نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 517-4
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المساقاة

صفحات 517-4
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الربح الحاصل بحيث لو [قيست] 1 حصة العامل فيه بأجر مثله لزادت عليه، فلا يجعل المريض في حكم المتبرع بتلك الزيادة.
فهذا اتفاق الأصحاب، والسبب فيه أن الربح لا معوّل عليه، فقد لا يحصل منه شيء فيخيب تعبُ العامل، وقد يحصل مقدارٌ نزرٌ يزيد أجر مثل العامل عليه، والربح أيضاً في حكم المعدوم قبل حصوله، فإذا حصل عُدّ حصولُه من آثار عمل المقارض.
يخرج عما ذكرناه 2 أن المشروط من الربح ليس من باب التبرعات أصلاً.
ونقول على حسب ذلك: لو كان العامل أحدَ الورثة، جازت المعاملة، ولم نقل: إنها تبرع على وارثه في المرض.
4944 - ولو ساقى المريض رجلاً على نخيل، ثم كان ما شرط له من الثمار زائداً على أجر عمله، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من أجرى المساقاة مجرى القراض، وقد تمهد قياس القراض، والجامع أن المطلوب مفقودٌ في المعاملتين؛ إذ لا ربح ولا ثمرة فيهما، وحصول الثمار منسوب إلى عمل المساقى وإلى حسن قيامه على الأشجار، فلا فرق.
ومن أصحابنا من قال: إذا زاد حصةُ المساقى من الثمار على أجر مثله، فتلك الزيادة تبرع محسوب من الثلث، وإن كان المساقى وارثاً، فهو مردود.
والفرق بين المعاملتين أن الثمار منتظرة في أوانٍ معلوم، وأما الأرباح، فلا وقت لها، ولا ضبط.
والوجهان ذكرهما العراقيون.
فصل قال: "وإن اشترى عبداً، فقال العامل: اشتريتُه بمالي لنفسي ... إلى آخره" 3. 4945 - كل شراء يقع [بعين] 4 مال القراض، فلا شك في انصرافه إلى جهة

القراض، ولا أثر لنية العامل فيه، ولو نوى نفسه، كانت نيته باطلة ساقطةَ الأثر، فأما العقود الواردة على الذمة، فالتعويل فيها على النية، فإن نوى العاملُ بها جهةَ القراض، وقعت عنها، إذا لم تكن مخالفةً لوضع التصرفات في القراض، ولو نوى بالشراء الذي ثمنه واقعٌ في الذمة نفسَه، انصرف إليه، وكذلك مطلقُ الشراء الذي وصفناه مُنصرفٌ إلى العامل، ولا يقع عن القراض، وهذا بيّن.
4946 - والغرض بعده أن العامل إذا اشترى عبداً فقال: اشتريتُه لنفسي، وقال رب المال: بل اشتريتَه لجهة القراض.
وهذا الخلاف في الغالب يجري إذا ظهر في العبد 1 غبطةٌ ظاهرة.
ولو كان الخلاف على العكس، فقال العامل: اشتريتُه عن جهة القراض، وقال رب المال: [بل] 2 اشتريتَه مطلقاً، أو اشتريته لنفسك.
وهذا الخلاف يُفرض فيه إذا كان ابتياع العبد بثمن مثله، ولكن اتفق انحطاطٌ في سوق العبيد.
فإذا جرى الخلافُ على الوجهين، فالقول فيهما قول العامل، والسبب فيه أن المعتمد في انصراف العقد إلى جهة القراض، أو وقوعِه عن العامل نيةُ العامل، ولا مُطّلع على نيته إلا من جهته، فلزم الرجوع إلى قوله.
ثم لا نصدقه إلا باليمين.
ونظائر ذلك كثيرة.
فإن قال قائل: لم تحلّفونه، وهلا اكتفيتم بمجرد قوله؟ قلنا: الجواب عن هذا ظاهر في طريق الخصومة، فإن من ظهر صدقه، فلا يُكتفى منه بمجرد قوله، بل نكلفه إقامةَ الحجة عليه، والحجةُ في الباب اليمينُ.
ولو أنه قال: اشتريتُ هذا العبدَ لنفسي، ثم اعترف بأنه اشتراه للقراض، قُبل رجوعه على هذا الوجه، وإذا كان رجوعه مقبولاً؛ فإنا نأمل من عرض اليمين عليه أن ينكفَّ ويرجع، وسبب عرض الأيمان، الحملُ على الإقرار، فإذا كان الإقرار ممكناً، فاليمين لا بد منها، ثم إن حلف، فذاك، وإن نكل عن اليمين، ردت اليمين إلى رب

المال، فيحلف على حسب ما يدّعيه، واليمين المردودة تقع باتّةً، وهي مشكلةٌ في هذا المقام؛ من جهة أنه لا مطّلع على النية إلا من جهة الناوي، ولكن [يمين] 1 الرد تستند في هذا المقام إلى قرائن ومخايل تظهر ولا يمتنع استناد الأيمان إلى أمثال ذلك، وسنقرر هذا على أبلغ وجه في أحكام القضاء، إن شاء الله عز وجل.
ومن المخايل في الباب أن رب المال لو كان سمعه يقر بأني اشتريت لجهة القراض، ثم جحد وأنكر، فللمدعي أن يعوّل على الإقرار الذي علمه، وهو أقوى من مخيلةٍ تخيلها، وقرينةٍ يرجم ظنه فيها.
7ا 49 - ولوح رجلان ألمفين إلى رجل، وقال كل واحد منهما: اشتر لي بالألف عبداً، فإذا اشترى عبداً بألف لأحدهما، فادّعى كلُّ واحدٍ منهما أنه اشترى له هذا العبدَ، فإذا أقر الوكيل لأحدهما قُبل قوله؛ إذ الرجوع إليه، والاعتبار بنيته.
ثم إذا حكمنا بالعبد لأحدهما، بحكم إقراره، فلو ادعى عليه الثاني، فهذا يُبنى على أنه لو أقر للثاني بعد الإقرار الأول، فهل يغرم للمقر له ثانياً قيمةَ المقر به.
وفي هذا وفي أمثاله قولان، قدمنا ذكرهما.
وهذه المسألة تمتاز عن نظائرها بشيء، وهو أن قيمة العبد لو كانت ألفاً، وسلّم إليه كل واحد منهما ألفاً، [فهو] 2 إذا زعم أنه اشترى العبد لأحدهما، فالألف الآخر قائم في يده للثاني، فقد لا يفيد قولنا: إنه يغرم للثاني على قولٍ إلا إذا فرضنا تفاوتاً في قيمة العبد وثمن العقد؛ فإذْ ذاك يختلف القول.
فلنفرض هذه المسألةَ فيه إذا لم تزد القيمة، ويخرج عليه أنه بسبب هذا الإقرار لا يغرَم شيئاًً، ولا يصح أيضاًً رجوعُه عن الإقرار الأول.
فإذا انتفى إمكانُ الرجوع، وانتفى الغرم، فلو أراد الثاني أن يحلفه، لم يكن له ذلك؛ فإنّ اليمين فائدتها الحمل على الإقرار، ولو أقر للثاني، لما أفاد إقرارُه شيئاً.
فإن قيل: هلا حلَّفتموه حتى إذا نكل تردّون اليمين على الثاني؟ قلنا: هذا لا وجه له؛ فإنا إن جعلنا يمين الرد كالإقرار، فقد سقطت فائدة إقراره، فلا

[موقع] 1 ليمينه إن حلف.
وإن قلنا: يمين الرد تنزل منزلة البيّنة، فقد يظنّ ضعفةُ الأصحاب أنها تتضمن استرداد العبد، كما لو قامت البينة.
وهذا مزيفٌ، لا أصل له، وقد يبتدره، ويسبق إليه في أمثال هذه المسألة طوائفُ من الأصحاب.
واعتقادُه في هذا الموضع على نهاية الضعف؛ فإن البينة لا يتصور قيامها على النية، وإنما يُفرضُ قيامُها على الإقرار، وقد ذكرنا سقوط أثر الإقرار، والحالف يمينَ الردّ ليس يُسند يمينَه إلى إقرار كان من هذا الشخص فيما سبق، وإنما يسندها إلى مخيلةٍ وظنٍّ، والبينةُ لا تكتفي بأمثال ذلك.
فصل قال: " ولو قال العامل: اشتريت هذا العبدَ بجميع الألف ... إلى آخره" 2. 4948 - إذا دفع ألفاً إلى العامل، وقارضه عليه، فليس للعامل أن يشتري للقراض بأكثرَ من الألف، لأن رب المال لم يرض بأن العامل يشغل ذمتَه بأكثرَ من هذا المبلغ، فإن اشترى عبداً بالفٍ، ثم عبداً آخر بألف، قلنا: إن اشترى العبدَ الأول بعين الألف، أو اشتراه لجهة القراض، فهو واقعٌ عن جهة القراض، ولا يقع العبدُ الثاني عن جهة القراض أصلاً.
ولكن إن اشتراه بعين الألف، فالشراء باطل، سواءٌ وقع الشراء الأول بعين الألف، أو لم يقع بالعين.
والسبب فيه أنه إن وقع العقد الأول بعين الألف، فقد تعين عوضاً مملوكاً في العقد الأول، فإذا عينه ثانياً في عقد آخر، لم يخف بطلان هذا العقد الثاني.
وإن لم يقع العقد الأول بعين الألف، فقد صار الألف مستغرقاً به مستحقاً، فامتنع تعيينه في العقد الثاني، [كما يمتنع تعيين مرهونٍ ثمناً في غير حق المرتهن، هذا إذا وقع العقد الثاني] 3 بعين الألف.

ولو وقع [العقد] 1 الثاني بألفٍ في الذمة، ولكنّ العامل نوى به جهةَ القراض، فنيته مردودة، ولكن العقد لا يبطل، بل ينصرف إلى العامل، فيقع شراء العبد الثاني [له] 2 على هذا التأويل، فلو وقع العبد الأول عن القراض، ووقع العبدُ الثاني عن العامل، كما صورناه، فلو صرف الألفَ الذي هو رأس مال القراض إلى ثمن العبد الثاني، فقد أساء وظلم؛ فإنّ الألف الأول إن كان معيّناً، فهو مملوكُ بائعِ العبد الأول، وإن لم يكن معيناً بالعقد الأول، فهو مستغرقٌ باستحقاق تلك الجهة، وعلى أي وجهٍ فُرض، فالعقد 3 الثاني منصرفٌ إلى العامل، وليس للعامل أن يصرفَ إلى ما يشتريه لنفسه شيئاً من مال القراض، فإذا فعل، فالألف يُسترد إن كان باقياً، فإن فات وتلف، نظرنا إلى صفة العقد الأول، فإن كان وارداً على عين الألف -وقد فات الألف- نحكم بانفساخ ذلك العقد؛ فإن العوض المتعيّن في البيع إذا فات قبل التسليم، يترتب على فواته انفساخُ البيع، وإن لم يكن الألف متعيناً في العقد الأول، فلا يقضى بانفساخ ذلك العقد.
وفي هذا المقام يبين الفرق بين كون الألف مستحقاً ملكاً بطريق التعيين، وبين كونه مستغرقاً بحق البائع، فإذا انتهى الأمر إلى ذلك، فالعبد الأول ملكٌ لرب المال، ولرب المال على العامل ألفُ درهم؛ لأنه أوقعه 4 في جهة نفسه، وصرفه إلى العقد الواقع له، ولبائع العبد الأول مطالبةُ رب المال بألف.
والمسألة مفروضة حيث لا نزاع، ولكنهم معترفون بحقيقة الحال، فلو جاء العامل وأدى ثمن العقد الأول، نُظر: فإن فعل ذلك بإذن رب المال على شرط الرجوع عليه، صح، وبرئت ذمة رب المال عن حق البائع الأول، وثبت للعامل ألفٌ على رب المال، ولرب المال على العامل ألفٌ، فإذا جرينا على التقاصّ، حصل بما جرى براءةُ الذمم، وانقطاعُ التبعات.

وإن أدى العامل ثمن العقد الأول من غير مراجعة رب المال، فتبرأ ذمةُ رب المال عن مطالبة البائع الأول.
ولكن لا يجد العامل بما بذله مرجعاً، ولرب المال عليه الألفُ الذي صرفه في حق نفسه، وقد حصلت براءة ذمة رب المال بما فعله العامل.
4949 - ومما يتعلق بتمام المسألة أنا إذا صرفنا العبدَ الأول إلى جهة القراض، ثم تعدى المقارَض، وصرف الثمن إلى العبد الثاني، فذلك العبد الأول أمانةٌ في يد المقارض؛ فإنه لم يتعد فيه، وإنما تعدى في ثمنه، والتعدي في عوض الشيء لا يُثبت حكمَ العدوان ومُوجبَ الضمان في غير ما وقع التعدي فيه.
وهذا يناظر ما لو وكّل رجلٌ رجلاً يبيع عبدٍ، وسلمه إليه، فاستخدمه الوكيل، صار متعدياً لذلك، فلو تلف في يده قبل اتفاق بيعه، لكان ضامناً لقيمته، فلو 1 باعه وقبض ثمنه على حسب الإذن، فالثمن في يده أمانة.
4950 - وذكر القاضي رضي الله عنه في أطراف هذه المسألة أن رب المال لو قال للعامل: خذ الألفَ قراضاً، واشتر بعينه، أو قال: اشتر ما تشتريه في الذمة، ثم أدّ الثمن من الألف، فهذا تضييق وحجرٌ، وقد ذكرنا أن هذا الضرب من التضييق يُفسد القراضَ؛ من جهة أنه يخالف موضوعَه ومقصودَه.
وهذا الذي ذكره حسن [فقيه] 2 إذا شرط عليه أن يشتري بعين الألف؛ فإن هذا تضييق، وقد تتفق صفقةٌ لا 3 يحضره الألف فيها، ولو انتظر إحضارَه لتعيُّنه، لفاتت، فهذا منافٍ للانبساط الذي يقتضيه وضع القراض.
فأما إذا قال: لا تشتر إلا في الذمة، فلستُ أرى هذا حجراً، وفيه غرضٌ؛ فإنّ تعيين الأعواض يجر [رباً] 4 وخبلاً لو لم يكن العوض من حلّه 5، وإذا صادف العقدُ عوضاًً في الذمة، انقطع هذا الضرب من الشبهة، ورجع النظر إلى العوض الثاني، فإذا صحّ غرضٌ، ولم يتحقق تضييقٌ، لم يبعد الحكم بصحة القراض والشرط.

فصل قال: "وإن نهى ربُّ المال العاملَ أن يشتري ويبيع ... إلى آخره" 1. 4951 - إذا فسخ القراض، ونهى ربُّ المال العاملَ عن الشراء، لم يكن له أن يشتري شيئاً بعد النهي، فإذا اشترى، نظر: فإن كان بعين مال القراض، فباطلٌ.
وإن كان في الذمة، وقع للعامل، وبطلت نيّتُه في جهة القراض.
هذا قولنا فيما يشتريه بعد النهي.
فأما البيعُ، فقد ذكرنا تفصيلاً في أن العامل بعد فسخ القراض هل يملك بيعَ العُروض إذا كان في المال ربح؟ وفصّلنا أطراف المذهب فيه إن لم يكن ربح.
فإذا قلنا: له أن يبيع، فليس هذا البيع الذي كان يُقدم عليه قبل فسخ القراض، وإنما هذا بيعٌ لتنضيض السلعة، وردّ رأس المال، فلا أثر للنهي في هذا الضرب، ويتبيّن أثر هذا في شيء، وهو أن العامل لو كان مستمراً على تصرفه، وكان أذن له رب المال في بيع العرْض بالعرْض، فإنه يبيع العرض بالعرض، وإذا نهى، وفسخ القراض، فليس له أن يبيع العرض بالعرض، ولكنه يبيع العروض بالنقد بقصد التنضيض، كما تقدم.
فصل قال: "ولو قال العامل: ربحت ألفاً، ثم قال: غلطتُ ... إلى آخره" 2. 4952 - إذا أقرّ: بأني ربحتُ ألفاً، ثم قال: كذبتُ متعمداً، أو غلطتُ، وقلتُ ما قلت غالطاً، فلما رجعتُ إلى الحساب، لم أصادف [ربحا] ً 3، أو ادّعى أنه كذب مخافة أن يُنتزع المال من يده، فرجوعه عن الإقرار الأول لا يقبل في هذه المسائل؛ بناء على أن المرء مؤاخذٌ بإقراره الأول.
ولو قال: ربحتُ ألفاً، ثم قال بعده: تلف

في يدي ألف، فإنا نصدقه مع يمينه؛ لأنه أمين، فهو يتوصل بدعوى التلف إلى طرح ما أقر به أولاً، ولا منافاة بين ما ابتدأه 1 وبين ما ادعاه آخراً، وهو مصدق فيهما.
وظهور هذا يغني عن بسط القول في تقريره.
فصل قال: "وإن اشترى العامل، أو باع بما لا يتغابن الناس بمثله، فباطلٌ ... إلى آخره" 2. 4953 - المقارض في هذا المعنى كالوكيل، وقد ذكرنا أن الوكيل بالبيع المطلق لو باع بالغبن، لم يصح ذلك منه، والوكيل بالشراء المطلق لو اشترى الشيء بأكثر مما يساوي، لم يقع الشراء عن الموكِّل.
ولكن إن كان وارداً على الذمة، انصرف إلى الوكيل، وإن كان وارداً على عين مال الموكِّل، بطل.
والقول في المقارض على هذا النحو، فإن باع عيناً من أعيان مال القراض بغَبْن، لم يصح، وإن اشترى شيئاً بعينٍ من أعيان القراض مع الغبن، لم يصح، وإن اشترى في الذمة ونوى جهة القراض، انصرف العقد إلى العامل.
ثم مما أجراه الفقهاء في هذا المجال أن ثمن العرْض إذا كان مائة، وقد انتهى المقوّمون إلى هذا المبلغ، ولم يتعدَّوْه، فهذا قيمةُ المِثل.
فلو باع رجل مثلَ هذا العرض بمائةٍ إلا درهماً أو بخمسةٍ وتسعين، فقد لا يُعدُّ البائع مغبوناً.
وكذلك لو اشترى هذا العرْضَ بمائةٍ ودرهم أو دريهمات، لا يُعدّ مغبوناً.
وعبَّر الفقهاء عن هذا فقالوا في جانب النقصان: هذا ممَّا يتغابن الناس بمثله، وقالوا في جانب الزيادة كذلك.
والقول في هذا يؤول إلى أن الحكم بالقيمة لي أمراً مبتوتاً، وإنما هو مظنون، والنقصان القليل لا يخرم الظن، وكذلك الزيادة القليلة.
وليس معنا في هذا ضبطٌ ننتهي إليه.
نعم، سنذكر أن المسروق لو قُوّم، فقد يبلغ

نصاباً، وقد [يُفرض فيه خطأٌ] 1 قليل لا ينتهي إلى الغبن الظاهر، ويكون ذلك المقدار محتملاً، ولكن لو أخذنا به، لما وجب القطع؛ فإن نصاب السرقة توقيفي، وليس ثابتاً من طريق التقريب، فلا يوجب القطع إذن عند معظم المحققين؛ فإنّ إيجاب القطع [بقيمةٍ مظنونةٍ] 2 لا سبيل إليه.
وسيأتي استقصاء ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى.
4954 - وحظ هذا الفصل مما ذكرناه أن الوكيل أو المقارض لو باع ما قوّم بمائة بخمسٍِ وتسعين، وكان لا يعدُّ مغبوناً، فالبيع نافذ، ولو باعه بثمانين، فالبيع مردود.
فلو فاتت العين في يد المشتري، فالقيمة تلزم، ثم يقع النظر في تغريم الوكيل وفي تغريم المشتري الذي تلفت العين في يده.
فإن أراد تغريم الوكيل، أو تغريم المقارَض، فهل يُحطُّ عنه القدر الذي يتغابن الناس بمثله، حتى لا نغرمه إلا خمسة وتسعين مثلاً؟ ففي المسألة قولان، نص عليهما الشافعي في (الرهن اللطيف) 3 أحدهما - أنه يغرمه القيمة التامة، وهذا ظاهر القياس عنده؛ فإنه قد اعتدى بما فعل.
وحكمُ المعتدي ضمان القيمة، والرجوعُ في مبلغها إلى المقوِّمين، وقد قوّموا السلعةَ بمائة.
والقول الثاني - أنه لا يغرّمه القدرَ الذي يتغابن الناس بمثله، فإنه لو باع ابتداء بمائة إلا دريهماتٍ، لصح البيع، ونفذ، وقُبل منه ذلك الثمن.
فلا ينبغي أن يغرم آخراً أكثر من ذلك المقدار.
وهذا فيه بُعد.
ولم يذكر أصحابنا خلافاً في أن الغاصب يغرَم القيمة البالغة.
وليس لقائل أن يقول: القدر الذي يتغابن الناس [بمثله] 4 ليس ملتحقاً بالقيمة تعيُّناً،

وشغلُ ذمة الغاصب في هذا القدر المظنون لا وجه له، فإنا وإن كنا نغلظ على الغصاب، فلا نُلزم ذممهم إلا على بصيرة وتثبّتٍ 1. وإذا اختلف المالك والغاصب في مقدار القيمة، فالقول قول الغاصب، وكذلك المشتري من المقارَض -في مسألتنا- لو اختار ربُّ المال تغريمَه، لغرّمه مائةً كاملة.
وإذا كان كذلك، فلا يبقى للتردد في حق المقارَض والوكيل وجه؛ فإنه قد باع بيعاً فاسداً، وكان في اعتدائه كالمغتصب، فلا خروج لهذا القول في حقه.
4955 - فإن قيل: قد ينتج مما ذكرتموه فنٌّ من الإشكال: فإن كان ما يتغابن الناس بمثله محطوطاً عن الوكيل، وسببه أن القيمة مظنونةٌ، فيجب على مساق هذا أن لا تُشغلَ ذمةُ ضامنٍ بذلك المقدار.
وإن كان ذلك معدوداً من القيمة، فالتسامح به لا وجه له، وحق الوكيل أن يبيع بثمن المثل، وكذلك المقارَض، فما وجه التلفيق في هذا؟ قلنا: هذا مقامٌ يتعيّن التثبتُ فيه.
والأصل الذي يجب تأسيسُه أن القيمة التامة هي المتبع في الغرامات، وأبواب الضمان، وإنما التوقف في اعتبارها في قطع السرقة، على ما رمزنا إليه، وأحلنا استقصاءه على موضعه.
فإن قيل: القيمة مظنونةٌ.
قلنا: لتكن كذلك؛ فإن معظم متمسكات الفقه ظنون، فلا محاشاة 2 من هذا، فارتد النظر إذاً إلى بيع الوكيل بأقلَّ من المائة، ولا مساغ لهذا إلا من جهة الأخذ من العرف؛ فإنا لو رددنا الأمرَ إلى صيغة الأمر بالبيع، فاسمُ البيع ينطلق على البيع بالغبن، وإنما لم ينفذ بيع الوكيل بالغبن، لأن أهلَ العرف لا يرون الأمرَ بالبيع متناولاً لهذا، والعرف هو المقيِّد للأمر المطلق، فإذا رأينا أهل العرف يتغابنون بالمقدار النَّزْر، فقد زال التقيد العرفي، ولزم تصحيح العقد بحكم الأمر بالبيع.
هذا مَخْرجُ الكلام في هذا.
ويجب على حسب ذلك تزييف القول المحكي في الحط عن الوكيل البائع بالغبن؛ فإنا إذا أبطلنا تصرّفَه وألحقناه بالمعتدين، لم يبق للحط وجهٌ، وأي فقهٍ في قول

القائل: لو باع بنيّف وتسعين، لقبل منه، فإذا لم يبع واعتدى، وجب أن نقنع منه بذلك المقدار؟ ولكنّ هذا الخلافَ مشهورٌ، فإذا لم نرض تنزيله على الصورة التي ذكرناها، فهل ننزّله على موضعٍ أقربَ من هذا؟ قال صاحب التقريب: إذا باع الوكيل عبداً يساوي مائة بالمائة، ثم سلّمه قبل تسليم الثمن، فقد أساء، فلو عسر الثمن، فالموكِّل يطالب الوكيل بماذا؟ فيه خلافٌ بين الأصحاب: منهم من قال: يطالبه بالثمن؛ فإنه فوته بتسليم العبد.
ومنهم من قال: يطالبه بقيمة العبد.
فإن قلنا: يطالبه بالثمن، فيطالبه بالمائة.
وإن قلنا: يطالبه بقيمة العبد، فهل يطالبه بالمائة الكاملة؟ أم يحط عنه ما يتغابن الناس بمثله؟ فعلى الخلاف الذي ذكرناه.
وهذا غير مرضيّ عندي أيضاً؛ فإنه إن طولب بالقيمة، فسببه اعتداؤه بتسليم العبد، وقيمةُ العدوان تامةٌ.
وأقرب الصور أن نبيع العبد بما يتغابن الناس بمثله، [ثم] 1 يفرط فيسلّمُ العبدَ، فيظهر 2 الخلاف في أنه يقنع منه بالثمن، أم تلزم القيمة التامة؟ وهذا يخرّجُ على أن الوكيل إذا تعدى بالتسليم، فيغرَم الثمن أو يغرم القيمة؟ هذا تفصيل القول في ذلك، وتنزيل محل الخلاف والوفاق على منازلهما.
4956 - ثم قال الأصحاب: كما لا يبيع المقارَض بالغبن الفاحش، فكذلك لا يبيع بالنسيئة، إلا أن يأذن له رب المال.
ثم إذا أذن في الشراء أو البيع بالنسيئة، فلا بد من الإشهاد، فإن لم يُشهد وأدّى الأمرُ إلى جحْدِ المشتري الثمنَ، فيجب الضمانُ بترك الإشهاد؛ فإن هذا يعد تقصيراً أو تركاً للتحفظ، ولم أر في هذا الطرف خلافاً، وتخريجه على ما أشرنا إليه.
ونحن نقرره، فنقول: لو اعتدى المقارَض [في المال] 3، ضمن، ولو ترك الاحتياط في الحفظ، ضمن، وترْكُ الإشهاد في العُرف تركٌ للاحتياط والتحفظ، فإذا جرَّ ضياعاً، أوجب الضمان، وعلى هذا الأصل قلنا: يضمن الوكيلُ البائعُ بالنقد إذا

سلّم المبيعَ قبل توفّر الثمن، هذا في البيع إذا 1 وقع نسيئة.
فأما إذا باع عيناً بثمن حالّ، وترك الإشهاد، لم ينسب إلى التقصير بترك الإشهاد لأمرين: أحدهما - أن العادة لم تجر بالإشهاد في البياعات الواقعة بالنقود، والمتبع في ذلك كله العرفُ.
والآخر- أنه في بيع العين يستمسك بالعين حتى يتوفر الثمنُ عليه، فإن سلم العيْن وجحد المشتري الثمن، فهذا تفريط منه الآن؛ فيلزمه الضمان.
وقد اختلف أصحابنا في القدر الذي يضمنه، فقال بعضهم: يضمن الثمن، وقال آخرون: يضمن قيمة المبيع؛ لأنه برَفْع اليد عنه في حكم من يضيع حقَّ الوثيقة على المرتهن.
وقال القفال: يضمن أقل الأمرَيْن من القيمة أو الثمن؛ لأن القيمة إن كانت أقلَّ، فنقول: كأنه فوت العين، وإن كان الثمن أقلَّ في صورة التغابن، فحقُّه بعد العقد الثمنُ، بدليل أنه لو حَصَلَ الثمنُ، لم يكن عليه شيء بعده.
فهذا ما قاله الأصحاب.
والأصح عندنا أنه يضمن الأقلَّ، كما قال القفال، وإن 2 كان الثمن أكثر، فتسليم العين لا يتضمن تفويتاً [للزيادة] 3، فليقع التعويل على هذا.
والذي أراه أن من ذكر خلافاً في أنه يضمن الثمن أو القيمة، سنح له طرَفا الكلام ولم يستكملهما.
والاحتواءُ عليهما يقتضي ما قاله القفال؛ فلا مزيد عليه.
4957 - ولو اشترى في القراض خمراً، أو خنزيراً، أو أم ولد، وسلّم الثمن، فلا شك في بطلان الشراء، وإنما الكلام في الضمان.
فلو فعل المقارض ذلك على علمٍ، فهو ضامنٌ للمال الذي بذله، ثم لا تفصيل في شراء الخمر والخنزير بين المسلم والذمي.
وإن كان الذمي قد لا يرى نفسه مُفرطاً في شراء الخمر، فلا معوّل على عَقده.
ولو كان المقارَض جاهلاً فيما زعم، بأن ظن الجارية قنّة، فإذا هي أمُّ ولد، لم

يضمن الثمنَ الذي بذله؛ فإنه معذور في جهله بحالها، لأن القِنّة لا تمتاز عن أم الولد بعلامة تقْبلُ الإحاطةَ بها.
ولو اشترى خمراً وبذل ثمنها، ثم زعم أنه حسبها عصيراً، فهل يضمن الثمن المبذول؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يضمن كمسألة المستولدة.
والثاني - أنه يغرَم بسبب التقصير في ترك التأمل، والخمر تتميز عن العصير والخل بالرائحة الفائحة، فإذا التبست عليه، كان ذلك بسبب تقصيره.
ثم إذا خرجت الجاريةُ أمّ ولد، فأراد ردَّها على البائع، فأنكر البائع أصلَ البيع وقَبْضَ الثمن، وتعذّر الردُّ لذلك، لم يضمن المقارَض شيئاً لرب المال، بسبب تركه الإشهاد على شرائها، لما أوضحناه من أن ترك الإشهاد في شراء الأعيان وبيعها لا يُعدّ تقصيراً.
هذا منتهى المسائل المنصوصة، ونحن نرسم بعدها فروعاً مستفادة، وقد يجري فيها ما لا يختص بأحكام القراض صادفناها للأئمة في أثناء الكلام.
فرع: 4958 - نص الشافعيُّ على أنه لو دفع إليه ألفاً قراضاً، ثم ألفاً آخر، فإذا خلط 1 أحدَ الألفين بالآخر إن لم يكن تصرّف في واحد منهما، جاز، وكأنه دفع الألفين دفعة واحدة.
وإن كان قد تصرف، لم يجز الخلط؛ لأنه ربما يكون قد وقع خُسرانٌ في أحد المالين، فإذا خلطهما وصارا مالاً واحداً، فيختلط الأمر، فإنّ جبران الخسران في أحد المالين لا بدّ منه، ثم يلتبس الأمر، فلا يُدرَى الجابر والمجبور.
ونص على أنه لو اشترى عبداً للقراض، فقال رب المال: كنتُ قد نهيتك عن شراء هذا [العبد] 2، وأنكر العامل ذلك، فالقول قول العامل مع اليمين؛ لأنه أمين، والأصل إطلاق التصرف.
4959 - ومما نص عليه الشافعي، وهو أصل في الباب أنه لو كان في [مال] 3

القراض عبد، فلا ينفرد رب المال بكتابته، وكذلك العامل لا يكاتبه، وذلك لأن الكتابة بمنزلة الإتلاف، ولهذا يُحسب على المريض من ثلثه، وهذا بيّنٌ، والغرض وراءه.
فإن اتفقا على الكتابة صحت، ثم ينظر: فإن لم يكن في المال ربحٌ، وكاتباه على قدر القيمة، فهو مكاتَب رب المال، يعتِق بدفع النجوم 1 إليه، والولاء فيه له.
والذي ذكره المحققون: أن الكتابة إذا صدرت على التراضي 2 تتضمن في الصورة التي ذكرناها فسخَ القراض؛ فإن الكتابة في حكم الإعتاق، وما يستفاد من المكاتَب أمرٌ جديد وسنَنْعطف على هذا آخراً.
وإن كان في المال ربح: بأن كان رأس المال ألفاً وقيمةُ العبد ألفان، وقد يظهر الربح بالكتابة [بأن] 3 كانت قيمته ألفاً، وكاتباه على ألفين، فالمكاتب بينهما، والنجوم بينهما: لرب المال ثلاثةُ أرباعها، وللعامل ربعها، فإذا أُعتق فثلاثة أرباع الولاء لرب المال، وربعُه للعامل.
وهذا -من كلام الأصحاب- دليلٌ على أن الكتابة لا توجب فسخ القراض على الإطلاق؛ فإنهم أجرَوْا التصرفَ في نجوم الكتابة للمقارَض، لمّا فرضوا ورود الكتابة بعد ظهور الربح، وزادوا [على هذا، وفرضوا الربح بعقد الكتابة.
فكأنهم اعتقدوا الكتابة منجزة] 4 على هذا التقدير، ووجه التخريج أن الكتابة إن لم تكن مندرجةً تحت التجارة المطلقة، فإذا وقع التراضي بها عُدّت من المكاسب الملتحقة بالتجارات.
وهذا يناظر عندنا البيعَ بالنسيئة؛ فإن المقارَض لا يستفيده بإطلاق معاملة القراض، ولكن إذا وقع الرضا به، التحق بمعاملات القراض.
فليفهم الناظر ذلك، وليرجع من هذا المنتهى إلى أول المسألة: وهو إذا لم يظهر ربحٌ، وكان مالُ القراض عبداً، لا ربح 5 فيه، فوقعت كتابته بقيمته، فمن أصحابنا

من يرى ذلك فسخاً للقراض، ومنهم من لا يراه فسخاً، ويربط القراض بالنجوم.
وهذا تنبيه تفصيل المراتب، فنقول: إن تأكد القراض بظهور الربح، فالكتابة لا تتضمن فسخاً.
وإن تضمنت الكتابة في نفسها إظهارَ ربحٍ، فالجواب كذلك.
فإن لم يكن ربحٌ، ولم تتضمن الكتابة ربحاً، ففي انفساخ القراض وجهان.
فرع: 4960 - إذا دفع رجلان كلُّ واحد منهما ألفاً إلى رجل ليشتري له به جارية، فاشترى بالألفين جاريتين لهما، ثم اشتبهتا عليه، ووقع الاعتراف بالاشتباه، فقد نص الشافعي على قولين: أحدهما - أنه تُباع الجاريتان للمالكين، ويقسم الثمن بينهما، ولا نظر إلى تفاوت القيمتين 1؛ فإنّ التمييز قد تعذر، فإن حصل ربحٌ، فهو مقسوم بينهما.
والقول الثاني - أنا نترك الجاريتين على المشتري، ونلزمه قيمتَهما للمالكين، وكأنه أتلفهما عليهما بالنسيان [المؤدي] 2 إلى الاشتباه، فالتزم قيمتهما، والجاريتان له؛ لأنه أحق بهما إذا غرم بدلهما لمالكيهما.
التفريع على القولين: 4961 - إن قلنا بالقول الأول، وقد فرضنا المسألة في الوكيل، فنعود ونفرضها في المقارض، وللشافعي رضي الله عنه نصٌ على القولين في الوكيل والمقارَض جميعاً.
فإذا اشترى جاريتين لمقارضين على حسب ما صورناه، والتبس الأمر، بعناهما، فإن كان الثمن مثلَ مالَيْهما من غير مزيدٍ، قسم عليهما.
وإن كان في الثمن ربحٌ، قسم الربح بينهما بالسَّوِية إذا استويا في أصل المال، ثم يرجع المقارَض على كل واحد منهما بحصته من الربح المشروط له.
وإن اتّفق خسرانٌ، فعلى المقارَض الضمان.
هكذا قال الأصحاب.
وهو يحتاج 3 إلى فضل تدبر.

فإن كان النقصان من غير انحطاط السوق، فهو محمولٌ على التضييع، ولكن التبس الأمر، فلزمه الضمان، وإن انحط السوق، فعليه جبر ذلك النقصان.
وهذا فيه فضل نظر؛ [فإنا] 1 إذا بعنا الجاريتين، وقسمنا قيمتهما، فالقراض لا يرتفع، ولو أراد المقارَض أن يتمادى على التصرف، جاز ذلك، ما لم يفسخ القراض.
ثم إذا فرضنا خسراناً عن انحطاط السوق، فإطلاقُنا القولَ بأنه يجب جبره، معناه أنه يُجبر بالربح، الذي سيكون، وهذا لا يجب؛ فإن المقارَض لو أراد الانكفاف عن العملِ [والاسترباحِ] 2، كان له ذلك، والخسران في القراض لا يجبر إلا بالربح المستقبل.
فإذا كان لا يجب الاسترباح، فكيف يجب جبرانُ الخسران؟ والوجه في ذلك أن قيمة الجاريتين إن انحطت على نسبة واحدة من غير تفاوت، وكانت القيمتان متساويتين، فإيجاب جبران الخسران بعيدٌ هاهنا.
وإن انحطت قيمةُ واحدةٍ دون الأخرى، والتفريع على أنهما تباعان، فلا يمتنع وجوب الجبران هاهنا؛ فإن كل واحد من المالكين يقول: لعل الجارية التي لم تنقص هي لي، فيصير العامل جانياً جنايةً تقتضي الغرمَ بسبب النسيان.
ثم هذا الجبران إن وجب، فهو من مال هذا العامل، لا من الربح الذي سيكون.
فهذا منتهى النظر في التفريع على هذا القول.
4962 - وإن فرعنا على القول الثاني، فالجاريتان تنقلبان إلى ملك العامل إذا تحقق اللّبس، ثم اختلف جواب الأئمة، فقال بعضهم: يغرَم المقارَض لهما أموالَهما، ولا نظر إلى قيمة الجاريتين.
وإليه إشارة العراقيين، وهذا يلحق بانقلاب البيع إلى الوكيل، وتنفيذه عليه.
وقد مضى لذلك أمثلةٌ في كتاب الوكالة.
وذهب طوائف من المحققين إلى أنه يغرَم قيمة الجاريتين ويقسطها عليهما بالسَّويّة، وهذا إذا لم تنقص القيمتان عن مالَيْهما، وإن زادت القيمتان التزمهما وجُعل بالنسيان كأنه أتلف الجاريتين.
وإن كانت القيمتان أقلَّ، فلا بد من جبر

النقصان؛ فإنّا لو لم نقل هذا، لضيعنا طائفةٌ من أموالهما.
ثم من اعتبر مالَيْهما، فيظهر أن يقول: تنقلب الجاريتان إليه قبل أن يغرَم لهما المالَين، ومن اعتبر القيمة، فالرأي في ذلك مترددٌ عندي، وفحوى كلام الأئمة على هذه الطريقة أنه كالمتلف، ومساق هذا أنه يملك، ويغرّم، ولا يترتب الملك على الغرامة، [ولا] 1 يمتنع أن نقول: يتوقف جريان ملكه في الجاريتين على بذله قيمتيهما، كما يقول أبو حنيفة في ملك المضمونات بالضمان، فكيفما قدرنا، لم نسلِّم الجاريتين إليه، يفعل بهما ما يشاء قبل الغُرْم، هذا بيان القولين.
والقياس عندنا مذهبٌ ثالث، وهو أن تبقى الجاريتان لهما على الإشكال إلى أن يصطلحا، وسيكون لنا كلامٌ بالغٌ -إن شاء الله عز وجل- في اختلاط المتقومات بالمتقومات، مع تعذر التمييز.
والذي أراه في ذلك أن أذكر فصلاً في كتاب الصيود عند ذكرنا اختلاطَ حمامِ زيدٍ بحمام عمرو مع اليأس من التمييز.
وما ذكره الشافعي من ترديد القول سببُه نسبةُ الوكيل إلى التقصير، من حيث [إنه] 2 لم يتحفظ حتى نسي، فنشأ من هذا تنزيلُ النسيان منزلةَ الإتلاف في قولٍ.
ولو خلط رجل حمامَ زيد بحمام عمرو قصداً، فلا يمتنع أن يخرّج فيه هذا القول؛ فإن الخلط أثبت عُسراً لا يزول وحيلولةً قائمةً لا ترتفع واعتماد الخلط أشبه بالإتلاف من طريان النسيان على الوكيل.
فصل يشتمل على مسائل لفظية في جزئية الأرباح أو نسبة جملتها إلى أحد الجانبين، نراها شذت عن الضوابط المذكورة في أول الكتاب.
4963 - فنقول: أولاً- إذا قال: قارضتك على هذه الدراهم، ولم يَجْر للربح ذكرٌ، فهذا قراضٌ فاسد، وحكمه أن الأرباح لرب المال، وللعامل أجرُ عمله.

وليس هذا كما لو قال: قارضتك على أن جميع الربح لي، على ما [تقدم] 1 بيانه؛ وذلك أنه لم يتعرّض لإضافة الربح فيما ذكرناه الآن بنفي ولا إثبات.
فليفصل الفاصل بين الصورتين، وهما يناظران صورتين في البيع: إحداهما - أن يقول: بعتك عبدي هذا، ويقول [المخاطب] 2: اشتريتُ، ولا يقع للثمن تَعرض بنفيٍ ولا إثبات، فهذا بيعٌ فاسد، ولا يحمل على الهبة، جواباً واحداً، والقبض المترتب عليه يتضمن الضمان.
وهذا يناظر ذكرَ القراض مع السكوت عن جزئية الربح.
والصورة الثانية في البيع- أن يقول: بعتك عبدي هذا بلا ثمن، فللأصحاب تردد في أن هذا يحمل على الهبة.
وإن لم يحمل على الهبة، فهل يتضمن ضماناً إذا اتصل القبض به؟ وقد يناظر هذا في بعض الوجوه ما لو صرَّح بإضافة الربح إلى العامل.
والغرض مما ذكرناه التنبيهُ على الفصل بين السكوت عن الربح، وبين إضافته بكماله إلى أحد الجانبين.
4964 - ولو قال: قارضتك على هذه الدراهم على أن الربح بيننا، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن القراض فاسد لعروّه عن جزئيةٍ معلومةٍ في قسمة الربح.
والوجه الثاني - أنه يصح، ويحمل قولُه: "والربح بيننا" على نسبة التنصيف والتشطير، وكل ما أضيف إلى جهتين، أو شخصين بهذه الصيغة فمقتضاه التنصيف؛ فإن من قال: هذه الدار لزيد وعمرو، حمل مُطلق قوله على الإقرار لكل واحد منهما بنصف الدار.
ولو قال: قارضتك على أن كل الربح لك، أو على أن كل الربح لي، فهذا مما تقدّم استقصاءُ القول فيه، فلا نُعيده.
وفي المساقاة لو قال: ساقيتُك على هذه النخيل على 3 أن الثمار لك، فهذه مساقاة فاسدة، ولا يتجه إلا هذا الوجه.
وليس كما لو قال للمقارَض: كل الربح

لك؛ فإنا في وجهٍ نجعل ذلك إقراضاً.
وهذا لا يتأتى في المساقاة؛ فإن صرف جميع الثمار مع العلم بأنها متميزةٌ عن النخيل، لا يتضمن إقراض رقاب النخيل.
ولو قال: ساقيتُك على أن جميع الربح لي، فلا يبعد التسوية بينهما في هذا الطرف.
وقال بعض أصحابنا: إذا شرط جميع الثمار لنفسه في المساقاة، كانت مساقاة فاسدة وجهاً واحداً، ولا يجري فيه الاختلاف الذي ذكرناه فيه إذا قال في القراض: على أن جميع الربح لي.
والفرقُ لا يظهر في هذا الطرف، وإنما يظهر في الطرف الآخر، كما تقدم.
ولو قال: خذ هذه الدراهم، وتصرف فيها على أن جميع الربح لك، فقد قال قائلون: هذا قرضٌ وجهاً واحداً، وإنما الوجهان فيه إذا قال: قارضتك على أن جميع الربح لك، ففيه التردد الذي مضى.
والفارق عند هذا القائل، أنه لم يجر اللفظ المختص بالمعاملة، بل قال: خذ، وتصرّف.
وكان شيخي لا يُفرّق بين هذه الصورة، وبين ما إذا قال: قارضتك على أن كلَّ الربح لك.
4965 - فإن قيل هل تُعيّنون في المعاملة التي نحن فيها ألفاظاً؟ قلنا: القراضُ، والمضاربة، والمعاملة، ألفاظٌ مختصة بهذا النوع.
وإن لم تجر هذه الألفاظ، بل جرت عبارات تُشعر بمقاصد المعاملة، كفت، والضابط فيه إذا وقع التصريح بالمقصود من التسليط على التصرف وقسمة الربح، كفى.
وإذا جرت الألفاظ المشهورة، أغنى جريانُها عن ذكر التسليط على التجارة؛ لأنها صرائحُ شائعةٌ في مقاصد العقد.
وإن جرى لفظُ القراض مع ما يُناقض الموضوعَ، فقد نقول بالفساد، وقد نرى الحيدَ عن موضوع المعاملة، وذلك مثل أن يقول: على أن كل الربح لك، أو يقول: على أن كل الربح لي.
وإن لم يجر لفظ صريح، وجرى حيدٌ عن مقصود المعاملة، مثل أن يقول: خذ،

وتصرف، ولك الربح كله.
فمن أصحابنا من يقطع بأن هذا حائد عن القراض، لعروّه عن صريح لفظه، وعن مقصوده الشرعي.
ومن أصحابنا من جعل هذا وقولَ القائل: قارضتك على أن كلّ الربح لك بمثابةٍ.
ومما ذكره القاضي أنه لو قال: قارضتك أو ضاربتك، فلا بد من القبول المتصل، على ما لا يكاد يخفى وجه اتصال الإيجاب بالقبول.
ولو قال: خذ هذه الدراهم، واتّجر فيها، ولك نصف الربح، فلا حاجة إلى القبول.
قال القاضي: وهذا بمثابة ما لو قال لمن يخاطبه: بع عبدي، فلا حاجة إلى القبول.
4966 - ولو قال: وكلتك ببيعه، فقد نقول: لا بد من القبول.
أما الوكالة، فقد قدمنا ما فيها، وأما مصير هؤلاء إلى أن المعاملة إذا عريت عن لفظها الصريح، وفُرضت بمثل قول القائل: خذ هذا، وتصرف، فلا حاجة إلى القبول، فبعيدٌ، لا أصلَ له.
وقد قطع شيخي والطبقة العظمى من نقلة المذهب أنه لا بد من القبول، وكيف لا يكون كذلك، وهذه معاملة مختصة بمعيّنٍ، فيها استحقاق العوض والمعوّض، فكيف تثبت من غير قبول؟ وإن ظن ظانٌّ أن ذلك يلتحق بالجعالات، فقد أبعد؛ فإن وضع القراض يخالف وضع الجعالة؛ [إذ وضعُ الجعالة] 1 على إبهام العامل، مثل قول القائل: من رد عليّ عبدي الآبق، فله كذا، ومصلحة [تيك] 2 المعاملة تقتضي هذا.
ثم شرط صحة الجعالة إعلامُ الجعل تقديراً، أو تعييناً، والقراض معاملةٌ برأسها بعيدةُ المأخذ من الجعالات.
ولا خلاف أن لفظ المقارضة يستدعي القبول، فإذا جرى ذكر مقصود المقارضة، وجب الافتقار [إلى] 3 القبول؛ فإن المقارضة لا [تُعْنى] 4 لصيغتها، وإنما هي لفظة

دالّةٌ على مقصود، وهذا إن احتمل في الوكالة من حيث إنه إذنٌ، لم يتجه مثلُه فيما يتضمن عوضاًً، ومعوضاً، وأحكاماً وأركاناً.
فرع: 4967 - رأس مال القراض يجب أن يكون معلوم المقدار، ولا يكفي في الإعلام الإشارة؛ [فلو] 1 قال: قارضتك على هذه الدراهم، وأشار إلى صُرَّةٍ منها، مجهولةِ المقدار، فالمعاملة فاسدة جواباً 2 واحداً.
وقد اختلف قول الشافعي في أنا هل نشترط إعلام رأس المال في السّلم؟ والفرق بين الأصلين أن مال القراض يؤول إلى تنضيض رأس المال، وكيف يتصور المصير إلى هذا من غير إعلام رأس المال، وليس كذلك السَّلَم؛ فإن استبهام الأمر فيه بسبب جهالة رأس المال موهومٌ، وذلك بأن يُفرض انقطاعُ المسْلَم فيه، ومسيسُ الحاجة إلى الرجوع إلى رأس المال.
وأمر القراض مبناه على تمييز رأس المال عن الربح.
فصل 4968 - فيما يتّفق في مال القراض من الزوائد المنفصلة، كالثمار والنِّتاج، وما في معناهما، ويتصل بذلك القولُ في منافع مال القراض، وهذا أصلٌ لم يعتن الأصحاب بجمع قولٍ فيه، ونحن تكلفنا تلقِّي حقيقة المذهب من النص، وأقوال الأئمة في هذا الفصل، فنقول: إذا اشترى العامل مواشيَ، وكان يتربص بها ليبيعها، فاتفق نتاجٌ في مدة التربّص، أو اشترى نخيلاً، فاتفقت ثمارٌ في مدة التربص، فالذي نحققه من مذهب الأئمة أن هذه الزوائد [تلحق بمال القراض، وتُعدّ منها، وكان من الممكن في طريق القياس أن يقال: هذه الزوائد] 3 فوائدُ عينية ليست مستفادةً من قبل التجارة، وإنما يشارك العامل ربَّ المال في الأرباح؛ فإن هذه المعاملة موضوعة لتحصيل الأرباح، ولكن لم يقل بهذا أحدٌ، والسبب فيه أن العامل إذا اشترى برأس المال نخيلاً أو مواشي،

فقد استبهم من هذا الوقت أمرُ الربح ورأس المال؛ فإن المتقوّمات لا ثقة بقيمتها حتى تنض.
وإذا كان يثبت للعامل حقٌّ في الربح، بل يثبت له حق في العروض، وإن لم يبدُ ربحٌ، فما يتفق شراؤه يجب أن تشيع فوائده وزوائده.
وكان شيخي يقول: حصول الفوائد محمولٌ على تسبب العامل إلى شراء الأصل؛ إذ لولا شراؤه له، لما حصلت الزوائد.
والأرباحُ إنما تحصل على تحصيله من هذه الجهة أيضاً، فيجب أن يعتقد التحاقُ الزوائد بمال القراض، ثم لا نحكم فيها بأنها أرباح أو زوائد، ولكن هي من مال القراض، وجملة مال القراض لا تميُّزَ فيها من طريق التعيين، ولكن رأس المال والربح شائعان، وإنما يتميز رأس المال عن الفوائد 1 الزائدة بالمفاصلة آخراً، كما ذكرناه.
4969 - ومما يتعلق بتحقيق هذا الفصل حكمُ المنافع.
أولاً: قال الأصحاب: لو كان في مال القراض جاريةٌ، فوطئها أجنبيٌّ بالشبهة، والتزم مهر المثل، فهو مأخوذٌ منه، مضموم إلى مال القراض، شائعٌ فيه؛ ولا نقول: إنه متجدد في نفسه، ويلحق 2 بالفوائد تعييناً وتخصيصاً، وإذا ذكروا ذلك في عوض منفعة البُضع، فأعواض سائر المنافع بذلك أولى؛ فإنها إلى المالية أقرب، وهي مضمونة بيد العدوان، كالأعيان، بخلاف منافع البُضع.
ويخرج من ذلك أن المقارض لو أراد ألا يعطل منافع الأعيان المنتفع بها، بأن يعقد في زمان [التربص] 3 بالبيع -على ما يرى- فيها إجارةً، فلا بأس.
ثم ما يحصل ينضم إلى مال القراض.
وليس للعامل أن يزوج الجارية؛ لأن التزويج ينقص قيمة العين، بخلاف الإجارة.
وقد نص الشافعي على أن المالك لو أراد أن ينتفع ببعض أعيان القراض، لم يكن

له ذلك، حتى لو شرط ركوب دابة تتّفق، أو استخدام عبد يقع في مال القراض، كان الشرط فاسداً مفسداً.
وقد ذكر الأصحاب أن المأذون له في التجارة لا يكري، ولا يؤجر، وصرحوا بأن الإجارة ليست من التجارة.
وقد يبتدر الفقيه إلى أن المقارَض متجرٌ في المال، فينبغي ألا يزيد على التجارة.
وهذا فيه نظر؛ فإنا في المسلك الذي نُجريه نعتقد أن العامل من وجهٍ متجرٌ، ومن وجهٍ متصرّفٌ في ملك نفسه؛ من جهة أنه يملك جزءاً شائعاً، أو يملك أن يملكه، ولا نُطلق القولَ بنفي الربح، ولا بإثباته.
والأمر مبهم [مشتبه] 1. هذا وضع القراض.
ولو كان يتصور لرأس المال منفعة، ربما كان يغمض النظر فيها، ولكن لا منفعة للنقد، [و] 2 إذا صرفه إلى العروض، التبس الأمر، كما قررناه، ولذلك يستحق البيع، أو يجب عليه البيع، كما فصلنا القول في ذلك.
4970 - ثم ذكر القاضي أمراً بدعاً لا يهجم على مثله [إلا صؤولٌ] 3 في الفقه 4 جوّالٌ في [معاصاته] 5: وذلك أنه قال: لو وطىء رب المال جارية القراض، فنقول: هو بالوطء متلف منافع البضع، فنجعله كما لو أتلف عيناً من أعيان مال القراض، ولو فعل ذلك، لكان مسترداً لذلك القدر من مال القراض.
ثم المسترد وفي المال ربحٌ يقع شائعاً من رأس المال والربح، كما قدمنا تفصيل ذلك، فيجعل رب المال بالوطء مسترداً لمقدارِ مَهْر المثل، وذلك بأن يقدر ثبوت مهر المثل أولاً منضمّاً إلى المال، ثم نقدرُ استرداده [وبمثل] 6 هذا لو وجب مهر المثل بوطء أجنبي، ثم فرض الاسترداد فيه.
وهذا قد يستبعده الناظر على البديهة، فإذا أحاط بما مهدناه قبلُ، ثابت إليه

نفسُه، واستمر مريره 1 وعلم من خاصية القراض ما نبهنا عليه.
ومن بديع ما [نذكره] 2: أنا لا نوجب على العامل أن يكري ويؤاجر، وكيف نوجب عليه ذلك، ولا نلزمه أن يتجر، ولو ضيّع متاجرَ رابحةً، وجهاتٍ في المكاسب لائحةً، لم يتعرض للضمان، ولكن يكفيه أن يخيب مع خَيْبة رأس المال.
ولو وطىء رب المال الجاريةَ الواقعة في مال القراض، وأولدها، صارت أمْ ولد له، ويصير مستردّاً لقيمتها، ثم حكم الاسترداد ما ذكرناه.
ولم يتعرض القاضي في هذه المسألة لثبوت المهر تقديراً، ثم لثبوت القيمة بعد المهر، والذي يقتضيه قياس مذهب الشافعي، تميز المهر عن القيمة، وثبوتهما جميعاً؛ ولهذا نقول: إذا استولد الأب جارية ابنه، التزم مهرها، وقيمتَها: المهرُ بالتغييب 3 والقيمةُ بحصول العلوق.
وهذا محتمل جداً في حق رب المال؛ فإنه إذا أفضى أمره إلى الاستيلاد، حُمل أول فعله وآخرُه على استرداد الجارية، وهذا لا يتحقق في جارية الابن مع الأب؛ فإنه فيها بمثابة المتلف، وهذا مشكل جداً، والقياس الجمع بين المهر والقيمة، ولم يتعرض القاضي لذكر المهر مع جريان الاستيلاد، وقرن به ذكرَ المهر إذا تجرد الوطء.
فليتأمل الناظر هذه [المعاصات] 4. فرع: 4971 - من غصب دراهمَ، ثم إن مالكها قارض الغاصب عليها، فالقراض صحيحٌ.
وفي براءة الغاصب عن ضمان الغصب، وجهان ذكرهما الأصحاب.
ولم يسمح أحدٌ بذكر خلافٍ في زوال ضمان الغصب بسبب رهن المغصوب من الغاصب، مع أن الرهن أمانةٌ كأموال القراض، والقراض والرهن لا يعقدان للائتمان المجرد، وهما متعلقان بغرض الغاصب، بل الغرض في القراض أظهر؛ فإنه حق تملك.

وأقصى ما أقدر عليه في مثل ذلك [ذكر] 1 وجه الإشكال.
فإن قلنا: لا يزول ضمان الغصب بطريان القراض، فلو صرف تلك الدراهم المغصوبة إلى جهات التجارة، وقبض أعواضها، انقطع الضمان عنه في الدراهم؛ فإنه بتسليمها جرى على موجب الإذن فيها، وزالت يدُه عنها.
ثم ما يقتضيه من أعواضها، فهو أمين فيها؛ فإنه لم يتقدم منه فيها سببُ ضمان، وهذا لائح.
فرع: 4972 - إذا دفع إلى رجل ألفاً قراضاً على الشرط المرعي، فلو خلطه بمال نفسه، فقد أساء، وصار ضامناً؛ فإن من الأسباب المضمنة للأمناء أن يخلطوا الأمانة بغيرها.
ثم مع هذا قال الأصحاب: لا ينعزل من التصرف، بل ينفذ تصرفه في المال حتى إذا خلط ألفاً بألفٍ، وأخذ يتجر، فرأس مال القراض من الألفين ألفٌ، والألف الآخر للعامل، وما يتفق من ربحٍ يُنصّف بين الألفين، وللعامل النصف على مقابلة ألفه، والذي يخص ألفَ القراض يقسم بين المالك وبين العامل، على موجب التشارط.
وهذا إذا جرى من غير شرط، فحكمه ما ذكرناه.
ولو عامل [رجل] 2 رجلاً على ألفٍ، على أن يخلطه بألفٍ آخر لنفسه، فالشرط على هذا الوجه فاسدٌ مفسدٌ؛ فإنه مخالفٌ لوضع الشرع في تصوير القراض، وآيةُ ذلك أنه إذا وقع، صار ضامناً لمال القراض، وإن كان لا ينقطع التصرف به.
فرع: 4973 - إذا اختلف العاملُ وربُّ المال في شرط الربح وجزئيته، فقال العامل: شرطت [لي] 3 النصف، وقال رب المال: بل الثلث، قال الأصحاب: يتحالفان، ثم حكم تحالفهما أن يرتدّ الربحُ بكماله إلى رب المال، ويثبت للعامل أجر مثله، وهذا في ظاهر الأمر قياسٌ.
وفيه فضل نظر سنذكره على أثر هذا، إن شاء الله تعالى.

ولو قال رب المال: رأس المال كان ألفاً، وقال العامل: بل كان خمسمائة، فالذي ذهب إليه المحققون أن هذا ليس من صور التحالف، بل القول فيه قول العامل؛ فإنه مؤتمن، وأدنى درجات الائتمان أن يصدَّق في مقدار المقبوض.
وإذا لم يجر التحالف في هذه الصورة، حلّفنا العاملَ، وميزنا رأس المال أخذاً بقوله، وقسمنا الفاضل على موجب التشارط.
وذكر العراقيون وجهاًً في أن الاختلاف في رأس المال يوجب التحالف، ثم أثره ارتداد الربح بكماله إلى المالك، ورجوع العامل إلى أجر المثل، وهذا ضعيفٌ مزيف.
وليس ما ذكرناه كالاختلاف في جزئية الربح؛ فإن ذلك تنازعٌ في صفة العقد.
فصل 4974 - قد ذكرنا القراض الفاسد، وهذا أوان بيان حكمه، فنقول: القراض الفاسد هو الذي يجري قراضاً، ويختل [شرط] 1 صحته.
والحكم فيه انقطاع المسمى من الربح في مقابلة العمل، ومقتضى ذلك رجوع الربح بجملته إلى المالك، ثم لا يخيب العامل، فله قيمةُ عمله، وهو أجر المثل، وهذا جارٍ على قياس ترادّ الأعواض.
ثم إن حصل ربحٌ بالعمل -وإن قلّ- فالحكم ما ذكرناه.
وإن لم يحصل شيء من الربح، وقد فسد القراض، فهل يستحق العامل أجر المثل؟ فعلى وجهين.
ذكرهما شيخي: أحدهما - وهو الظاهر- أنه يستحق أجر مثل عمله، ولا نظر إلى الربح، حصل أو لم يحصل؛ فإنّ موجب القراض الفاسد تقويم عمل العامل.
والوجه الثاني - أنه لا يستحق أجر المثل إذا لم يكن ربحٌ؛ فإن القراض لو كان صحيحاً، لكان يتعطل في هذه الصورة حقُّ العامل، فمبناه إذاً على أنه لا يستحق شيئاً، إذا لم يكن ربحٌ.
وهذا ضعيفٌ لا اتّجاه له.

وقد يجري في صور الفاسد حيْدٌ عن جهة القراض بالكلية، عند بعض الأصحاب، ولم 1 يقع تصرفهم فيه على حسب ذلك.
وهو إذا جعل الربحَ بكماله لنفسه، أو جعله بكماله للعامل، وقد قدمنا تصرف الأصحاب في ذلك، و [ذكرنا] 2 مصير بعضهم إلى أن هذا إقراضٌ في صورة، وإبضاع في أخرى.
والجملة في ذلك أن القراض إذا فسد والمقارَض فيه على طمعِ استحقاق جزء من الربح بموجب القراض، فهذا هو القراض الفاسد، الذي يقال فيه: للعامل أجر عمله، ولرب المال الربح.
وإن لم يكن خوض العامل على قصد استحقاق جزء من الربح؛ فيختبط النظر حينئذ.
فصل في مقارضة الرجل رجلين، وفي مقارضة رجلين رجلاً فنقول: أطلق الأصحاب القول في تجويز ذلك كله.
فإن قارض رجلان واحداً على مالٍ مختلط بينهما، على نسبة معلومة، وشرط أحدهما للعامل من نصيبه النصف، وشرط آخر له من نصيبه الثلث، فهذا جائز، وهو كما لو [أفرد] 3 هذا قراضاً معه على النصف وهذا قراضاً آخر على الثلث.
ولو شرطا نصف جميع الربح له من المالين، فجائزٌ حسن، فلو أنهما قالا للعامل: النصفُ.
وقالا: ما بقي من الربح بعد نصيبه مقسومٌ بيننا، لا على ما يقتضيه مقدارُ المِلكين.
فإن استويا في الملك، وشرطا أن يكون بقيةُ الربح أثلاثاً بينهما، فهذا فاسدٌ، مخالف لوضع الشرع، ثم قال الأصحاب: هو مفسدٌ للقراض، وقد يخطر للفقيه أن هذا تشارط وراء مقصود القراض، فيجب ألا يؤثر فيه، وليس الأمر كذلك.

والمسألة شبيهةٌ بما لو شُرط في القراض جزء من الربح لثالثِ، ليس عاملاً، ولا مالكاً، وقد ذكرنا ما يتعلق بذلك، فشرط مزيد الربح لأحد المالكين على خلاف ما يقتضيه قدرُ ملكه يضاهي شرطَ الربح لثالث، وهو لا يستحقه في وضع الشرع.
4975 - ولو قارض رجل رجلين وشرط لأحدهما النصف، وللآخر الثلث، فجائز لتعدد المالك 1، وحكم التعدّد 2 تعددُ العقد.
ويعترض في هذا إشكالٌ، وهو أن مقارضة الرجل رجلين إن كان على أن يستبد كل واحد منهما بالتصرف، إذا اتفق متجرٌ من غير أن يحتاج إلى مراجعة صاحبه، فهذا على هذا الوجه انبساط في التصرف، فيُخيّل 3 انتفاء الحجر.
لكن فيه إشكال؛ من جهة أن أحدهما لا يثق بتصرف نفسه، ولا يأمن أن يكون تصرفه مسبوقاً بتصرف صاحبه.
وقد يتفرع عليه أنه إذا لم يتفق من أحدهما عمل أصلاً، وجرى العمل كله من الثاني، فيستحيل أن يستحق من لم يعمل شيئاً، ويجب أن يكون المشروط من الربح للعامل، وهذا فيه إشكال؛ فإنه لم يشترط الربحَ له وحده، ثم يلزمه منه إذا قبل بذلك أن يختلف الأمر 4 بمقدار العملين، وهذا أمر لا ينضبط.
هذا إذا جرى القراض على أن يستقل كل واحد منهما بالتصرف.
ولو كان القراض على ألا ينفرد أحدهما بالتصرف ما لم يطابقه الثاني، فهذا يجرُّ إشكالاً آخر؛ فإن ذلك يتضمن حجراً على كل واحد منهما، وقد قدمنا فيما سبق أن المالك لو شرط على المقارض ألا يمضي أمراً حتى يشاور رجلاً عيّنه، أو حتى يراجع ربَّ المال، فالقراض يفسد بذلك.
هذا وجه الإشكال.

4976 - ونحن نقول بعده: مقارضة رجلين على أن يستقل كل واحد منهما بالتصرف في جميع المال فاسدٌ، لا شك فيه؛ فإن هذا وإن كان يُخيل انبساط أمر 1 كل واحد منهما، فهو في التحقيق أعظم تضييق، وفيه سقوط ثقة كل واحد منهما بما [يكون] 2 عليه.
ثم يجر من الخبل في التفريع ما ذكرناه من اتفاق انفراد أحدهما بالعمل، أو تفاضلهما فيه؛ فلتخرج هذه الصورة عن إرادة الأصحاب للحكم بالصحة.
فأما إذا قارض رجلين على ألا ينفرد واحد منهما بالتصرف، فهذا فيه ما أشرنا إليه من إشكال الحجر، ولكن يعارضه التعاون والتناصر، وهذا يزيد أثره على ما ينحسم بالحجر.
وينفصل رجوع أحد العاملين إلى الثاني عن مسألتين: إحداهما - اشتراط مراجعة ثالث، لا خوض له في القراض، والأخرى- اشتراط مراجعة المالك.
أما اشتراط مراجعة ثالث، فتثير حجراً ظاهراً؛ فإنه ليس في ذلك الثالث ما يستحثه على تنفيذ التصرف، والاتساع في المتاجر، وإذا لم يكن له غرض، فقد يتبرّم بالمراجعة، ويبغي الإفلات منها، ثم يجرّ ذلك عسراً بيّناً.
والعاملان إذا تناصرا فكل واحد منهما يستحثه ماله من الحظ على السعي في تحصيل المتاجر.
هذا وجه بيّن.
وأما مراجعةُ المالك؛ فإنها تُحبط استقلال العامل بالكلية، ويتشوّف المتصرفون إلى المالك، وما يُسقط استقلال العامل ينافي وضعَ القراض، فهذا ما أردناه.
وقد يتجه في مقارضة الرجل رجلين أن يحمل على كون كل واحد من العاملين مقارضاً في قسطٍ من المال، وقد أوضحنا أن الشيوع غير ضائر، وكلام الأصحاب في التفريع يشير إلى ذلك؛ فإن مما ذكروه: أنه لو قارض رجلين، وجعل نصيب أحدهما من الربح أقلَّ جاز، وهذا إنما يفرض بأن يقدّرَ كلُّ واحدٍ منهما مقارضاً في قسط، وهو منفرد بمعاملة المالك فيه، ثم المالك إن أثبت في كل معاملة نسبةً أخرى، على حسب التوافق، فلا معترض.
ولو قدرنا القولَ بصحة مقارضة رجلين على التناصر، فهما كالعامل الواحد في

جميع المال، فلا يبقى لرب المال مقامُ الاحتكام بتفضيل أحدهما على الآخر.
4977 - فخرج من مجموع ما ذكرناه ثلاثة أقسام: أحدها - أن يقارض رجلين على أن يتصرف كل واحد منهما في جميع المال، وهذا باطل، لا شك فيه؛ فإن في استقلال كل واحد منهما عدمُ استقلال صاحبه، وهو في التحقيق شَغْلُ مال واحد بقراضين.
هذا قسم.
والقسم الثاني - أن يتعاونا على العمل في الجميع، هذا محتملٌ، كما رددنا القول فيه.
والأظهر البطلانُ لما ذكرنا آخراً من إضافةِ مالٍ واحدٍ إلى حقَّي عاملين، وهذا لا وجه له.
وحق المقارَض عظيمُ الوقع في الشرع.
والقسم الثالث - أن يقع مقارضةُ الرجلين، على أن يكون كل واحد منهما عاملاً في شطر المال.
وهذا جائزٌ لا يرده راد.
وقد قال الشافعي: تعدد المقارض يتضمن تعددَ القراض، ولا محمل لهذا إلا ردَّ تصوير مقارضة الرجلين إلى ما ذكرناه آخراً؛ فإنا لو فرضنا متناصرين على العمل في جميع المال، لكانا كالعاقد الواحد.
فهذا منتهى الكلام في ذلك، وقد نبهنا في أول الكتاب على الإشكال، ولم نفصله.
4978 - وقد بأن الآن ومما أُجريه في هذا المجموع -ولا شك في تبرم بني الزمان به- أني كثيراً ما أُجري المسائل على صيغة المباحثة، ثم هي تُفضي إلى مقر المذهب 1 آخراً، ويعلم المسترشد طريق الطلب، والنظر، وهذا من أشرف مقاصد الكتاب؛ فلست أخل به لجهل من لا يدريه.
فصل في تلف مال القراض، أو تلف بعضه 4979 - لا خلاف أنه إذا تلف جميع المال قبل التصرف، فقد انتهى العقد، وانقطعت علائقه.

وإن تلف البعضُ بأن كان رأسُ المال ألفاً، فتلفت خمسمائة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن القراض ينفسخ فيما تلف، ويبقى فيما بقي، وفائدة ذلك خروج التالف عن الحساب، والمصيرُ إلى أن رأس المال هو الذي بقي، حتى 1 نقول: إذا تصرف العامل فيما بقي وربح، فلا يلزم جبرانُ الخمسمائة التالفة.
والوجه الثاني - أن القراض لا ينفسخ فيما تلف، وإذا اندفع العامل في العمل، فرأسُ المال ألف، ويجب جبران الخمسمائة التالفة.
ووجه الوجه الأول واضح، ووجه الثاني أن العقد إذا بقي ببقاء بعض رأس المال، فما جرى من النقصان يُعدُّ في عُرف المعاملة من النقصانات التي تجبرها الزيادات إذا اتفقت، ولعل الأقيس الأول.
4980 - ولو اشترى بالألف التي دفعها إليه عبداً، ثم تلف الألفُ قبل أن يوفره على البائع، [نظر: فإن كان اشترى العبد بعين الألف، انفسخ العقد بتلفه، وارتد العبد إلى البائع] 2، ولا ضمان على المقارَض، وانقطعت علائق القراض.
وإن كان اشترى العبدَ في الذمة، فالعقد قائم، ثم فيه وجهان: أحدهما - أنه ينقلب العقد إلى العامل، ويلزمه نقدُ الثمن من ماله؛ لأن رب المال لم يرض بأن يزيد تصرفُه على الألف المسلم إليه، ولا سبيل إلى الحكم بانفساخ العقد، فلا مسلك أقربُ من انقلاب 3 العقد إلى من تولاه.
والوجه الثاني - أن العقد لا ينصرف عن رب المال؛ فإنه وقع له، ودخل العبد في ملكه تحقيقاً، فعليه بذلُ ألفٍ آخر في ثمن العبد، والألف الذي تلف لا ضمان بسببه على العامل، لكونه مؤتمناً.
فإن حكمنا بأن العقد ينصرف إلى العامل، فقد انقطع القراض، ولا كلام فيه، وعلى العامل ثمن العبد.

وإن حكمنا بأن العقد لا ينصرف إلى العامل، وعلى المالك 1 بذلُ ألفٍ آخر، فرأسُ المال ألفٌ أو ألفان؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين فيه إذا تلف من الألف خمسمائة.
فإن قلنا: رأسُ المال الخمسمائة الباقية، فرأس المال الألف الواحد، وهذا أولى؛ فإن الألف الأول تلف بالكلية؛ وفي المسألة الأولى بقي من رأس المال شيء.
وإن قلنا: في تلف بعض رأس المال: إن رأس المال الألفُ الكامل، فرأس المال في هذه المسألة ألفان، والباقي في المسألة الأولى هو [عُلقة] 2 العقد، ومنه ينشأ جبران النقصان، والباقي في المسألة الثانية علقة العقد، وبقاؤه على حكم القراض.
ولا يمتنع عندنا أن يقال: إذا تلف الألف، انفسخ القراض، وانقطع أثره، وخرج العقد عن موجب القراض بالكلية، ويبقى العبد مملوكاً لمن ملكه أولاً، فإن فرض ربحٌ، فهو المختص به.
ثم يتفرع على هذا المنتهى ترددٌ في أن العامل هل يتصرف في العبد بحكم الإذن الأول؟ والسبب فيه أن صيغة الإذن وإن كانت قائمة، فقد اختلفت الجهة، والوكالة لا تحتمل استرسال تصرفات الوكيل كذلك من غير ضبط.
وإن قلنا: ينفذ تصرفه؛ فإنه يستحق أجر مثل عمله، لا عن جهة فساد القراض، ولكن عن جهة توقعه العوض على مقابلة عمله.
فليفهم الناظر عن تأملٍ تام، فليس هذا مما تبتدره بوادر الأفهام.
4981 - ولو اشترى المقارَض أولاً بالألف عبدين، وقبضهما، ثم تلف أحدهما في يده، إن قلنا: لو تلفت خمسمائة من الألف قبل التصرف، فرأس المال ألف، فهاهنا أولى؛ فإنه قد تأكد القراض بالتصرف والعمل، وإلا فوجهان.
وقال القاضي وطائفةٌ من المحققين: هذا في التصرف الأول، فأما إذا فرض تلفٌ

في الصرف الثاني، والثالث، إلى حيث ينتهي 1، فلا خلاف أن رأس المال لا ينقص بالتلف.
وقال شيخي، وطائفة من الأصحاب: التلف مهما وقع، تضمن خلافاً في أن رأس المال هل ينتقص، وإنما النقصان الذي لا ينقص رأس المال في الحساب هو [الخسران، وانحطاط الأسعار] 2 فأما تلف عيْن المال، فيخرّج على الخلاف.
ثم لا ينبغي أن يغفل هذا القائل عن تفصيلٍ: فإن فرض التلف قبل الربح، جرى الكلام ظاهراً، وإن فرض بعد ظهور الربح، فالتالف يقع على الوجه البعيد عن رأس المال والربح، وهذا خبطٌ وتخليط، والصحيح ما ذكره القاضي لا غير.
فإن قال مستبعدٌ: إذا ذَكَر 3 خلافاً في التصرف الأول، فما الفرق بينه وبين التصرف الثاني؟ قيل: الصحيح في التصرف الأول أن رأس المال لا ينتقص بالتلف.
والوجه الآخر 4 بعيد مشوّشٌ للقانون، ووجهه على بعده: أن العامل كانه يحصّل مالَ القراض بالتصرف الأول، والدراهمُ 5 رأس المال.
و [العَرْض] 6 في التصرف [الأول] 7 مال القراض، فكان تصرف الكسب هو الثاني.
ولا يجوز أن يكون بين العلماء خلاف في أن عبد القراض لو عاب، فانتقصت قيمته، ثم زال العيب، فرأس المال كما كان، وإذا كنا نحتمل إلحاق النتاج والثمار بالأرباح، فالوجه أن يحتمل إلحاق التلف بالخسران.
ثم قال الأصحاب: لو أتلف متلفٌ بعضَ مال القراض، لم ينفسخ القراض، وكذلك لو أُتلف كله، فيؤخذ البدل من المتلف، ويستمر القراض عليه، والمقارَض يستقل بالمطالبة، فإنه في تصرفاته واستقلاله بها يضاهي تصرف الملاك.

4982 - ولو أتلف العامل شيئاً من مال القراض، نُظر: فإن لم يظهر ربحٌ، ضمن ما أتلفه للمالك، وانفساخُ القراض ثابت عندي.
وكذلك لو أتلف الكل، [حصل الانفساخ] 1؛ فإن ما يأتي به بعد الضمان لا يقع ملكاً 2 لرب المال، فكيف يبقى القراض والحالة هذه 3؟ فالوجه أن نقول: إذا أتلف الكلَّ، ضمن، وزال القراضُ، وإن أتلف البعضَ، ضمن، والقراضُ ينقطع في القدر الذي أتلفه، وجهاً واحداً، ويكون إتلاف العامل ذلك القدرَ في انفساخ القراض بمثابة إتلاف رب المال قدراً من رأس المال.
وسيظهر تعليل هذا على الوضوح في أثناء الفصل.
وليس تلف البعض بإتلاف العامل كتلفه بآفةٍ سماوية.
(4 وإن ظهر الربح، فما يُتلفه منقسمٌ على رأس المال والربح، فلا يضمن نصيبه 4) من الربح في ذلك المتلف، والكلام فيما يقابل رأسَ المال كالكلام في التلف السماوي، ولكنه يضمن لرب المال ما أتلفه عليه.
ثم يعترض في هذا إشكالٌ، وهو أنه يزدحم نوعان من الجبران: أحدهما - الجبران بالضمان.
والآخر- الجبران بالربح.
وهذا محال؛ فيتجه القطع بانفساخ القراض في ذلك القدر من رأس المال، وإن وقع في أثناء التصرفات؛ فإن التفريع يقتضي ذلك؛ إذ ما يضمنه يقع خارجاً عن حساب القراض، وجبران المال بالربح مع الضمان محال، وليس كما لو فرض تلفٌ بآفة سماوية؛ فإن الجبران ثَمَّ محمولٌ على4

قياس الخسران؛ إذ لم يرجع إلى رب المال عوضٌ عن [التالف] 1، وهاهنا رجع العوض إليه خارجاً عن حكم القراض، فقد انفصل القراض فيه.
وإذا تحقق الانفصال، فلا جبران.
ثم نقول: يغرَم للمالك حصته من الربح فيما أتلفه، وهذا أيضاً خارج بحكم التفاصل، فإتلاف العامل طائفةً من المال يخرجه من حكم القراض، كإتلاف رب المال، غيرَ أن إتلاف رب المال استرداد منه لمقدار من رأس المال، وتفاصلٌ في مقدار من الربح، وإتلافُ العامل يتضمن الإخراج عن القراض، ولكن بجهة الضمان، كما قررناه.
فرع: 4983 - ذكر العراقيون مسألةً عن ابن سريج وهي أنه قال: لو قارض رجل رجلين على مال، وحصل في أيديهما ثلاثةُ آلاف، وقال رب المال: رأس المال ألفان والربح ألف وصدّقه أحد [العاملَيْن] 2، وكذبه الثاني، وقال: بل رأس المال ألف والربح [ألفان، والتفريع] 3 على الصحيح: وهو أن هذا الاختلاف لا يقتضي تحالفاً، فالطريق فيه أن الذي ادعى أن رأس المال ألفٌ، فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف، أخذ من المال خمسمائة على تقدير أن الربح ألفان، والمسألة مفروضة فيه إذا كان الشرط على أن يكون نصف الربح للمالك، والنصف الآخر بين العاملين، فيخص أحدهما خمسمائة إذا كان الربح ألفين، ثم إن المالك يقول للعامل الثاني: قد ظلَمَنا العاملُ المنكر بمائتين وخمسين درهماً، وأنت قد صدقتني أن الربح ألف، فالمائتان والخمسون التي ظَلَمَ بها تنزل منزلة الخسران بيننا، فتحسب من الربح دون رأس المال، والآن [بيننا] 4 خمسمائة من الربح، فنقتسم هذا القدر بيننا أثلاثاً؛ إذ لو اعترف العامل الآخر بأن الربح ألف، لكان الألف مقسوماً بيننا أرباعاً، الربع منه لكل واحد من العاملين، والنصف لي، ثم نسبة حصة كل عامل مع نصيبي تقع على وجه

التثليث، فإن الخمسمائة حصتي، والمائتان والخمسون حصةُ كلٍّ عامل، وإذا ضمت حصة [كل عامل] 1 إلى الخمسمائة، كانت ثلثَ الجملة، والآن لم يسلم من الربح بيني وبينك إلا خمسمائة، فنقسمها أثلاثاً على النسبة التي ذكرناها، ثلثاها لي وهي ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، والباقي لك وهو مائة وستة وستون وثلثان.
هذا جواب ابن سريج.
وهو حسنٌ بالغ، وفي تفريعه هذا أولاً: ما يدل على أن مقارضة رجلين على صفة التناصر والتعاون جائز؛ فإن التفريع الذي نظمه لا يستقيم إلا في الصورة التي ذكرناها؛ فإنه لو كان قارض كلَّ واحد على ألفٍ من الجملة على شرط التنصيف، فالمصدِّق يقول له: عاملتني على ألف، وقد ربحتُ خمسمائة، فاقسمها بيننا نصفين، وإذا جرت المُقارضةُ على أن يكون كل واحد من العاملين مقارضاً في جميع المال، ويكونان متعاونين على العمل، لا يستبد أحدُهما، فهما 2 كالشخص الواحد، فيتعلق ما يقع من خسرانِ بهما جميعاً، ويتَّسقُ عليه جوابُ ابن سريج.
وقد قدمنا تردُّداً من طريق الاحتمال في مقارضة المتعاونين، والآن شهد تفريعُ ابن سريج على تصحيحها، مع ما فيها من الإشكال، وليس عندي نقلٌ في إفساد مقارضة المتعاونين، والذي قدمته من التفصيل والتقسيم جرى ترديداً لوجوه الاحتمال.
وليس عندي أيضاً نقلٌ صريح بأن كل واحد من العاملين لو كان يستقل بالعمل من غير احتياج إلى مراجعة الثاني، فالقراض فاسد، وإنما قلتُه عن احتمالٍ، وفسادٍ في التفريع بيّن.
فهذا منتهى المراد في ذلك.
4984 - وفيما ذكره ابنُ سريج سؤالٌ، وعنه انفصالٌ، وفيه تمام المقصود.
فلو قال العامل المصدق: قد سلمتُ أنَّ صاحبي مُحِقٌّ في مائتين وخمسين، وإنما ظلمَ بما زاد على ذلك، فقدِّر كان الزائد تلف وفات مستدركُه، فالربح سبعمائةٍ وخمسون، فأعطني ربع سبعمائة وخمسين، وهو أكثر من ثلث خمسمائة.
وهذا تلبيسٌ، [فإنا إذا] 3 حسبنا المائتين والخمسين التي ظَلم بها خسراناً، فلا يخص

المنكر بعد [حط] 1 ذلك مائتان وخمسون، بل يخصه مائةٌ ونيفٌ وثمانون، فهو على [هذا] 2 التقدير ظالمٌ ببعض المائتين والخمسين أيضاً، فلا وجه إلا أن تقسم الخمسمائة الحاصلة على نسبة الأثلاث.
وهذا سديد.
فرع: 4985 - السيد يعامل مكاتَبه، ورب المال لا يعامل المقارَض في مال القراض، والسيد لا يعامل العبدَ المأذون إذا لم يكن عليه ديْن.
وإن ركبه ديْن، فقد ذكر العراقيون وجهين في أن المولى هل يعامله على المال الذي في يده؟ وهذا لا أصل له، والوجه القطع بامتناع المعاملة؛ فإن ركوب الدين لا يتضمن إزالة ملك المولى عن الأعيان الكائنة في يد المأذون.
والله أعلم بالصواب.
تم كتاب القراض بحمد الله ومنِّه.
...

ومن أراد أخذ المذهب من حفظ الصور، اضطرب عليه في أمثال هذه الفصول، ومن تلقاه من معرفة الأصول، استهان بدرك هذه الفصول.
الإمام في نهاية المطلب

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل