدرته على طوْل حرة، والحرة الكتابية لا تنحط رتبتها في حقوق النكاح -فيما لها وعليها- عن رتبة الحرة المسلمة.
ومما يتعلق بأطراف الكلام 1 اجتناب 2 التسبب إلى إرقاق المولود، فإن ولد الحر من زوجته الرقيقة رقيق، وولده من الحرة الكتابية كولده من الحرة المسلمة 3، ونقص دين الكتابية لا يلحق المولود.
والوجه الثاني -وهو الأليق بقاعدة المذهب- أنه ينكِحُ أَمة إذا لم يجد طوْل حرة مسلمة، وإن وجد طوْل كتابية، فإن المعتمد في القاعدة تنزيل نكاح الإماء منزلة الرخص، واتخاذ مواقع النص في الكتاب قدوة النفي والإثبات، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ [النساء: 25] فقيّد بالإيمان، فدل التخصيص به على الحكم في الكوافر بخلاف ذلك 4، وقد يشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: 221].
وقد أرسل الأصحاب مسائل هذا الفصل، ونحن نأتي بها على وجوهها، ثم ننعطف على مواقع النظر فيها.
8064 - فمما ذكروه 5 أن القادر على أن يشتري أمة ويتسراها، لا يجوز له أن ينكح أمة.
هذا ما قطع به الجماهير، وفي بعض التصانيف أن المذهب هذا 6.
وفيه وجه آخر أن له أن ينكح أمة؛ فإن التسرّي لا يسد مسد النكاح، ولذلك لا يثبت لهن حق في القَسْم، فكأنهن مخرجات من الاعتبار، ومن كان تحته حرة، أو
حرائر، وكان يملك أمة، فعكف عليها 1، وعطّل الحرائر؛ فلا معترض عليه من [جهتهن] 2، ويعتضد هذا الوجه -على بعده- بالآية؛ فإليها الرجوع، وليس فيها للتسري ذكر.
8065 - ولو كان للرجل حرة منكوحة، وهي غائبة عنه، وهو يخاف على نفسه العنت، ولا يتوصل إلى الحرة لعائقٍ ناجز، فليس له أن ينكح أمة؛ فإن الأمة لا سبيل إلى إدخالها على نكاح حرة - إذا كان صاحب الواقعة حراً.
فإن أراد التوصل إلى نكاح أمة، فليُطلّق الحرة 3.
8066 - وكذلك لو كانت 4 الحرة، ولكن كانت هِمَّةً 5 هرمةً، لا يتأتى [التمتع] 6 بها، فلا يجوز أن ينكح أمة، ما دامت الحرة في حِبالته 7. فإن أراد نكاح الأمة، فليطلّق الحرة.
8067 - ولو وجد مالاً ولم يجد حرة ينكحها؛ فله أن ينكح أمة؛ فإن المال لم يعتبر في هذا الباب لنفسه، وإنما اعتبر لجهة كونه ذريعة موصِّلة إلى نكاح الحرة، فإذا كان لا يتأتى هذا، فوجود المال كعدمه.
8068 - ومما ذكره الأصحاب: أنه لو لم يجد الرجل حرة، ولكن لو سافر، لوجد حرة، قال الأصحاب: إن كان يناله مشقة ظاهرة في المسير إليها؛ فلا نكلفه
ذلك، وله أن ينكح أمة، وإن كان لا يناله مشقة معتبرة، فلا ينكح أمة؛ فإن اراد النكاح، قصد الحرة 1.
8069 - ولو كان للحر مال غائب، وهو لا يتوصل إليه إلا بعد زمان متطاول، والحاجة ماسة، والعنت غير مأمون، فله أن ينكح أمة، وليس وجود المال بمثابة وجود الحرة في حِبالته؛ فإن الحرة يتأتى تطليقها، والمال الكائن في [ملكه] 2 لا نكلفه قطع ملكه عنه.
وقد تعسر فرض طريق شرعي.
8070 - ومن قواعد الفصل: أنه لو لم يجد طَوْل حرة، ولكنه صادف حرة تسمح ببعض المهر، أو ترضى بمقدار من المهر؛ فلو ثقلت عليه المِنّة، فهل له أن ينكح أمة؟ فيه اختلاف مشهور بين الأصحاب: فمنهم من لم يوجب عليه تقلّد المِنّة، وأباح له نكاح الأمة.
ومنهم من لم يبح له نكاح الأمة 3. وهذا هو الذي اختاره الصيدلاني، واعتل بأن العادة قد جرت بالتزويج بأقل من مهر المثل، لأغراض في المواصلات، وليس هذا مما تعظم المِنّة فيه، بخلاف بيع [الماء] 4 بالغبن؛ وذلك أن الغرض [من] 5 الأموال، المالية المحضة؛ فالمحاباة في الثمن حط من عين المقصود، وفي النكاح أغراضٌ سوى المال؛ فيخف قدر المال.
ولو كانت الحرة ترضى بمهرها مؤجلاً، وكان صاحب الواقعة معسراً، فنجعله فاقداً لطَوْل الحرة 6؛ فإن الطَّلِبة -وإن كانت لا تتوجه [بالمهر] 7 في الحال-
فستنقضي المدة، وسيطالب عند حلول الأجل.
فإن قدّر مقدّر له يساراً، فذاك متوقع، ولا نكلفه [الالتزام] 1 على توقع اليسار.
وكذلك إذا وجد السافر الماء معروضاً على البيع 2، وكان يباع بالثمن المؤجل، وليس له مال؛ فلا نكلفه ابتياع الماء بالثمن المؤجل، بناء على انتظار وجدان وفاء في الثمن.
فهذه المسائل نقلناها على وجوهها، ونحن الآن نرجع إلى تتبع مواقع السؤال ونبحث عن مواضع الإشكال جهدنا، والله ولي التوفيق.
8071 - فأول ما نوجه البحث عليه، القول في العنت وخوفه، وقد فسر الفقهاء العنت بالزنا.
وهذا يستدعي مزيد كشف.
فإن كانت الشهوة فاترة، وكان 3 صاحب الواقعة يُبعد من نفسه -لدينٍ أو حياءٍ، أو رعاية مروءة- اقتحامَ السفاح؛ فهذا غير خائف من العنت، فلا يحل له نكاح الأمة.
وإذا لاح ذلك، فحيث ينحسم إمكان الوقاع أولى بالتحريم.
والحر المجبوب لا يتصوّر منه الوطء -لا مستباحاً ولا سفاحاً- فلا يحل له نكاح الأمة قط.
ولو اغتلمت النفس 4، وتشوّفت الشهوة ورقّ عصام التقوى، فهذا خائف من العنت.
وإن تاقت النفس، وكان الرجل مستمسكاً بالتقوى عليه، وأَمِن وألِف صنع الله تعالى في عصمته، فهذا يبعد منه أن يتمضخ بوضر الزنا، ولكنه قد 5 يتأذى، وقد يُفضي الأمر إلى إعلال، فهذا محل التردد: يجوز أن يقال: لا يحل له نكاح الإماء؛ لأنه يفضي إلى إرقاق المولود؛ فلا يجوز التسبب إليه بسبب قضاء وطر، أو غضّ
شهوة.
وإن كان يخاف الوقاع في السفاح، [فوقْعُ] 1 هذا المخوف عظيم، والإيلاد ليس مستيقناً، فأثبت الشرع نكاح الإماء مع ما فيه من الإفضاء إلى إرقاق الأولاد.
هذا وجه.
ويجوز أن يقال: إذا كان ترك الوقاع يجرّ ضرراً، وقد يجلب مرضاً، فيسوغ نكاح الإماء، وإن كان الغالب على الظن عدمُ الوقوع في السفاح، والعنت في حقيقة اللغة هو المشقة، وهو كناية في الزنا.
وإن لم يكن خوفُ مرض ولا خشية بالوقوع في الزنا؛ فمحض التوقان وغلبة الشهوة لا يسلط على نكاح الإماء، لما فيه من [التسبب] 2 إلى إرقاق الأولاد.
وما ذكرناه من خوف الزنا؛ لم نعن به غلبة الظن في وقوعه، بل المعنيُّ به توقع وقوعه، لا على سبيل الندور، والشهوة إذا اغتلمت [غلاّبة] 3 للعقل، والذي لا نصفه بالخوف لا نبغي تقدير العصمة فيه على علم، ولكن غلبة الظن بالتقوى والانكفاف ينافي الخوف، وغلبة الظن ليست شرطاً في تحقيق الخوف من الوقوع في الزنا.
وهذا يتضح بضرب مثال: فإذا غلب الأمن في بعض الطرق، وُصف به، وإن كنا لا نقطع به، وإن كان وقوع المحذور يعارض السلامة، فهذا يعدّ مخوفاً، وإن كان لا يغلب على الظن الخوفُ.
فهذا وجه البحث عن خوف العنت.
8072 - ومما يجب البحث عنه ما أجريناه في أثناء المسألة في تصوير غيبة الحرة المطلوبة المخطوبة، فإن الذي ذكره الأصحاب فيه أنه إن كان يناله مشقة، فلا نكلفه السفر، ويجوز له أن ينكح الأمة، وهذه المشقة مبهمة، ونحن نقول فيها: إن كان يخاف الوقوع في السفاح في المدة التي يقطع فيها المسافة؛ فينكح ناجزاً.
وإن كان لا يخاف ذلك -على ما مضى تفصيل الخوف نفياً وإثباتاً- ولكن كان يناله مشقة في
بدنه، ويمكنه أن يتماسك في المدة التي يقطع في مثلها تلك المسافة، غير أنه يتضرر في بدنه؛ فهذا محل التأمل.
فلا مطمع في ربط هذا بالسفر الذي يتوفر عليه الرخص، حتى يقال: إذا كان يحتاج إلى قطع مسافة القصر، لم نكلفه ذلك؛ مصيراً إلى أن السفر مظنة المشاق فيه؛ ولذلك تعلقت الرخص بها جمعاً وقصراً وإفطاراً؛ فإن معنى المشقة ليس معتبراً في الرُخص في تفصيل المسائل.
وإنما نذكر [هنا] 1 معنىً كلياً، والمعاني المعتبرة فيما 2 نحن فيه مرعيّة في آحاد الأشخاص، وحق الفقيه أن يفرق بين ما يعتبر فيه صفة كل شخص، والأمر مبني على انقسام الأشخاص لاختلاف صفاتهم، وبين معنى كلي لم يلتفت فيه على الأشخاص، فعين السفر لا نعتبره، بل نعتبر ما ينال كلَّ شخص من المشقة، وذلك يتفاوت تفاوتاً بيّناً.
8073 - فإذا وضح هذا، رجع النظر إلى المشقة المعتبرة، وتقريب القول فيها.
والغرض لا يبين منه إلا بتقديم أصل عليه، مقصودٍ في نفسه؛ فنقول: إذا كان الرجل ذا يسار وثروة، وكانت ذات يده وافية، ولكن كانت الحرة تغالي بمهرها، ولا ترضى بمهر مثلها؛ فهل يجوز نكاح الأمة بسبب مسيس الحاجة إلى بذل مزيد في مهر المثل؟ [وقد] 3 تمهد في باب التيمم أن الماء إذا كان يباع بوكيسة 4 درهم فأقل؛ فيجوز الانتقال إلى التيمم.
ولا ينبغي أن ينظر الناظر إلى هذا الأصل، ويُنزل الأمة مع الحرة منزلة التراب مع الماء، والسبب فيه أن الغرض الأظهر من النكاح المستمتَع [و] 5 المواصلة؛ ولا يعد مَنْ بذل أدنى مزيد على مهر المثل مغبوناً، بل قد يحتمل هذا لأغراض في مقابلته؛ فإذا وفت الثروة، فكان المقدار الزائد على مهر المثل بحيث يعدّ [باذله متكرّماً] 6، ويحمل على الأغراض الصحيحة؛ فلا يسوغ نكاح الأمة
ببذل هذا المقدار في مهر الحرة مع وفاء القدرة والثروة.
فإن كان ما تطلبه الحرة [المغاليةُ] 1 خطيراً بحيث يعدّ بذله سرفاً، فلا يحال على إمكان غرضٍ [يعدل] 2 المبذول، فإذا انتهت المغالاة إلى هذا الحد، فالوجه تجويز نكاح الأمة، وإن وفت ذات اليد بإجابة المغالية.
وينشأ مما نحن فيه أمر كثير الوقوع في الوقائع: فالأب إذا زوّج ابنته بدون مهر مثلها، فالذي أطلقه الأصحاب أنه يثبت مهر مثلها كَمَلاً بالعقد، وليس يبعد عن الاحتمال عندنا أن يُحتمل الحط القريب إذا أمكن حمله على رعاية غرض.
وكذلك إذا زوّج من ابنه امرأة بأكثر من مهر مثلها، وكان لا يبعد حمل ذلك الزائد، فلا يمتنع الحكم بثبوته.
ولست قاطعاً بما ذكرته من جهة النقل، ولكنه احتمال بيّن.
وكيف يمتنع خروجه على المذهب، وقد نقلنا قولاً أن الأب إذا زوّج ابنته ممن لا يكافئها، فنقضي بلزوم تزويجه؟ وهذا أبعد من حطيطة قريبة في المهر.
فإذا تمهد هذا عدنا إلى بيان المشقة التي أبهمها الأصحاب عند الحاجة إلى السفر إلى الحرة، فنقول: حقها أن تعتبر بالزائد في المهر.
والتقريبُ فيه: أن المشقة إذا كانت بحيث لا ينتسب محتملها إلى مجاوزة الحد في طلب زوجة، فهي محتملة.
وإن طالت الشُّقة، وعظمت المشقة، وكان مثلها لا يحتمل في طلب حرة، فهذه المشقة معتبرة، وهذا يحتاج 3 إلى مزيد نظر، وهو: أن من يبغي حرة بمبلغ زائد على مهر المثل، فتلك الزيادة تقابل بغرض مطلوب.
وفي مسألة الحرة والأمة غرض مطلوب مع إضرار يلحق الولد، وهذا يشعر باشتراط مزيد في ترتيب هذا التقريب.
فهذا منتهى الإمكان.
وما نحن فيه ينقسم إلى ما يتم فيه [انحسام] 4 النظر، وإلى ما يُبقي فيه لنا
مضطرباً، ولنا حق السبق بالإرشاد إلى الطريق.
8074 - ثم نختتم الفصل بما صدرناه [به] 1 ونقول: نكاح الحر الأمةَ مخصوص بظهور الحاجة، وإذا كان كذلك، لم يجز للحر أن يزيد على أمة واحدة؛ فإنها يُكتفى بها وتنسد حاجته [بالتمكن] 2 منها، ثم لا يقع الاكتفاء برعاية الحاجة المحضة؛ فإن الحر إذا كان تحته حرة، وبقي لا يتمكن من وقاعها، فليس له أن ينكح أمة، وإن كانت الحرة الرتقاء لا تسد حاجة [فلسنا] 3 ننكر امتناع إدخال الأمة على الحرة.
ولو نكح أمة فإذا هي رتقاء، فما قدمناه من القياس يمنعه من نكاح أمة أخرى، حتى يطلّق الأولى؛ فليس يسمح أحد من أئمة المذهب بإدخال أمة على حرة، كيف فرضت الأمة.
وإدخال الأمة على الأمة بهذه المثابة.
فإذا أراد نكاح أمة أخرى، فليطلّق الأولى.
وكل ما ذكرناه، في الحر إذا أراد أن ينكح أمة.
8075 - فأما العبد، فله أن ينكح أمة بإذن مولاه وإن تمكن من نكاح حرة، لم يختلف المذهب فيه، وتعليله مشكل فيه؛ [فإن] 4 الحر مأمور بالنظر لولده، وإنما يتوجه مثل هذا الخطاب على من يجوز أن يكون ناظراً، والعبد ليس من أهل النظر لولده الموجود، فكيف يناط به النظر للمفقود؟ وينضم إلى ذلك أن العبد لا خِيَرة له.
فلا [احتكام] 5 للشرع عليهِ من أن يتخير، ثم الحرة في حق العبد كالأمة، فله أن ينكح أمة على حرة، وله الجمع بينهما في عقدة، وله نكاح أمتين، ولا فرق في حقه بين الحرائر والإماء.
والمكاتَب كالعبد إذا كان ينكح، ومن نصفه حر ونصفه عبد كالعبد القن، كما أن من نصفها حرة ونصفها رقيق كالأمة.
ولو نكح الحر -الذي يجوز له نكاح الأمة- جارية نصفها حر ونصفها رقيق، فحكم ولده منها في الحرية والرق كحكمها، فولد الحرة حر، وولد الرقيقة رقيق، وولد المتبعضة في الرّق والحرية متبعض؛ إذ ولد كل ذي رحم بمثابتها.
8076 - وإذا تمكن الحر من نكاح جارية - نصفها حر، فهل له أن ينكح أمة كاملة الرق؟ هذا فيه تردد؛ من جهة أن إرقاق بعض الولد أقرب من استغراقه بالإرقاق 1.
والعلم عند الله تعالى.
ومن نصفه حر ونصفه عبد، ينكح أمةً مع القدرة على نكاح حرة.
اتفق عليه الأصحاب؛ لأن ما فيه من الرق حطَّه 2 عن الكمال وأخرجه عن الولاية، وليس من أهل النظر، فلا يؤاخذ بتخير حرة.
فلينظر الناظر فيما نلقيه إليه، فإن كان يخطر له أن منع الحر من الأمة لكمال الحر حتى لا يقدم على ناقصة، وبنى عليه أن فيمن نصفه حر بعض الكمال، قيل له: هذا.
غير سديد مع تجويزنا للحرة أن تنكح عبداً على كمالها، وجانبها أولى برعاية هذا المعنى، ولهذا حصرنا اعتبار الكفاءة في جانبها، فمنعنا تزويج كريمة من خسيس، ولم نمنع تزويج خسيسة من كريم، ومع هذا لم يمتنع نكاح العبد الحرة إذا رضيت ورضي أولياؤها.
8077 - الحر 3 إذا جمع في عقد واحد بين حرة وأمة، نظر: فإن كان ممن لا يحل له نكاح الإماء، فلا شك في بطلان نكاح الأمة، فأما نكاح الحرة، فقد قطع الشافعي قوله في القديم بصحة نكاحها.
وقال في الجديد: "وقد قيل: يثبت نكاح الحرة وينفسخ نكاح الأمة.
وقيل: ينفسخان معاً" 4؛ فحمل الأصحاب هذا على ترديد القول في الجديد؛ واتفقوا على طرد قولين في المسألة: أحدهما - أن النكاح
يصح في الحرة 1، وهو القياس؛ لأن الفساد إن اعتقد مجيئه من جهالة الصداق، فهو محال؛ فإن النكاح لا تفسده جهالة الصداق، وإن قدّر مقدِّر الفساد من الجمع في لفظ واحد بين ما يفسد ويصح، فهذا غير صحيح؛ فإن العقد ينعقد بمعنى اللفظ لا بصورة اللفظ، والحرة متميزة في معنى اللفظ عن الأمة.
وعبّر المزني عن هذا، فقال: نكاح الحرة قائم بنفسه، أراد أنه لا تعلق له بنكاح الأمة؛ فإذا [قام] 2 بنفسه، لم يفسد بفساد غيره، وآية هذا: أن النكاح لا تفسده الشروط الفاسدة، على ما سيأتي تفصيلها في بابها، إن شاء الله عز وجل؛ وأثر الجمع في اللفظ دون أثر الشرط؛ فإن الشرط متعلق بالمشروط، ولا تعلق للشيء بما ينضم إليه ذكراً.
والقول الثاني - إن النكاح يفسد في الأمة والحرة جميعاً؛ لأن العبارة عنهما جميعاً واحدة؛ والمعنى لا يتأدى إلا بالعبارة، والعبارة الشاملة لو أسقطت بعضها لم يستقل الباقي، ففساد بعضها كسقوط بعضها.
وهذا [خيال] 3.
والأصح: القول الأول.
والوجه 4 عندي القطع بما قطع به في القديم؛ لما ذكرناه في توجيهه.
ويتجه حمل قول الشافعي: "وقيل" على حكاية مذهب [الغير] 5؛ إذ لا يليق بمسلكه في الجديد ترديد القول في صحة النكاح في الحرة مع قيامه بنفسه، كما تقدم تقريره.
هذا إذا جمع بين الحرة والأمة، وهو ممّن لا يجوز له نكاح الأمة.
8078 - فإن رضيت الحرة بمهر أمة، وقلنا: يجوز له نكاح أمة، فهذا 1 حر يتأتى منه الإقدام على نكاح الحرة ويحل له نكاح الأمة.
فإذا جمع بينهما، فلا شك أن النكاح لا ينعقد على الأمة؛ إذ لو انعقد النكاح عليها، لا نعقد على الحرة؛ ثم هذا يؤدي إلى الحكم بانعقاد [نكاح] 2 الأمة مع ثبوت نكاح الحرة.
ولو جاز هذا، لجاز إدخال الأمة على الحرة.
فإذا بان أن النكاح لا ينعقد على الأمة، فهل ينعقد على الحرة؟ ذكر أصحابنا طريقين: منهم من قطع القول بفساد النكاح على الحرة؛ لأن الجمع بينهما غير [سائغ] 3 والإقدام على نكاح كل واحدة منهما جائز، وكأن الجمع بينهما بمثابة الجمع بين الأختين.
وهذه الطريقة مزيفة؛ فإنا إنما نحكم بإبطال نكاح الأختين؛ إذ ليست إحداهما أولى من الأخرى، والجمع غير ممكن.
والحرة إذا جمعت مع الأمة، فهي ممتازة عن الأمة، بدليل أن الحرة تنكح على الأمة، والأمة لا تنكح على الحرة.
ومن أصحابنا من أجرى في صحة نكاح الحرة قولين، ورتبهما على القولين في الصورة الأولى.
والأصح 4 عندنا: القطع بانعقاد النكاح على الحرة في الصورتين.
ولم أتعرض لمهر الحرة، إذا حكمنا بانعقاد النكاح عليها؛ فإن ذاك من الأصول الحسابية في الصداق، وكتابه بين أيدينا، إن شاء الله عز وجل.
8079 - ولو قال: زوّجتك ابنتي وبعتك هذا الزق [من] 1 الخمر بألف درهم، فالذي قطع به المحققون صحة النكاح 2، لامتيازِ البيع في وضعه عن النكاح، ولأن النكاح خُص بعبارة مستقلة مفردة، ولا يتأتى التعبير عنهما إلا كذلك، وقد ذكرنا أنه لا وجه لإفساد النكاح في الجمع بين الحرة والأمة إلا اتحاد العبارة، كما تقرر، فإذا انفرد النكاح بصيغة، لم يبق [للإفساد] 3 وجه.
ومن الأصحاب من أجرى في فساد النكاح قولين.
وهذا ساقط من الكلام غير معتد به.
ولو قال: زوّجتك ابنتي هذه، وزوجتك أمتي هذه.
فقال المخاطَب: قبلت نكاح ابنتك، وقبلت نكاح أمتك؛ فلا خلاف في انعقاده على البنت؛ لأن تزويجها وقبولها متميزان عن تزويج الأمة وقبولها.
ولو فصل المزوج كما صوّرنا، فأتى المخاطَب بعبارة واحدة في قبولهما، وقال: قبلتهما؛ أو قبلت نكاحهما، فالأصح القطع بصحة النكاح على الحرة.
ومن أصحابنا من أجرى هذا مجرى ما لو قال المزوّج: زوجتكهما، وقد مضى الكلام فيه.
8080 - ثم ذكر الأصحاب صوراً في الجمع وفاقاً وخلافاً لا يخفى مُدركها: فإذا نكح الرجل خمس نسوة أجنبيات في عقدة، بطل النكاح بهن بالتدافع، كما لو جمع أختين أو أخوات في عقدة.
ولو تزوج أربع نسوة وفيهن أختان؛ فنكاح الأختين باطل، وفي نكاح الأخريين قولان، على ما ذكره الأصحاب تخريجاً على التفريق، كما قدمناه في الجمع بين الحرة والأمة، والقولان يجريان فيما لو جمع بين خلية من العدة [ومعتدة] 4 في عقدة.
ولو نكح خمساً فيهن أختان، بطل النكاح في الأختين، وفي الثلاث القولان.
وليس يخفى قياس ذلك، ولسنا للإطناب في مثله.
ولو جمع بين أم وابنتها، فهو كذلك، كما لو جمع بين أختين.
فإن قيل: الأم تحرم بالعقد على البنت، والبنت لا تحرم بالعقد على الأم؟ قلنا: ذاك افتراق في تحريم الأبد، ولسنا نحتاج إليه، وبين الأم وابنتها من تحريم الجمع ما بين الأختين؛ فالافتراق -وذلك فيما يتعلق باثبات الصهر والمحرمية- لا وَقْع له في هذا المقام.
فصل
8081 - قد ذكرنا أن الأمة الكتابية لا يحل للحر المسلم نكاحها، وظاهر نص الشافعي أنها كما لا تحل للحر المسلم، لا تحل للعبد المسلم.
قال الشافعي: "العبد كالحر في أنه لا يحل له نكاح أمة كتابية".
وقد ذكرنا في ذلك تخريجاً عن ابن خَيْران 1 في الحكاية التي أثبتناها عن الماسَرْجِسِي، ومسلك التخريج: أن الرق غير معتبر ولا مؤثر في حكم العبد، فلتكن الأمة الكتابية، في حقه بمثابة الحرة الكتابية، وهذا متجه على هذه القاعدة من طريق المعنى.
وذكرنا هذا التخريج في تزويج الأمة الكتابية من الحر الكتابي، ووجهه أخفى قليلاً في حقه منه في حق العبد المسلم؛ فإن الذي نذكر في هذه الصورة أن كفرها لا يؤثر في حق الكافر، وهذا ليس بذاك؛ فإنا كما لا نتزوج الوثنية لا نزوّجها من وثني.
ولو أراد مسلم أن ينكح أمة مسلمة لكافر إذا كان عادماً للطوْل خائفاً من العنت، فالمذهب
الصحيح [النظر] 1 إلى صفة المنكوحة.
ومن أصحابنا من منع ذلك، صائراً إلى أن نكاحها يفضي إلى إرقاق الولد المسلم 2. وهذا ليس بالقوي، وأجمع المحققون على أن الحر المسلم لا ينكح أمة كتابية لمسلم، وإن كان النكاح يفضي إلى إرقاق الولد [لمسلم] 3.
وذكر الخلافيون في ذلك وجهاً، نظراً إلى من يحصل الولد رقيقاً له، فانتظم من مجموع ما ذكرناه مسلكان: أحدهما - أن الأمة الكتابية كالمرتدة، لا يحل لأحد نكاحها.
والثاني - أنها ليست كالمرتدة، وقد تحل لبعض الناس.
ونصُّ الشافعي فيما مضى دليل عليه؛ فإنه قال: "لا يلي المسلم كافرة إلا أن تكون أمة".
ومن ضرورة هذا تصور نكاحها على الجملة.
ونصَّ هاهنا على أن العبد المسلم لا ينكح أمة كتابية، ولعل ابن خَيْران 4 ذكر ما حكيناه من القولين عن اختلاف هذين النصين.
ثم إن جوّزنا نكاحها على الجملة، فقد ذكرنا التفصيل فيمن يُنكحها.
فصل
قال: "ولو تزوّجها، ثم أيسر ... إلى آخره" 5.
الحر إذا خاف العنت، وعدم الطَّول، فنكح أمة، ثم أيسر واستغنى، لم تحرم عليه الأمة، ولم ينقطع نكاحها.
8082 - وذهب المزني إلى أنه إذا طرأ اليسار بعد نكاح الأمة، بطل النكاح، وكما يشترط في العقد ألا يكون واجداً للطول، فكذلك يشترط في دوام النكاح دوام هذا
المعنى 1. وقياسه أن من [نكح] 2 حرة على أمة، انقطع نكاح الأمة كما 3 انعقد نكاح الحرة.
[ولا] 4 خلاف أن زوال خوف العنت لا يقطع نكاح الأمة؛ فإن النكاح إنما يُعنى [لذلك] 5، فيستحيل أن ينقطع بما هو مقصود منه.
وذكر بعض المشايخ أن طريان الغنى مما يتوقع بالنكاح، اعتصاماً بوعد الله تعالى؛ إدْ قال عز من قائل: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه﴾ [النور: 32].
ثم ذكر 6 في آخر الباب محاجّة في الأمة الكتابية، وأشار إلى كراهية التزوج بالحربية، وقد تقدم القول فيهما.
...
باب التعريض بالخطبة
8083 - التعريض بالخِطبة جائز في عدة الوفاة، ولا يجوز للأجنبي أن يعرّض بخطبة الرجعية في العدة.
وذكر الأصحاب في تحريم ذلك معنيين: أحدهما - أنها زوجة، فلا يجوز للغير التعرض لها، تعريضاً ولا تصريحاً.
والثاني - أنها تكون متغيرة حنقة على زوجها، فقد يحملها ذلك على خُلفٍ 1 في ادعاء انقضاء العدّة.
وأما المعتدة عن الطلاق المُبين، فقد ذكر أصحابنا في جواز التعريض وجهين مبنيَّين على المعنيين المذكورين في الرجعية؛ فإن قلنا: المعنى في الرجعية أنها زوجة، فهذا المعنى مفقود في الثانية، فيجوز التعريض بخطبتها، وإن قلنا: المعنى في الرجعية أنها حنقة متغيظة، فهذا المعنى يتحقق في الثانية؛ فيحرم التعريض معها.
وهذه مراسم يذكرها الأصحاب في ضبط المسائل، وإلا فالغرض أن الرجعية لا يجوز التعريض بخطبتها؛ لأنها زوجة، وهذا المعنى كافٍ مستقل لا حاجة معه إلى آخر، والثانية فيها تردد.
والوجه: توجيه الوجهين فيها بقياسها في أحدهما على المعتدة عدة الوفاة.
والفرق بينها وبين المتوفى عنها في الوجه الثاني بما أشرنا إليه؛ فإن المتوفى عنها لا تكون حنقة على زوجها، وعدتها أيضاًً بالأشهر والأيام وتاريخ الموت لا يخفى، فلا يفرض في عدتها لبس إلا على بُعد.
ثم 2 صفة التعريض: ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت
قيس: "إذا حللت فآذنيني" 1 أي إذا انقضت عدتك، فظنت أنه يريد أن ينكحها.
ومِن صيغ التعريض أن يقول: "ربّ طالب لك" أو "رُبَّ راغب فيك" أو "من يجد مثلك؟ ". والمرأة تجيبه تعريضاً إن أرادت، فتقول: "لستَ بمرغوب عنك" أو ما في معناه.
والصريح أن يقول: أريد أن أنكحك.
والتصريح بالخطبة ليس مكروهاً، ولكنه محرّم باتفاق من الأصحاب.
ثم يجوز التعريض سراً وعلانية، وقال داود: لا يجوز سراً لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235] قال الشافعي: معناه: لا تذكروا صريح اسم الجماع، والسر من الأسماء المشتركة، ومن معانيه الجماع نفسه؛ أورده ابن السكيت 2 في الإصلاح 3، وهو مشهور عند أهل اللسان.
...
باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه
8084 - روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه" 1 وقد روي هذا النهي مقروناً بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه".
فالخطبة على الخطبة محرّمة في النكاح، والسَّوْم على السوم محرم في البيع.
وقد مضى في كتاب البيع السوم على السوم، وطرف من الخطبة على الخطبة، ونحن نستقصي، إن شاء الله عز وجل - في هذا الباب تحريم الخطبة على الخطبة، ونذكر ما يتعلق منها بالسوم [على السوم] 2 فنقول:
8085 - الخطبة والسَّوْم قد يتفقان وقد يختلفان: فاتفاقهما في أن الرجل إذا خطب امرأة، فأجابت؛ حرم على الغير خطبتها، وكذلك إذا ساوم رجلاً سلعة بمبلغ من الثمن، وأجابه 3، حرم على الغير السوم على سومه.
هذا إذا طلب المشتري، فأجيب.
ومن هذا القبيل: أن يعرض الرجل سلعته على إنسان بمبلغ من الثمن، ويتوافقا على المقدار، فإذا دخل آخر وعلم ما جرى، فعرض سلعة أخرى بمثل ذلك الثمن، أو بأقلّ، فقد يرغب المشتري في السلعة الثانية، فيكون ذلك إفساداً لمقصود الأول، فيحرم ذلك، ويندرج كل هذا تحت النهي عن 4 السوم على السوم.
وقد يختلف البابان لاختلاف الصور.
فإذا صادف الرجل سِلعة بيد 1 من يريد بيعها، فإذا طلبها مستام، فقد يزيد غيرُه، فيعلم أنه على المزايدة (2 فلا يمنع 2) ولا يتصور مثل هذه الصورة في الأبضاع.
ولو طلب الرجل سلعة مستاماً (3 فرضي مالكها 3)، ثم إن المشتري فارقه لا عن عِدَةٍ، فقد قال أصحابنا: للغير أن يستام في هذه الصورة، لأن مفارقته دليل على أنه أعرض عن طلبه، ولو استمر عليه، لواعد صاحبَه، وأوصاه بألا يبيعه.
وإذا خطب الرجل امرأة، فأجيب وأُسعف، فسكت 4 وانصرف إلى منزله، فليس للغير أن يخطب على خطبته.
وكل واحد من البابين مُقَرٌّ على العادة المعتادة فيه؛ فإن من يُسعَف بالخطبة فقد [يستأخر] 5 اليوم واليومين، ولا يعدّ ذلك إعراضاً، ثم إن طال انقطاعه -بحيث يعد ذلك إعراضاً- فحينئذ نحكم ببطلان الخطبة الأولى، ويجوز للغير أن يخطب.
ولو خطب امرأة فرُدّ، فللغير أن يخطبها.
ولو خطب امرأة ولا يُدرى أنه أجيب أو رُدّ، فللغير 6 أن يخطبها؛ فإنه إذا لم يتبين أنه أجيب [أو] 7 قطعت الخطبة، لما ازدحم الخطّاب على المرأة، والدليل على ذلك من جهة الخبر ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قيس - وهي معتدة "إذا حللت فآذنيني"، قالت: فلما حللتُ أخبرتُه، وقلت: إن أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال: "أما معاوية، فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة".
قالت: فكرهت ذلك، ثم لم أجد بداً من أمر23
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكحته، فجعل الله فيه خيراً، واغتبطت به" 1.
وإنما كرهت لأحد أمرين: إما لأنها كانت طمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن ينكحها، فلما لم يفعل، كرهت، أو لأن أسامة كان ابن مولى، ولم يكن من قريش، وإنما هو من بني كلب 2.
وفي حديث زيد بن حارثة دليل على جواز استرقاق العربي.
وهذا الحديث يتعلق به فوائد: منها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرّض بالخطبة وهي في العدة، لما قال "إذا حللت فآذنيني"، ثم صرح بعد انقضاء العدة، فدل ذلك على جواز التصريح بعد العدة، وجواز التعريض في العدة.
ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم على خطبة معاوية وأبي جهم، فاتجه أن يحمل هذا على أنه لم يعلم ما كان منهما، أو علم خطبتهما وعلم ترددهما، وهذا يفيد أصلاً في الباب، وهو: أن المرأة إذا كانت متوقفة في إجابة من خطبها، فلا يحرم على الغير خطبتها، وما كانت ردت الرجلين؛ فإنها لو ردتهما، لما ذكرتهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويبتني على ذلك أن الثيب المستقلة إذا خُطبت، فأجابت؛ لم يكن للغير أن يخطُبها على الخِطبة الأولى.
وإن ردّت، فللغير الخِطبة.
وإن سكتت، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فقال الصيدلاني: في المسألة قولان: أحدهما - وهو المنصوص عليه في الجديد- أن خِطبتها لا تحرم لذلك؛ فلا تعويل على سكوتها المتردد بين الرد والقبول، وحديث 3 فاطمة دالّ على ذلك؛ فإن الظاهر أنها ما ردّت وما أسعفت.
قال: والمنصوص عليه في القديم 1: أنها إذا سكتت، تحرم الخِطبة على الغير، وهذا يعتضد بالعادة في الباب؛ فإن الغالب أن المرأة إذا خُطبت، لم تبادر بالإسعاف، وإنما تسكت، ثم تُراجَع مرة أخرى، أو مراراً.
8086 - ثم الاعتبار في الرد والإجابة بمن العقد إليه على سبيل الإجبار، أو بالمرأة - إن كانت مستأذَنة، وكان النكاح يفتقر إلى إذنها؟
وبيان ذلك أن [أَبَ البكر] 2 لما كان مُجبِراً، [فالمخاطَب بالخِطبة هو] 3، ثم العبرة به في الرد والإجابة والسكوت، ولا أثر للمرأة في ذلك.
وإن كانت ثيّباً؛ فهي المخطوبة، وإن كانت لا تتولَّى العقد، من جهة أنها الأصل.
وإذا رضيت بكفءٍ [طلبها] 4، حصل غرضها، فإن ساعدها الولي، فهو المراد، وإن خالفها، توصلت إلى غرضها من جهة القاضي، وكان الولي عاضلاً.
8087 - ثم حاصل المذهب أن من يُعتبر -على ما ذكرناه- إن صرح بالرد، فللغير أن يخطب.
وإن صرح بالقبول، حرمت الخطبة على الغير.
وإن سكت: فوجهان، أو 5 قولان.
وإن لم يُدْرَ أخطبت أم لا؟ فليس على الذي يريد الخطبة أن يبحث؛ بل له الهجوم على الخطبة.
وإن خُطبت، ولم يدر أن الخاطب أجيب أو رُدّ، فظاهر ما ذكره الصيدلاني أن الخطبة لا تحرم؛ فإنه استدل بحديث فاطمة، وهذه الحالة تتميز عما إذا فرض السكوت في مقابلة الخطبة؛ فإن ذلك 6 محقق والحالة التي ذكرناها - فيه إذا جوّزنا الرد وجوّزنا غيره.
فهذا منتهى التفصيل.
8088 - فإن قيل: قد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحد من خاطبَي
فاطمة بعيب، فما الفرق بين هذا وبين الغِيبة؟ وفي الحديث " أن الغيبة: أن تذكر الإنسان بما فيه مما يكره ذكره، فإن ذكرته بما ليس فيه، فقد بهتّه" 1. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من تتبع عورة أخيه، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، فضحه، ولو في جوف رحله" 2. فكيف سبيل الجمع بين هذه الأخبار؟
قلنا: إذا ذكرتَ ما في الإنسان لغرض صحيح - وهو أن يكون إلى ذلك حاجة، أو طلبتَ نصيحةَ مسلم لتحذِّره، أو أردت مخايرةً بين شخصين، فلك في هذه المواضع أن تذكر ما في الشخص، ولك أن تتعرض لأمثال هذا وأنت تنفذ وراء الأحاديث في ردٍّ أو ترجيح 3، ولا شك في ذلك وأنت تُجرِّح الشاهد.
فخرج من ذلك: أن من ذكر في الإنسان ما هو فيه، وصدق، وكان لغرضٍ [ممّا] 4 ذكرناه، فليس مغتاباً، وإنما المغتاب من يقصد أن يفضح إنساناً، أو يهتك ستره، أو يتعلل بذكر الناس تفكّهاً؛ فهذا محرّم.
ويلتحق به من 5 يتقرب إلى إنسان بذكر عدوّه بالسوء.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اذكروا الفاسق بما فيه يحذره الناس" 6.
ثم قوله صلى الله عليه وسلم "لا يضع عصاه عن عاتقه" قيل: معناه: إنه سيء الخلق.
يضرب أهله.
وقيل: معناه: إنه كثير الأسفار.
والعرب تقول: ألقى فلان عصاه - إذا أقام.
ومنه قول القائل:
[فألقت] 1 عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر 2
... = يعلى وغيره ولا يصح" (ر.
تمييز الطيب من الخبيث: 24 رقم 106، وكشف الخفا: 1/ 106 رقم 305).
باب نكاح المشرك ومن يسلم وعنده أكثر من أربع
8089 - ومقصود الباب: بيان الحكم فيه إذا نكح المشرك في الشرك امرأة، أو نسوة، ثم يسلم ويسلمن، أو يختلف الدين بينهم، فيسلم ويتخلفن، أو يسلمن ويتخلف الزوج.
ثم نفصل المسائل، ونعرض فيها نكاح المشرك الإماء وإسلامه مع بقائهن 1 على الرق، ونفرض عتقهن في الشرك أو في الإسلام، ونجري في الباب إسلامه على حرةٍ وإماء، ثم يكون اختتام الباب ببيان النفقة والمهر، والاختلاف في تاريخ تقدم الإسلام وتأخره.
8090 - فنقول: إذا أسلمت الكافرة، وتخلّف زوجها؛ فلا شك أنها لا تُقر في حِبالة الكافر، ولكن إن كانت غير مدخول بها، انقطع النكاح بنفس إسلامها وتخلّفه، ثم إسلام الزوج بعد إسلامها لا يردها إلى النكاح.
وإن جرى الاختلاف كما ذكرناه بعد تقيّد النكاح بالمسيس، فالأمر موقوف ما دامت في العدة، فإن أصر الزوج على تخلّفه [حتى] 2 انقضت عدتها، تبيّنّا آخراً أن النكاح ارتفع بنفس إسلامها، والواقع [بعده] 3 عدة، فإذا انقضت، فقد [تعلَّت] 4 عن العدة وحلت للأزواج.
وإن اتفق إسلام الزوج في مدة العدة قبل انقضائها؛ فالنكاح قائم بينهما، ونتبيّن أنه لم يرتفع بإسلامها وتخلفه عنها في المدة التي تخلف فيها.
والقول فيها بمثابة القول فيه إذا ارتد أحد الزوجين -كما سيأتي ذلك في بابه- إن شاء الله تعالى.
هذا مذهب الشافعي، فنكتفي به.
ونحن لا نذكر الخلاف إلا في غرضٍ لنا، ولم نبن هذا المجموع إلا لبيان محض مذهب الشافعي وقياسه.
هذا إذا أسلمت وتخلف، ثم كان من الأمر ما وصفناه.
فإن أسلم الزوج وتخلفت، نظرنا؛ فإن كانت كتابية يجوز للمسلم ابتداء نكاحها، فالنكاح قائم بينهما، ولا أثر لإصرارها في قطع النكاح.
وإن كانت مجوسية، أو وثنية؛ فلا سبيل إلى تقريرها في نكاح هذا الذي أسلم، لو أصرت، فيرجع الأمر إلى الفرق بين ما قيل المسيس وبعده - كما مضى في إسلامها وتخلفه.
ولو أسلما معاً أُقِرّا على النكاح، كما سنصف ذلك، إن شاء الله عز وجل.
فهذا أحد الأصلين.
8091 - الأصل الثاني: أن الكافر إذا نكح عدداً في الشرك زائداً على الأربع، ثم أسلم وأسلمن، فيتعين عليه أن يختار أربعاً منهن.
فإن كان نكحهن في الشرك في عقد واحد، ثم اجتمعوا إلى الإسلام، وجب عليه أن يختار منهن أربعاً، ولا معترض عليه إن كان نكحهن في عقود متفرقة ثم اجتمعوا في الإسلام، [فهو] 1 كما لو نكحهن في عقد واحد، فيختار أربعاً منهن، فإن شاء اختار الأوائل، وإن شاء اختار الأواخر، ولا حكم لتواريخ العقود الماضية في الشرك، ولا أثر لتقدم ما يتقدم وتأخّر ما يتأخر.
وإذا قلنا: هن كالمجموعات في عقد، كان ذلك نهاية البيان في أنه يختار من يشاء منهن، ويتعين اختيار أربع.
فلو كان أسلم وأسلمن وهن أربع، [فهن] 1 منكوحات ولا حاجة إلى الاختيار، وكذلك إذا كُنّ دون الأربع.
وممَّا يتعيّن التصريح به -وإن اندرج تحت ما قدّمناه- أنه لو نكح أربعاً في عقدة، ثم نكح بعدهن أربعاً [أُخر] 2، وقد جرى كل واحد من العقدين على شرط الإسلام، فلو فرضنا مثل هذين العقدين في الإسلام، لقلنا: المنكوحات هُنّ [الأوائل] 3، والعقد باطل على المتأخرات، وإذا جرى مثل ذلك في الشرك، ثم اجتمعوا في الإسلام، فهو كما لو نكحن في عقد واحد.
ويجب أن يتنبه الناظر لأمرٍ هاهنا، ويعتقده المذهبَ، وذلك أنه لو نكح عشراً في الشرك في عقد واحد، فهذا العقد فاسد على شرط الشرع، وإذا اتصلوا بالإسلام، فنكاح أربع منهن ثابتٌ على خلاف موجب العقود التي تنشأ في الإسلام، فلا نظر إلى ما جرى في الشرك، وإذا جرى عقد على أربع، فهذا على شرط الصحة في الإسلام، ثم لم تقع به مبالاة، ويخرج منه أنا نضرب عن صفات العقود إذا [انعقدت] 4 في الشرك، ولا ننظر إلى ما يصح منها في شرط الشرع وإلى ما يفسد، بل نقول: إذا أسلم وأسلمن، فهن مجموعات، فليختر منهن عددَ الإسلام.
ونذكر أصول مذهب أبي حنيفة والغرض من ذكرها أن يكون تقييداً لمذهبنا في الحفظ؛ فإن الشيء قد يحفظ بذكر ضده.
قال أبو حنيفة 5: إن نكح أكثر من أربع في الشرك، وأسلم وأسلمن، وكان نكحهن في عقد واحد؛ فنكاحهن باطل؛ [رداً] 6 إلى حكم الإسلام، ولا يختار منهن واحدة إلا أن يبتدىء نكاحها، ولو نكح أربعاً في عقد، ثم أربعاً، وأسلم
وأسلمن، فيتعين عليه نكاح [الأربع] 1 الأوائل على موجب الشرع.
8092 - وما ذكرناه في العدد يجري في جمع الأختين وتفرقهما، فلو كان نكح في الشرك أختين، وأسلم وأسلمتا، فيتعين عليه أن يختار إحداهما.
ولو نكح واحدة في عقد، ثم نكح أختها في [عقد آخر، وأسلم معها، فيختار أيتهما شاء عندنا، كما لو كان نكحها في] 2 عقد واحد.
وأبو حنيفة 3 يقول: إن كان نكحهما في عقد واحد، وأسلم وأسلمتا 4، لم يختر واحدة في استدامة النكاح.
ولو نكحهما ترتيباً، تعيّن عليه نكاح السابقة.
والشافعي اعتمد الأخبار الصحيحة فيما صار إليه، فنتيمّن بذكرها، ثم نذكر غرضاً لنا بعدها.
[روي] 5 أن غَيْلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، فأسلمن معه، فقال صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعاً وفارق سائرهن" 6 ولم يتعرض لجمعهن وتفريقهن في عقود الشرك.
وأسلم الضحاك 7 بن فيروز الديلمي وتحته أختان، فقال صلى الله عليه وسلم: "اختر أيهما شئت وفارق الأخرى" 8. وأسلم نوفل بن
معاوية، وعنده خمس، فقال صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعاً وفارق الخامسة"، قال: فعمدت إلى أقدمهن صحبة، ففارقتها 1.
هذا ما ذكره الشافعي من الأخبار.
وروى الأثبات حديثاً آخر لم يذكره الشافعي، وهو أن الحارث بن عمر الأسلمي أسلم وتحته ثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعاً.
وفارق أربعاً" 2. فقال: فكنت أقول لمن أريد: تقدمي، ولمن لا أريد: تأخري، ولن تناشديني بالرحم والولد.
فإذا ثبت متعلق المذهب؛ فإنا نقول بعد ذلك: لو رددنا إلى القياس، لم ينتظم مذهبنا على هذا النسق، وكان يتجه أن نقول: إن نكح أكثر من أربع في عقد، وأسلم وأسلمن؛ فلا يثبت نكاح واحدة منهن، وكان ينقدح في هذا وجهان من القياس:
أحدهما - أن الإسلام إذا كان يدفع نكاح البعض -وإن قدّرنا الحكم بالإعراض 3 قبلُ- فكان يجب أن يندفعن؛ إذ ليس بعضهن بالبقاء أولى من بعض، وطريان هذا يضاهي جمع أختين أو أكثر من أربعٍ في عقدة في الإسلام.
ولو نكح الرجل رضيعتين، فأرضعتهما مرضع وثبتت الأخوة بينهما، يندفع نكاحهما جميعاً، ولا نقول: يندفع نكاح إحداهما وللزوج الخيار، ونجعل ما يطرأ من استحالة الجمع مع التساوي في الدوام بمثابة الجمع بين الأختين عقداً، هذا وجه من القياس بيّن.
والوجه الثاني - أن أَولى العلماء بالحكم 4 على الكفار بالإسلام الشافعي؛ فإنه يستتبعهم في موجب الشرع، ولا يتبع عقائدهم، وعليه بنى نفي الضمان عمن يريق = وصححه البيهقي: (السنن: 7/ 184)، وانظر (التلخيص: 3/ 360 ح 1652).