كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
لا يتصوّر اجتماع مجبِرَيْن، إذ لا مجبر إلا [الأب والجد، وإذا اجتمعا] 1؛ فالولي منهما أقربهما، وليقع التفريع على أنه يصح من المرأة الإذن في التزويج من غير أن تعيق زوجاً، فإذا قالت لوليَّيْها: يزوجني من شاء منكما كفئاً أو [غير كفءٍ] 2 فإذا ثبت الإذن في حق كل واحد منهما، فاتفق أنهما زوّجاها من زوجين، ولم يشعر أحدهما بصنيع الآخر؛ فالركن الأول في المسألة -بعد تصويرها- في بيان الحكم في التقاسيم، وذلك ينقسم إلى ما يشكل، وإلى ما لا يشكل.
فأما إذا لم تشكل الواقعة، فلا يخلو؛ إما أن يقع العقدان معاً، أو يتقدم أحدهما، فإن وقعا معاً، لم ينعقد واحد منهما؛ إذ لا سبيل إلى اجتماع العقدين، وليس أحدهما أولى بالصحة أو الفساد، فالوجه أن يتدافعا.
وهذه بمثابة قبول نكاح أختين في عُقدةٍ.
فأما إذا تقدم أحد العقدين والكلام مفروض فيه إذا تعيّن ولم يشكل، فالصحيح العقد المتقدم.
فلو اتفق من الزوج الثاني دخولٌ، وكان على ظن أنه المتقدم، أو لا عقد إلا عقده، فالوطء الجاري وطء شبهة.
والصحيح العقد المتقدم.
وقد قصد الشافعي بذكر ذلك -على وضوحه- الردّ على مالك 3؛ فإنه يقول: إذا جرى الوطء في النكاح الثاني، على نحو ما صورناه، فهو الصحيح.
هذا قولنا فيه إذا جرى العقدان، ولم يلتبس الحال.
7928 - فأما إذا أشكل الأمر؛ فالإشكال يقع من وجهين؛ أحدهما - أن لا يعهد الإشكال إلا قائماً من أول الأمر.
والثاني - أن يكون الأمر بيّناً أولاً، ثم يطرأ الأشكال من بعدُ.
فأما إذا اقترن الأشكال؛ فإنه يقع من وجهين: أحدهما - ألاّ ندري أن العقدين وقعا معاً، أو تقدم أحدهما على الثاني؟ فإن كان الإشكال على هذا الوجه، قال الشيخ القفال -فيما حكاه الصيدلاني-: النكاحان مفسوخان.
قال الصيدلاني: الوجه
عندي أن يقال: لا ينفسخ حتى يفسخ القاضي، لاحتمال أن أحدهما صحيح سابق، وإنما نعلم ارتفاع النكاح إذا فسخ القاضي.
وحقيقة هذا الفصل يستدعي أمرين، أحدهما - التأنق في التصوير، فليقع هذا الإشكال حيث يوءس من البيان فيه، فإذا تحقق اليأس من التبيين، ففيه ما ذكره الأصحاب.
وإن كان التبيين مأمولاً، فيجب البحث، وهذه المسألة تنتفي عن الشارع، فإن الغرض في هذا الركن بيان الحكم مع الاعتراف بحقيقة الحال، فهذا وجه التصوير.
أما الحكم؛ فقد اختلف أصحابنا في المسألة.
فقال بعضهم: إذا تحقق الإشكال، ارتفع العقد، والأمر مفوض إلى علم الله تعالى.
فإن وقع في علمه وقوعُ العقدين معاً، [فلا] 1 عقد، حتى يحتاج إلى فرض قطعه.
وإن ترتبا في علم الله تعالى، واطرد الإشكال في حقنا، [بين] 2 وقوعهما معاً وبين ترتبهما 3، فالعقد الأول يرتفع إذا تحقق اليأس من التبيّن فيه، ولا حاجة إلى إنشاء فسخ، وهذا يوجّه بأن إمضاء العقد غير ممكن.
وإنما تمس الحاجة إلى إنشاء فسخ إذا كان تعذر إمضاؤه، وكان يمكن تيسّره بوجه من الوجوه؛ فإذ ذاك يُفرض إنشاء فسخ فيه، على ما يوجبه الشرع ويقتضيه.
وذهب آخرون إلى أنه لا بد من إنشاء الفسخ؛ فإن العقد يجوز أن يكون منعقداً إذا فرض الترتيب، فلا خلاص على [التحقيق] 4 إلا بإنشاء الفسخ.
وهذا التردد يضاهي من وجه تحالفَ المتبايعين، فإن أئمتنا بعد التحالف، اختلفوا؛ فمنهم من قال: ينفسخ العقد.
ثم القول فيمن [يفسخ] 5 العقد، قد استقصيناه في موضعه من كتاب البيع.
فإن قلنا: في مسألتنا يرتفع العقد من غير حاجة إلى رفع، فلا كلام.
وإن قلنا: لابد من إنشاء الفسخ؛ فمن ينشئه؟ هذا فيه فضل نظر.
فإن رفعوا الأمر إلى السلطان، وفوضوا إلى رأيه، ففسخ، نَفَذ، ولا كلام.
وإن طلق الزوجان، انبتَّ ما كنا نقدره من عقد إن كان، ولكن يُعقب هذا إشكالاً في المهر، سنذكره، إن شاء الله تعالى.
وإن لم يطلقها، وأراد كل واحد منهما أن يفسخ من غير رفع إلى مجلس الحكم، وإنما يؤثران الفسخ حتى يسقط المهر إذ ثبت، فكيف السبيل فيه؟ والمرأة بنفسها لو أرادت الفسخ، فإنها المطلوبة بالعقد المسترقة به، فكيف السبيل؟ من أصحابنا من قال: لا ينشىء الفسخ إلا الحاكم أو محكّم إن رأينا التحكيم؛ فإن هذا تعيين لمكان إشكال في مظنة لَبْس، والواقعة حَرِيَّةٌ بالاحتياج إلى مجتهد ناظر، ولأمثالها انتصب القضاة فياصلَ في الخصومات، هذا وجه.
وإليه ميل الصيدلاني في مجموعه 1.
ومن أصحابنا من قال: للمرأة أن تفسخ من غير حاجةٍ إلى الرفع إلى السلطان؛ فإنها تفسخ النكاح بتعذر الاستمتاع بالجَبّ.
وإن كان يبقى نوع من التمتع في المجبوب، فلأن نُثبت لها الفسخ بالإشكال الذي لا رفع له أولى.
ومن أصحابنا من قال: لها الفسخ كما ذكرنا.
وللزوجين أن يفسخا أيضاًً، كما يفسخان برقها؛ فإن الإشكال شمل جماعة، فانتظم من هذا خلاف: من الأصحاب من قال: الفسخ إلى القاضي لا غير.
ومنهم من قال: للمرأة أن تفسخ، وليس للزوجين الفسخ.
ومنهم من أثبت لها وللزوجين الفسخ، ولم يشترط أحد اجتماعهم، فيكون فسخَ تراضٍ.
هذا منتهى القول في صورة واحدةٍ من القسم الذي نحن فيه، وهو إذا اقترن الإشكال ولم يطرأ 2 على بيان.
7929 - فأما الصورة الثانية؛ فهي: أن نعلم أن أحد العقدين تقدّم، ولكن لم يتعين لنا المتقدم منهما قط، وتحقق اليأس من البيان؛ ففي المسألة قولان: أحدهما - إن هذا بمثابة الصورة الأولى، وهي: إذا أشكل الأمر، فلم ندر أوقع العقدان معاً، أو ترتب أحدهما على الثاني.
وقد سبق التفصيل فيه.
والقول الثاني - أنا نتوقف، ويقف العقد بينهما أبداً حتى يطلقاها.
توجيه القولين: من ألحق هذه الصورة بالأولى، احتج بوقوع الإشكال وتعذّر إمضاء العقد، واستيقان التقدم لا يغني شيئاً مع اللبس في المتقدم.
وإذا كنا نتسبَّب إلى رفع [العقدين مع] 1 إمكان وقوع أحدهما، فينبغي أن نفعل ذلك مع تحقق التقدم.
ومن نصر القول الثاني، فصل بين الصورتين، وقال: إذا تحققنا صحة عقد في الصورة الثانية، فالهجوم على رفعه أو الحكم بارتفاعه لا معنى له، إلا [بطريقٍ] 2 شرعي، وحكمُ الشرع أن نثبت [ما] 3 نتبيّنه، ونتوقف فيما يُشكل، فإن ترتب على صورة الإشكال ضرر، فكم من ضرر يحتمل إذا لم يوجد في الشرع له رافع، وإذا كنا لا نستبعد على الرأي الأصح أنه تحبس المعتدة التي تباعدت حيضتها إلى سن اليأس، مع أداء هذا إلى [أن] 4 يبطل 5 شبابها من مراهقتها وإعصارها 6 إلى انتهائها إلى أقصى أسنان الياس في بنات أعصارها، وهذا هو العذاب الحاقّ، ولكن لم نجد له دافعاً شرعياً؛ فألزمناه، وليس هذا كالصورة الأولى؛ فإنا لم نتحقق فيها وقوع عقد، فتسامحنا في الحكم بالارتفاع لو وقع، وهذا الفرق يتجه على طريقة القفال؛ فإنه يحكم بارتفاع العقد لو وقع في الصورة الأولى من غير حاجة إلى إنشاء رفع.
فلو قال قائل: لِم قال القفال في الصورة الأولى بتقدير ارتفاع العقد؟ وهلا قال:
الأصل عدمه؟ قلنا: ليس ما قاله القفال قولاً جازماً، ولكنه قال: لو قدرنا وقوعه، ارتفع.
ومن قال: ننشىء الرفع، قد يتوجه عليه السؤال الذي ذكرناه؛ فإنه أوجب رفعاً -على ما فصلناه- فيقال له: هلا أخذت بعدم العقد؟ وجوابه: إن العقد واقع، فإنا إن أشرنا إلى هذا، فقد جرى معه صورة العقد، وكذلك إن نظرنا إلى الآخر، وعدم الانعقاد أمر محال على تقدير وقوع العقدين معاً، وقد يتجه استبعاد تصور هذا، فلا يمكن البناء على أن لا عقد، وليس كما لو أشكل على المرأة أنها هل نكحت أم لا؛ فإن الأصل في هذا المقام أن لا عقد، فلا يجب التسبب إلى رفعٍ في هذه الصورة على تقدير وقوع العقد.
وكل ما ذكرناه فيه إذا اقترن الإشكال، ولم يطرأ على بيان.
7930 - فأما إذا تقدم أحد العقدين، وتعيّن، ثم أشكل ما تعيّن وأيس من التبيّن فيه؛ فالذي قطع به الأئمة أنا نقف العقد، ولا نوجب التسبب إلى رفعه، بخلاف ما إذا اقترن الإشكال، وليس يخفى الفرق على من يحاوله.
وسمعت شيخي -في آخر العهد به- يحكي عن بعض الأصحاب إجراء القولين في هذه الصورة -وإن طرأ الإشكال- إذا تحقق اليأس من الخلاص منه.
وهذا غريب!
وذكر الأئمة نظير هذه الصور في الجمعتين إذا عقدتا في بلدة لا تحتمل إلا جمعة واحدة.
وقد ذكرت تلك التقاسيم في مواضعها، ولا أذكر منها هاهنا إلا ما ينبه على فائدة.
قال المحققون: إذا تيقنا تقدم جمعة ولم تتعين لنا، فهذه الصورة الأوْلى بأن يؤخذ فيها بصحة جمعة، وحكم الأخذ بذلك أن نوجب على أهل البلدة إقامة الظهر، ونمنعهم عن إقامة جمعة أخرى.
فإذا تقدم أحد النكاحين، وأشكل، يتجه رفع النكاحين، والفرق أن الجمعة بعد ما صحت لا تفسخ، والنكاح بعد انعقاده يتصور فسخه بأسباب.
فإذا اعتقد المعتقد كون الإشكال من أسباب الفسخ، لم يكن مبعداً.
وهذا في الجمعة بعيد، فينتظم من ذلك أن الوجه القطع بأن إحدى الجمعتين إذا
تقدمت، فلا سبيل إلى عقد جمعة أخرى، وعلى الناس إقامة الظهر، فإن أحداً منهم ليس عالماً بأنه أقام الفرض الذي عليه.
هذا وجه القياس، وإن كان طريق القولين في الجمعة مشهورة.
وقد انتجز ركن واحد من أركان المسألة، وهو بيان حكم الإشكال، عند تقدير الاعتراف به، من غير فرض نزاع.
7931 - ولم يبق في هذا الركن إلا الكلام في النفقة، وإذا انتهى التصوير إلى حالة لا يُحكم فيها بالانفساخ ولا يثبت فيها حق الفسخ إنشاءً، فتبقى المرأة محتسبة 1 في نكاح، ولسنا ندري أن الصحيح نكاحُ هذا، أم نكاحُ ذاك؟ وقد اعترفوا بالإشكال، وإذا رفعت الواقعة على هذه الصورة إلى الحاكم، وقع الاعتراف في موضعه بالإشكال، فعلى من يقع القضاء بالنفقة؟
قال الأئمة: إذا طلق الرجل إحدى امرأتيه، وأشكل عليه المطلقة منهما، فيلزمه أن ينفق عليهما جميعاً، فإن كل واحدة محتسبة عليه، وإن أخذ آخذٌ حكمَ النفقة من هذه المسألة، قيل له: كانت كل واحدة منهما مستحِقة للنفقة، ولم يتحقق في حق كل واحدة انقطاع النكاح، وزوال السبب الموجِب للنفقة، فلكل واحدة أن تطلب نفقتها.
وينضم إلى هذا أن الزوج هو الذىِ طلق، فكان هو السبب في جرّ هذا الإبهام.
وقد يعترض للفقيه الالتفات إلى النشوز؛ فإنه إذا تعذر الاستمتاع [بها] 2، سقطت النفقة، والاستمتاع متعذر على الزوج في المسألة.
وإن طلب طالب الفرق، وقال: الناشز عاصية بنشوزها، عورض بجنون المرأة إذا كان يمتنع بسببه الاستمتاع بها، فإن النفقة تسقط، وإن لم تنتسب المرأة إلى معصية.
فهذا الذي ذكرناه وجوه التنبيه على الطلب، والممكنُ بعد ذلك وجهان: أحدهما - أن النفقة واجبة عليهما؛ إذ جرى في حق كل واحد منهما صورةُ عقد، ولم يوجد من
جهتها امتناع ولا صفة ذاتية يعزى إليها الامتناع، ويستحيل أن نوجب نفقتين، وليس أحدهما أولى بالالتزام من الثاني، فلا وجه إلا فضُّ 1 النفقة عليهما.
هذا وجه.
ويجوز أن يقال: لا نفقة أصلاً؛ فإن كل [واحدٍ] 2 منهما يقول: إن نكحت وألزمتموني حكم نكاحي فمكّنوني من مستمتَع، ثم أَلْزموني النفقة، فإذا تعذر المستمتَع من كل وجه، فلا معنى لإيجاب النفقةَ.
والظاهرُ بعد هذه المباحثات الحكمُ بسقوط النفقة عن كل واحد منهما؛ فإن المرأة لا تستيقن استحقاق النفقة على واحد منهما، وكل واحد منهما ليس يستيقن وجوب النفقة عليه، والأصل براءة الذمة.
فإن قيل: قد جرى في حق كل واحد منهما صورة عقد، وهي موجبة النفقة على الجملة، فهذا ثابت في حقه، وطريان الشك من جهة عقد جرى مع آخر، ينبغي ألا يسقط حق النكاح عنه؟ فالجواب عن ذلك: أنه ليس من الإنصاف النظر إلى صورة العقد في كل واحد منهما، ولكن ينبغي أن يشمل النظر الواقعة بكمالها، ولا يكون العقد ملزماً مع عقد في مقابلته، هذه صورة الواقعة.
وهذا يناظر أصلاً سبق تمهيده؛ وهو أنا إذا فرّعنا على أن النجاسة وإن غلبت على الظن، فلا حكم لها ما لم تستيقن، فلو كان مع الرجل إناءان، أحدهما فيه ماء طاهر، والثاني فيه ماء نجس، وأشكل الطاهر منهما؛ فلو أفردنا استعمال إناء أخْذاً بأن هذا في نفسه غيرُ مستيقن النجاسة، لم يجز، ولكن يثبت الحكم من تقابل الإنائين، فصورة الواقعة إناء في مقابلة إناء، ويجوز أن يقال: إذا كان يثبت حكم النجاسة بسبب مقابلة نجس طاهراً، فينبغي أن يثبت حكم اللزوم بسبب مقابلة عقد صحيح عقداً فاسداً، ولكن هذا -على ما فيه من التخييل- فيه تلبيس؛ فإن المحكوم عليه شخص واحد، والإناءان محل الحكم، وهاهنا المحكوم عليه شخصان، كل واحد منهما متميز عن الثاني، فالوجه: إسقاط النفقة، ويترتب عليه أمر المهر، فالمرأة لا تعلم يقيناً استحقاق المهر على واحد منهما بعينه، وكل واحد منهما لا يعلم
أن المهر يلزمه، والواقعة مشكلة، والاعتراف بالإشكال واقع، ولا سبيل إلى التزام مهرين، ولا إلى قسمة مهر، والنشوز لا مدخل له في المسألة، فالوجه: أن واحداً منهما لا يطالَب بشيء، مع القطع بأن مهراً واحداً وجب على أحدهما.
فهذا ما لا ينقدح على قياس الأصول غيره.
ولا حاجة مع هذا إلى الاستشهاد بمسألة الطائر إذا طار، فقال زيد: إن كان هذا الطائر غراباً فامرأتي طالق، وقال عمرو: إن لم يكن غراباً فامرأتي طالق، فلا نحكم بوقوع الطلاق، مع العلم بوقوعه في علم الله تعالى على زوجة أحدهما.
وإنما لم نؤثر الاستشهاد بهذه المسألة مع موافقة الحكم؛ لأن قول كل واحد منهما على صورة، لو استقلت وانفردت، لأوجبت المهر والنفقة، فهذا الفرق يقع بين المسألتين، والفقه المعتمد في نفي المهر والنفقة وراء ذلك، والأولى اعتماده والاكتفاء به.
وقد تم ركن واحد.
7932 - فأمّا الركن الثاني: وهو حريٌ بالاعتناء به - وهو القول في التداعي والتنازع، والذي قدمناه فيه إذا اعترف الجميع بالإشكال؛ فإذا كان يدّعي كل واحد من المتزوجَيْن أنه السابق؛ فأول ما تساهل الأصحاب فيه تحقيق القول فيمن توجه الدعوى عليه، وهذا سر الفصل ومنشأ الإشكال، وفيه اختبطت الطرق، ونحن نجري على طريقتنا في نقل ما ذكره الأصحاب، وذكر ما فهمناه من فحوى كلامهم، حتى إذا نجز، أتبعناه البحثَ وطلبَ التحقيق.
قال الشيخ أبو بكر الصيدلاني: إذا ادعى المتزوجان السبق، وكان كل واحد منهما يدعيه، ودار هذا التفاوض بينهما، ولم يعلّقا دعوييهما بالمرأة؛ فالقاضي يحلّفهما على ما سنصف كيفية التحليف.
صرح بهذا في مجموعه وفرّع عليه.
وقال غيره 1: إذا تفاوض المتزوجان ولم يعلّقا دعوييهما بمحل.
فلا يلتفت إليهما، ولا تسمع دعواهما؛ فإن وضع الدعوى في الشريعة يقتضي ارتباطاً
بالمستحَق عليه، ثم [يقدَّرُ] 1 من المستحق عليه إقرارٌ أو 2 إنكار، وتطّرد الخصومة على نظامها، وليس واحد من المتزوجين مدعياً استحقاقاً على صاحبه، وليس في يد واحد منهما ما يدعيه صاحبه، وهذا منقدح حسن على قياس الدعاوى وقواعد الأصول.
7933 - ثم استتم هؤلاء هذا المسلك، وقالوا: إن وقعت الدعوى [على] 3 المرأة، سمعت، كما سيأتي تفصيلها.
وإن وقعت الدعوى على الولي المزوِّج، نُظر: فإن لم يكن الولي مجبراً، لم تسمع الدعوى، وإن كان الولي مجبراً؛ ففي سماع الدعوى عليه وجهان: أحدهما - أنها لا تسمع؛ فإن الولي ليس مستحقاً عليه، وإنما المدعى عليه قولٌ 4، لو ثبت، لم يتعلق بالقائل استحقاق.
وهذا هو القياس.
ومنهم من قال: تسمع الدعوى؛ فإن المدعى عليه لو أقر قُبل إقراره، إذ هو مجبِر، ومن يملك عقداً يملك الإقرار.
والغرض من عرض الأَيْمان تحصيل الإقرار؛ فإن ذا الدِّين قد يرعوي عن اليمين، ولا يُقدم على اليمين الكاذبة.
فإذا كان المجبِر مقبول الإقرار، ونحن نرعى أن نحمله على الإقرار بسبب التحليف، ساغ تحليفه.
وهذا الاختلاف لا يختص بمسألتنا في فرض عقدين، ولكن من ادعى على إنسان أنه زوّج ابنته البكر، ففي سماع الدعوى الخلاف الذي ذكرناه.
فهذا ما ذكره الأصحاب.
7934 - ونحن نقول: طريقة الصيدلاني بعيدة عن قياس الأصول.
والذي أراه فيها أنهما إذا كان كل واحد منهما يدعي على المرأة ويعتقد ذلك، وكان الرجوع إليه ممكناً، فلا يسوغ لذي تحصيل، أن يقدر هاهنا تفاوضاً وتحالفاً من غير مراجعة.
فأما إذا اعترفا بأن الأمر مشكل عليها، فلا يتأتى منهما ربط دعوَيْهما بها، فإذا تفاوضا بينهما قُدِّرت المرأةُ كالشيء المدعى الذي لا يقر ولا ينكر، ففي هذا المقام قد يتعلق فكر الفقيه بالتحليف.
وإن كانت اليد لا تثبت لواحد منهما عليها، ولكنهما إذا ارتفعا إلى مجلس القاضي، واعترفا بالتباس الحال على المرأة، وادعى كل واحد منهما السبق، فلو لم يحلّفهما، لتعطل حقاهما.
فهذا في الصورة التي ذكرناها محتمل.
يجوز أن يقال: يحلفهما القاضي، ويجوز أن يقال: لا يحلفهما، فإنه لا مرتبط لدعوييهما بمن يجب ربط الدعوى به، فهذا هو التحصيل في متعلق الدعوى، والله أعلم.
ثم إن جرينا على التحليف في الصورة التي ذكرناها؛ فإنه [يحلّفهما] 1، وينقدح في البداية 2 تخير القاضي والإقراع؛ إذ لا مزية لأحدهما على الثاني، فإن حلفا أو نكلا، فقد أشكل الأمر، وعاد التفصيل إلى ما ذكرناه من اعترافهم بالإشكال.
وإن حلف أحدهما ونكل الثاني، قضينا للحالف بالزوجية.
هذا تفريع تحليفهما إذا لم يعلِّقا دعوييهما بالمرأة [وعلمها] 3 بالسبق.
7935 - فأما إذا علقا دعوييهما بالمرأة وادعى كل واحد منهما علمها؛ فللدعوى صيغتان: إحداهما - أن يتعرضا للعقد، والعلم بالسبق فيه.
والثانية - ألا يتعرضا، ولكن يدّعي كل واحد منهما [عليها] 4 الزوجية المطلقة.
فأمّا إذا ادّعى كل واحد منهما علمَها بالعقد السابق، فهي لا تخلو: إما أن تقر إذا ادعى أحدهما، أو تنكر، فإن أقرت -وليقع التفريع على قبول إقرارها- فإذا أقرت لمن ادعى عليها ابتداء، نفد إقرارها، وحكم بأنها زوجة المقَرّ له.
وهل للثاني أن يحلفها؟ قال الأئمة: هذا يبتنى على أنها لو أقرت للثاني ورجعت
عن إقرارها للأول، فلا يقبل رجوعها، ولكنها هل تغرَم للثاني شيئاً أم لا؟ فعلى قولين، مبنيين على ما لو قال صاحب اليد في الدار: غصبت هذه الدار من فلان، لا بل من فلان، فالدار مسلّمة إلى الأول، وهل يغرَم للثاني قيمة الدار، بسبب انتسابه إلى إيقاع الحيلولة بين الثاني وبين الدار؟ فعلى قولين، تمهد ذكرهما تأسيساً وتفريعاً في كتاب الغصوب وغيره.
فإن قيل: لو شهد شهود على الطلاق المُبين ونفذ القضاء بشهادتهم، [ثم] 1 إنهم رجعوا عن شهادتهم، فما قولكم في تغريمهم؟ قلنا: نغرِّمهم، قولاً واحداً؛ فإن التفويت الذي حصل بسبب شهادتهم لا مستدرك له، وليس كذلك الإقرار بالغصب؛ فإن المقَرَّ له الأول يُتصوَّر أن يصدِّق المقَرَّ له الثاني، فيسلِّم الدار له، وقد يفرض قيام بينة على وفق مراد الثاني، فلما تُصوّر مستدركٌ؛ اختلف القول.
فإن قيل: لم ألحقتم الإقرار بالزوجية بصورة القولين؟ قلنا: لأن الأول يتصور أن يصدق الثاني.
فإن قيل: فلو اتفق ذلك، فلم تصدق المرأة؟ وقد سبق منها ما يدل على تحريمها على الثاني، فهلا قلتم: إن هذا بمثابة ما لو ادعت المرأة رضاعاً محرِّماً، ثم كذّبت نفسها، وأرادت أن تنكح من زعمت أنها محرَّمةٌ عليه، فإن ذلك لا يقبل منها؟ قلنا: إذا ذكرت رضاعاً، فقد أقرت بحرمة ثابتة، والإنكار [والإقرار] 2 في مسألتنا يتواردان على كل ممكن.
فإذا أقرت بعد الإنكار، سمع ذلك منها.
ولو ادعى رجل زوجية امرأة، فأنكرت، ثم أقرت، سمع إقرارها [مع أنها] 3 نفت حِلاًّ، ثم اعترفت به.
وكانت كمن ينكر حقاً، ثم يعترف به.
وستأتي أمثال ذلك مشروحة، إن شاء الله عز وجل.
وإن حكمنا بأنها تغرم للثاني لو أقرت [له] 4، ففي المقدار الذي تغرمه قولان،
وترتيب مذهب.
والقول الوجيز الكافي هاهنا؛ أن مقدار ما تغرمه هاهنا، كمقدار ما نغرِّمه للشهود على الطلاق، إذا رجعوا بعد نفوذ القضاء.
7936 - ونعود إلى غرضنا فنقول: إن قلنا: إنها لا تغرم للثاني لو أقرت له، فلا نحلفها للثاني، لأنه لا يستفيد بتحليفها، لا زوجية ولا غيرها، ولا معنى للتحليف الذي لا يفيد.
وإن قلنا: إنها تغرم 1 للثاني؛ فله أن يحلِّفوها رجاء أن تقر أو [تنكل] 2 عن اليمين، فتردّ اليمين على الثاني، ويستحق عليها غرماً.
فإن قلنا: الثاني يحلِّفها، فلا يخلو؛ إما أن تحلف أو تنكل عن اليمين، فإن حلفت، انفصلت الخصومة، وثبتت الزوجية للأول، وانقطعت خصومة الثاني، وإن نكلت عن اليمين، ردت اليمين على الثاني، فإن نكل عن اليمين، كان نكوله بمثابة حلفها.
وإن حلف يمين الرد؛ فقد حكى الصيدلاني قولين في نكاح الأول، هل ينفسخ ويثبت للثاني، أم لا ينفسخ، ولكنها تغرم للثاني؟ أحدهما -وهو محكي عن القديم- أن نكاح الأول ينفسخ، ويثبت النكاح في حق الثاني.
والقول الثاني - مخرج على القياس الجديد، وليس منصوصاً عليه، وهو أن النكاح لا ينفسخ أصلاً، ولكن فائدة يمين الرد، ثبوت الغرم.
ثم بنى أصحابنا هذين القولين، على أن يمين الرد كالبيّنة أو كالإقرار؛ قالوا: إن جعلناها كالبينة، ارتفع النكاح الأول، وثبت الثاني، كما لو قامت بينة على موافقة دعوى الثاني.
وإن قلنا: يمين الرد كالإقرار، فلو أقرت للثاني، لم يفد إقرارها ارتفاعَ النكاح الأول، ولكنه يفيد تغريمها.
قال الشيخ أبو بكر 3: الصحيح ما خُرّج في الجديد؛ لأنا وإن جعلنا يمين الرد
كالبينة؛ فذاك في حق الناكلِ والحالفِ لا يعدوهما، فأما تنزيل يمين الرد منزلة البينة في حق ثالث سواهما، فلا سبيل إليه.
وتحقيق ذلك: أن الثاني لا يحلف يمين الرد إلا بسبب نكولها عن اليمين، فلو قضينا بيمين الرد على المقر له 1، لكان ذلك قضاء عليه بسبب قول المقرة؛ فإن عماد يمين الرد نكولها، ولا نأمن أن تواطئه، فيحلف وتنكل، ولا يلزمها من النكول شيء، فيحلف الثاني، وتثبت له الزوجية.
وإن ثبتت الزوجية للثاني أن يقول 2: اليمين حجة في الخصومة، والخصومة واحدة، والمتنازع زوجية واحدة، فلا يمتنع أن تكون يمين أحد الخصمين أولى وأقوى من إقرار المدعى عليه لأحدهما.
فهذا منتهى ما ذكره الأصحاب.
وهو متجه حسن.
والذي [يردّده] 3 الأئمة من ذكر انفساخ النكاح الأول، كلام متجوَّزٌ به.
ومعناه: أنا نتبين أن النكاح الأول منتف من أصله، وأن الصحيح هو النكاح الثاني.
7937 - والذي ينقدح في تتمة هذا الكلام؛ أنا إذا فرعنا على القديم، وحكمنا بأن النكاح في حق الأول ينتفي، ويثبت في حق الثاني، فلا يمتنع أن نقول: إنها تحلّف في حق الثاني، وإن قلنا: لا غرم عليها؛ فإنا نبغي بالتحليف فائدةَ ثبوت 4 النكاح في حق الثاني إذا كان ممكناً، فهو أظهر في الفائدة من تقدير غرم، وكأن إقرارها الأول لا يستقر ما لم تحلف للثاني؛ فإن يمين الثاني أقوى من إقرارها للأول.
وإنما يتجرد الإقرار نافعاً إذا لم يزدحم عليها خصمان، وقد جرى في حق كل واحد منهما عقد، هذا منتهى الكلام.
ثم قال الأئمة: إن كان الدعوى عليها في العقد والسبقِ فيه، فلا تنتظم الدعوى
ما لم تربط بعلمها، وهذا جار على قياس ممهد، وهو أنها [لا] 1 تتعرض -لو أنكرت العلم- لنفي فعل الغير، ولا يتأتى نفي فعل الغير بتّاً، وإنما الممكن منه نفي العلم به.
وهذا بيِّنٌ وكل ما ذكرناه إذا أقرت للأول.
فأما إذا أنكرت العلم في حق الأول، فتحلف؛ فإن حلفت، انفصلت بالخصومة مع الأول.
ثم إذا قالت في يمينها: "بالله لا أعلم السابق بالعقد، ولا علم لي بتاريخ العقدين".
فإذا جاء الثاني، وأراد أن يحلفها مرة أخرى، نُظر: فإن حضرا مجلس الحكم، ووقع تراضيهما على أن يحلفها أحدهما، فتعرضت في يمينها لنفي علمها بتاريخ العقدين، كفى ذلك؛ فلا تحلف مرة أخرى، ثم يؤول الأمر إليهما، وقد سبق الكلام في أنهما يتحالفان، وكيف السبيل في تحالفهما.
والذي نجدده أنا ذكرنا تردد الطرق في أن الرجلين لو تفاوضا بينهما ولم يعلقا دعوييهما بالمرأة، وأرادا أن يتحالفا؛ فهل يسوغ ذلك؟ وإذا علقا دعوييهما في الصورة التي انتهينا إليها بالمرأة، ثم حلفت، فيظهر في هذه الصورة أن يتحالفا بينهما؛ من جهة أن تحالفهما يقع بعد ارتباط الدعوى بالمرأة، والذي كنا نذكره أن يبتديا بالتحالف من غير تعرض لها، وفي كلام بعض الأئمة إشارة إلى أنها إذا حلفت، [ونفت] 2 علمها؛ فالرجلان لا يتحالفان، وقد أفضى الأمر إلى الإشكال.
وهذا زلل 3 عندي؛ فإن الحكم بانفصال الخصومة بمجرد يمينها لا معنى له، وقد قامت الخصومة أولاً معها، ولم تنكر جريان أحد العقدين على الصحة، فلا وجه لقطع تعلقهما بأيمان الإثبات بسبب حلفها على نفي العلم، هذا كلام فيه إذا اجتمعا، ورضيا بأن تحلف يميناً واحدة.
فأما إذا حضر أحدهما، وادعى علمها، فحلفت، ثم حضر الثاني، وأراد أن يحلفها في حق نفسه مرة أخرى؛ فإن حكمه متميز عن حكم الأول، ويتصور أن يرضى
أحدهما بالمتاركة والإعراض، ويريد الثاني الرفع إلى القضاء، وهذا يجري في كل خصمين يدعيان على شخص شيئاًً.
ومن أصحابنا من قال: إذا حلفت أولاً - على أنه لا علم لها بتاريخ العقدين، فالذي مضى كافٍ، وليس للثاني أن يحلفها مرة أخرى؛ فإن الخصمين وإن تعددا فالواقعة لها حكم الاتحاد ونفيها علمها يشمل [العقدين] 1 والخصمين جميعاً، فلا معنى لتكرير التحليف.
والذي يحقق ذلك: أنها لو حلفت في حق الثاني، لكان يمينها مع الثاني على صيغة يمينها مع الأول.
هذا إذا حلفت مع الأول.
فأما إذا نكلت لمَّا حلفها الأول؛ فالوجه أن يحلِف من يدعي عليها، ثم لا بد وأن يحلف أنه السابق بالعقد.
والذي ذهب إليه المحقون: أن ذلك يكفيه، ولا حاجة إلى التعرض لإثبات علمها بذلك؛ فإنه إنما ربط دعواه بعلمها أولاً؛ من جهة أنه لا يتأتى تحليفها إلا على هذا الوجه، فكانت اليمين على صيغة الدعوى، والدعوى على موافقة اليمين، فإذا نكلت وانتهت الخصومة إلى تحليف المدعي يمين الرد، فينبغي أن يتعرض في يمينه لإثبات مقصوده.
ويتصل بهذا الطرف: أنهما لو كانا حاضرين، ووقع الرضا بأن تحلف لهما يميناً واحدة على نفي الدراية والعلم؛ فإذا نكلت، عاد الكلام في تحالفهما إلى ما ذكرناه فيه إذا حلفت.
فإن قيل: قد استوى أثر حلفها ونكولها؛ فإنهما في الصورتين يتحالفان؟ قلنا: نعم هو كذلك؛ فإن الأمر لا ينفصل بجهلها وإنما الغرض بربط الدعوى بها، توقع إقرارها لأحدهما، فإذا لم تقر، وأصرت على عدم العلم، رجع الكلام إلى تحالفهما لا محالة.
ولو أنها - لما ادعى أحدهما عليها العلم بالسبق، صرحت بالإنكار، وقالت للمبتدي منهما: لستَ السابق بالعقد؛ فهذا يكون إقرار للثاني بالسبق لا محالة 2،
فيعود الترتيب إلى إقرارها لأحدهما، وقد سبق في ذلك قول كاف.
وكل ما ذكرناه فيها إذا توجهت الدعوى متعلقة بما جرى من العقد، وترتب عليه التعرض لنفي العلم، كما تقدم.
7938 - فأما إذا ادعى كل واحد منهما عليها زوجية مطلقة، دعوى باتّة، فهذا القسم يستدعي تقديم أصل، وهو: أن من يدعي عقد نكاح على امرأة؛ فقد اختلف قول الشافعي في أنه هل يجب على المدعي تفصيل الدعوى، وذكر الشرائط المرعية في صحة العقد؟ [وسيأتي بيان ما يجب فيه تفصيل الدعوى وما يجوز إطلاق الدعوى فيه] 1، وقدرُ غرضنا الآن إشارة إلى الخلاف.
ولو لم يتعرض المدعي للعقد ولكنه ادعى على المرأة أنها زوجته؛ فقد اختلف أئمتنا في ذلك: فقطع بعضهم بأن الدعوى مسموعة مطلقة على هذه الصيغة، ولا نكلف المدعي ذكر [الزوجية] 2 وتفصيلها واستقصاء شرائط الصحة.
وذهب آخرون إلى أن المدعي يُكلَّف إسنادَ الزوجية التي يدعيها إلى عقد، ثم يؤمر -على أحد القولين- بذكر شرائط الصحة، كما تقدم.
وقد ذكرنا في صدر الكتاب أن المرأة إذا أقرت بأنها زوجة فلان، فهل يقبل إقرارها مجملاً، أم لا بد من أن تذكر صفة العقد في إقرارها؟ فإن شرطنا في الإقرار التفصيل وذكر العقد، فإنا نشترط على حسب ذلك التفصيل في دعوى الزوجية مطلقة.
والمسألة مفروضة في الواقعة التي نحن فيها، فلا نكتفي من المرأة بأن تنفي علمها، بل عليها أن تجيب جواباً باتّاً.
ثم قال الأئمة: إذا كانت لا تدري، فلها أن تثبت قولها وتقول في جواب المدعي: "لست زوجتك"، ثم لها أن تحلف على حسب ذلك.
وهذا من لطائف أحكام الدعوى؛ فإن الشرع يسوّغ القطع والبتّ في الجواب ممن لا يدري حقيقة الحال، والضابط في هذا الجنس: أنه إذا أمكن ربط الدعوى متعلقة بعلم المرأة،
فغيّر المدعي صيغة الدعوى وجزمها، وأتى بها مطلقة، فتغيير المدعي صيغةَ الدعوى من ادعاء العلم إلى الجزم لا يغير حكمها.
وهذا يناظر ما لو ادعى الرجل على وارث: أن مورّثك أتلف على مالاً، وعليك أن تغرم قيمته من التركة، فيحلف الوارث أنه لا يعلم أن أباه أتلف عليه، فإن لم يتعرض المدعي لذلك، وادعى على الوارث أنه يلزمه تسليم ألف من التركة إليه، فللوارث أن يحلف على البتّ؛ لا يلزمه تسليمُ ما يدعيه إليه.
وإن فرعنا على أن دعوى الزوجية لا تسمع مطلقة، فإذا أسندت إلى عقد، فيعود التفريع إلى أنه لا بد من دعوى علمها، وقد مضى القول في ذلك مفصلاً، وبان ما يفضي إليه الخصام آخراً.
وهذا نجاز الفصل، فإن نحن لم نذكر بعض الصور، فهو لدلالة ما ذكرناه عليه.
والله المستعان.
فصل
قال: "ولو زوجها الولي من نفسه بأمرها، لم يجز ... إلى آخره" 1.
إذا أراد الولي أن يتزوج وليته، وذلك يفرض في بني الأعمام من القرابة، وفي المعتِق والمعتَقة؛ فمذهبنا: أنه إذا أراد ذلك، ورضيت المرأة به زوجاً، فليس له أن يتولى طرفي العقد، فيزوّجها ويتزوجها.
ولو وكل وكيلاً بتزويجها منه، فرام بذلك تصوير الإيجاب والقبول بين شخصين، أحدهما وكيله، والثاني هو؛ فهذا لا يسوغ عندنا أيضاً؛ فإن عبارة وكيله بمثابة عبارته، وعبارة الوكيل مستعادة في حق الموكِّل، فلا فرق بين أن يأتي هو بالعبارتين، وبين أن يفوّض لفظ الإيجاب إلى وكيله، فلا وجه إذا أراد التزوج؛ إلا أحد أمرين - أن يكون في درجته ولي إن كانت المسألة مفروضة في تزويج القرابات، أو في ورثة المعتقين، فيزوجها الولي الذي في درجته.
هذا وجه.
والثاني في الإمكان -إن لم يكن في درجته ولي- أن يرفع الأمر إلى السلطان؛ حتى يزوجها منه.
وهذا من منازل ولاية السلطان.
قال أبو حنيفة 1: للولي أن يتولى طرفي العقد.
ثم له ولأصحابه تردد يتعلق بمقتضى الألفاظ.
قال أبو حنيفة: إذا قالت المرأة: "زوجني"، فله أن يتزوجها وإن لم تصرح في إذنها بذلك.
وقال بعض أصحابه: لا يزوجها من نفسه ما لم تقل "تزوجني" أو "زوجني من نفسك".
وإذا جوّزنا التوكيل بالتزويج على ما مضى، فلو أذن الولي والمرأة للوكيل حتى يتزوجها ويزوجها من نفسه، فهذا ممتنع عندنا؛ فإن التزويج إذا كان يقع من الولي، فهو أقوى، فإذا امتنع تولي الطرفين من الولي، فلأن يمتنع من [الوكيل] 2 أولى.
ومعتمد المذهب، الذي عليه مدار التفاصيل: أن وضع العقد على أن يتعلق بالإيجاب والقبول، وهما تخاطبٌ بين شخصين، وتولّي الرجل طرفي العقد في حكم مخاطبته لنفسه، وهذا غير منتظم.
7939 - ولكن استثنى الشرع من ذلك تصرف الأب في مال الطفل؛ فيجوز للأب أن يبيع مال نفسه من طفله، ويقبل العقد له، ويجوز أن يبيع مال الطفل من نفسه، ويجوز أن يبيع مال الطفل من طفل آخر له، ويقبل العقد، فهذا مسوَّغٌ لكمال شفقته، والحاجة أيضاًً قد تمس إلى ذلك، ويعسر حمل الأب على مراجعة الوالي فيما يجِلّ ويدِقّ من تصرفات الأموال؛ فاقتضى مجموعُ ذلك اختصاصَ الأب لما ذكرناه، والإجماع يغني عن تكلف ما ذكرناه.
والجد أبو الأب عند عدم الأب ينزّل منزلة الأب فيما ذكرناه.
ثم اختلف أصحابنا في أن [الأب أو الجد إذا أراد] 3 أن يتولى العقد على -ما وصفناه- فهل عليه أن يأتي بشقّي العَقد، أم يكفيه الإتيان بأحدهما - بأن يقول: "اشتريت هذا من مال طفلي"، أو "بعت هذا من طفلي"؟ فمنهم من قال: لا بد
من الإتيان بالعبارتين؛ فإنهما صورة، فلا يسوغ تغييرها.
وإنما يختص الأب بأنه يتولاهما معاً.
فأما إسقاط أحد الشقين؛ فإنه تغيير صيغة العقد بالكلية.
ومن أصحابنا من قال: يكفيه الإتيان بأحد الشقين.
ووجه ذلك أن قول القائل: "بعت" من جهة الصيغة مستقل بنقل الملك، وقول القائل "اشتريت" مستقل في فحواه بإفادة التملك، وإنما شرطنا لفظين بين المتعاقدين؛ من جهة أن أحدهما لا يقدر على [إلزام] 1 الثاني ما يريده، فأقام الشرع تخاطبهما مشعراً بتراضيهما على موجب العقد.
فإذا كان الأب يستقل بنفسه في إيقاع العقد؛ فإيجابه قبول، وابتياعه بيع.
ويجوز أن يعترض على هذا، فيقال: لو صح هذا؛ للزم أن يقال: إذا قال الطالب لمالك المتاع: "رضيت بأن تبيع مني".
فقال: "بعت"، وجب أن يكفي ذلك، وإن لم توجد صورة القبول، وينقدح في الجواب عنه؛ أنا على هذا بنينا صحة العقد بالاستدعاء والإسعاف على قول، فإذا قال الطالب: "بع مني عبدك هذا بألف" فقال: "بعت" ففيه الخلاف المعروف، وسيأتي مشروحاً في باب ألفاظ النكاح، فإن جعلنا الاستدعاء والإسعاف عقداً، فقوله: "رضيت بأن تبيع مني" لا يبعد أن يكون كقوله: "بع مني".
وسنذكر هذا وأمثاله من بعدُ، إن شاء الله تعالى.
7940 - فإذا تمهّد هذا؛ قلنا بعده: إذا أراد الولي أن يتزوج امرأة، نُظر: فإن لم يكن الإمامَ الأعظم، فلا سبيل أن يتولى الطرفين، ولكن إن لم يكن للمرأة ولي خاص، يرفع أمره إلى والٍ آخر يملك التزويج.
وإن أراد الإمام الأعظم أن يتزوج امرأة بحكم الولاية، فهل له أن يتولى طرفي العقد؟
فعلى وجهين مشهورين: أحدهما -وهو القياس- أنه ليس له ذلك؛ فإن ولايته ليست على رتبة ولاية الأب، وكذلك لا يملك الإجبار إلا في محل الضرورة، كما ذكرناه فى المجنونة، بل ولايته مؤخرةٌ عن ولاية عصبات النسب الذين يقعون حاشيةً منه.
والوجه الثاني - أنه يملك تولي الطرفين؛ من جهة أنه والي الولاة.
والناس قاطبة رعيته، من يلي منهم ومن يُولَى، وليس فوقه منصب حتى يفرض فيه وال، ويُقدر هو
مَوْليًّا عليه، وليس كذلك الولاة الذين هم دونه؛ فإن فوق كل واحد منهم والٍ، والإمام والي الجميع، وإليه المنتهى.
فإن قيل: إذا أراد قاضٍ من القضاة أن يتزوج، فكيف سبيله؟ قلنا: لا يكفي أن يوكّل وكيلاً؛ فإن عبارة وكيله بمثابة عبارته، ولكن إن لم يكن في القطر حاكم غيره؛ فالوجه: أن ينصب حاكماً في ذلك.
ثم القول في أن الحاكم؛ هل يجوز أن يكون محكّماً في عقد خاص، أم يجب تفويض نوع إليه؟ يأتي مستقصى في أدب القضاء، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: هلا أوجبتم عليه رفع الأمر إلى من فوقه، على القياس الذي أشرتم إليه في [الوالي] 1 الأعظم؟ قلنا: إذا نصب الحاكم حاكماً، فليس ذلك الحاكم منصوبه، وإنما هو منصوب الإمام الذي فوَّض إليه أن يلي ويولِّي.
وإذا كان كذلك؛ فذلك المولَّى منصبه أعلى في الواقعة التي فيها الحاجة؛ فإنه محتكم.
وليس كذلك الإمام؛ فإنه إذا نصب حاكماً، كان ذلك الحاكم مستنداً إليه.
وهذا غير سديد؛ فإنا لم نختلف في أن الإمام يرفعه آحاد الناس إلى الحكام، ويقيمون عليه البينة، ويحلّفونه.
وقد دُفع عليٌّ إلى مجلس شريح القاضي، فقضى شريح على علي.
فقال علي: قضيت عليّ أيها العبد!
وينقدح أن يقال: إذا ولّى الإمام شخصاً، وكان المسلمون ولَّوْه، فإنه مُولَّى من جهتهم، فمولاه مولَّى من جهتهم أيضاًً.
وليس يتجه التعلق بإعتاق رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية ونكاحه إياها؛ من جهة أن خصائصه غالبة في المناكح، وقد لا نرى التعلق بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تظهر فيه خصائصه.
7941 - والجد لو أراد أن يزوج بنت ابنه من ابن ابن له في أسلوب آخر، وكانا يقعان أولاد عمومة، والجد بينهما، فهل يتولى طرفي النكاح؟ فيه وجهان مشهوران.
أحدهما - أنه يتولى الطرفين كما يتولاهما؛ من جهة أن النكاح مخصوص بتعبد شرعي في ألفاظه، ولهذا لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج عندنا.
فكما
يجب اتباع اللفظ في ذلك دون [المعنى] 1، فكذلك يجب اتباع صورة العقد، وصورة العقد تستدعي لفظين في الإيجاب والقبول.
فإن قلنا: الجد لا يتولى الطرفين، فلو وكّل وكيلاً في أحد الطرفين؛ فعلى وجهين.
ذكرهما الشيخ أبو علي في شرح التلخيص؛ أحدهما - أن ذلك لا يكفي.
فإن عبارة الوكيل عبارة الموكّل، كما مهدناه، فليرفع الأمر إلى الوالي حتى يتولى طرفاً، ويتولى هو طرفاً آخر.
ثم يتفرع على ذلك أمر بديع؛ وهو: أن السلطان يتولى طرف التزويج، أو طرف التزوج، أو يتخير، أو الأمر موقوف على ما يفوِّض إليه، ويستدعي منه؟ يحتمل أن يقال: الأمر إلى السلطان في تولّي أي طرف شاء، ويحتمل أن يفعل ما يستدعَى منه، ولا ينقدح تعيين [شيء] 2 بمسلك من المسالك.
واللائق بمراعاة منصب الولاة التفويض؛ فإن الأمر لا يختلف والاحتكام على الوالي لا وجه له.
هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني - أن للجد أن يوكّل في أحد الطرفين؛ فإن الولاية تامة لا قصور فيها، وإنما منعنا التولي لتعبد راجع إلى صورة اللفظ.
وهذا يحصل بتعدد العبارة من جهة الجد والوكيل، وهذا لطيف حسن.
وإن قلنا: الجد يتولى طرفي العقد، فقد ذكرنا خلافاً في أن الأب أو الجد إذا كان يتولى طرفي عقد من عقود الأموال، فهل يأتي بشقّي العقد، أم يكفيه أحدهما؟ فإذا فرض القول في النكاح، ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من قال: فيه وجهان كالوجهين في عقد المال.
ومنهم من قال: يقطع هاهنا بوجوب الإتيان بالعبارتين، لما حققناه من التعبد الراجع إلى لفظ النكاح.
7942 - ولو وكل خاطب المرأة وكيلاً في التزوج، فوكّله ولي المرأة في التزويج، فصار موكّلاً من الجانبين، فهل يجوز ذلك، حتى يتولى طرفي النكاح بحكم التوكيل من الجانبين؟
في بعض التصانيف في ذلك وجهان: أحدهما - أنه لا يجوز، وهو الظاهر؛ فإنما يحتمل مثل ذلك من وليٍّ تشمل ولايته الشقين جميعاً، كما ذكرناه في الجد والحافدين، والوكالة ضعيفة.
وهذا ما كان يقطع به شيخي.
والوجه الثاني - أن ذلك يصح، كما نص الشافعي عليه في التوكيل في الخلع؛ فإنه جوّز أن يكون الشخص الواحد وكيلاً من جهة الزوج في المخالعة، ومن جهة الزوجة في الاختلاع، على ما سيأتي ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وهذا الوجه في نهاية الضعف.
والذي يُهوِّن الأمرَ في رده قليلاً؛ أن شِق القبول في الوكالة [ضعيف] 1. وهو سفارة محضة، وكأنه يكتفى فيه بإخبار وإعراب عن حقيقة حال، فلا يكون الوكيل مخاطباً نفسه في التزويج، وإنما المحذور في قاعدة الفصل أن يكون الرجل [خاطِباً] 2 مجيباً.
وعلى هذا يمتنع التوكيل في جانب البيع والشراء جميعاً، فإنه لو سوغّ، لكان الوكيل ملزماً نفسه ملتزماً، وذلك غير منتظم.
وأبو حنيفة وإن جوّز أن يتولى الوكيل في النكاح الطرفين، لم يجوز هذا في البيع.
وقد يعترض للفقيه شيء من مسألة التوكيل في الخلع، وإذا انتهينا إلى تلك المسألة، أعدنا وكالة البيع، إن شاء الله عز وجل.
فصل
قال: "ويزوج الأب أو الجد البنت التي قد أيس من عقلها؛ لأن لها فيه عفافاً ... إلى آخره" 3.
7943 - وقد قدمنا في مراتب تصرف الولاة قولاً بالغاً في تزويج المجنونة، ونذكر في هذا الفصل تمامَ الغرض مشروحاً؛ فإن الذي تقدم في حكم التوطئة والتمهيد، والتفاصيل أحلناها على المسائل، فالوجه أن نذكر في تزويج المجنونة صوراً، ونوضح في كل صورة ما يليق بها.
فنقول: نفرض أولاً بنتاً مجنونة بلغت على الجنون، قال الأصحاب: إذا كان لها أبٌ أو جدٌّ، انفرد بتزويجها، ولم يراجع السلطان 1، وهذا التفصيل 2 فيه نظر على المتأمل؛ وذلك أن الأب في حق الثيب العاقلة بمثابة الأخ؛ فإنه لا يجبرها، كما لا يجبرها الأخ.
ثم إذا فرض الجنون، وجب ألا يختلف أمر النكاح والتزويج، ويكون الأخ والأب بمثابة واحدة، ومساق هذا يوجب أن يراجع السلطان كما يراجع الأخ السلطان، كما تقدم تفصيل ذلك، وظاهر النص يدل على أن الأب ينفرد بتزويج المجنونة إذا بلغت كذلك، من غير فرق بين أن تكون بكراً أو ثيباً، ولفظه في المختصر: "وسواء كانت بكراً أو ثيباً"، ولا خلاف أن الأب يكون أولى بمالها إذا بلغت مجنونة، ولا أثر للثيابة والبكارة في ولاية المال، وظهر اختلاف الأصحاب فيه إذا بلغت عاقلة ثم جنت، فمن أصحابنا من قال: ولاية المال للأب 3. ومنهم من أثبتها للسلطان.
وحاصل المذهب بعد هذا التنبيه: أن المجنونة البالغة إذا لم يكن لها أبٌ أو جدٌّ، فحكم تزويجها بين السلطان والأخ على ما مضى من غير مزيد.
وإن كان لها أب، نُظر: فإن بلغت مجنونة، تفصل الأمر، وانقسم إلى كونها بكراً أو ثيباً، فإن كانت بكراً، فلا يخفى أن الأب يتولى تزويجها؛ فإنه يزوجها وهي عاقلة إذا كانت بكراً إجباراً وقهراً، فكيف يخفى تزويجه إياها وهي مجنونة؟ وإن كانت ثيباً، وقد بلغت على الجنون؛ فظاهر النص أن الأب أولى، والتفويض إليه، وليس [عليه] 4 مراجعة السلطان.
وذهب طوائف من محققينا إلى أن الأب في هذا المقام كالأخ، وهذا ما اختاره
الصيدلاني.
ووجهه: ما ذكرناه من أن الأب والأخ بمثابة واحدة في تزويج الثيب.
وآية ذلك: أن الأب لا يزوج الثيب الصغيرة، صهان كان يلي مالها - كما [لا] 1 يزوجها أخوها.
فالأب في التزويج يتميز عن الاخ في حق الأبكار فحسب، هذا وجه هذه الطريقة.
ومن تمسك بالنص؛ احتج بفقه أعْوَص مما ذكرناه، وهو: أن تزويج المجنونة البالغة ممكن، أو واجب إذا مست الحاجةُ إليه، ونحن إنما نُدير التزويج في حق المجنونة بين الأخ والسلطان، لقصور شفقة الأخ، وامتناع الطلب من المجنونة.
ولا بد في الولاية القهرية من شفقة كاملة تستحث صاحبَها على طلب الغبطة والنظرِ؛ فإذا صادفنا الأبَ، فشفقته كاملة، وتزويج البالغة العاقلة يُبعد أن يُراجَع في تزويج المجنونة.
ومن لطيف الكلام في هذا المنتهى، أن الأئمة قالوا: إذا بلغت عاقلة ثم جُنت، ففي عود ولاية الأب على [المال] 2 خلاف.
ويظهر مما ذكرناه إجراء عود ولاية الأب على المال؛ فإنه أولى من غيره.
ثم إن قلنا: ولاية المال للسلطان، فيظهر عندنا أن نقول: الأب ينفرد بالتزويج، لما نبهنا عليه من انفراده بتزويج البكر البالغة العاقلة، وإن كان ولاية المال إليها.
وعلى الجملة نظر السلطان قاصر في التزويج، والولاية لا تُفضي إليه إلا عند انقطاع الجهات كلها، أو قيام الحاجة الحاقّة، النازلة منزلة الضرورة؛ ولهذا - لم يملك السلطان تزويج الصغيرة البكر، والأب يملكه، نظراً واستصلاحاً.
هذا منتهى القول في ذلك.
7944 - ونحن نبتدىء الآن أمراً مهماً، يجب الاعتناء به، ولا يُلفى مجموعاً للأصحاب، ولكني لقطته من كلامهم صريحاً وفحوى، وقواعد المذهب إنما تغمض على طالبيها بتفرق الكلام في أمثال ما سنذكره الآن، إن شاء الله عز وجل.
فليعلم الطالب أن النكاح تعلق بسببين: أحدهما - النظر في الأصلح، من غير اعتبار حاجة.
والثاني - الحاجة الحاقة، فنذكر لكل قسم مثالاً، ثم نلحق به مواقع [اللبس] 1.
فالأب يزوج الصغيرة البكر استصلاحاً، من غير حاجة حاقّة، وكذلك يزوج البكر البالغة، وهي راغمة مبديةً إباءها وسخطها.
ويزوج من ابنه الطفل استصلاحاً ونظراً، وإن لم تتحقق حاجة حاقّة إلى التمتع في حالة الصغر.
وبناءُ الأمر على أن الحاجة وإن لم تكن، فالأب يتوقع كونها عند البلوغ، ويرى رأيه في الحال والاستقبال، ويرى له نظره لنفسه، ولا يخصص تصرفه بما ينتجز، بل ينظر في مغبّات الأمور على حكم الاستصلاح هذا مثالٌ في قسم.
ومثال القسم الثاني: أن الابن البالغ المجنون الذي طبق الجنون عليه، لا يزوج منه أبوه، إلا لحاجة داعية إلى التزويج، ناجزة في الحال، وهي التشوف أو طلب الشفاء، على ما سنصفه، إن شاء الله تعالى.
والفرق أن الابن الصغير تمتُّعه استصواباً واستصلاحاً، مأمول عند بلوغه، فكان التزويج فيه مبنياً على ذلك، والابن البالغ المجنون لا منتهى لجنونه، والتزويج منه لا يقع موقع استصلاح، إلا إذا كان لدرء حاجة؛ على أن التزويج يلزمه مؤنة [دارَّةٌ] 2 وغرماً في المهر متنجزاً؛ فكان هذا النوع من التزويج مبنياً على الحاجة.
7945 - فإذا تبين القسمان، ألحقنا بهما ما نريد، فنقول: أما المجنونة البالغة إن كان يزوجها الأب، لم يعتبر في تزويجها تحقق الحاجة، بل يزوجها للمصلحة، كما يزوج الصغيرة للمصلحة؛ فإن في تزويجها كفاية مؤونتها، وإعفافها عما يتوقع من تشوفٍ إن كان.
وأما تزويج السلطان للمجنونة؛ فقد تردد الأصحاب فيه: منهم من لم ير له تزويجها مع الأخ إلا للحاجة؛ فإن نظره يقصر عما يتعلق به نظر الشفيق الذي هو على
كمال الشفقة، ولذلك لم يل تزويج الصغيرة.
ومن أصحابنا من قال: يزوجها السلطان بما يزوج الأب به - وهو منهاج الاستصلاح.
ويبتني على هذه القواعد أمور، منها: أن الأصحاب اختلفوا في أن الأب هل يزوج الثيب الصغيرة المجنونة؟ وقد ذكرنا الآن التردد في تزويج الثيب المجنونة البالغة على الاستقلال، والسبب فيه أن الثيابة وإن كانت لا تَقْصُرُ شفقة الأب؛ فإنها تحط ولايته وتُثبت للمرأة استقلالاً، إن كانت بالغة عاقلة، وتثبت لها وجوب انتظار استقلالها إن كانت صغيرة؛ فمن هذه الجهة قَصُرَت ولاية الأب مع كمال شفقته.
وهذا يبتني على قاعدة مهدناها في الأساليب.
وهو: أن النكاح من الأمور [الجبلّية] 1 التي حقها أن يراجع فيها أصحاب الجبلات، فلا تُفوَّت حظوظهم [فيها] 2 عليهم؛ فإذا كانت الثيب مجنونة، فلا استقلال لها ولا منتهى يُرْبَط به توقع استقلالها.
وإذا كانت بالغة، فهي في مظنة الحاجة، وإن كانت صغيرة، فلا حاجة في الحالة الراهنة؛ فكان اختلاف الأصحاب في الثيب الصغيرة المجنونة لذلك.
وكنت أود لو استنبط مستنبط من الخلاف في تزويج الأب الثيب الصغيرة المجنونة خلافاً، في أنه هل يراعي حاجتها بعد البلوغ، ويزوجها للمصلحة؟ ولكن اتفق الأصحاب على أنه يزوجها للمصلحة.
فليتأمل الناظر هذه الغوائل.
7946 - ومما ينبني على قاعدة الحاجة والمصلحة؛ القول في عدد الزوجات.
قال الأصحاب: لا يزوج الأب من ابنه المجنون إلا زوجة واحدة، بناء على أن التزويج منه مبني على الحاجة، والحاجة [تنسدّ] 3 بواحدة، فليس من النظر له تكثير المؤن عليه مع الاكتفاء بالواحدة.
وظاهر المذهب أنه يزوج من ابنه الصغير المميز أربعاً 4، إن رأى ذلك صلاحاً؛ فإن التزويج من الصغير مبني على الصلاح، لا على الحاجة.
وأبعد بعض أصحابنا، فمنع الزيادة على الواحدة، اجتناباً من ثقل المؤنة.
7947 - والتزويج عند طلب السفيه؛ مما ظهر فيه الاختلاف بين الأصحاب.
فمنهم من راعى فيه الحاجة، كالمجنون البالغ؛ فإن السفه لا منتهى له يُرْقَب زواله، ومنهم من بنى التزويج على المصلحة؛ فإن من كانت له غريزة العقل، فيتوقع أن تحنكه التجارب ويرشد بعد الغي، وليس كذلك المجنون؛ فإن إفاقته بعيدة.
ثم قد يبتني على هذا الخلاف الزيادة على واحدة، ولكن السفيه يختص بأمر؛ وهو أنه لا يزوَّج ما لم يطلب، لما مهدناه في فصل المحجور.
وقد قال الشافعي: "لو كان السفيه مطلاقاً، لم أزوج منه، وملّكته جارية يتسراها، ثم لا ينفذ إعتاقها".
فهذا منتهى الفصل.
7948 - ونحن نختتمه بشيء، وهو أن الابن المجنون الصغير يجب أن يقطع بأنه لا يُزَوَّجُ منه؛ فإن التزويج من المجنون محمول على الحاجة، ولا حاجة في حق الصغير.
وقد ذكرت في التزويج من الابن الصغير وجهاً لبعض الأصحاب، فإني ضممتُ الثيب الصغيرة المجنونة إلى الابن الصغير المجنون، ونظمتُ فيهما ثلاثةَ أوجه، كما تقدم.
فلو كان على التزويج من الصغير المجنون معوّل، لاستنبطت منه أن التزويج من الابن البالغ المجنون مصلحة، ولكن لا أصل لذلك الوجه، وليس هو مما يعتد به، ولا يُلفى في الطرق إلا رمزاً.
ومن صرح به زيّفه.
ولا ينتفع [بأمثال] 1 هذا الفصل -مع ما فيه من تعارض الأصول الملْتَفَّة- من لم يأنس بكلامنا في مآخذ الشريعة، والله ولي التوفيق وتعميم النفع بهذا المجموع.
7949 - ونحن نختم هذا الفصل بأمر كلي، فنقول: إن علقنا التزويج بالحاجة، فإن كان لصاحب الحاجة عبارة؛ رجعنا إليها، كالسفيه، وإن لم تكن له عبارة، كالمجنون، فالنظر إلى مخايل تشوفه وتوقانه.
وإن كان التزويج مبنياً على المصلحة، فذاك مربوطٌ بنظر الناظر، فلو زوّج المحكَّمُ في المصلحة على خلاف المصلحة، فقد أساء، وفي نفوذ تصرفه كلام، سأذكره في تزويج الأب ابنته ممن لا يكافئها.
وقد نجزت المسائل بما فيها.
7950 - ثم إن المزني نقل فصولاً من كتبٍ لا تليق بهذا المجموع.
ولو أردنا تقريرها، لم نتمكن منه في غير مواضعها، فلست أرى الزيادة على تراجم الفصول.
فمما ذكره: أن أب المجنون لا يخالع زوجته، ولا يضرب لامرأته أجل العنين، ولا يختلع ابنته المجنونة، وذكر أن نفقة المجنونة تسقط إذا امتنع على الزوج وقاعها بسبب جنونها، وذكر قذف الزوج زوجته المجنونة، وانتفاءه من ولدها باللعان، وما ذكره أصول الكتب، فكيف نخوض فيها؟
فصل
قال: "وليس له أن يزوج ابنته الصغيرة عبداً ولا غير كفء ... إلى آخره" 1.
7951 - هذا من أصول المذهب، وفيه نشرح الكفاءة ومعناها، والصفاتِ المرعية فيها، والمحالّ [التي] 2 يجب رعاية الكفاءة فيها، فنقول، والله المستعان:
الكفاءة -على الجملة- تتعلق بمناقبَ وفضائل لا يأباها الدين، ثم الفضائل لا نهاية لها، واعتبارُ جميعها عسير، وليس معنا توقيف ناصّ على المعتبر منها دون ما لا يعتبر، فالوجه في ربطها تقريباً، أن نقول: الصفات المرعية ثلاثة أقسام: أحدها - يتعلق بالبرء عن العيوب التي تُثبت حقَّ فسخ النكاح، والحريةُ ملحقة بها، كما أن الرق ملحق بالعيوب.
والقسم الثاني - ما يجرّ شَيْناً، لو كان، وإن كان لا يتعلق به فسخ النكاح.
والقسم الثالث - ما يَشِين أصحابَ الفضائل على طريق النسبة والإضافة.
وبيان القسمين الآخرين بالمثال: أن الفسق يقدح في الكفاءة، وهو شيْن في حق الناس كافة، على اختلاف طبقاتهم.
ومثال القسم الثالث - النسب للقريب المتوسط؛ فإنه لا يعد شيناً، ولكن ذو النسب الرفيع يتعيّر بالاتصال بذي النسب الوضيع، فهذه القواعد الكلية.
ويجمعها تقسيم آخر أَوَّليّ، فنقول: هي منقسمة إلى ما يجر ضراراً أثبت مثلُه فسخاً، وإلى ما يجر عاراً وشناراً، [لا يأبى] 1 الشرع التوقِّي منه.
ثم عدّ الفقهاء الصفاتِ المرعية، فقالوا: إنها خمسٌ، وفي السادسة خلاف: البراءة من العيوب، والحرية، والنسب، والحرف الدنيئة ونقيضها، والصلاح في الدين.
واختلف الأصحاب في اليسار والغنى، فمنهم من اعتبره في الكفاءة - وهذا ضعيفٌ، لا أصل له، ومنهم من لا يعتبره 2. والصحيح عندنا تنزيل هذا الخلاف على المسكنة ومِلْكِ بلاغٍ.
[و] 3 لم يعتبر أحد من الأصحاب الجمالَ، ونقيضه في الكفاءة.
7952 - والمناقبُ والمثالب، والفضائل والرذائل، لا نهاية لها.
ولو أخذنا في اعتبار جميعها، لم ننته فيها إلى ضابطٍ؛ فالوجه النظر إلى ما قدمناه في التقاسيم.
ثم من أصول هذا الصنف؛ أن تكون مقتضية لحق الفسخ، وإن وُجِد معها من ضروب الفضائل ما وجد.
وهذا أصدق شاهد في أن [الانتقاص] 4 بها لا يجبره شيء من الفضائل.
وكذلك نقص الرق لا يقابله فضيلة.
وأما القول في النسب؛ فلا اعتبار فيه بما يعتدُّ به بنو الدنيا، وإنما شرف النسب
يثبت من ثلاث جهات: أحدها - الانتماء إلى شجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، [و] 1 الاعتزاء إلى أرومته.
والثانية - الانتماء إلى العلماء؛ فإنهم ورثة الأنبياء.
والثالثة - الانتساب إلى أهل الصلاح والتقوى.
واعتبارُ هذه الجهات الثلاث بشواهد الشرع وموجب العادات.
فأما الاعتزاء إلى القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا خفاء باعتباره، وعليه بنى أمير المؤمنين عمرُ ديوانه في المرتزقة.
والانتسابُ إلى العلماء يقرب من ذلك؛ فإنهم عصام الدين، وقوام الشريعة، وقد ربط الله عز وجل بهم حفظَ الملة، كما ربط بالأنبياء أصلها.
وأما الانتساب إلى الصالحين؛ فقد شهد له كتاب الله عز وجل، إذ قال عز من قائل في قصة موسى والخضر عليهما السلام: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82].
فأما الانتساب إلى عظماء الدنيا -وجماهيرُهم ظلمة استولَوْا على الرقاب- فهم يُعَظَّمون رغبة ورهبة، والشرع بائحٌ بحط مراتبهم في الدين، فلا تعويل إذاً على أنسابهم، وإن كانوا قد يتفاخرون بها.
7953 - وأما الحرف؛ فمنها الذي تدل ملابستُه على سقوط النفس، وحطيطةِ المروءة، والمعتبر في مثله العادات، ويختبر قدر الذي منها بملابسة القاذورات، وليس يحتمل هذا الموضع شرح ذلك، وسنستقصيه بما فيه كفاية، إن شاء الله عز وجل 2، ولا يمتنع أن تؤثر هذه الحرف في الأنساب؛ فإنها وإن كانت في الآباء، فهي تؤثر في أحساب الأبناء.
وإن قال قائل: لا خيار [ولا اختيار] 3 فيها للأولاد، قلنا: هذا يعم جميع
أبواب الأنساب، [وأولى] 1 الصفات بالاعتبار العيوب والتبري منها، وليس منها للمتصفين بها اختيار.
وممَّا راعيناه في الباب التقوى والصلاح، والمعتبر فيه ما يقتضي التفسيق وما لا يقتضيه، ثم يعتبر ذلك نسباً، ويعتبر اتصاف الشخص به في نفسه.
وإذا لم يكن تفسيق؛ فلا نظر إلى التفاضل في أسباب الصلاح؛ فإن سرها التقوى، ولا يطلع عليها إلا الله تعالى.
وقد تكلمنا في اليسار ووجه الخلاف فيه.
7954 - فإذا تمهدت هذه الأصول، رجعنا بعدها إلى الكلام في تقابلها، والنظر في جبران بعضها ببعض، فأما العيوب؛ فقد ذكرنا أنها لا تقابل بفضيلة، فلا يزوج الرجل ابنته ممن به أحد العيوب المثبتة [للخيار] 2، على ما سيأتي شرحها في بابها، إن شاء الله عز وجل، وإن كان الموصوف بشيء منها أكملَ البرية عقلاً وفضلاً ونبلاً ونسباً 3.
وكذلك لا يزوج ابنته من رقيق، وإن كان على فضائلَ جمة.
وأما شرف النسب؛ ففيه فضل نظر؛ إذ لا يعارض الانتسابُ إلى العلماء والصلحاء، الانتسابَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشجرته، والصالحون هم المرموقون بالصلاح المشهورون به، بحيث ينتصبون أعلاماً في التفرد ولا [يُنسَوْن] 4 إلى تناسخ الدهر، فهؤلاء هم الذين يشرفون بالاعتزاء لهم.
فأما الذين لا يبلغون هذا المبلغ، فلا تتأثر الأنساب بالانتماء إليهم.
نعم، ما اعتبرناه في نفس الإنسان من رشاد وغيّ، وصلاح وفساد؛ فالمعتبر فيه التفسيق ونقيضُه، كما تقدم ذكره، حتى إذا
انتهى نظر الناظر إلى المفاضلة بين المستور وبين المذكور بالعدالة، [تبينا] 1 أن نظره خارج عن قاعدة الفصل، فلم نر قبل اليوم مراجعة [المزكّين] 2 في تعديل من يعبتر خلافه في الكفاءة، وإنما اعتبرنا الاشتهار في جهة الانتساب، لما قدمنا ذكره من أن الإنسان يشرف محله وينبل قدره بان ينتسب إلى مرموق في التقوى والدين.
وهل تُجبر حطيطةٌ إن كانت في النسب بالصلاح الحاصل في الخاطب؟ هذا مما تردّد فيه الأئمة: فمنهم من رأى الجبر بذلك، وتعلق فيه بآثار منها: ما روي أن عبد الملك بن مروان خطب ابنةً لابن عمر، وأرسل إليه في مفاوضة بذلك رجلاً صالحاً من الموالي، فدخل المسجد، وصلى ركعتين، وأحسن أداء أركانها وبنيانها، ثم افتتح الخِطبة وأدى الرسالة، فقال ابن عمر: لا رغبة لي في عبد الملك، فإن أردتها لنفسك فخذها، فقد أحسنت أداء أمانة الله، ونظائر ذلك كثيرة.
وقد روي أن عمر بن الخطاب همّ أن يزوج ابنته سلمان الفارسي، فتداخل عبد الله من ذلك شيءٌ، على ما قدمنا ذكر ذلك.
ثم الصلاح الذي يعارض النسب، صلاح ظاهر يثبت للموصوف به حكم التميز من الأضراب؛ إذ لو لم يكن كذلك، لما عارض نسباً معتبراً.
ومن أئمتنا من لم ير جبر النسب بالتفاوت في الصلاح؛ فإن النسب من [أصل] 3 الكفاءة، حتى إذا ذكرت الكفاءة، لم تبتدر الأفهام إلا إلى الأنساب؛ ولهذا يثبت حق الاعتراض للمولَّيْن 4 بالأنساب.
وأما الحرف الدنيئة ونقائضُها؛ فإنها تعارض الصلاح وفاقاً، ولا أثر لها في معارضة الأنساب إجماعاً بين الأصحاب؛ فإن الأمر فيها قريب، ومعتمدها عادةٌ محضة، حتى إذا اطّردت، دلّت ملابستها على سقوط النفس، وإلا فالكلام مفروض
في حِرف تحل ملابستها، ولو ضربنا حجراً على من يلابسها، لاحتاج إلى معاناتها كثير من الخلق، وقد امتن الله تعالى على عباده بأن نزّلهم على منازل متفاوتة وقنّع كلاً بمنصبه، وما هو بصدده، فقال عز من قائل: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32] وقال الحليمي في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: "اختلاف أمتي رحمة" قال: أراد بذلك اختلافهم في الدرجات والمراتب والمناصب.
[نجز] 1 القول في الحِرف وما يتعلق بالمروءات.
وأما اليسار؛ إن اعتبرناه، فيعارضه كل خصلة معتبرة في خصال الكفاءة.
وقد انتجز هذا الفن.
7955 - ونحن نأخذ الآن في ركن آخر من الفصل، فنقول: هذه الصفات المعتبرة في الكفاءة تنقسم؛ فمنها ما يعتبر في جانب الزوج والزوجة جميعاً، وهي العيوب والرق؛ فكما لا يزوّج الرجل ابنته من أبرصَ ومجنون ومجذوم ومجبوب، كذلك لا يزوج من ابنه مجذومة ولا مجنونة ولا برصاء ولا قرناء ولا رتقاء؛ فإن هذه العيوب تُثبت حق الفسخ من الجانبين، فكانت معتبرة فيهما.
ولو زوّج [مَنْ] 2 بها عيب من هذه العيوب، ممن به عيب منها: نُظر؛ فإن اختلف جنس العيب، لم يختلف أصحابنا في المنع، وهذا كتزويج برصاء من مجنون أو مجبوب.
وإن اتفق جنس العيب، فزوّج برصاء من أبرص؛ ففي جواز ذلك وجهان: وقد اختلف أصحابنا في ثبوت الخيار في مثله، كما سيأتي موضحاً في باب العيوب، إن شاء الله عز وجل.
والتزويج من الرقيق لا يحتمل أيضاًً، وتزويج الرقيقة من الطفل لا يجوز أيضاًً؛ فإن نكاح الأمة مشروط بخوف العنت، والطفل لا يتصف بذلك.
وأما ما يعتبر في أحد الجانبين؛ فهو ما عدا العيوب والرق، فليس للرجل أن يزوج
ابنته قهراً، ويحتمل فيها [خسة] 1 في نسب الخاطب، أو خصلة أخرى معتبرة.
ولو أراد أن يزوج من ابنه الطفل -وهو على شرفٍ من النسب، وكريم من الحسب- خسيسةً؛ فالذي صرح به الأئمة أن ذلك جائز؛ فإن الذي عليه التعويل في الباب العار والتنقي منه.
والكريمة تتضع ويخس نسبها إذا تزوجها خسيس، ولا عار على الكريم بنكاح خسيسة؛ فإن المنكوحة مفترشة، في حكم المُهانة بالافتراش، فلا عيب على المفترِش من نقصانها 2. نعم، ما ذكرناه في العيوب من باب الضِّرار، لا من باب العار.
وذكر شيخي أن من أصحابنا من اعتبر هذه الصفات من جانبها أيضاًً، ومنع أن يزوج الرجل خسيسة من ابنه الكريم واعتل بأن الإنسان قد يتعير بخسة خليله، وقد ينظر لأولاده إن كانوا، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تخيروا لنطفكم" 3 وهذا يمكن توجيهه على حال، ولكنه بعيد في النقل.
ولولا أني وجدت في نص الشافعي في تفريع الغرور بالنسب شاهداً على اعتبار النسب من الجانبين، كما سيأتي ذكر ذلك، لما عددت هذا من المذهب.
7956 - فإذا ظهر بما ذكرناه القواعد المرعيّة في الكفاءة، ابتدأنا بعد ذلك صنفاً من الكلام، وقلنا:
إذا زوج الرجل ابنته السليمة ممن به عيب من العيوب، فالأصح الذي كان يقطع به شيخي: أن النكاح باطل 4؛ فإنَّ تصرّف الأب في حق ولده الطفل مقيد بشرط النظر؛ وإذا كان تصرفه في ماله مردود بعلة الغبن، [فلأن] 5 يُرَدَّ في نفسه على خلاف النظر أولى.
وذكر العراقيون وغيرهم من الأئمة قولاً آخر، أن التزويج يصح وينفذ، وفرضوا القولين في تزويج السليمة من المعيب، وإذا جرى القولان في ذلك، لم يشك الفقيه في جريانهما في سائر خصال الكفاءة.
أما وجه المنع؛ فلائح، وأما وجه التزويج، فالممكن فيه على خفائه، أن الغرض من التزويج أمور خفية لا تضبط، فليكن الأمر فيه موكولاً إلى الأب الشفيق، الذي هو من أهل النظر.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
ثم قال العراقيون: إن قلنا: لا يصح النكاح، وهو المذهب الأصح، فلا كلام.
وإن قلنا: يصح، فهل للأب أن يتلافى عقده، فيفسخَه، إذا كان زوّج ابنته السليمة من معيب؟ فعلى قولين، وكذلك إذا زوّج من ابنه الصغير السليم امرأة بها أحد العيوب، هذا ما ذكروه.
[وللنظر في هذا مجال] 1، فيجوز أن يقال: التردد في خيار الأب، فيه إذا فعل من غير علم منه بحقيقة الحال، فأما إذا أقدم على العقد عالماً بالعيب، فلا خيار له ولا مستدرك.
ويجوز أن يقال: له حق التلافي، وإن أنشأ العقد على علم، فإنه يتلافى 2 لغيره، وإنما كنا نلزمه حكم علمه لو كان عاقداً لنفسه، فالتفريع على الأصل البعيد يحمل على النأي عن مدارك المذهب؛ فإن هذا يؤدي إلى ثبوت نكاح مع استمرار الخيار فيه، وما عندي أن ذلك يحتمل.
فالوجه القطع بتخصيص حق التدارك بحالة الجهل، وإنما ردَّدت قولي في ذلك لفحوى كلام العراقيين.
7957 - ثم ما يتفرع على هذا، أنا إذا صححنا النكاح على خلاف النظر من الأب، فإذا بلغت المرأة، فهل لها حق الفسخ؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: لا خيار لها، وعقد الأب يلزمها، ويلزمها الرضا بموجبه.
وهذا مذهب أبي حنيفة 3.
ومن أصحابنا من قال: لها الخيار [وإن] 1 حكمنا بانعقاد العقد حتى تستدرك ما يلحقها من الضرار 2.
ولو اشترى الأب عبداً معيباً بثمن مثله لطفله، ثم بلغ الطفل، واطلع على العيب، لم يثبت له حق الخيار؛ فإن حظ المالية ثابت لا نقصان فيه.
وما ذكره الأصحاب في العيب، لم يذكروه في حطيطة النسب، والقول فيها يحتمل؛ من جهة أن ما يكون عيباً، ليس مما يُثبت حق الفسخ على الجملة.
والوجه عندي؛ أن نضم العيوب إلى غيرها من خصال [الكفاءة] 3، ونطرد فيها أوجهاً:
أحدها - نفي الخيار عموماً.
والثاني - إثباته.
والثالث - الفرق بين العيوب وبين غيرها من الخصال المعتبرة، فإن الأب لم ينظر لها، وهذا يضاهي ثبوت الخيار بسبب التغرير بشرف النسب، مع اختلاف الشرط فيه على ما سيأتي، إن شاء الله عز وجل.
ولو اكتفينا بما هو أصل المذهب، ومنعنا انعقاد النكاح، لاستغنينا عن هذه [الوجوه] 4 البعيدة.
7958 - ومما يليق بهذا المنتهى -وهو من أسرار المذهب- أنا منعنا التزويج من غير كفء، فلو اتفق ذلك من الأب على علم، فالعقد باطل، وإن لم يعلم الأب حقيقة الحال، ثم بان أن عقده لم يصادف كفئاً، أو جرى مشتملاً على عيب مثبتٍ حقَّ الفسخ؛ فالذي نرى القطع به: أنا إذا أثبتنا ذلك، بنينا عليه تَبيُّنَ فساد العقد؛ فإن الظنون لا تغير شرائطَ العقود؛ فإذا كنا نشترط في عقد الأب موافقةَ النظر، وظننا أنه
وافقه، ثم بان لنا خلافه، فنتبين فساد ما كنا نظن صحته؛ فإنا لم نَبْن الحكمَ بالصحة إلا على ظن حصول الكفاءة، ظناً مشروطاً.
وهذا يناظر ما لو باع الوكيل ما وُكِّل ببيعه مطلقاً بما حسبه ثمنَ المثل، فإذا تبين أنه لم يكن ثمن المثل، بأن فساد العقد.
وكذلك الولي المتصرف في المال، إذا ثبت منه عقدٌ على نحو ما ذكرناه، فالجواب ما قدمناه.
[و] 1 لو اشترى الوكيل لموكله شيئاً، ثم فرض الاطلاع على عيب، فكان المشترَى يساوي الثمن المبذول مع ما به من العيب، فالملك يقع للموكل، وله حق الخيار في الفسخ والإجازة؛ فإنا نجعل شراء الوكيل في هذا المقام كشراء الإنسان لنفسه.
ومن عجيب ما يجري في هذه المسالك؛ أن الإنسان إذا اشترى شيئاًً، وبان كونه مغبوناً فيه، لم يثبت له حق الفسخ بالاطلاع على الغبن.
ولو كان مغبوطاً، وكان المبيع يساوي أضعاف الثمن، ولكنه اطلع على عيب قديم، فله حق الفسخ.
والوكيل إذا اشترى لموكله بغبن، لم يصح عن الموكل، وإذا اشترى من غير غبن لموكله معيباً، وقع الملك للموكل، وله الخيار.
وسنُجري سر ذلك -إن شاء الله تعالى- في أثناء الكلام.
7959 - وإذا كان التزويج موقوفاً على إذن المرأة، فأذنت لوليها في أن يزوجها من كفء، وجوزنا الإذن من غير تعيين الخاطب؛ فإذا زوجها ممن لا يكافئها؛ فالنكاح باطل؛ فإن الإخلال بالكفاءة في النكاح يضاهي العقد على غبن في المعاملات؛ فإن هذه الخصال المرعية بمثابة اعتبار المالية في البيع.
ولو عيّنت لوليها زوجاً، وقالت: زوّجني منه، فزوّجها، [وكانت] 2 على ظن الكفاءة، ثم بان عيبٌ بالزواج يُثبت الخيار، فنحكم بانعقاب النكاح الآن؛ فإن النكاح اعتمد تعيين المرأة، فانعقد، ثم إن فسخت، فذاك.
وإن رضيت، فهل للولي حق
الفسخ؟ هذا فيه كلام، وخبط عظيم، سيأتي مشروحاً في باب الغرور، إن شاء الله تعالى.
ولو بان أن المعيّن ليس كفئاً في النسب، ولم يثبت عيب من العيوب؛ فالمذهب الذي عليه التعويل: أنه لا يثبت حق الخيار، وفيه شيء سنذكره في باب الغرور، إن شاء الله عز وجل.
7960 - وقد نص الشافعي على أن من نكح امرأة، حسبها حرة، فبانت رقيقة؛ فلا خيار له.
ولو نكح امرأة ظنها مسلمة، فبانت كتابية، قال: له الخيار.
وللأصحاب تصرفٌ في النصين؛ وإنما ذكرت هذا القدر تنبيهاً على أن ما نحن فيه محل التصرف، والاستقصاءُ محال على باب الغرور؛ إن شاء الله عز وجل.
7961 - ومن لطائف المذهب؛ أن الموكل بالبيع مطلقاً، إذا باع بغبن، عالماً به أو جاهلاً؛ فالبيع فاسد لا خيار في إجازته، والموكل بالشراء إذا اشترى الشيء بأكثر من ثمن المثل؛ فالمذهب أن الملك لا يقع للموكل، وإن رضي به، بناء على القاعدة التي ذكرناها، ورأيت لبعض الأصحاب وجهاً في أنه لو رضي به، جاز على شرط الخيار، ولست واثقاً بهذا الوجه، ولو صح، فالمعتمد فيها: أن الأمر بالشراء مطلق، وهو متناول للشراء بالغبن والغبطة في وضع اللسان، غير أنا خصَّصْنا مُطلق اللفظ بالعادة، كما قررناه في الأساليب 1، ثم مما لا ينكر في العادة رضا الموكل حملاً على حكم العموم، فهذا توجيه هذا الوجه، إن صح النقل فيه.
والولي إذا اشترى أو باع بغبن، فلا جواز له؛ فإن الغبينة لا تحتمل في تصرفات الأولياء؛ فإن المعقود له ليس من أهل الخيار حتى يوقف العقد على رضاه، وليست عقود الولي متلقاة من لفظ يعم أو يخص.
فصل
قال: "ويُنكح أمةَ المرأة وليُّها بإذنها ... إلى آخره" 1.
7962 - نصدر هذا الفصل ببقية من أحكام الكفاءة في حق الإماء، فنقول: ليس للسيد أن يزوّج أمته ممن به عيب من العيوب المثبتة للخيار، إلا أن ترضى إذا كانت من أهل الرضا، فإن لم ترض أو كانت صغيرة، لم ينعقد النكاح، فإن حظ الأمة يُرعى في النكاح، ويثبت لها حق القَسْم، ويسقط -بإسقاطها- حقُّها من القَسْم، كما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فإن رضيت بمعيّن، فزوّجها سيدها منه، ثم اطلعت على عيب، فلها الخيار، فإن أجازت العقد، لم يثبت للسيد معترض.
ولو باع أمته ممن به العيوب، فالبيع نافذ، فإنه لا يُرعى في البيع حظها، ولهذا لا يثبت لمملوكةٍ حظٌّ في قَسْم.
وإذا حكمنا بصحة العقد، فهل لها الامتناع من تمكين السيد المعيب؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - ليس لها ذلك، فإنها مقتهرة بالملك والرق، وإذا لم يثبت لها حق، فلا يثبت لها منصب التخيّر والامتناع.
والوجه الثاني - أن لها أن تمتنع؛ فإن المثبت لحق الفسخ ما يفضي إليه العيب من العيافة والضرار الذي يداخل الجبلات والنفوس، وهذا المعنى يتحقق في الأمة تحققه في الحرة، على أن الوطء في ملك اليمين نزل منزلة النكاح نفسه.
وذكر بعض أئمة الخلاف أن الأمة مجبرة على التزويج ممن به العيوب، ولا خيار لها، وهذا وإن أجريناه في مسائل الخلاف - لا نرى عدّه من المذهب؛ فالأصل الذي دل عليه النص، واتفق عليه حملة المذهب، ما قدمناه من وجوب رعاية حقها في العيوب، والله أعلم.
7963 - ثم إن كان للمرأة أمة؛ فلا شك أنها لا تتولى تزويجها، ولكن يزوج أمتها من يزوجها، والمرعي إذنُ المالكة، كما تقدم ذكره.
وذكر صاحب التلخيص أن ولي المرأة لا يزوّج أمتها؛ فإنه لا يملكها ولا يليها، وليس بينه وبينها نسب ولا سبب، ثم قال: إذا أرادت المالكة تزويج الأمة، رفعت الأمة إلى السلطان، فيزوجها بإذن المالكة، وعدّ هذا من منازل تزويج السلطان، وقد اتفق الأصحاب على تغليطه 1 فيما ذكر، وأجمعوا على أنه يزوج أمتها وليُّها.
وقياس ما قال صاحب التلخيص أن يطّرد هذا في معتقة المرأة، ويقال: لا يزوجها إلا السلطان؛ فإن الولاء إنما يثبت للمرأة المعتَقَة، ولا يثبت التصرف لأوليائها في حياتها ما دامت حية، وهذا لا سبيل إلى عدّه من المذهب.
7964 - ومما يتعلق بذلك؛ أن الولي على الطفل أو السفيه، لو أراد أن يزوج جاريته، أو يزوج من عبده، فحاصل المذهب ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن ذلك يجوز؛ إذ قد يُفضي نظرُ المصلحة إليه، ولهذا يلي تزويجَ ابنته والتزويجَ من ابنه.
والوجه الثاني - أنه لا يزوج الأمة، ولا يزوج من العبد؛ لأن تزويجها ينقص قيمتها، والتزويج من العبد يشغل عن كسبه، ويعرضه لنزف القوة؛ فليس التزويج منهما من مصالح الملك؛ وإنما هو مصلحتهما في أبدانهما؛ وحق الولي أن يرعى في مال الطفل مصلحةَ المال، لا مصلحة أبدان العبيد والإماء.
والوجه الثالث - أنه يزوج الأمة ولا يزوج من العبد؛ لأن في تزويج الأمة إسقاط مؤنتها، وفي التزويج من العبد شَغْل [عن] 2 كسبه.
ثم إن جوزنا للولي أن يزوج جارية الطفل؛ فإنه يزوج جارية الثيب الصغيرة وإن