نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 45-64
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المساقاة

صفحات 45-64
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وفي كلام القاضي إشارة إلى أن حق العامل إنما يسقط بالفسخ إذا لم تظهر الثمرة، فأما إذا ظهرت الثمرة، ففي كلامه تردد ظاهرٌ، في أن الفسخ لو جرى، لم يتضمن إسقاطَ حق العامل من الثمرة بالكلية؛ التفاتاً على ما ذكرناه في الإجارة، ثم لا بد من سقوط البعض، ولا مرجع فيه إلا ما مهدناه في صدر الفصل.
هذا منتهى مرادنا في ذلك، وبقية التقرير هو ما يشترك فيه العامل، والجَمّال وسنذكره في كتاب الإجارة.
إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: " وإن عُلم منه سرقةٌ، وفسادٌ، مُنع من ذلك ... إلى آخره " 1. 5036 - إذا ادّعى المالك على العامل سرقةً وخيانةً، فالقول أولاً قولُ العامل؛ فإنه أمين، والأصل عدم ما يدّعيه المالك، فإن أثبت ذلك بالبينة، أو بإقرار العامل، لم يثبت للمالك حقُّ الفسخ، كما إذا ظهرت خيانةٌ من المرتهن في الرهن، لم يثبت للراهن حق الفسخ، بل تُزال يدُ المرتهن، ويعدّل الرهن، ويُقرّ العقدُ.
ثم إذا أثبتنا الخيانة، فقد قال المزني: يُكترى عليه من يقوم مقامه، وتزال يده عن النخيل.
وذكر في موضع آخر أنهُ يضم إليه من يعمل معه، ويحفظه من الخيانة، ولا تُزال يدُه.
فقال الأئمة: إن كان لا تنحسم خيانته بمراقبة من يراقبه؛ لتهدّيه إلى سبل الخيانة، فإذا تبين ذلك، أو غلب على الظن، نُحِّي، على 2 هذا يُحمل قول المزني، حيث قال: " يكترى عليه، وإن أمكن تمكينُه من العمل مع درء خيانته بالمراقبة، لم ينح ولم تُزل يدُه ". فالمسألة على حالتين، وليست على قولين.

ثم قد يعترض في ذلك الكلامُ في [أجرة] 1 مَنْ [يُشارفه] 2، وفيها إشكالٌ، فإن الحاجة إلى بذلها نشأت من قلة الثقة بالعامل، وظهور الخيانة [منه] 3، ويبعد عندنا أن تكون هذه الأجرةُ محسوبةً عليه، وهو يزعم أنه ليس يخون في المستقبل.
وإن كان يعترف بالتمادي على الخيانة مهما وجد فرصةً، فيجب تنحيتُه، والاكتراءُ عليه، وإذْ ذاك يُستغنى عن الرقيب وأجرتِه.
ولو لم تثبت خيانةٌ من العامل، ولكن المالك اتّهمه، فلا تُزال يده عن النخيل، ولكن ينصب عليه المالك مشرفاً يطالع أحواله إن شاء، ولا يرتاب الفقيه في أن نفقة الرقيب ومؤنته على المالك في هذا المقام إذا لم يظهر من العامل خيانة.
فصل قال: " فإن مات قام ورثته مقامه ... إلى آخره " 4. 5037 - قد ذكرنا أن المساقاةَ عقدٌ لازم، لا ينفسخ بموت العاقد، ثم ننظر، فإن مات رب المال؛ أكمل العامل ما بقي من الأعمال، واستحق المشروط له من الثمرة.
وإن مات العامل، فالذي قدمناه من لزوم المعاملة يقتضي ألاّ يحكم بانفساخ المساقاة.
وهذا هو الذي ذكره المزني، وقطع به الأصحاب في طرقهم، وهو الذي صححه الشيخ أبو علي.
وحكى وجهاً غريباً عن بعض الأصحاب أن المساقاة تنفسخ بموت العامل، وهذا وجهٌ ضعيف لا مستند له من أصل؛ فإن الحقوقَ اللازمةَ إذا أمكن تحصيلها بعد الموت، لم تنقطع بالموت، فالذي حكاه غلط إذن، غيرُ مُعتدٍّ به.
والوجه أن نقول إذا مات العامل، لم يخْلُ: إما أن يُخلّف تركةً تفي بتحصيل العمل، وإما ألاّ يُخلّف.

فإن لم يخلف شيئاًً، لم يجب على [الورثة] 1 تحصيل العمل؛ فإن العمل كان ديناً في ذمته، والمديون إذا مات لم ينتقل الدين إلى ذمة وارثه.
ولكن لو أراد الوارث أن يتمم العمل بنفسه، أو بمن يستأجره، جاز له ذلك، لثبوت عُلقة الاستحقاق في الثمار، فإن استتم العمل، صرفنا إليه الجزءَ المشروطَ له من الثمرة، وإن أبى أن يعمل، فللمالك حقُّ الفسخ، وقد قدمنا التفصيل فيه فيما تقدم، وفرّقنا بين أن يكون ذلك قبل بُدوّ الثمرة أو بعدها، وأوضحنا وجوه الرأي.
وإن كان خلّف تركة، فالسلطان يحصّل بقيةَ العمل من التركة، كما يؤدِّي الديون منها.
وكذلك القول فيه إذا كان التزم في ذمته خياطةً، أو صبغاً، ثم مات، فالأمر على ما ذكرناه في الفرق بين أن يخلّف تركةً وبين ألاّ يخلفها.
5038 - ومما يتم به غرض الفصل، وهو أصلٌ بذاته أن المساقاةَ حيث تُفرض [تصرفٌ] 2 [واردٌ] 3 على الذمة، وحكمُ المعاملةِ الواردةِ على الذمة أن يكون تحصيلها على الملتزم، فإن حصَّلها بنفسه، أو استأجر من يعمل، فلا معترض عليه، ولو شرط في المساقاة تعيين العامل 4، حتى يعمل بنفسه، ولم يسوّغ له أن يستأجر؛ فيجوز أن يقال: لا تصح المساقاة؛ فإنّ هذا تضييق، والتضييق ينافي هذه المعاملةَ، وأمثالَها، وتركُ تعرض الأصحاب يدل على أنهم لم يعتقدوا جوازَ المساقاة متعلقةً بعين العامل، والمسألة محتملة على حال؛ فإن المالك ربما لا يعتمد الأجراء، ولا يرضى بدخولهم البستان.
وليس في التعيين [كبير] 5 تضييق أيضاً.
ثم لو قدرنا ورودَ المساقاةِ على عين العامل، فلو مات، انفسخت المساقاة بموته، لا محالة، فإنْ عمل غيرُه، والمعاملة واردةٌ على عينه.، لا يسدّ مسدّ عمله.

فصل قال: " ولو عمل فيها العامل، فأثمرت ثم استحقها ربُّها ... إلى آخره " 1. 5039 - إذا استُحقت النخيلُ بعد تمام العمل، وحصولِ الثمرة، فلا يخلو إما أن تكون الثمرة قائمةً، أو هالكةً.
فإن كانت باقيةً، فهي للمستحِق؛ لأنها حدثت من عَيْن مِلكه، ولا حقّ للعامل فيها.
ثم قال الأصحاب: إذا أخذ المستحِق الأشجار والثمار، وقد عمل العامل، فلأصحابنا طريقان: منهم من خرّج أمرَه على قولين؛ لأنه أتلف عمل نفسه، غير أن الغاصب هو الذي استعمله، فهل يرجع على الغاصب بأجرة مثل نفسه؟ فعلى قولين مأخوذين من أصل الغرور.
ومن أصحابنا من قطع بأنه يرجع على الغاصب؛ لأن قولٍ الغرور إنما يجريان فيه إذا رجع الحظُّ من الإتلاف إلى المغرور، فحينئذ نقول في قولٍ: لا يرجع؛ لأنه المنتفع بما أتلفه، فيبعد أن يجتمع له الانتفاع به [وحق] 2 الرجوع.
وفي قول نغلّب حكمَ الغرور؛ ونثبت الرجوعَ على الغار.
فأما العامل في مسألتنا؛ فإنه لم يُتلف شيئاً له فيه حظٌّ ونصيب، ولكنه عمل، ولم يقصَّر، وإنما حمله على العمل الغاصبُ، فوجب القطع بثبوت الرجوع عليه.
هذا إذا كانت الثمار قائمةً، فردت على المستحِق.
5040 - فأما إذا كانت الثمار تالفةً، فالقول في ذلك ينقسم: فإن اقتسماها، وتلف نصيب كل واحد منهما في يده، فليقع الكلام أولاً في نصيب العامل.
فالذي ذكره معظمُ الأصحاب في الطرق: الشيخ أبو محمد، وصاحب التقريب، والصيدلاني في مجموعه، وصاحب التصنيف المعروف؛ أن المستحِق إذا غرَّم العاملَ

ما تلف في يده، فهل يرجع على الغاصب؟ كان ذلك خارجاً على الترتيب المشهور في الغارّ والمغرور؛ فإن العامل يدُه مترتبةٌ على يد الغاصب، والغاصب سببٌ في تحصيل يده؛ فكان في مرتبة الغارّ.
وفصّل الصيدلاني ذلك، فقال: إن تلف ما خصّ العاملَ في يده من غير إتلافٍ من جهته، فطولب، ضمن، ثم رجع على الغاصب قولاً واحداً.
وإن أتلفه على [حكم] 1 الغرور، ففي رجوعه على الغاصب قولان، كالقولين إذا قدّم الغاصبُ الطعامَ المغصوبَ إلى ضيفه، فأكله، فجعل يده عند التلف بمثابة يد المستودَع من الغاصب، وجعل إتلافه بمثابة إتلاف الضيف للطعامِ الذي قُدِّم إليه.
هذا ما ذكره هؤلاء.
وأما العراقيون، فإنهم قطعوا أقوالهم بأن الضمان يستقر على العامل في حصته التي [قبضها] 2، سواء تلفت في يده، أو أتلفها؛ لأنه قبضه عوضاً، وحكم العوض في المعاوضة الصحيحة أن يضمنه مَنْ قبضه؛ فكانت يد العامل في حصته من الثمرة بمنزلة يد المشتري من الغاصب، وقد قطعنا القول في كتاب الغصوب أن قرار الضمان فيما قبضه المشتري [على المشتري] 3؛ فلا يتجه في القياس إلا ما ذكره هؤلاء، وهو الذي اختاره القاضي لنفسه، وظن أنه غير مسبوقٍ بهذا الاختيار.
ولم يذكر العراقيون غيره.
هذا قولنا في حصته إذا فرض [منه] 4 قبضها عند اقتسام الثمار.
ولست أرى لما ذكره أصحابنا 5 وجهاً، إلا إخراجَ عوض المساقاة عن قياس الأعواض، وهذا غير متجه، مع كونه عوضاً عن منافعَ مستحَقة، في معاملة لازمة.
5041 - ولو تلفت الثمار على الأشجار قبل قطافها بجائحة، أما الكلام في حصة العامل، فعلى ما ذكرناه، وأما الكلام في الحصة الأخرى، فقد ذكر الأئمةُ

المراوزة، والعراقيون في توجه المطالبة على العامل 1 خلافاً، وقالوا: من أصحابنا من قال: لا تتوجه المطالبة على العامل، وهو ظاهر كلام المزني، ومنهم من قال: تتوجه المطالبة عليه، وهذا الخلاف في توجيه المطالبة أولاً، لا في قرار الضمان.
ثم وجه الأئمة الخلاف بأن قالوا: لا تثبت اليد للعامل؛ فإنه غيرُ مستحفظٍ بخلاف المودَع؛ فإنه مستحفظٌ من جهة المودع، واستدلّوا في ذلك بأن قالوا: لو جرت المساقاة مع المالك، ثم سُرقت الثمار، وكانت على رؤوس الأشجار بتقصيرٍ من العامل في الحفظ؛ فلا ضمان عليه؛ فإنا لا نكلّفه القيامَ بالحفظ، وإنما نكلفه الأعمال المشهورة المؤثرة في تنمية الثمار.
فهذا وجهُ من لا يضمّن العامل الآخذ من جهة الغاصب.
والوجه الثاني- أنه يضمن لثبوت يده ظاهراً حساً.
قال القاضي: قد ذكرنا تردداً في أنه هل يجب على العامل القيام بحفظ الثمار، وهل يلتحق ذلك بالأعمال المشروطة عليه، وهذا الخلاف الآن دليلٌ على ذلك التردد الذي قدمناه، فيجب أن نقول: إن ألزمناه الحفظَ، توجهت عليه المطالبةُ؛ إذ ترتبت يده على يد الغاصب، وكان كالمستودَع من الغاصب، وإن لم نُلزمه الحفظَ، لم تتوجه عليه المطالبة.
وهذا عندي كلام خارج عن الضبط المعتبر في مثل ذلك، من وجهين: أحدهما- أن اليد وثبوتَها أمرٌ محسوس، فتلقِّي ذلك من وجوب مؤنة الحفظ كلامٌ مضطرب، فالثمار مما تثبت اليدُ عليها، ويد العامل -من طريق الصورة- ثابتةٌ حسّاً، وضرورةً، ومن ثبتت يدُه على عينٍ مغصوبة فيستحيل بعد ذلك إبداءُ المراءِ في أنه هل يطالب أم لا.
وعندي أنه يجب القطع بوجوب الحفظ على العامل في الثمار، حالةَ استمرار يده؛ فإنا لا نجد صاحب 2 يدٍ في ملكِ غيره بجهةٍ شرعيةٍ، إلا وهو مأمور برعاية حق الحفظ

[فيها] 1، وهذا جارٍ في الوكيل بالبيع، وفي المستأجِر في العين المستأجرة، وفي المرتهن، وغيرهِ من أصحاب الأيدي.
نعم.
إنما يظهر التردد في مؤنة الحفظ 2 في صورة، وهي أن العامل إذا كان يعمل نهاراً، ويترك العمل ليلاً، فإذا فارق البستان، ولم يستخلف عليه ناطوراً، حتى سُرقت الثمار، ولا يد للعامل، فهذا فيه ترددٌ، قد ذكرناه، فيجوز أن يقال: يجب استخلافُ حافظٍ، ويجوز أن يقال: لا يجب عليه.
فأما ما دامت يدُه ثابتةً في زمان عمله، فكيف يستجيز المستجيز أن يسوّغ له الإغضاء على سرقة من يسرق، مع التنبّه لذلك؟ أم كيف يجوز ألا يتكلف بذلَ المجهود في الحفظ ما استمرت يدُه في مدة العمل؟ وكيف يستقيم أن يُتمارى في اليد المحسوسة، لزللٍ وخطأٍ في أن الضمان هل يجب على العامل لو قصر في الحفظ.
فيجب إذاً على القاعدة توجيه الطّلبة على العامل من جهة المستحِق المغصوب منه لتحقق اليد.
5042 - ومما يتفرع عليه، أن الأشجار في أنفسها لو تلفت تحت يدِ العامل، أو تلف بعضها، فلا حظ، ولا حصةَ للعامل في رقاب الأشجار، وقد أجراها الأئمة مجرى الثمار الواقعة في حكم المعاملة حصةً للمالك، فترددوا في توجيه المطالبة حَسب ما ذكرناه، وبنَوْا الأمرَ فيه على مؤنة الحفظ، وقد أوضحنا أن ذلك كلامٌ مضطرب، ووجه ردِّه إلى سَنن التحقيق ما ذكرناه.
ومن بديع ما ذكره الأصحاب الذين لم يثبتوا للعامل في حصته من الثمار يدَ قرارِ الضمان، أنهم قالوا: الكلام في حصة العامل إذا تلفت الثمار بالجوائح قبل القطاف، يجوز أن يخرّج على ما ذكرناه في حصة المالك؛ لأن اليد غيرُ ثابتةٍ قبل القطاف، والإحراز.

وهذا في نهاية البُعد؛ فإنه فرع أصلين ضعيفين جاريين غلطاً وخطأ 1، أحدهما - التماري في اليد المحسوسة.
والثاني - التغافل عن ضمان العوضية في حق العامل، في مقدار حصته، فوقع الفرع بعيداً بصدَره 2 عن هذين الأصلين.
5043 - ولو جنى العامل الثمارَ، وردّها إلى المخزن 3، فقد رأيت الطرقَ متفقةً على ثبوت اليد على الحقيقة، وهذا صحيح، ولكن لا معنى لتخيل [الفرق بين] 4 هذه الحالة، وبين حالة قيام الثمار على الأشجار.
ومن أخذ ما ذكرناه من التردد في توجيه الطَّلِبة من القول في مؤنة الحفظ، لزمه أن يتردد في مؤنة الحفظ بعد الرد إلى الجرين؛ إذ لا فصل، واليد ثابتة حساً في الموضعين، فلا وجه إلا القطعُ بقرار الضمان في حصة العامل عليه.
ثم يجب القطع بتوجيه المطالبة بما ليس حصتَه، ثم الكلام في أنه فيما ليس حصتَه إذا طولب عند الفوات يرجع على الغاصب رجوع المستودَع عليه.
وللعراقيين طريقة ذكرناها في كتاب الغصب، في أن المستودَع من الغاصب إذا ضمن ما تلف في يده للمغصوب منه، فهل يرجع على الغاصب؟ أم يستقر الضمان عليه تنزيلاً لليد منزلة الإتلاف؛ من جهة أنها تضمِّن كما يُضمِّن الإتلاف؟ هذا مختلفٌ فيه عندهم، وهو مجانب لطريقة المراوزة، ثم يجب طرد قياسهم فيما ليس حصةً للعامل إذا تلفت تحت يده.
هذا بيان حقيقة المسألة، وقد اتفقت فيها عثرات وغلطات متداركة لأصحابنا المراوزة.
والتردد في اليد والثمار على الأشجار، مما استوى في الغلط فيه المراوزةُ، والعراقيون.
وهذا قبيحٌ، وأخْذ ذلك من مؤنة الحفظ زللٌ آخر؛ فإنَّ الأمر مفصلٌ فيه عندنا، كما قدمناه.
ولسنا على ظنٍّ في جميع ما نبهنا عليه، بل الأمر مقطوع به.

فصل قال: " وإن ساقاه على أنه إن سقاها بماء سماء أو نهر ... إلى آخره " 1. 5044 - صورة المسألة أن يقول المالك للعامل: ساقيتك على هذه النخيل على أنك إن سقيتها بماء سماءٍ أو نهر، فلك الثلث، وإن سقيتها بالنَّضح، فلك النصف، فالمعاملة فاسدةٌ على هذا الوجه؛ لمكان التردد الذي فيها، وشرط المعاملة الجزمُ، وبتُّ القول في تقدير العوض.
وقد قال الأئمة: لو قال رب المال للمقارض: إن، اتّجرت في البز، فلك ثلث الربح، وإن اتَّجرت في الطعام، فلك نصف الربح، فالقراض فاسد على هذا الوجه، فإذا فسد القراض مع جوازه ومشابهته الجعالة باحتمال 2 الجهالة، وإطلاق الأعمال من غير ضبطٍ بوقت، فلأن تفسد المساقاة أوْلى.
5044/م- ثم ذكر المزني تفصيلَ القول في أجرة الأجراء، وأنها على العامل أو على المالك، وقد فصلتُ القولَ في هذا في باب الشرط في الرقيق، فلا أُعيده.
ومما جدده القاضي في الأجراء صورةٌ أراها مضطربة، فأنقلها، وأبين التحقيق فيها.
قال: ولو قال المالك: ساقيتك، ولك الثلث من الثمار، والسدس فيها 3 إلى تتمة النصف للأجراء.
قال: "هذا صحيح".
وهذا مختلٌّ، والخلل من الناقل، فإن إضافة جزء من الثمار إلى الأجراء باطل؛ فإنهم ليسوا في عقد المساقاة، وإنما تضاف الثمار إلى المالك بحكم الأصل أو إلى العامل بحكم العمل.
نعم، لو أضاف النصف من الثمار إلى العامل، ثم ذكر أن مؤنة الأجراء عليه، فهذا جائز.
ولو أجرى قبل العقد أو بعده في معرض [المفاوضة] 4 أني زدتك سدساً، وحقُّك

الثلث، لتتحمّلَ مؤنةَ الأجراء، فهذا -إذا لم يُجره شرطاً- كلامٌ لا يقدح في العقد.
وقد ذكرتُ أن إطلاق المساقاة توجب قيام العامل بالأعمال المنمِّية للثمار كلها، وإنما تنصرف مؤنة الأجراء عند بعض الأصحاب إلى المالك، بالشرط، كما قدمناه مفصلاً.
فصل قال: " ولو ساقاه على وديٍّ 1، لوقت يعلم أنها لا تثمر إليه، بم يجز ... إلى آخره " 2. 5045 - مقصود هذا الفصل تحصره مسائل: منها- أن يقول المالك في وديٍّ مغروس لرجلٍ: ساقيتُك على هذا الوديّ، لتعمل عليها، ودكر مدةً يُعلم أنها لا تثمر في مثلها، وإنما يدخل أوان إثمارها وراء تلك المدة، وجرى في لفظ المساقاة شرطُ شيء من ثمارها للعامل، فهذه المساقاة فاسدة؛ فإنها مستندةٌ إلى شرط شيءٍ لا يكون للعامل.
ثم إذا عمل العامل، فهل يستحق أجر المثل على المالك؟ قال الأئمة: إن علم العامل أنها لا تثمر في المدة المذكورة في المعاملة، ففي استحقاقه أجر المثل وجهان: أحدهما - أنه لا يستحقه؛ لأنه شرع في العمل شروع من لا يشك أن ما شرطه له لا يكون، فكان قانعاً بإحباط عمله، غيرَ خائضٍ فيه على اعتقتاد استحقاق عوض.
والوجه الثاني - أنه يستحق أجرة المثل، وهو اختيار ابن سريج وتعلق هؤلاء بلفظ المساقاة والمعاملة؛ فإن متضمنه إلزام عملٍ في مقابلة عِوض، فلئن كان لا يثبت ذلك العوض، فهو عبارة عن استحقاق عوضٍ ممكنٍ، وهو أجر المثل.
هذا إذا كان العامل عالماً بأن الوديّ لا يثمر في تلك المدة، فإن ظن أن الوديّ يثمر

في تلك المدة، فالذي ذهب إليه الأئمة أنه يستحق أجرة المثل في هذه الصورة [وجهاً واحداً] 1 لمكان الظن.
ومن أصحابنا من طرد الخلاف الذي ذكرناه في استحقاق أجر المثل، والتفصيل أفقه وأحسن.
5046 - ومن مسائل الفصل أن تقع المساقاة في مدة يعلم أنها تثمر في السنة الأخيرة منها، أو في سنتين في آخر المدة، فهذا مثل: أن يعامله على العمل فيها عشرَ سنين، ويعلم أنها إن بقيت، وسلمت عن الآفة، ستثمر في سنتين من آخر المدة، فقد أجمع الأصحاب على صحة المساقاة، وجعلوا هذه السنين وإن خلا [معظمها] 2 عن الإثمار كالسنة الواحدة في النخيل المثمرة.
ثم إذا حصل الثمر، فليس للعامل إلا ما شُرط له.
ولو أصابت الثمار آفةٌ وجائحةٌ، فلا حق للعامل، كالمساقاة على النخيل المثمرة، فإن الجوائح إذا اجتاحت ثمارها، لم يستحق العاملُ شيئاً من أجر المثل، وكان كالعامل في القراض إذا لم يربح، فإنه لا يستحق شيئاًً.
ولو كنا نعلم أن الوديَّ يثمر في السنة الأخيرة، من المدة المضروبة، وكنا لا نقدّر أنها تثمر 3 قبل السنة الأخيرة، فإذا اتفق الإثمار في سنة على النُّدور، وكان قد شرط للعامل جزءاً من الثمار الحاصلة في المدة، ولم يقع التخصيص بثمار السنة الأخيرة، فالعامل يستحق الجزءَ المشروطَ له من ثمار السنة النادرة، كما يستحق من السنة الأخيرة.
5047 - ولو ساقى مالك النخيل رجلاً سنين، وكانت النخيل تُثمرُ إن لم تُصبها جائحة في كل سنة، فإن عُقدت المعاملة على أن يستحق العامل جزءاً من ثمرة كل سنة، جاز ذلك في السنين، جوازَه في السنة الواحدة.

وإن قال مالك النخيل المثمرة: ساقيتك ثلاث سنين على العمل 1 فيها، وليس لك إلا ثلث الثمرة في السنة الأخيرة، وتخلُص الثمرة لي في السنة الأولى والثانية، فهذه المعاملة فاسدة، قطع بفسادها المحققون.
وسبب الفساد أنه أثبت لنفسه الاستبدادَ [بثمار] 2 سنةٍ، أو سنتين، وإن كان عمل العامل جارياً فيها، وخصّص استحقاقه بسنة، وهذا بمثابة ما لو عامله، وشرط أن يعمل على جميع النخيل، ولا يستحق إلا النصف من بعض أنواع النخيل، وهذا ممتنع غيرُ سائغٍ كما تقدم.
5048 - ولو ساقاه على الوديّ، على جزءٍ من الثمار في السنة الأخيرة، وإنما خصص السنةَ الأخيرة [بالذكر] 3 بناءً على أن الثمرة إنما تقع فيها، فإذا اتفقت الثمرة في سنة أخرى قبلها، فالذي ذهب إليه الأئمة صحةُ المساقاة في هذه الصورة، ولم يجعلوها كالمساقاة على النخيل التي تثمر في السنين مع التخصيص بجزءٍ من ثمار بعض السنين.
وبنى 4 الأئمة على مسألة الوديّ وجوبَ الوفاء بالشرط وتخصيصَ الاستحقاق بثمار السنة الأخيرة، على حسَب الشرط ومقتضاه، والفرق ظاهر على رأي الأئمة لا غُموضَ فيه.
ولكن في مسألة الودي ضربٌ من الاحتمال؛ من جهة أن هذه المعاملة لا تحتمل انفرادَ المالك بثمار سنة 5 لا حظَّ للعامل فيها.
وكان 6 يجوز أن يقال: كان من حق مالك الودِي ألا يخصص استحقاق العامل بثمار السنة الأخيرة، بل يطلق لجواز أن يتّفق إثمارٌ في سنةٍ قبل السنة الأخيرة.

5049 - ومن مسائل الفصل أن يساقي مالكُ الودِي العاملَ مدةً، ويغلب على القلب إثمارها فيها، ولا ينتهي الأمر إلى الاستيقان، فكيف الوجه في ذلك؟ جمع الأئمة هذه الصورة إلى الأخرى، وهي أن تكون المدة المذكورة بحيث لا يغلب على القلب إثمارُ الودِيّ فيها ولكن كان لا يبعد أن يثمر، وما نذكره يرجع إلى المدة، لا إلى تقدير السلامة من الجائحة والآفة؛ فإن الجوائح ممكنة في النخيل الباسقة.
فليفهم الفاهم أن هذا التردد محمول على قصر المدة وطولها.
ثم حاصل ما ذكره الأصحاب في الصورتين اللتين ذكرناهما طريقان: منهم من قال: إن كان لا يغلب على القلب إثمار الوديّ في تلك المدة، فالمساقاة فاسدة، وإن كان يغلب على الظن إثمارُها، ولكن لا ينتهي الأمر إلى الاستيقان، ففي صحة المساقاة وجهان.
وهذه الطريقة غيرُ مرضية، والصحيح عكسها، فنقول: إن غلب على الظن الإثمار، صحت المساقاة وجهاً واحداً، وإن لم يغلب على الظن، ولكن الإثمار كان ممكناً، فعلى وجهين.
وإنما رأينا القطع بالتصحيح عند الغلبة على الظن؛ لأن الحكم للأعم الأغلب، في مثل ذلك.
والدليل عليه أن من أسلم في جنسٍ يغلب على الظن وجودُه في محله، فإن السلم يصح، كما يصح الإسلامُ فيما يستيقن وجودُ جنسه حالةَ المحل.
وإذا تبين ما ذكرناه في الصحة والفساد، فنقول وراء ذلك: إن صححنا المساقاة، فإن اتفقت الثمار، فللعامل ما شُرط له منها، لا شيءَ له غيرُه.
وإن لم يتفق الإثمار في تلك المدة، فقد خاب العامل، ونزل عدمُ الإثمار في المساقاة التي حكمنا بصحتها منزلة عدم الثمار بالجوائح في النخيل المثمرة.
وإذا حكمنا بفساد المساقاة فللعامل أجر المثل، أثمرت الودي، أو لم تثمر، ونقطع بأنه يستحق أجرَ المثل إذا كان على رجاء من وجود الثمار.
وإنما الخلاف فيه إذا عُلم أن الثمار لا تكون وقنع بشرط جزءٍ من الثمار، ففي استحقاقه الأجرةَ الخلاف المقدم.

وللقاضي تفصيلٌ، لم أره لغيره، وذلك أنه قال: إذا [استوى] 1 الاحتمالان في وجود الثمار، ففي الفساد.، والصحة وجهان، وإن ترجّح ظنُّ العدم، فالقطع بالفساد.
وهذا حسنٌ.
ويُحتمل المصير إلى الصحة بمجرد الإمكان، وإن كان الغالب على الظن ألا تكون الثمار.
وهذا ما ذكره الأصحاب.
فليتأمل الناظر المنازلَ والمراتبَ، فقد نبهنا عليها فلا نعيد ترتيبها.
5050 - ومن مسائل الفصل أن يدفع المالك ودِيَّاً إلى العامل ليغرسه وينميه مدةً، ستثمر في آخرها إن علقت، فالذي ذهب إليه جماهير الأصحاب فسادُ المعاملة؛ فان ابتداء الغراس ليس من أعمال المساقاة، وإنما أعمالها تنميةُ أشجارٍ مغروسةٍ، والمطلوب ثمارها، وهذا يضاهي في هذه المعاملة ما لو قال المالك للمقارَض: بع هذه العروض و [قد] 2 قارضتك على أثمانها إذا نضّت.
هذا مسلك الأصحاب.
وقد حكى شيخي وجهاً في تصحيح المساقاة، وهذا مزيَّفٌ، غير معتدٍّ به، ولكن ذكره صاحب التقريب، كما حكاه شيخي.
وتمام القول في ذلك أنا إن قلنا: لا تصح المساقاة، فلا كلام.
وإن قلنا: تصح المساقاة على الثمار التي ستكون في آخر المدة، فلو قال: اغرس هذا الوديّ، ونمّه، على أن لك الثلثَ من أعيان هذه الأشجار ورِقابها، فالذي قطع به الأئمة في الطرق فسادُ هذه المعاملة؛ فإن مبناها على استحقاق فوائد الأشجار، لا على استحقاق جزء من أعيانها.
وذكر صاحب التقريب [وجهاً] 3 في صحة المعاملة على هذا الوجه، في الودِيّ والفسيل، فإنّ تعلّق 4 الودي هو مقصودُ

المعاملة، فكانت أعيانها بمثابة الثمار، إذا كان العامل يسعى في تحصيلها.
ثم قال صاحب التقريب: لا يضر وجودُ أعيانها حالة العقد؛ فإن الثمار قد تكون موجودة حالة عقد المساقاة، كما ذكرنا ذلك في أول الكتاب.
فهذا بيان مسائل الفصل.
فصل قال: " وإن اختلفا بعد أن أثمرت النخيل ... إلى آخره " 1. 5051 - إذا اختلف العامل ورب النخيل في المشروط من الثمار للعامل، فقال رب النخيل: شرطتُ لك الثلث، وقال العامل: بل النصفَ، فإذا لم يكن في الواقعة بيّنة، فإنهما يتحالفان، ويفسخ العقد بالتحالف، وترتدُّ الثمار بجملتها إلى مالك النخيل، ويرجع العامل بأجر المثل، وإن كان أكثرَ من قيمة نصف الثمار.
فأما إذا كان في الواقعة بيِّنةٌ، فإن انفرد أحدهما بقامة البيّنة على ما يدّعيه، قُضي له بموجبها على [خصمه] 2، وإن أقام كل واحد منهما بيِّنةً على وَفْق دعواه، وليقع الفرض فيه إذا [تعرضت] 3 البيِّنتان لتعيين الوقت الذي جرى العقد فيه على وجهٍ لا يمكن حمل البينتين على عقدين، فإذا جرى العقدُ كذلك، ففي المسألة قولان مشهوران: أصحهما - الحكم بتهاتُر البيّنتين، ورَدُّ الأمر إلى خلوّ الواقعة عن البيّنة، ولو خلت عنها، كنا نحكم بتحالفهما، فالأمر إذن كذلك.
والقول الثاني - أن البينتين تستعملان، ثم في استعمال البيّنتين في غير هذه الواقعة أقوال: أحدها - القسمة.
والثاني - الوقف.
والثالث - القرعة، على ما سيأتي في كتاب الدعاوى، إن شاء الله تعالى.
فأما قول الوقف، فلم يُجره الأصحاب هاهنا، وفيه فضل نظرٍ، سيأتي في

الدعاوى.
وأجرَوْا قولَ القرعة، فمن خرجت له القرعة، فاز.
وهل يحلف مع القرعة؟ فعلى وجهين.
والأصح أنه لا يجري قولُ القسمة.
ومن أصحابنا من قال: يثبت للعامل ما حصل الاتفاق عليه، وهو الثلث مثلاً، والمتنازع الزائد يقسّم بين الدعويين فيسقط نصفُه، ويثبت نصفه.
وهذا بعيدٌ.
5052 - ولو ساقى رجلان رجلاً، فادعى العامل أنهما شرطا له النصف، فصدقه أحدهما، وكذبه الآخر، فيثبت نصيبه على موجَب التصديق على المصدِّق، ويعود الخلاف والنزاع إلى المكذِّب والعامل؛ فيتحالفان، ويرجع عليه بنصف 1 أجر مثل عمله.
فلو شهد المصدّقُ من المالكيْن على المكذّب للعامل، قبلت شهادتُه؛ إذ لا تهمةَ، ولا معنىً يوجب ردَّ شهادته.
ثم ذكر المزني أن رجلين لو ساقيا رجلاً، وشرط أحدهما له النصفَ من نصيبه، وشرط الثاني له الثلث، فإن تعيّن مقدار نصيب كل واحد منهما للعامل، صح ذلك.
وإن لم يبن له مقدارُ نصيب كل واحد منهما، وقد جرى الشرطُ على التفاوت، فالمعاملة فاسدة.
وقد ذكرنا ذلك، ونظائره فيما سبق، وأوضحنا تعليله بما فيه مقنع، فلا حاجة إلى الإعادة.
وقد نجزت مسائل الكتاب.
فرع: 5053 - قد رمزنا في صدر الكتاب إلى تردُّدِ الأصحاب في أن الخرْص هل يجري في حكم المساقاة؟ فالذي مال إليه الأكثرون أن الخرص يجري في المساقاة [بين] 2 المالك والمساقَى، وهؤلاء استدلّوا بحديث عبد الله بن رواحة، لما خرص على أهل خيبر، بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن خرصُه لأجل الزكاة؛

فإن أهل خيبر كانوا يهوداً، لا زكاة عليهم، فدلّ [على] 1 أن الخرص كان في حكم المساقاة.
ومن أصحابنا من قال: لا يتعلّقُ في المساقاة بالخرص حكمٌ، وحمل ما جرى على معاملةٍ بين المسلمين والكفار، لا يجوز فرض مثلها بين المسلمين بعضهم مع بعض.
فإن أثبتنا للخرص حكماً، فقد تقدم قولان في كتاب الزكاة، في أن الخرص عِبْرةٌ، أو تضمينٌ، وأوضحنا أنا إذا جعلنا الخرص عبرةً، فليس يتعلّق به حكمٌ محقّق.
وإذا جعلناه تضميناً، فأثره قطعُ تعلّق الزكاة عن عَيْن الثمار، وردُّها إلى ذمة من عليه الزكاة، وتسليطُه على التصرف في الثمار بجملتها، حتى كأنا ننقُل حقَّ المستحقين من عين الثمار إلى الذمة.
فمن أثبت للخرص حكماً في المساقاة، فقد يعتقد أن حصة المالك بعد تقدير التَّجفيف تنقلب إلى ذمة العامل المخروص عليه، وتصير الثمار بجملتها ملكاً له؛ لضمانه حصةَ المالك.
وهذا لا يجترىء على القول به إلا جسورٌ؛ فإنّ قطعَ ملك المالك عن أعيان الثمار، وردَّه إلى ذمة العامل، من غير معاوضة يهتدي إليها محالٌ، وليس كالزكاة؛ فإن الأصل في ملك النصاب المالك، والزكواتُ حقوقٌ معترِضةٌ.
وقد نقول: الأصح أنها لا تتعلق بالمال تعلق استحقاق، فردُّ الزكاة إلى الذمة على شرط الضمان، لا يبعد كلَّ البعد.
وإن قلنا في المساقاة: أثر الخرص أن يتقدر نصيب المالك على العامل، حتى لو ادعى نقصاناً مفرطاً، عما حزره الخارص تقريباً، لم يُقبل منه، إلا أن تعترض جائحة وآفةٌ، فهذا أقرب من نقل حق المالك من العين إلى الذمة، وتمليكِ العامل جميع الثمار، وهذا يضاهي تفريعَنا على قول العبرة في حق الزكاة.
فهذا ما أردناه في ذكر الخرص ومعناه.

ومن امتنع من تأثير الخرص في المساقاة فسببُ امتناعه غموضُ أثره في العِبرة، والتضمين، كما أشرنا إليه.
5054 - ثم إن جعلنا للخرص أثراً، فالخرص يجري في النخيل والكرم، [وجرت] 1 المساقاة فيها، وهل يجري الخرص فيما عداهما من الأشجار؟ فعلى قولين.
ولذلك خرّجنا المسألة في المساقاة على سائر الأشجار على قولين.
فإذا أثبتنا الخرص وتأثيره، اعتقدناه أمراً مرعيّاً، وأصلاً معتبراً في تصحيح المساقاة.
والله أعلم بالصواب.
وإن لم نثبت للخرص أثراً، فيليق 2 بهذا القول تجويز المساقاة على جميع الأشجار، وإن افترقت في جريان صورة الخرص عادةً وإمكاناً.
5055 - ومما نلحقه بآخر هذا الفصل أن الثمار إذاً وجدت، فالمشروط للعامل منها مملوكٌ له، ولا يتوقف جريان ملكه فيه على استكماله الأعمالَ المشروطةَ عليه، وليست الثمار في ذلك بمثابة الأرباح في القراض؛ إذا 3 اختلف القول فيها، و [أن] 4 العامل هل يملك حصته منها بالظهور.
وهذا الذي ذكرناه مأخوذ من فحوى كلام الأئمة في الطرف، والسبب فيه أن [من] 5 منع ثبوتَ الملك للعامل في القراض تمسك بحرفين: أحدهما - أن الربح وقايةٌ [لرأس] 6 المال، وهذا المعنى لا يتحقق في الثمار، بالإضافة إلى الأشجار؛ فإن الأشجار لو عابت في أنفسها لآفةٍ أصابتها، لم يُجبر نقصانها بالثمار.

ومن أصحابنا من عوّل في الربح على تنزيله منزلة الجُعل في الجعالة؛ من حيث لا تنضبط أعمال المقارَض في معاملة جائزة وهذا لا يتحقق في المساقاة؛ فإن الأعمال فيها إلى الضبط، وهي لازمة لا يملك العامل التخلص منه اختياراً.
فرع: 5056 - أجرى القاضي في أثناء المسائل كلاماً متعلقاً بالعاريّة أحببنا نقله، وإن لم يكن من مسائل المساقاة.
قال: إذا وهب الرجل نَيْلَ معدنٍ مملوكٍ له، في مدةٍ من واحدٍ، ليعمل عليه، ويكونَ له ما يستخرج منه، فالهبة فاسدة في نص الشافعي، لأنها هبةُ [مجهولٍ] 1، وليس كما لو أعار المالك من إنسانٍ عبدَه أو دارَه، وترك العين في يده من غير إعلام وضبطٍ؛ فإن المستعير يملك المنافع مدةَ اتّفاق بقاء العين المستعارة في يده، وهذا في التحقيق هبةٌ ومنحةٌ [في] 2 مجهول.
ثم فرّق، فقال: المنافع في وضع الشرع جعلت كالأعيان الموجودة، وجاز إيراد المعاوضة عليها، كما يجوز إيراد ذلك في الأعيان الموجودة، فكذلك يجوز أن تكون كالأعيان الموجودة في عقد التبرع، ومثل هذا لا يتحقق في نيل المعادن.
ثم ما يستفيده العاملُ على المعدن من نيلٍ يلزمه ردُّه على مالك المعدن؛ فإن الرد فيه ممكن، والرد غيرُ ممكن في المنافع المستوفاة.
وهذا كلامٌ مختلطٌ.
وكان شيخي يقول: الإعارة ليست تمليكاً، والمستعير لا يملك المنافع قط، وإنما الإعارةُ إباحةٌ وإمتاعٌ، والمستعير ينتفع [بالمنافعِ] 3 انتفاع الضيف بما يأكله من الطعام، والأصح أن الضيف لا يملك ما يأكله، والإباحة لا تجري إلا في منتفعٍ به حالةَ الاستيفاء، ونيل المعدن ليس كذلك، ولو كان النَّيل مطعوماً، فأباح لمن

يأكله، أو يشربه، فما جرى من ذلك، فلا معترض فيه، ولا ضمان 1. تمّت المساقاة.
...

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل