نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 525-564
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب اللقطة

صفحات 525-564
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وإن كان أبواه على كفر ابتداء، وأعرب هو عن نفسه بكفرٍ آخر، مثل إن كانا يهوديين، فأبدى هذا تنصراً، أو على العكس، فالقول الوجيز فيه: أنا نجعله كمن ينتقل من ملة في الكفر إلى ملةٍ، وسيأتي تفصيل الأقوال في أن من فعل ذلك هل يُقر على الكفر الذي انتقل إليه، وموضع استقصائه كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى.
6076 - فإذا تبين هذا، قلنا بعده: الأحكام التي سبقت مترتبة على تبعية الإسلام هل تنتقض؟ وقد أعرب عن نفسه بالكفر؟ إن قلنا: إنه مرتد، فلا شك أنا لا ننقض شيئاً مما تقدم.
وإن قلنا: إنه كافر أصلي، فكل حكمٍ قررناه بعد البلوغ قبل الإعراب، فهو منقوض.
وكل حكم كُنّا أمضيناه في الصبا، فهل ننقضه الآن؟ فعلى وجهين: أقيسهما - أنا ننقضه، والمعنيّ بنقضه أنا نتبيّن انتقاضَه، فإن كان أعتقه مُكَفِّرٌ تبيناً بالأَخَرة أن ذمته لم تبرأ، وإن كنّا ورَّثناه من مسلم، تبيَّنا ارتداد ذلك الإرث.
وإن كنا أنفقنا عليه من بيت المال، استرددناه.
ولو حرمناه في صباه الإرث من كافرٍ، نتبين الآن عوْده إلى الاستحقاق.
وهذا كله قياس قولنا: إنه كافر أصلي؛ إذ لو كنّا نُبقي تلك الأحكام، لكان هذا الكفر بعد إسلام، والكفرُ بعد الإسلام ردة.
ومن أصحابنا من قال: لا ننقض شيئاً من أحكام الإسلام التي أمضيناها في حالة الصبا؛ فإنها جرت والتبعية قائمة، والاستقلالُ بالكفر والإسلامِ غيرُ ممكن [من الصبي] 1، فلا ننقض ما مضى الحكم به، وإنما تُرد الأحكام الواقبة بعد البلوغ.
وهذا وجهٌ ضعيف في القياس، مشهور في الحكاية.
وقال صاحب التقريب: إن نقضنا أحكام الصبا، وتتبعناها، لم ننقض النفقة، ولم نستردها؛ فإن السلطان لو صرف شيئاً إلى ذمي من المحاويج، لم يبعد ذلك عن وجه الصلاح.

فإن قيل: فمن يتوقع تبيّن انتقاض هذه الأحكام هلا توقف فيها، ولم يُمضها؟ قلت: أجمع الأصحاب على إمضائها لتأكد التبعيّة وسقوطِ استقلال الصبي.
وهذا يناظر تبرعات المريض؛ فإنها تُنفد في الحال، ولا يُعترض على المتبرَّع عليه بل يتسلط على جميع جهات التصرفات.
وإن كنا قد نتتبّعُها بالانتقاض تبيُّناً، إذا مات من مرضه الذي تبرع فيه.
هذا منتهى القول في تفريع حكم الكفر إذا بنينا على أنه كافر أصلي، وقد أعرب عن نفسه بالكفر.
6077 - فأما إذا بلغ ولم يعرب بعدُ عن نفسه، فلو أعتقه معتق عن كفارته في هذه الحالة، فكيف السبيل؟ وكذلك كيف توريثه من المسلم والكافر؟ وكيف التوريث منه، وهل [نستديم] 1 الإنفاق عليه من بيت المال مع استمرار حاجته؟ ما كان يقطع به شيخي أبو محمد، وتابعه عليه صاحب التقريب: أنا نخرّج ذلك على القولين في أنه لو أعرب عن نفسه، فهو مرتد، أو كافر أصلي؟ فإن حكمنا بكونه مرتدّاً، فحكم الإسلام ثابتٌ قبل أن يُعرب عن نفسه بالكفر؛ فإنا نقول: إن أعرب بالإسلام، فقد استمر الإسلام وحكمه، وإن أعرب بالكفر، جعلنا الكفر قاطعاًً للإسلام من وقته، وهذا معنى وصفه بكونه ردّة.
فعلى هذا كل ما يجري قبل إعرابه مُقَرٌّ على حكم الإسلام، فلو قُتل، وجب القصاص على قاتله، وإذا مات ورثه المسلم، ويرث هو من حميمه المسلم، ولو أُعتق أجزأ، ويُنفَق عليه من مال المسلمين، ثم لا يُتبع شيء من هذه الأحكام بالنقض.
6078 - وإن حكمنا بأنه لو أعرب عن نفسه بالكفر، لكان كافراً أصلياً، ففي حكمه بعد البلوغ، وقبل الإعراب تفصيلٌ نسوقه على أبلغ وجهٍ وأجمعه للمقصود، فنقول: ما أمكن الانعطاف عليه تبيُّناً، فإنا نتبيَّن ارتفاعه وانتقاضه، كإرثٍ قدّرناه لهذا الشخص من حميمٍ له مسلمٍ مات، وكالإعتاق عن الكفارة، فما كان كذلك، فإذا

أعرب عن نفسه بالكفر تبيّن ارتفاع ما يقبل الانعطافَ عليه بالنقض، فالميراث مردود، والعتق غير مجزىء.
ولصاحب التقريب وقفةٌ في النفقة، واستردادها، تقدّمت الإشارة إليها.
وما يجري بعد البلوغ قبل الإعراب، ثم يفوتُ الإعراب بموتٍ أو قتلٍ، ففي الجميع وجهان، وهذا كما لو قُتل أو أُعتق عن كفارة، ثم مات قبل أن يعرب، أو يموت حميم له مسلم، ثم يموت قبل أن يعرب، ففي وجهٍ نقول: هذه الأحكام ممضاة على الإسلام الذي جرى الحكمُ به في الصبا، وفي وجدٍ لا نمضيها؛ فإن سبيل التبعية هو الصغر، وقد انقضى، والكفر الأصلي مرتقب، فإذا فات الإعراب بالكفر أو الإسلام وقد [انقطعت] 1 التبعية من أصلها، فالوجه ردُّ الأمر إلى كفر الفطرة، وينبني على هذا ما هو في الحقيقة عين ما ذكرناه.
ولكنا نبدّل صيغةَ الكلام للتهذيب و [تدريب] 2 الناظر، فنقول: إذا مات له حميم مسلم، فنقف الميراث أو نسلمه إليه؟ وإذا أعتقه مظاهر، فَنُحِل قِربانَ التي ظاهر عنها 3، أو نتوقف؟ فعلى وجهين هذا تحقيق القول فيما [ذكروه] 4. 6079 - ولا بد بعد طول الكلام، وامتداد التفريعات من إعادة ترجمة تحوي ضوابطَ، ونعطف آخر الكلام على أوله فنقول: إن جعلنا إعرابه عن نفسه بالكفر ردةً، فما جرى في الصبا وبعد البلوِغ مُقرٌّ على حكم الإسلام من غير استثناء.
وإن قلنا: إعرابه عن نفسه بالكفر يُبيّن كونه كافراً أصلياً، ففيما جرى في الصبا حكمان: أحدهما - التنفيد 5 في الحال، والآخر الانعطاف بالنقض.
فأما التنفيذ، فهو ثابت في حالة (6 الصبا، وفي الانعطاف بالنقص وجهان لقيام سبب التبعية، وأما ما يجري بعد 6)6

البلوغ وقبل الإعراب إن أمكن الانعطاف عليه، نُقض إذا جرى الإعراب بالكفر.
وإن فات الإعراب بالموت، ففي الانعطاف وجهان من غير أن يتحقق إعرابٌ بالكفر.
وفي الحكم بالتنفيد وجهان.
هذا حاصل المذهب.
ولصاحب التقريب ميْلٌ إلى الفرق بين النفقة وغيرها.
وإن رأينا التنفيد حيث انتهى الكلام إليه، ولم نر النقضَ إذا فات الإعراب، ففي وجوب القصاص على [قاتله مع] 1 هذا ترددٌ.
ونص الشافعي 2 يميلُ إلى سقوط القصاصِ، والسبب فيه تعرّض القصاص للاندفاع بالشبهة 3. ثم نقل المعتمدون أن الشافعي أسقط القصاص وأوجب دية مسلم.
وهذا فصلٌْ عظُم 4 فيه اختباط 5 الأصحاب والذي ذكرناه مضبوط -إن شاء الله عز وجل- نقلناه على ثبت وتحقق.
6080 - فإذا انتجز ما نحاوله؛ فإنا نذكر بعد ذلك هفوتين لا نعدّهما من المذهب، ولا نجدُ بداً من نقلهما.
قال من يُعتمد نقله: قال القاضي: " إذا قُتل الصبيُّ التابع في الإسلام، وجب القصاص على قاتله.
وهذا لا مراء فيه، ولو قتل بعد البلوغ، وقبل الإعراب، فلا قصاص على قاتله، ولو حكمنا بأنّه لو أعرب، كان مرتدّاً "، وأجرى نص الشافعي على القولين.
وهذا زلل لا يستريب فيه منصف.
ونصُّ الشافعي جرى على القول الآخر.
والذي نقله المزني عن الشافعي في المختصر: أنه لو أعرب عن نفسه بالكفر، لم نحكم بردّته، ولم يجبر على الإسلام، ثم استاق التفريع على هذا، وكيف ينتظم قول من

يقول: لو أعرب بالكفر، كان مرتداً، ولا يثبت له حكم الإسلام قبله.
6081 - والهفوة الثانية أنه حُكي عن القاضي في المقام الذي نفى القصاص فيه أنه قال: لو مات في هذه الحالة قبل الإعراب، ورثه حميمه، ولو مات له حميمٌ مسلم، فإرثه عنه موقوف.
أما التوريث منه، فخارج على أنه إذا أعرب هل يُنقض حكم الإسلام، وأما قوله: فإرثه عنه موقوف؛ فإنه إن عنى به أنه يقال له: أعرب عن نفسك بالإسلام، فهذا قريب؛ فإنا نستفيد به الخلاص من الخلاف، وقد فات ذلك إذا كان هو الميّت.
وإن مات حميمه ثم مات هو قبل أن يعرب، فلا يجوز أن يُعْتَقَدَ فرق بين التوريث عنه وبين توريثه.
6082 - ومما يتصل بهذا أنه لو مات صبيّاً، دفن في مقابر المسلمين، وأقيم في تجهيزه ودفنه والصلاة عليه شعار المسلمين.
ولو مات بعد البلوغ وقبل الإعراب، فهل يدفن في مقابر المسلمين؟ الذي يظهر عندي أنه يُتساهل في هذا، ويقام فيه شعار الإسلام، ولا يُضن عليه بمدفنٍ في مقابر المسلمين، والذي يقتضيه القياس الترتيبُ على التفصيل الذي ذكرناه.
هذا بيان القول في استتباع الأبوين المولودَ في الإسلام بعد العلوق على الشرك.
6083 - فأما المجنون، فإن بلغ على الجنون، فهو كالصغير، وإن بلغ عاقلاً، ثم جن، فيبتني [أمرُه] 1 على ولاية المال.
فإن قلنا: تعود ولاية المال إلى الأب، فإذا أسلم يستتبعه في الإسلام، كما لو بلغ مجنوناً.
وإن قلنا: لا يليه الأب، ويليه السلطان، فإذا أسلم الأبُ، لم يستتبعه، والسلطان يلي الكافر والمسلم بالولاية العامة.
وإن قلنا: تعود الولاية إلى الأب، فلو أسلمت الأم، استتبعته أيضاًًً؛ لأنا مهْما 2 أثبتنا التبعية من جانب الأب؛ فإنا نثبتها من جانب الأم.

وكل ما ذكرناه كلام في جهة واحدة في التبعية.
6084 - فأما استتباع السابي المسبيَّ الطفلَ؛ فإنا نقول فيه: إذا سبى المسلمُ طفلاً من أطفال الكفار منفرداً عن الأبوين، فالطفل يتبع السابي في الإسلام؛ لأنه صار من جملته وتحت قهره وولايته، فيتبعه في حكم الدين، وهذا يتم بأن يُعلَم أن السَّبْي يقلبه عما كان عليه قلباً كليّاً؛ فإنه كان محكوماً بحرّيته، متعلقاً بسبب الاستقلال إذا بلغ، والآن قد رُقّ بالسبي، حتى كأنه عُدِمَ عمّا كان عليه، واستُفتح له وجودٌ تحت ولاية السابي.
6085 - ولو كان السّابي ذمّياً توطّن 1 بلاد الإسلام، فقد ذكر أصحابنا وجهين: أحدهما - أنه يحكم له بالإسلام؛ فإن السَّابي من أهل دار الإسلام.
وهذا كلام غث، لا أصل له؛ فإن كونه من أهل دار الإسلام لم يخرجه عن حقيقة الكفر، ولم يُخرج أولاده عن تبعيته في الكفر، فيستحيل أن يؤثر ذلك في إسلام مَسْبِيّه.
وهذا هو الوجه الثاني الذي يجب القطع به.
فإذا فرعنا على الأصح، وهو أنا لا نحكم بإسلام المسبيّ، فلو أسلم السابي بعد السَّبي، فالإسلام الطارىء لا يُثبت للمسبيِّ حكمَ الإسلام وفاقاً؛ فإنا نعتبر حالة السّبي وعندها يتحقق تحول الحال.
6086 - ولو باع الكافر الطفلَ الكافرَ من مسلم، لم يثبت له حكم الإسلام لثبوت ملك المسلم عليه؛ فإن هذا تجدّدُ المالك، والرق مستمر.
وقد ذكرنا ما في ابتداء السبي من تحويل الحال، وكذلك يؤثر سبيُ الزوجين في ارتفاع النكاح عندنا، ولا يؤثر تجدّدُ الملك على الزوجين الرقيقين في ارتفاع النكاح.
6087 - وما ذكرناه فيه إذا سبى المسلمُ الطفلَ مفرداً عن الأبوين، فأمَّا إذا سباه مع أبويه أو مع أحدهما، فلا يُحكم بإسلامه تبعاً للسابي، لم يختلف أصحابنا فيه؛ لأن الأبوين أولى بالاستتباع من السابي لمكان البعضيّة.

وهذا فيه بعضُ الغموض، من جهة أن الطفلَ إذا كان ذا أبوين، [ولم] 1 يكونا معه، ثم أتبعناه السَّابي، للرق الطارىء، وحكمنا بأنه في حكم المُقْتَطَع عما كان عليه، فكأنه ولد جديداً، فكان لا يبعد [ألا يبالَى] 2 بكون الأبوين معه.
ولكن لم يختلف أصحابنا فيما ذكرناه، وكأن الأمر مبنيّ على ألا نبحث عن أبويه، وعن كفرهما، وبقائهما وموتهما.
ولو سُبي الطفلُ مع أبويه، أو مع أحدهما، وامتنعت التبعيّة 3، فلو مات الأبوان بعد السبي، فلا يُحكم بالإسلام؛ لأن السَّبي في أصله لم ينعقد مُستتبِعاً، فلا استتباع بعده.
فإذا ثبت ما ذكرناه، فحكم الطفل التابع للسَّابي حكم الطفل التابع لأبويه في الإسلام، في جميع ما ذكرناه، فلا معنى للإعادة إذا كان لا يفترق البابان.
6088 - فأما الجهة الثالثة - وهي استتباع الدَّار، فإنا نقول: الدار قسمان: دار الإسلام ودار الشرك.
فأما دار الإسلام، فقد قسمها المرتّبون ثلاثة أقسام: أحدها - دارٌ يقطنها المسلمون، وهي تحت قبضة الإسلام، فإذا وجد فيها لقيط، واستبهم نسبه، فإنا نحكم بإسلامه ظاهراً سواء كان الغلبة للمسلمين فيها أو للمشركين.
والحكم بالإسلام أمرٌ أطلقناه، وتفريع الأحكام نفصله.
6089 - وقسمٌ هو تحت قبضة الإسلام، ولكن كان لا يسكنها إلا المشركون، وهي دار افتتحها المسلمون، واستوْلَوْا عليها، وأقروا أهلَها فيها.
فإن كان يساكنهم مسلمون، أو مسلم واحد، فحكم اللقيط الذي لا نسب له- الإسلامُ.
وهذا بعينه القسمُ المُتقدِّم؛ فإنا قد ذكرنا أنه لا نظر إلى غلبة أهل الذمة وكثرتهم.
وإن كان لا يساكنهم مسلم أصلاً، فاللقيط المنبوذ منهم نحكم له بالكفر، لم يختلف فيه أئمتنا.

6090 - والقسم الثالث - ما كان من ديار الإسلام تحت قبضة المسلمين، فانجلى عنها المسلمونَ واستولى عليها الكفار، فإن كان لا يساكنهم مسلم أصلاً، فالذي ذهب إليه جمهور الأصحاب أن اللقيط في تلك الدار كافر.
وذهب أبو إسحاق المروزي إلى أنا نحكم للّقيط بالإسلام، من جهة أن مثل هذه البلدة قد لا تخلو عن مسلمٍ، لم يَنْجل فيمن انجلى؛ لإلْف الوطن، وهو يُخفي إسلامه، ولقد كانت الدار منسوبةً إلى الإسلام قبلُ.
وهذا كلام غير منتظم؛ فإنه إذا فرض استيلاء الكفار، والقطعُ بانجلاء جميع المسلمين، فلا يتحقق ما ذكره، والدار بأن كانت.
في الزمن الماضي للمسلمين لا تقتضي استتباعاً.
نعم، لو كان يساكنهم مسلمٌ، أو مسلمون، فهذا فيه تردد، يجوز أن يقال: يثبت للقيط حكم الإسلام، ويجوز أن تجري هذه الدار، وقد استولى عليها أهل الحرب مجرى دار الحرب، وسنصف القولَ في دار الحرب الآن، إن شاء الله تعالى.
6091 - ومما يتعلق بتمام البيان فيما نحن فيه أن اللقيط الموجود في دار الإسلام لو استلحقه ذميّ، لحقه نسبه؛ فإن الذمي من أهل الدعوة والاستلحاق، ثم إذا لحقه نسب اللقيط، فيحكم له بالإسلام، أو الكفر؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نحكم له بالإسلام نظراً إلى الدار، وتغليباً للإسلام.
والثاني - أنا نحكم له بالكفر؛ فإن نسبه ثبت من الذمّي الذي استلحقه، والنسب أولى بالاستتباع من الدار، ولا خلاف أن أولاد أهل الذمة يتبعون أصولهم في الكفر؛ وإذا استلحق الذمي لقيطاً في دار الإسلام، ثم أكد استلحاقه، فأقام بيّنة على نسب اللقيط منه، فلا خلاف أنه يتبعه في الكفر، ولا يتبع الدار في الإسلام، فهذا هو الترتيب المرضي.
6092 - فإذا تمهد ما ذكرناه فيبتني على ذلك غرضنا، ونقول: إذا ثبت للمولود حكمُ الإسلام بتبعية الدار، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من

قال: حكم من يتبع الدار في الإسلام حكم من يتبع أبويه، أو يتبع السابي، وقد مضى ذلك.
ومن أصحابنا من قال: هذا المحكوم له بالإسلام تبعاً للدار إذا بلغ وأعرب عن نفسه بالكفر، فهو كافر أصلي قولاً واحداً؛ فإن تبعيته الدارَ ضعيفة، وهؤلاء يقولون: لا يخرج في المسألة قول: إنه لو أعرب عن نفسه بالكفر بعد البلوغ نحكم بردته.
6093 - ثم من سلك هذه الطريقة [اضطربوا] 1 في أحكامه 2 في الصبا، فقال قائلون: هي مُنفَّذة، وإنَّما التردّدُ فيما ذكرناه من الإعراب بعد البلوغ.
ومن أصحابنا من قال: لا يُقطع بتنفيد الأحكام، بل نتوقف إلى أن يبلغ، فيعربَ عن نفسه بالإسلام، فإن مات في صباه، لم نحكم له بشيءٍ من أحكام الإسلام.
وإلى هذا مال صاحب التقريب، وخرّج اختياره على أصلٍ سنذكرُه، بعد هذا، وهو أن اللقيط التابع للدار في ظاهر الإسلام لو قتله مسلمٌ، ففي توجّه القصاص عليه قولان.
قال صاحب التقربب: إن أوجبنا القصاص، فهذا يخرّج على تنفيد أحكام الإسلام في حالة الصّبا، وإن لم نوجب القصاص، فهذا يخرج على أنا لا ننفد حكمَ الإسلام في الصبي.
6094 - وقد قال بعض أصحابنا في توجيه نفي القصاص: إن علة سقوطه أنه لو ثبت، لاستحقه المسلمون، وفيهم الأطفال والمجانين، وبلوغ الأطفال وإفاقة المجانين من أولياء الدم منتظران عندنا.
وهذا غير مرضي عند صاحب التقريب؛ فإن الاستحقاق لا يعزى إلى أعيان المسلمين، وإنما يُعزى إلى جهة الإسلام.
ولو كان الاستحقاق ينسب إلى أشخاص المسلمين، لما صح ممن ليس له وارث 3 خاص أن يوصي لطائفةٍ من المسلمين؛ فإن

ذلك على التقدير الذي ذكره هذا القائل وصيةٌ للوارث، فالقول إذاً موجَّهٌ بالتوقف الذي ذكرناه.
وسنعود إلى تقرير هذا في فصل القصاص، إن شاء الله تعالى.
وإذا انتهى الناظر إلى آخر هذا الفصل، استبان أن ما أطلقناه من الإسلام بتبعيّة الدار قد لا يطلقه بعض الأصحاب، بل يتوقف فيه؛ فإن التوقف في حكم الإسلام توقفٌ في الإسلام.
وقد نجز غرضنا من أحكام التبعية في الإسلام، ولم يبق إلا حكم دار الحرب.
6095 - ونحن نقول: كل بلدة مختصة بأهل الحرب لا يساكنهم فيها مسلم، فاللقيط [فيها] 1 كافر، ولا خلاف أنه لا يُنظر إلى من يطرق عابراً من المسلمين إذا كان لا يساكنهم، فإن كان يساكنهم، تجارٌ من المسلمين، ففي اللقيط وجهان: أحدهما - أنه يحكم بإسلامه؛ نظراً إلى المسلمين المساكنين.
والثاني - لا يحكم له بالإسلام نظراً إلى الدار، وغلبة الكفر فيها.
ونحن لا نجتزىء بالإمكان المجرّد؛ إذ لو اكتفينا به، لحكمنا بالإسلام لطروق المجتازين من المسلمين، هذا والمساكنون تجار.
فأما إذا كان في تلك البلدة أسارى من المسلمين، ففي اللقيط وجهان مرتبان على الوجهين فيه إذا كان في البلدة تجار مساكنون، والأسرى أولى بألا يؤثر كونهم 2؛ لأنهم تحت الضبط، بخلاف التجار.
ومن يذكر في الأسارى خلافاً، فلعله يفرض في قوم ينتشرون، وهم ممنوعون من الخروج من البلدة ووراءهم العيون، فأمَّا المحبوسون في المطامير، فلا يتجه لكونهم أثر، وكونهم أخفى أثراً في إمكان الإعلاق من طروق التجار.
وهذا منتهى الفصل.

فصل قال: " ولو أراد الذي التقطه الظَّعْن به ... إلى آخره " 1. 6096 - إذا أراد ملتقط المنبوذ أن يسافر به، قال الشافعي: إن كان أميناًً، وظهرت الثقة به، وعُرفت أمانته، مُكِّن منه، وإلا، فلا يُمكَّن؛ مخافةَ أن يسترقَّه.
فإن قيل: ألستم قدّمتم في أول الباب عند ذكركم من هو من أهل الالتقاط، ومن ليس من أهله، إن الفاسق، ومن لا يؤمَن ليس من أهل التقاط المنبوذ، وإذا كان كذلك، فلا معنى للتفضيل الذي ذكره آخراً، ويجب أن يقال: من كان من أهل الالتقاط، فهو من أهل المسافرة؛ فإنه لا يلتقط إلا أمين موثوقٌ به؟ قلنا: فيما قدمناه ما ينبه على الجواب عن هذا، فإنا قلنا: لا يمتنع الالتقاط ممن هو مستور الحال ظاهره الخير، ثم أوضحنا ما يليق بحال من هذا وصفه، فوقع كلامُ الشافعي في التقسيم دائراً بين من بانت عدالته ظاهراً، وخبرنا سريرته باطناً، وبين المستور.
والجواب فيهما أن من خبرنا سريرته، وعثرنا على حسن سيرته، لا نمنعه من المسافرة؛ ثقةً بما بيّناه من أمانته.
وإن كان مستور الحال، لم نتركه يسافر باللقيط حتى يصير مختبر السيرة والسريرة ظاهراً وباطناً؛ فإنَّا لا نأمن أن يسافر به، فيسترقّه، فهذا محمل كلام الشافعي.
6097 - فإن قيل: هلاَّ حملتم كلامه على التفاصيل التي ذكرتموها في نقل اللقيط من العمران إلى البرية قلنا: ما يمتنع من ذلك، فهو ممتنع على العدل الرضا الذي تثبت عدالته سرّاً وعلناً؛ فإذا كان كذلك، فليس هذا مما يختلف بالأمانة وخفائها، فلا محمل لكلام الشافعي إلا ما ذكرناه.

فصل قال: " وجنايته خطأ على جميع المسلمين ... إلى آخره " 1. 6098 - مضمون هذا الفصل الكلامُ في جناية اللقيط على غيره، وجناية الغير عليه.
فأما إذا جنى، وهو طفل، فلا يخلو: إما أن يجني خطأً أو عمداً في [الحس] 2. 6099 - فإن جنى خطأً، فموجَب جنايته مضروب على بيت المال؛ إذ ليس له عاقلة على الخصوص، فأروش جناياته مضروب على الجهة التي يصرف إليها مالُه لو مات.
6100 - وإن جنى عمداً في الصورة، فهذا يبتني على قولين سيأتي ذكرهما، في أن الصبيّ هل له عمد؟ فإن قلنا: لا عمد له في الحكم، فحكم جنايته، وهو عامد في الصورة، كحكم جنايته وهو مخطىء.
6101 - وإن قلنا لعمده حكمٌ، فموجب جنايته مضروب على ماله إن كان له مال، وإن لم يكن، فهو متعلِّق بذمته إلى أن يجد مالاً، فإن وجده في صباه، أُخرج موجَب الجنايةِ عنه، وإن لم يجده حتى بلغ، تعلّقت الطَّلبة به إن كان له شيء.
فالغرض بيان انقطاع الطَّلبة عن بيت المال؛ فإن بيت المال إنما يتحمل أرش جناية يتحمل مثلَها العاقلةُ الخاصة لو كانوا.
6102 - ولو أتلف مالاً، فلا يكاد يخفى أنه لا يُضرب بدلُ ما أتلف على بيت المال؛ فإن هذا الغرم غيرُ معقول ولا محمول.
6103 - فأما الجناية عليه، فلا تخلو إما أن تكون خطأً، أو عمداً.
فإن كانت خطأ، فعلى عاقلة الجاني على تفاصيلَ سيأتي ذكرها في كتاب الديات، إن شاء الله تعالى.

6104 - وإن كانت عمداً يوجب مثلُه القصاصَ، فلا يخلو إمَّا أن يكون نفساً، أو طرفاً.
فإن كانت نفساً، فهل يجب القصاص على قاتله؟ وهل للإمام أن يقتص منه؟ الذي نقله المزني أن للإمام أن يقتص، ونقل البويطى عن الشافعي أنه ليس له أن يقتص؛ فنظم الأئمة قولين: أحدهما - ثبوت القصاص.
والثاني - انتفاؤه.
ثم اختلفوا في توجيه القولين، ونحن نذكر ما ذكروه، ثم نُفرع على أصل القولين، ومأخذهما ما يتفرع عليهما.
6105 - فقال قائلون: وجه قولنا: القصاصُ واجبٌ بناءُ الأمر على أنه محكوم بإسلامه مَعْصُوم الدم، وحق عصمة الدم إيجاب القصاص على القاتل عمداً.
ووجه القول الثاني أن القصاص لا يجب؛ لأنا لو قدرنا وجوبه، نسبنا استحقاقه إلى المسلمين كافة، وفيهم الأطفال والمجانين، فنزل منزلة من قُتل، وفي أوليائه أطفال؛ فإنه لا يجوز استيفاء القصاص دون بلوغهم، وكذلك القول في انتظار إفاقة المجانين.
هذه طريقةٌ مشهورة في التوجيه.
ووجّه صاحب التقريب القولين بأن بناهما على أن المسلم بتبعية الدار هل تنفد له أحكام الإسلام أم أمره في الحكم بالإسلام موقوف؟ وقد تقدم هذا.
6106 - وكان شيخي يفرّع على اختلاف الطريقين مسائلَ يعددها: إحداها - أن اللقيط لو كان بلغ وأعرب عن نفسه بالإسلام، وقُتل، فكيف سبيل القصاص؟ فمن أخذ القولين من اشتمال المسلمين على الصبية والمجانين، طرد القولين في هذه الصورة.
ومن أخذ القولين من التردد في إسلام اللقيط، قطع القول هاهنا بوجوب القصاص.
والمسألة الأخرى - أن يُقْتَل رجل نسيب، ولا يخفف وارثاً خاصاً، وكان ماله مصروفاً إلى المصالح، فأمره مخرَّجٌ على ما ذكرناه.
والمسألة الأخرى - أن يموت رجل، ويخلف حقَّ قصاصٍ، كان ثبت له في حياته

لم يستوفه، ولا عفا عنه، وورثه المسلمون الآن، فالذي يقتضيه قياسُ كلام معظم الأصحاب تخريجُ ذلك على القولين.
والذي يقتضيه قياس صاحب التقريب أن للإمام أن يقتص في هذه الصورة قولاً واحداً.
6107 - ثم إن لم نُثبت القصاصَ في الصورة (1 الأولى، أو في الصورة 1) المذكورة بعدها، فعلى القاتل الدّيةُ، والكفارة، فالديةُ مصروفةٌ إلى سهم المصالح من بيت المال.
فإن أوجبنا القصاص، فقد أجمع الأئمة في الطرق على أنه لا يتعين على الإمام أن يقتص، ولكن لو أراد الرجوع إلى المال، ورأى ذلك صلاحاً، فله ذلك، وهذا فيه بعض الميل عن القانون؛ فإن وضع القصاص عند الشافعي على أن الوالي لا يملك إسقاطه، غيرَ أن هذا القصاص ليس على قياس غيره؛ فإنه كما يمتنع عفوُ [الوالي] 2 يمتنع استيفاؤه، غيرَ أن الشرع فوّض هذا إلى رأي الإمام ونظرِه، وقد ذكرنا أن ما نضيفه إلى رأي الإمام لانريد به أن يتخيّر فيه، بل نريد به أنه يرى الأصلح والأولى، والأليق بالحال، ولوْ 3 لم يثبت له العفو إذا رآه، لخرج القصاص عن موضوعه، ولتحتم استيفاؤه، وهذا يُفضي إلى التحاقه بالحدود، التي لا محيد عنها، هذا منتهى القول فيه إذا قُتِل اللقيطُ عمداً وقتل من ليس له وارث خاص.
6108 - فأما القول في القصاص في الأطراف، فإذا قطع جانٍ يدَ اللقيط، فالقصاص ثابت على الجملة.
أما على طريقة جماهير الأصحاب، [فعلة] 4 ثبوته أن مستحقّه اللقيطُ، وهو متعيَّن، بخلاف ما إذا قُتل؛ فإنّ القصاص لو ثبت، لاستحقه المسلمون، وفيهم الأطفال والمجانين.1

وأما على طريقة صاحب التقريب، فالقول في القصاص يضاهي القولَ في الإسلام، فلو بلغ وأعرب عن نفسه بالإسلام، تبيّنا وجوبَ القصاص.
ولو بلغ وأعرب عن نفسه بالكفر والجاني مسلم، تبينا على طريقته أن القصاص، لم يجب؛ فإن الإسلام أطلقناه معلقاً بتبعية الدار، وفي تبعية الدار من الضعف ما وصفناه.
6109 - ثم إذا حكمنا بثبوت القصاص في الطرف، فلو أراد السلطان أن يقتص، لم يكن له ذلك؛ فإن استيفاء القصاص على مذهبنا لا يتعلق بتصرّف الولاة.
[وحكى الشيخ أبو بكر 1 عن القفال أنه ذكر وجهاً بعيداً في أن السلطان يستوفي القصاص الواجب في طرف المجنون، وهذا لم أره لأحد من الأصحاب، ولم يورده أحدٌ عن القفال غيرُه، وهو وإن كان يتجه إذا قلنا: يجوز إسقاط القصاص وأخذ الأرش، فهو غير معتدّ به.
قال: ولا خلاف أن الأب لا يستوفي القصاص للمجنون، وإنما هذا الوجه في السلطان، ثم زيفه] 2. 6110 - ولو أراد السلطان أن يأخذ أرش الجناية، فهل له ذلك؟ الترتيب المرضي فيه ما ذكره صاحب التقريب.
قال: إن كان الصبي مميزاً غنياً، فليس للوالي أن يأخذ المال، بل يتوقف حتى يبلغ الطفل، ويقتص إن أراد.
والجاني يحبس، ولا يخلّى؛ فإن في تخليته إحباط القصاص.
ولا مبالاة بما عليه من الأذى بسبب الحبس؛ فإنه يعارضه إمهاله في الحياة، وفي سلامة الأطراف.
ثم ليس مما ذكرناه بدٌّ، ونحن نحبس من عليه دين إلى أن يتبين إعساره، بأن كنا 3 نجوّز تبيينه.
وفي حبسه تنجيز مُعاقَبةٍ.

ولو كان الصبي مجنوناً فقيراً، وتحقق مسيس الحاجة إلى المال، وبَعُد توقع الإفاقة من المجنون، فالإمام يأخذ الأرش عند اجتماع هذين المعنيين.
ولو كان الصبي مجنوناً غنيَّاً، أو كان فقيراً عاقلاً مميزاً، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يأخذ الأرش نظراً إلى الحاجة الحاقّة في إحدى الصورتين، وإلى اليأس من الإفاقة في الأخرى.
والوجه الثاني - أنه لا يأخذ الأرش أصلاً وينتظر ما يكون.
والذي ذكره الأئمة من انتظار البلوغ في الصبيّ المميز الفقير متجهٌ.
فأما الانتظار إلى إفاقة المجنون، فعظيم، وهو يؤدي إلى تخليد الحبس على الجاني من غير انتظارٍ محقق.
ولكن هذا لا بد منه مع التفريع على هذا الوجه، ولسنا نقطع بحصول اليأس من الإفاقة.
6111 - ثم مهما 1 أخذ مَنْ إليه الأمرُ الأرشَ إما في صورة الوفاق، أو في صورة الوجهين، فأخذه الأرشَ هل يتضمن إسقاطَ القصاص والعفوَ عنه حتى لو بلغ الصبيّ مُفيقاً لا يرد الأرشَ ولا يستوفي القصاصَ أم له رد الأرش، وطلبُ القصاص؟ ذكر صاحب التقريب في ذلك وجهين، وعبر عنهما بأنّ أخذ الأرش عدولٌ إليه بالكلية وإسقاطٌ للقصاص أم هو ثابت بسبب الحيلولة؛ من جهة أن القصاص الواجب لا سبيل إلى استيفائه؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه.
وأخذ الأرش على وجهٍ نازلٌ منزلة أخذ المغصوب منه قيمة العبد الآبق من الغاصب، وهذا يتجه بعضَ الاتجاه، سيّما إذا أفضى الأمرُ إلى إدامة الحبس، ولكن ينخرم بصورةٍ لا خلاف فيها، وهي إذا كان الصبي عاقلاً غنياً؛ فإنا لا نثبت الرجوع إلى الأرش، للحيلولة في هذه الصورة أصلاً، ولعل الجواب عنه أنه إذا كان إلى البلوغ مصيرُه، فلا نجعل لهذه الحيلولة حكماً، غير أنه يلزم على مساق ذلك أن نقطع بامتناع الرجوع إلى الأرش إذا كان الصبي فقيراً مميزاً.
هذا منتهى الكلام في ذلك.
6112 - ثم ما قدمناه في السلطان واللقيط يجري مطّرداً في الطفل الذي يليه أبوه،

والكلام في أنه يأخذ الأرش أم لا يأخذه على التفصيل المقدم.
وكان شيخي يقول: ليس للوصي في حق الطفل سلطانُ (1 أخذ الأرش، وإنما يثبت هذا لوالٍ، أوْ وَليّ 1).
وهذا الذي ذكره حسن، إذا جعلنا أخذ الأرش إسقاطاً للقصاص، وإن حكمنا بأنه مأخود للحيلولة، فيظهر تنزيل الوصي منزلة الولي.
على أن المسألة فى أصلها ليست خاليةً عن الاحتمال؛ فإن القصاص ليس داخلاً تحت الولاية استيفاءً وإسقاطاًً حتى يقال: هذا النوع من التصرف من خصائص الولاة.
والعلم عند الله تعالى.
فصل قال الشافعي: " ولو قذفه قاذف ... إلى آخره " 2. 6113 - أما قذف اللقيط غيرَه في صباه وبعد بلوغه لا يخفى حكمه.
وأما إذا قذفه غيرُه، فمقصود الفصل دائر على التردد في حرّيته، فإنه إذا كان مشكل الحال، أمكن أن يقدّرَ رقيقاً، وسنصف بعد هذا تفصيل القول في حرّيته، وما يجري الحكم به، إن شاء الله تعالى.
ولكن المختص بمضمون هذا الفصل أن المقذوف إذا كان بالغاً مسلماً، متعففاً عن الزنا، وكانت حريته على ما أشرنا إليه، فقال القاذف: أنت رقيق، فلا حدّ عليّ، وقال المقذوف: بل أنا حُرّ، فالذي نصّ عليه هاهنا أن القول قولُ المقذوف مع يمينه، ونصّ في اللعان على أن القول قول القاذف، فحصل في المسألة قولان.
قال الأئمّة: هما من تقابل الأصلين؛ فإنّا إن نفينا الحدّ، بنينا على أصل براءة الذمة، وإن أوجبناه، بنينا على أن الأصل في الناس الحريّة، والرق عارض.
6114 - ثم تخبط الأصحاب في مسائل أجرَوْها مجرىً واحداً، وبعضها ليس من1

تقابل الأصلين عندنا.
ونحن نذكر ما ذكره الأصحاب، ثم نوضّح ما يليق بهذا الفصل من المباحثة.
فممّا ذكروه إعتاق العبد الغائب الذي انقطع خبر حياته 1، قالوا: فيه قولان خارجان على تقابل الأصلين: أحدهما - أنا لا نحكم ببراءة الذمة؛ لأن الأصل اشتغالُها بالكفارة.
القولُ الثاني - أنا نحكم ببراءة الذمَّة بناءَ على أن الأصل بقاء العبد.
وقالوا أيضاً في العبد الآبق الذي انقطع خبره: هل يجب زكاة فطرِه على سيده؟ فعلى قولين مأخوذين من تقابل الأصلين: أحدهما - لا تجب بناءً على أصل براءة الذمة.
والثاني - تجب، بناء على بقاء العبد.
وخرّجوا ما نحن فيه من وجوب الحد على القاذف على هذا الأصل، وألحقوا بذلك اجتماعَ غلبة الظن في النجاسة مع أصلٍ مستصحبٍ في الطهارة، والاختلاف في ذلك مشهور على الجملة: فأحد القولين: يجوز الأخذ بالطهارة، بناء على استصحاب الطهارة.
والقول الثاني - أن التعلّق بما يغلب على الظن.
ولهذا الأصل صور مذكورة في كتاب الطهارة.
6115 - وأول ما نرى استفتاحه والتنبيه عليه أن مسائل القولين في الطهارة ليست من قبيل تقابل الأصلين؛ فإنا إذا رُمْنا طردَهما على التقابل، لم ينتظم الكلام؛ فإن العبارة على القولين في مسائل النجاسة: أنا في قولٍ نستصحب أصل الطهارة، فلا نوجب إزالةً.
وفي القول الثاني - نوجب الإزالة تعلقاً بغالب الظن، وتقديماً للاجتهاد على استصحاب الحال.
والوجه لو استند غالب الظن إلى اجتهادٍ ظاهرِ- طَرْحُ استصحاب الحال.
وما ذكره الأصحاب من أنا لا نترك اليقين بالشك مجازٌ؛ فإن اليقين غير معقول مع

الشك، فضلاً عن ثبوت غلبة الظن على خلافه.
وقد ذكرنا في مراتب الأدلة في الأصول أن التعلق باستصحاب الحال باطل في معارضة الاجتهاد.
وسبب اختلاف الأدلة في القول في النجاسات ضعفُ الاجتهاد؛ من قِبل أن علامة النجاسة خفية، فإذا فرض ظهورها، كانت مستيقنة.
فهذا النوع إذاً من قبيل معارضة استصحاب الحال اجتهاداً ضعيفاً.
وقد تجرّد الاستصحاب في الحدث والطهارة؛ إذ لا علامة فيهما أصلاً.
وإذا عدمنا الاجتهاد بالكلية، استصحبنا ما كنا عليه.
فهذا مسلك الكلام في ذلك.
6116 - والذي يلتحق بقاعدة تقابل الأصلين على التحقيق المسألتان المذكورتان في غيبة العبد: إحداهما - في أن إعتاقه هل يبرىء ذمة المعتق؟ والأخرى في أن فطرته هل تجب؟ ففي قولٍ يبنى الأمر على بقائه؛ فنوجب الفطرة ونبرىء الذمة عن الكفارة وفي قولٍ لا نبرىء الذمة، ولا نوجب الفطرة.
وبالجملة مستند القولين اجتهادان يَعسُر على غير المدقق ترجيحُ أحدهما على الثاني، فمن لا يبرىء الذمة يقول: الأمر بالكفارة ثابت تحقيقاً، فليكن الخروج عنها في الظهور بمثابة موجِب الكفارة، وهذا اجتهادٌ ونوعٌ من النظر.
والقائل الثاني يقول: إذا أعتق، فلسنا نستيقن بقاء الأمر بالكفارة الآن؛ إذ لو تحققنا بقاء العبد، لتبينّا براءة الذمة عن الكفارة، وإذا تبيّن سقوطُ اليقين ببقاء الأمر، فليس إلا التعلّق بنوعٍ من النظر المغلِّب على الظن، والغالب على الظن بقاء العبد.
6117 - ثم قد يظن كثير من الناس أنه لا يترجح في هذا الفن قول على قول، ولو كان كذلك، لانْحسم الفتوى وسقط مسلك الحكم في النفي والإثبات، واعتقاد ذلك محال.
ونحن نتخد هذه المسألة معتبراً في طريق الفتوى، فنقول: الظاهر عندنا أن ذمته لا تبرأ عن الكفارة؛ فإنه متعبَّد بعتقٍ ظاهر، وإذا غاب العبد وانقطعت الأخبار عنه مع طروق الطارقين، وتوافر الأخبار وبذل الجد في المباحثة، فهذا قد يدل على الفقد والموت، والأصل في الباب أن اليقين في حصول

العتق ليس مطلوباً؛ إذ لا يستيقن ملكٌ في عبد، بل نجتزىء بإنشاء عتقٍ في ملك ظاهر، وإذا قامت الأدلة على الفقد، لم يظهر العتق، وإذا لم يكن إلى تحصيل اليقين سبيل، فلا بدّ من الظهور، والقولان فيه إذا عميت الأخبار عن الحياة لو كانت، مع اجتماع أسباب ظهورها، حتى لو كان انقطاع الأخبار محالاً على انقطاع الرفاق، واضطراب الطرق، فيجب القطع بحصول البراءة ظاهراً؛ فإن مما ثبت أن كل أصل تقرر، ولم ينتفِ، ولم تنتصب دلالة تُغلِّب على الظن انتفاءه، فهو مُقَر على حكم البقاء.
وصورة القولين في انتصاب الأدلة على نقيض البقاء.
6118 - وقد يتطرق إلى هذا سؤال، وهو أن يقال: كما يظهر البقاء مع البحث، فكذلك يظهر الموت، ولعل الدواعي إلى نقل الموت أميل منها إلى نقل الحياة؛ فإن الموت في حكم النادر في حق الحي، والنفوس مجبولة على نقل النّوادر، ولكن قد يُخفى على الإنسان ما يسوءه، وإن كان لا يُكذب له.
ثم مثل هذا إذا وقع، فالغالب ظهور خبر الموت وتبيّن الأمر على ما هو عليه، فموقع القولين ما إذا انقطعت أخبار الحياة من غير مانع، ولم يظهر بعدُ الموتُ، فلو صوَّر مصوّرٌ استبهام الموت والحياة مع طول الزمان، كان ذلك على خلاف العادة، وإن شطت المسافة، أمكن حمل الانقطاع على بُعدها، ولا يجري القولان هاهنا.
6119 - ومما يجب التنبّه له أنا إذا لم نحكم ببراءة الذمة عن الكفارة، فلا نحكم بصحة بيع العبد والحالة هذه.
وإن حكمنا ببراءة الذمة عن الكفارة ظاهراً، ففي نفود البيع احتمالٌ؛ فإن إعتاق الآبق مُجزىءٌ مع امتناع بيعه.
ومما يجب دركه أنا إذا منعنا البيع، فلو تبين بقاء العبد، فالظاهر عندي نفوذ البيع، وإن كان قد يلتفت هذا على الوقف.
ولكن إذا بأن الأمر، وكان البيع مستنداً إلى الملك، والتمكن من التسليم، فظنُّ التعذر لا يبقى أثره، مع تبين خلافه.
وكأن هذا في المعاملات يضاهي صلاةَ الخائف من سوادٍ يحسبه عَدُوا، ثم تبين خلافه.
ولا يخفى أنا إذا تبيّنا بقاء العبد، فنحكم باستناد براءة الذمة عن الكفارة إلى وقت الإعتاق.

6120 - فخرج مما ذكرناه أن تقابل الأصلين لقب أطلقه الفقهاء اصطلاحاً، وإلا فحاصل القولين فيما سماه الفقهاء تقابل الأصلين يرجع إلى تقابل الأمارات الظنية.
وعلى هذا يخرّج كلُّ مختلَف فيه من المظنونات.
فإن قيل: فما الظاهر في إيجاب الفطرة في مثل العبد الذي ذكرتموه؟ قلنا: هو يخرّج على ما ذكرناه.
وبين المسألتين دقيقةٌ، وهي أن الموت ترجّح في المسألة الأولى على الحياة، وخرج العتق عن الظهور، وثبت التعبد بعتقٍ ظاهر، والأمر باقٍ إلى الامتثال.
وفي مسألة الفطرة ثبت الملك أولاً، وظهر بالأمارة موتُ العبد، كما ذكرناه، والبقاء غير خارج عن طرق الظنون، ولم يثبت عندنا في وضع الشرع أن ما تحقق وجوده أولاً، ولم نستيقن انقطاعَه، فلا فطرة فيه.
وهذا تلويح في الظن، والأصل أن لا فرق بين المسألتين.
فقد تحصّل التنبيه على مسلك الأقوال في المواقع التي يسميها الفقهاء تقابل الأصول.
6121 - وألحق العلماء بهذا ما نحن فيه من وجوب الحدّ على القاذف عند إنكار حرية المقذوف، وهو جارٍ على التقرير السابق.
والظاهرُ في الحال انتفاء الحد، كما سنقرره بعدُ -إن شاء الله عز وجل- في فصل يحوي أحكامَ حرية اللقيط وتطرّقَ إمكان الرق إليه.
6122 - ومما يتصل بما نحن فيه القصاص عند فرض الجناية على اللقيط.
فإذا قال الجاني الحرّ للّقيط بعد بلوغه: أنت عبد.
وقال المجني عليه: بل أنا حر، ففي وجوب القصاص طريقان: من أصحابنا من أجرى القصاص مجرى حد القذف، وخرّج وجوبه على القولين.
ومنهم من قطع [باستيفاء] 1 القصاص، واعتلّ بأنا لو نفيناه على تقدير الرق،

لانتقلنا إلى مشكوك فيه، وهو القيمة، والقصاص ظاهرٌ بناء على الحرية، وهذا يتضمن انتقالاً من ظاهرٍ إلى مشكوك فيه، وإذا 1 درأنا الحد عن القاذف، أوجبنا عليه التعزير، [والتعزير] 2 من طريق الحس بعضٌ من الحد، وهو مستيقن الثبوت، ففي إسقاط الحد، والرجوع إلى التعزير تركٌ للظّاهر، وتعلّق بالمستيقن.
وكان شيخي يقول: في القصاص طريقان: أحدهما - تخريج القولين، والآخر - القطع بالوجوب؛ فإن القصاص أبعد عن السقوط بالشبهة من حد القذف.
وهذا ضعيف لا مستند له على مذهب الشافعي؛ فإن حد القذف من حقوق الآدميين عنده.
ولا يصفو هذا الفصل عن شوائب الإشكال إلا بالفصل الذي نعقده في حرية اللقيط ورقّه، وتمام البيان في جناية اللقيط والجناية عليه موقوف على ذلك الفصل المنتظر.
6123 - ثم إن المزني نقل جملاً من أحكام الدعوى، ولحوق النسب، والقيافة، وقد عقد فيها باباً على أثر كتاب الدعاوى، ونحن التزمنا الجريان على ترتيب مسائِل المختصر، فالوجه أن نبين ما أورده من مسائل الدعوى، ونحيل باقي المسائل على آخر الدعاوى.
6124 - ومما نقله [أيضاًًً] 3 فصلٌ بيّن قصد به الرد على بعض العلماء، وذلك أنه قال: لا ولاء له كما لا أب له، وأراد بقوله: لا ولاء له أي لا ولاء عليه، وقصد بمضمون الفصل الرد على من زعم أن الملتقط يرث اللقيط، فقال رادّاً عليه: ليس بين الملتقط وبين اللقيط سبب مورِّث، ولا نسب، وتعرّض لبيان انتفاء الولاء فيما حاول نفيه.
هذا مقصوده.

فصل قال: " ولو ادعاه الذي وجده، ألحقته به ... إلى آخره " 1. 6125 - افتتح رضي الله عنه أحكاماً من الدّعوة 2، والذي ذكره أولاً له اختصاص باللقيط.
ومذهبنا أن الملتقِط إذا استلحق اللقيط، وقال: إنه ولدي، لحقه النسب.
وهذا من الأصول في الشريعة، وهو في ظاهر وضعه مخالف لأبواب الدعاوى، فمن ادّعى نسب طفل مجهول النسب لحقه نسبه بمجرد الدِّعوة والدِّعوة على صورة الدعوى المجردة.
والنسب من الحقوق المطلوبة، ثم لا نقول: يثبت ما على صاحب الدِّعوة من الحقوق، ولا يثبت ما له، بل تثبت أحكام النسب من الجانبين، حتى لو مات الطفل، ورثه مستلحقه، كما يرثه الطفل، لو كان هو الميت.
6126 - وهذا مع كونه مجمعاً عليه مستندٌ إلى طرفٍ من المعنى، وهو أن الإشهاد على النسب وسببه عسر، فلو لم يحصل بالدِّعْوة، لضاعت الأنساب.
وإذا فرضنا ثبوت نسب ببينة، فالشهود لا يبنون شهادتهم على [عِيان] 3، وإنما يبنونه 4 على استلحاق الرجل طفلاً، وتصرفه فيه بوجوه الاستصلاح على حسب تصرف الآباء، ثم إنه يشيع من هذه الجهة حتى ينتهي إلى التسامع الذي هو مستند البينات.
6127 - ثم إذا ثبت النسب بالدِّعْوة، وجرى الحكم به، فلو بلغ الطفل، وأنكر النسب، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن النسب لا ينتفي بإنكاره؛ فإنه جرى الحكمُ به في الصبا واستمر، فلا ينقض بعد ثبوته.

والثاني - أنه ينتفي إذا أنكر بعد البلوغ وحلف، فإنه لو ادعى نسبَ بالغٍ، فأنكره، وحلف، لم يثبت النسب، فإذا انفرد المستلحِق بالدِّعوة في زمن الصبا، استحال أن يبطُل أثر الإنكار بعد البلوغ، وسنذكر في ذلك مثالاً في فصل الحرية والرق، إن شاء الله تعالى، ونبيّن قاعدة المذهب في مجموع هذه المسائل.
6128 - والذي نذكره الآن بعد القول فىِ أصل الدِّعوة أن دِعوة الملتقط في اللقيط مقبولةٌ، كما تُقبل دِعوةُ غيرِه فيه.
وقال مالك 1: إن اشتهر أن الملتقط لا يعيش له ولد، فدِعوته مسموعة؛ فإن النبد واللَّقْط محمول على عادةٍ في الناس، تتعلّق بالفأل: فإن من لا يعيش له ولد، ينبد ولدَه، ثم يلتقطه، ومن عَقْد العوام أنه إذا فعل ذلك، عاش المنبوذ.
فأما [إذا لم يكن الملتقط] 2 ممن لا يعيش له ولد، فلا يُقبل استلحاقه للّقيط؛ من قبل أن الظاهر يكذبه؛ إذ الإنسان لا ينبد ولده هزلاً.
وهذا الذي ذكره لا أصل له، والقواعد لا تزول بأمثاله.
6129 - ولو اجتمع على اللقيط الملتقِطُ وغيرُه، وتداعيا نسبه، فلا نرجح الملتقط على غيره لمكان يده، بل هو وصاحبه مستويان في الدِّعوة، وسنذكر في الفصل الذي يلي هذا الفصل اجتماعَ المتداعيين في النسب، وإنما لم نرجح جانب الملتقط؛ لأن يدَ الالتقاط لا تدل على مزية في النسب.
وقد قال أئمتنا: إذا صادفنا صبياً تحت تصرّف إنسان، وما عهدناه منبوذاً، فإن كان المتصرِّف فيه بجهات استصلاح الآباء ادّعى نسبه، وجرى له الحكم به، ثم جاء إنسان، وادعى نسبَه، فجانب صاحب اليد مرجح؛ فإن النسب ثبت معتضداً بظاهر اليد، فلا تزحمه دعوى مَنْ لا تصرّف له، ولا يد.

وإن كان تحت يده كما صورنا، ولم يصدر منه إسماعُ الناس استلحاقَه، فجاء إنسان، وادّعى نسبه، وقال صاحب اليد: هو ابني، فهذا مما تردّد الأئمة فيه، وهو في محل التردد، فمنهم من قال: صاحب اليد أولى إلا أن يقيم المدّعي الآخر بيّنةً.
ومن أصحابنا من قال: لا فرق، كما لا فرق بين الملتقِط وغيرِه، والجامع أن يد الملتقط ليست علامةَ نسب اللقيط، وقد دلّ النبد والالتقاط عند مالك على مناقضة الدِّعوة في النسب.
كذلك من تثبت يده على طفل، فالغالب أن يُشهر ويذكر نسبُه، إن كان ولدَه، فإذا لم يفعل، صارت يده كيد الملتقِط؛ من جهة أنها لا تدلّ على النسب، ويد الملتقط، وإن طال الزمن عليها لا تتضمن ترجيح جانبه؛ فإن مستندها الالتقاطُ الأول، وليس في الالتقاط ترجيحٌ فيما يتعلق بالنسب عند التداعي فيه.
6130 - نعم، لو كان التنازع في الحضانة، فقال أحدهما: أنا الملتقط، وقال الثاني: بل أنا الملتقط، وصادفنا اللقيط في يد أحدهما، فالذي صادفنا اللقيط في يده مقدّمٌ على صاحبه.
فلو قال صاحبه: كان الصبي في يدي، فانتزعه مني، ولم يُقم واحدٌ منهما بيّنةً، فالقول قول من يصادَف اللقيط في يده في الحال مع يمينه.
والفرق بين النسب وبين الحضانة بيّن؛ فإن حق الحضانة يثبت بالالتقاط واليدُ دلالةٌ عليه، وحق النسب لا يثبت بالالتقاط.
فصل قال: " ولو ادعى اللقيط رجلان ... إلى آخره " 1. 6131 - إذا تنازع رجلان نسب مولودٍ، وكان كل واحد منهما من أهل الدِّعوة حالة الانفراد، فإن أقام كل واحدٍ منهما بيّنة على أن الولد ولدُه، والنسب ثابت من جهته،

فالبيّنتان تتهاتران، وتسقطان، ولا ينتظم استعمالهما 1. والسبب فيه أن في كيفية الاستعمال على القول بالاستعمال ثلاثة أقوال: أحدها - القرعة.
والثاني - القسمة.
والثالث - التوقف.
والقسمة غيرُ ممكنة، والقرعة لا جريان لها في الأنساب، ولا معنى للتوقف؛ فإن فيه تعطيلَ النسب، وليس فيه زيادة حكم بحالٍ على البيّنتين، فلا يجري إذاً قولٌ من أقوال الاستعمال، ويتعين الحكم بسقوط البيّنتين.
6132 - ثم لو لم يكن معهما بينة، فإنا نُري الولدَ القائفَ، فهذا هو السبيل لا غير، ثم إذا [ألحقه] 2 القائف بأحدهما، ونفاهُ عن الثاني، ألحقناه بالذي ألحقه القائف به.
وتفصيل القول في كيفية مراجعة القائف، وفي خطئه لو أخطأ مذكورٌ في كتاب الدعاوى.
والقدْرُ الذي لا نخلي عنه هذا الباب أنا إذا أَرَيْنا الولدَ القائفَ مع أحد المتنازعيْن، فألحقه به، فلا نقتصر على هذا، بل نريه مع الآخر، فإن ألحقه به أيضاًً، تبين خطأ القائف، وسقط التمسك بقوله، وكان كما لو لم نجد قائفاً، إذا لم نجد غيره، ولا أثر لتقدم الإلحاق بالأول؛ فإنا نراجعه في حق الثاني، فإذا ألحق بالأول ونفاه عن الثاني؛ فإذ ذاك يحكم بقوله.
ولو رأى الولد مع المتنازعَيْن جميعاً، فلا بأس، [فإن ألحق بهما، أو نفى عنهما، فلا قائف] 3، وإن ألحق بأحدهما، ونفى عن الثاني، ثبت النسب ممن ألحقه.

وفي القائف صفات مرعية ليس هذا موضع ذكرها، وستأتي في كتاب الدعاوى، إن شاء الله تعالى.
6133 - وإذا تعذر الرجوع إلى القائف، وقد تقدم أنه لا تعلّق بيد الالتقاط، فلا وجه إلا التوقف إلى أن يبلغ الغلام فينتسب إلى أحدهما، فإذا بلغ، لم يكن انتسابه إلى أحدهما صادراً عن التشهي والتمني، ولكنا نقول له: راجع جبلَّتك، وانظر، فإن وجدت نفسك أَمْيل إلى أحدهما رقةً وشفقة، فانتسب إليه.
ولا ينبغي أن يبني انتسابه على غنى أحدهما، ورغد المعيشة في جنابه، بل حقٌّ عليه أن يتبع الشفقة والرقة الجبلِّيّة في القرابة.
6134 - وهذا الذي نحن فيه يباين تخيير المولود بين الأبوين إذا تنازعا الحضانة من وجهين: أحدهما - أن الصبي كما 1 بلغ مبلغ التمييز خيرناه، ولا نكتفي بهذا السن في التخيير الراجع إلى النسب، والفرقُ أن التخيير في الحضانة ليس قولاً مُلزماً، فإن الصبي لو اختار في الحضانة أحدَ الأبوين، ثم بدا له، فاختار الثاني، اتّبعناه، وضممناه إلى الثاني.
وانتسابه إلى أحدهما قول ملزم، والصبي ليس من أهل القول الملزم.
فهذا أحد الوجهين في الفرق.
والوجه الثاني - أن الصبي المخيَّر لو اختار أحدَهما تشهِّياً، انبنى عليه الحكم ظاهراً وباطناًً، إلى أن يسأم ويؤثر الثاني، وكذلك لو مال إلى أغناهما، ورأى العيش معه أهنأ، فله أن يختاره 2، وقد ذكرنا أنه لا يجوز التعويل في الانتساب إلى أحدهما إلا على الشفقة والرّقة التي تثيرها القرابة.
6135 - فلو بلغ وانتسب إلى أحدهما، ووجدنا قائفاً وقت انتسابه؛ فإن ألحقه بمن انتسب إليه، فلا كلام، وإن ألحقه بالثاني، فإلحاق القائف هو المتبع؛ فإنه حكم صادرٌ ممن هو حاكم في الباب.
وكذلك لو انتسب إلى أحدهما، فأقام الثاني بينةً، فالبينة مقدّمة.

ولو اجتمعت بينة في أحد الجانبين، وإلحاق القائف في الثاني، فالبينة مقدّمةٌ، اتفق عليه الأصحاب؛ فإن مستند البينة أثبت، وقول القائف وإن كان مقبولاً؛ فإنه صادرٌ عن حدسٍ وتخمين، والبيّنة حجة عامة في الخصومات جُمَع.
6136 - ولو كان التنازع في الحضانة لا في النسب، فالسابق في الالتقاط هو الحاضن، لا شك فيه.
فلو أقام كل واحد منهما بينةً أنه السابق، وصادفنا اللقيط في يد أحدهما، فبيّنته تُرجَّح ترجيح البينتين بين الداخل والخارج في خصومة الملك، على ما سيأتي في الدعاوى؛ فإن حقيقة الحضانة ترجع إلى اختصاصٍ بيد، فإذا كانت اليد تدلّ على الاختصاص بالملك، فلأن تدل على الاختصاص بالحضانة أولى.
وإذا كان المولود بينهما، وهما واقفان عليه، فأقام كل واحد منهما بينة، فإن حكمنا بتهاتر البينتين، فكأن لا بينة 1. وإن حكمنا باستعمال البينتين عند التعارض، فلا يخرّج قول الوقف؛ فإن الحضانة لا تحتمل ذلك، ولا يخرّج قول القسمة.
ولو قال قائل ردّدوا اللقيط بينهما على حكم المهايأة، امتنعنا من ذلك، لما فيه من الضرار على الطفل، كما حققناه في الفصول الماضية.
فلا يجري على قول الاستعمال إلاّ قولُ القرعة، ولا امتناع في إجرائه في حق الحضانة؛ فإنا إذا كنا نجريه في الملك، فإجراؤه غير ممتنع في الحضانة، وليس كما لو كان المتنازع نسباً؛ فإن القرعة لا جريان لها في النسب، فتنحسم 2 أقوالُ الاستعمال في النسب.
6137 - ومما تنفصل فيه الحضانة عن خصومات الأموال وعن النزاع في النسب أن المتنازعَيْن في الحضانة إذا أقام أحدُهما بينةً أنه التقط هذا الصبي أمس، وأقام الثاني بينة أنه التقطه اليوم، فالبينة الشاهدة بالسبق مقدمة.

ولو قامت بينتان من المتنازعَيْن في الملك وتقيّدت 1 إحداهما بالسبق، ففي تقديمها قولان سيأتي ذكرهما في الدعاوى، والفرق أن من يثبت له السبق في الحضانة، فلا سبيل إلى إبطال حقه، ويتصور في الملك أن يسبق أحدهما، ثم يزول الملك عنه إلى الثاني، وكذلك في النسب لو سبق أحدهما بالدِّعوة، ثم جاء آخر، ونازع وادّعى النسب، فسبْقُ السابق إلى الدِّعوة لا يُثبت له اختصاصاً في باب النسب، فإن الدِّعوة وإن كانت تقتضي النسب لو تجردت، فهي دَعوى محضة إذا فرضت الدعوى من رجلين.
6138 - ولو قامت في النسب بينتان من الجانبين وتقيدت إحداهما بتصديق القائف، أو باختيار المولود، فلا ينبغي أن نقول: تترجح البينة، ولكن الوجه الحكم بتساقطهما، ثم الحكم بإلحاق القائف بعد اعتقاد سقوطهما، وكذلك القول في الاختيار.
فهذه القواعد لا بدّ من الإحاطة بها في النسب والحضانة.
فصل قال: " ودِعوة المسلم والذميّ والعبد سواء ... إلى آخره " 2. ومقصود هذا الفصل الكلامُ في دِعوة العبد، ودِعوة الذمي.
6139 - أما دِعوة العبد، فقد نص هاهنا على أن العبد من أهل الدِّعوة، كالحر.
ونص في الدعاوى على أن العبد ليس من أهل الدِّعوة، ولو استلحق نسباً، لم يلحقه، فحصل قولان: توجيههما: من قال: إنه من أهل الدِّعوة -وهذا القول هو الأصح- احتج بأن الدِّعوة تعتمد إمكانَ العلوق، وتصوّرَ النسب، فإذا كان العبد في هذا كالحر، فليكن بمثابته في الاستلحاق، وليس هذا كما لو أراد حضانةَ طفلٍ؛ فإن السيد يمنعه؛ من

جهة كونه مستغرَق المنفعة باستحقاق سيده.
ومن قال: العبد ليس من أهل الدِّعوة، احتج بأن العبد لو استلحق نسباً ولحقه، لِتَقَدَّمَ النسبُ على حق الولاء 1 إذا أعتقه مولاه؛ فإنَ الإرث بالبنوة مقدّمٌ على الإرث بالولاء.
وهذا عندي في نهاية الضعف؛ فإن النسب ليس أمراً يُنشأ حتى يقدّر مبطلاً، وكيف يتجه ردُّ قولٍ ممكن ممن هو من أهل الإمكان، لأمرٍ سيكون بعد زوال الرق.
وكان شيخي أبو محمد يطرد هذين القولين بعد نفود العتق، ويقول: إذا استلحق المعتَق نسباً بعد ثبوت الولاء، ففيه قولان؛ بناءً على قطع حق الولاء.
وقد ذكر غيرُه هذا، وردُّ دِعوتِه بعد العتق في نهاية الضعف مع تمكينه من التزوج على سبيل الاستقلال، والتوصل إلى النسب.
6140 - ومما يتعلّق بذلك أن الحر لو استلحق نسب عبدٍ، فلأصحابنا طريقان: منهم من قطع بثبوت النسب؛ فإن الحر من أهل الدِّعوة على الإطلاق ولا حجر عليه.
ومنهم من جعل استلحاق الحر العبدَ، كاستلحاق العبد الحرَّ؛ من جهة أن في استلحاق الحرّ قطعَ الإرث المتوهم بالولاء، كما تقدم.
فهذا قولنا في العبد.
6141 - فأما الذمي، فإنه في الدِّعوة كالمسلم لا خلاف فيه، فإذا استلحق ذميٌّ نسبَ لقيط، ثبت النسب، وفي الإسلام الخلاف الذي ذكرناه.
وقد ذكر أصحابنا وجهين، ونقلهما شيخي والقاضي قولين؛ فإن الشافعي قال هاهنا: " أحببت أن أجعله مسلماًً "، وقال في كتاب الدعاوى: " جعلته مسلماًً "، فانتظم قولان.
6142 - ثم إن حكمنا بالإسلام تبعاً للدار، حُلْنا بين الذميّ وبينه، مع الحكم بالنسب، وفوَّضنا الحضانة إلى غيره.

وإن لم نحكم بإسلامه، فلا يخلو إما أن كان يصف الصبي الإسلامَ، أو كان لا يصفه، فإن كان لا يصفه، ضممناه إلى الذمي، وإن كان يصف الإسلام قبل سن التمييز، أحببنا ضمه إلى مسلم، ولم نوجبه، ولا بد من استرضاء الذمي؛ فإنا نثبت له حقَّ الحضانة، حيث انتهينا إليه، فلا سبيل إلى إبطاله عليه قهراً.
ولو وصف الصبيُّ الإسلامَ على سن التمييز، فقد جزم الشافعي قوله بأنه يُفرَّق بينهما، ويسلّم الصبي إلى مسلم؛ فإن الكافر قد يستزله ويمرّنه على الكفر.
ولم أر أحداً من الأصحاب يشير إلى جواز تركه تحت حضانة الكافر، بل صاروا إلى أنه يجب نزعه منه.
وإذا قلنا: لا حكم لإسلامه، ولا يتعلق بتلفظه بالإسلام حكم له أو عليه، فلا يبعد في القياس ألا ينزع من يد الكافر، ولكن يستحب نزعه مع استرضاء الأب الكافر؛ فإن في نزعه من يده إلزام أمرٍ، وإبطال حق.
ولكني لم أرَ هذا لأحد من الأصحاب.
فصل قال: " ولا دِعوَة للمرأة إلا ببيّنة ... إلى آخره " 1. 6143 - المرأة إذا استلحقت مولوداً، وذكرت أنها ولدته، فإن أقامت بيّنةً، ثبت ما تدّعيه بالبينة، والولادة تثبت بشهادة أربع نسوة.
ثم إذا ثبتت الولادة، فلا فرق بين أن تكون ذاتَ زوج، وبين أن تكون خليّة، أمَّا الانتساب إليها بالولادة، فلا شك في ثبوته.
وأمَّا إلحاقه بالزوج إن كانت ذاتَ زوج، وكان العلوق منه ممكناً، فهو ثابت، ولا ينتفي النسب عن الزوج إلا باللعان.
6144 - فأما إذا اقتصرت المرأة على الدِّعوة، ولم تقم بيّنةً، فحاصل ما ذكره الأصحاب أوجه:

أحدها - أن الولادة لا تثبت بدِعوتها أصلاً، بخلاف الرجل.
والفرق أن النسب في جانب الرجل مما لا يدرك موجِبه ومقتضيه؛ فمست الحاجة إلى إثباته بمجرد الدِّعوة، كما قررناه فيما تقدم، والمرأة قادرةٌ على إثبات الولادة بالبيّنة، فرُدَّت إلى قاعدة القياسِ، ولم يثبت الانتساب إليها بالولادة لمجرّد دِعوتها.
والوجه الثاني - أن المرأة في الدِّعوة كالرجل ووجه القياس بيّن، وقد تلد حيث لا يشهدها نسوة معتمدات من أهل قبول الشهادة.
والوجه الثالث - أنها إن كانت خليّةً عن الزوج، تثبت الولادةُ بدِعوتها، وإن كانت ذات زوج، لم تثبت الولادة بدِعوتها؛ فإنا لو أثبتناها، لزمنا أن نلحق الولادةَ بالفراش، وفي المصير إليه إلحاق نسب بالزوج مع إنكاره أصلَ الولادة.
6145 - ومن قال من أصحابنا بقبول دِعوتها سواء كانت خليةً، أو ذاتَ زوج؛ فإنه يقول: إن كانت ذاتَ زوج، يلحقها الولد، ولا يلحق زوجها، فليس في الأصحاب من يستجيز إلحاق الولد بالزوج مع إنكاره ولادتَها.
وهذه المسألة منصوصةٌ في كتاب اللعان، فإن الشافعي قال: " إذا ذكرت المرأة أنها ولدت ولداً، وقال الزوج: استعرتيه 1، وما ولدتيه، فالقول قول الزوج مع يمينه ". فمن فصل بين الخليّة وذاتِ الزوج، استبعد أن يلحقها الولدُ في فراش النكاح، مع امتناع إلحاقه بالزوج.
ومن عمم قال في ذات الزوج: يختص الإلحاق بها، وكأنها

أتت بالولد لزمانٍ لا يحتمل أن يكون العلوق به من الزوج، ثم لا شك أن الخصومة تقوم بين الزوج والزوجة كما ذكرناه فيه إذا قال: استعرتيه، وقالت: بل ولدتُه.
6146 - فإذا فرعنا على أن المرأة من أهل الدِّعوة، إذا ادعت امرأتان ولادة مولود، فالولد نُريه القائفَ معهما، على ترتيبٍ، أو جمعٍ، كما سيأتي في باب القيافة من كتاب الدعاوى، إن شاء الله تعالى، فإن لم نجد قائفاً، وقفنا الأمر إلى أن يبلغ المولود على الترتيب الذي ذكرناه في الرجلين إذا تداعيا نسب مولود، ثم إذا كانتا تحت زوجين، أو كانت إحداهما ذات زوج، فبلغ المولود، وانتسب إلى إحداهما، فلا يلتحق النسب بالزوج، كما لا يلتحق بدِعْوتها المجردة إذا لم تُزاحَم في الدِّعوة؛ فإن قول المولود دَعوى كما أن قول المرأة دعوى.
ولو ألحق القائفُ الولد بذات الزوج، فقد اختلف أصحابنا في أن الولد هل يلحق الزوج؟ فمنهم 1 من قال: يلحقه؛ فإن قولَ القائف حجة أو حكم، وعلى أي وجه فرض، وجب الجري على موجَبه، فصار إلحاقه بمثابة ما لو أقامت المرأة بيّنةً على الولادة، ولو فعلت ذلك، التحق الولد بالزوج، ولا ينتفي عنه إلا باللعان.
والوجه الثاني - أن قولَ القائف لا يُلْحِق الولدَ بالزوج؛ فإن قوله يختص بمن يدّعى، بدليل أن القائف لو ألحق منبوذاً برجلٍ من عُرض الناس، لا يدّعي نسبَه، لم يُلحق به.
وسنستقصي ذلك في باب القيافة، إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: " ولو ادّعى رجلٌ على اللقيط أنه عبده ... إلى آخره " 2. 6147 - هذا الفصل يشتمل على تفصيل القول في حرية اللقيط ورقِّه، وبيان إقراره

بالرق، وهو مما يجب الاهتمام بفهم مضمونه، وبه تتهذّب أحكامٌ أطلقناها.
وهذا الفصل يُطلع الناظرَ على تفاصيلها -إن شاء الله- فنقول أولاً: 6148 - أطلق الأئمة أقوالهم بأن الدار تقتضي للّقيط الحرية الظاهرة، كما أطلقوا القولَ بأنها تقتضي له الإسلام.
ووجه ما قالوه أنا حكمنا بظاهر الإسلام؛ لاستيلاء حكم الدار، ولقوّة الإسلام، حتى كأنا نقول: الأصل في هذه الدار الإسلام والمسلمون، والكفر في حكم العارض، والكفار في حكم الدخيل [الذي لا تُربط به] 1 الأحكام الجُملية، وينضم إليه ما تأسّس في الشرع من قوة الإسلام.
كذلك الرقُّ عارضٌ، والأرقاء مجلوبون، وليسوا من أهل الدار، والحرية غالبةٌ في بني آدم؛ فإنهم فطرُوا ليملِكوا ويتصرفوا، وسُخِّرت لهم الأشياء؛ فإن ثبت رقٌّ، فهو بالإضافة إلى الحرية كالنادر، فاقتضى ذلك الحكمَ بالحرية لظاهر الدار، كما ذكرناه في الإسلام.
6149 - وقد ذكرتُ لصاحب التقريب وغيرِه تردُّداً في تبعية الدار، وحاصله: أنا لا نجزم القول بحصول الإسلام، وقد أجرى الأصحاب مثل هذا التردد في الحرية، ورأَوْا التردّدَ في الحرية أقربَ من التردد في الإسلام؛ لما ثبت من قوّة الإسلام، واقتضائه الاستتباع في المولود (2 والمسبيّ.
وبنى هؤلاء على ما ذكرناه تفاريعَ نصفها 2)، فقالوا: إذا قُتل اللقيط قبل أن يبلغ خطأً، ففي الواجب بقتله وجهان: أحدهما - أن الواجب الدية بناءً على الحرية التي يقتضيها ظاهرُ الدار.
والثاني - أن الواجب أقلُّ الأمرين.
وليقع الفرضُ فيه إذا كانت القيمةُ أقلَّ، حتى ينتظم لنا تمهيد الغرض.
وهذا2

القائل يقول: ليست الحرية مستيقنةً، ولا معنى لشغل ذمة الجاني أو ذمة عاقلته بما ليس مستيقناً.
وهذا منقدحٌ حسنٌ خارجٌ على ما قدمناه في اختلاف القاذف والمقذوفِ 1 اللقيطِ إذا بلغ، وقد ذكرنا القولين في وجوب الحد على القاذف، أو نفيه عنه.
وهذا ذاك بعينه، ومرجعه إلى التردد في جزم الحكم بالحرية، أو ترك الجزم بها.
فإن 2 قلنا: لا نوجب الدية، فلا نوجب القصاص وإذا كان القتل عمداً، وكان القاتل حراً.
وإن قلنا بإيجاب الدية، ففي وجوب القصاص وجهان.
وسبب التردد فيه مع إيجاب الدية تعرضه للسقوط بالشبهة.
6150 - وهذا موقفٌ للناظر نستبين فيه تفصيلَ [مهماتٍ] 3 سبق إطلاقُها، وذلك أنا أرسلنا قولين في أن من قتل اللقيط هل يستوجب القصاص؟ وحكينا عن معظم الأصحاب توجيه نفي القصاص بأن أولياء [المقتول] 4 لو ثبت - المسلمون، وفيهم الأطفالُ، والمجانين.
وقد نبهت على مأخذٍ آخر لهذا القول فيما تقدم، وأنا الآن أُنهي القول فيه نهايتَه، فأقول: في اللقيط إذا قُتل وقفتان: إحداهما - في دِينه، والأخرى - في حرّيته.
فمن لا يجزم الحكمَ بإسلامه، وحريته، لا يوجب القصاصَ على الحرّ المسلم إذا قتله.
ومن جزم الحكم بإسلامه وحريته يذكر قولين في وجوب القصاص على قاتله الحر المسلم، ويوجِّه نفيَ القصاص حينئد بما ذكره الأصحاب.
ولو كان قاتله على صفة العمد كافراً عبداً، فينحسم النظر في دينه وحريته،

ويرجع مأخذ القولين إلى ما ذكرناه من النظر في أطفال المسلمين ومجانينهم.
فهذا هو التنبيه على الغرض في مأخذ الكلام في ذلك.
6151 - وفي بعض التصانيف ما ذكرناه من الترتيب على إيجاز، وفيه أن اللقيط إذا جنى خطأً، تعلّق أرش جنايته ببيت المال وجهاً واحداً.
وهذا مما يجب إمعان النظر فيه؛ فإن مال بيت المال مضنون به، لا يبذل إلاّ على ثَبَتٍ.
وإذا لم نجزم القولَ بالحرّية، وخرّجنا عليه المسائل التي ذكرناها، فلا سبيل إلى القطع -والحالة هذه- بضرب أروش جناياته على بيت المال، بل يجب التوقف.
ويمكن أن يقال: يقطع بضرب موجَب جنايته على بيت المال -وإن ترددنا فيما قدمنا- أخذاً من شيء، وهو أنه لو مات وخلّف مالاً، وكان الموت في حالة الصغر، فماله موضوعٌ في بيت المال من غير توقّفٍ، فلا يبعد أن يتحمل بيتُ المال من غير توقفٍ؛ نظراً إلى صرف ماله إلى بيت المال، وتشبيهاً للمغرم بالمغنم.
6152 - ومما يجب التثبت فيه أنا نحكم للّقيط بالملك فيما نصادفه معه من غير توقف، وهذا من مقتضى حكمنا بحرّيته، فلا ينبغي للناظر أن يسترسل في مثل هذه المضايق، ويتعثر 1 بمشكلات تُقتحم فيها حُرم المذهب.
فنقول: 6153 - منخولُ هذه الفصول: أنا نحكم للقيط بالحرّية ما لم ينته إلى إلزام الغير حكماً مبنياً على الحرية، فإذا انتهينا، تردّدنا إذا لم يعترف الملتزم بالحرية.
فإن قيل: إذا أتلف المتلف مال اللقيط، فما رأيكم؟ قلنا: يضمن؛ فإن الغرم واجبٌ.
وإذا كان الغرم واجباً عليه، فلا أرَبَ له في أن يصرفه إلى الطفل، أو يتوقف فيه 2.

6154 - وقد ينتظم من مجموع ما ذكرناه تفريعٌ يُنبّه على مقصود المتوقف في الإسلام والحرية، وهو أن نقول: إذا قُتِل اللقيط أمكن أن يكون رقيقاً، وأمكن أن يكون حرّاً كافراً، ثم إذا كنا نبغي الأقل، تعين الحمل على التمجس، فإذا سئلنا - والتفريع على ابتغاء الأقل- عن الواجب بقتله، فالوجه أن نوجب الأقلَّ من دية مجوسي، أو قيمة عبدٍ.
وهذا تفريع لا تنتهي الفتوى إليه، ولا يرتضيه ذو فقه، ولكنه موجَب ما قدمناه.
فإذا تمهد هذا الفصل، قلنا بعده: 6155 - ما صار إليه معظم الأصحاب أن من التقط اللقيط وادعى كونه رقيقاً له؛ فإنه لا تقبل دعواه إلا أن يقيم بيّنةً -على ما سنصفها في تفريع الفصل- لأن الظاهر الحرية، وهذه اليد ثبتت للملتقط حديثاً جديداً بالالتقاط.
وهذا بيّن متّضح منطبق على مصلحة [الطفل] 1. وقد ذكرنا أن الذمي إذا استلحق نسب منبوذ في دار الإسلام، فالنسب يلحقه لا محالة، وهل يثبت للقيط حكم الكفر؟ فيه اختلافٌ قدمناه، وليس ما ذكرناه الآن من ادعاء الملتقط رقَّ المنبوذ من ذاك بسبيل، فإن نسب المنبوذ متعرِّض للاستلحاق؛ من جهة أن نسبه مجهول، فاستوى في استلحاقه الكافرُ والمسلم، ثم انبنى على الاستلحاق ما ذكرناه من حكم الدين.
فإن قيل: فاليد تدل على الملك وقد صار الملتقِط ذا يدٍ؟ قلنا: هذه اليد لا تدل على الملك، وقد أحدثها بمرأى منا.
هذا ما ذهب إليه الأصحاب.
6156 - وذكر صاحب التقريب وجهاً بعيداً أنه تقبل دعوى الرق من الملتقط، ويثبت الرق بمجرد دعواه، إذا لم يمنع منه مانع.

وهذا الوجه لا شك أنه ينبني على أنا لا نحكم للّقيطِ بالحرية حكماً جازماً، واستشهد عليه -مع البناء على ما ذكرناه- بمسألة، وهي أن الرجل لو وجد ثوباً في قارعة الطريق، وقال كما 1 وجده: هذا ملكي، كان ضل مني، فيقبل منه ويحكم له بالملك، حتى يجوز ابتياعه منه، تعويلاً على هذه اليد.
وهذا الوجه البعيد منحرفٌ عن قاعدة المذهب بالكلية، ولست أرى [الاعتداد] 2 به، وليس كالثوب؛ فإنه مملوك، فإذا لقطه، وزعم أنه ملكه، فليس دعواه مغيراً صفة الثوب، وإنما [يتضمن] 3 تعيينه لكونه مالكاً له، فتبين أن الملتقط إذا ادّعى رق اللقيط، لم يقبل منه إلا أن يقيم بينةً.
هذا هو الذي عليه التعويل.
6157 - ولسنا ننكر دلالة ثبوت اليد على الرق على الجملة إذا لم تكن اليد مستحدثة بالالتقاط، فمن رأينا في يده صبياً، وهو يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه، ولم تستند يدُه إلى الالتقاط، فإذا ادعى كونَه مملوكاً صدَِّق.
ولو ادّعى آخرُ رقَّه، فالقول قول صاحب اليد.
وإن استمرّ منه ادّعاء الرق، جرى الحكم به ظاهراً، فلو بلغ وأنكر الرق أصْلاً، وادّعى الحرية الأصلية، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا نستديم الملك المحكوم به، ونجعل هذا الذي بلغ وادعى الحرية مدّعياً، فعليه البينة، فإن لم يجدها، حلف صاحبُ اليد، ثم لا يخفى نظر الخصومة إلى انتهائها.
والوجه الثاني - أن القول قول هذا الذي ادعى الحرية، وعلى من كان يدّعي الرق البينةُ.
وقد ذكرنا مثل هذين الوجهين في النسب في حق من استلحق نسب صبي، وجرى الحكم به، ثم بلغ، وأنكر النسب، فهل يرتدّ النسب بإنكاره؟ على الخلاف المقدم.
[وكل ذلك] 4 متلقىً من اختلاف القول في أن من حكمنا له بالإسلام تبعاً، ثم بلغ

وأعرب عن نفسه بالكفر فهو كافر أصليٌّ أو مرتد؟ فإن قضينا بكونه كافراً أصلياً، فقد عطفنا حكم الكفر تبيُّناً وإسناداً على ما مضى، وكأنا كنا نحكم بالإسلام ظاهراً، وننتظر بعد ذلك ما يكون من إعرابه عن نفسه إذا ملك لسانه، وهذا يجري في النسب، والرق، وهو مضمون الفصل.
وهذا إذا كان ثبوتُ اليد غيرَ مستندٍ إلى التقاط، فإن استند إلى الالتقاط، فلا يجوز بناء دعوى الملك عليه، على المذهب الذي عليه الجريان، ولا عود إلى ما ذكره صاحب التقريب.
6158 - فإن أقام الملتقط بيّنةً، قُبلت منه على الجملة، والكلام في تفصيلها.
فالذي يدل عليه ظاهر النص أنه لو أقام بينة على كونه ملكاً له مطلقاً، لم تسمع منه البيّنة (1 على هذا الوجه 1) حتى يشهد الشهود على سبب الملك.
وذكر أصحابنا قولاً آخر: إن البينة تسمع على الإطلاق قياساً على البينات الشاهدة على الأملاك.
والأصح أنها لا تقبل مطلقة؛ فإنا لا نأمن أن تعتمد ظاهر اليد الثابتة للملتقط، وقد أوضحنا أن يد الملتقط لا يجوز أن تُعتقد دَلالة على ملكه، فلا بد من ذكر سببٍ حتى يزول توهّم إسناد الشهادة إلى يد الالتقاط.
التفريع: 6159 - إن قبلنا الشهادة على الملك مطلقاًً، فلا كلام.
وإن شرطنا تقييد الشهادة بسبب الملك، فلو قالت البينة: هذا ابن أمته أوْ ولدته مملوكتُه، فهل يقع الاكتفاء بهذا المقدار؟ في المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يقع الاكتفاء بهذا القدر؛ فإنا إن كنا نطلب من التقييد بياناً، فلا بيان في هذا، فإن أمته قد تلد حراً إذا كانت مَوْطوءةً بالشبهة، وقد تلد حملاً مملوكاً للغير بأن كان حاصلاً قبل جريان الملك في الأم، ثم تجري الوصية بذلك الحمل لإنسان، وتجري الوصية بالأم لهذا الشخص؛ فإذاً لا بيان في قول الشاهد: هذا ولدته أمته.1

ومن أصحابنا من اكتفى بهذا القدر، ووجهه: أن الشهادة على الملك مطلقاً مقبولة في غير مواضع النزاع، وإنما رددنا الإطلاق في اللقيط خشية أن يُسند الشاهد الشهادة على الملك إلى اليد الحاصلة بالالتقاط.
فإذا جمع الشاهد إلى الشهادة بالملك أن أمته ولدته، فقد قطع الوهمَ الذي عليه بنينا ردّ الإطلاق، ثم ذِكْرُه الملكَ مع الولادة مصرحٌ بأنها ولدته ملكاً له.
التفريع على هذين الوجهين: 6160 - إن اكتفينا بهذا التقييد، فلا كلام.
وإن لم نكتف به، فينبغي أن يقول: ولدته أمتُه مملوكاً له في ملكه، ولو قال: ولدته أمتُه في ملكه، لم يكفِ ذلك.
والمطلوب عند هذا القائل التصريحُ بسبب الملك، على وجه لا يبقى للاحتمال مساغ.
قال صاحب التقريب: ما ذكره الأصحاب، ودلّ عليه ظاهرُ النص من أنه لا يقع الاكتفاء بالشهادة على الملك المطلق، ولا بد من ذكر الولادة على التقييدات التي ذكرناها- ليس تعييناً 1 منهم لهذا السبب؛ حتى [لا] 2 يسوغ غيره؛ فإن أسباب الملك شتى.
ولكن اتفق التنصيص على هذا السبب، ثم أغرق الأصحاب في ذكر ما يحتمله هذا السبب من جهات الاحتمال، ورأَوْا قطعها وردّها إلى جهةٍ لا يتقابل فيها احتمالان ويتعين وجه حصول الملك.
فلو قال الشاهد؛ هذا رقيقه، ورثه من أبيه ملكاً، أو اشتراه، أو اتهبه من مالكه، فكفي ذكر سبب من هذه الأسباب؛ فإن المحذور في اشتراط التقييد ما كرَّرْناه من ظن الشاهد أن يد الملتقط يدُ ملكٍ، فمهما أسند الملك إلى جهة أخرى، فقد جانب المحذور، ودرأ الشبهة والتهمة.
وما عندي أن أحداً من الأصحاب يخالف صاحب التقريب فيما ذكر.
ولكن من تأمّل صيغة النص، و [فحوى] 3 كلام الأئمة، فَهِمَ أنهم يشترطون إسناد الشهادة إلى

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل