كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
كان لا يزوجها؛ فإن تزويج الأمة -إذا قيل به- تصرفٌ بحق ولاية المال، والولي يلي مال الثيب الصغيرة، وإن كان لا يلي بضعها.
ولا يزوج الأب جارية البكر البالغة قهراً، وإن كان يجبر المالكة؛ لأنه لا يلى مالها، وإن كان يلي نفسها، ولكن لو أذنت لأبيها في التزويج، زوّجها حينئذ.
7965 - واختلف أصحابنا في أن أخ البكر إذا كان يزوّجها، هل يكتفى بصُماتها عند المراجعة؟ ولم يختلفوا أنه لا يكتفى بصمتها في تزويج أمتها؛ فإن سبيل تزويج الأمة سبيلُ التصرفات المالية في الوجوه كلها.
والسلطان إذا كان يلي مال الصغيرة، فالذي يقتضيه هذا القياس، أنه يزوج أمتها بحق النظر في المال؛ طرداً للقياس الذي مهدناه.
فهذا ما يتعلق بالغرض فى هذا الفصل.
7966 - وقد انتظم من مجموع هذه المسائل أنه يجتمع في الأمة تزويجُها من جهة حُكم التصرف في الأملاك، ورعايةُ حظّها في التزويج: أما حكم الملك، فبيّن؛ فان تزويجها يصادف مملوكاً منها، ولذلك تُجبر ولا تراجع، أما رعاية حظها، فيشهد لذلك امتناع تزويجها ممن به أحد العيوب المؤثرة، ثم ثبوت الحق لها في النكاح يشهد لذلك.
والذي يقتضيه الفقه تمحيض حق السيد في تزويجها؛ فإنها مملوكة، والمتصرف فيها بالملك متسلط تسلط الملاك، ولكن لا يجوز الإضرار بها في تزويجها، ومن الإضرار بها أن تزوج ممن به أحد العيوب؛ وعن هذا قال بعض أصحابنا: لها أن تمتنع عن مالكها المعيب بالبرص والجذام، أو ما في معناهما.
وأما تزويجها، فيقع بمحض الملك من المالك، وبحق التصرف في المال ممن يلي المال ولا يلي البضع.
وقد يقع التزويج من غير ملك، وذاك فيه ثبوت ولاية؛ فإن ولي المرأة يزوج أمتها بإذن المالكة، وإن لم يكن وليَّها في مالها، ولكنه يزوجها بحق ولايته على نفس المالكة، وفي هذا المقام قال صاحب التلخيص: إنه لا يزوجها؛ إذ لا ملك له عليها ولا ولاية؛ ويزوجها السلطان بحكم الحاجة.
ولو قال قائل: ولايته في التزويج في محل تحقق الحاجة، لكان قوله سديداً؛ ولذلك يلي حيث لا ولي، وهو المعني بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "السلطان ولي من لا ولي له" 1. وفحوى الحديث دال على أن تزويجه ليس على حقيقة الولاية؛ ولذلك يزوج بالنيابة القهرية في العضل والغَيْبة، فتزويج الأمة ومالكتها مُطْلَقَةٌ 2 -عندي- ينزل منزلة الحرة المجنونة، والعقد دائر بين أخيها والسلطان؛ فإن الأخ يبعد أن يزوج مُجبِراً، والسلطان يبعد أن يلي مع الأخ.
ولكن يقع تزويجها بحكم الحاجة، وتردد الأصحابُ في أن الولي، السلطان أم الأخ؟ فهذا منتهى القول في ذلك.
ولتردد تزويج الأمة بين الولاية والملك التفت بعض أصحابنا إلى اشتراط صفات الأولياء في المالك المطلق المزوّج لأمته، حتى قال: الفاسق لا يزوج أمته، إذا قلنا لا يلي الفاسق، وهذا غلط صريح؛ فإن تزويج السيد أمته بمحض الملك، وإنما يتردد الرأي في تزويج ولي المرأة أمتها.
نعم، إن ظن ظان ذلك؛ من ثبوت الحظ للأمة في التزويج، فله وُجَيْهٌ على البعد؛ فإنا أوضحنا أن حظ الأمة اندفاع الضرار عنها.
7967 - ومما أريد استتمام الفصل به؛ أن من نكح الأمة ثبت له حق استحلالها عموماً، ولكنه مزحوم بحق الموْلى في المنفعة، وليس الحِلّ منقسماً على الزمان، وإنما هو عام، ولكن السيد مقدم بحق المنفعة، فلو ترك السيد حقه من المنفعة، فحق الزوج في الاستحلال مطّرد، ولو انتهز الزوج فرصته في أثناء مدة انتفاع السيد واستمتع على وجهٍ لا ينقُص حقَّ الانتفاع، فلا بأس، وقد صادف مستمتَعاً مباحاً.
ولو كان انتفاع السيد بحرفة الأمة، وكان يتأتى منها الاحتراف بها في دار الزوج،
فالذي ذهب إليه جمهور الأصحاب أن السيد لا يكلَّفُ تسليمها إلى الزوج ليلاً ونهاراً، لتحترف عنده.
وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه أوجب تسليم الأمة إلى زوجها، إذا كانت على الصفة التي ذكرناها، وزعم أنا لو فعلنا ذلك كنا جامعين بين حق الزوج وبين حق الولي، وذكر أصحابنا نظير ذلك في الرهن، فقالوا: إذا رهن المالك عبده، وكانت منفعته في حرفة، فهل يجب تسليمه دائماً إلى المرتهن، ليحترف في يده، أم للسيد أن يرده إلى يد نفسه، ليحترف في يده؟ فيه الخلاف الذي ذكره.
والذي ذكره أبو إسحاق فيه إذا أراد السيد المزوِّج حمل الجارية على الاحتراف؛ وأراد الراهن حمل العبد المرهون على الاكتساب بحرفته، فأما إذا أراد السيد أن يستخدمها في وجهٍ آخر، فلا يمنع منه.
والذي ذكره الأصحاب في الرهن أوجَه مما ذكره أبو إسحاق في الزوجية؛ إذ لا خلاف أن الراهن لو أراد المسافرة بالعبد المرهون بحق انتفاعه 1، لم يكن له ذلك، وللسيد المسافرة بالأمة المزوّجة.
وذلك لمعنىً؛ وهو أن اليد ركنٌ في الرهن، ولا ينكره منصف؛ إذ الغرض من الرهن التوثق، وهذا المعنى إنما يحصل باختصاص المرتهن باليد في متعلّق الوثيقة، وليست اليد متأصلة في الزوجية أصلاً.
7968 - ومما يتم به غرض الفصل؛ أنا قدمنا أن السيد لو كان لا يسلم الأمة في مدة الفراغ من العمل، ويقول للزوج: أُمَوِّلُك 2 موضعاً من داري، فاستَخْلِ بها فيه، واستوف حقك منها، وأبى الزوج إلا أن تسلّم إليه في نوبة الفراغ، فمَن المجاب [منهما] 3؛ فيه اختلافٌ قدمته.
وهذا يشير إلى أن حق السيد يبقى في اليد، وإن انتجز حقه في الانتفاع.
والذي ذكرناه الآن يشير إلى تسليم الجارية في نوبة العمل، حتى تحترف في يد الزوج، وهذا يتضمن طرد اليد للزوج في زمن الانتفاع أيضاًً.
وإن أردنا الجمع بين الطرق، كان الوجه فيه أن نقول: اختلف الأصحاب في
وجوب تسليمها إلى الزوج في مدة الفراغ، فإن لم نوجب تسليمها إليه في مدة الفراغ، فهل نوجب تسليمها إليه في مدة العمل، إذا كان ذلك لا يؤدي إلى تعطيل حق السيد من المنفعة؟ فعلى وجهين.
هذا ترتيب الكلام.
فإن قيل: إن كان للمرتهن غرضٌ في استمرار يده في مدة اكتساب العبد بحرفته، وهو دوام التوثيق، فأي غرض للزوج في استدامة يده على الزوجة، وهي دائبة في العمل، على وجه لا يتصور للزوج في تلك المدة مستمتَع؟ قلنا: قد تُفرض فرصة، ثم لا يَكرهُ مستمتِعٌ النظرَ والمؤانسة، وآية ذلك أن التعويل في القَسْم على المؤانسة وإمكان الوقاع؛ لا على [صدوره] 1.
فصل
قال: "وأمة العبد المأذون له في التجارة ... إلى آخره" 2.
7969 - القول في تصرف السيد في المال المسلّم إلى المأذون سبق مستقصىً في مسائل المأذون، والمقدار المتعلق بهذا الموضع تزويجُ الأمة في يد المأذون.
فالقول الوجيز فيه؛ أن التزويج تنقيصٌ، وهو في ترتيب المذهب نازل منزلة التبرع بجزء من المال، أما العبد؛ فلا يملك الاستقلال به؛ لأنه مأذون له في التجارة، وأما السيد؛ فتزويجه نافذ إن لم يركب العبد دينٌ، وإن ركبه دين وحجر عليه لمكانه، لم ينفذ تزويج السيد بعد اطّراد الحجر على المال الكائن في يد المأذون، فإن لم يُحجر عليه؛ فالتزويج من السيد ينفذ بإذن العبد والغريم وفاقاً؛ إذ لا حجر.
والحق لا يعدوهم.
وإن زوج بإذن العبد دون الغريم، ففي المسألة وجهان بسبب انتفاء الحجر، والتصرف يتعلق بالعبد والسيد، فيصيران بمجموعهما كحر، في يده مال وعليه ديون، فإنَّ تصرفه ينفذ في ماله قبل اطراد الحجر عليه.
ومن منع؛ أشار إلى كون
المال متعلقاً للدين على الاختصاص، [ومال] 1: الحرُّ ليس متعلَّقاً للدين.
هذا إذا كان التزويج من السيد بإذن العبد.
فلو وقع التزويج من السيد بإذن الغريم من غير مراجعة العبد، فهل يصح التزويج؟ فعلى وجهين: أحدهما - يصح؛ إذ لا ملك للعبد، وأصحاب الحقوق رضوا بالنقص الذي جرى.
والثاني - لا يصح، وهو الذي اختاره القفال؛ لأن العبد يقول: إذا بقي دين أو شيء منه، كنت المطالَب به إذا عَتقت، والاحتكام على ذمتي، وإنما التزمت من الدين ما التزمته تعويلاً على أدائه، [ممّا] 2 سلّمه إليّ.
ومأخذ هذا الخلاف الأول، النظر إلى عدم الحجر، والتشبيه بالحر المعسر، على ما مضى، وهما مأخذان مختلفان لا تعلق لأحدها بالثاني.
7970 - ثم ذكر الشافعي فصلاً في شرائط النسب في النكاح مع اختلاف الشرط، والقول في هذا يتعلق بالغرور.
وبين أيدينا باب معقود فيه، فرأيت تأخير هذا الفصل إلى ذلك الباب؛ حتى تُلْفَى قضايا الغرور منتظمة في مكان واحد.
وعقد الشافعي باباً مضمونه في أن المرأة ليست لها عبارة النكاح.
وتكلم في الباب على أثرٍ لعائشة 3، وليس شرط هذا المجموع التعرض له.
...
باب ما جاء (1) في الكلام الذي ينعقد به النكاح
قال الشافعي رضي الله عنه: "سمى الله تعالى النكاحَ في كتابه باسمين ... إلى آخره" 1.
7971 - مذهبنا: أن انعقاد النكاح يختص بالإنكاح والتزويج، ومعناهما في كل لسان في أصل الوضع، ومبنى المسألة عندنا؛ على أنا تُعبّدنا باستعمال هذين اللفظين، وهما المشهوران عرفاً وشرعاً، وكل لفظ سواهما يقدّر استعماله في الباب؛ ينقسم إلى ما هو صريح في مقصود آخر، وإلى ما ليس صريحاً في مقصود آخر، ولكنه كنايةٌ عن النكاح.
فإن كان صريحاً في مقصود آخر، وقبِل المحلُّ نفوذَ ذلك المقصود فيه، كالهبة - والمزوّجةُ جارية- فاستعمال لفظ الهبة صريح في تمليك الرقبة، وكذلك التمليك والبيع بالعوض إذا أمكن بتقدير اللفظ فيما هو صريح فيه، فلا يجوز صرفه عنه بالنِّية، كما لو قال الرجل لامرأته: "أنت طالق"، وزعم أنه نوى ظهاراً، فيحصل الطلاق، ولا يحصل الظهار.
وإن كان اللفظ كناية في فنٍّ، ولم يكن صريحاً في فن، وكان محتملاً لمقصود النكاح؛ لم ينعقد به النكاح؛ فإنّ شرط انعقاده الإشهادُ عليه، ولا مطلع للشهود على النيات، والألفاظ مستقلة من جهة أنها كناية.
هذا معتمد المذهب في الباب.
7972/م- ولو عدل المزوِّج عن لفظ التزويج والإنكاح، وذكر معناهما الصريح2
بلسانه، وأفهم المخاطَب؛ فللأصحاب في هذا تردد، ونحن نجمع مقالاتهم في نظمٍ واحد، فنقول: إن كان لا يحسن العربية، وكان لا يتأتى منه تعليماً؛ فالذي ذهب إليه أئمة المذهب: أن النكاح ينعقد بمعنى اللفظ، ولم يخالف فيه أحد إلا أبو سعيد الإصْطخري، فإنه قال: لا ينعقد النكاح إلا بلفظ العربية، ومن لا يحسنها، فليصبر إلى أن يتعلمها، أو ليكل الأمرَ إلى من يحسنها، وليوكّل بتعاطي العقد من يعقده بالعربية.
فأما إذا كان يحسن العربية، فعدل عنها قصداً إلى المعنى؛ ففيه اختلاف مشهورٌ بين الأصحاب: فمنهم من قال: يصح النكاح؛ فإن المتبع المعنى، وإنما يجب اتباع اللفظ فيما يتأكد التعبد فيه، ومحله العبادات.
ومنهم من قال: لا مَعْدِل عن اللفظ مع التمكن من استعماله، كما لا معدل عن الأصول المنصوصة في الزكاة، وإن كانت الأَبْدال تسد مسدها فى سد الحاجة.
والقائل الأول ينفصل عن الزكاة، فإنها 1 عبادة، ولذلك لا تقع الموقع من غير نية.
هذا فيه إذا كان يحسن العربية، فعدل عنها.
فأما إذا كان لا يحسن العربية ولكن كان يتمكن من تعلّمها، فلم يتعلمها، واكتفى بالمعنى، ففي المسألة وجهان مرتبان على الوجهين في الصورة الأولى، والفرق لائح.
وقد قال العراقيون: إن كان يحسن العربية، لم يجز له العدول عنها، وجهاً واحداً.
وإن كان لا يحسنها، ويتمكن من تعلّمها على القرب؛ ففي المسألة وجهان.
وإذا ضممنا من يحسن إلى من لا يحسن، وكان يتمكن من التعلم، اتسق في المسألتين ثلاثة أوجه: أحدها - المنع فيهما.
والثاني - الجواز فيهما.
والثالث - الفرق، كما نبّهنا عليه.
7972/م- وحاصل القول في الألفاظ تتضمنها مراتب.
المرتبة الأولى: لفظ يُعنى لنظمه، ورد به الأمرُ في عبادة، وهذا كقراءة القرآن في الصلاة، ومن حكم هذه المرتبة التعيّن، حتى لو فرض عجز، لم يقم معنى اللفظ مقامه، وإن مسّت الحاجة إلى بدل، كان ذلك البدل ذكراً آخر، وإن لم يكن معنى اللفظ المعجوز عنه.
والمرتبة الثانية - في ألفاظ تُعُبِّدنا بها في عبادة، والغرض الأظهر في معناها، وليس نظمُها على خاصية تخالف مناظم الكلام، وهذا ممثل بالتشهد والتكبير، وهذه المرتبة محطوطة عن القراءة؛ من جهة أن من عجز عن ألفاظ التشهد وصيغة التكبير؛ فإنه يأتي بمعناها، ويتعين عليه ذلك، حتى لو أقام لفظاً آخر معناه مخالف لمعنى ما عجز عنه، لم يقم ما أتى به مقام ما عجز عنه؛ والسبب فيه أن الغرض الأظهر في القرآن نظمه المعجز، والغرض الأظهر في الأذكار معانيها، والرتبتان متساويتان في أنه لا يسوغ العدول عن اللفظ مع القدرة عليه، ويجب التعلم، وإنما افتراقهما في البدل عند تحقق العجز، كما ذكرناه.
المرتبة الثالثة: في لفظ النكاح.
وحاصل ما ذكره الأصحاب فيه [ناشىءٌ] 1 من تردّدٍ في أصلٍ، وهو أن التعبد هل يرعى فيه أم لا؟ فمنهم من قال: لا تعبد فيه، وإنما يتعين الإنكاح والتزويجُ ومعناهما لمسيس الحاجة إلى الإشهاد؛ فإن الإشهاد على الكنايات غير ممكن، وهؤلاء يقولون: يجوز العدول إلى المعنى؛ فإنه صريح بين أهله، فيحصل الإشهاد عليه.
ومن أصحابنا من قال: للتعبد مدخل في لفظ النكاح، وسببه أن مقصوده يخالف مقصود كل عقد، على ما قررناه في الأساليب، ويتضح ذلك بأنه لا ينعقد 2 إلا بلفظ النكاح والتزويج، وهذا يشعر باختلاف المقاصد؛ فإذا كان وضع النكاح مخصوصاً، لم يبعد أن يكون لفظه مخصوصاً.
والطريقة الأولى تضعف بمسألة، وهي: أن أهل قُطر لو استعملوا لفظة على الطرد في إرادة النكاح، وتواطؤوا عليه؛ فالنكاح لا ينعقد به.
ثم من طرَّق التعبد إلى اللفظ انقسموا: فمنهم من غلا في ذلك - وهو الاصطخري، ومنهم من اقتصد، وقد تفصل القول في ذلك نقلاً.
المرتبة الرابعة: في صرائح الطلاق، فإن الشافعي حصر صرائح الطلاق في ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق، والسراح، وأشار إلى اعتبار تكرر هذه الألفاظ في الكتاب والسنة، وهذا مستأخِر عن النكاح؛ من جهة أن النكاح يفتقر إلى الإشهاد، بخلاف الطلاق.
ومن أئمتنا من لم يخصص الصرائح، ورأى كل لفظ شاع في العرف في إرادة الطلاق صريحاً فيه، وهذا هو القياس، كما سيأتي شرحه في الطلاق، إن شاء الله عز وجل.
ثم سبب حصر الصريح على مذهب من [يراه] 1 أنه حلٌّ غريبٌ، يرد على محلول غريب.
وبيان ذلك: أن المحلول مختص كما ذكرنا، والحل ليس فسخاً، وليس في حكم العتق المتقرب به، فيقبل التعبد، لما ذكرناه.
ودليل القائل الآخر أن ألفاظ الفسخ في النكاح لا تنضبط، والمتبع فيها الشيوع واطراد العرف.
المرتبة الخامسة: في ألفاظ العقود، سوى النكاح، وهي تنقسم إلى ما يفيد الملك المحقق، وإلى ما لا يتمحض هذا المعنى فيه: فأما ما تمحض التمليك فيه؛ فلا حصر من طريق الشرع لصرائحه، بل المتبع فيه العرف، كما ذكرناه، ولكن في انعقاده بالمكاني 2 وجهان، وسبب ذلك أنها تشتمل على الإيجاب والقبول.
وحق الموجِب أن يُفهم المخاطَب، وذلك 3 يتعذر في المكاني، ومن جوز العقد
بالكنايات، عوّل على ما يقترن بها من قرائن الأحوال، هذا لا بد منه، وإن كنا قد نعدّ التعويل على قرائن الأحوال من مذهب أبي حنيفة.
فأما ما لا يتمحض التمليك فيه؛ فهو كالإجارة، وسبب اختلال التمليك فيه عند الفقهاء: أن المنافع معدومة، وسببه عندنا أن المنفعة مشكلة في نفسها، لا تقع على جنس من الأعيان أو صفاتها، كما تقرر ذلك في الإجارات.
والذي يوضح هذا أنه ينعقد بالإجارة، وإن لم يكن لفظ الإجارة مُشعراً بإفادة التمليك، بل معنى الإجارة تخصيص المستأجر بالدار على وجه يلتزم به أجرة الدار، فلو عُقدت الإجارة بلفظٍ يقتضي التمليك، فإن أضيف اللفظ إلى الرقبة؛ لم يصح، وإن أضيف التمليك إلى المنافع؛ ففيه وجهان: مثل أن يقول ملّكتك منافع الدار شهراً.
المرتبة السادسة: لفظ يجري غير مفتقر إلى القبول في المعاملات، كالإبراء، والفسخ، وما في معناهما، فالكنايات تتطرق إليها بلا خلاف؛ إذ لا حاجة إلى إفهام قابل، ولا إلى إشهاد، وكان القياس يقتضي في جميعها جوازَ التعليق بالصفات، ولكن ليس يجري ذلك عندنا إلا في العتاق، وإطلاق الوصايا، وما يقبل المجاهيل كالجعالات ونحوها.
فهذه جُمل في مراتب الألفاظ يأنس بها من [يطلب الأغواص محل الإعواص] 1.
فرع:
7973 - إذا كان أحد المتناكحين يحسن العربية، وأتى بلفظ الإنكاح والتزويج، وقابله الثاني بالفارسية - والتفريع على أن النكاح ينعقد بالفارسية، فإن كان الآتي بالفارسية يحسن العربية ويفهمها، صح النكاح، وإن كان لا يفهم العربية، ولكن أخبره من يثق به أن معنى اللفظ الذي أتى به صاحبه النكاحُ، هل ينعقد العقد والحالة هذه؟ ذكر العراقيون في ذلك وجهين: أحدهما - أنه يصح؛ ثقةً بتفسير المترجم الموثوق به.
والثاني - لا يصح.
وهذا الوجه عندنا يجري فيه إذا لم يتعلم ذلك [القائل] 1 صيغة اللفظ، ولم ينته إلى حالة لو أراد استعماله، لتمكن منه، ولو سمعه مرة أخرى، لكان ذلك يخرج هذا الوجه، فأما إذا علّمه هذا المترجم؛ فقد التحق بمن يعلم، ووجب الحكم بانعقاد العقد.
فصل
قال: "أو يقول الخاطب: زوّجنيها.
ويقول الولي: زوّجتكها ... إلى آخره" 2.
7974 - قد تكلمنا في التزويج والإنكاح ومعناهما.
ونحن الآن نتكلم في القبول، فنقول: إن قال الموجِب: "زوجتكها".
وقال المخاطب: "تزوجتها"، انعقد العقد وهذا، وإن سمي قبولاً، فهو عندنا ليس قبولاً على التحقيق، ولكنهما أتيا بشقي العقد.
وكل واحد منهما صالح للابتداء به، وإنما القبول 3 على الحقيقة ما لايتأتى الابتداء به.
7975 - ولو قال المزوِّج: "زوجتك فلانة"، أو "هذه".
فقال القائل: "قبلت نكاحها"، أو "قبلت هذا النكاح"، انعقد النكاح وفاقاً.
فإن قال: "قبلت" واقتصر على ذلك، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: لا ينعقد النكاح 4؛ فإن المجيب لم يذكر لفظ النكاح في قبوله، ولم يضف القبول إلى المرأة أيضاًً، والنكاح يتطرق إليه الاعتناء باللفظ، كما سبق تقريره.
ومنهم من قال: يصح؛ فإن الجواب يترتب على الخطاب، حتى كأن الخطاب في حكم المعاد في الجواب.
والدليل عليه: أن من قال لصاحبه: "أطلّقت امرأتك ثلاثاً؟ " فقال: "نعم"، كان ذلك إقراراً منه بالطلاق على ظاهر المذهب، كما سيأتي في مسائل الطلاق، إن شاء الله تعالى، وإن كان قوله "نعم" لو انفرد؛ لم يكن مستقلاً، ولا مفيداً معنى.
كذا إذا قال: "قبلت النكاح" ولم يضف النكاح إلى المرأة، ولا عيّنه بتقدير الإشارة إليه، مثل أن يقول: "قبلت هذا النكاح"، فالنكاح مشار إليه، فإذا لم يُشر، ولم يضف؛ ففي المسألة أيضاًً وجهان، مرتبان على الوجهين فيه، إذا قال: "قبلت" واقتصر عليه، وهذه الصورة الأخيرة أولى بالصحة، لتعرض القابل فيها لذكر النكاح.
ولو قال: "قبلتها"، فأضاف القبول إلى المرأة، ولم يذكر لفظ النكاح؛ ففي المسألة أيضاًً وجهان، مرتبان على الوجهين فيه؛ إذا قال: "قبلت" ولم يضف، ولم يذكر النكاح، ووجه الترتيب قريب مما سبق.
وضبط القول: أن القابل إذا ذكر النكاح، وأضافه إلى المرأة؛ فلا خلاف في الصحّة.
وإن ذكر القبول ولم يُضف إلى المرأة، ولم يذكر النكاح؛ فالمسألة مختلف فيها.
وإن ذكر النكاح، ولم يُضفه إليها، [أو] 1 أضاف القبول إليها، ولم يذكر النكاح؛ ففيه الخلاف الذي تقدم ذكره.
7976 - ثم ذكر الشافعي بعد ذلك استدعاء الإيجاب مع الإيجاب، وذلك أن يقول الخاطب للولي: "زوّج ابنتك هذه مني بكذا".
فإذا قال الولي: "زوّجتها"، فهذا تصوير المسألة، وظاهر النص أن النكاح ينعقد بذلك.
ونقل الأئمة عن الشافعي قولين في أن البيع، هل ينعقد على هذه الصورة؛ إذا قال الطالب: "بع عبدك مني بألفِ".
فقال المجيب: "بعتكه بالألف"؟ أحد القولين: أن البيع يصحّ.
والقول الثاني: أنه لا يصحّ.
والوجه ترتيب المذهب نقلاً في العقود، ثم التعرض لتوجيه القولين، والتفريع عليهما.
قال الأئمة: إذا قالت المرأة لزوجها: "خالعني بألف"، أو "طلقني بألف".
فقال: "أنتِ طالق"، لزم 1 الطلاق، ولزم العوض، وبانت المستدعية، ولا حاجة إلى تقدير قبول منها، بعد ما تقدم الاستدعاء والإجابة.
وكذلك إذا قال العبد لسيده: "أعتقني على ألف"، فقال: "أعتقتك".
وكذلك إذا قال من عليه القصاص: "صالحني على ألف"، فقال مستحق الدم: "صالحتك".
فهذه المسائل تثبت وتصح، ويستقل النفوذ فيها بالاستدعاء والإجابة، من غير حاجة إلى تقدير قبول بعد الإجابة بالإيجاب.
وفي البيع والإجارة قولان.
وفي النكاح طريقان: من أصحابنا من أجرى القولين فيهما، كما تقدم في البيع والإجارة، ومن أصحابنا من قطع القول بصحة النكاح واستقلاله بالإيجاب والاستيجاب، كما ذكرناه في العتاق والطلاق والصلح عن الدم.
وكان شيخي يُنزل الكتابة في معظم أجوبته منزلة الخلع والطلاق، ويقول: إذا قال العبد: "كاتبني على كذا"، فكاتبه 2، صحّ على شرط الشرع، من غير حاجة إلى إعادة القول، وسمعته في آخر العهد به يقول: الكتابة حقها أن تنزل منزلة النكاح، حتى يخرج فيها قولان على إحدى الطريقين، وفيها احتمال على الجملة، وهذا أصل ما نقله رواة المذهب.
7977 - توجيه القولين في البيع: من قال: لا ينعقد 3 بالاستيجاب والإيجاب ما لم يترتب على الإيجاب قبول، احتج بأن صورة العقد تقع على وجهين: أحدهما - أن يأتي كل واحد من العاقدين بشق من العقد يليق به، ولا يكون أحدهما قبولاً،
وليس واحد منهما بأن يسمى قابلاً أو موجباً أولى من الثاني.
والصورة الثانية - أن يتقدم إيجاب، ويترتب عليه قبول، فأما طلب الإيجاب؛ فإنه ليس شِقاً في العقد، ولا قبولاً مترتباً على الإيجاب، وكأن معناه: ابتدىءْ العقدَ 1، فإذا ابتدأ العقد، قبله بطريق قبوله.
ومن قال: لا حاجة إلى القبول؛ احتج بأن الغرض من شِقّي العقد، صدورُ لفظين من الجانبين يدل على رضاهما بموجب العقد على جزم، وهذا المعنى يحصل بالاستيجاب والإيجاب، وأيضاًً؛ فإن اشتراط القبول، سببه ألا يدخل الشيء في ملك الإنسان قهراً، وإلا فالقياس الاكتفاء بالتمليك؛ فإذا استوجب؛ فقد تحقق ما اشتُرط القبول لأجله.
فإن قيل: لم قطعتم بصحة العتق والطلاق على مال والصلح عن دم العمد؟ قلنا: لأن الغالب على هذه المعاملات التعليق، ولذلك تصح مع صيغة التعليق، ولهذا يصح بذل المال على الطلاق والعتاق من أجنبي، فرجع حاصل الأمر في هذه العقود إلى [افتداءٍ] 2 مجرد.
وآية هذا: أن المبيع إن قُبل 3، كان قبوله تملكاً له، والطلاق لا يَقْبل ذلك، والعَتاق 4 والعفو عن الدم، والمقصود من هذه العقود العفو، والعتق، والطلاق، والأعواض تجري فيها على طريق التبعية.
وأما النكاح -والعوض وإن لم يكن مقصوداً فيه، بخلاف الثمن- فالعوض فيه ألزم منه في الطلاق والعَتاق والصلح، بدليل أن هذه المقاصد الثلاثة يمكن تحصيلها من غير عوض، والنكاح لا يخلو عن العوض في وضعه، إلا في مسألة شاذة، سيأتي الشرح عليها، إن شاء الله تعالى.
وأيضاًً، فإن الخاطب إذا قبل النكاح، فقد قبل لنفسه حقاً مستحقاً، فانتظم القبول فيه وإن لم يتأصل العوض فيه.
وتردُّدُ الإمام والدي - في الكتابة؛ سببه: تردد الكتابة بين المعاوضات وبين عقد العتاقة.
7978 - ثم قال الأصحاب: لو قال: "أتزوِّج ابنتكَ مني" 1؟ فقال: "زوجتكها"، لم ينعقد النكاح، فإنه لم يجزم الاستدعاء، وإنما تردد فيه مستفهِماً.
وكذلك لو جرت هذه الصيغة في العتاق والطلاق والصلح، فلا حكم للاستفهام في هذه الصور كلها.
وهذا متفق عليه.
وكان اتفق برزةٌ لشيخي إلى بعض الجهات، وأخذ يلقي المسائل، ثم أجرى في أثنائها طريقة عن بعض الأصحاب في تخريج مسألة العتاق والطلاق والصلح على قولين؛ طرداً لهذا في كل ما يفتقر إلى الإيجاب والقبول، وهذا حسنٌ متجه في القياس، ولكنه غريب في النقل، والمذهبُ التفصيل الذي ذكرناه، ولذلك أخرنا ذكره على عادتنا المعروفة.
فصل
7979 - إذا أخبر رجل بأنه وُلد له ولد، فقال الآخر: إن كان المولود بنتاً، فقد تزوجتها منك".
فقد قال الأصحاب: لا ينعقد النكاح وإن بان المولود أنثى؛ وذلك لأنه عقد على صيغة التعليق، والتعليقُ ينافي عقدَ النكاح، وأيضاًً فإن العقد موقوف، والوقف ينافي صحة النكاح، فقد اجتمع فيه وجهان من الفساد.
وكذلك لو قال: "إن كان ابنتي طلّقها زوجها، وانقضت عدتها، فقد زوجتكها"، ثم بان أنه كذلك، لم يصح النكاح.
وهذا الذي أطلقه الأصحاب، فيه فضل نظر، تداركه المحققون، فنقول أولاً: إذا زوّج الرجل أمة أبيه في غيبته، أو باعها، وظاهر الأمر بقاء أبيه وحياتُه، ثم تبيّن أنه كان ميتاً وقت التزويج، وأن الجارية كانت رجعت إليه ميراثاً، ففي صحة العقد
قولان، وهو من صور وقف العقود، على ما تقدم شرح الوقف في كتاب البيع، وشرط جريان هذين القولين، أن يكون العاقد على ظن في دوام بقاء الغائب، فأما إذا كان علم موته، وجزم البيع والتزويج؛ فلا شك في صحة العقد.
فإن قلنا: لا يصح العقد، وإن تبين أن الجارية كانت ملكاً للمتصرف فيها، فلا كلام.
وإن قلنا بصحة العقد إذا 1 بان كونها مملوكة للمتصرف، فلو علق، وقال: إن مات أبي وورّثني هذه الجارية، فقد زوّجتكها، ثم بان أنه كان ملكها حالة العقد -والتفريع على الحكم بصحة العقد على الوقف- ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - أن العقد يصح؛ فإنه لو جزمه، لكان تصحيحه على تقدير هذا التعليق، فإذا صرح بالتعليق، كان مصرحاً بمقتضى 2 العقد.
والوجه الثاني - أن العقد لا يصح؛ فإن صيغة التعليق فاسدة، ونحن متعبدون برعاية الصيغة، كما نُتعبد برعاية المعنى.
وهذا الاختلاف يناظر أصلاً كما 3 تقدم في أحكام المعاملات، وهو أن الرجل إذا اشترى زرعاً، واستأجر بائعَه على حصاده، وذكر عوضاً واحداً أجرة وثمناً؛ فهذا صنف من أصناف تفريق الصفقة، ولو عئر عن هذا المعنى بعبارة الشرط، فقال: اشتريت منك هذا الزرع بألف، على أن تحصده، فهل يصح العقد على هذا الوجه؟ والتفريع على أن الصفقة إذا جمعت عقدين مختلفين، صحت، فعلى وجهين، مهدنا ذكرهما، وضربنا في ذلك أمثلة.
هذا تمام النظر في الفصل.
فصل
7980 - إذا قال الرجل لوالد الثيب: "قل زوّجتُها منك".
ولم يقل:
"زوِّجنيها"، فقد كان شيخي يرى أنه إذا قال: "زوجتكها"، لا بد من قبول المستدعي في هذه الصورة؛ وذلك أنه لم يستدع منه التزويج، حتى يقال كأنه ملّكه أن يُلزمه التزويج، ولكن قال له: "قل زوّجتك".
فإذا قال ذلك، استدعى هذا القول منه ما كان 1 يستدعيه لو ابتدأبه، من غير فرض طلبٍ، واستدعاء فيه.
وهذا الذي ذكره حسن لطيف، وليس يخلو عن قبول احتمال، والعلم عند الله تعالى.
فصل
قال: "وأحب أن يقدّم بين يدي خطبته ... إلى آخره" 2.
7981 - ذكر الشافعي أنا نستحب لمن يبتدىء خِطبة امرأة، ويطلب نكاحها، أن يبتدىء بحمد الله والثناء عليه، وهذا محبوب في كل أمر له بال وخطر، والنكاح مخصوص منها بتأكد الاستحباب فيما ذكرناه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله، فهو أبتر".
وروي "فهو أقطع" 3.
ويستحب معه الحمد والثناء والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا
تقديم الخُطبة على الخِطبة، فإذا حان 1 الوقت، ودخل وقت إنشائه، استحببنا تقديم خُطبةٍ على العقد على النسق الذي ذكرناه، ثم إن خطب الولي، فحسنٌ، وإن خطب الخاطب، فكذلك، وإن خطب ثالث، ثم تولى العقد [الولي] 2 والخاطب، فحسنٌ.
وهذه عادة عرفت من عهد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.
ثم إذا حمد الله الولي وصلى على المصطفى، ثم أوجب، وحمد الله [الخاطب] 3 وصلى ثم قبل؛ فقد قدم كل واحد منهما على قوله حمداً وصلاة.
ولكن يعترض في هذه المسألة أنه تخلل بين الإيجاب والقبول كلام، وهذا من الأصول التي يجب الاعتناء بها، فإن تخلل بين الإيجاب والقبول سكوت في زمن متطاول، يدل مثله على إعراض القابل أو نسيانه، أو غفلته، أو على اشتغاله بالفكر فيما هو بصدده؛ فهذا يقطع الإيجاب عن القبول.
وإن قصر زمان السكوت، ولم يُشعر بما ذكرناه، لم يضرّ، وإن تخلل بين الإيجاب والقبول كلام في زمان: لو فرض في مثله 4 السكوت بدلاً عن الكلام، لما كان ينقطع الإيجاب عن القبول؛ فهذا موضع الغرض من المسألة.
قال الأئمة: إن كان ذلك الكلام غير متعلق بغرض العقد؛ ففي ترتب انقطاع العقد عليه وجهان: أحدهما - أنه ينقطع؛ لأن الكلام اليسير بمثابة السكوت الطويل، بدليل أن السكوت الطويل يقطع تلاوة الفاتحة، ويقطعها الذكر اليسير في أثنائها، كما يقطعها السكوت الطويل.
والوجه الثاني - أن العقد لا ينقطع؛ ونصُّ الشافعي في كتاب الخلع دليلٌ على ذلك؛ فإنه قال: لو قال الرجل لامرأتيه: "أنتما طالقتان على ألف"، فارتدّتا، ثم قبلتا الخلع، وذلك بعد المسيس، ثم عادتا إلى الإسلام قبل انقضاء العدة، فالخلع
صحيح [وهذا تصريح بأن] 1 تخلّل كلمة الردة بين الإيجاب والقبول ليس ضائراً، هذا إذا لم يكن الكلام المتخلل متعلقاً بالعقد.
فأما إذا كان متعلقاً بالعقد، كحمد الله يقدمه الخاطب بعد تقدم الإيجاب، ثم يعقبه بالقبول، فالأصح صحة العقد؛ فإنّ تخلّل ما وصفناه ليس مُشعراً بإعراض المخاطب عن جواب ما خوطب به.
قال الأئمة: هذا بمثابة تخلل الإقامة بين صلاتي الجمع؛ فإنه غير ضائر مع اشتراط التوالي بين صلاتي الجمع، [وهذا الاستشهاد تكلّف عندنا؛ فإنه لو تخلل بين صلاتي الجمع] 2 بمقدار الإقامة ما ليس من مصلحة الصلاة، لم يضرّ أصلاً.
ما ذكرناه ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من ضيق الكلام، ومنع تخليل شيء بين الشقين [والطرفين] 3. فإذا جرينا على الأصح، ولم نمنع تخليل الحمد للتيمن به؛ فلا خلاف أن طويله يقطع الإيجاب عن القبول، ثم طويله معتبر بالسكوت الطويل المتخلل، على ما مضى.
7982 - ثم قال الشافعي: "وأحب أن يقول ما قال ابن عمر: زوّجتكها على ما أخذ الله للمسلمات على المسلمين من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" 4.
ومعنى اللفظ أن كل زوج مؤاخذ في أدب الدين بأن يمسك خليلته بمعروف أو يسرّحها بإحسان، والأولى أن يُجريا ذكر ذلك قبل العقد، أو بعد انبرامه، حتى لا يقع شرطاً في العقد، فإن قبل الولي كلامه بذلك، فقال: "زوجتكها على أن تمسكها بمعروف أو تسرحها بإحسان"، فقبل الزوج النكاح مطلقاً، أو صرح بالتزام ما شرط عليه؛ فلأصحابنا وجهان في صحة النكاح: أحدهما - أنه لا يصح، وهو ما كان يختاره شيخي؛ لأن معناه اشتراط الطلاق في بعض الأحوال، وهذا لا سبيل إليه، وسنوضح أن اشتراط الطلاق مفسد للنكاح.
ومن أصحابنا من قال: يصح النكاح، وهو ما قطع به الصيدلاني نقلاً عن القفال.
ووجهه: أن ذلك ليس شرطاً، وإنما هو تعرّض لذكر ما هو الأدب في الدين.
والذي أراه في ذلك: أنهما إذا أجريا هذا شرطاً، وصرحا بالتزامه؛ فالوجه القطع ببطلان النكاح، فإن ذكراه، وصرّحا بذكر [الوعظ] 1 به من غير التزام شرط وتطرق وفاءٍ به؛ فالوجه: القطع بصحة العقد، وإن أجريا هذا الكلام مطلقاً؛ احتمل أن يحمل على الشرط لصيغته، وموجبه الإبطال.
واحتمل أن يحمل على الوعظ -وهو ما تدل عليه قرينة الحال- وموجبه الصحة.
فهذا كشف القول في ذلك.
...
باب ما يحل من الحرائر ولا يتسرى العبد
قال الشافعي: "انتهى الله عز وجل بالحرائر إلى أربع ... إلى آخره" 1.
7983 - كان يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزيد على الأربع.
واختلف أصحابنا في أنه هل كان يجوز له الزيادة على التسع؟ وقد تقدم ذكر ذلك في خصائصه.
فأما من سواه؛ فللحر أربع من الحرائر بلا مزيد، والعبد ينكح اثنتين، وذهب بعض الشيعة إلى إحلال التسع لكل أحد، ولا مبالاة بخلافهم، والدليلُ على انحصار المستحلات في أربع: حديث غَيْلان ونوفل، كما سيأتي ذكره في نكاح المشركات، إن شاء الله عز وجل، وما أظهره هؤلاء من الخلاف مسبوق بالإجماع المنعقد قبلهم.
ثم قال الشافعي: "والآية تدل على أنها على الأحرار ... إلى آخره" (1).
7983/م- قصد بذلك الرد على مالك 2؛ فإنه جوّز للعبد أن ينكح أربعاً، كالحر، والشافعي قال: الآية الدالة على الحصر واردة في الأحرار، بدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [النساء: 3]، وهذا في الأحرار، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: 3] وكل ذلك يليق بالأحرار.
وقال عز وجل: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوه﴾ [النساء: 4].
وذهب الخلفاء الراشدون إلى مثل ما ذهبنا إليه، وهو مذهب عبد الرحمن بن عوف، وقال الليث بن سعد: "قال الحكم: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن العبد لا ينكح إلا اثنتين" 3.
7984 - ثم قال: "وإذا فارق الأربع تزوج مكانهن ... إلى آخره" 1.
وقصد بذلك الرد على أبي حنيفة 2، فمذهبنا أن من أبان امرأة؛ إما بأن خالعها، أو طلقها ثلاثاً، وجرت في العدة، حل للزوج أن ينكح أختها، وأربعاً سواها، ولا أثر [لبقائها] 3 في العدة، خلافاً لأبي حنيفة.
ولو طلق امرأته طلقة رجعية، لم ينكح أختها ما دامت في العدة، ولا أربعاً سواها.
وهذا صحيح؛ فإن الرجعية زوجة.
وستعود هذه المسألة بأطرافها وحقائقها، إن شاء الله عز وجل.
7985 - قال: "ولو قتل المولى أمته، أو قتلت نفسها، فلا مهر لها ... إلى آخره" 4.
الأمة المنكوحة إذا قتلها سيدها قبل التسليم إلى الزوج، وقبل إلمام الزوج بها؛ فالترتيب المشهور في المذهب ما نطرده أولاً، ثم نذكر بعده قولَ بعض الأصحاب، وحقيقةَ الفصل، فنقول: إذا قتل السيد أمته قبل التسليم، فظاهر المذهب -وهو المنصوص عليه- أنه يسقط مهرها في هذه الصورة، ثم ذكر أصحابنا في ذلك علّتين، تجريان مجرى حدّين، ينشأ عنهما الوفاق والخلاف.
فمنهم من قال: إنما يسقط المهر؛ لأن المقصود بالعقد قد فات قبل التسليم، فأشبه فواتَ المبيع قبل القبض.
ومنهم من قال: علة السقوط الفواتُ قبل التسليم، كما ذكرناه - مع خصلة أخرى، وهي: أن الساعي في تفويتها مستحق المهر؛ فعلى هذا لو قتلت الأمة نفسها = عمر، الأم: 5/ 41 قال في البدر المنير: إسناده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة عن عطاء أيضاًً، وانظر تلخيص الحبير: 3/ 355 رقم 1645.
أو ماتت حتف أنفها، أو قتلها أجنبي قبل التسليم (1 فإن عللنا بالعلة الأولى 1)، فيسقط المهر، وإن قيّدنا بصدور التفويت من المستحق، فالمهر لا يسقط في هذه الصورة.
فأما الحرة المنكوحة إذا ماتت أو قتلها أجنبي؛ فيستقر مهرها وفاقاً؛ وذلك أنها كالمسلّمة بنفس العقد، بخلاف الأمة، ولم يصدر منها انتساب إلى التفويت.
فأما إذا قتلت الحرة نفسها قبل التسليم؛ ففي سقوط مهرها حينئذ وجهان، من جهة انتسابها إلى التفويت.
هذا هو الترتيب المشهور.
وفي أصل المسألة قول آخر، وهو: أن الأمة وإن قتلها سيدها، لم يسقط مهرها، وهذا وإن كان مخالفاً للنص، فهو قول منقاس، جارٍ على موجب نكاح يقبله المحقِّقون، ولم يرَوْا بين الحرة والأمة فصلاً.
7986 - وقد حان أن نذكر حقيقة الفصل، فنقول: القياس الكلي الجاري على القواعد، أن فوات المستَمتَع من المنكوحة يتضمن سقوطَ المهر كيف فُرض الفوات.
وهذا تستوي فيه الحرة والأمة، قياساً على فوات المبيع قبل القبض، وقياساً على انعدام الدار 2 قبل مضي المدة المضروبة.
ولكن اتفق المسلمون على أن النكاح في الحرة ينتهي نهايتَه بموتها، ولهذا يتعلق به الميراث.
وهذا القياس يوجب الحكم بقرار المهر، ولا نظر إلى صورة الاستمتاع بعد ما ذكرناه من تصرّم العمر، وهو منتهى النكاح، وليس في النكاح ماليّة معتبرة في جانب المنكوحة، حتى يفرض فوات، وهذا في حكم النكاح يحتكم على العلة الكلية؛ فإن ما ينشأ من خاصية العقد، أولى بالاعتبار، فهذا هو المعنيّ بقول الأصحاب: الحرة المنكوحة مسلَّمة بنفس العقد.
وليس للحرة 3 بهذا حقيقة التسليم؛ فإن لها أن تمنع نفسها حتى يتوفر عليها صداقها، كما يحبس البائع المبيع -1
على قولٍ- حتى يتوفر عليه الثمن كَمَلاً، ولكن المراد بما ذكروه: إذا ماتت أو قتلت، فهذا بمثابة التسليم التام فيما يراعَى التسليمُ فيه.
هذا قولنا في الحرة.
فأما الأمة، فظاهر القياس فيها أنها كالحرة؛ فإن النكاح فيها مربوط بالعمر كنكاح الحرة.
وذهب ذاهبون إلى الفرق بين الأمة والحرة؛ [من جهة أن] 1 يد السيد ثابتة على الأمة، ولهذا يقدَّم السيدُ بحق الانتفاع، فإذا انتجز حقه، ودخل وقت الدَّعة، فإذ ذاك لا يُمنع الزوج منها، فلا تمتنع والحالة هذه، وقد ضعف حق الزوج؛ إذ الحد الذي وصفناه، أن يقال: نكاح الأمة لا يصيّرها مسلّمةً بنفس العقد، بل الأمر موقوف فيها على ما يبين من تسليم السيد ومنعه.
وهذا لسنا نرى الإطناب فيه؛ فإنه ليس مفضياً إلى تحقيق، مع ما ذكرناه من استواء النكاحين في الحرة والأمة، في أن كل واحد منهما [معقودٌ للعُمر] 2 لا غير.
ثم المصير إلى أن الحرة لو قتلت نفسها قبل إلمام الزوج بها، فسقوط مهرها مختلف فيه في نهاية الضعف؛ فإن الأمة إذا كان يتحقق فيها ما ذكرناه؛ فلا يتحقق في الحرة شيء منه، ولا حاصل لتسبّبها إذا كانت حرة؛ فإن العمر إذا انقضى، فلا تكون الحرة بإهلاكها نفسها متسبِّبةً إلى منع المعقود عليه في النكاح؛ فإن المعقود عليه مدة العمر، طالت أم قصرت.
فيخرج من مجموع ما ذكرناه: أن القياس إيجاب المهر كيف فرض الموت في الحرة والأمة، وهذا موافق قولاً ذكره الأصحاب، ولكن النص الظاهر على مخالفته.
فإن رأينا الفرق بين الحرة والأمة جرياً على النص، تكلفنا الفرق بين الحرة والأمة، كما سبقت الإشارة إليه، فأما الفرق بين أن تموت الحرة وبين أن تقتل نفسها، فلا سبيل إلى [احتماله] 3 أصلاً.
فصل
قال: "وإن باعها حيث لا يقدر عليها، [فلا مهر لها حتى يدفعها إليه ... إلى آخره" 1.
7987 - فنقول أولاً: إذا زوّج الرجل أمته، وصحّ النكاح على حكم الشرع] 2، ثم إنه باع الأمة، فالبيع نافذ، والزوجية قائمة.
وقال ابن عباس: "بيعُها طلاقها"، ولعله أخذ ذلك من تجدد الملك على رقبة المزوّجة، وشبّه ذلك بما إذا سُبيت الزوجة، وجرى الرق عليها.
والدليل على بقاء النكاح: حديث بريرة؛ فإن عائشة اشترتها وأعتقتها، فخيّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل أن النكاح لم يبطل ببيعها، والفرق بين السبي والشراء ظاهر؛ فإن السبي يغير صفة [الزوجة] 3 ويقلبها من الحرية إلى الرق، وصفةُ المزوَّجة إذا بيعت لم تتبدّل، وإنما تبدل عليها الملاك.
7988 - فإذا بان بقاء النكاح، فنقول بعده: إذا باع السيد الأمة المزوجة، وكان النكاح مشتملاً على مسمّىً صحيح؛ فهو للأول - يعني البائع، وإن كان الدخول بها حصل في ملك المشتري؛ لأن وجوب المهر مستند إلى العقد.
ولو صح النكاح وفسدت التسمية في المهر، واقتضى الأمر الرجوع إلى مهر المثل، فهو أيضاًً للبائع؛ فإن مهر المثل ثبت صحيحاً بالعقد، ولا نظر إلى فساد التسمية.
ولو كان زوّج أمته [وفوّض] 4 بضعها، وعرّى النكاح عن المهر أصلاً، وباعها، فوطىء الزوج في ملك المشتري، فالمهر 5 يجب، واختلَف القول في أنه يجب
بالعقد، أو يجب بالمسيس؟ على ما سيأتي شرح ذلك في كتاب الصداق، إن شاء الله تعالى.
فإن حكمنا بأن المهر يجب بالعقد؛ فهو للبائع، كما لو كان أصدقها خمراً أو خنزيراً، وإن حكمنا بأن المهر لا يجب في نكاح التفويض بالعقد، وإنما يجب بالمسيس؛ فالمهر على هذا للمشتري؛ فإن المسيس جرى في ملكه.
7988/م- ومما يتفرع على ذلك: أنا إذا أثبتنا المهر للبائع؛ فليس له بعد البيع حقُّ [منع] 1 الجارية عن زوجها حتى يتوفر الصداق عليه؛ فإن ملكه قد زال عن رقبة الأمة، فلم يبق له متعلق، والمشتري ليس له منعها أيضاًً؛ فإن المهر ليس له، فيستفيد الزوج بتبدّل الملك الإلمامَ بالأمة من غير حبسٍ [ومنع] 2، وهذا إذا قلنا: المهرُ للبائع في صورة التفويض.
وإن حكمنا بأن المهر للمشتري إذا وطئت عنده؛ فله أن يمنعها من زوجها حتى يفرض لها صداقها، ثم إذا فرض لها، فله أن يمنعها حتى يوفّر المفروض على المشتري.
وإذا فرّعنا على أن نكاح التفويض لا يوجب المهر بنفسه، فلو أراد المالك الأول أن يطالب بفرض مهر، كان له ذلك، على ظاهر المذهب، ثم كان يتوصل إلى منعها بهذه الجهة، فلو طلب الأول الفرض قبل البيع، فأجيب إلى ما طلبه 3؛ فيكون المفروض ملكاً للبائع؛ فإنه ملتحق بالمهر المسمى على الصحة في النكاح، ثم من موجب هذه الحالة أن المشتري لا يملك منعها؛ فإن المهر ليس له، ولا يملك البائع منعها، فإن ملكه قد زال، كما تقدم تقريره.
7989 - ولو زوّج الرجل أمته، ثم أعتقها؛ فطريان العتق عليها ينزل منزلة طريان الشراء، فحيث نجعل المهر للبائع؛ فهو للمعتِق، وحيث نجعل المهر في صورة
التفويض للمشتري؛ فهو للمعتَقة، فطريان العتق في التفاصيل التي قدمناها كطريان الشراء.
[وهذا] 1 منتهى المراد في ذلك.
7990 - ونحن الآن نذكر على أثر نجاز هذا المقصود، تفصيلَ المذهب في تجدد الملك على العبد الناكح، فنقول: إذا تزوج العبد بإذن مولاه؛ فقد ذكرنا أن المهر يتعلق بكسبه، فلو وفّى المهرَ من كسبه، ثم باعه سيده، وطلّق المرأة قبل المسيس، وحكمنا بتشطر الصداق، فالمذهب: أن شطر الصداق يرتد إلى البائع؛ من جهة أنه أدى المهر من ملك البائع؛ إذ كسب العبد ملكُه، فيرتد نصف الصداق إلى من خرج من ملكه.
ولو زوّج الأب من ابنه الطفل، وساق صداقها من ملك نفسه -متبرعاً على طفله- فإذا بلغ الطفل، وطلق زوجته، فنصف الصداق يرتد إلى الزوج المطلِّق؛ والسبب فيه أن الأب لما تبرع، وساق الصداق، فمن ضرورة وقوع ذلك الصداق [المَوْقع] 2، تقدير دخوله في ملك الزوج أولاً، وإذا كان كذلك، فقد تقدم ملك الطفل له، فإذا طلق، رجع الشطر إلى ملكه، ولا يتحقق مثل هذا في العبد؛ فإن المهر وإن تعلق بكسبه، فلسنا نقدّر دخول كسب العبد تحت ملك العبد أولاً، حتى يتوفر الصداق من ملكه.
قال الشيخ أبو علي: من أصحابنا من قال: إذا طلق العبد زوجته قبل المسيس، فشطر المهر يكون للمشتري؛ فإن الطلاق هو الذي يوجب رجوع شطر الصداق، وقد جرى الطلاق الموجبُ لذلك في ملك المشتري؛ فإذا كان الموجِب في ملكه، كان الموجَب له.
وهذا وجه حكاه الشيخ وزيّفه، وهو لعمري مزيّفٌ.
7991 - ومما يتعلق بأطراف الكلام مما ذكرناه: أنا استشهدنا بتبرع الأب على ابنه بسوق الصداق من ماله، وقلنا: إذا طلق الابن بعد البلوغ، فشطر الصداق يرجع إلى الابن، وخرّجنا هذا على أن الملك يحصل للزوج أولاً، ثم ينتقل منه.
ويجوز أن يقال: لا يتضمن سَوْقُ الصداق تمليكَ الابن، وهذا يوضحه ذكر مسألة مقصودة في نفسها، فنقول: إذا نكح الرجل المطْلَقُ امرأة على مال، ثم جاء أجنبي، وتبرع بأداء المهر عن الزوج، فيستحيل أن نقضي باقتضاء هذا الأداء تمليكَ هذا الرجل المُطْلَق من غير مراجعته، بل يقع الأداء [افتداءً] 1، فإذا فرضنا من الزوج طلاقاً قبل المسيس، واقتضى ذلك تشطر الصداق، فالوجه أن يقال: يرتد شطر الصداق إلى الأجنبي المتبرع بالأداء؛ فإنه عن ملكه خرج، فيعود إلى ملكه، إلا على الوجه الضعيف الذي حكيناه في أن الاعتبار بوقت الطلاق.
7992 - فإذا تمهد هذا عُدنا بعده إلى تبرع الأب على طفله، وقلنا: ظاهر كلام الأصحاب أن التبرع يتضمن تمليكَه؛ فإن الأب يتملك 2 تمليك طفله بحق الولاية، فيُحمل ما جرى على ذلك، ثم يتجه رجوع شطر الصداق إلى الزوج، كما تبين من قول الأصحاب.
ويجوز أن يقال: تبرع الأب على ابنه لا يتضمن تمليكه؛ فإن الأجنبي إذا كان يملك الافتداء بطريق الأداء من غير أن يملّك، فليملك الأب ذلك في حق طفله.
وينتظم من هذا سَوْقُ أحوالٍ: أحدها - أن الأب لو قصد الفداء، ولم يقصد تمليك طفله؛ فيجب ألا يدخل الصداق في ملك الطفل، كما ذكرناه في الأجنبي، ثم موجب هذا: ألا يرتد شطر الصداق إلى الزوج إذا بلغ وطلّق، وفرّعنا على الصحيح.
وإن قصد بالتبرع تمليك طفله؛ فيجوز أن يقال: يدخل في ملك الطفل، كما ذكره الشيخ.
وإن أطلق الأب الأداء، ولم ينْوِ فداءً ولا تمليكاً، فهذه مسألة محتملة مترددة بين قصد الفداء وقصد التمليك.
فهذا ما لا بد من تفصيله كذلك.
7993 - ومما يتفرع على هذا المنتهى؛ أن من تبرع بأداء دين أجنبي، فلمستحق
الدين أن يمتنع عن قبوله 1، وإن كان الأداء من الأب، وزعم أنه يقصد الافتداء، فيجوز أن يقال: للمرأة أن تمتنع عن قبوله، طرداً للقياس الذي ذكرناه في الأجنبي.
فهذه أمور انتهى الكلام فيها، فلم نجد بداً من التنبيه عليها.
7994 - ويعود بنا الكلام إلى سَمْت المسألة: فإذا وفّى العبد الصداق في ملك البائع، ثم جرى البيع والطلاق؛ فشطر الصداق على ظاهر المذهب يرتد إلى البائع.
وإن لم يوفِّ العبد الصداق، حتى بيع، ثم إنه اكتسب في ملك المشتري، وأدّى الصداق؛ فأول مذكور في ذلك: أن المشتري ليس له منفعة غير الاكتساب؛ من جهة أن كسبه مستحَق الصرف إلى هذه الجهة، ثم إذا أدى الصداق مما اكتسبه في ملك المشتري، ثم طلق قبل المسيس، فهذا تنبيه على ما إذا اكتسب في ملك البائع، وأدى الصداق.
فإن قلنا: الصداق إذا تشطر بالطلاق، فالشطر للمشتري، نظراً إلى وقت الطلاق، فلا شك في حصول الشطر للمشتري فيه إذا اكتسب في ملك المشتري.
فأما إذا قلنا: شطر المهر يرجع إلى البائع إذا اكتسبه في ملكه، فإذا اكتسب في ملك المشتري؛ ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن شطر الصداق يرجع إلى المشتري، فإنه وفّاه مما اكتسبه في ملك المشتري.
والوجه الثاني - أنه يرجع الشطر إلى ملك البائع؛ فإنه وإن اكتسب في ملك المشتري، فذلك القدر كان في حكم المستحَق من كسبه، وكأنه كان مستثنى عن ملك المشتري، مفروضاً في ملك البائع.
فإذا تقرر ما ذكرناه في البيع، فلو جرى بدل البيع إعتاقٌ، فنقول: إن كان اكتسب قبل العتق، وأدى المهر، ثم عتق وطَلّق قبل المسيس؛ فالنصف يرجع إلى المالك المعتِق، على المذهب الصحيح.
ومن اعتبر وقت الطلاق، قال: يرجع نصف الصداق إلى العتيق، نظراً إلى وقت الطلاق.
ولو عتق قبل توفية الصداق، واكتسب بعد الحرية، وأدى الصداق، ثم طلّق قبل
المسيس؛ ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن نصف الصداق يرجع إلى الزوج، نظراً إلى حالة الاكتساب.
والثاني - أنه يرجع إلى المعتِق؛ لأن ما بقي بالصداق مستحق على المعتق من كسبه، فكأنه في حكم المستثنى.
وهذا الوجه ضعيف عندي، لا ثبات له؛ فإن حق المهر إنما يثبت للزوجة، وقد توفر الكسب بكماله على السيد في زمن الرق، فتقديم حق له في الكسب حتى يفرض مستثنى بعد الإعتاق والانطلاق عن الرق، غير معقول؛ بل الأمر على العكس من هذا الخيال؛ فإن العبد كان يملك أن يؤدي ما التزمه من الصداق من كسب رقه، فلم يتفق.
وبقيت ذمته مرتهنة بدينه، حتى عَتَق واستقل، فإذا اكتسب وأدى ما عليه، فرجوع شيء عند الطلاق إلى السيد لا وجه له.
ولكن الشيخ أبا علي ذكر هذا الوجه في الشرح، ولم يطنب في الرد عليه، وما ذكرناه من التزييف فيما يكتسبه بعد الإعتاق يجري فيما يكسبه بعد البيع.
فصل
قال: "ولو وطىء رجل جارية ابنه وأولدها ... إلى آخره" 1.
الأب إذا وطىء جارية ابنه، فلا تخلو الجارية، إما أن كانت موطوءة الابن، أو لم تكن.
فإن لم تكن موطوءة الابن، فوطئها الأب، لم يخلُ: إما أن يحبلها، وإما ألا يحبلها.
فإن لم تعلق [منه] 2، فالكلام يتعلق بانتفاء الحدود، ووجوب المهر، وتحريم الموطوءة على الابن.
فأما الحد، فلا يجب أصلاً، لما للأب من الشبهة في مال الابن، فيما يتعلق بالإعفاف 3، وهذا بمثابة درء حد القطع عن الأب والابن إذا سرق أحدهما من مال
صاحبه؛ وسبب اندفاع "حق" 1 القطع من الجانبين عموم ثبوت النفقة في أوانها من الطرفين جميعاً، ولما اختص الأب باستحقاق الإعفاف على ابنه، اختص جانبه بانتفاء الحد عنه في هذا القبيل.
وإذا كان الأب لا يقتل بقتل ولده، فيبعد أن يرجم بوطء جارية ابنه.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" 2. فهذا ما ذكره الأصحاب في انتفاء الحد.
فأما المهر، فالذي قطع به المحققون: وجوب المهر؛ فإن الوطء وطء شبهة.
وما أوجب درء الحد حرمة الوطء 3 في هذا المحل.
وذكر العراقيون تفصيلاً في المهر، فقالوا: إن كانت جارية الابن مكرهة؛ وجب المهر، وإن كانت مطاوعة؛ ففي وجوب المهر وجهان.
وهذا غلط صريح؛ فإنهم قطعوا أقوالهم بانتفاء الحد؛ فلا معنى 4 مع ذلك التفصيل الذي ذكروه 5، وإنما [يستدُّ] 6 هذا التفصيل في الجارية المغصوبة إذا زنا بها الغاصب - كرهاً أو طوعاً.
ثم تصير الجارية محرمة على الابن؛ فإنها موطوءة الأب وطئاً محترماً.
فلو قال الابن: اغرم لي قيمة الجارية، وخذها، لأنك حرمتها عليّ، لم يكن له
ذلك؛ لأن الوطء ليس بمقصود في ملك اليمين؛ فيستحيل أن يتعلق بتفويته وجوب القيمة.
ولو أرضعت امرأة الرجل جارية له؛ فليس له أن يغرّمها قيمة الجارية، فلو [اشترت] 1 امرأةُ الرجل رضيعةً من زوجها، وأرضعتها، حرمت على الزوج، ثم اطلعت على عيب قديم بها، لم يمتنع ردها بالعيب القديم، ولم يكن للمردود عليه أن يقول: كانت مباحة لي، فطرأ التحريم في يدك، فلا ترديها وقد طرأ التحريم فيها.
هذا كله إذا وطىء جارية الابن ولم يحبلها.
7995 - فأما إذا أحبلها؛ فالحد منتف، والمهر واجب، والتحريم واقع، كما تقدم في الوطء العريّ عن الإعلاق.
وأبو حنيفة 2 لم 3 يوجب المهر، لمّا اعتقد ثبوت الاستيلاد، كما سنصفه، إن شاء الله تعالى، ورأى أن المهر يندرج تحت القيمة، وعندنا المهر يتقدم وجوبه على ثبوت العلوق بعد تغييب الحشفة، ويقع الكلام في ثبوت الاستيلاد، والمسألة مشهورة في الخلاف؛ لذلك لم نطنب في إيضاح علة المذهب.
7996 - ثم إنا نتكلم وراء ذلك في ثلاثة أحكام: أحدها - النسب.
والثاني -[حرية] 4 الولد.
والثالث - الاستيلاد.
أما النسب: فإنه يثبت لحرمة الوطء، ولأجلها دفعنا الحد، وأوجبنا المهر.
وأما الحرية: فالولد يعلق حراً.
ولو وطىء رجل جارية غيره بشبهة، فحبلت؛ فالولد يعلق على الحرية.
وأما القول في ثبوت الاستيلاد؛ فالمنصوص عليه للشافعي أن الاستيلاد يثبت 1، وهو مذهب أبي حنيفة.
واختار المزني أنها لا تصير أم ولد.
وهذا هو القياس، وللشافعي ما يدل على ذلك؛ لأنه قال: "إذا ملك جارية وابنتَها، فوطىء الجارية، حرمت البنت عليه، فلو وطىء البنتَ 2؛ فهل تصير أم ولد؟ فعلى قولين.
وكذلك إذا وطىء جارية ابنه".
هذا لفظ الشافعي.
فمن أصحابنا من ذكر قولاً مطلقاً للشافعي في أن الاستيلاد لا يثبت.
ونحن نقول: هذا القول إن كان مخرّجاً، فهو منقاسٌ حسن؛ فإن جارية الابن ملكُه الخالص، لا شرك للأب فيها، ولو فرضنا شركاً، لما حلت للابن.
وإن كان هذا القول مأخوذاً من نص الشافعي -الذي نقلنا لفظه- فهو بعيد؛ فإن الشافعي ذكر [احتمال] 3 البنت المملوكة، بعد ما حرمت على الأبد بوطء أمها، وكان ذلك ترديد القول في محرمةٍ على التأبيد، ثم عطف، فقال: "كذلك الأب إذا وطىء جارية ابنه".
وظاهر هذا دليل على أن صور وطء الأب في موطوءة الابن حتى تكون محرمة على الأبد [كما أن البنت محرمة على الأب] 4 بوطء الأم.
فحصل مما ذكرناه؛ أن ظاهر المذهب ثبوت الاستيلاد 5.
ومن أصحابنا من ذكر قولاً آخر: أن الاستيلاد لا يثبت.
وهو مذهب المزني.
وحكى الأئمة عن صاحب التقريب قولاً ثالثاً وهو: أنه يفصل بين أن يكون الأب موسراً إذا وفَّى بقيمة الجارية، وبين أن يكون مُعسراً.
توجيه الأقوال: من نفى الاستيلاد، فقياسه ومتعلّقه بيّن، ومن أثبته، تعلق بما
ذكرناه من الشبهة، وأوقعُ متعلَّقٍ انتفاء الحد، مع العلم بحقيقة الحال، ولا وجه لدفع الحد إذا وقع الفرض في العلم بالتحريم، مع انتفاء الريب والخلاف، إلا شبهة تقتضي الاستيلاد، إذا أفضى الوطء إليه.
ومن فرّق بين الموسر والمعسر؛ فوجه قوله: التشبيه بسريان العتق؛ فإن الشريك إذا أعتق حصته من عبد، وكان موسراً، سرى العتق إلى نصيب شريكه.
وإن كان معسراً، لم يَسْر، وعَتَق منه ما عتق ورَقّ ما رق.
وهذا القول ضعيف، وليس يُشبه ثبوتُ الاستيلاد في حق الأب تسريةَ العتق؛ فإن المرعي في منع التسرية إذا كان المعتق معسراً حقُّ الشريك؛ فإنا لو سرّيْنا العتق، لأبطلنا حق الشريك ناجزاً، وأحلناه على ذمة معسر، والمتبَع في ثبوت الاستيلاد، أحد أمرين: إما حرمة الأبوة، حتى لا تبقى أم ولده رقيقة، وإما شبهة الملك.
فإن راعينا حرمة الأبوة، فهذا يعم الموسر والمعسر، وإن راعينا شبهة الملك، فليس ملك الشبهة جزءاً مملوكاً منها، حتى يقصر الاستيلاد عليه.
نعم، قد يخرّج قولُ الفرق بين الموسر والمعسر في إعتاق الراهن العبدَ المرهون؛ فإن المتبع في رد عتقه تركُ الإضراب بالمرتهِن، والتوقِّي من تنجيز إبطال حقه من الوثيقة.
وهذا يجوز أن يختلف باليسار والإعسار.
7997 - وهذا النوع من النظر يفصله ذكر ثلاث مراتب: إحداها - في إعتاق حصة من عبد مشترك.
هذا ينقدح فيه الفرق بين اليسار والإعسار، لورود الخبر فيه بالفصل بين الموسر والمعسر، وهو أولى متبع.
وفيه طرف من المعنى، وهو: أن مقدار ملك المعتِق من الشريكين منفصل عن حصة الثاني، ولا حق له في نصيب صاحبه، ولا يمتنع أن يتوقف تسرية العتق إلى نصيب الشريكين على بذْل العوض -في قولٍ- أو على إمكان بذله.
المرتبة الثانية - في إعتاق الراهن.
وظاهر المذهب إجراء القولين في تنفيذ عتقه، أو ردّه، من غير فصل بين أن يكون موسراً أو معسراً.
والفرق بين هذه المرتبة وبين الأولى أن ملك الراهن ثابت في جميع المرهون، وثبوته أقوى من ثبوت حق الوثيقة؛
فلم يكن للنظر إلى الإعسار واليسار معنى، و [علّة] 1 نفوذ العتق صدوره من أهله في محل ملكه.
ومن خرّج قولاً في الفصل بين الموسر والمعسر؛ فوجهه مراعاة حق المرتهن، وهو مختارٌ في إعتاقه.
والمرتبة الثالثة: استيلاد الأب جارية ابنه، وهذه المرتبة بعيدة عن اعتبار اليسار والإعسار فيها؛ لأن المتبع حرمةُ الأبوة؛ فلا سبيل إلى إسقاطها في المعسر.
فإن [عورضنا] 2 بأن الراهن المعسر مالكٌ أيضاًً، قلنا: لا يمتنع الحجر على المالك، [وأين] 3 يقع تنفيذ تصرف المحجور عليه من حرمة الأبوة؟
فهذا بيان هذه المنازل.
وقد رأيت لصاحب التقريب [القول الثالث في الفرق بين الموسر والمعسر في إعتاق الراهن، ورأيتُ هذا القول لغيره في الرهن، فأما الفصل بين الموسر والمعسر في ثبوت الاستيلاد في جارية الابن، فلم أره لصاحب التقريب] 4 مع اعتنائي بالبحث عن كتابه، ولم ينقل أصحابنا هذا القول إلا عنه.
فهو قول مُخيل تعليلاً ونقلاً.
ويتفرع عليه أمر لا بد من إلزامه، وهو: أن الأب إذا كان موسراً؛ وجب أن تخرّج الأقوال الثلاثة في تعجيل الاستيلاد، أو تأخير الحكم به إلى بذل القيمة، أو الوقف، كما سنذكره -إن شاء الله عز وجل- في تسرية العتق من نصيب إلى نصيب.
ويجب أن يقال: إذا كان الأب مُعسراً حالة العلوق، ثم أيسر من بعدُ، لم يؤثّر طريان اليسار، وتكون الجارية فيه تباع 5، وإن كان الأب يبذل قيمتها بيساره الطارىء.
كل ذلك لا بد منه إذا فرّعنا على الفرق بين الموسر والمعسر.
وهذا منتهى الكلام في هذا القول، فلا عود إليه.
وكذلك؛ إن قلنا: لا يثبت الاستيلاد أصلاً، على ما اختاره المزني؛ فالجارية رقيقة، والولد حرّ نسيب، وسنتكلم في قيمته، إن شاء الله تعالى، والمهر واجب، والحد منتف.
وإن فرعنا على ظاهر المذهب، وهو: أن الاستيلاد يثبت؛ فيلزم الأبَ المهرُ وقيمةُ الجارية.
والولد يعلق حراً، كما تقدم.
7998 - والقول الآن في قيمة الولد، فنقول: إن فرّعنا على أن الاستيلاد لا يثبت؛ فتجب قيمة الولد وقت انفصاله بتقديره رقيقاً، ثم إنما يجب ذلك إذا انفصل حيّاً، وسيأتي شرح ذلك في باب [الغرر] 1، إن شاء الله عز وجل.
7999 - ولو ملك الأب هذه الجارية يوماً من الدهر، فهل تصير أم ولد له؟ فعلى قولين مشهورين، سيأتي ذكرهما في أمهات الأولاد، إن شاء الله تعالى، وهما جاريان فيما لو وطىء جارية أجنبي بشبهة، وعلقت منه بمولود، وحكمنا بحرية الولد، ونفينا الاستيلاد في الحال؛ فلو ملكها الواطىء يوماً؛ فهل تصير أم ولد؟ فعلى القولين.
8000 - وإن حكمنا بأن الجارية تصير أم ولد للأب؛ فهل يلتزم قيمة الولد مع قيمة الأم؛ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنه يلتزمها، كما يلتزمها الواطىء بالشبهة.
والثاني - لا يلتزمها؛ فإنه التزم قيمة الجارية والولد جزء منها؛ فاندرج الجزء تحت الكل، وليس كالمهر؛ فإنه يجب على مقابلة إتلاف المنفعة؛ وليست المنفعة جزءاً من الجارية، ولا ينقدح توجيه الوجهين، والوجهُ بناؤهما على أن الملك متى ينتقل إلى الأب في الجارية؟ وقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: ينتقل الملك إليه مع العلوق، لا يتقدم عليه، ومقتضى هذا إيجاب القيمة للولد؛ فإن العلوق يحصل مع النقل، وليس يتعلق أحدهما بالثاني.
ومن أصحابنا من قال: الملك ينتقل في الجارية قبيل العلوق؛ فعلى هذا لا يلتزم الأب قيمة الولد.
وهذا الوجه معلوم؛ ومسلكه من طريق التعليل اللائق بهذا الفن
مفهوم وكأنا نبغي في تعظيم [حرمة الأب] 1 أن نقدِّم مسقط مائه ونطفته ملكاً له.
وهذا ليس بعيداً إذا أُثبت أصل الاستيلاد؛ فإن الإشكال في الأصل، وما ذكرناه بعد ثبوت الأصل قريب محتمل.
وأما المصير إلى أن العلوق ونقل الملك يحصلان معاً، فهذا متجه حسن، ولكنه لا يثمر 2 إيجاب قيمة الولد؛ فإن نقل الملك إذا قارن العلوق؛ فقد صادف العلوقُ الملكَ؛ فلا أثر لتقدم الملك بلحظة، فكيف يستفاد من هذا إيجاب قيمة الولد [وقد تحصلت بعد هذا البحث على مسلكين، أوقعهما وأفقههما أن نبني لزوم قيمة الولد] 3 على ثبوت الاستيلاد ونفيه؛ فإن أثبتنا الاستيلاد، لم نوجب قيمة الولد.
وذكرنا للأصحاب خلافاً في أن الملك متى ينتقل في الجارية؟ يجوز أن يقال: يتقدم بلحظة على العلوق، ليُشْرِف ورود الماء على ملك [عتيد] 4.
ويجوز أن يقال: يحصل العلوق والنقل معاً، وهذا هو الصحيح، والتقدير الأول ليس بمتين 5. ولو تناهيت في تقريره، وقعت في مذهب أبي حنيفة 6، فإنه قال: ينقل الملك مع أول الوطء أو قُبيله.
وهذا التردد على حال قريبٌ بعد ألا تُتلقى منه قيمة الولد وجوباً ونفياً، وإنما تُتلقى قيمة الولد من إثبات الاستيلاد [ونفيه] 7 كما ذكرناه هذا مسلك، وهو الذي لا معدل عنه.
والمسلك الثاني - أن من أصحابنا من قال: يحصل نقل الملك مع العلوق؛ فعلى هذا تجب قيمة الولد وقيمة الجارية.
وهذا البناء متجه، ولكن نقل الملك بعد العلوق ليس بشيء؛ فإن المعلول لا يستأخر عن العلة إذا صادفت العلة محلها.
فإن قيل: إذا ملك الرجل من يعتق عليه، أليس يحصل الملك ثم يترتب العتق
عليه؟ والقرابة كانت مقترنة بالملك في الحالة الأولى، ثم تأخر أثرها إلى الحالة الثانية.
وفي هذا تخبّط شيخنا أبو إسحاق المروزي، حيث قال: يحصل العتق والملك في الحالة الأولى، فزعم أن جمع النقيضين في الحكم غير ممتنع، وإنما يمتنع اجتماع النقيضين حسّاً، وهذا من عثرات ذلك الشيخ.
والجواب عندنا أن العتق مشروط بحصول الملك، ومن ضرورة حصوله أن يفرض تقدّمه بلحظة واستعقابه العتقَ، وليس من الممكن أن يُقدّر إلا كذلك، ولا استحالة في الجمع بين حصول الملك في الجارية ووقوع العلوق حسّاً.
فليفهم الطالب أمثال ذلك، وليتثبت في زَلَق الأقدام.
فإذا تحقق ما ذكرناه، انتظم منه أن الذي يجب القطع به: حصول النقل والعلوق معاً، وتقديم الملك وتأخيره لا أصل له، على أن تقديمه يليق بحكم الفقه، وتأخيره لا وجه له، ثم كيف قُدر الأمر؛ فالوجه: بناء قيمة الولد على الاستيلاد، كما قد ذكرنا.
وقد أكرر معنى في فصل مراراً، ولا أبغي التطويل، ولكني أروم تنبيه الناظر، وقد يتخطى الفكر معنى ولا يفهمه، فإذا كُرّر عليه، ثبت فيه، والله المستعان.
8001 - ومما يتعلق بتمام القول في ذلك، أنا لو فرضنا نزول الماء مع تغييب الحشفة، فهذا تصوير العلوق مقترناً بموجب المهر، وقد ذكرنا أن الصحيح أن الملك ينتقل مع العلوق؛ هذا لم يتعرض له الأصحاب، بل أطلقوا القول بوجوب المهر، ولم يتعرضوا لهذا التفصيل.
والأظهر عندي: أنهم بنَوْا الأمر على الاعتياد، والغالب أن الإنزال يحصل بعد وجوب المهر، ولو صوّر الأئمة ما ذكرناه، لنزّلوا المهر منزلة 1 قيمة الولد، هذا ما نراه، والله أعلم.
8002 - ومما يليق بهذا المنتهى؛ أنا إذا لم نثبت الاستيلاد، وحكمنا بأن الجارية رقيقة؛ فهي حامل بولد حر، والصحيح أن بيع الجارية الحامل بالولد الحر غير صحيح، فلو قال الابن: قد حِلتَ بيني وبين التصرف في الجارية، فاغرم لي قيمتها؛ فهل له أن يغرّمه؟ فعلى وجهين.
وهذا لا يختص بالأب والابن، بل لو وطىء رجل جارية أجنبي بشبهة، وعلقت منه بمولود؛ فهل لمالك الجارية أن يغرّمه القيمة؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين.
توجيههما: من قال: تجب القيمة، احتج بما ذكرناه من الحيلولة، ومن قال: لا تجب، احتج بأن يد المالك مستمرة على الجارية، وهو يتمكن من الانتفاع بها، فلا تتحقق الحيلولة باستئخار البيع في أيام.
8003 - وكل ما ذكرناه كلام في قسم واحد، وهو إذا وطىء الأب جارية الابن، ولم تكن الجارية موطوءة الابن (1 أما إذا وطئها وهي موطوءة الابن 1)، فلا شك أنها محرمة على التأبيد على الأب، فأول ما نذكره أنه هل يلزم الأبَ الحدُّ أم لا؟
المنصوص عليه في الجديد: أنه لا يلتزم الحد لحرمة الأبوة.
والقول الثاني - نص عليه في القديم: أن الحد يجب، وهذا القول يجري 2 في كل وطء محرم لا اشتباه في تحريمه، ولا لبس على الواطىء.
حتى لو وطىء جاريته المملوكة وهي أخته، فالحد في هذا يجب ولا يدرؤه الملك القائم، وكذلك إذا كانت مملوكة محرمة برضاع أو مصاهرة، وكذلك لو كانت مزوّجة.
ومحل هذا القول وطء محرم لم يختلف العلماء في تحريمه، ولم يلتبس تحريمه على الواطىء، وكان شيخي لا يطرد هذا القول في وطء الحائض، ويقول: المحرّم من وطئها ملابسة الأذى، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]، ويجب على قياس القول القديم إيجاب الحد على أحد الشريكين إذا وطىء الجارية المشتركة، لما ذكرناه.
فإذا تمهد هذا؛ رجعنا إلى غرضنا من الفصل.1
8004 - فإذا وطىء الأب جارية الابن، وكانت موطوءة الابن، فإن فرعنا على الجديد، فلا حد، والقول في وجوب المهر، وثبوت حرية الولد إن ثبت العلوق، وفي الاستيلاد، كما تقدم في الجارية التي ليست موطوءة الابن.
ولكن إذا لم تكن موطوءة الابن، وثبت الاستيلاد على ظاهر المذهب؛ فتصير الجارية مستحلّة للأب، وإذا كانت موطوءة الابن، فهي محرمة على الأب على التأبيد، وإن حكمنا بثبوت الاستيلاد، فإن التحريم المؤبد لا يزول بشيء.
وإن فرّعنا على القديم، وجب الحد على الأب، كما لو وطىء أخته المملوكة.
وهاهنا موقف على الناظر؛ وذلك أنا [إن] 1 طردنا القول القديم في وطء السيد جاريته المزوّجة وإن لم تكن محرمة على التأبيد؛ فيترتب على الأب أن جارية الابن وإن لم تكن موطوءة الابن، فهي محرمة على الأب قطعاً بشبهة، ويجب أن يخرّج في وطء الأب جارية الابن قولٌ في وجوب الحد عليه وإن لم تكن موطوءة الابن، وإنما لم نذكره فيما تقدم؛ حتى يجري المذهب على ترتيبه، ثم [نُلحق] 2 به ما ينبغي أن نُلحق به، ولا شك في خروج هذا القول، وإن ذكره المرتبون في الجارية الموطوءة.
فأما القول في المهر، مع المصير إلى إيجاب الحد، فقد قال الأئمة: هذا بمثابة وطء الغاصب الجارية المغصوبة، فإن كانت مستكرهة، وجب المهر، وإن كانت مطاوعة، ففي وجوب المهر وجهان، وهذا التفريع مستقيم هاهنا، لا حيد فيه.
8005 - وإذا أفضى الوطء إلى الإعلاق، فهذا سرّ هذا الفصل ولُبابه، فالذي ذهب إليه المحققون: أن الوطء الموجب للحد زناً لا حرمة له، وإذا أنزل الواطىء، فلا حرمة لمائه؛ فيترتب عليه انتفاء النسب، ثم الولد لا حرمة له، ولا حرمة لماء الزاني، ومن طرد هذه الطريقة على حقها، لزمه أن يقول: إذا وطىء الرجل جاريته المملوكة، وكانت محرمة عليه بنسب، أو رضاع، أو صهر، وعلقت منه بمولود؛ فلا تصير أم ولدٍ له؛ من قِبل أن الماء لا يُنسب إلى الزاني، وهو كالمفقود في حقه،