نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 205-244
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح

صفحات 205-244
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وإنما تثبت أمية الولد إذا ثبت نسب الولد؛ فإن أم ولد الإنسان منسوبة إلى ولده المنسوب إليه، فإذا لم يُثبت الشرع له ولداً، فكيف تثبت أمية الولد؟ وهذا مسلك لا ينساغ اعتقاد خلافه.
وارتاع بعض الأصحاب من ذلك، وعظم عنده أن يطأ 1 الرجل مملوكته، وتحبل منه، ولا تصير أم ولد! فقال: إن أوجبنا الحد، [فلنثبت] 2 النسب، ثم إذا ثبت النسب ترتب عليه أمية الولد، ثم طرد بعض المصنفين ثبوت الاستيلاد مع وجوب الحد في الأب إذا وطىء جارية ابنه الموطوءة.
ومن نفى الاستيلاد؛ فإنه يلقى في جريانه مسلكاً وعراً، وتلقاه مسألة لا يجترىء على طرد نفي الاستيلاد فيها إلا جسور، وهي: أن الجارية المشتركة إذا أحبلها أحد الشريكين؛ فقد أطلق الأئمة أقوالهم بأن الاستيلاد يثبت في حصته، وتردَّدوا في إثباته في حصة الشريك عاجلاً، ولم يختلفوا في أنه يسري إلى حصة الشريك، وإنما ترددهم في وقت النفوذ والسريان.
وقد ذكرنا أن الحد يجب في القديم على من يطأ الجارية المشتركة بينه وبين شريكه، ونحن بعون الله وتوفيقه نذكر تحقيق القول في ذلك.
8006 - فأما الجارية المشتركة؛ فيجوز أن يقال فيها: الوطء يصادف ملك الواطىء وملك شريكه، وينزل عليهما جميعاً، فلا يتمحض تحريمه، ولكن لا يتأتى تبعيضه، فنطلق تحريمه على معنى النهي عن الإقدام عليه؛ من جهة أن من ضرورة الاستمتاع [بملك] 3 الواطىء مصادفته ملك غيره، فكان ذلك مشبَّهاً بطعام جاورته نجاسة أو سم، فالطعام ليس محرماً، ولكن لا يجوز الإقدام على تناوله؛ من جهة أنه لا يتأتى تعاطي شيء منه إلا مع جزء مما هو محرم، وقد ينفصل وطء المشتركة عن هذا، بأن الطعام والسم متجاوران، ولنا أن نقول: من أكله فقد أكل حلالاً وحراماً، ولا يتأتى مثل ذلك في الملك الشائع.

فيخرج بعد هذا التنبيه أنا لو لم نُجر القول القديم في الحد في الجارية المشتركة، لكان متجهاً؛ فإذا لم يجب الحد، اتّسق وانتظم ثبوت [التسبّب] 1 إلى المنع من المحرم المحض، ويكون هذا بمثابة إتيان مالك الغلام مملوكَه، فالحد يجب؛ فلا أثر للملك.
وكذلك لو شرب الرجل الخمر التي لا تراق -وهي خمر الخلّ- حُدّ.
وإن كان له حق الاختصاص بها؛ فعلى هذا يتميز الحد في حكمه ومجراه عن قياس النسب والاستيلاد.
فينتظم مما ذكرناه أن الوجه القطعُ بثبوت الاستيلاد في الجارية المشتركة، ثم يخرّج هذا على تقديرين: أحدهما - نفي الحد، وإن فرّعنا على القديم.
والثاني - تمييز مسلك الحدّ عن مسلك الاستيلاد، ومهما 2 حكمنا بالاستيلاد في البعض أو الكل، فمن ضرورته الحكم بالنسب.
هذا ما لا بد منه.
وأما إحبال الرجل أختَه المملوكة؛ فقول الحد فيها منصوص، لا يمكن إنكاره، فلا تردد في الحد على القديم، ويبقى التردد في الاستيلاد، وثبوت النسب.
وهذه الصورة قابلة للاحتمال، بخلاف الجارية المشتركة؛ فإن الأخوة قائمة لازمة لا تحول ولا تزول؛ فلا يمكن تقدير انفصالها عن الملك، ولكن قد يتجه إثبات النسب وأمية الولد بسبب الملك، مع إثبات الحد وصرفه إلى التحريم المطلق، كما ذكرناه في إتيان الغلام المملوك وتعاطي الخمرة المحرّمة.
فأما وطء الأب جارية الابن - إذا أوجبنا عليه الحد، فالظاهر: أنه لا يثبت الاستيلاد؛ فإنه ليس بين الأب والابن إلا حرمة قائمة، فإذا أوجبنا الحد، زالت، ثم لا نجد أصلاً نحيل عليه أمية الولد.
8007 - فانتظم مما ذكرناه ثلانة منازل: المنزلة الأولى - في الجارية المشتركة، والقطع فيها بثبوت الاستيلاد، ووجوب الحد على قياس القول القديم متردد، كما نبهت عليه.

والمنزلة الثانية - في وطء الأخت المملوكة: أما الحد، فمنصوص عليه، وفي الاستيلاد تردد لمكان الملك.
والمنزلة الثالثة - في وطء الأب جارية الابن إذا كانت موطوءة الابن: أما الحدّ، فيثبت، والأصح أنه لا يثبت النسب ولا الاستيلاد إذا أثبتنا الحد.
وهذا ما ذكره الصيدلاني.
ومن أصحابنا من أثبت النسب والاستيلاد وإليه أشار بعض المصنفين، ثم إن لم نثبت الاستيلاد؛ فالمهر يفصّل أمره ويفرق بين أن تكون الجارية مستكرهة أو مطاوعة، كما تقدم.
وإن قلنا: يثبت الاستيلاد مع وجوب الحد؛ ففي المهر طريقان: منهم من قطع بإيجابه كالاستيلاد، ومنهم من فصل بين أن تكون الجارية مستكرهة أو مطاوعة، فإن الوطء ساقط الحرمة.
ولسقوطها وجب الحد بها، والاستيلاد وراء الوطء.
وهذا منتهى تحقيق الفصل.
فصل يشتمل على القول في الإعفاف وتزوّج الأب بجارية الابن 8008 - فعلى الابن الموسر أن يُعف أباه المحتاج.
هذا هو المذهب 1. وقال أبو حنيفة 2: لا يجب على الابن إعفاف أبيه، ولا خلاف أنه لا يجب على الأب إعفاف ابنه، واختار المزني نفيَ وجوب الإعفاف، وذكر ابن خَيْران قولاً في المسألة، مثلَ مذهب المزني، فأجرى العراقيون والمراوزة ما ذكره قولاً؛ من جهة أنه لا يستدّ في إيجاب الإعفاف خبرٌ، ولا مسلكٌ من القياس، وغاية الإمكان فيه التعلق بثبوت الاستيلاد.
هذا هو المذهب.
ولا ينفصل جانب الابن عن جانب الأب في ثبوت الاستيلاد ونفيه إلا بالفرق

بينهما بوجوب الإعفاف على أحدهما ونفيه عن الثاني.
وهذا لا ينفع مع المزني مع مصيره إلى أن جارية الابن لا تصير مستولدة الأب.
ثم إذا فرّعنا على ظاهر المذهب، فلا شك أن الأب المستغني بثروته لا يستحق على ابنه أن يعفه، وإنما يستحق ذلك على الابن الأبُ المحتاج.
ثم سيأتي في النفقات -إن شاء الله تعالى- أن الأب الفقير يستحق النفقة على ابنه الموسر، إذا كان زمِناً غير كسوب مع فقره، فإن لم يكن زَمِناً، وكان يتأتى منه أن يكتسب ما يقوته؛ ففي وجوب النفقة قولان، سيأتي أصلهما وفرعهما، إن شاء الله تعالى.
8009 - ثم اختلف أصحابنا في المسألة على طرق: فمنهم من قال: الإعفاف يتبع النفقة ثبوتاً وانتفاء، وفاقاً وخلافاً، فمهما استحق الأبُ الإنفاق على ابنه، لم يبعد أن يستحق عليه أن يُعفه، وإذا لم يكن [بحيث يستحق] 1 النفقة، فلا يستحق الإعفاف.
فمن أصحابنا من قال: إن وجبت النفقة، وجب الإعفاف، وإن لم تجب النفقة -على أحد القولين- بسبب كون الأب قويّاً سويّاً؛ فهل يجب إعفافه؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يجب.
والثاني - يجب؛ فإن الإعفاف في غالب الحال يليق بحال السويّ، والحاجة في هذا الفن تطابق حالة قوة من المحتاج.
وذكر الشيخ أبو علي طريقة ثالثة على العكس من ذلك، فقال: إذا أوجبنا النفقة قولاً واحداً، فلا يبعد أن نوجب الإعفاف، وإن جعلنا المسألة على قولين - في وجوب النفقة في بعض الصور، رتبنا الإعفاف عليه، وقلنا: إن لم نوجب النفقة، لم نوجب الإعفاف، وإن أوجبنا النفقة، ففي وجوب الإعفاف وجهان؛ فإن الحاجة في النفقة تُفضي إلى الضرورة، والحاجة في الإعفاف لا تُفضي إلى حكم الضرورة؛ ولهذا يجب على الإمام أن ينفق على المحتاجين إذا لم يكن لهم من يختص بهم وينفق عليهم، ولا يجب على الإمام أن يُعف من بيت المال أحداً؛ فدل ذلك على أن الأمر في الإعفاف دون وجوب الإنفاق.

فهذا ما ذكره الشيخ أبو علي 1، ولا يحصل بما ذكرناه بيان؛ فإنا نقول: النفقة وإن كانت واجبة، فإذا كان الأب لا يحتاج إلى الإعفاف أصلاً، فلا يجب الإعفاف، فلا بد إذن مع وجوب النفقة [من] 2 اعتبار الحاجة.
8010 - ثم لم أر له في ذلك ضبطاً، فينقدح أن نقول: يعتبر فيه خوف العنت، وسأصف ذلك -إن شاء الله عز وجل- بما يضم نشره ويقرّبه من الضبط، والإحالة هاهنا كافية.
ويجوز أن يقال: لا يشترط خوف العنت، وهذا ما يدل عليه ظاهر كلام الأصحاب.
ثم أشاروا إلى مسلكين: أحدهما - أن الحاجة الحاقة وإن كان لا ينضم إليها [ظن الوقوع] 3 في السفاح، وشرط هذه الحاجة أن يتضرّر صاحبها بالتعزّب، ولا تعويل على الشهوة المحضة؛ فمعظم من يشتهي الوقاع يضره الاستمتاع، ثم هذه الحاجة لا تتميز عن حاجة صاحب العنت، إلا أن خوف العنت يفرض فيمن لا تكمل مُنّته في التقْوَى، وما ذكرناه في التردد يرجع إلى هذا وجوداً وعدماً.
وذكر معظم الأصحاب أنا لا نعتبر الحاجة، ولكنا نُتبع وجوبَ الإعفاف وجوبَ النفقة؛ فمهما طلب الأب المستحقُ النفقةَ الإعفافَ، لزم إسعافه وإعفافه، وظاهر هذا الكلام لا يكشف الحق، فلا يجوز للأب أن يطلب الإعفاف وهو لا يحتاج إليه، هذا 4 لا يسوغ أصلاً، ولكن التردد في معنى الحاجة، كما تقدم.
ثم يجب تصديق الأب فيه؛ فإنه لا يُعرف تحقق الحاجة إلا من جهته، ولا يليق بمنصبه أن يُحلّف؛ فرجع حاصل الكلام إلى التردد في خوف العنت، والقطع بتصديق الأب، إذا أخبر عن نفسه.
ثم إن كان الأب لا يحتاج إلى النفقة، وكان معه بلاغ على قدر النفقة من غير فضل، وكان يحتاج إلى الإعفاف؛ ففي كلام الأصحاب تردد ظاهر في ذلك.

قال قائلون: لا يستحق الإعفاف إذا كان لا يستحق النفقة، والقياس عندنا أنه يستحق الإعفاف إذا احتاج إليه، وكانت يده لا تصل إلى ما يكفيه في ذلك؛ فإن المتبع هو الحاجة، وليس هذا كالفِطرة؛ فإن النفقة إذا سقطت، سقطت الفطرة، وإن كان لا يفضل من قوت القريب ما يخرجه فطرةً؛ والسبب فيه أن وجوب الفطرة لم يُنَط بحاجةٍ [واقعةٍ] 1 في الجبلّة، والإعفاف منوط 2 بحاجة، فإذا وقعت؛ فلا أثر لسقوط النفقة ووجوبها، ولو سقط وجوب النفقة أياماً، لاستغنى الأب عنه لسقوط شهوته، وكان يحتاج إلى الإعفاف، فلا يجوز أن يكون هاهنا في وجوب الإعفاف خلاف.
وقد اشتمل ما ذكرناه على أصل إيجاب الإعفاف، وعلى من يستحق ذلك، وعلى من يستحق عليه، وعلى الحالات المرعية في ذلك.
8011 - واتفق أصحابنا على أن الجد -أبا الأب- يستحق من الإعفاف ما يستحقه الأب، وكذلك الجد أب الأم، وليس ذلك كتردد الأصحاب في أن الرجوع في الهبة هل يختص بأبِ الدِّنية؟ وذلك أن الرجوع في الهبة لا يجري فيه معنىً أصلاً، وإنما ورد الرجوع في الخبر في حق الأب؛ فأما الإعفاف؛ فتَدْاورُه على المعنى وسد الحاجة، فهو يجري مجرى النفقة في جهتها.
ولو اجتمع أب وجد، وكان ذاتُ يد الابن لا تفي إلا بإعفاف أحدهما، فالأب مقدم.
ولو كان في المسألة أب أب، وأب أم؛ فقد قطع العراقيون ومعظم المراوزة بتقديم أب الأب؛ فإنه مع أب الأم مستويان في القرب، وأب الأب يختص بمزيد القوة في جهة قرابته.
وذكر الشيخ أبو علي في ذلك وجهين: أحدهما - ما ذكره الأصحاب.
والثاني - أنهم سواء، نظراً إلى القرب المحض، وهذا بعيد، لم أره إلا له.

نعم، قال العراقيون: إذا اجتمع أب أب الأب، وأب أم؛ ففي أحدهما قوة وبُعد، وفي الثاني ضعف وقرب، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن القرب أولى.
والثاني - أن القرب ومزيد القوة يعتدلان، ومقتضى ذلك الاستواء؛ وكان ينقدح تقديم الأقوى، كما أنا في قول - نقدّم ابن الأخ 1 في عصوبة الولاء على الجد.
من جهة اعتقادنا أن الإدلاء بطريق البنوة أقوى في استفادة العصوبة.
ثم حيث نحكم بالاستواء، فمؤنة الإعفاف لا يمكن قسمتها على الرجلين؛ فإنا لو فعلنا ذلك، لم ينتفع واحد منهما بما يخصه، ولم يتبلغ به إلى غرضه في الإعفاف؛ فلا وجه إلا تخصيص أحدهما.
وما طريق التخصيص، وهما مستويان؟ بعض أصحابنا أشار إلى القرعة، وذكر الشيخ أبو علي أن القاضي يجتهد، فيقدم من يرى منهما، والوجه فيه: أنهما إذا ادعيا الحاجة، فمن رأى ردَّ الأمر إلى الحاكم، قال: الحاكم ينظر في صفاتهما، وما يغلب على الظن من ظهور الحاجة من أحدهما، ثم يُقدم على هذا الوجه من يراه أولى.
ولا شك أن الحاكم لا يحكم، فإن استوى الأمران عنده، فلا يتجه حينئذ -مع التنافس والظن الغالب في الاستواء- إلا القرعة.
وحاصل المذهب في هذا الطرف خلافٌ في أن القرعة هي المحكّمة إذا استويا في دعوى الحاجة، أم نظر السلطان؟ فإن حكّمنا القرعة، لم نرفع الأمر إلى السلطان، (2 وإن لم نُحكّم القرعة، رفعنا الأمر إلى السلطان 2)، فإن اجتهد، اتبعنا اجتهاده، وإن استويا في ظنه، فلا رجوع إلا إلى القرعة.
وهذا بمثابة ما لو ازدحم رجلان إلى فوّهة معدن، وكان يعسر قسمة الحاصل فيه، وليس أحدهما بأن يخصص به أولى من الثاني، والحاجة ماسة في الحال، فقد نقول: يقرع بينهما، كما مضى.
8012 - ثم يجب على الابن أن يعف أباه بما حصل به الغرض، فلو زوّجه عجوزاً2

لا تشتهى، أو امرأة [شوهاء] 1 فلا يسقط الفرض بذلك، كما إذا جاء في النفقات بطعام فاسد لا ينساغ ولا يسد مسداً، والرجوع في ذلك إلى ما يعدّ في [العرف] 2 سِداداً وكفاء.
ثم الابن لو أراد أن يشتري لأبيه جارية حتى يتسراها؛ جاز، ويسقط بذلك فرض الإعفاف، ولو زوّج منه حرة كتابية، فيها مستمتع، جاز.
ولو أراد أن يزوّج منه أمة، فهل يجوز ذلك؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - لا يجوز؛ فإن الأب مستغنٍ بمال ابنه في باب الإعفاف.
فإذا كان نكاح الحرة ممكناً من مال ابنه، وجب ألا يجوز للأب نكاح الأمة، كما لو كان في ملكه طَوْل حرة؛ فإنه لا ينكح الأمة، ومالُه بمثابة مال ابنه في هذا الأصل.
ومن أصحابنا من قال: للأب أن ينكح أمة من مال ابنه، وللابن أن يكتفي بهذا القدر في حق أبيه.
ووجه ذلك: أن هذا النكاح موقوف على الحاجة، فينبغي ألا يجب على الابن إلا أقل ما يسد به الحاجة، على ما سيأتي ذلك مشروحاً بعد ذلك، إن شاء الله عز وجل.
8013 - ولو كان الأب مطلاقاً؛ فإذا تكرر ذلك منه مراراً، بحيث يُعدّ مطلاقاً عرفاً؛ فنقول في ذلك: إن أعف أباه بزوجة في ذلك، فماتت، فالذي ذهب إليه المراوزة أنه يجب على الابن أن يعفّه مرة أخرى.
وذكر العراقيون هذا ووجها آخر معه، وهو: أنه لا يجب الإعفاف إلا مرة واحدة في العمر، فإن اتفق موت الزوجة، لم نَعُدْ إلى إلزام الابن إعفافاً مرة أخرى؛ فإن ذلك وظيفة العمر وطريحته، وهو مما لا يتكرر مراراً.
ولم يفرقوا في ذكر هذا الوجه بين أن يتفق إلمام الأب بها وبين ألا يتفق.
وهذا الوجه لا أصل له؛ من قِبل أن وجوب الإعفاف يستند إلى اعتبار حاجة

الأب.
فإذا ماتت الزوجة [وقامت] 1، فيتعين على الابن كفايتها 2. ولو سلّم النفقة إلى من يجب عليه الإنفاق عليه، فتلف ذلك الطعام في يده، فعلى المنفق أن يبذل ما فيه الكفاية مرة أخرى، فبان أن الذي عليه التعويل؛ تكرير إيجاب الإعفاف إذا ماتت الزوجة، ثم لا موقف ينتهي إليه، ويقف كلامنا عليه، حتى لو فرض الإعفاف مراراً وكان الغرض يفوت؛ فيتجدد الأمر بتكرير الإعفاف إذا دامت الحاجة إليه.
8014 - ولو طلّق الزوج زوجته؛ فهل يجب على ابنه أن يُعفّه بأخرى؟ فإن قلنا: لا يتكرر الإعفاف إذا ماتت الزوجة، فلا شك أنه لا يتكرر إذا بانت بالطلاق.
وإن قلنا: يتكرر الإعفاف [إذا] 3 انتهى النكاح بموت الزوجة؛ ففي الطلاق وجهان: أحدهما - أنه يجب، تعلّقاً بالحاجة.
والثاني - لا يجب؛ فإن الأب قصد قطع النكاح.
وقال علماؤنا: لو فسخ الأب النكاح، بمعنىً يوجب الفسخ؛ فهذا بمثابة ما لو ماتت الزوجة، ولو طلّق لغرضٍ صحيح، مثل أن يبدو له منها ما يريبه، ففي هذا ترددٌ: منهم من ألحقه بالفسخ بما يوجبه، ومنهم من خرّج هذا على الخلاف.
ثم لم يختلف أصحابنا في الطرق أن الطلاق إذا تكرر منه، بحيث انتسب عرفاً إلى كونه مَلولاً مِطلاقاً، فلا يلتزم الإبدال.
وهذا ليس خالياً عن احتمال، تخريجاً على ما لو سلّم النفقة إليه، فأتلفها، ثم كرّر التسليم مرة أخرى؛ فإنا قد نقول: يجب تكرير الإنفاق، على ما سيأتي ذلك في النفقات، إن شاء الله تعالى، وهذا احتمال، والمذهب المبتوت ما قدمناه.

8015 - ثم ما أوجبناه على الابن، فهو مهر زوجة، إن أراد الإعفاف بهذه الجهة، ثم إنه يلتزم مؤنة النكاح في مستقبل الزمان: وله الخيار؛ إن شاء سلّم الصداق إلى الأب، حتى يتزوج، وإن شاء سلّطه على التزويج، ثم ساق الصداق بعد النكاح.
وإن أراد أن يملّكه جارية، حتى يتسرى بها، فله ذلك، وليس إلى الأب تعيين إحدى الجهتين.
ولو عيّن الأب زوجة رفيعة المهر؛ كان للابن ألا يرضى بذلك، ولا يبذل إلا مهر امرأة فيها كفاف وإعفاف، ثم إذا بان المقدار الذي يبذله؛ فلا خيار إلى الابن في تعيين زوجة، بل يتخير الأب زوجة، والمرعي فيما 1 يبذله الابن مقداراً 2 لائقاً بالاقتصاد.
فهذا إتمام المراد في ذلك.
8016 - ولم يختلف علماؤنا في أنه لا يجب على الأب أن يُعفّ ابنه.
وأما إعفافُ الأم 3، فليس يتصور؛ إذ لا مؤونة عليها ابتداء ودواماً 4، حتى يجب على الابن بذلها.
وقد ذكرنا معنى وجوب الإعفاف.
8017 - فإذا انتجز ذلك، عدنا بعده إلى حكمٍ مقصود، مترتب على ما قدمناه، وهو: القول في أن الأب، هل يجوز له أن ينكح أمة ابنه؟ وقد اختلف طرق أصحابنا في ذلك: فذهب بعضهم إلى أنه لا يحل له نكاحها، وعلّل بأن قال: مِنْ شَرْط نكاح الأمة، العجزُ عن طَوْل الحرة، فإذا كان الابن قادراً على أن يُعفّ أباه بحرة، وجب عليه [ذلك] 5، وإذا تعيّن الإعفاف بحرّة، لم يحلّ نكاح الأمة، وهذا خرّجه هذا

القائل على أحد الوجهين، في أن الإعفاف بالأمة لا يجوز من الابن القادر على الإعفاف بالحرّة.
فإن قلنا: يجوز للابن أن يُعفّ أباه بأمةٍ، أو كان يملك الابن جارية مستغرقة بخدمته، وكانت ذاتُ يده لا تتسع لطَوْل حرة، فسقط اعتبار هذا المجنى، فهل يجوز -والحالة هذه- للأب أن ينكح تلك الأمة؟ فعلى وجهين مبنيين على أن جارية الابن، هل تصير أم ولد إذا وطئها، وعلقت منه بمولود؟ فإن حكمنا بأن الاستيلاد يثبت - وهو ظاهر المذهب، لم يجز للأب أن ينكح أمة ابنه.
وإن قلنا: لا يثبت الاستيلاد، فله أن ينكح أمة ابنه.
8018 - ولو 1 كان الأب عبداً، فأراد أن يتزوج بإذن مولاه بأمةٍ لابنه الموسر أو المعسر، يصح ذلك منه على الطرق كلها؛ فإن نكاح الأمة للعبد جائزٌ، كيف فرض الأمر، وليس في هذا النكاح -إذا جوزناه- توقع الاستيلاد؛ فإن العبد لا يثبت في حقه استيلادٌ أصلاً؛ من جهة أنه لا يثبت له ملك، ومن ضرورة الحكم بالاستيلاد، انتقال الملك في الرقبة.
ولا يتفرع ثبوت الاستيلاد في مثل هذه الصورة على القول القديم -في أن العبد يملك بالتمليك؛ فإن ذلك فيه إذا ملّكه مولاه شيئاًً، فقد نقول: إنه يملكه- على ما سنوضح ذلك في شراء العبد -إن شاء الله عز وجل- على إثر هذا الفصل.
8019 - ومن أسرار هذا الفصل أن الأب إذا تزوج بجارية الأجنبي -عند جواز ذلك- ووقع الحكم بانعقاد النكاح، ثم إن الابن ملك تلك الجارية، فقد قال الأئمة في الطرق: طريان الملك للابن على زوجة أبيه لا يوجب انقطاع النكاح، وإن كنا نمنعه من ابتداء نكاح أمة الابن، وذاك أنا بنينا [منع] 2 النكاح على أحد أصلين، المنع من نكاح الأمة عند التمكن من طَوْل الحُرة، وقد وقع النكاح في أمة الأجنبي، مفروضاً

على موافقة شرط الشرع، فما يطرأ في الأثناء، فلا حكم له، كما سيأتي شرح ذلك في نكاح الإماء، إن شاء الله عز وجل.
ومما اعتبرناه في نكاح أمة 1 الابن ما للأب من الحق في مال الابن، وليس هذا الحكم بإثبات حقيقة الملك للأب في جارية الابن، وإنما القاطع للنكاح طريان ملك حقيقي للزوج على زوجته، وهذا بمثابة حُكمنا بأن زوج المرأة لو كان مكاتَباً لموروثها، فمات الموروث، وورثته؛ فينقطع النكاح؛ لأنها ملكت رقبة زوجها إرثاً، فلما كان ذاك حقيقة الملك، قطع طارئُه النكاح، وليس الأمر كذلك في حق الأب إذا طرأ ملكُ ابنه على زوجته.
8020 - ثم السرّ الذي وعدناه في ذلك أن الشيخ أبا علي قال: إذا طرأ ملك الابن على ما فرضناه، وحكمنا ببقاء النكاح، فلو علقت بمولود عن الأب، في النكاح الذي حكمنا بدوامه، وذلك بعد ثبوت الملك للابن عليها - قال: لا تصير أم ولد للأب، وإن فرّعنا على أن الأب إذا استولد جارية ابنه ابتداء، أنها تصير أم ولد له، واعتل بأن قال: الوطء في النكاح ليس مما يوجب الاستيلاد، وإذا نكح الأجنبي جارية الغير وأولدها، لم نحكم بحرية الولد، والاستيلادُ تبعٌ للحكم بحرية الولد أولاً، هذا ما ذكره.
وكان شيخي يقطع بأن الأب إذا أولد زوجته بعد ما ملكها [الابن] 2؛ تصير أم ولد له.
وهذا الذي ذكره قد يظهر؛ فإنا إذا منعنا الأب من التزوج بجارية الابن، وبنينا على أنها عرضة لأمية ولده، والنكاح قد يقصد به ابتغاء الولد، وطلب النسل؛ فيؤدي تجويز النكاح إلى إفضائه بمقصوده إلى ما يتضمن دفعه؛ فهذا وجه التعويل في منع نكاح أمة الابن، بناء على مصيرها أم ولد.
ولو صح ما ذكره الشيخ أبو علي، لبطل اعتماد هذا المعنى، ولقيل: لا يثبت الاستيلاد في النكاح، ولا يمتنع بسببه على الأب نكاح أمة الابن، وكان يرجع القول

في منع نكاح جارية الابن إلى الوجهين؛ في أنه هل يجب على الابن إعفاف أبيه بحرة، أم له أن يعفه بنكاح أمة؟ وهذا التردد إنما يجري عند يسار الابن، واقتداره على أن يُعف بالحرة، فإن لم يقتدر على ذلك؛ وجب القطع بجواز إعفافه بنكاح أمة.
ثم يجب في هذه الصورة القطع بأن للأب أن ينكح أمة ابنه.
هذا التفريع لا بد منه، وفي كلام الشيخ أبي علي التزام هذا.
وهو بعيد عن مذهبنا - إذا فرّعنا على أن جارية الابن تصير أم ولد للأب 1 إذا حبلت منه في النكاح، فهذا كنا نعرفه مذهباً لأبي حنيفة 2، أو لبعض أصحابه.
فإذا تمهد المراد في ذلك، وبان من مذهب شيخنا وغيره أن النكاح لا يمنع نفوذ الاستيلاد، فلو طرأ ملك الابن على زوجة الأب -فنقول 3: لو علقت منه بمولود، صارت أم ولد؛ ثم يترتب عليه انفساخ النكاح إذا وقع؛ فعلى هذا، لو قيل لنا: هلا حكمتم بانقطاع النكاح- لمصيره إلى المعنى المحذور، وهو تعرض النكاح للزوال بما هو من مقاصده، وهذا قد اعتمدناه في منع ابتداء النكاح؟ قلنا: الذي رأيناه للأصحاب: أن دوام النكاح لا ينقطع؛ فإن الملك الطارىء ليس [للزوج] 4، ولا يبعد الفرق بين الدوام والابتداء.
وسمعت شيخي -في مسألة ميراث الزوجة وملكها رقبةَ زوجها المكاتَب- يقول -وقد أُلزم طريان ملك الابن على زوجة الأب- فقال: قد أقول بانفساخ النكاح.
وقد رأيت هذا لبعض أئمة الخلاف، ولست أعده من المذهب؛ فإني لم أره لموثوق به في نقل المذهب، ولم يذكره شيخنا في سياق المذهب، ولعل ما ذكره كان جرياناً منه على طريقة الخلافيين.
8021 - ويتصل بهذا المنتهى، القول في نكاح أمة المكاتِب.
فنقول أولاً: إذا

وطىء سيد المكاتَب جارية المكاتَب، وعلقت منه بمولود، فإنها تصير أم ولد للسيد - لما له فيها من حق الملك.
وعندي أن هذا أجراه الأصحاب على ظاهر المذهب في أن جارية الابن تصير مستولدة الأب، فإن قلنا: لا تصير مستولدة له، فليس يبعد أن نقول: يبقى الاستيلاد في جاربة المكاتب.
وقد رأيت للشيخ أبي علي رمزاً إلى ذلك؛ فإن جارية المكاتب ملك المكاتب، [وإن] 1 كان في ملكه بعض الضعف، وهذا ليس نقلاً، فلا أعتمده.
فإذا تبين أن الاستيلاد يثبت؛ فلو كان نكح السيد جاريةً، فملكها مكاتَبُه؛ ففي انفساخ النكاح بطريان ملك المكاتَب وجهان.
سنذكرهما في الكتابة، إن شاء الله عز وجل، فلا يبعد تنزيل طريان ملك الابن على زوجة الأب هذه المنزلة، والله أعلم.
وقد انتجز الغرض في الفصل.
فصل قال الشافعي: "قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون﴾ [المؤمنون: 5] ... إلى آخره" 2. 8022 - غرض الفصل: الكلامُ في تسرّي العبد.
وهذا يبتني على القول في أنه هل يملك العبدُ إذا ملّكه مولاه؟ وفيه قولان، تقدم ذكرهما.
فإن قلنا: إنه لا يملك، لم يُتصور منه التسري.
وإن قلنا: إنه يملك إذا ملّكه المولى؛ فنفس تمليكه إياه جارية لا يسلّطه على وطئها، كما لا يسلّطه على سائر جهات التصرفات، فإن أذن له في التسرّي، فالذي عليه الجريان، وبه قطع الأئمة: أن له أن يتسرى بإذن مولاه، وقد روي أن ابن عمر 3 كان يسرّي [عبيده] 4 جواريَه.

وكان شيخي يحكي عن الأستاذ أبي إسحاق أن العبد لا يتسرى، وإن أذن له مولاه؛ لضعف ملكه، وتعرضه للانتزاع [والوطء] 1 يستدعي ملكاً قوياً، واحتج على ذلك بما روي عن ابن عمر أنه قال: لا يطأ الرجل إلا وليدة، إن شاء باعها، وإن شاء وهبها، وإن شاء صنع بها ما شاء.
والعبد المملّك لا يملك البيع والهبة، وقد حمل أصحابنا هذا -من قول ابن عمر- على النهي عن الوطء في زمان الخيار؛ فإنه لم يتعرض في قوله هذا للعبد، ولم يجر ذكره.
ثم إذا جوّزنا للعبد أن يتسرى بإذن المولى، فلو علقت منه بمولود؛ لم يثبت الاستيلاد؛ فإن حرية الولد غير متوقعة، والاستيلاد [يتبع] 2 حرية الولد، إذا صادف ملكاً أو حقَّ ملك؛ فولده إذن قن، والجارية عرضة الاسترداد، وإنما يثبت حق العبد على اللزوم في النكاح -إذا صح له- بإذن المولى.
8023 - ثم قال الشافعي: نكاح الزانية جائز على كراهة.
مذهبنا: أن نكاح الزانية صحيح، ولكنا نكره ذلك، ولا خفاء بوجه الكراهية.
وعن الحسن أن نكاح الزانية باطل، وقد تعلق بقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَان﴾ [النور: 3]، وقد قيل: الآية منسوخة، وقيل: أراد بالنكاح الوطء من غير حل، وقيل: أراد 3 الزجر عن اقترابهن، وقد تجري في الزجر مبالغات.
فإن كان المراد به الكراهية، فالزنا 4 لا يوجب العدة على المزنيّ بها.
والحامل من الزنا يحل نكاحها؛ فإن الحمل من الزنا لا حرمة له.
وإذا صححنا النكاح وهي حامل، فقد اشتهر خلاف الأصحاب في أنه هل يحل وطؤها في زمان الحمل؟ فذكر ابن الحداد أنه لا يحل وطؤها ما دامت حاملاً.
والأصح أنه لا يحرم، ولفظ الشافعي دال على نفي التحريم؛ فإنه قال: "وأُحب

أن يمسك عنها حتى تضع" 1. وليس لتحريم القِربان وجهٌ أصلاً، مع الحكم بانعقاد النكاح، وقد ظهر أن ماء الزاني لا حرمة له، والكراهية: يدل [عليها] 2 ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تسقِ بمائك زرع غيرك" 3. وقد حمل أصحابنا هذا على ما ذكرناه.
8024 - ثم عقد الشافعي باباً 4 في نكاح العبد وطلاقه.
وذكر فيه أنه ينكح اثنتين، ويملك طلقتين، وقد تقدم النكاح، وسيأتي الطلاق، إن شاء الله تعالى، وأجرى في الباب نكاح العبد بغير إذن السيد، وقد أشبعنا القول فيه بما يغني عن الإعادة.
...

باب ما يحل ويحرم من نكاح الحرائر ومن الإماء

قال الشافعي: "أصل ما يحرم به النساء ضربان ... إلى آخره" 1. 8025 - أسباب التحريم كثيرة، لاسيما ما لا يتأبد منها، والغرض من عقد هذا الباب ذكر المحرّمات بالنسب والرضاع والصِّهر، وتفصيل القول فيما يحرم من الجمع، وفيما يحل.
وهذه القواعد مذكورة في كتاب الله تعالى؛ فإنه عز من قائل ذكر أربعَ عشرةَ من المحرّمات - سبع بالنسب، وسبع بالرضاع والصهر، وينساق تحريم ثلاثَ عشرةَ منهن في آية، وذكر واحدة من المحرمات قبلها.
أما الآية الشاملة؛ فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم﴾ [النساء: 23] فأما السبع المحرمات بالنسب؛ فقد احتوى عليها قوله تعالى: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُم وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْت﴾ [النساء: 23] فهذه سبع.
ثم ذكر أمهات النساء، والربائب، وحلائل الأبناء، والأمهات، والأخوات من الرضاعة، والجمع بين الأختين؛ فهذه ست جهات.
وذكر حلائل الآباء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: 22].
8026 - ونحن نقول: التحريم المؤبد - المقترن بالمحرميّة يتعلق بالنسب والسبب، فأما بيان المحرمات بالنسب؛ فنتيمّن بالجريان على ترتيب القرآن.
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم﴾ [النساء: 23] فالأم المحرمة: هي كل أنثى [انتسبت] 2 إليها بالولادة، بواسطة، وبغير واسطة، ولا فرق -إن كانت

وسائط- بين أن يكنّ إناثاً وذكوراً [أو] 1 مختلطين، ويدخل تحت ذلك: الأم الوالدة، والجدات في الجهات.
ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُم﴾ [النساء: 23]، فبنتك المحرمة: كل أنثى انتسبَتْ إليك بالولادة من غير واسطة [أو] 2 وسائط، لا فرق بين أن تكون الوسائط ذكوراً، أو إناثاً، أو مختلطين، فيدخل تحت ذلك بنات الصلب، وبنات البنين، وبنات البنات، وإن سفلن.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] فكل امرأة ولدها أبواك، أو أحدهما؛ فهي داخلة تحت اسم الأخوات، وبنات الأخ وبنات الأخت محرمات، وإن سفلن، وجدّ بنات الأخ والأخت منهما كجد بناتك منك.
وكل من ولدها أجدادك وجداتك من قبل الأب فهي عمة، والعمة محرمة، ولا تحرم بناتها.
وكل امرأة ولدها أجدادك وجداتك من قبل الأم، فهي خالة، والخالة محرمة، ولا تحرم بناتها، كما لا تحرم بنات الأعمام والعمات، كذلك لا تحرم بنات الأخوال والخالات.
وإن أوجزت قلت: كل امرأة بينك وبينها قرابة؛ فهي محرمة عليك، إلا أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات.
8027 - ثم قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] فالرضاع محرِّم، وفيه كتاب سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وكل ما ينتظم من النسب، ينتظم من الرضاع، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" 3 فتحرم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، وفي ذكر شرائط الرضاع وأصوله وفصوله وجهة انتشار الحرمة فيه، كتابٌ، فلا معنى للخوض في تراجم لا تستقل.

وقد ذكر الله تعالى الأمهات والبنات من اللواتي يحرمن بالرضاع، فألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بهن غيرَهن.
فقال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
8028 - وأما المحرمات بالمصاهرة؛ فأربعة: أم المرأة، وابنتها، وجد أمها منها [كجدة] 1 أمك منك، وكذلك جد بنتها منها [كجدة] (1) بنتك منك.
ويخرج منه أن أمها - وإن علت، فإنها تحرم، وكذلك أمها من الرضاع تحرم عليك، كما تحرم عليك [جدتك] 2 من الرضاع.
وزوجة الأب محرمة، وكذلك زوجة الابن، ولا تتعدى الحرمة من زوجة الأب وزوجة الابن إلى الأمهات والبنات؛ فإن الرجل يتزوج بأم زوجة أبيه، وبنت زوجة أبيه، وكذلك يتزوج ببنت زوجة ابنه.
ثم تحرم أم الزوجة، وزوجة الابن وزوجة الأب بالنكاح الصحيح، وإن عري عن المسيس.
ويتوقف تحريم بنت الزوجة أبداً على الدخول بالزوجة.
قال الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ﴾ [النساء: 23] فقيّد تحريم الربيبة بالدخول بالأم.
وعن علي بن أبي طالب 3 أن الأم لا تحرم إلا بالدخول بالبنت 4، كما أن البنت لا تحرم إلا بالدخول بالأم، وكأنه حمل قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ﴾ [النساء: 23] على الأمهات والربائب.
وهو غير مرضي؛ فإنه لا يقال: وأمهات نسائكم من نسائكم وإنما ينافي صرف الكلام إلى شيئين إذا أمكن تقدير صرفه إلى كل واحد منهما، ولو قُدر منفرداً.

وعن زيد بن ثابت 1 أن الأم إن ماتت قبل الدخول، حرمت عليه الربيبة.
فأقام الموت فيه مقام الدخول، كما [يقام] 2 مقامه في تكميل المهر.
وقال مالك 3: "الربيبة إنما تحرم، إذا كانت صغيرة يوم التزوج بالأم، فتحصل في حجره وتكفُّله"، وإنما صار إلى ذلك لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23].
وحكم بأنها لو كانت كبيرة يوم النكاح، لم تحرم.
[ورأى الشافعي] 4 حمل هذا التقييد على الغالب في الوجود والعادة، كما حمل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه﴾ [البقرة: 229] على التقييد بمجرى العادة، وصحح الخلع إذا اتفق جريانه من غير منازعة.
وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُم﴾ [النساء: 23] لا يتضمن

تخصيص التحريم بحليلة الابن النسيب [، فكما] 1 تحرم حليلة ابن النسيب تحرم حليلة ابن الرضاع.
والغرض من هذا التقييد أن حليلة ابن التبني لا تحرم، ولعله كان للتبني حكم، وكان تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة قبل أن بعث نبياً.
وقال تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: 37].
فتحصّل من تحريم المصاهرة أنه يحرم بسبب المصاهرة أربع: الزوجة، وابنتها، وحليلة الابن، وحليلة الأب.
والتحريم يحصل في ثلاث بمجرد النكاح، ويتوقف تحريم الأبد في واحدة على الدخول، وهي الربيبة.
قال الأصحاب: الأم مبهمة، والربيبة حرمت بشرط، وعنَوْا بذلك أن تحريم الأم يحصل بمطلق النكاح، من غير تقييد بشرط الدخول.
فهذا بيان المحرمات بالنسب والرضاع والمصاهرة.
8029 - ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْن﴾ [النساء: 23] وهذا النوع من التحريم مخالف لما انتجز الآن، فإن الذي تقدَّر الفراغ منه تحريم مؤبّد مع محرميَّة.
وهذا ليس من التحريمات المؤبّدة.
ولكن إذا نكح الرجل امرأة، حرم عليه أن ينكح أختها ما دامت هذه في زوجيَّته.
والمنصوص عليه في الكتاب: تحريم الجمع بين الأختين.
وألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك جميعَ محارم المرأة، فقال: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى" 2. وأراد بالصغرى ابنة الأخ وابنة الأخت.
وبالكبرى العمة والخالة.
ولم

يُرد صِغر السن وكِبره.
فقد تكون ابنة الأخ أكبر سناً من العمة.
ثم قال الأصحاب في ضبط ذلك: كل امرأتين بينهما قرابة، أو رضاع، يقتضي المحرميَّة.
فلا يجوز الجمع بينهما.
وإن أحببت، قلت: كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع، لو كان بينك وبين امرأة، حرمت عليك، حرم الجمع بينهما.
وإن أردت قلت: كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع، ولو قدر أحدهما ذَكراً، لحرمت المناكحة بينهما؛ فيحرم الجمع بينهما.
وفيما ذكرناه من المحرمية كفاية.
فلا يجمع الرجل بين أختين، ولا بين العمة وابنة أخيها، وبين الأم وابنتها، وإن كانت البنت لا تحرم على الأبد بنفس النكاح على الأم.
فمن نكح امرأة -لم يدخل عليها-[تحرم عليه] 1 بنتها بسبب تحريم الجمع، ولو نكحها، اندفع النكاح المعقود عليهما فيهما معاً، كما لوجمع بين أختين.
8030 - والاجتماع في الصهر المحرم لا يوجب تحريم الجمع، فيجوز الجمع بين المرأة وبنت زوجها، أو أم زوجها، وإن كان بينهما سبب يوجب الحرمة والمحرمية.
وإنما قلنا ما قلنا في النسب، لما نبّه عليه صاحبُ الشرع؛ إذ قال -لما نهى عن الجمع بين الأختين- "إنكم لو فعلتم ذلك، قطعتم أرحامهن".
والرضاع ملحق 2 بالقرابة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم"؛ فكان الرضاع في معنى القرابة، والمصاهرة ليس فيها رحم، حتى يفرض إفضاء الجمع إلى قطعه.
وقد انتهى القول في المحرمات، وأحلنا تفصيل ذكر الرضاع على كتابه.
= 9/ 64 ح 5109، 5110، ومسلم: ح 1408، وانظر التلخيص: 3/ 344 ح 1635).

فصل قال: "ونهى عمر عن الأم وابنتها ... إلى آخره" 1. 8031 - مقصود الفصل: أنه لا يمتنع الجمع بين أختين، أو أم وابنتها في ملك اليمين، ولا يمتنع اجتماعهما في ملك مالكٍ واحد، فأما إذا أراد المالك أن يجمع بين أختين مملوكتين في الوطء؛ فلا يجوز له ذلك، ولكن إذا سبق إلى إحداهما، فوطئها، حرم عليه وطء الأخرى.
فلو وطىء الثانية بعد ما وطىء الأولى، [فقد أساء وتعدّى.
ولا يتغير ما كان بسبب وطء الأولى، فالثانية] 2 محرمة كما كانت، والأولى مستباحة كما كانت، ولا تحرم الأولى بسبب وطء الثانية، والثانية محرمة لا تحل، حتى تخرج الموطوءة الأولى عن الملك، أو عن الحل.
أما خروجها عن الملك؛ فبأن يبيعها أو يهبها، ويتحقّق زوال الملك، وأما خروجها عن الحل، فبأن يزوّجها، أو يكاتبها.
ولا شك أن طريان الحيض والإحرام لا يؤثر في تحليل الثانية؛ فإن هذا ليس إزالةً للحل، وألحق [الأئمة] 3 الردّة بالإحرام.
وتردد الأئمة في شيئين: أحدهما - الرهن.
والثاني - البيع بشرط الخيار.
أما الرهن، فإنه يحرّم الوطء، ولا يُثبت استقلالاً كالكتابة، ولا يُثبت للغير حلاً، حتى يقال: ثبوت [الحل] 4 للغير يدل على انبتات الحل الأول، وقد يزحم شيءٌ الحلَّ ولا يزحم الحلُّ.
ولو وُطِئت الأولى بشبهة، فشرعت في العدة؛ لم تحل الثانية؛ فإن هذا من

الطوارىء التي تزول، والعدّة والردّة والإحرام على قضيةٍ واحدة.
والتزويج والكتابة بمثابة إزالة الملك باتفاق 1 الأصحاب، والتردّدُ في الرهن، والأوجه 2 أنه لا يؤثّر في تحليل الثانية؛ لأنه من الطوارىء (3 المتوقع زوالها 3) أيضاًً.
وأما إذا باع الأولى بشرط الخيار، [وحكمنا] 4 بزوال الملك إلى المشتري؛ فهذا مما تردد فيه الأئمة أيضاً؛ من جهة أن زوال الملك لم يلزم، وإنما ترددهم فيه إذا لم يكن للبائع خيار، فإن 5 كان له خيار، فالمذهب أنه يحل له وطء المبيعة في زمان الخيار، وإذا كان الحل قائماً، فيستحيل تقدير تحليل الأخت - والحالة هذه.
نعم؛ إن لم يكن له خيار، وإنما الخيار للمشتري؛ ففيه التردد، والوجه عندي: القطع بتحليل الأخت؛ فإن ملك البائع قد زال، ولم يبق له مستدرك، وتصرفات المشتري نافذة من جميع الوجوه، فإن تُصُوِّرت المسألة بهذه الصورة، وفرّعنا على أن ملك البائع لا يزول؛ فإجراء الاحتمال هاهنا أوجه.
ولو اشترى الرجل أمة 6 وابنتها؛ فإن وطىء الأم، حرمت عليه 7 البنت على الأبد.
وإن وطىء البنت، حرمت الأم أيضاً على الأبد.
8032 - وكل حرمة في [الصهر] 8 تتعلق بالنكاح، فهي متعلقة بالوطء في ملك اليمين، ومنها أن موطوءة الرجل في ملك اليمين تحرُم على أبيه وابنه، اعتباراً بحليلة الأب والابن.
وأصحاب الظاهر لم يحرموا الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين.
وقال ابن3

عمر: وددت لو كان أبي أشد في ذلك، وسُئل عثمان، فقال: أحلّتهما آية، وحرّمتهما آية.
وقال عمر: أما أنا؛ فلا أحب أن أفعل ذلك.
فقال الأصحاب أشار عثمان -بما 1 ذكر- إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [النساء: 3].
فعموم الآية يقتضي الإباحة، وأراد بالآية الأخرى، قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْن﴾ [النساء: 23] وقول عثمان هذا يدل على أن ترديد القول في الشرع ليس بدعاً.
وفي مساق قول 2 عمر ما يدل على مثله.
وبالجملة لا يُنكِر ترددَ المجتهد في المظنونات إلا أخرقُ، لا يعرف مسالك الاجتهاد.
فأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَف﴾ [النساء: 23]، فمما اختُلف في معناه.
قيل: معناه: إلا ما مضى من الجمع بين الأختين قبل نزول الآية، فذلك عفو، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَف﴾ [النساء: 22] وكقوله تعالى في صيد الإحرام والحرم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف﴾ [المائدة: 95].
وقيل: معناه: أن نكاح الأخت الذي تقدم، لا ينقضه طريان صورة النكاح على الأخرى.
بل تلك تبقى على مقتضى النكاح.
فعلى هذا يلتحق قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَف﴾ َ بالاستثناء من غير الجنس.
والتقدير: لكن النكاح السالف مستباح كما كان.
فصل قال: "وإذا تزوج امرأة، ثم تزوج عليها أختها ... إلى آخره" 3. 8033 - إذا جمع بين أختين في عقد واحد؛ فنكاحهما باطل، وإن [رُتّب] 4؛ فنكاح الأخيرة باطل.
8034 - وذكر ابن الحداد صورة لا خفاء 5 بها على من أحكم الأصول، ولكنها

تهذّب القريحة، وتبيّن للمبتدىء مسلك النظر.
وهي: أنه إذا نكح الرجل امرأة ونكح ابنه ابنتها، فغلط كل واحد منهما إلى زوجة صاحبه 1، فوطئها بشبهة؛ فالتفصيل فيه أن يقال: إن غلط الأب أولاً، فوطىء زوجة الابن، فقد بطل نكاح الابن؛ فإنها صارت موطوءة الأب، فحرمت على الابن، [ويبطل] 2 نكاح الأب على زوجته أيضاًً؛ فإن من وطىء امرأة بشبهة حرم عليه أمها.
ثم حكم هذه الصورة بعد ذلك: أنه يغرم لزوجة الابن مهرَ مثلها؛ فإنه وطئها بشبهة، وأما امرأته؛ فقد ارتفع نكاحها.
والمسألة مفروضة فيه إذا لم يصب امرأة نفسه، وغلط إلى الأخرى، فقد ارتفع نكاح امرأته قبل المسيس؛ فيلزمه لها نصف المسمى - لا شك فيه؛ لأنه المتسبب إلى ما رفع نكاحَها.
وأما زوجة الابن؛ فلو قال الابن لأبيه: قد تسبّبت إلى رفع نكاحي، وأفسدته، فاغرم لي كما تغرم المرضعة لزوج الصبية؛ فله ذلك.
ثم كم يغرم لابنه؟ فعلى ثلاثة أقوال، ستأتي مشروحة في الرضاع: أحدها - أنه يغرم له نصف مهر مثلها.
والثاني - أنه يغرم تمام مهر مثلها.
والثالث - أنه يغرم له ما يغرمه هو لزوجته، والقدر الكافي هاهنا أن الأب في حق الابن بمثابة المرضعة في حق زوج الرضيعة، ثم تفصيل ما تغرمه المرضعة يأتي تأصيلاً وتفريعاً في كتاب الرضاع، إن شاء الله تعالى.
ولو قالت زوجة الابن للابن: قد ارتفع نكاحي قبل المسيس، فاغرم لي نصف المسمى.
قال ابن الحداد: لا شيء لها عليه؛ فإنه ارتفع نكاحها من غير قصد صدر من الزوج، والزوج إنما يلتزم شطر المهر إذا ارتفع النكاح بسببه.
= والروضة: 7/ 114، وسترى أثر إمام الحرمين واضحاً في أسلوبيهما.

ومن أصحابنا من خالفه، وقال: يلزمه نصف المسمى؛ فإن المرأة لم يوجد منها قصد أيضاً؛ إذ المسألة في الغلط.
واستدل هؤلاء بمسألة، وهي: أن الرجل إذا كانت تحته كبيرة وصغيرة، فأرضعت الكبيرةُ الصغيرةَ، وانفسخ نكاحها؛ فقد قال الأصحاب: للصغيرة نصف المهر المسمى على الزوج، وإن لم يوجد من جهته قصد.
قال الشيخ أبو علي: ينبغي أن يقال: المرأة إذا 1 كانت نائمة، فوطئها الأب، أو ضبطها 2 فأكرهها؛ فينبغي أن تستحق نصف المسمى في هذه الصورة على زوجها، كما ذكرناه في المرضعة.
وإن جرى الأمر على قصد منها، وإن لم تكن عالمة بصفة الحال؛ فينبغي أن يقال في هذه الصورة: إنه يسقط مهرها، لِما وُجد منها.
ونظير ذلك من الرضاع ما لو دنت الصغيرة إلى ثدي الكبيرة، والكبيرة راقدة، فارتضعت خمساً؛ فيسقط مهرها في هذه الصورة.
فالذي تحصَّل إذن في مسألتنا: أن المرأة إن [نزت] 3 على المرء، واستدخلت منه وهو نائم؛ فيسقط مهرها.
وإن كانت هي نائمة أو مكرهة، فوطئها؛ فلها نصف المسمى على زوجها، لا خلاف فيه.
وإن كانت غير نائمة ولا مُكرَهة، والحال مشتبهة، فهذا موضع تردد الأصحاب، قال قائلون: لا مهر لها، لِما صدر لها من قصد، وقال آخرون: لها المهر، كالرضيعة.
ولم يختلف الأصحاب أن الصبية لو كانت ترتضع وتمتص؛ فالحكم لإرضاع الكبيرة، وتستحق الصغيرة نصف مسماها.
ولا أثر لارتضاعها في إسقاط ذلك.
فهذا بيان حكم وطء الأب زوجة ابنه.

8035 - فإذا وطىء الابن بعد ذلك -والمسألة على حالها- زوجةَ أبيه بشبهة؛ فيلتزم لها مهر مثلها، ولا يلزمه لها شيء سواه؛ فإنه ما تسبب إلى فسخ نكاح، بل أقدم على وطء الثانية، والمرأتان جميعاً محرمتان عليه تحريمَ التأبيد قبل وطئه.
هذا إذا سبق الأب بالوطء.
8036 - فأما إذا سبق الابن، فوطىء زوجة أبيه؛ فينقلب الحكم، ولا يختلف الترتيب فيما ذكرناه، فما كان على الأب في الصورة الأولى، يكون على الابن في هذه الصورة؛ فلا نطوّل بالإعادة.
8037 - فأما إذا وطئا معاً على الغلط؛ فأمر التحريم على ما قدمناه.
وإنما الذي نزيد في هذه المسألة أنه حرم على كل واحد زوجُه بفعله وفعل صاحبه، فإنا لو قدرنا من كل واحد منهما فعلَه وحدَه، لحرمت به زوجتُه وزوجةُ صاحبه جميعاً، فإذا اجتمعا، فهل يغرم أحدهما لصاحبه شيئاً، بسبب تفويته زوجتَه عليه؟ قال شيخي: قال القفال: هذه الحالة كالاصطدام في تفريعه، فيغرم كل واحد منهما لصاحبه نصف الغرم، الذي كان يغرمه لو انفرد بفعله، ويهدر نصفه لمكان صاحبه، ثم ربما تقع أقاويل التقاصّ 1. هذا ما ذكره شيخي.
وقال الشيخ أبو علي: ليس ذلك كالاصطدام، ولا شيء لواحدٍ منهما على صاحبه في هذه المسألة؛ إذ قد وُجد من كل واحد منهما ما لو استقل، [لحرمت عليه زوجته به.
وليس كالاصطدام؛ إذ لا يمكننا أن نقول في الاصطدام فعلَ كل واحد منهما ما لو استقلّ] 2 به، لأفضى إلى التلف، [بل حصل التلف بالفعلين جميعاً] 3 وهذا الذي قاله هو الوجه 4.

8038 - فرع آخر لابن الحداد في هذا الفن: إذا نكح الرجل امرأة في عقد، ثم نكح امرأة أخرى في عقد آخر، ووطىء إحداهما مثلاً، ثم بان أن إحداهما أمٌّ للأخرى؛ فهذه المسألة لها أقسام.
ونحن نذكرها قسماً قسماً.
فمن أقسامها: أن ينكح الأم أولاً، ثم البنت، ويطأ الأم، ويتضح له ذلك من غير إشكال؛ فحكم هذا القسم: أن نكاح الأم ثابت، لا شك فيه، ووطء الأم لا [يقدح] 1 في نكاحها، وقد حرمت البنت على التأبيد؛ فإنها ربيبةُ امرأةٍ مدخول بها، ولم ينعقد نكاحها ابتداء؛ فإنها أدخلت على الأم.
ومن الأقسام: أن ينكح البنت أولاً، ثم الأم، ثم وطىء البنت -كما سبق التفصيل -؛ فنكاح البنت ثابت، فإنها السابقة، ووطؤها لا يحرّمها، وأما الأم، فقد حرمت بالعقد على البنت.
وإن نكح الأم أولاً، ثم البنت، ووطىء البنت؛ فأما الأم، فتحرم بوطء البنت على الشبهة، وأما البنت، فلم ينعقد نكاحها (2 ابتداء؛ فإنها أدخلت على الأم.
وإن نكح البنت 2) أولاً، ثم الأم، ووطىء الأم؛ فتحرم البنت لوطء الأم بالشبهة، والأم محرمة بالعقد السابق على البنت، فحرمتا على التأبيد.
وكل ذلك سهل المُدرك.
ولو أشكل عليه أنه وطىء الأولى أم الثانية، وعلم أن الأولى في النكاح هي الأم، فالحكم فيه أن نقول: لو قدرنا وطء البنت في هذه الصورة، لارتفع نكاح الأم.
ولو قدرنا وطء الأم، لحرمت البنت على التأبيد.
فنقول: قد صح نكاح الأم أولاً، ولم يستيقن ارتفاعه، فالأصل بقاؤه.
وهو محمول على الصحة، وأما البنت،2 = الكبير: 8/ 38، 39، والروضة: 7/ 114، 115).

فمحرمة في الحال؛ فإنه لا يدخل نكاحها على نكاح الأم أصلاً.
ولو طلق الأم [أو ارتفع] 1 نكاحُها بسبب من الأسباب، فهي مع ابنتها 2 امرأتان، نعلم قطعاً أن 3 واحدةً منهما محرمة على الأبد، وأشكل عليه عينُها؛ فلا سبيل له إلى نكاح واحدة منهما، وهو كما لو علم أن إحدى هاتين المرأتين أخته من الرضاع، ولم يدر 4 عينها، فليس له أن ينكح واحدة منهما، وهذا في نهاية الحسن، ولا وجه إلا ما ذكره، وهو من بدائع المذهب؛ فإن الأم كنا حكمنا بتحليلها؛ فلما طلقها، لم يجد سبيلاً إلى تجديد العقد عليها.
وهذا إذا أبانها، فإن طلقها طلاقاً رجعياً، ارتجعها.
8039 - ومن أقسام المسألة: أن تتعين الموطوءة، ولكن لم تتعين التي سبقت بالنكاح، فكان يجوّز أن تكون الأم هي السابقة، ويجوّز أن تكون مسبوقة، وقد علم أنه وطىء البنت، فالحكم في ذلك أن غير الموطوءة محرمة على الأبد، وأما الموطوءة -وهي البنت- فلا نحكم بثبوت نكاحها؛ لأنه لم يستيقن ثبوته.
بل يجوز أن تكون منكوحة سابقة، ويجوز ألا تكون منكوحة؛ لكونها مسبوقة، ولا نخلّيها حتى تنكح 5، بل الأمر موقوف فيها، وعلى الزوج البيان، فإن حلف على نفي العلم، أو اتفقا على الإشكال، قال الشيخ: لها أن تستدعي من القاضي حتى يفسخ نكاحها.
هذا منتهى كلام الشارحين.
وإن رضيت بالمقام في الإشكال، ففي نفقتها ومهرها كلام - قدمته في نظير لهذه، وهو: إذا زوّج وليّان امرأة من زوجين، وقد تقدم بما فيه إقناع وبلاغ.

فصل قال: "وإذا اجتمع النكاح وملك اليمين ... إلى آخره" 1. 8040 - إذا وطىء جارية بملك اليمين، ثم نكح أختها الحرة، انعقد النكاح عليها، وحلّت المنكوحة، وحرمت الموطوءة بملك اليمين؛ وذلك لقوة النكاح وسلطانه فيما يتعلق بإحلال البضع، وإذا انعقد النكاح، فمن ضرورة انعقاده إفادته للحل، وهذا معنى قول الأصحاب: النكاح أقوى من الوطء بملك اليمين؛ فإن الحكم للنكاح، سابقاً كان أو مسبوقاً.
8041 - فرع ذكره ابن الحداد في التباس العقد الوارد على أعداد من النسوة.
إذا نكح امرأة في عقد، واثنتين في عقدة، وثلاثاً في عقدة، وأشكل عليه تاريخ العقود؛ قال ابن الحداد: لا يثبت إلا نكاح الفردة التي نكحت وحدها.
فنقول: أما ثبوت نكاح الواحدة، فلا شك فيه؛ فإنا كيفما قدرنا في التواريخ، فنكاحها صحيح.
وأما العقدتان الباقيتان، فلا تصحان جميعاً، قطعاً، وقد صحت إحداهما في معلوم الله تعالى.
فيقال للزوج: بيّن المتقدم منهما، فإن بيّن وعيّن، فذاك، وإن قال: لا أدري، فربما يَتوجه 2 عليه يمين في ذلك - على تفاصيلَ مشهورة في نظير هذا.
ثم إذا أشكل الأمر، فإن طلبت النسوة فسخ النكاح؛ فينفسخ نكاحهن.
وقد ذكرتُ نظير ذلك في تزويج المرأة من رجلين.
8042 - وإن رضين بالصبر تحت الإشكال، فلا يرفع نكاحهن.
وما دمن في الإشكال؛ فكيف السبيل في الإنفاق عليهن؟

قال الشيخ أبو علي: [على الزوج] 1 أن ينفق على جميعهن، كما ذكرناه في الذي يُسلم وتحته ثمان نسوة، أسلمن معه، ولم يختر أربعاً منهن؛ فإنه ينفق على جميعهن.
وهذا فيه احتمال ظاهر، من جهة أن الزوج تقاعد عن اختيار أربع منهن؛ فهو حابسهن مع القدرة على إزالة ذلك، [و] 2 في مسألتنا أشكل 3 تاريخ العقد، وثبت الإشكال إما بتوافق، وإما بيمين.
ويجوز أن ننفصل عن هذا، فيقال: إنه منسوب إلى ترك التحفظ والاحتياط؛ وعلى هذا بنينا حرمان القاتل خطأً ميراثَ المقتول، وبهذا السبب أوجبنا الكفارة على المخطىء.
8043 - فأما الميراث، فإذا مات؛ [نفرز] 4 من تركته ميراث زوجة: الثمن، أو الربع، عائلاً أو كاملاً -على ما تقتضيه الفريضة- ثم يسلّم إلى الفردة، التي تعيّنت ربع ذلك؛ فإنها تستحق هذا المبلغ بلا شك ولا مِرْية؛ إذ أقصى ما في المسألة: أن تزاحمها ثلاث؛ فلها الربع؛ فإنها تكون رابعتهن، ثم نقف ثلاثة أرباع الحصة.
ثم الطريق أن نقول: من يحتمل أن يكون له من الموقوف شيء، فيوقف في حقه ذلك الشيء، ومن لا يحتمل أن يكون له من الموقوف شيء، فلا يوقف في حقه ما يقطع؛ فإنه لا يستحقه.
فعلى هذا نقول: أقصى ما تستحقه الفردة ثلث ما أفرزناه؛ فإن أحسن أحوالها أن تزاحمها اثنتان، ويبطل النكاح المشتمل على الثلاث.
فلا تستحق الفردة أكثر من ذلك.
وقد أخذت الربع، فبقي إمكان استحقاقها في نصف السدس، فنقف لها نصف السدس، بينها وبين الثلاث اللاتي في عقد واحدٍ.
وأما الاثنتان؛ فإمكان حظهما في الثلثين؛ فإن أحسن أحوالهما أن تزاحمهما

الواحدة.
وأما الثلاث؛ فأقصى ما يفرض هن ثلاثة أرباع ما أفرزناه.
ثم لا يخفى النظر بعد ذلك على من أحكم قواعد الفرائض، ومسائل الخناثى.
8044 - وأما مهورهن، فلا يخلو: إما إن كان دخل بهن على الشبهة والالتباس، أو لم يكن دخل بهن.
فإن دخل بهن، وكان مهر كل واحدة مائة، وقد سمى في عقد [الاثنتين] 1 ألفين، وفي عقد الثلاثة ثلاثة آلاف، فنقف أكثر 2 ما يتصور استحقاقه، وطريق الأكثر فيه أن نقول: نعلم أن المسمى في أحد العقدين واجب، مع مهر المثل [للّواتي] 3 في العقد الثاني، فنأخذ بالأكثر.
والأكثر في الصورة التي فرضناها، المسمى في عقد الثلاث، ومهر المثل في عقد الاثنتين، وذلك ثلاثة آلاف ومائتان، ثم نسلم إلى كل واحدة مهر مثلها من هذا المبلغ؛ فإنه الأقل قطعاً، إما من المسمى، وإما من مهر المثل، ثم نقف الباقي.
فإن بان بطريق من الطرق أن الصحيح عقد الاثنتين، فنتمّ لهما مع ما قبضتا ألفين، ونترك على الثلاث مهور أمثالهن، ونسترد الباقي، ونرده على الورثة.
وإن بان أن العقد الصحيح عقد الثلاث، فلا نرد شيئاًً، ونكمل المسمى للثلاث، ونقر مهر المثل في أيدي الاثنتين.
وإن كان مهور أمثالهن أكثر من المسمى؛ فلا يخفى تفريعه.
وإن لم يكن دخل بهن، فنقف ثلاثة آلاف، ولا ندفع إلى واحدة منهن شيئاًً؛ فإنا لا نستيقن استحقاق واحدة منهن بعينها.
ولا معنى للإطناب مع وضوح أطراف المسألة.
ولو نكح واحدة، فاثنتين، وثلاثاً، وأربعاً، في عقود متفرقة، وأشكل التاريخ؛ فلا تتعيّن مع الإشكال الواحدة في هذه الصورة أيضاً، لجواز أن نكاحها وقع بعد الأربع.
فهذا ما يتجدد في هذه، وتفريعها سهل.
...

باب الزنا لا يحرم الحلال

8045 - ذكر المزني في الباب مناظرة طويلة، ثم تبرّم بها وقطعها 1. والفقه المقصود من الباب نوعان: أحدهما - بيان الأجناس [التي] 2 يتعلق تحريم المصاهرة بها.
والنوع الثاني - في صفاتها على تنوعها، حراماً وحلالاً.
فأما القول في الأجناس التي يتعلق تحريم المصاهرة بها؛ فمنها: النكاح.
ويتعلق به تحريم أم الزوجة، وتحريم الزوجة على الأب، والابن.
ولا يتعلق التحريم إلا بالنكاح الصحيح.
ومما يتعلق به تحريم المصاهرة: الوطء.
ويتعلق به التحريم في جميع جهات المصاهرة؛ فتحرم أم الموطوءة، وابنتها، وتحرم الموطوءة على أب الواطىء وابنه، فالوطء إذن يحرم النسوة الأربع اللواتي يلحقهن تحريم الصهر، [والنكاح] 3 لا يحرم إلا ثلاثاً منهن.
8046 - فأما الملامسة والنظر، فنقول: في تعلق الحرمة بالملامسة قولان: أصحهما - أنها لا تتعلق الحرمة بها، وإنما تتعلق بالوقاع التام.
والقول الثاني - إن الحرمة تتعلق بالتقاء البشرتين، كما يتعلق بها وجوب الفدية في الإحرام، وانتقاض الطهارة.

وأما النظر إلى الفرج، فظاهر النص أنه لا تتعلق به حرمة المصاهرة، وعند أبي حنيفة 1 تثبت الحرمة به.
وحكى العراقيون قولاً للشافعي مثل مذهب أبي حنيفة.
وهذا غريب لا تعويل عليه.
وقد حكى هذا القول طوائف من المراوزة أيضاً.
ولست أرى في توجيهه متعلقاً إلا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، لم ينظر إلى فرج امرأته وابنتها" 2 وهذا الحديث لم يصححه الأثبات.
ثم علينا تأمل في الملامسة ومزيد بحث في النظر، فأما الملامسة؛ فقد قيّد شيخي والصيدلاني الملامسة بكونها واقعة بالشهوة، وأرسلها بعض المصنفين وطوائف من العراقيين، وفي هذا احتمال: يجوز أن يقال: ما يتفق من غير شهوة، لا يعد [استمتاعاً] 3؛ فيبعد عن مشابهة الوقاع، ويجوز أن يقال: تكفي صورة الملامسة، كما تكفي في نقض الطهارة.
ولم أر أحداً من الأصحاب يشترط قصد الشهوة في الملامسة عند إيجاب الفدية على المحرِم.
هذا قولنا في الملامسة 4. فأما النظر، فنتكلم في محله وصفته.
فأما محله، فقد خصص أبو حنيفة بالتحريم النظر إلى الفرج، وعنى بذلك القبل من الرجل والمرأة.
وفي بعض التصانيف إضافة هذا إلى الشافعي قولاً مع التخصيص بالفرج، كما ذكرناه، وكان شيخي يقطع بأنه لا فرق بين النظر إلى الفرج وبين النظر إلى غيره في هذا القول الغريب.

وفي هذا تأمل عندي.
ولعل الوجه أن نلحق ما يواريه الإزار بالسوأة؛ فإنه عورة من الأجناس 1، ولا يحل النظر إليه إلا لمستمتع.
فأما ما يحل النظر إليه، فلا يجوز أن يتعلق به تحريم المصاهرة، وقد فصّلنا في تحريم المناظر وتحليلها ذلك، وما يحرم النظر إليه، وهو فوق السرّة وتحت الركبة، ففيه ترددٌ.
هذا قولنا فيما يتعلق النظر به.
فأما اشتراط الشهوة، فقد رأيت ألفاظ الأصحاب بأجمعهم مقيّدة بالشهوة هاهنا، ومن أبهم ذِكْر الملامسة، ولم يقيّدها بالشهوة، [قيّد] 2 النظر بالشهوة؛ ولعل ذلك لضعف النظر؛ فإنه ليس من قبيل الاستمتاعات، فإن اقترن به قصدٌ، كان إلحاقه بالاستمتاع متخيَّلاً.
هذا قولنا في الأجناس التي يتعلق بها تحريم المصاهرة.
8047 - والنوع الثاني في ذكر أحوال ما يوجب المصاهرة: أما النكاح؛ فلا انقسام فيه، ولا تتعلق المصاهرة إلا بصحيحه، كما ذكرناه.
وأما الوطء؛ فإن وقع زناً، وحراماً محضاً، فلا يتعلق به تحريم المصاهرة عندنا، خلافاً لأبي حنيفة 3. وللوطء أحوال: أحدها - أن يكون حلالاً؛ فيتعلق به النسب، والعدة، وتحريم المصاهرة، [وأحكام النكاح] 4. وإن كان حراماً محضاً؛ لم يتعلق به هذه الحرمات.
وإن كان واقعاً على الشبهة، فالمذهب الذي عليه التعويل: أنه تتعلق به حرمة المصاهرة 5. وفي بعض التصانيف حكاية قول آخر: إن حرمة المصاهرة لا تتعلق [به] 6،

وقد جمع الأستاذ أبو إسحاق مسائل خلافية وفرض الخلاف مع أبي حنيفة في وطء الشبهة، وهذا مما لا يعتد به.
ثم قال من حكى هذا القول: إذا قلنا: يتعلق تحريم المصاهرة بوطء الشبهة؛ فهل تتعلق به المحرمية؟ فعلى قولين، وهذا أقرب 1؛ من جهة أن المحرمية إنما تثبت في المصاهرة لمسيس الحاجة إلى تداخل البيوت؛ وهذا المعنى لا يتحقق في وطء الشبهة.
والمذهب الذي عليه التعويل أنه يتعلق بوطء الشبهة الحرمة والمحرمية 2. ولست أعرف خلافاً أنه يتعلق به النسب والعدة.
فإن طلب طالب فرقاً، فالماء محرم، وحرمة المصاهرة تتبع المحرمية، والمحرمية تتبع حاجة المداخلة، فينفصل الباب عن الباب.
ولو تحققت الشبهة في أحد الطرفين دون الثاني، والتفريع على أن الشبهة إذا عمّت الطرفين تثبت الحرمة والمحرمية، وهذا هو الأصل.
فلا عود إلى غيره.
فإذا لم تعم الشبهة الجانبين؛ فحاصل المذهب ثلاثة أوجه: أحدها - أن التحريم لا يثبت، لسقوط الحرمة من أحد الجانبين.
والثاني - أنه يثبت لثبوته في أحد الجانبين.
والثالث - أن الاعتبار بجانب الواطىء 3؛ فإن الله تعالى قرن بين الصهر والنسب، فقال عز من قائل: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: 54].
ثم الاعتبار في النسب بالواطىء.
وجمع الأئمة الحرمات، فقالوا: هي النسب، والعدة، والمهر، وسقوط الحد، وحرمة المصاهرة.
فإذا كانا عالمين بتحريم الوطء؛ فلا يتعلق بذلك شيء.
وإن كانا جاهلين؛ ثبتت الحرمات، ولا تعويل على القول البعيد.

وإن كانت المرأة جاهلة والرجل عالماً، ثبت المهر، ولا نسب ولا عدة؛ لأن النسب ثبت في ماء محترم، [وعليه الحدّ دونها.
وإن كانت المرأة عالمةً والرجل جاهلاً، ثبت النسب] 1 والعدّة، ولا حدّ عليه ولا مهر لها وعليها الحد، وفي المصاهرة ما قدّمناه 2. وإذا حكمنا بأن الملامسة تقتضي تحريم المصاهرة، فلو كانت حراماً محضاً، لم يتعلق بها شيء، وكذلك القول في النظر.
وإن وقعا في حل أو في شبهة، فهما كالوطء فيما قدمناه.
ولو لمس الأب زوجة ابنه من غير شبهة، لم تحرم على الابن.
ولو لمس جاريته حرمت عليه، لما له من الشبهة في ملك الابن.
وهذا خارج على القواعد المقدمة.
...

باب نكاح حرائر أهل الكتاب وإمائهم

قال الشافعي: "وأهل الكتاب الذين يحل نكاح حرائرهم؛ اليهود والنصارى، دون المجوس ... إلى آخره" 1. 8048 - الكفار على ثلاثة أضرب: أحدها -أهل الكتاب، فيحل نكاح حرائرهم- على شرائطَ وتفاصيلَ ستأتي من بعد، إن شاء الله عز وجل، وهم اليهود والنصارى.
ثم قال الأصحاب: لا كراهية في نكاح الذمية، وعن مالك 2 أنه كره نكاح الكافرة الذمية، وإن صححه.
وهو مذهب ابن عمر.
وتردد أصحابنا في إطلاق الكراهية في نكاح الحربية - إذا كانت يهودية أو نصرانية، فذهب الأكثرون إلى الكراهة؛ لأنها تسكن دار الحرب؛ ومساكنة الكفار في دارهم محذورة، وقد نخاف منه الافتتان، والحربية قد تسبى، وقد تكون حاملاً من زوجها بولد مسلم، والكراهيةُ تثبت بدون هذه الأسباب.
وكان شيخي يقول: إن لم نُطلق الكراهيةَ في نكاح الذمية، نَدبنا إلى الانكفاف عنه، وقد تمهّد في مأخذ الأدلة أن اللهي إذا لم يكن [حاظراً] 3 محرِّماً، فإنه ينقسم إلى نهي كراهية، وإلى نهي أدب، والذي ذكره ليس مخالفاً لما قاله الأصحاب، وقد قال الرسول عليه السلام: "عليك بذات الدين، تربت يداك" 4. هذا تمهيد الأصل في مناكحة اليهود والنصارى.
ومن الكفار من ليس لهم كتاب ولا شبهة، وهم أهل الأوثان، وعبدة

ما استحسنوا، والزنادقة، والدَّهرية، فلا يحل نكاح نسائهم، ولا تحل ذبائحهم.
ومنهم المجوس، فمذهبنا الصحيح ومذهب عامة الفقهاء أنه لا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم.
وعن أبي ثور تحليل مناكحتهم وذبائحهم، ومن أصحابنا من نقل هذا قولاً في المذهب، أوْرده بعض المصنفين، وحكاه لي من اثق به عن الشيخ أبي بكر الطوسي 1. والتعويل على تحريم المناكحة والذبيحة، والجزيةُ مأخوذةٌ منهم.
وقد روى عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب، [غير آكلي ذبائحهم، وناكحي نسائهم] 2 " 3. 8049 - فالكفار إذاً ثلاثة أقسام: منهم من تحل مناكحتهم وذبائحهم ويُقرون بالجزية لا محالة -إذا بذلوها- في ديار الإسلام، وهم اليهود والنصارى، ولا استرابة في تمسكهم بالتوراة والإنجيل، وإن حرفوها.
والقسم الثاني من الكفار - عبدة الأوثان والمعطَّلة 4، فهؤلاء تحرم مناكحتهم وذبيحتهم، ولا يُقَرون بالجزية.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل