نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 417-456
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ النَّفَقَاتِ

صفحات 417-456
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

10077 - الأصل في النفقات الكتاب، والسنة، والإجماع، فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3]، قيل: معناه ذلك أدنى أن لا يكثر عيالكم، فلا تستقلّوا بالنفقات.
وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه، وقال: " يا رسول الله معي دينار، فقال: أنفقه على نفسك، فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على أهلك، فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على [خادمك] 1، فقال: معي آخر، فقال: افعل به ما شئت " 2. وجاءت هند بنت عتبة لما فُتحت مكةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من النسوة من قريش ليبايعنه فقال عليه السلام: " أبايعكن على أن لا تسرقن " فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه سرّاً، فهل علي في ذلك شيء، فقال عليه السلام: " خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف " 3، وروي أنه لما عرفها قال: " إنك لهند "، قالت: نعم، والإسلام يجُب ما قبله.
وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: " أبايعكن على أن

لا تزنين، قالت: أيْ!! أوَ حُرَّةٌ تزني، فقال: أبايعكن على أن لا تقتلن أولادكن، فقالت: ربيناهم صغاراً، فقتلتموهم كباراً " 1 وأجمع المسلمون على أصول النفقات.
ثم الأسباب الموجبة للنفقة على الخصوص: الزوجيةُ، والقرابة، والملك فالزوجية توجب النفقة للزوجة على الزوج، والملك يوجب نفقة المملوك على المالك، وأما القرابةُ، فيتصور وجوب النفقة بها من الجانبين على البدل، فالابن الفقير يستحق النفقةَ على الأب الغني، والأب الفقير يستحق النفقةَ على الابن الغني.
والمملوك لا يجب عليه الإنفاق بالقرابة، وإنما يجب عليه الإنفاق بسبب الزوجية على الزوج، وقد نقول: المكاتَب ينفق على ولده المكاتَب، وليس ذلك للولادة، وإنما هو لأن ولده في حق المملوك له، وإن كان لا يبيعه [و] 2 يستكسبه، كما يستكسب المماليك، والقول في ولد المكاتب والمكاتبة من أعظم أقطاب الكتابة، وسيأتي مستقصىً، إن شاء الله عز وجل.
...

باب قدر النفقة من ثلاثة كتب

10078 - قال الشافعي: " النفقة نفقتان، نفقة الموسِعِ ونفقةُ المُقْتِر ... إلى آخره " 1. صدّر الشافعي الكتاب 2 بنفقة الزوجات ومؤنهن، فلتقع البداية بالنفقة، والقولُ فيها يتعلق بأصولٍ: أحدها - في المقدار، والثاني - في الجنس، والثالث - في نفقة الخادمة، والرابع - في الأُدُم 3، والخامس - في كيفية إيصال النفقة إلى [الزوجة] 4. فأما القول في المقدار، فقد ذهب أبو حنيفة 5 إلى أن نفقة الزوجة لا تتقدر، وإنما الواجب كفايتها، وذلك يختلف بالرَّغابة، والزهادة، وإن وقع نزاع، رُد مقدار الكفاية إلى اجتهاد القاضي وفرضِه، وقد ثبت عند الشافعي بطلانُ المصير إلى الكفاية؛ فإن المرأة لو كانت لا تحتاج إلى النفقة في يوم أو أيامٍ لعارضٍ بها، فلها طلب [حقها] 6 من النفقة، ولهاطلب التملك، ثم تصنع بالنفقة ما تشاء.
ولو أكلت من مالها، لم يسقط حقها من النفقة، وكل ذلك ينعكس بنفقة الأقارب والمماليك، فلما تحقق عند الشافعي بطلانُ اعتبار الكفاية، ولم يجد في الشرع توقيفاً في تقدير نفقة الزوجات، ولم يجد مسلكاً بعد بطلان الكفاية إلا التعلُّقَ بالتقدير، ولا سبيل إلى الاحتكام به.
فإذا عسر النظر إلى الكفاية؛ لأن أقدار الكفايات تختلف باختلاف الأشخاص،

وتختلف الحاجات، وقد ينتفى أصلها، فرأى الرجوعَ إلى الطعام الشرعي، وهو ما أوجبه الله في الإطعام في الكفارات، ولسنا ننكر أن الشارع رأى هذا قصداً وسطاً في الكفاية على الجملة، فكان التعلُّقُ به أولى متعلَّق.
ثم قال الشافعي: " في نص القرآن ما يدل على الفرق بين الموسع والمقتر " 1، فإنه عز من قائل قال: ﴿يُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] فاقتضى مضمونُ هذا الخطابِ الفرقَ في الإنفاق بين الموسع والمقتر، ثم نزّل الشافعيُّ نفقةَ المعسر على المدّ؛ فإنه أقلُّ مبلغٍ في الإطعام الشرعي، وطلب للموسع [متعلّقاً] 2 شرعياً، [ورأى في فدية الأذى صرفَ مدّين] 3 إلى كل مسكين، فاتخذه معتبره، ثم خطر له توسطٌ بين الموسع والمقتر؛ فإن ما يختلف باليسار والإقتار يجب أن يؤثر التوسُّطُ فيه، وهذا يظهر تقديره، فلم يجد في التوسط مستنداً شرعياً، فقال: مقدار النفقة على المتوسط للزوجة مُدٌّ ونصف.
هذا تأسيس مذهبه، فانتظم من نصوصه التي نقلها المزني وغيرُه أن على المعسر مُدّاً، وعلى الموسع مدين، وعلى المتوسط لزوجته مد ونصف.
10079 - وإن كانت المرأة مخدومةً على ما سنصف ذلك في الفصل المعقود له، فعلى المعسر والمتوسط مُدٌّ للخادمة، وعلى الموسر مدٌّ وثلث.
هذا الذي نقلناه أصل المذهب.
10080 - وقد حكى شيخي أبو محمد قولاً غريباً للشافعي مثلَ مذهب أبي حنيفة في أن الاعتبار بالكفاية، والرجوعُ عند فرض النزاع إلى اجتهادِ القاضي وفرضِه.
وهذا لم أره إلا لشيخي.
نعم، حكى صاحب التقريب والشيخُ أبو علي في نفقة المتوسط والزيادة على المد في نفقة الخادمة في حق الموسر أنه لا تقدير في الزيادة، وإنما النظر إلى اجتهاد القاضي، هذا وإن كان بعيداً في النقل، فالحاجة ماسة إليه

لدقة مأخذ التقديرين، كما سنخوض فيه الآن.
فإن أصل المذهب أن المد والنصف تقدير في حق المتوسط، والمد والثلث تقدير في حق الموسر في نفقة الخادمة، وهذا عسر؛ فإن الشافعي يُطنب في الوقيعة فيمن يتحكم بالتقدير من غير ثَبَت، ولئن وجدنا مستنداً في المد والمدين معتضداً بنصِّ القرآن في الفرق بين الموسع والمقتر، فالمدّ والنصف، والمد والثلث، لا نجد لهما مستنداً قويماً.
ثم الأصحاب ذكروا وجوهاً رأَوْها أقصى الإمكان في المُدّ والثلث في حق الخادمة، والذي دل عليه فحوى كلامهم في المد والنصف في حق المتوسط أنه على تردد بين المعسر وبين الموسر، فلا يبعد أن يقتضي تردده بينهما، تنصيف المُدّ، حتى كأنه من وجه يلتفت إلى المقتر، والإقتار يوجب الإسقاط، ويلتفت إلى الموسر من وجه وذلك يوجب الإثبات، فوزعنا المدَّ الزائد في حق الموسر على الإيجاب والإسقاط، فاقتضى ذلك إيجابَ نصفٍ وإسقاط نصف، وهذا على حالٍ كلام منتظم.
10081 - فأما إيجاب المد والثلث للخادمة تقديراً جازماً، فمشكل وقد ذكر أصحابنا فيه وجهين: أحدهما - حكَوْه عن القفال الشاشي أنه قال: من أصناف القياسِ القياسُ المقرّب، وهو عندنا إن صح من أقسام الأشباه.
ثم قال: الأب والأم [في الميراث] 1 لهما حالتان: حالة نقصان وحالة زيادة، فإذا كان في الفريضة ابن، فللأبوين السدسان، وإن كان وضع الفرائض يقتضي حطَّ الأم، ولكن إذا رُدَّ الأب إلى السدس، فكأنا نعتقد أن لا أقل منه في فرض الأبوين، فللأم السدس، وهذه الحالة تناظر حالة الإعسار، والأم بمنزلة الخادمة والأب بمنزلة الزوجة، فتستوي الخادمة والزوجة؛ إذ لا نقصان من المد.
فإن لم يكن في الفريضة ابنٌ، فللأب الثلثان بالتعصيب، وللأم الثلث، فنزيد للأب ثلاثة أمثال ما كان للأم في حالة النقصان، أو ثلاثةَ أمثال ما نزيد للأم، وهذا

محل تعلقنا، فكذلك إذا فرض اليسار ينبغي أن نزيد للزوجة التي هي محل الأب ثلاثةَ أمثال ما نزيد للخادمة التي هي بمحل الأم، وذلك يقتضي أن نزيد للزوجة مداً، وللخادمة ثُلث مد، هذا ما حكوه عن القفال الشاشي.
10082 - وذكر بعض الأصحاب مسلكاً آخرَ مأخوذاً من نفقة المتوسط؛ فإنه يلتزم لزوجته مداً ونصفاً، والموسر يلتزم مدين، فيزيد ما عليه على ما على المتوسط بمثل ثلثه، [وعلى] 1 المتوسط مد ونصف، كذلك يزيد للخادمة في حال اليسار مثل ثلث ما كان لها في حالة التوسط، وللخادمة على المتوسط مُدّ بلا مزيد، فلها على الموسر مثل ما لها على المتوسط ومثل ثُلثه، وذلك مدّ وثلث.
وهذا عندي -وإن ذكره كافة الأصحاب- مما لا يسوغ اعتماده والتعويل على مثله، ولست أرى ما حكيته في درجةٍ من درجات الأقيسة، ولا معنى للإطناب في البينات، والوجه عندي أن نقول: ما ذكره الأصحاب في نفقة المتوسط قريب لائق بهذا الأصل، فليقع الاكتفاء به، وأما المد والثلث، فأقرب مسلكٍ فيه أن نقول: إذا اتسعت نعمة الله، لم يمتنع التوسع على الخادمة، ثم لا ضبط يصار إليه، ولا وجه لتبليغ الزيادة [مبلغ] 2 ما نزيد للزوجة في حالة التوسع، والثلث مما يقرب النظر إليه اعتباراً بثلث المال في الوصايا؛ فإن الرسول عليه السلام قال: " إن الله تعالى زادكم في آخر أعماركم ثُلثَ أموالكم زيادة في أعمالكم " 3 وهذا وإن لم يكن بالبيّن، فهو أولى مما قدمناه، وفي نص الشافعي في المختصر 4 ما يشبر إليه، هذا منتهى قولنا في التقدير.
10083 - ونحن نختتمه بالكلام على المعسر ومعناه، والمتوسط، والموسر، ولست أدري كيف طاب للمصنفين تخطي أمثالَ هذه المغمضات من غير التفاتٍ على

محاولة شرح فيها، مع العلم بأن هذه الأسماء مشتركة، وهذا مما تمس الحاجة إلى النظر فيه، في أوائل المراتب إذا رفعت الوقائع إلى المفتين، أو إلى الحكام.
فأما المعسر، فإن كان على رتبةٍ تستحق سهمَ المساكين، فهو معسر، ومن لا يملك شيئاً تستقر نفقةُ الزوجية في ذمته.
ومن جاوز حد المسكنة، فكيف السبيل فيه؟ [هل] 1 نقول: هو من المتوسطين؟ فإن قال بذلك قائل، فليس على علم بالباب؛ فإن الإنسان قد يخرج باكتسابه عن حد المسكنة، إذا كان قادراً على تحصيل القوت يوماً بيوم، ولست أرى مثل هذا الشخص من المتوسطين في نفقة الزوجات، بل هو معسر [ونفقتُه] 2 نفقة المعسرين، وهذا مما لا أتمارى فيه، فأما إذا كان يخرج بملك مالٍ لا بقدرةٍ على الكسب عن حدِّ المسكنة، فالذي أراه أنه في حد التوسط، وإن كان على اقتدارٍ وتوسع في الاكتساب بحيث يَرُدُّ عليه الكسبُ -على يسرٍ-[أضعافَ] 3 ما يحتاج إليه، فقد يتردد الفطن في هذا: أما إلحاقه بالموسرين، فلا سبيل إليه، وإنما تردد النظر في إلحاقه بالمتوسطين.
وأنا أقول بعد هذا التنبيه: هو معسر؛ فإنه يبعد تكليفه المزيد على قدر الحاجة بالاكتساب والله أعلم.
وأما المتوسط الذي يملك ما يرقِّيه عن حد المسكنة، فلي فيه نظر: فأقول: أرى المتوسط رجلاً يؤثِّر الإنفاق في ماله إذا زاد على الأقل الذي قدمناه، فكأنه لو أخرج مُدَّين أوشك أن ينحط إلى الإعسار، والموسر لا ينحط بمدّين إلى المتوسط فضلاً عن الإعسار، وهذا يؤخذ من التشطير في المد، حتى كأنه بإخراج الزائد، وهو نصف مدٍ لا ينحظ إلى الإعسار، وبإخراج المد يوشك أن ينحط إليه، وأقرب المآخذ ما يداني الحكمَ، فالحكمُ تشطير المد الزائد، فليكن التوسط مأخوذاً منه.
ومما يحق الاعتناء به أن اليسار لا ينظر فيه إلى المال فحسب، بل يُضَمُّ إلى اعتباره

رخاءُ الأسعار وانخفاضُها وارتفاعها، فالرجل في المكان الذي تتّسع الأقوات فيه يتبلّغ بمقدارٍ من المال لا يتبلّغ بمثله في موضع تغلو الأسعار فيه، [ولن] 1 يكون الطالب واقفاً على دَرْك اليسار والإعسار والتوسط ما لم نمزج ملكَ المال بما أشرنا إليه من رخاء الأسعار وغلائها؛ فإن الغرض في كل باب من الإعسار واليسار على حسب ما يليق بالمقصود منه، فإذا كنا نبغي الكلام في أقدار النفقات ثم دُفعنا إلى النظر في المراتب، فالوجه اعتبار اليسار على وجهٍ [لا يُنافي] 2 النفقة الدارّة، ومن ضرورة ذلك ما أشرنا إليه من اعتبار الأسعار رخاءً وغلاء.
فانتظم مما ذكرناه أن الموسر من لا يتأثر بالمُدَّين، والمتوسط من يتاثر بالمُدَّين ولا يتأثر بالمد والنصف، والمعسر مخرّج على ما قدمناه.
وهذا نجاز الكلام في أقدار النفقات.
10084 - فأما الكلام في الجنس المخرَج 3، فإن كان في البلد الذي فيه الكلام قوتٌ واحد غالب يستوي في اقتياته أهل الموضع على اختلاف درجاتهم، فلا شك أن المعتبر ذلك الجنسُ، ولا يتأتى هاهنا أن نقول: يعتبر القوت الغالب، أو يعتبر قوت كل شخص؛ فإن القوت إذا عم طبقاتِ الخلق، على ما صورنا، فقوتُ كل شخص هو القوت الغالب.
وإن لم يكن في الموضع قوتٌ غالب نحكم بغلبته، ولكن كانوا يقتاتون على حسب الدرجات أقواتاً مختلفة، فلا وجه -والحالة هذه- إلا وأن نعتبر في حق كل شخص قوتَه جنساً؛ إذ لا غالب، والأقوات متعارضة، ولا بد من متعَلَّق، ونحن مدفوعون إلى مسالك ضيّقة، نقنع فيها بأدنى متعلَّق، فيكون الجنس في اعتبار حال الزوج معتبراً بالقدر، وقد ذكرنا أن النظر إلى حال الزوج في يساره، وتوسطه، وإعساره في المقدار، فليكن النظر إليه في جنس القوت.

ولو كان في البلد قوت يمكن أن يوصف بالغلبة، ولكن الفقراء قد يعتادون اقتياتَ غيره، فهذا موضع التردد: يجوز أن يقال: الاعتبار بالقوت الغالب، ويجوز أن يقال: يعتبر قوتُ ذلك المعسرِ، وإن كان الغالب في البلد غيرَه، وهذا إذا كان يعد اقتياتُ مثله الشعيرَ مثلاً نادراً في حال مثله، وقد ذكرنا مثل هذا الترددَ في الجنس الذي يُخرج في صدقة الفطر.
ومما يتعلق بذلك أن المخرَج يجب أن يكون حَبّاً أو تمراً، هذا هو الأصل، فإن أخرج خبزاً، فللمرأة ألا تقبلَه، وإن رضيت بقبوله، ففيه تفصيل سيأتي في بعض الفصول الموعودة، إن شاء الله.
10085 - فأما الكلام في نفقة الخادمة، فحقه أن يُصدَّر بمراتب النسوة؛ فإن نفقة الخادمة لا تثبت لكل زوجة، والمقدار الذي ذكره الأصحاب أن المرأة إذا كانت تُخدَم في العرف، ولو كلفت الاستقلالَ بحاجات نفسها، لكان ذلك غضّاً من قدرها، وحطّاً من منزلتها، فهذه مخدومة وإن كانت [لو خدمت] 1 نفسها، لم ينلها ضرر لكمال مُنّتها، واعتدال بنيتها.
وهذا يناظر ما ذكرناه في الكفارات في العبد الذي يَخدِم ملتزمَ الكفارة.
ولو كانت في العادة لا تعدّ على مرتبة المخدومات، فلا تستحق نفقة الخادمة.
ولو كانت تُخدم، ومنزلتُها لا تقتضي ذلك، بل تُعدّ مجاوِزةً قدرَها، فلا تُخدم في النكاح، ولو لم تكن على منزلة من المروءة يُخدم أهلها، ولكن كانت على ضعفٍ في بنيتها، فإن كان ذلك مرضاً عارضاً، فلا تستحق على الزوج إقامةَ مُمرِّضٍ متفقّد، كما لا تستحق عليه المعالجةَ والقيامَ بمؤنِ الأدوية.
وإن كانت على ضعفٍ لازم لبنيتها، ففي المسألة احتمالٌ ظاهر من جهة مشابهةِ الخادمةِ الممرّضةَ والمعينةَ على المعالجة، ويظهر عندي أن تستحق نفقةَ الخادمة؛ لأن الحاجة الدائمة أولى بالاعتبار من غضٍّ في المروءة، وقد ذكرنا في الكفارات أن من

كان له [عبد] 1 وهو يحتاج إلى خدمته لعجزه اللازم له، فلا نكلفه أن يعتقه، كما لو كان يحتاج إليه في حفظه مُروءته.
هذا قولنا في التي تُخدَم، والتي لا تُخدَم.
10086 - فإذا كانت مخدومة، فالذي قطع به الأئمة أن على الزوج القيامَ بمؤونة الخادمة، وقد ذكرنا من مؤنها النفقةَ، وسنذكر الباقي، ونقل بعض أصحابنا عن الشافعي أنه قال في عِشرة النساء: " ويشبه أن يكون عليه نفقةُ خادمها " فردد القول في ذلك، وقد جعل المزني المسألة على قولين في نفقة الخادمة، وهذا نُقل عنه في غير المختصر، وخالفه معظم الأصحاب في إجراء القولين.
ومن أصحابنا من ساعده وأجرى قولاً أن نفقة الخادمة لا تجب على الزوج قط، وهذا بعيدٌ جداً، ولكن ذكره صاحب التقريب، والشيخُ أبو علي، ومعظم الأئمة مع إطباقهم على تزييفه.
فإذا أوجبنا نفقةَ الخادمة، فإن استأجر الزوج حرّة أو أمةً لتخدِم الزوجة، فالذي يبذله أجرةٌ، وليس نفقةَ الخادمة.
وإذا أخدمها الزوجُ جاريةً من جواريه، سقط حق الخدمة بذلك، وليس هذا من نفقة الخادمة في شيء؛ فإن الزوج يُنفق على أمته بحق الملك.
وإن [كان للزوجة] 2 أمةٌ، وكانت تخدِمها، وأراد الزوج الإنفاق عليها، ورضيت المرأة بذلك، فهذه النفقة نفقةُ الخادمة، وهي التي تتقدر بالمد، والمد والثلث، على التفاصيل المقدمة، ولا يتصور نفقة الخادمة إلا في هذه الصورة؛ فإنا إذا صورنا استئجاراً، كان ذلك إخداماً بأجرة، ومقدارُ الأجرة على حسب التراضي.
وإن لم يكن لها أمةٌ، فلا يكلف الزوج أن يستأجر حرة أو أمة بأكثرَ من النفقة التي أثبتناها للخادمة؛ فإنه ربّما لا يجد من يخدِم بمدٍّ وأوقية زيت.
ولو قلنا: يجب أن يكفيَها الخدمةَ، فهذا وقوعٌ في مذهب أبي حنيفة في اعتبار

الكفاية، وأقرب لازم على هذا الأصل أن يلزمه أن يكفيها ما يسد جوعتَها إذا كانت رغيبة لا تكتفي بمدٍ، فإذا كنا لا نُلزمه ذلك، فلا يَلزمُه في جهة الخدمة إلا ما ذكرناه.
فلو كانت تجد حرة تخدِم بالمدّ وما [يُلحَق] 1 به، فلا يتصور أن تُلزم الحرةُ بغير طريق الاستئجار، ولكن القدر الذي علينا [أن نوضحه] 2 أن على الزوج تحصيل هذا القدر، فإن تيسر به استخدامُ حرة، فليس على الزوج النظر في التفاصيل.
ولو قالت المرأة: أنا أخدم نفسي فسلِّم إليّ نفقةَ الخادمة، فلست أرى لها ذلك؛ فإنها أسقطت مرتبة نفسها، والله أعلم، فلينظر الناظر في هذا الموضع.
10087 - ومما يتعلق بذلك أن الرجل إذا نكح أمة، وكانت تُخدَم لجمالها، فهل يجب عليه نفقةُ الخادمة؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه لا يجب على الزوج نفقةُ الخادمة؛ فإن الرق ينافي هذه المنزلة، والرقيقة تَخدِم ولا تُخدَم.
والوجه الثاني - أنها تستحق نفقة الخادمة؛ لأن ذلك غيرُ مستنكر في العرف، ولا محمولٌ على الرعونة ومجاوزة الحد، والمحكّم في ذلك العاداتُ.
10088 - ولو قال الزوج لزوجته المخدومة: أنا أخدمك بنفسي، فلا تكلفيني نفقةَ الخادمة، فقد قال الأصحاب: الأمور التي لا تستحي المرأة من تعاطي الزوج إياها يتعاطاها الزوج، كالخروج وكنس البيت وغيرها من أشغال المهن، فيجوز أن يقوم بكفاية هذه الأمور، وأما خدمتها الخالصة كحمل الماء إلى بيت الماء، [وما في معناه] 3 من الأمور التي تستحي النساء من إظهارها للأزواج، ويؤثرن الاختفاء بها، فالمذهب الأصح أن الزوج لو قال: أتعاطى ذلك أيضاًً -والمرأة تأبى- فليس للزوج ذلك، فإنا إذا كنا نقيم الخادمةَ محافظةً على مروءتها، فالذي ينالها من إظهار هذه الأمور للزوج أعظم مما ينالها من غضّ المروءة وتعاطي الخدمة.
10089 - هذا نجاز الفصل.
وفي القلب منه غائلة وغُصّة، وذلك أن الأصحاب

ذكروا أن الخادمة تُملّك الحَبَّ، وترددوا في الأدم، فكيف يتصور ذلك؟ فإن الإجارة لا ضبط للأجرة فيها، ومملوكة الزوج لا تملّك شيئاًً وإنما الإنفاق عليها من فن الكفاية.
فالذي أراه أن الزوجة لو رضيت بأن تخدمها حرة، ورضيت الحرة بأن تخدِم بالنفقة، فإنها تستحق نفقةَ الخادمة، ولكن مهما 1 شاءت فارقت؛ إذ لا ضبط ولا عقد على اللزوم يُلزمها الاستمرارَ، والنكاح لا يشملها، فيجب القطع بعد [الاستخارة] 2 وإطالة الفكر بأنها إذا خدمت يوماً، استحقت وظيفة الخادمة.
ثم الظاهر عندي أن استحقاقها يكون على حسب استحقاق الزوجة نفقتها، فلها وظيفتها في صبيحة كل يوم، كما للزوجة وظيفتها، ثم لا نجعلها بأخذ الوظيفة ملتزمةً [للخدمة] 3، فإن بدا لها، ردّت الوظيفة وتطلقت 4، وإن أرادت استكمال الخدمة، فعلت؛ فحقها مأخوذ قبل العمل، مستقر بالعمل، وحق الزوجة يُداني ذلك من وجهٍ، وإن كان يخالفه من وجهٍ، كما سنصف بعد ذلك، إن شاء الله.
وهذا شاذ لا أرى له نظيراً ولا أجد من القول به بُدّاً.
10090 - ثم الخادمة في الابتداء إلى تعيين الزوج 5، [فأمَّا] 6 إذا كانت قائمةً بالخدمة، فإن هي ألفت خادمةً، وأراد الزوج أن يبدلها، فإن رابه منها أمرٌ،

فليفعل، ولا يكلَّف في مثل ذلك إقامةَ حجة، ولا ينتهي الأمر إلى محاكمة ومخاصمة، وإن أراد إبدالها -والزوجةُ قد ألفتها- من غير خيانة وريبة، فالذي رأيته للأصحاب أنه ليس للرجل ذلك من غير غرض؛ فإن انقطاع [النفس] 1 عن المألوف شديد، وربما انبسطت إليها، وستلقى عُسراً أن تنبسط مع أخرى، وهذا بيّن من هذا الوجه.
10091 - ومن تمام القول في ذلك أن الزوج لو قام بالأشغال الظاهرة وترك الأمور الخفية على خادمة، فهل تستحق تلك الخادمةُ الوظيفةَ التامة، ومعظم الأشغال مكفية؟ هذا يقرب عندنا من تردد الأصحاب في أن السيد إذا زوج أمته، وكان يستخدم الأمة نهاراً ويردها إلى الزوج ليلاً، فهل على الزوج كمالُ النفقة؟ فيه اختلاف قدمناه في كتاب النكاح: من أصحابنا من قال: يجب تمامُ النفقة، ومنهم من أوجب نصفَها، ومنهم من لم يوجب عليه شيئاًً.
ويخرج عندنا في الخادمة وجهان خروجاً ظاهراً: أحدهما - أن للخادمة نصف الوظيفة، ولا توزيع على أقدار الأعمال كالليل والنهار.
والوجه الثاني - أن لها تمامَ الوظيفة؛ فإن الخادمة في الأمور السرّية لا بد منها، وهي تحتاج أن تتربص في جميع الأزمان لمسيس الحاجة إلى تلك الأشغال، ولا ترضى بأقلَّ من الوظيفة، والزوج هو الذي تجشم من عملها ما تجشم.
وهذا الوجه أفقه وأليق.
ولا يمتنع عندنا أن توزع الوظيفة إذا فتحنا بابَ التقسيط، بخلاف الليل والنهار في نفقة الأمة المزوجة؛ فإن الليالي والأيام جعلها الله خِلْفة، وهي تتناوب على نسب مستويةٍ في الطول والقصر، وأما الأعمالُ البادية والخفية؛ فإنها متفاوتة ليست متناسبة.
فأما إذا قلنا: لا تستحق الأمةُ شيئاًً من النفقة إذا لم يسلمها السيد إلى زوجها ليلاً ونهاراً، فلست أرى لهذا الوجه خروجاً هاهنا؛ فإن الخادمة لا بد منها على الوجه

الذي عليه نفرّع، والزوجة لا تجد خادمة متبرعةً بالخدمة، ففي إسقاط حقها تعطيلُ الخدمة في الأمور الخفية.
10092 - فأما القول في الأُدْم، فقد قال الشافعي: " لزوجة المعسر كلَّ يومٍ مكيلةُ زيتٍ أو سمن " 1 ولم يختلف علماؤنا في أن الأُدم ليس يتقدّر، وذلك أنا اعتمدنا في تقدير القوت ما وجدناه في أصل الشرع في المُدّ والمدين، ثم سلكنا مسالك في التقريب بينهما، فأما الأُدم، فلسنا نجد له أصلاً في الشرع مقدّراً.
والأُدم ثابتٌ مستحَقٌّ للزوجة، فلا سبيل إلى التقدير، ولكن أمره مبني على ما يكفي أُدماً لمدٍّ، وإن كانت النفقة مدّين، فما يكفي أُدماً لمدين، ولا شك أن الأُدم على الموسر يزداد استحقاقاً؛ على حسب ازدياد القوت، فإذاً الأدم تابع للقوت.
ثم ذكر الشافعي المكيلةَ والمكيلتين، والمكيلةُ مجهولة، وإنما أراد تقريباًً، وقد يُلفَى له ذكر الأوقية والأوقيتين، والأمر في ذلك مرتبط بما ذكرناه.
هذا كلامه في تقريب مقدار الأُدم.
وأما الجنس، فقد ذكر الشافعي الزيت أو السمن، ولم يعين جنساً تعيين إيجاب، ولكن الأُدم الغالب في كل موضع يُرْعى.
ثم إن تبرمت المرأة بالزيت والسمن، وأرادت جنساً آخر قيمته كقيمة ما يغلب أُدماً، فهذا فيه تردد بيّن: يجوز أن يقال: الرجوع في هذا إلى الزوج، ثم إن أرادت المرأة جنساً آخر، تصرفت بنفسها، أو تصرفت خادمتها لها.
وهذا كقول الشافعي: إن أرادت المرأة مزيداً في القوت، زادت من أُدمها في قوتها، وإن أرادت مزيداً في الأُدم زادت من قوتها في أدمها.
ويجوز أن يقال: تعيين الأُدم إليها؛ إذ لا ضرار على الزوج في إسعافها، ويظهر تضررها بالمواظبة على أدم واحد، وقد تتضرر بصرف أدم في أدم.
ويظهر هذا الذي ذكرناه منه إذا لم يكن في البلد أدم غالب، فإن كان في البلد أدم غالب، فقد يخرج فيه وجه أن الرجوع إلى الغالب، ويجري الوجهان المقدمان.

هذا قولنا في مقدار الأدم وجنسِه كلَّ يوم.
10093 - قال الشافعي: " يشتري لها في الأسبوع رطلَ لحم إن كانت الوظيفة في القوت مداً، وإن كانت الوظيفة مدين اشترى لها في الأسبوع رطلين ... إلى آخره " 1. قال العراقيون: هذا قاله الشافعي على عادةٍ ألفها في دياره؛ فإن أهل [مصر] 2 قد يستقلون من اللحم، وإذا فرضت عادة على خلاف ذلك في بعض البلاد، فلا [اقتصار] 3 على رطل ورطلين، ولكن المتبع العادة، فنقول: أي قدر يليق بنفقةٍ قدرها مُدّ؟ وكيف السبيل والنفقة مدان؟ ويختلف ذلك بالأصقاع والبقاع، وهو قول العراقيين، وهو حسن متجه، وكان شيخي [يحكي] 4 عن شيخه القفال اتباع الشافعي فيما ذكرناه [من أن المطاعم] 5 والملابس، تدور على سِدادِ الحاجة، ولا تنتهي إلى النعمة والترفه وانبساط بني الدنيا، والدليل عليه أنه أثبت مُدَّين على الملك العظيم، وإن كان هذا نزراً وتْحاً 6 في حق [الموسر في حكم العادات] 7. ويجوز للعراقيين أن يقولوا: ذلك تقدير، والتقدير لا يزول عن وضعه، وما يليق بالكفايات يجب الرجوع فيه إلى موجَب العادات.
ومما يجب التنبيه له أن المرأة إذا كانت تتزجَّى بالحَب القفر 8، وكانت لا تأتدم، فحقها من الأُدْم لا يسقط، فهذا بمثابة استحقاقها أصل النفقة، ولو كانت قد لا تحتاج إليها في بعض الأحوال.

10094 - فأما أُدْم الخادمة، فالذي تحصل لنا من كلام الأصحاب وجهان في أنها هل تفرد بأُدم؟ منهم من قال: تفرد بالأُدم كل يوم؛ فإن الأُدم يتبع النفقة ولا تخلو نفقة عنه، وكما أفردت بالقوت، وجب أن تفرد بالأُدم.
والوجه الثاني - أنها لا تفرد بالأُدم، ولكنها تكتفي بما تُفْضِله المخدومة من الأدم، إذ العادة قد تقتضي الإفراد بالقوت مع الاختلاط في الأدم، فإن فرّعنا على هذا الوجه الأخير، فيجب أن نزيد للمخدومة في الأدم، ونُثبت لها من الأُدم أكثرَ مما نثبته للتي ليست مخدومة، ثم قد لا ننتهي إلى مقابلة مد الخادمة بمكيلة أوقية، فإن أُدْم الخادمة أقل.
وإذا فرعنا على الوجه الأول ملّكنا الخادمةَ أُدمها، واعتقدناه ركناً مستحقاً لها في وظيفتها.
ثم الغالب على الظن أن من أثبت لها كلَّ يوم أُدماً لا يخصصها باللحم في أوان اللحم، والعلم عند الله.
ثم يزيد لحم المخدومة على لحم التي ليست مخدومة.
ولا خلاف أن قوت الخادمة من جنس قوت المخدومة، أجمع على ذلك الأصحاب في الطرق، وذكر العراقيون وجهين مفرعين على أنها مخصوصة بالأُدم في أن أُدمها هل يكون من جنس أدم المخدومة، أم يجوز أن يكون دون أدم المخدومة في الجنس؟ وهذا الاختلاف منقدح، وهو مأخوذ من العادات؛ فإن جنس القوت يتحد وأجناس الأدم تختلف.
وقد انتهى الكلام في الأُدم.
10095 - فأما القول في كيفية صرف النفقة إلى الزوجة 1 فنقول: أجمع الفقهاء على أن الزوج يتعين عليه تمليك زوجته النفقةَ، وأبو حنيفة وإن بنى مذهبه على الكفاية، وافق في أن المرأة إذا طلبت التمليك، أجيبت إلى غرضها، ثم قد ذكرنا أن حقها المتأصل الحَبُّ، كما مضى، فإذا ملكها الحَبَّ، فطالبته بالقيام بمؤن إصلاح الحب طَحْناً وخبزاً، فلها ذلك، وينتظم من هذا أن لها طلبَ تمليك الحب، ثم لها طلب مؤن الإصلاح.

ولو أخذت الحبَّ وملكته، واستعملته بذراً، أو باعته، فلو أرادت مطالبةَ الزوج بمقدار مؤنة الإصلاح، فهذا أراه محتملاً: يجوز أن يقال: لها ذلك؛ فإنها قد تبغي إصلاح [مُدٍّ] 1 عندها، وتُصيِّره خبزاً، وتتملّك ذلك؛ فإنه من حقها، وكأنا نقول: لها البرُّ والأُدم، والمقدارُ الذي يُصلح الطعام.
ويجوز أن يقال: إذا كانت لا تحتاج إلى الخبز، لم تملك المطالبة، بالمؤن التي تُنهي الحبَّ إلى الخُبز، فإن الإصلاح ليس من الأركان والوظائف [القائمة، وإنما هو إصلاح عند الحاجة.] 2 نعم، إذا كانت تحتاج إلى إصلاح البرّ، وقد أخرجت البرّ الذي قبضته، فيجب القطع بأنها تكلِّف زوجها ذلك، فأما إذا كانت لا تحتاج إلى الخبز في يومها، ففيه الخلاف والتردّد الذي أشرت إليه.
ولو اعتاضت المرأة عن البُرّ الثابت لها في ذمة الزوج [دراهمَ] 3، أو ما أرادت من عِوض، فقد ذكر أصحابنا فيه وجهين: أحدهما - أنه لا يجوز؛ فإنه اعتياضٌ عن طعام ثابت في الذمة، بحكم عقد، فأشبه الاعتياض عن المسلم فيه.
والوجه الثاني - أنه يجوز، كما يجوز الاعتياض عن قيم المتلفات، وهذا الخلاف يقرب مأخذه من مأخذ القولين في جواز الاعتياض عن الثمن الثابت في الذمة، وقد سبق ذكرهما في كتاب البيع.
ولو اعتاضت المرأة عن الحب خبزاً، فقد ذكر بعض الأصحاب فيه خلافاً، وهذا يتطرق إليه تجويز بيع البُرّ بالخبز، وهو ممتنع في البيع وفاقاً، ولكن من جوّز هذا فيما نحن فيه، فوجهه -على بُعده- أنها تستحق الحَبَّ والإصلاحَ، فإذا رضيت بطعام مهيَّأ مُصْلَح، فكأن ما قبضته حقُّها؛ وليس عوضاً عن حقها، [فإنه كان لها أن تطلب الحَبَّ] 4، ثم تكلِّف زوجَها إصلاحه، وهذا مما لم يختلف فيه أصحابنا.

10096 - ومما أجراه الأصحاب في الخلاف والمذهب أنها لو رضيت بأن تأكل مع زوجها من غير إجراء تمليك وتملّك واعتياض، فهذا مما اختلف الأصحاب فيه: فمنهم من جرى على قياس المذهب، ولم يُسقط النفقةَ بهذا، وإن كان الزوج يرى إطعامها عوضاً عن حقها عليه، فما يتعاطاه سحتٌ.
ومن أصحابنا من أجاز ذلك، وبناه على مذهب المسامحة والاتباع؛ فإن الأولين كان يعمّ هذا الاعتيادُ منهم من غير إجراء اعتياض.
وحاصل هذا [أنا] 1 إن أردنا تخريجه على قاعدة المذهب، [قلنا] 2 إن المرأة تستحق النفقة تمليكاً إذا لم تَطْعم مع زوجها، فإذا طَعِمت معه واكتفت، سقط حقها من طلب التمليك، وإن لم يكن هذا على حقائق الأعواض، وكأن نفقتها على [هذا] 3 الرأي بين الكفاية إن أرادت وبين التمليك، على قياس الأعواض إن طلبت.
وهذا حسنٌ غائصٌ.
ومما نوصي به من يطلب التحقيق أن يؤثر ما يليق بالباب على القياس الجلي الذي يستند إلى غير الباب.
وما ذكرناه من الرضا بالتطعم لائق بباب النفقة، غيرَ أنها إذا آثرت الطلب، لاقَ بما تطلب التمليكُ والقدرُ 4. 10097 - ولو قدم الزوج لزوجته نفقة أيام، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في أنها هل تملك ما قدمه الزوج على نفقة يومها؟ أحد الوجهين - أنها تملكه، كما يملك مستحق الدين المؤجل ما يعجّل له قبل الأجل.
والثاني -وهو الأظهر- أنها لا تملك؛ فإن الدين المؤجل ثابت، [وإنما] 5 المنتظر الحلول وانقضاءُ الأجل [لتوجيه] 6

الطَّلِبة، والنفقةُ تجب يوماً يوماًً، فلا يقع المقدَّمُ مستحقاً.
ثم قال الشيخ: إن قلنا: إنها تملك ما يقدم لها، فتملك التصرف فيه، وإن قلنا: إنها لا تملكه، لم تملك التصرفَ فيه، والأمر على ما فرعه، وليس ذلك كالقرض- على قولنا: إن المقترض لا يملكه بمجرد القبض؛ فإنا مع ذلك [نسلّطه] 1 على التصرّف، فإنا نقول: يتوقف جريان ملكه على تصرّفه، وإذا جرى منه التصرف، تبيّنا انتقال الملك إليه قبيل التصرف، فالتصرّف على هذا القول شرطُ جريان ملكه، فيستحيل أن يمتنع التصرف.
10098 - وتمام هذا الفصل أن المرأة تملك على زوجها نفقة كل يوم مع [أول] 2 جزء من اليوم، فكما 3 طلع الفجر ملكت النفقة، وطالبت بها، وتصرفت تصرف الملاك، إما فيما في الذمة وإما فيما تقبض.
ثم قال الشيخ أبو علي: إذا قبضت المرأة نفقة يوم وماتت في أثناء اليوم، لم يسترد النفقةَ، وهذا متفق عليه بين الأصحاب.
ولو كان قدم الزوج لها نفقة أيام، وقلنا: إنها لا تملك ما يزيد على نفقة اليوم، فإذا ماتت، تركنا عليها نفقةَ يوم الموت، واسترددنا منها نفقاتِ الأيام بعد ذلك.
وإن قلنا: إنها ملكت ما قدمه الزوج لها، فهل يسترد من تركتها تلك النفقات الزائدة على نفقة يومها الذي ماتت فيه؟ فعلى وجهين- ذكرهما الشيخ: أحدهما - أنه [يستردّها] 4 وهو ما قطع به العراقيون؛ فإنها إنما ملكت على تقدير بقاء الزوجية، فإن انتهت الزوجية نهايتَها قبل الأيام التي قدّم الزوج نفقتها، يجب القضاء بانتقاض ملكها.
والوجه الثاني - أنا لا نستردّ ما قدمه الزوج، فإنما نفرع على أنها ملكته، فأشبهت نفقةَ اليوم إذا أخذتها ثم ماتت في صبيحة ذلك اليوم، فمعظم أوقات اليوم باقية، ثم النفقة غيرُ مستردة.

ولا خلاف أنها إذا أخذت نفقة يومها، ثم نشزت، لم نترك عليها النفقة.
فانتظم من هذا أن نفقة اليوم لا تسترد إلا من ناشزة، وأما إذا ماتت، فلا، ونفقةُ الأيام المستقبلة تستردّ من الناشزة، وهل تسترد من تركة الميتة؟ فعلى الخلاف المقدم.
10099 - ومن تمام البيان في ذلك أنها لو كانت مطيعةً في بعض اليوم ناشزةً في بعضه، فهل تستحق النفقة لزمان الطاعة؟ فيه اختلاف بين الأصحاب، قريبُ المأخذ من مسألة الأمة المزوّجة إذا سلمها السيد ليلاً واستخدمها نهاراً، ولكنا ذكرنا ثلاثة أوجه ثَمّ: أحدها - أنه يثبت تمام النفقة على الزوج، وهذا الوجه لا يخرّج إذا انقسمت الطاعة والنشوز في اليوم الواحد، بل لا يجري هاهنا إلا وجهان: أحدهما - أنها تستحق قسطاً من النفقة، وهذا هو الأوجه هاهنا.
والثاني - أنها لا تستحق شيئاً؛ فإن النفقة لا تتبعض.
ثم إن فرض النشوز في أحد الجديدين 1 على الاطراد والطاعةُ في الآخر، فالبعض الذي أطلقناه نصف النفقة.
وإن كان انقسام الطاعة والمخالفة على نسبةٍ أخرى من الزمان، فلا وجه إلا اعتبارُ الأزمنة والتقسيط عليها.
وهذا نجاز القول في الفصول التي وعدناها في النفقة.
فصل في الكسوة 10100 - الزوجة تستحق على زوجها الكسوة، والكلام في قدرها، وجنسها، وجهة تسليمها.
فأما القدر، فلا قدرَ، والكُسوةُ مبناها على الكفاية، بخلاف النفقة، والدليل عليه

أن الطعام مقدَّرٌ في الكفارة، والكُسوة مقدّرة ولكنها محمولة على دراهم في تفاصيلَ ستأتي مشروحةً في كفارة الأَيْمان، ولا يمكن الاكتفاء بالاسم فيما نحن فيه، فإن ستر المرأة من فوقها إلى قدمها محتومٌ إلا فيما يظهر منها ويبدو في الصلاة، فحقٌّ على الزوج القيامُ بالكُسوة.
ثم الجثث والقُدود تتفاوت تفاوتاً عظيماً، [والقوت] 1 الذي يقع غنيةً وبلاغاً وقد يعم معظمَ طبقات الخلق 2. هذا هو القول في الأصل المرعي في ذلك.
10101 - فأما الجنس فقد قال الشافعي: الكسوة على المعسر من غليظ البصرة، يعني الكرباسَ الغليظ، وهي على الغنيِّ من ليِّن البصرة، يعني الكرباس الليّن الرقيق، والمتوسط بين المعسر والغني.
وإذا كان الأصل مبنياً على الكفاية، فالقول في التفصيل يجري على التقريب لا محالة.
قال العراقيون: هذا الذي ذكره الشافعي محمول على ما عهده في زمانه، ولعل أهله كانوا يكتفون بالليّن والغليظ، فأما إذا عمّت العادات في زمان بإلباس المرأة الحريرَ، والخزَّ، والكتان، وما في معانيها، وكان ذلك لا يعدّ سرفاً ومجاوزةَ حدٍّ، فيجب إلباس المرأة هذه الفنون، إذا هي طلبتها على شرط الاقتصاد والجريان على الاعتياد.
وعلى هذا لا منتهى للجنس، ويجب أن لا يعرض 3 موقف، حتى لو عظم يسار الرجل، ازداد شرفُ الأصناف التي يكسوها زوجاته.

وكان شيخي يقول: ما رآه الشافعي لا مزيد عليه، وهو لبس الدَّيِّن 1، فأما ما عداه، فاعتياده من شيم [المترفين] 2. هذا قولنا في جنس الكسوة.
ولا خلاف أن الخادمة في كُسوتها محطوطةٌ عن المخدومة، والجنس في القوت لا يختلف، وفي الكسوة يختلف، وفي الأُدم خلافٌ قدّمناه.
ثم على الزوج أن يكسو امرأته في الصيف خماراً وقميصاً وسراويل، على حسب ما يليق، كما تقدم التفصيل، ثم يُلبسَها في الشتاء جُبةً تُدفئها على حسب مسيس الحاجة إلى الإدفاء، وقد يكون للخادمة فروةٌ على ما تقتضيه العادة في المغايرة، والقميص الواحد يبلى ولا يدوم السنة.
ثم ذكر العراقيون في ذلك مسائل نذكرها في آخر الفصل.
10102 - فأما جهةُ الكُسوة، فقد اختلف أصحابنا فيها: فذهب بعضهم إلى أنها إمتاع ولا يجب التمليك فيها، فعلى هذا لو استأجر الزوج ثياباً وكَسَتْ 3 بها، كفى ذلك، وكذلك لو استعار.
والوجه الثاني - أنها تستحق تمليكَ الكُسوة، كما تستحق تمليكَ النفقة، وهذا قد يشهد [له] 4 العادة.
فإن قلنا: المستحق في الكُسوة إمتاعٌ، فلو سلم ثوباً إليها ولم يملِّكها، فتلف الثوب في يدها من غير تقصير منها، فالوجه عندنا القطع بأنها لا تضمن؛ فإنها تستحق أن تكسى ويدُ الاستحقاق في الانتفاع لا تُثبت الضمانَ في العين، ولو كنا نضمنها ما يتلف في يدها من الثياب، لتفاقم الضرر عليها، ولكانت على غرر طول زمانها، وعلى خطرٍ في شأنها.

وإن قلنا: إنها تُملَّك، فلا يخفى التفريع.
ثم [القول] 1 في تمليك الخادمة وإمتاعها كالقول في الزوجة سواء بسواء.
10103 - وهذا أوان الوفاء بما ذكره العراقيون.
ونحن [نُجري] 2 مسلكاً نراه أضبط وأجمع، ونذكر في أثنائه كلامَ العراقيين، فنقول: إذا [سلّم] 3 إلى المرأة كُسوةَ الصيف مثلاً، فتلفت في يدها، فإن قلنا: الكُسوة إمتاع، ولم تُقصِّر، فعلى الزوج أن يجدد إمتاعَها بكُسوة أخرى، فإن إدامة الإمتاع محتومةٌ.
وإن قلنا: جهةُ الكسوة التمليكُ، فإن ملكها وظيفةَ الصيف، فتلفت في يدها من غير تقصير، ففي المسألة وجهان: أقيسهما - أنه لا يجب على الزوج تجديد الكُسوة؛ فإنه وفاها حقها ملكاً، وأقام لها حقها المستحَقَّ، فأشبه ما لو أعطاها النفقة وملّكها ثم تلفت في يدها.
والوجه الثاني - أنه يلزم التجديد؛ فإن الكسوة وإن كانت على التمليك، [فإنها] 4 على الكفاية، وهذا ضعيف لا اتجاه له، ولا خلاف أنه لو انقضت نوبةُ الكُسوة، والكُسوة معها 5، فلو حكمنا بأن الكسوة إمتاع، لم يجب التجديد، وإن حكمنا بأن جهة الكسوة التمليك، فيجب الوظيفة.
10104 - ومما يتعلق بذلك ما ذكره العراقيون في النفقة والكسوة عند طريان الموت، قالوا: إذا أعطى زوجتَه نفقة يومها فماتت، لم يسترد نفقة ذلك اليومِ، وقد ذكرنا ذلك.
وإن قدم لها نفقة أيام، استرد الزائدَ على نفقة ذلك اليوم، هذا ما قطع العراقيون به، وفيه خلاف ذكرناه.
وإن وفاها كُسوة الصيف، فماتت في أثناء الصيف، ذكر العراقيون في استرداد تلك الكسوة وجهين في ترتيبهم.

والذي نراه أن الكسوة إن كانت إمتاعاً، فهي مستردة؛ فإنها [ما] 1 ملكتها إلا أن يكون وهبها الزوج منها.
وإن كان التفريع على أن جهة الكُسوة التمليك، فالصيف في كسوة الصيف كاليوم الواحد في النفقة.
وما أطلقوه من الوجهين يخرجان على الإمتاع والتمليك، كما قدمناه.
10105 - ومما يتم به البيان أنا إذا جعلنا الكسوة إمتاعاً، فلو أتلفتها، فلا شك في وجوب الضمان، وهل تستحق كُسوةً جديدة إمتاعاً بها؟ الوجه الظاهر أنها تستحقها إدامةً للإمتاع، وفيه احتمال مأخوذ من إعفاف الابن أباه؛ فإنه إذا أعفه بزوجة فطلقها، فهل يجب على الابن أن يعفه مرة أخرى؟ فيه خلاف ذكرناه في موضعه، والوجه في الكسوة إيجاب التجديد.
وإن أتلفت وفرطت، فإنها تضمن، فكأنها ردّت ما أخذت.
نعم، يجوز أن يقال: هذا الخلاف يجري في التقديم والتأخير، حتى إذا أرادت المطالبة بتجديد الكسوة قبل أن تغرَم للزوج قيمةَ ما أتلفت، فهل لها ذلك؟ هذا يخرج فيه الخلاف خروجاً مستدّاً وقد نجز القول في الكُسوة.
10106 - وما يتصل بهذا القولُ في الشعار، والدثار، وما يفرش.
قال الشافعي: " لها مِلْحفةٌ ووسادة ومُضَرَّبةٌ وثيرة " 2، ويختلف ذلك بالغنى والفقر اختلاف الكسوة.
وللخادمة ثياب ليلها على قدر الكفاية، مع التفاوت الظاهر في المرتبة، حتى قال الشافعي: ثوب ليل الخادمة في حق المعسر كساءٌ.
ثم الكلام فيما يفرش: قال العراقيون: تحت المضرَّبة لِبدٌ أو حصيرٌ، وهل لها زِلّيّة 3 تفرشها بالنهار؟ فعلى وجهين: ذكرهما العراقيون - واقتصروا في الفرش على

هذا القدر، ولم يردّوا الأمرَ إلى العادة، ونحن نعلم أن الفقير الذي نفقته في اليوم مدٌّ [يكفي] 1 مسكنَه فرشٌ يستر أبنيةً أو بناء واحداً 2. ثم لم يرَوْا اعتبار هذا في حق الغني، [وردّدوا] 3 الخلاف في الزِّلّية، وتوسعوا في الكُسوة، وحملوا نص الشافعي حيث ذكر ليّن البصرة في حق الغني على عادة زمانه، وأثبتوا في عادات زماننا الخز والحرير.
وهذا في ظاهره تناقض منهم، تبيّن به أن الوجه اتباع ما لا بد منه، وما عداه تجملٌ وزينة لا يتعلق الاستحقاق به، ويمكن أن يقال: ما اعتبره الشافعي من ليّن البصرة على الغني لم يثبته زينةً، وإنما أُثبت إمتاعاً بالثوب الذي يلين حسّه ولا تتأثر البشرة به، وهذا ما أردنا التنبيه عليه.
10107 - والمسكن في النكاح لا بد منه، ثم رأيت للأصحاب في أبواب العِدد عند ذكرهم مسكن النكاح أنه يُسكنها مسكناًً يليق بها، فاعتبروا في ذلك جانبها، ولم يعتبروا في جنس القوت جانبها، وإنما اعتبروا فقر الزوج وغناه، كما قدمناه.
وقد يعترض في هذا سؤالٌ من جهة أن المرأة وإن كانت رفيعة المنصب والزوج يحصرها وحدها أو مع خادمة في الدار، وله أن يمنع أهليها من مداخلتها، وقد نوجب على الفقير أن يُخدِم زوجتَه، واتساعُ المسكن إنما تمس الحاجة إليه لكثرة الساكنين، فما وجه ذلك والطرق متفقة على أن المساكن تختلف باختلاف أقدار الزوجات؟ والأصل في هذا أن الكبيرة المنصب إذا كانت ألفت مسكناًً فسيحاً ينسرح الطرف فيه، فلو رُدّت إلى حجيرة منخفضةِ السقوف ضيقةِ الأبنية، كان ذلك بالغاً في الإضرار بها، وهذا واضح في العادات، ولذلك أطبق أهل المروءات على التباهي بالمساكن وارتياد = ما يسمّيه أهل مصر (السجّاد) يطلقون عليه (الزَّلّ) بفتح الزاي، وهو ما يفرش من البسط بأنواعه وأشكاله.

ما يليق بأحوالهم منها، حتى إذا فرض مسكنٌ محطوطُ القدر عُدّ الاكتفاء به نُكراً في العرف، وخَرْماً للمروءة.
والذي ينتظم عندنا في هذه الأبواب أن ما يكون إمتاعاً في حقوق الزوجة يجب أن يُرعى فيه منصبها وحالها، وما يكون مبناه على التمليك، فلا فرق فيه بين أن تكون رفيعةً أو خاملة، وإنما يختلف القدر فيه بتوسع الزوج في الثروة أو نقيض هذه الحالة تعلّقا بقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]، وقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7]، وما أشار إليه العراقيون من التردد في الكُسوة أُدراه مبنياً على أنها إمتاع أو تمليك، والعلم عند الله.
فإذاً لا تمليك في المسكن، ولا في المفارش، وثياب الليل ملتحقةٌ بالفرش؛ إذ يبعد أن يجب عليه تمليكُهَا ثيابَ الليل، ثم يضاجعها في ثيابها، والنفقة والأُدم على التمليك، وفي الكُسوة الخلاف الذي قدمناه.
10108 - ثم قال الشافعي: " على الزوج أن يُهيىء لها عتادها في التزين والتنظف فيشتري لها مشطاً، وما يليق به إن كانت تحتاج إلى مزيد ... إلى آخره " 1. ثم قال الأئمة: للخادمة أصل النفقة والأُدم تبعاً وأصلاً، كما تقدم، وهي تُمتَّع بالمسكن تمتعَ الزوجة، ولا بد لها مما يدفئها ليلاً على قدرها، وهي محطوطة عن المخدومة، وليس لها آلةُ التنظف كالمشط وغيره، ولها خُفان إن كانت تحتاج إلى الخروج، ثم كُسوتها في التمليك والإمتاع ككسوة الزوجة، وأرى خفَّها في معنى كُسوتها.
وللزوجة المشط والدهن الذي تترجل به، فإن كانت تبغي مزيداً تتزين به كالكحل والطيب، فلا تستحق شيئاًً من ذلك، والأمر فيه مفوّض إلى الزوج، والزوج يجنبها ما يتأذى به إذا تعاطته كالأطعمة التي لها روائحُ كريهة.
ولو كانت تتعاطى من الأطعمة ما يغلب على الظن أنه يُمرضها، فهل للزوج أن يمنعها منه؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - لا يمنعها؛ فإن المرض غيبٌ

ولا تتأذى في الحال، ولو فتحنا هذا الباب، لطال نظرنا في منع الزوج إياها من مزيدٍ في القدر تتعاطاه من الطعام، وفي تكليفها أموراً ظنيّة، وإن كان ما تتعاطاه مما يؤثر تأثير السموم، فلا شك في أنه يمنعها، كما يمنعها أن تقتل نفسَها.
ومما تعرض له الأصحاب في الخادمة أنها إذا احتاجت إلى إزالة الوسخ عن نفسها، ولو لم تفعل ذلك، لتأذت بالهوامّ والوسخ، ثم تأذت المخدومة بها إذا كانت [تخامرها] 1، فيجب على الزوج أن يكفيَها ذلك، وقد يكون من حاجتها المشط، هكذا ذكره الصيدلاني، وهو حسن متجه.
وفي بعض التصانيف ليس لها المشط، فإنها إن تأذت، كان تأذيها بمثابة تأذيها بأمراضها، وليس على الزوج معالجةُ أمراضها فيما تتأذى به، وإنما عليه أن يهيىء لها ما سبق تمهيده.
والأصح ما ذكره الصيدلاني، وليس تأذيها بالوسخِ من قبيل الأمراض؛ فإن الأمراض وإن كان يغلب طريانها في المدد، فليس مما يُقضى فيها بأنها ستكون لا محالة، وركوب الدرن والوسخ وتلبد الشعر، ووقوع الهوام، مما يقع وقوعَ الجوع، فيجب أن تُكفَى هذه الجهة، كما تُكفَى الحر والبرد.
10109 - فأما إذا طلبت المرأة الدهن لتترجل به، فقال الرجل: أما ما تتأذَّيْن به من وسخ، فعليّ أن أهيىء لك ما تستعينين به على إزالة ذلك، وأما الزينة بالترجل، فلست أبغيها منك، وهي حظِّي وليس من ضرورتك، فظاهر كلام الأصحاب أنه يجب عليه إقامة آلة الزينة لها، وليس يبعد من طريق الاحتمال ألاّ يجب ذلك لما أومأنا إليه، ولها الطيب، [ولم] 2 يوجب أحد على الزوج بذلَه لها ما يقطع الروائح الكريهة، ولا يتأتى قطعها إلا به كالَمْرتَك 3 في قطع الصِّنان، فهذا فيه نظر؛ فإن الماء قد يكفي فيه، مع استعمال ترابٍ أو غيره، فإن كان لا يتأتى القطع إلا بما ذكرناه، فنقطع

بتحصيله لها، فإن هذا مما [يؤذيها] 1 في نفسها، وعلى الفقيه ألاّ يَغفُل نظرُه عن الرواتب من هذه الأمور، وعما يطرأ بعارض.
والكحل لم يوجبه أحد وألحقوه بالطيب، ولم يختلفوا أنه لا يجب على الزوج مؤن المعالجة، كالأدوية ومؤنة الحجامة والفصد، وما في معانيها.
10110 - ومما يجب إعداده ماعون الدار كظروف الماء، والقِدْرِ للطبخ، وما في معناه من المغارف وغيرها مما يظهر التضرر بسبب فقدها، ثم ظروف الماء قد تكون خزفية، وقد تكون نحاسية، والسبيل فيها الإمتاع، كما ذكرناه في المسكن والمفارش، ويتجه أن تكتفي الخاملة بظروف الخزف، والشريفة تبغي النحاسية.
ويجوز أن يقال: طلب أواني النحاس من رعونات الأنفس، وليس كالمسكن، فإن المسكن الضيّق يغُمّ ويضر إضراراً بيّناً، والعلم عند الله.
وإذا تعلق الكلام بالكفايات، وأثبتت على خلاف المراتب، لم يكن استيعاب المقاصد منها بالمسائل، وإنما الممكن تمهيد الأصول على أقصى الإمكان في التقريب، والله المستعان.
فصل 10111 - المكاتب وإن كان موسعاً عليه، فنفقته نفقة المعسرين؛ فإن ملكه غيرُ تام، ولهذا قبض الشرع على يديه، ومنعه من الاستقلال بالنفس في التبرعات، وردّد الشافعي القولَ في نفوذ تبرعاته بإذن المولى.
والعبد ينفق نفقةَ المعسرين سواءٌ كان محجوراً عليه أو مأذوناً له في التجارة، وسواء ملكه المولى وفرعنا على أنه يملك بالتمليك، وسواء أذن له في إتلاف 2 جميع ما ملكه أو لم يأذن.
فأما إذا كان بعضه رقيقاً وبعضه حراً، وقد كثرت أمواله،

[بالبعض] 1 الحر منه، فالذي أطلقه الأصحاب أن نفقته نفقة المعسرين لما فيه من نقص الرق، وكل ما يبنى على كمال، فمن بعضه رقيق فيه ملتحق بالأرقاء، كالشهادات والولايات.
وقال المزني: إذا كان غنياً ببعضه الحر، نظرنا إلى الرقيق منه والحر، فإن كان النصف منه رفيقاً، فيخرج نصف نفقة المعسرين، وهو نصف مُدّ ويخرج نصف نفقة الموسرين وهو مد، فيجتمع مد ونصف بهذا الاعتبار، وإن تفاوت مقدار الرق والحرية، فيتفاوت الحساب، والمتبع الاعتبار الذي ذكرناه، وهذا المسلك مشهور للمزني، ومعظم الأصحاب على مخالفته.
وذهب بعض أصحابنا إلى اتباعه واختيار مذهبه، وإلحاقه بمذهب الشافعي رضي الله عنه.
...

باب الحال التي تجب فيها النفقة

قال الشافعي: " إذا كانت المرأة يجامَع مثلُها ... إلى آخره " 1. 10112 - النكاح في القواعد معدود من موجِبات النفقة، كالقرابة، وملك اليمين، ثم اشتهر في الطرق من الأصحاب ذكرُ قولين في أن النفقة تجب بالعقد أم بالتمكين، وهذان القولان مستخرجان من معاني كلام الشافعي وتعاليله في المسائل على ما قد ننبه على بعضها، على حسب مسيس الحاجة.
والغرض من منشأ القولين يتبيّن بما ننبّه عليه، فنقول: النفقات الدارّة لا تجري مجرى الأعواض على التحقيق، وإنما هي [كفاية] 2 في مقابلة ارتباط المرأة بحِبالة الزوجية؛ فإن للزوج سلطانَ منعها عن التبسط، فقابل الشرع ما أُثبت له من الاحتكام عليها بإيجاب كفاية مؤنها عليه، والصداق هو المذكور على صيغة [الأعواض] 3 في مقابلة البضع، ثم صح عند المحققين أنه خارج عن حقائق الأعواض، فإذا كان لا ينتصب الصداق عوضاً محققاً، فالنفقات لا يتخيل ثبوتها عوضاً في العقد، ولكن انقدح معنيان: أحدهما - احتباسها بالعقد على الزوج، والآخر - تمكينها الزوجَ من الاستمتاع.
ولم يختلف العلماء أنها لو نشزت، فلا نفقة لها في زمان النشوز، فلما لم تكن النفقة عوضاً لمنافع البضع حتى يتوقف استقرارها على توفية المنافع، كما يتوقف استقرار الأجرة على توفية المنافع المقابَلَةِ بها مقابلةَ الأعواض على التحقيق، فقال قائلون: النفقة تجب بالعقد: معناه أنها تجب بالاحتباس الذي أوجبه العقد، وذلك

مشروط بعدم النشوز، وللشافعي لفظ في (السواد) ينطبق على هذا، وهو أنه قال في نفقة الصغيرة: " ولو قال قائل ينفق لأنها ممنوعةٌ به من غيره، لكان مذهباً " 1 وهذا تعلق منه رضي الله عنه بما يقتضيه النكاح من المنع، وإشارة إلى أن سبب وجوب النفقة ذلك.
ثم هذا يعتضد بقواعدَ لا خلاف فيها، وهي أن المريضة التي لا تؤتَى تستحق النفقة، وإن انحسمت جميع وجوه الاستمتاعات بها، والرتقاء تستحق النفقة، وإن عسر مقصود النكاح عُسراً يُثبت الاطلاع عليه الخيارَ في فسخ النكاح، غير أنها إذا نشزت وامتنعت على زوجها، أسقط الشرع نفقتَها؛ استحثاثاً لها على الطاعة، ودُعاءً إليها كما بين الله تعالى في لطيف كتابه، [ردّهن] 2 بالموعظة، والهجران في المضجع، والضرب إلى الطاعة.
وصاحب القول الثاني يقول: إيجاب المؤن على الزوج على مقابلة التمكين من الاستمتاع، فالتعويل على التمكين، ولا يُفرض التمكين على الحِلّ إلا في عقد.
ويتبين القولان بشيئين: أحدهما - أن الزوجين لو اختلفا: فقال الزوج: لم تمكّني، وقالت: مكنتُ، وذكرا على مُوجَب النزاع مدةً، وحاول الزوج سقوطَ النفقة بها 3، وأرادت المرأة استقرارها في تلك المدة، ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - أن القول قول الزوجة.
والثاني - أن القول قول الزوج.
ولا خروج لهذين القولين إلا على القولين المذكورين في موجَب النفقة.
فإن قلنا: النفقة تجب باحتباسها في حِبالة النكاح، ودوامُها مشروط بعدم النشوزَ، فكأن الزوج يدّعي عليها النشوزَ، والأصل عدمُه، ولا حاجة بها إلى ادعاء التمكين، وإنما [تنفي] 4 النشوز.
وإن قلنا: موجِب النفقة التمكينُ، فهي تدعي صدورَ التمكين منها، والأصل

عدمه، فالقول قول الزوج.
فهذا أحدُ ما يبيّن القولين.
والثاني - إن نكح امرأة ولم يطلب زفافَها، ولم تُظهر المرأة وأهلُها امتناعاً، وتمادى على ذلك الزمنُ، فهل تستقر النفقة في زمان السكوت؟ على القولين المقدّمين، لست أشك في سماعهما من شيخي.
وقطع العراقيون بأن النفقة لا تثبت في زمان السكوت، وليس من الممكن القطع بهذا مع إجراء القولين في الاختلاف الدائر بين الزوجين، فنقول: إن قلنا: موجب النفقة العقد ولا تسقط إلا بالنشوز، فلم يصدر منها نشوز، فاستمرّت النفقة، واستقرت لقيام موجِبها، وانتفاءِ مسقِطها.
وإن قلنا: النفقة تجب بالتمكين كما تستقر الأجرة بالتخلية والتمكين، فلم يوجد من المرأة تمكين، كما لم يوجد منها نشوز، فلا تستحق النفقة.
هذا ما رأينا تصدير الباب به.
10113 - ثم إن الشافعي ذكر نفقة الصغيرة المنكوحة، وذكر النفقةَ على الزوج الصغير، والمسلك الذي نراه أقربَ إلى البيان وإيضاحِ الغرض، تفصيلُ الصور، ثم جمعها، فإذا نكح الرجل صغيرة لا يؤتى مثلُها لصغرها، فهل تثبت نفقتها؟ فعلى قولين منصوصين للشافعي، وتوجيه القولين يعسر افتتاحه، مع القطع بأن المريضة المُدنِفة تستحق النفقة، لا نعرف في ذلك خلافاً، فإذا تعلق موجِب النفقة بذلك، عسر على ناصر القول الثاني الفرق، وليس على قول من يقول: [لا تنحسم جميع وجوه الاستمتاع في حق المريضة معوّلٌ؛ فإن التصوير الحاسم لجميع وجوه الاستمتاع ممكنٌ في حق المريضة] 1. والوجه في تنزيل القولين أن نقول: الصبا المانع، ثم الكبر الذي يتهيأ معه الوقاع مما يترتب على ترتيب الخلق وأطوار التردد، فكأن الصبية في نوبة من عمرها لا تقصد

للاستمتاع، وإنما يعتقد أوان الاستمتاع بعد الترقي عن الصغر المفرط، والأمراض عوارض لا ترتّب لها، ولا تعدّ من الأطوار التي يقع عليها أدوار النشوء، فلم ير الشرع اعتبارَها، وأمّا الرتَق، فأمر دائم لا يزول، وهو من ضرورة الخلقة، والنكاح يدوم، فلو أسقطنا نفقتها، لأدمنا حبسها من غير كفاية.
فإذا وقع التنبه لهذا، وظهر تميز الصغيرة عن المريضة، والرتقاء، فنوجه القولين بعد ذلك ونقول: تستحق النفقة للاحتباس، وهذا تعليل الشافعي وينطبق هذا بعد التحرز عن المرض والرتق- على ما ذكرناه من القولين في أن النفقة تجب بماذا؟ ومن لم يوجب النفقة لم يعتبر الصّغر بالمرض، واعتضد بأن الصغيرة لا تعدّ في العرف محتبسة بالزوجية، بل هي محتبسة بصغرها، والاستمتاع مرقوب ودرور النفقة موقوف على أوان الاستمتاع.
هذا إذا نكح الرجل صغيرة.
10114 - فأما إذا زُوِّجت امرأةٌ من صغير لا يتأتى الاستمتاع منه، ففي المسألة قولان أيضاًً، أما وجه وجوب النفقة، فبيّنٌ؛ فإن المانع في الزوج، والمرأةُ [متهيئة] 1، وأما من أسقط النفقة، فتعويله ما قدمناه، من أنّ الصغر لم يعدّ في عرف أهل الدين من نُوب المطالبات بالنفقة، والأولى ترتيب القولين في صغره على القولين في صغرها، فإن قلنا: صغرها لا يسقط النفقة، فلأن لا يسقط صغره النفقةَ أولى.
وإن قلنا: صغرها يسقط النفقةَ بخلاف مرضها، ففي صغره قولان، والفارق أن الصغر من جانبها مانع في محل التمكين، بخلاف الصغر في جانبه.
ولو زوجت صغيرة من صغير، والصغر من كل واحد منهما مانع فالقولان في النفقة جاريان، وهما مرتبان على القولين في صغره.
وإن أحْبَبْتَ رتبتهما على القولين في صغرها والزوج كبير.
10115 - وإن جمعنا الصور وأردنا أن نجريَ الأقوالَ في جميعها، قلنا: أحد الأقوال - أن الصغر ينافي وجوبَ النفقة في أي جانب فرض، والثاني - أنه لا ينافي

وجوب النفقة في أي جانب كان، والثالث - أن الصغر فيها ينافي وجوب النفقة، والصغر فيه لا ينافي وجوب النفقة.
ويجري قول رابع أن الصغر فيهما ينافي وجوب النفقة، والصغر في أحدهما لا ينافي الوجوب.
وسرّ هذا الفصل في تمييز الصغر عن البرص والرتق، وتنزيل القول فيه على نوب الخلقة، أو على احتباس المرأة بالعقد.
واختار المزني أن صغرها يسقط النفقة وصغر الزوج لا يسقط النفقة، إنما ذكرت اختيار المزني؛ لأن الفطن قد يرى إسقاط النفقة لصغر المرأة على خلاف القياس، وإذا اعترض مثلُ هذا الظن ورأينا المزني على مخالفته، قوي الاعتضاد بمذهبه.
وفي بعض التصانيف أن البالغة إن نكحت صغيراً على علم، ففي نفقتها قولان، كما ذكرناهما، وإن نكحت ولم تعلم صغر الزوج، استحقت النفقةَ قولاً واحداً.
وهذا التفصيل لم أره لأحد من الأئمة المعتبرين، وما يُسقط النفقة لا يختلف بالجهل والعلم.
[والعلم] 1 عند الله.
فصل في التمكين ومعناه والنشوز المسقط للنفقة، والأسباب المانعة من الاستمتاع التي تجب النفقة معها.
10116 - وأما التمكين، فإذا قالت المرأة المستقلة، أو قال أهلها -إن كانت محجوراً عليها- مهما سُقْتَ الصداقَ، زففناها، فهذا تمكين، فإذا أعرض الزوج، وامتدت المدة، استقرت النفقة، فإن نفقة الزوجية لا تسقط بمرور الزمن بخلاف نفقة القرابة، ولا يتوقف استقرارها دَيْناً في الذمة على قضاء القاضي وفرضِه،: خلافاً لأبي حنيفة 2، هذا تصوير التمكين، ولو فرض السكوت، فقد أثبتنا جريان القولين في صدر الباب.

ولو كانت صغيرة لا يتأتى وقاعها، ورأينا إيجاب النفقة للصغيرة، فلا حاجة في تقرر النفقة في الصغر على وعدِ الزفاف عند إمكان الاستمتاع، بل تستقر النفقة في الصغر مع السكوت وترك التعرض وفاقاً، وإذا حان زمان الإمكان، [فتصوير] 1 التمكين والسكوت على ما مضى، ولا يتوقف إمكان الاستمتاع على البلوغ؛ فإن الاستمتاع ممكن قبله، وكذلك لا يتوقف تمكن الزوج من الاستمتاع على بلوغه، فإن الصبي ينتشر ويجامع.
ولو كانت المرأة مريضة لا يتأتى وقاعها، فنفقتها دارّة وإن امتنعت عن الاستخلاء بالزوج، ولو قال الزوج: زفوها إليّ، وأنا أمتنع عن وقاعها إلى أن [تشتد] 2، لم يؤتمن عليها، هذا إذا ثبت المرض المانع، وإن أنكر الزوج امتناع الوقاع، فشهدت أربع نسوة على المانع، ثبت [المرض] 3 وقرت النفقة.
وإن شهدت امرأة واحدة، ففي بعض التصانيف في ذلك وجهان، ذكرهما العراقيون، وتحصيل القول فيهما يؤول إلى أنا هل نكتفي في هذا المقام بخبرِ من يوثق به، وتقبل روايته؟ فعلى الخلاف الذي ذكرناه، والسبب في هذا التردد طريان العوارض عند فقدان أربع [يشهدن] 4. ولو لم يكن بالحضرة شاهدة، وكانت في بيتها على ظاهر الصّحة، فادعت سبباً باطناً لا يبعد صدقها فيه، وزعمت أنه ينالها من الوقاع شدةُ ضرر، فلا تصدّق، ولها أن تحلّف زوجها على نفي العلم.
ولو كانت على دَنَف ومرض ظاهر، ولكن كان لا يثبت ما ينالها من الضرر بمجرد ما يشاهَد منها، فهو كما لو كان ظاهرها الصحة.
هذا قولنا في التمكين، وما يليق به.
10117 - وأما النشوز، فإذا توفر عليها حقها، ووجب عليها تسليمها نفسها، فأبت، فهي ناشزة، ولا نفقة لناشزة بالاتفاق.

ولو امتنعت، فكان الزوج قادراً على ردّها إلى الطاعة، فنفقتها تسقط، ولا نكلِّف الزوجَ معاناةَ ردّها وإن قدر عليه.
ولو امتنعت على زوجها في دار زوجها، فهي ناشزة، إلا أن يكون ذلك [محاولَة] 1 دلال يغلب جريانه من اللواتي لا امتناع بهن، ولا يخفى تمييزه عن النشوز.
ومن القواعد أنها لو فارقت مسكن النكاح غاضبة، فهي ناشزة، ولو فارقته بإذن الزوج في شغلِ الزوج، أو سافرت كذلك في شغله، فنفقتها دائمة، ولو خرجت أو سافرت بإذن الزوج في شغل نفسها، ففي سقوط النفقة قولان: أحدهما - أنها لا تسقط لإذن الزوج واتصافها بنقيض المخالفة.
والقول الثاني - أن النفقة تسقط؛ فإنها استبدلت عن تمكينها شغلاً لها، فيبعد أن يجتمع لها قضاء وطرها من شغلها ودرور النفقة، وهذا الاختلاف له التفات على القولين المذكورين في صدر الباب: فإن قلنا: النفقة لا تسقط إلا بالنشوز، فهذه ليست بناشزة، وإن قلنا: لا تجب النفقة إلا بالتمكين، فهذه ليست ممكنة.
10118 - فهذا قواعد الكلام في التمكين والنشوز، والأعذار العارضة، ونحن نفضّ عليها مسائل مقصودة في أنفسها، وهي تفيد تمهيدَ الأصول.
فمما ذكره المزني إحرام المرأة، والقول في ذلك يتفصّل، فنذكر التفصيل فيه إذا أحرمت بإذن الزوج، ثم نذكر التفصيل فيه إذا أحرمت بغير إذنه.
فأما إذا أحرمت بإذن الزوج، فلا يملك الزوج تحليلها لصَدَر الإحرام عن إذنه، ثم لها حالتان: حالة إقامة، وحالة ظعن: أما إذا ظعنت مسافرة آمّة بيت الله، فهي مسافرة بإذن زوجها في شغل نفسها، ففي سقوط نفقتها في هذه الأيام قولان جاريان إلى أن تقضي نسكها، وتؤوب إلى زوجها.
فأما إذا أحرمت وبقيت في مسكن النكاح أياماً إلى اتفاق الخروج، فالذي تحصّل

لنا من طرق العراق وغيرها طريقان: ذهب الأكثرون إلى وجوب النفقة؛ فإنها تحت يد الزوص وامتناع [الوقاع] 1 صادر عن إذنه.
ومنهم من قال: في سقوط نفقتها قولان، كما لو خرجت؛ فإن الوقاع قد امتنع، وتبعه امتناع جميع وجوه الاستمتاع، فلا أثر لكونها في المسكن، ولا فرق بين إقامتها وظعنها، وهذه الطريقة أقيس، وطريقة القطع أشهر في الحكاية.
ولو أحرمت بإذن الزوج، وهمت بالخروج فنهاها الزوج عن الخروج، فالذي حكاه الصيدلاني عن القفال أنه كان يقول: تسقط النفقة إذا خرجت على مخالفته قولاً واحداً، والذي يقتضيه كلام الأئمة في الطرق إجراء القولين، وقد حكاهما الصيدلاني عن الأصحاب، والوجه فيه أنها إذا لابست الإحرام، فلا خلاص لها ما لم تلْقَ البيتَ، فكأن الزوج ورطها في ذلك، والوجه ما ذكره الأصحاب.
وكل ذلك وإحرامها بإذن الزوج.
10119 - فأما إذا أحرمت بغير إذنه، فللشافعي قولان في أن الزوج هل يملك تحليلها، وهل يفصل بين حج الفرض وحج التطوع؟ فيه تفصيل ذكرناه في باب الحصر من كتاب الحج، فإن قلنا: يملك الزوج تحليلها، فإن حللها، استمرت النفقة وزال المانع، وإن لم يحللها، فالذي ذهب إليه الجماهير أن نفقتها لا تسقط ما دامت مقيمة؛ فإنها في قبضته والزوج مقتدر على تحليلها، وفي بعض التصانيف حكايةُ وجهٍ أن نفقتها تسقط؛ فإنها فعلت ما يتصور منها، والإحرام على الجملة مانع، وقد ترتاع نفس الزوج عن تحليلها، ويمكن أن يقال: قدرته على تحليلها بمثابة قدرته جملى رد الناشزة عن استعصائها.
ولو خرجت، لم يخْفَ أنها ناشزة.
هذا إذا قلنا: يملك الزوج تحليلها.
فأما إذا قلنا: لا يملك الزوج تحليلها، فلا يملك أيضاًً منعَها من الخروج، فلا نفقة لها إذا خرجت؛ فإنها لم تستأذن زوجها، وهل لها النفقة ما دامت مقيمة إلى الخروج، فالوجه عندنا القطع بأنها لا تستحق

النفقة.
وذكر الصيدلاني في ذلك وجهين: أحدهما - ما ذكرناه، والثاني - تستحق النفقة؛ فإنها لو أرادت التحلل، لم يمكنها، وإنما يُقضَى عليها بالنشوز إذا تمادت ي امتناعٍ هي [قادرة] 1 على النزول عنه والرجوع إلى الطاعة 2. وهذا يقرب بعضَ القرب من مسائل ذكرناها في كتاب الصلاة: منها أن من ردَّى نفسه من شاهق، وانخلعت قدماه، وصلّى قاعداً أياماً ثم [استبل] 3، فهل يلزمه قضاء الصلوات التي أقامها قاعداً؟ فيه تردد.
والوجه عندنا ما قدمناه من إسقاط النفقة؛ فإن الامتناع إذا نسب إليها، كفى ذلك في سقوط ما تستحق على مقابلة التمكين.
فأما الرخص؛ فإنما يمتنع ثبوتها بسبب العصيان، والعصيان يتحقق في الأفعال الاختيارية، وقد انقضى عصيان المُرْدي نفسه.
ولم أر هذين الوجهين إلا للصيدلاني.
10120 - ومن المسائل التي نذكرها صيام المرأة: أما الصيام في رمضان فلا يُسقط نفقتها، وهو بمثابة اشتغالها بوظائف الطهارات والصلوات في أوانها، ويعترض في ذلك أنا إذا جوزنا للمرأة أن تخرج لحجة الإسلام، وإن كان لا يحرم عليها التأخير، فهل تستحق النفقةَ كما تستحق في أيام رمضان، أم كيف السبيل فيه؟ هذا فيه تردد؛ من جهة أن الحج لا نوجب ابتداره على الفور.
ونحن وإن جوزنا لها الخروج لتتخلص من [الغرر] 4، فيبعد أن تستفيد ذلك، وتترك ناجزَ حق الزوج، ونفقتُها دارّة، ويجوز أن يقال: هي مقيمة فرضَ الإسلام، ولم نمنعها من إقامته على القول الذي انتهى التفريع إليه.

ولا ينبغي أن يعتمد الفقيه في الفرق بين الصوم وبين الحج تخلل الليالي، فإنها لو كانت تنشز نهاراً وتمكِّن ليلاً، لم يُطلق القول بثبوت نفقتها، وقد أجرينا في هذا اختلافاً [وتردّداً] 1، ولا خلاف أن نفقتها لا تسقط في صوم رمضان.
ولو كانت صائمة تطوّعاً أو نذراً لم يصدر عن إذن الزوج: أما صوم التطوع، فللزوج قطعه عليها، وفي صوم النذر ترتيب: فإن نذرت في الزوجية من غير إذنه، كان له قطعه عليها، فنقول: إذا كان يملك القطع، فقد ذكر العراقيون أنه لا تسقط نفقتها، وهو مما كان يقطع به شيخي.
وفي بعض التصانيف وجهان، وقد ذكرنا نظيرهما في الإحرام على قولنا: للزوج أن يحللها إذا أحرمت بغير إذنه.
والوجه عندنا ترتيب الصوم على الإحرام؛ وذلك أن الزوج يُقدِم على الاستمتاع بالصائمة من غير تقديم أمرٍ، ويكون استمتاعه بها تحليلاً، وهذا لا يتحقق في الإحرام؛ فإنه يجب عليه أن يحللها أولاً، ثم يستمتع بها، فإن لم يكن من إجراء الخلاف بدّ على ما ذكره بعض المصنفين، فالوجه ترتيبه على الخلاف المذكور في الإحرام، وطريق العرف 2 ما أشرنا إليه.
هذا إذا أصبحت صائمة والزوج قادر على الاستمتاع، وقد ساغ له قطع الصوم عليها.
وأما إذا حاول إفساد الصوم عليها، فامتنعت، فقد ذكر العراقيون وجهين في أن نفقتها هل تسقط في ذلك اليوم، ولعلهم قالوا هذا في يومٍ أو أيام قلائل مفرقة على كُثر الأيام وسأبيّن أصله.
فأما إذا أكثرت الصيام، وامتنعت لأجل الصيام على الزوج نهاراً، فيجب القطع بتنزيل ذلك منزلة النشوز منها في تلك الأيام مع التمكين ليلاً، ثم لا يخفى التفصيل.
10121 - ونحن الآن نجمع فصولاً تَمَس الحاجة إليها فنقول: لا شك أن الزوج

لا يمنع الزوجة من وظائف الشريعة المفروضة، ولو أراد أن يمنعها عن إقامة الصلاة في أول الوقت، ففيه اختلاف مشهور بين الأصحاب.
وكذلك لو منعها من إقامة السنن الرواتب، ففيه الخلاف أيضاً؛ فإن في تعجيل الصلاة فضيلة، والزوج بتكليفها التأخير يفوّتها عليها.
وكان شيخي يجري الخلاف في صومها في يوم عرفة وعاشوراء؛ فإن الأخبار المُرغِّبة فيها ظاهرة، فنزل صومها منزلة اشتغالها برواتب السنن.
وأما إذا كانت تعتاد صوم الأثانين والخمايس، فللزوج منعها من المواظبة على ذلك؛ فإنها لو [فعلت] 1 هذا على مخالفة الزوج، لكانت معطِّلة عليه أياماً من الشهر، وما حكيناه من خلاف العراقيين في صوم يومٍ هو بالإضافة إلى الأيام بحيث لا يعد قادحاً في استمرار الاستمتاع.
ولست أردّ فكري إلى ضبطٍ فيه، ومعتقدي أنها ناشزة إلا في صوم عرفة وعاشوراء، ثم في صومها الخلاف الذي ذكرته في رواتب السنن.
هذا إذا كان الزوج يرهقها 2، وأما إذا أتت بما يبدو لها من صوم في غيبة الزوج، فلتفعل من هذا ما بدا لها، ولو أرادت أن تحج، فتفصيله في كتاب الحج.
وإن فاتتها أيام من رمضان، فوقتُ القضاء السنةُ، فإن أرادت ابتدارَها، وأراد الزوج منعها من الابتدار، فهذا على الخلاف في تعجيل الصلاة وتأخيرها.
فإن قلنا: لها أن تعجل القضاء، فالأولى أن نفقتها لا تسقط بخلاف الحج؛ فإنا وإن جوزنا الخروج فيه، فهو انقطاع عن الزوج إلى اتّفاق الأوبة.
هذا منتهى الغرض في هذه المسائل.
فرع: 10122 - إذا فارقت المرأةُ مسكنَ النكاح في غيبة الزوج ناشزةً، سقطت نفقتها بنشوزها، فإن عادت إلى المسكن، واستمرت على الطاعة، فهل نقول: تعود

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل