نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 445-484
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب اللقطة

صفحات 445-484
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

5952 - الأصل في أحكام اللقَطة ما روي عن زيد بن [خالد] 1 الجهني: " أن رجلاً أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن اللقَطة، فقال: اعرف عِفاصها ووِكلاءها، ثم عرّفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها.
فقال السائل: ما تقول في ضوالّ الغنم يا رسول الله؟ فقال: هي لك، أو لأخيك، أو للذئب، فقال: ما تقول في ضوالّ الإبل؟ قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى احمرَّت وجنتاه، فقال: مالَكَ ولها، معها حذاؤها، وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر؛ ذَرْها، حتى يلقاها ربُّها ". نقل المزني أول الحديث، ثم عطف عليه، وقال: وكذلك البغال، والحمر كالإبل، ولم يَجْر ذكر الإبل 2. 5903 - واتفق المسلمون على قاعدة الكتاب وإن اختلفوا في التفصيل، والأصلُ أن من وجد لقطة في مضيعةٍ في دار الإسلام، وأخذها- عليه أن يعرّفها سنة، فإن جاء صاحبها في سنة التعريف، فذاك، وإلا فهو بالخيار بعدها بين أن يحفظها أمانةً على مالكها، وبين أن يتملكها، على شرط العوض، تملُّك القروض.
وذهب داود إلى أنه يتملكها، ويغرَم عوضها.
5904 - ثم إذا رام الملتقط التملكَ، وكان التقاطُه على هذا القصد ابتداءً، فقد اختلف أصحابنا فيما يقع به ملك الملتقط في اللقطة: فذهب بعضهم إلى أن الملك يحصل بنفس مضي السنة.
وهذا غريبٌ ضعيف.

وقال بعضهم: يحصل الملك بانقضاء سنة التعريف، وقصد التملك.
وقال بعضهم: لا بد من التلفظ بالتملك.
وقال بعضهم: لا بد من مضي السنة، ولفظِ التملك، والتصرفِ الذي يزيل الملك.
وهذا يقرب من الخلاف المذكور في أن المستقرض هل يملك القرض بنفس الإقراض والقبض، أم يتوقف حصول ملكه على تصرفٍ منه مزيل للملك، (1 ثم يَبين أن الملك انتقل إليه قبيل التصرف؟ فيه اختلافُ قولٍ، قدّمنا ذكره في أحكام القروض 1).
ونحن نوجه هذه الوجوه، ثم نذكر حقائقها، وما ينشأ منها: أما من صار إلى أن مضي السنة يُثبت الملك، فإنه يستدل بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بعض الروايات: " فإن جاء صاحبها، وإلا فهي لك ". ومن قال: إن الملك يحصل بالقصد، تعلّق بالرواية المشهورة، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: " فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها " وهذا ظاهر في التخيير بين التملك وتركِه.
ومن اعتبر اللفظ، بناه على استبعاد التملك بمجرد النية.
ومن اعتبر التصرف، خرّجه على قاعدة القرض؛ فإن اللقطة تملّك ملك القروض.
هذا بيان الأوجه، وذِكرُ ما يستند إليه كل وجهٍ.
5905 - ونحن نقول بعد ذلك: من زعم أن الملك يحصل بمضيّ سنة التعريف إنما يقول ذلك إذا لم يقصد الملتقط حفظَ اللقطة على مالكها، فإن التقط على هذا القصد وعرَّف لهذا، فلا شك أن مضيَّ السنة لا يثبت له الملك.
وكذلك لو قصد بالالتقاط التملك، ثم تغير قصدُه في آخر السنة، فانقضت وهو على أن يحفظها لمالكها، فالملك لا يحصل بانقضاء السنة.1

ولو التقط ولم يخطر له قصد التملك، ولا قصد الحفظ على حكم الأمانة، وعرّف سنة، فالظاهر عندي أن الملك لا يحصل بانقضاء السنة على هذا الوجه الذي نفرع عليه، وكأن حقيقة هذا الوجه تؤول إلى أن قصد التملك في الابتداء هل يفيد الملك عند انقضاء [سنة] 1 التعريف، وللاحتمال مجال فيه، إذا التقط مطلقاً، ولم يضمر الأمانة، ولا التملك.
ويمكن تخريج هذا على أن الغالب على اللقطة الكسبُ، أو الأمانة؟ حتى إن غلَّبنا الكسبَ، حصَّلنا الملك بمضي السنة على هذا الوجه، إذا لم يقصد الأمانة، ويكفي قصد الالتقاط على الإطلاق، على هذا القول.
هذا بيان وجهٍ واحدٍ.
5956 - فأما من شرط قصد التملك، واكتفى بالقصد؛ فإنه لا يجعل للقصد المقترن بالالتقاط أثراً في الملك؛ فإن الملتقِط وإن قصد التملك بعد السنة، فاللقطة أمانة في يده إذا لم يتعدَّ، ولو ثبت حكم القصد، لكانت اللقطة مضمونة ضمان [الغصب، والمأخوذ] 2) على سبيل السوم.
والذي يحقق ذلك أن القصد هو الذي يتعلق بالمقصود في حاله، وما يرتبط بمنتظرِ عزمٍ، وإذا عزم، فعليه الوفاء به إن أراد تحقيق المعزوم عليه.
ومن الوفاء به أن يجزم قصد التملك في وقت إمكانه.
5907 - ومن اعتبر اللفظ فسببه أن تملك ملك الغير من غير لفظ إذا لم يكن استيفاءً [لحقٍّ] 3، لم ينفرد باللفظ من غير تمليكٍ من مالك اللقطة؛ إذ على هذا ينبني 4 الكتاب، ومصلحة الباب، فإذا شرطنا اللفظ بالتملك، فباع اللقطة، فهل يكفي البيع؟ وهل ينزل منزلة لفظ التملك؟ فيه وجهان مبنيان على الوجهين في أن من يثبت له حق الرجوع في الهبة لو باع الموهوبَ، أو أعتقه، فهل ينزل ذلك منزلة التصريح بالرجوع، وفيه خلافٌ قدمناه.2

وإن كنا نكتفي بقصد التملك، فباع، فإن خطر له قصد التملك، فهو المراد، وإن باع، ولم يخطر له قصد التملك، وقد ينبني الأمر على بيعه مال غيره متعدياً، فهذا أيضاً يخرّج على الوجهين المذكورين الآن، إذا اشترطنا التلفظ بالتملك.
5908 - فأما اشتراط التصرف تخريجاً على أحد القولين في القرض، فإنه يدور على الأوجه الثلاثة التي قدمناها، فكأنا في وجه نقول: مضي السنة كالاستقراض، وفي وجهٍ نقول: قصد التمليك كالاستقراض، وفي الثالث نقول: التلفظ بالتملّك بعد السنة كالاستقراض، ثم في القرض إذا حصل فيه ما يشترط في تحقيق القرض قولان في أن الملك هل يفتقر إلى التصرف أم لا؟ هذا بيان الأوجه التي قدمناها، توجيهاً، وتحقيقاً، وتفريعاً.
فصل في أحكام الملتقِط عند اختلاف قصوده، وفي حقيقة التعريف ومدته 5909 - فنقول للملتقط قصودٌ: أحدها - أن يقصد بالالتقاط التعريفَ والتملكَ.
على مقتضى الشرع.
والثاني - أن يقصد حفظَ اللقطة على ربِّها إلى أن يصادفه.
والثالث - أن يقصد تغييبَ اللقطة، واختزالَها 1، وتَرْكَ تعريفها، وتعجيلَ التبسط فيها.
5910 - فأما إذا قصد تعريفها ليتملكها بعد مدة التعريف، فاللقطة في سنة التعريف أمانة في يده، إذا تلفت، لم يضمنها، ما لم ينتسب إلى عدوان، وهل عليه الابتدار إلى التعريف كما 2 تمكن من التعريف؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي: أحدهما - أن الابتدار واجبٌ، والتأخير مع التمكن عدوانٌ، وذلك لأن العثور على

المالك يغلب على قربِ العهد بالضلال والالتقاط، والتأخير سببٌ في التَّعْمية، والتغييبُ، وكَتْمُ اللقطة عدوان.
والوجه الثاني - أن التأخير لا يكون عدواناً إذا لم يقصر في الحفظ، ولم يتعدَّ باستعمال اللقطة، والشرط ألا يطمع في التملك إلا بعد تعريف اللقطة سنةً كاملة، وسنعقد على أثر هذا فصلاً في كيفية التعريف، إن شاء الله عز وجل.
5911 - فأما إذا قصد الملتقط حفظَ اللقطة على مالكها، أمانة حتى يلقاها ربُّها، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في أنه هل يجب أصل التعريف على الملتقط؟ أحد الوجهين - أنه لا يجب؛ فإن التعريف شرطٌ يتقدم على تملك اللقطة، فإذا كان لا يبغي الملتقط التملكَ، فلا معنى لإلزامه التعريفَ.
والوجه الثاني - أنه يجب التعريف؛ إذ في تركه كتمانُ اللقطة وسترُها، وهذا تسبب إلى تَغْييبها، للحيلولة بينها وبين مالكها.
وهذا الذي ذكره هو الخلاف الذي قدمناه الآن في أن الابتدار إلى التعريف هل يجب؟ فإنا إذا لم نوجب الابتدارَ إليه، لم يكن 1 لذلك منتهىً وموقفاً، ويؤول حاصل الكلام إلى أنه إنما يعرّف ليتملك، فإذا كان الذي يقصد الأمانةَ لا يطلب التملك، فلا تعريف عليه.
5912 - فأما إذا قصد بالالتقاط الاختزالَ، والخيانةَ، وتعجيلَ التبسط، فلا شك أن اللقطة مضمونةٌ عليه؛ فإن الالتقاط أَخْذُ مال الغير من غير إذنٍ، ولا ولاية، فصرفه الشرعُ؛ نظراً لحفظ الضوالّ- إلى جهة الأمانة بالقصد الصحيح، فإذا فسد القصد، رجع أخد مال الغير إلى قاعدة الظلم، فلو خطر له أن يعرّفها سنة، فوفى بما وقع له، وأراد التملك بعد السنة، فالذي قطع به شيخي أنه لا يتملك؛ لأن أخذه الأول لم يكن على موجَب الشرع، وإنما كان غصباً، والغاصب لا يتوصّل إلى ملك المغصوب منفرداً بنفسه.

وذكر الشيخ أبو علي وجهين في أنه هل يتملك إذا عرّف، ووفى بشرط التعريف: أحدهما - ما ذكرناه.
والثاني - أنه يتملك [لأن] 1 الالتقاط منه على صورة الالتقاط، ممن لا يقصد الخيانة، وقد وفى بالتعريف، فالذي صدر منه مما يقتضي التملك على الجملة، وهو من أهل التملك، فيجب أن يسوغ له التملك.
5913 - ومما يتصل بذلك أنه إذا لم يقصد الاختزالَ عند ابتداء الالتقاط، ويُثبت يدَه على اللقطة على حكم الأمانة أولاً، ثم إنه أضمر بعد حصول اللقطة في يده- الخيانةَ، فقد اختلف أئمتنا في أنه بنفس إضمار الخيانة هل يصير ضامناًً؟ فمنهم من قال: إنه يصير ضامناً، كما لو نوى الخيانة مع الالتقاط، ومنهم من قال: لا يصير ضامناً، كما لو نوى المودَع أن يخون ويعتدي، فإنه لا يصير بمجرد النية ضامناً، وإن أضمر الخيانة.
ولو سلم المالكُ الوديعةَ إلى المودَع وائتمنه، فنوى المودَع مع أخد الوديعة الخيانة، ففي وجوب الضمان عليه وجهان، سيأتي ذكرهما، في كتاب الوديعة، إن شاء الله عز وجل، فالترتيب في المؤتمن عن جهة المالك يجري على الضِّد مما ذكرناه في الملتقط؛ فإنه لو اقترن قصدُ الخيانة بأخذ الملتقط ابتداء، لصار ضامناً وجهاً واحداً، وإذا لم يفسد قصده ابتداء، وخبثت نيته على دوام الإمساك، ففي المسألة وجهان، والقصد الفاسد إذا طرأ على دوام يد المودَع، لم يوجب الضمان، وإذا اقترن بابتداء أخْذه، فوجهان.
والفرق استبدادُ 2 الملتقط، وصدورُ يد المودَع عن إذن المالك.
5914 - فإن قلنا: لا يصير الملتقط بالقصد الطارىء ضامناً، فلا كلام.
وإن جعلناه ضامناً، فلو استتم التعريف في مدته، فهل يثبت له حق التملك؟ فعلى

وجهين ذكرهما الأمام 1 وغيره، وإن قطع بأن الملك لا يحصل إذا اقترن القصد الفاسد بالأخد الأول.
فأمّا الشيخ أبو علي، فإنه طرد -على وجه الضمان- الخلافَ الذي ذكره في الابتداء، وفصل شيخي بين الابتداء والطريان، وكان يستشهد بنص الشافعي في أحكام الرخصة، فإنه قال: " لو اقترن بابتداء السفر قصدُ المعصية به، فلا ترخّص، ولو جرى السفر ابتداء على قصدٍ صحيح لا معصية فيه، ثم طرأ قصدُ المعصية، فالحكم للقصد الأول ". وهذا الذي ذكره من مشكلات المذهب في موضعه، ولأجله اتجه تخريج ابن سريج في التسوية بين المعصية المقارنة، والطارئة.
ثم ما ذكره إنما يحسن في الفرق بين الابتداء وبين الطريان في تثبيت الضمان ونفيه، كما ذكرناه.
5915 - ومما يتم به الغرض أنا إذا قلنا: لا تزول الأمانة بالقصد الطارىء، فلو أحدث عدواناً فعلاً، فلا شك أنه يصير ضامناًً، فلو وفى -مع ثبوت الضمان وفاقاً- بحق التعريف، ففي التملك الوجهان، اللذان ذكرناهما.
فهذا غاية ما أردناه في ذكر تفاصيل القصود.
5916 - ولو التقط مطلقاً ولم يُضمر خيانة، ولا أمانة، أو أضمر أحدهما، ثم نسي ما أضمره، فلا يثبت الضمان، وإذا عرّف على الشرط، ثبت له حق التملك.
وهذا متفق عليه.
فصل معقود في معنى التعريف وكيفيته، والقول في ذلك ببيان زمان التعريف ومكانه وكيفيته 5917 - فأما القول في الزمان، فينبغي أن يحصل التعريف على تدانٍ من الأزمنة في ابتداء الأمر، لما أشرنا إليه فيما سبق، من أن طلب من أضل شيئاً يظهر ويكثر، على

قرب الزمان، فيجب أن يكون الاعتناء بالتعريف في الزمان القريب أكثرَ، لذلك؛ فإن الغرض من التعريف التسبب إلى إظهار مالك اللقطة.
وإذا تمادى الزمان، لم يضر أن يتقاصر قدرُ التعريف، ويتخلل بين النُّوب فيه من الزمان ما يزيد على الابتداء، ثم كذلك على هذا التدريج إلى انقضاء السنة، حتى لو كان يعرّف في الابتداء في كل يومٍ فإذا انقضت أيامٌ، فيعرّف في كل أسبوع، ثم يعرف في كل شهر المرةَ والمرتين.
والرجوع في ذلك إلى العادة، والمطلوب منه ألا يتخلل بين [نوب] 1 التعريف ما يُلحق سائرَ النوب فيه بالمنسي 2، حتى يصير التعريف في كل نَوْبة كالمبتدأ، فإذا غلب على الظن اتصالُ الذِّكر في نُوب التعريف، فهو الغرض، وذلك يختلف بالزمان الأول وما بعده، إلى الانقضاء، فلا بد من تأكيد التعريف بالتكرير على التقارب أولاً، فإذا تأكد ذلك، وشاع، لم يتبين بالتطاول في المدد [المتخلّلة] 3 وهكذا إلى الانتهاء.
وإذا لم يكن معنا ضبط شرعي نقف عنده، فهذا أقصى الإمكان في التقريب.
وهو القول في الزمان.
5918 - فأما المكان فإن وجد اللقطةَ في مكان عامرٍ، كالبلدة، والقرية، وكان لا يمتنع شهود مالك اللقطة في المكان أو عَوْدُه إليه بعد مفارقته إياه، فينبغي أن يرتاد التعريف في مكان الوجدان، إذا كان مطروقاً.
وحسنٌ أن يرتاد التعريفَ على باب الجامع، يومَ الجمعة، فإن ذلك المجمع جامعُ الجماعات، وإذا ظهر الغرض في مثل هذا أغنى عن التطويل.
5919 - ولو وجد اللقطة في برّيّةٍ وهو مارٌّ، في سفره إلى صوب بيته، ولم يكن معه من يقدِّره مالكَ اللقطة، فلو أخد يعرّف في الصحارى والمواضع الخالية، فلا معنى لهذا التعريف، وهو غير معتدٍّ به؛ فإنه لا يفيد الغرضَ المقصودَ من التعريف؛ فإن المقصود منه إظهار المالك، وهذا بعيد توقُّعه مع هذا التعريف.

5920 - ثم من وجد لقطةً في طريقه، وهو مسافر، لم نكلفه أن يرجع عن صوب سفره حتى يعرّف اللقطة في مكانه الذي أنشأ السفر [منه] 1، بل يستتم سفره، طال أم قصر.
فإذا انتهى إلى مقصوده، ابتدأ التعريفَ فيه، على ما ذكرناه؛ فإنه لا يبعد مسير صاحب اللقطة إلى تلك البلدة.
وإن كان هذا التعريف يبعد بعض البعد في إظهار المالك.
فإذا كنا لا نجد طريقاً غيره، اكتفينا به.
ولو بدا للمسافر أن يرجع، ويقطع نيّته في منتهى سفره، فليعرّف في المكان الذي ينتهي إليه، وإن بدا له أن يأخد صوباً آخر، فليعرّف حيث ينتهي إليه؛ فإن البقاعَ متساويةٌ في توقّع الظهور على مالك اللقطة.
ولو وجد اللقطة في بلدة، ففارقها مسافراً وأخد يعرّف في القرى، والبلاد التي ينتهي إليها، فلا يكون ذلك تعريفاً منه، وحق التعريف في مثل هذه الصورة أن يتخصص بمكان الوجدان.
فلو أراد سفراً، لم يسافر باللقطة، واستناب في التعريف في مكان الوجدان نائباً والذي ذكرناه من استواء الأمكنة والبقاع في تعريفه فيه إذا وجد اللقطة في مكانٍ لا يفيد التعريف فيه.
5921 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن الموالاة على الحدّ اللائق بمقصود التعريف- مشروطةٌ، حتى لو تقطعت، وغلب على الظن أن النوبة السابقة قد نُسيت، فلا يقع الاعتداد بما تقدم أصلاً.
5922 - ولو أخر التعريف، فقد ذكرنا في أنه هل يكون بتأخيره ضامناًً؟ فعلى وجهين.
فلو تمادى التأخير، وأمكن أن يقال: نُسيت اللقطة في طول هذا الزمان، فهل يقع التعريف بعد ذلك- والحالة كما وصفناها؟ فعلى وجهين.
والاحتمال فيهما ظاهر، وتوجيههما بيّن.
ْومن يصير إلى التعريف يقول: حق المعرّف أن يؤرخ وجدان اللقطة في تعريفه،

ويسنده إلى الوقت الذي اتفق فيه، حتى يكون ذلك في معارضة ما جرى من التأخير المُنسي.
وقد تساهل بعضُ الأصحاب في اشتراط ذلك، ورآه من باب الأوْلى، وجوّز الاقتصار على التعريف المطلق.
هذا بيان ما يتعلق بالمكان والزمان.
5923 - ولا يخفى أن ابتداء مدة التعريف من وقت [إنشائه، لا من وقت] 1 وجدان اللقطة.
وما أجريناه في أثناء الكلام من تأخير التعريف، والأمر بالبدار إليه يصرح بهذا.
5924 - وقد بقي علينا الكلام في كيفية التعريف، فحقّ المعرِّف أن يصف اللقطةَ بعضَ الوصف؛ فإن الضوالّ قد تكثر، والغرض القربُ من إظهار المالك، وتنبيهه، وإذا لم يذكر المعرف بعضَ أوصاف اللقطة بعُد التعريف عن فائدته، سيّما إذا كثر المنشدون 2، وازدحم المعرّفون في الضوالّ، ولا ينبغي أن يتناهى في وصف الضالة؛ فيتخذه الكاذب عمدته، ويصف اللقطة به.
واختلف أصحابنا في أنا هل نشترط التعرّض لبعض البيان أم يكفي الإنشاد المطلَق في الضالة؟ فمنهم من جعل بعض البيان مأموراً به ندباً، ولم يشترطوه.
ومنهم من شرطه.
وتوجيه الخلاف يقرب من مقصود التعريف نفياً وإثباتاً، فالشارط يدّعي سقوط فائدة التعريف، ومن لا يشترط يقول: صاحب اللقطة يحرص على طلبها، فيكفيه الإنشاد المطلق.
ومن قال بالوجه الأول يقول: ربَّ شخصِ يضل شيئاً، ولا يدري أنه أضلّه، فإذا ذكر في الإنشاد جنسه أفهمه ذلك الإضلالَ، فيطلب بعد ذلك، ويبحث.
ومن شرط من الأصحاب التعرض لبعض البيان أجرى ذكر الجنس.

وما عندي أن هذا المقدار [من البيان] 1 يختص بذكر الجنس، بل لو وصف العِفاص والوكاء، والظرف، كفى، والحديث دالٌّ عليه، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: " اعرف عفاصَها ووكاءها، وعرَّفها سنة " وهذا منه صلى الله عليه وسلم إيماءٌ إلى ذكر العِفاص، والوكاء في التعريف.
5925 - فإذا نجز ما يتعلق بالتعريف، فإنا نقول بعده: ليس على الواجد أن يتولى التعريف بنفسه، وله أن يستنيب فيه متبرِّعاً أو مستأجَراً، وإذا مست الحاجة إلى مؤونة في التعريف، فقد أطلق العراقيون أن مؤونة التعريف على الملتقط، واعتلّوا بأن التعريف ذريعةٌ إلى التملك، والسبب الذي به يحصل الملك في اللقطة، فكأنه يسعى لنفسه.
وهذا الذي ذكروه ليس على ما أطلقوه، فإن كان الالتقاط على قصد الحفظ للمالك، فهذا يتفرع على ما قدمناه من الوجهين في أن التعريف هل يجب على مثل هذا الملتقط؟ فإن أوجبناه، وقصدُه الأمانة، فيبعد أن نُلزمه مؤونةَ التعريف، والحالة هذه، والوجه أن نطلق له رفع الأمر إلى الحاكم، حتى يقترض على صاحب اللقطة، أو [يأذن للملتقط على تفاصيلَ] 2 قدمناها في هرب الجمال.
ثم تكون المؤونة في التعريف محسوبة على رب اللقطة؛ فإن هذا تسبّبٌ إلى إيصالها إليه.
وإن لم نوجب على من لا يبغي التملك التعريفَ، فلا تُحسب المؤونة على صاحب اللقطة، ويقدر التعريف تبرعاً منه.
وما يتبرعّ به الأمين لا يرجع به.
هذا إذا قصد الأمانة.
5926 - فأما إذا قصد التملك بعد التعريف على النظام الشرعي، فما قطع به العراقيون من إيجاب المؤونة على الملتقط فيه متسع لمجال 3 النظر؛ فإن التعريف في حاله تشوفٌ إلى إظهار المالك ليردّ اللقطة عليه، والتملك يقع بعد اليأس المظنون من العثور على مالك اللقطة، فالقول في المؤنة محتملٌ على قياسنا، حيث يبغي التملك.

ثم إذا تعيّن الفصل بين أن يقصد الأمانةَ والحفظَ على المالك، وبين أن يقصد التملك، فلو قصد الأمانة أولاً، ثم بدا له أن يتملك، فيجب أن يكون النظر إلى العاقبة، وإلى ما يستقر عليه منتهى الأمر.
فإن اطردت الأمانةُ والقصدُ إليها، فلا مؤونة على المعرِّف، وإن تملك خرّج في المؤنة مما ذكره العراقيون، مع احتمالٍ ظاهرٍ فيه، كما نبهنا عليه.
5927 - ثم إذا جاء من يدّعي اللقطة ووصفها، وأغرق في الوصف، ولم يغادر مما يُطلب في مقصود الباب شيئاً، فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب، وإليه ميل النص أنه لا يجب على الملتقط تسليمُ اللقطة إلى واصفها، فإنه لا يبعد أن يكون مودَعاً فيها، أو مطلعاً عليها، محيطاً بأوصافها من غير أن يكون مالكها، فإذا أمكن ذلك، فلا وجه لإيجاب الرد بناء على مجرد الوصف.
5928 - وذهب طوائف من أئمتنا إلى أنه يجب الرد بالوصف، وهو اختيار الشيخ أبي حامد فيما أظن.
والسْاهد لذلك أن الرد جائز تعويلاً على الوصف، وما يجوّز الرد يوجبه؛ إذ 1 لو لم يكن الوصف معتمداً، لبطل التعويل عليه في جواز الرد، وأيضاً فإنّ طلب الشهادة على الضوالّ والأموال الخفية عسر في النهاية، والمطالبةُ بها قطعٌ لحق ملاّك الضوال، فاللائق بمصلحة الباب وجوبُ الرد اعتماداً على الوصف.
وفي كل باب مسلك يليق به لا يسوغ قياسه على غيره، وتوصل الملتقط إلى التملك من هذا القبيل؛ فإنه تملكٌ من غير تمليكٍ من جهة المالك، وقيامٌ بالتصرف في الملك من غير إقامة واستنابة من المالك، ولكن اللائق بمصلحة الباب هذا؛ فإنا لو توقفنا على تقدير إنابةٍ، لكان ذلك تعطيلاً لمقصود اللقطة، ولو لم يتسلط الملتقط على التملك مع الضلال، واستبهام الحال، لما رغب في الالتقاط، فلْيَجْرِ الوصف، والاقتصار عليه على حسب مجاري العرف.

5929 - ثم من اكتفى بالوصف، فلا شك أنه يرعى فيه وصفاً يغلّب على الظن صدقَ الواصف، ولا يكتفي بما يمكن حمله على اتفاق الإطلاق، وندور موافقة الصواب.
5930 - ومن يكلف الواصفَ الشهادة، فالذي أراه لصاحب هذا الوجه ألا يسلم جوازَ الرد؛ فإنه إن سلمه، لم يبق له متعلَّق.
وسماعي من شيخي في دروسه جوازُ الرد، وهو ظاهرُ كلام الأصحاب.
5931 - ثم إذا شرط هذا القائل الشهادةَ، فإنه يشترط 1 -لا محالة- الدعوى والارتفاعَ إلى مجلس القاضي وتعيين الشهود، ويجوز أن يقال: يكفي في وجوب الرد إخبار الشاهدين من غير ارتفاعٍ إلى مجلس الحكم، ثم يجوز أن يكتفى بالواحد العدل.
والذي أطلقه الأصحاب ما قدمته.
والعلم عند الله تعالى.
فصل 5932 - اختلف نص الشافعي في وجوب الالتقاط، فالذي دل عليه بعض نصوصه أنه يجب الالتقاط على الأمين الموثوق به، ونص في بعض المواضع على أنه لا يجب، فاختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من أطلق القولين في وجوب الالتقاط: أحدهما - لا يجب، وهو القياس؛ فإن الالتقاط قبولُ أمانة، أو هو من أبواب الكسب، أو هو متردد بينهما، وعلى أي وجهٍ فُرض، لم يتجه إيجابه.
ومن أوجب الالتقاطَ، احتج بأن ذلك من التعاون الذي تمَس الهحاجة إليه، والذي تقتضي المصلحةُ الحملَ عليه.
ومن أصحابنا من قطع بنفي الوجوب، [وهو الوجه] 2، وحمل نصَّ الشافعي على

التأكّد في الندب والاستحباب، وذلك سائغ في الكلام.
ومن أصحابنا من فصّل، وقال: إن كان يغلب ضياع اللقطة لكونها على مطرق الناس والغالب عليهم الاستزلال، والاختزال، فهذا محل الوجوب، أو محل القولين.
وإن لم يظهر ذلك، تعيّن القطع بنفي الوجوب.
ومن أصحابنا من قال: إن كان لا يأمن الملتقط نفسَه، ولا يثق بها، فلا يجب عليه الالتقاط، قولاً واحداً، والقولان فيمن يغلب على ظنه أنه لا يخون.
ومنهم من سوى، ولم يفرق إذا كان الشخص من أهل الالتقاط وأوجب على من يحاذر داعية السوء أن يتقي الله تعالى.
5933 - وكل ذلك خبط، لا معنى للإطناب فيه.
والوجه القطع بأنه لا يجب الالتقاط.
ثم قال الأصحاب: إذا نفينا الوجوب، وكان الرجل في ظاهر الظن واثقاً بنفسه، فهل يستحب له أن يلتقط؟ فعلى وجهين.
وإن كان لا يثق بنفسه، ولكن لم يلتحق بالفسقة حتى يتردد في أنه هل يكون من أهل الالتقاط أم لا؟ فلا نستحبُّ له إذا نفينا الوجوبَ أن يلتقط.
وذكر شيخي وجهين حيث انتهى الكلام إليه في أنه هل يجوز له أن يلتقط إذا كان لا يثق بنفسه؟ وهذا يقرب من خلافٍ سنذكره في أن المجتهد الصالح للقضاء إذا كان لا يثق بنفسه، ولا يأمن أن يخون ويرتشي، ويغير الأحكام عن مناصبها، فهل يحل له تقلّد القضاء؟ وفيه خلافٌ، وترتيب سيأتي الذكر عليه في أول أدب القضاء، إن شاء الله عز وجل.
5934 - والوجه عندنا هاهنا القطع بجواز الالتقاط؛ فإنه لو حرم الالتقاط، لما تعلق به جواز التعريف والتملك، وإذا كان كل ذلك ثابتاً، والملتقط ليس ممن يُحكم بفسقه، وسقوط رشده، فلا وجه لتحريم الالتقاط عليه.
هذا منتهى الكلام.

فصل معقودٌ فيمن يكون من أهل الالتقاط ومَن لا يكون من أهله، وهو غمرة الكتاب، وعلى الناظر مزيدُ اعتناءٍ به 5935 - وهذا الفصل يستدعي تقديم أصلٍ في حقيقة اللقطة: وهو أن اللقطة فيها معنى الكسب؛ من جهة أن الملتقط يتملكها إن أراد، وفيها معنى الأمانة؛ من جهة أنها لو تلفت في يد الملتقط في مدة التعريف أو قبل الاشتغال بها، فإنها لا تكون مضمونة على الملتقط، فقد اجتمع فيها معنى الكسب والأمانة، ولا وجه لإنكار اجتماعهما.
وذكر الأئمة قولين مأخوذين من معاني كلام الشافعي في أن الغالب على اللقطة حكمُ الأمانة، أو حكمُ الكسب، ففي ذلك قولان إذاً، وعليهما خروج المسائل: أحد القولين - أن الأمانة هي الغالبة؛ لأن الالتقاط يقترن به معنى الأمانة وحكمُها، ثم يتمادى إلى انقضاء التعريف، فهذا ناجز متحقَّق، والتملك منتظَر، قد يكون، وقد لا يكون، فليقع التغليب للحكم الحاضر.
والقول الثاني - إن الاكتساب أغلب؛ فإنه مآل الأمر، وعاقبتُه في الغالب، والنظرُ إلى عواقب الأشياء، لا إلى مباديها.
وأيضاً، فإن الملتقط ينفرد بالالتقاط.
وهذا بعيد -في حق من لا يلي- على قياس الأمانات، فإن الأمين من آحاد الناس من يأتمنه المالك، وهذا هو الأصل، فإذا جاز الانفراد بالالتقاط، كان ذلك حملاً على الانفراد بالاكتساب، ثم حكم الأمانة يثبت ثبوتاً غيرَ غالب.
هذا بيان القولين، وظهورهما بتفريع المسائل عليهما.
5936 - ثم فرّع الأصحاب على القولين مسائلَ: منها التقاط الصبي، ومنها التقاط العبد، والمكاتب، والفاسق، والمبذّر، وقد يجري التقاط الذمّي في آخر الفصل.
فأما الصبيّ المميز إذا التقط، فهو مخرّجٌ على القولين.
فإن قلنا: الغالب على اللقطة معنى الأمانة، فليس الصبي من أهلها؛ فإنه ليس ممن يؤتمن، وكيف يؤتمن

من يتردد بين غباوة يمتنع معها الاستقلالُ بالأمر، وبين فطنةٍ تُطلعه على أنه غير معاقب [أو مُتَّبَع] 1. وإن قلنا: الغالب على الالتقاط معنى الاكتساب، فهو من أهله؛ إذ يتصور منه الاكتساب الذي يتعلق بالأفعال كالاحتشاش والاحتطاب، وما في معناهما.
5937 - فإذا ثبت القولان، فالتفريع عليهما أنا إن قلنا: ليس الصبي من أهل الالتقاط، فلو التقط فيده يدُ ضمانٍ، حتى لو تلفت اللقطة في يده أو أتلفها، وجب الضمان في ماله، ولو علم الولي حصولَ اللقطة في يده، لم يجز له تقريرها تحت يده، بل عليه أن يسعى في انتزاعها من يده.
5938 - ثم ذكر العراقيون وجهين في أن [الولي] 2 لو أراد أخد اللقطة من يد الصبي، والتفريع على أنه ليس من أهل الالتقاط، على نية ابتداء الالتقاط: أحد الوجهين- أن ذلك سائغ؛ فإن اللقطة في يد الطفل ضائعة، وهي بمثابة ما لو صادفها في مضيعة، فله الأخذُ من يده، كما له الالتقاط من قارعة الطريق.
والوجه الثاني -وهو قياسنا- أنه لا يصح الالتقاط من يده؛ فإن الالتقاط له صورة في العرف، وعليها يدلّ الشرعُ.
والقياس لا جريان له في مفتتح الأمر.
والذي يحقق ذلك، أن الصبي يعرض للضمان إذا ثبتت يده على اللقطة، فلو جعلنا الوليَّ ملتقطاً، لتضمَّن إسقاطَ الضمان عن الصبي، وهو في التحقيق إسقاطُ [حق تملّك] 3 اللقطة بعد ثبوته.
فإن حكمنا بأن الولي يلتقط من يد الطفل، لم يختص هذا به، فلو صادفه أجنبي من أهل الالتقاط، كان له الأخد من يده، على حكم الالتقاط.
وإنما يختص بالولي ما يختص

بالطفل من مصالحه، ولا نظر إلى سقوط الضمان عن الطفل عند التقاط الأجنبي من يده.
ثم يتفرع على ذلك أنا إذا جعلنا الولي ملتقطاً، فيزول الضمان عن الصبي بالكلية، ولا يبقى في ماله تبعة؛ إذ قد التقط اللقطة من هو من أهل التقاطها، وانقلب الصبي عند التقاطه مشبَّهاً بمضيعةٍ بقارعة طريق.
هذا ما ذكره الأصحاب.
5939 - وللاحتمال إليه تطرّقٌ من قِبل أن من غصب عيناً، وأضلّها، فالتقطها ملتقط، فقد ثبت حكم اللقطة فيها، ويبعد في هذه الصورة إبراء 1 الغاصب، وإن اتصلت العين بيد ملتقطٍ هو من أهل الالتقاط.
وستكون لنا إلى مسألة الغاصب عودة في آخر الفصل، إن شاء الله عز وجل.
5940 - وإن لم نجعل [للولي] 2 مرتبةَ الالتقاط بعد ثبوت يد الطفل، فالكلام وراء ذلك في فصلين: أحدهما - أن العين لو تلفت في يد الصبي، فلا شك في وجوب ضمانها، كما لو غصب عيناً، وكذلك لو أتلفها، فالتلف والإتلاف يضمِّنانه القيمة.
وأما 3 الولي، فينبغي أن لا يترك نظرَه للطفل، فإن استمكن من رفع الأمر إلى مجلس القاضي، فعل، وفيه تفصيل ساذكره في فصل العبد، وأرمز إذْ ذاك إلى حظ الصبي منه، إن شاء الله عز وجل.
وإن لم يتمكن من رفع الأمر إلى الحاكم، حَفِظ اللقطةَ جهدَه، وأخذها من يد الطفل، ثم لو تلفت، فالضمان ثابت على الطفل، وفائدة الاحتياط صون العين عن التلف، والتضييع.
وهذا أيضاًً [ممّا] 4 لا يمكن تقريره إلا بعد تمهيد أصلٍ، نذكره في فصل العبد على أثر ذلك، إن شاء الله عز وجل.

5941 - وإن [جعلنا] 1 الصبي من أهل الالتقاط، فلا يترك الولي العينَ في يده، بل يأخذها منه.
وإذا ثبتت يد الولي عليها، فهي أمانة، لو تلفت في يد الولي، لم نثبت ضمانها وفاقاً؛ فإنا نفرّع على أن الصبي من أهل الالتقاط، ولو ترك الولي اللقطة في يد الطفل، كان منتسباً إلى التضييع؛ فإنه إذا كان لا يترك في يده خالصَ ملكه، فكيف يترك في يده ملكَ غيره.
وإن علم الولي بكون اللقطة في يده، فتركها حتى ضاعت، فسنذكر ما يتعلق بذلك في فصل العبد، إن شاء الله عز وجل.
5942 - ولو لم يشعر الولي بحصول اللقطة في يده، فأتلفها الصبي، تعلق الضمان بماله، وإن تلفت في يده، ففي وجوب الضمان وجهان.
والتفريع على أنه من أهل الالتقاط.
ولو أودع رجل عند طفلٍ مالاً، فلو تلف في يد الطفل، لم يضمن، وإن كان سبب التلف تضييعه، فإن استحفاظه لم يصح، وانتسب من استحفظه إلى تضييع ماله، وإن أتلف الصبي الوديعةَ، ففي وجوب الضمان وجهان، وإنما اختلف الترتيب؛ من جهة أن المودِع هو الذي ضيع ماله؛ إذ استحفظ الصبيَّ فيه، وإذا التقط الصبي، فلم يوجد من جهة المالك تفريط في استحفاظه، فلذلك جعلنا المسألة على وجهين فيه إذا تلفت اللقطة في يده.
فإن قيل: لم ضمّنتموه، والتفريع على أنه من أهل الالتقاط؟ قلنا: معنى كونه من أهله أنه قد يُتملّك له قيمة ما التقط، إذا رأى النظرَ فيه، فأما أن تكون يده صالحة للأمانة في مدة التعريف قبل دخول وقت التملك، فلا.
فإن قيل: هلا قطعتم بوجوب الضمان لما ذكرتموه؟ قلنا: صاحب الضالّة على الجملة منتسب إلى التقصير، وإن لم يستحفظ الصبي على التعيين.
5943 - ومما يتعلق بالتقاط الصبي أن القيّم إذا استخرج اللقطة من يده، فعرّفها

سنة، فإن كان صلاحُ الطفل في أن يتملكها له فعل، وكان 1 ذلك استقراضاً للطفل.
وإن لم يرَ في التملك صلاحاً، أمسك اللقطة أمانةً، أو سلمها إلى القاضي.
وقد أحلنا أطرافاً من الكلام في لقطة الصبي على العبد وبيان حكمه.
5944 - فأما العبد إذا التقط، فقد خرّج الأئمةُ التقاطه على القولين في تغليب الأمانة والكسب.
فإن حكمنا بتغليب الأمانة، فإن العبدَ ليس من أهل الالتقاط.
وإن حكمنا بتغليب الكسب، فهو من أهل الاكتساب.
هكذا أطلقه الأئمة المراوزة.
وفي هذا فضل تفصيل، سيأتي الشرح عليه، إن شاء الله تعالى.
ولا ينبغي أن يعتقد الناظر في أوساط أمثال هذه الفصول أنه يطّلع على سرّ ما ينتهي إليه، فإن أسرار المسائل المسلسلة تتبيّن عند نجازها.
5945 - قال صاحب التقريب: اختلاف القول فيه إذا التقط العبد ونوى نفسه، فأما إذا نوى سيدَه، بالالتقاط، ففي المسألة احتمالٌ: يجوز أن يقال: يصح ذلك قولاً واحداً، ويجوز طرد القولين في هذه الحالة.
وفي هذا الكلام فضلُ نظر؛ فإن السيد لم يأذن لعبده في هذا النوع، فاستبداد العبد به دون إذن سيده لا يختلف حكمه بأن ينوي نفسَه، أو سيدَه، فلا وقع للتردد الذي أبداه.
5946 - ولو أذن السيد لعبده في الالتقاط، وقال: مهما وجدت ضالةً، فارفعها، وائتني بها، فيجب قطعُ القول بوقوع الالتقاط عن جهة السيد، ويتطرق إليه نوعٌ من الاحتمال، لما في اللقطة من معنى الأمانة.
فإن قيل: لو أذن السيد لعبده في قبول الوديعة، صح منه قبولها، وكانت يده بمثابة يد السيد؟ قلنا: الأمر كذلك، ولكن الأمانة الثابتة في اللقطة مشوبةٌ 2 بقضية الولاية؛ فإن الملتقط يستبدّ بإثبات اليد على اللقطة من غير إذنٍ من ربّها، والإذن

لا يُلحق العبد بالولاية، وسيتضح هذا المعنى -إن شاء الله عز وجل- في أثناء الفصل.
التفريع على القولين: 5947 - فإن قلنا: العبد ليس من أهل الالتقاط، فإذا حصلت اللقطة في يده، فلا يخلو إما أن يشعر السيدُ بها أو لا يعلمها، فإن لم يعلمها، فاللقطة مضمونة في يد العبد؛ فإن تلفت أو أتلفها، تعلّق الضمان برقبته؛ فإن ما يتلف تحت اليد العادية بمثابة ما يتلف بالجناية.
ثم تفصيل القول في فداء السيد إياه لا يخفى.
وتقريره في آخر كتاب الجراح، إن شاء الله تعالى.
هذا إذا لم يشعر السيد بحصول اللقطة.
5948 - فأما إذا علم حصولها في يد العبد، فأضرب عنها مقصّراً، حتى تلفت أو أتلفها العبد، فالقيمة تتعلق برقبة العبد، كما قدمناه، فإن ضاقت قيمة العبد عن الوفاء بقيمة اللقطة، فالذي نقله المزني عن الشافعي: " أن الفاضل من مقدار قيمة العبد يتعلق بسائر مال السيد، وتتوجه عليه الطَّلبة به، وإن سلّم العبدَ ليباع في الجناية، ولم يؤثر فداءه " ونقل الربيع عن الشافعي قولاً آخر: " أن الغرم ينحصر في رقبة العبد، ولا يتعلق الفاضل بسائر مال السيد ". 5949 - توجيه القولين: من قال: بانحصار الضمان في رقبة العبد، قاس ما نحن فيه على ما إذا أتلف العبدُ شيئاً بإذن سيده؛ فإن الضمان لا يعدو رقبة العبد، ولا أثر لإذن السيد في الإتلاف، فتقريره اللقطة في يد العبد لا تزيد على إذنه في الإتلاف وأمرِه به من غير إكراهٍ.
ومن قال: لا ينحصر الضمان في رقبة العبد، احتج بأن يد العبد بمثابة يد السيد، فإذا انضم إلى يد العبد تقصيرُ السيد في تقرير اللقطة في يد العبد، كان ذلك بمثابة ما لو تلفت العين في يد السيد، وهو معتدٍ.
وهذا إنما كان يقوى، لو كنا نعلّق الضمان في الفاضل بالسيد، وإن لم يشعر بحصول اللقطة في يد العبد؛ فإن أسباب الضمان

لا تختلف [قضاياها] 1 بالعلم والجهل.
5950 - ومما يتعلق بالتفريع على هذا القول أن السيد لو أخد اللقطة من يد العبد، وقصد بأخذها من يده الالتقاطَ، فقد ذكر العراقيون وجهاً أن ذلك يكون التقاطاً من السيد؛ لأن يدَ العبد على القول الذي عليه نفرع ليست يدَ التقاط واللقطة فيها ضائعة، فكانت بمثابة ما لو صادفها السيد في مضيعة.
وهذا الذي ذكروه بعيدٌ غيرُ متَّجهٍ؛ فإن العبد تعرّض للضمان بأخد اللقطة، فلو قلنا: يصح التقاط السيد من يده، لتضمّن ذلك إسقاطَ الضمان وتبرئةَ رقبة العبد، وفيه إبطال حق مالك اللقطة، واستفادة السيد حقَّ التملك في اللقطة.
وهذا بعيد، لا اتجاه له، على قياس المراوزة.
وما ذكره العراقيون لا يختص بالسيد، بل لو أخذ الأجنبي اللقطة من يد العبد، لبرىء العبدُ، وثبت الأجنبي ملتقطاً على الابتداء، وهذا بعيدٌ، لا اتّجاه له.
5951 - فإن فرعنا على أن السيد لا يصير ملتقطاً، فيتعلق 2 الكلام بعد هذا بأمرٍ يستدعي تفصيل مقدمة.
وهي أن نقول: إذا صادف القاضي عيناً مغصوبة في يد الغاصب، فلو أخد القاضي العين المغصوبة من الغاصب ليحفظها على مالكها، فهل يبرأ الغاصب عن الضمان؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يبرأ، وهو ظاهر القياس، لأن يدَ القاضي نائبةٌ عن يد المالك، فرجوع العين المغصوبة إلى يده، بمثابة رجوعها إلى يد المالك.
والوجه الثاني - أنه لا يبرأ الغاصب عن عهدة الغصب، ما لم ترجع العين إلى يد المالك؛ فإن مالك العين ليس موليّاً عليه وِلاية قهر، وليس القاضي مستناباً من جهته، ولكنه يرعى المصلحة لتصدّيه للنظر العام، والذي يقتضيه الصلاح إزالة يد الغاصب، مع بقائه على غرر الضمان.

فإن قلنا: يبقى الغاصب في عهدة الضمان، فالقاضي 1 يأخد العين المغصوبة منه، وإن قلنا: يبرأ الغاصب لو أخد القاضي منه العين المغصوبة، فهل للقاضي أن يأخذها، ويحفظها على مالكها؟ فعلى وجهين: أحدهما - له ذلك؛ فإن قطع العدوان وحفظَ العين المملوكة للمالك أحوط وأليق بالنظر للغاصب والمغصوب منه.
والوجه الثاني - ليس له ذلك؛ فإن إبقاء العين في عُهدة الضمان أولى من تبرئة الغاصب، ورد العين أمانة.
وهذا التردد فيه إذا لم تكن العين المغصوبة معرضة للضياع، [فإن كانت معرضة للضياع] 2، وكان الغاصب بحيث لا يبعد تغييبه وجهَه، فالرأي: للقاضي أخذُ العين، وإن وقع التفريع على أن الغاصب يبرأ.
هذا قولنا في القاضي وأخذه العينَ المغصوبة.
5952 - فأما إذا أراد واحدٌ ممن ليس والياً أن يأخد العينَ المغصوبة محتسباً، ويوصِّلَها إلى مستحقها، فهل له ذلك، أم لا؟ ننظر: فإن لم تكن العين عرضةً للضياع، ولم يكن الغاصب ممن يفوت توجيه الطلب عليه، فليس لآحاد الناس أن يتعرضوا لإزالة يده.
وإن كانت العين عرضة للضياع، فهل يجوز للأمين من آحاد الناس أن يزيل يدَ ذلك الغاصب، ويحفظ المغصوب على المالك؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له ذلك؛ فإن هذه الأمور يستفيدها الولاة بالولاية؛ من جهة أن الأمر يُفضي إلى المغالبة، وقد يؤدي إلى القتال، وشهْر السلاح، وكل ما كان كذلك، فهو مفوّض إلى راعي الرعية، والقاضي ينوب عن الغائبين بولايته.
والوجه الثاني - أنه يجوز للأمين أن يتولى ذلك احتساباً، ونهياً عن المنكر.
وهذا غير مرضيّ.
ثم يتصل بذلك أنا إذا لم نجوّز ما ذكرناه، فلو فعله الأمين، صار ضامناًً، وكان بمثابة الغاصب من الغاصب.

وإن جوزنا ذلك، فلا ضمان على الأمين، وفي براءة الغاصب وجهان مرتبان على الوجهين في براءته إذا أزال القاضي يدَه، وهاهنا أولى بأن يبقى الغاصب في عهدة الضمان.
ولو فصل فاصلٌ بين أن يجري ذلك من الواحد من الناس وفي الموضع قاضٍ يمكن رفعُ الأمر إليه، وبين أن تكون البقعة شاغرةً عن الوالي، لكان حسناً خارجاً على الترتيب الذي قدمناه في تفاصيل هرب الجمّال.
5953 - فإذا تمهد ما ذكرناه، عاد بنا الكلامُ إلى العبد إذا التقط، وقلنا: إنه ليس من أهل الالتقاط، ويده على اللقطة يدُ غصب.
فلو أراد السيد أن ينتزع تلك العينَ من يده، ويحفظها لمالكها، فهل له ذلك أو لا؟ نقول: لو استدعى السيد من السلطان أن يفعل ذلك، فهذه الصورة أولى بأن يزيل السلطان فيها يدَ العدوان، وإذا أزالها، فحصول البراءة أولى، والسبب فيه أن البراءة من الضمان ترجع إلى السيد، وهو غير منتسب إلى العدوان، حتى يغلّظ عليه الحكم، وليس كذلك إذا كانت الواقعة مع الغاصب نفسه.
5954 - هذا إذا التمس السيد من السلطان، فأما إذا أراد السيد بنفسه أن يزيل يدَ العبد ويحفظ اللقطةَ على مالكها، فهل له ذلك؟ ولو فعل هذا يسقط الضمان؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين فيه إذا تعرض لإزالة يد الغاصب آحادُ الناس، وهذه الصورة أولى بألا تحصلَ البراءة فيها؛ فإن السيد ساعٍ في حق نفسه ويدُ العبد يدُه، فلا يحصل الانتقال التام، ولا تتحقق الحسبة، والسيد في حكم من يبرىء نفسه بنفسه.
فإن قلنا: لا يملك السيد انتزاع العين من يد العبد، ولو فعله، لكان غاصباً بنفسه، والضمان باقياً، كما كان، فلا كلام.
وإن قلنا: للسيد أن يزيل يدَ العبد، وإذا أزالها، زال الضمان فلو كان العبد موثوقاً به، والتفريع على الوجه الذي انتهينا إليه، فأراد السيد استحفاظ عبده، وتقرير العين في يده، وإحلال يده على الابتداء محل يده، فهل يسقط الضمان إذا فعل

ذلك؟ فعلى وجهين: أظهرهما - أنه لا يسقط؛ فإن اليد، لم تتبدل حسّاً، وقد كانت يدَ ضمان في ابتداء ثبوتها، وهذا هو الأصل.
ومن أصحابنا من قال: استحفاظ السيد إيّاه نازلٌ منزلة أخذه العينَ من يده.
وهذا بعيد.
وكذلك تكون التفاريع إذا كثرت، فإنها تزداد بعداً.
5955 - وقد كنا وعدنا أن نذكر في الصبي إذا لقط، وشعر الوليّ به، وقرره تحت يده، والتفريع على أن الصبي ليس من أهل الالتقاط تفصيلاً، فنقول أولاً: السلطان ينبغي أن يُزيل هذه اليد؛ نظراً للطفل، واحتياطاً له، فإذا فعل، فالأصح أنه يبرأ، ولا يغلَّظ عليه التغليظ الذي ذكرناه في الغاصب.
هذا هو الأصل.
وقيل لا يزول الضمان بعد ثبوته، ولكنا مع ذلك نزيل يد الطفل.
5956 - والوليُّ هل يأخد من الطفل ما التقطه إذا قلنا: إنه ليس من أهل الالتقاط؟ هذا يترتب على أخد الأمين من آحاد الناس العينَ المغصوبة من الغاصب عند الإشراف على الضياع، والولي أولى بذلك؛ لأنه منصوبٌ شرعاً للنظر للطفل.
وإن قلنا: لا يبرأ الصبي، ولا سلطان في البقعة، تعيّن على الوليّ انتزاعُ المال من يد الطفل، وإن كان لا يستفيد بذلك تبرئة الصبي عن الضمان؛ لأنه إن كان [لا] 1 يحصِّل البراءة، فيصون العينَ عن التلف، وهذه فائدة ظاهرة، فإذا فعل الولي ذلك، فهل يتعلق الضمان به؟ هذا فيه احتمالٌ؛ من جهة أن التفريع على أن البراءة لا تحصل، وليس لآحاد الناس أن يفعلوا ذلك محتسبين، ويجوز أن نجعل الولي كالقاضي في هذا المقام؛ حتى لا يتعلق الضمان به، ووجه الاحتمال بادٍ؛ من جهة أن ولاية الأب لا تتعلق بصاحب المال، وإنما هي مقصورة على رعاية مصلحة الصبي.
وإذا قررنا الضمان على الولي، فلو تلفت العين في يده، فيبعد أن يكون القرار عليه، مع أنا جوزنا له، أو أوجبنا عليه أن يأخد العين من يد الصبي، فالوجه أن نجعله كالمودَع من الغاصب، مع الجهل بحقيقة الحال، حتى تتعلق الطّلبة به،

ولا يتقرر الضمان عليه.
هذا تفصيل المذهب في انتزاع العين من يد الطفل.
5957 - فلو قررناها في يده، تفرع هذا على ما ذكرناه.
فإن قلنا: الولي لو انتزع العين، لم يزُل الضمان، فلا يكاد يظهر فائدة.
وإن قلنا: لو أزال يدَ الطفل، وأخذ العينَ منه لبرىء، فإذا قرر العين تحت يده، مع العلم بحقيقة الحال، تعلق الضمان بالولي، لا محالة؛ فإنه حيث انتهينا إليه تَرَكَ النظرَ، وورَّطَ الطفل في الضمان، مع التمكن من تبرئته عنه، فيستقر الضمان عليه؛ فإنه لو سلم مالَ الطفل إليه حتى ضاع تحت يده، ضمنه، وما ذكرناه بهذه المثابة.
وقد قال الأئمة: لو أركب الولي الطفل دابة صعبة، فأتلفت الدابة بخبطها ورفسها شيئاً، فالضمان على الولي.
فهذا منتهى الكلام في ذلك.
5958 - وقد حان أن نفرع على أن العبد من أهل الالتقاط.
فإذا التقط وأراد السيد أن يُبقي اللقطةَ في يد العبد ليعرفها، وكان موثوقً به، فله ذلك.
وإن أراد أخد اللقطة منه، ومباشرة التعريف بنفسه، فله ذلك، ثم إذا مضت سنة التعريف، فالسيد بالخيار إن شاء تملك، وإن شاء حفظ اللقطة أمانة، واستحفظ العبد فيها، إن كان موثوقاً به.
5959 - ومما يجب التنبه له الآن أنا إذا جعلنا العبد من أهل الالتقاط، فلو التقط، ولم يشعر السيد، وعرّف بنفسه [سنة] 1، من حيث لم يدر السيد، ثم إنه بعد مضي السنة تملك اللقطة لمولاه، فهل يصح ذلك أم لا؟ هذا يترتب على أن الرجل إذا وهب من عبد إنسان شيئاً، فاتهبه دون إذن مولاه، فهل يصح اتّهابُه، حتى يدخل الموهوب في ملك السيد؟ فيه وجهان: أحدهما - أن الاتّهاب يصح، والموهوب يدخل في ملك السيد، كما يدخل في ملكه ما يصطاده، ويحتطبه.

والثاني - لا يصح؛ فإن الهبة عقدٌ متعلِّق بقولٍ، ويبعد أن يصح من العبد عقدٌ يتضمن تمليكَ السيد من غير إذن السيد.
ولم يختلف أصحابنا أن العبد إذا خالع زوجته على مالٍ أن الخلع يصح، وعوضه يدخل في ملك سيد العبد قهراً دخول الصيد إذا اصطاد العبدُ؛ فإن العوض في الخلع يتبع الإبانة 1، وهي حق الزوج، فلم يثبت مقصوداً، وملك الموهوب مقصودُ الهبة.
5960 - فإذا ثبت ذلك، فلو عرّف العبدُ اللقطةَ، وتملكها بعد السنة للسيد، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين في صحة ذلك: أصحهما 2 - أنه لا يصح؛ فإنه تملك للسيد بعوضٍ، وليس كالتملك بالهبة.
وحق ما ذكره من الوجهين أن يرتبا على الوجهين في انفراد العبد بالاتهاب، وهذا أولى بألا يصح، والفرق لائح.
5961 - ولو اشترى العبدُ شيئاً بثمن في الذمة بغير إذن مولاه، فالأصح بطلان البيع.
وقد ذكرنا قولاً بعيداً: إن البيع يصح، وهو ضعيف غير معتد به، ومن صححه، فالثمن عنده في ذمة العبد يطالب به إذا عتَق.
5962 - فإن قلنا: يصح تملك العبد للسيد، فيبعد أن يقال: لا يطالب السيد بعوض اللقطة إذا ظهر مالكها، وليس كما إذا فرعنا على صحة شراء العبد بغير إذن سيده؛ فإن البائع رضي بذمة العبد، ولم يرض مالك اللقطة بذمة العبد في مسألتنا، فيجب القطع بأنا إذا صححنا تملّكَ العبد لسيده، فالعوض في ذمة السيد.
فإن قيل: فجوِّزوا أن يستقرض العبد لسيده، ويشغل ذمته بعوض القرض.
قلنا: ذلك غير سائغ، والفرق على هذا الوجه الضعيف أنا جعلنا العبد من أهل الالتقاط، وهو السبب الأظهر في التملك، حتى كأنه ملتحق بالأفعال المملّكة، كالاحتشاش ونحوه.

5963 - وإن جرينا على الأصح، وقلنا: لا يتملك العبد اللقطة دون إذن سيده، فمن أصحابنا من قال: لا يصح تعريفه دون إذن سيده أيضاً، وهذا غير سديد؛ فإنا إذا جعلناه من أهل الالتقاط، فالتعريف في معنى الالتقاط.
نعم، إن قلنا: انقضاء التعريف يوجب حصولَ الملك، فيجوز أن يقال: لا يصح التعريف؛ فإنه لو صح، لاقتضى الملك.
ويجوز أن يقال: يصح، ولا يقتضي الملك في هذه الصورة، كما لو عرف الملتقط، ولم يقصد التملك ابتداءً ودواماً.
5964 - ومما يتم به تفريع التقاط العبد أن مدة التعريف إذا انقضت، ودخل وقت التملك، وليقع الفرض فيه إذا كان أذن السيد لعبده في التملك، فلو تلفت اللقطة في يد العبد أو أتلفها، فكيف الحكم؟ نُقدِّم على ذلك بيانَ هذا الحكم في حق الحر الملتقط الذي هو من أهل الالتقاط.
5965 - فإذا عرّف 1 اللقطة سنة، نُظر: فإن كان قصد بالالتقاط التملك بعد التعريف، ثم انقضت مدة التعريف، وهو على قصد التملك، والتفريعُ على أن مضي السنة لا يفيد التمليك، فإذا تلفت اللقطة قبل التملك، فهي مضمونة على الملتقط، بمثابة العين المأخوذة على سبيل السَّوْم.
ولو التقط أوّلاً على قصد الحفظ، ثم لم يغيّر قصده، وعرّف، فتلفت اللقطة بعد انقضاء التعريف، فهي أمانة؛ فإنّ قصد الأمانة اقترن بالابتداء، ولم يطرأ ما يناقضه.
ولو التقط، ولم يقصد تملكاً، ولا أمانةً، وعرّف على هذا الإطلاق أيضاً، ثم انقضت السنة، ولم يُحدث قصداً في التملك ولا في نفيه، فلو تلفت اللقطة، فيمكن أن يخرّج الضمان في هذه الحالة على القولين في أن الغالب على اللقطة حكمُ الأمانة أو حكم الكسب، حتى إذا قلنا: الغالب مقتضى الكسب يضمن اللقطةَ إذا تلفت، وإن قلنا: الغالب الأمانة لا يضمن.

هذا بيان حكم الضمان في [حق] 1 الحر، ونقول بعده: 5966 - العبد إذا كان مأذوناً في التملك، فإذا مضت سنةُ التعريف، فتلفت اللقطة في يده قبل أن يتملكها، وهو مأذون من جهة السيد في التملك، فإذا لم يتملك، وتلفت اللقطة، فالضمان يتعلق بذمة السيد، وذمة العبد، وهو كما لو أمر عبده حتى أخد عيناً على سبيل السوم، فتلفت في يد العبد، فالضمان يتعلق بالسيد من جهة صدور سبب الضمان عن إذنه.
هذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: إذن السيد في هذا بمثابة إذنه في الغصب، ولو أذن لعبده، فاعتدى وغصب، لم يتعلق الضمان بذمة السيد، كذلك هاهنا.
والقائل الأول يقول: لو اشترى بإذن السيد، تعلّق الضمان بكسب العبد، وهو من ملك السيد، ويطالَب السيد بالثمن أيضاً إذا وقع المبيع ملكاًً له.
والأقيس أن الضمان في [التالف] 2 المأخود على سبيل السوم لا يتعلق بذمة السيد.
فإن قيل: هلا علقتم الضمان بكسب العبد، كالثمن الذي يلتزمه بإذن مولاه؟ قلنا: إذا قال السيد، التزِم، فقد قال: أدِّ.
وأقرب مصرف يحمل الأداء عليه مع بقاء العبد على حكم الرق الكسبُ، وإذا قال له: خد شيئاً مستاماً، فليس في هذا إذنٌ بالالتزام.
5967 - ولو لم يصدر من السيد إذنٌ في التملك، وتلفت اللقطة في يد العبد بعد مضيّ زمان التعريف، فالمذهب أن القيمة تتعلق بذمة العبد يتبع بها إذا عتق، ولا يطالب السيد به أصلاً.
وأبعد بعض أصحابنا، فقال: تتعلق القيمة برقبة العبد؛ فإنها لزمت من غير معاملة صدرت من مالك العين، فكانت كأرش الجناية.
وهذا مزيّفٌ، لا أصل له؛

فإن الشرع 1 إذا سلّط على التملك بالعوض (2 في وجهٍ 2) ودخل وقتُه وأوانُه، كان ذلك بمثابة رضا المالك.
والدليل عليه أن التملك يسوغ من غير إذن المالك تعويلاً على تسليط الشرع.
5968 - ولو أتلف العبدُ اللقطة قبل التملك، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين: أحدهما - أن القيمة تتعلق برقبة العبد لمكان الإتلاف، وإذا صادف الإتلاف ملكَ الغير، فموجبه يتعلق بالرقبة إذا كان المتلِف العبدَ.
والوجه الثاني - أن القيمة تتعلق بذمة العبد؛ فإن اللقطة وإن لم تتملك، فهي في حكم المتملّكة، وإذا اشترى العبد شيئاً شراءً فاسداً، وأتلفه، فالقيمة تتعلق بذمته؛ لأن البائع [قد سلط المشتري على الإتلاف، وتسليطُ الشرع كتسليط البائع] 3. وقد نجز القول في العبد والتقاطه 4. فرع: 5969 - إذا التقط العبد، وقلنا: إنه ليس من أهل الالتقاط، فلو أعتقه السيد واللقطة في يده، فعرّفها سنةً، فهل يملكها؟ ردّد الشيخ أبو حامد في هذه المسألة جوابه، ولم يفصّل 5 فيها جواباً، ولكنه قال: المسألة محتملة، فيجوز أن يقال: إنه يملك في الصورة التي ذكرناها، ويجوز أن يقال: لا يملك استدامةً للحكم السابق.
وهذا التردد الذي ذكره رضي الله عنه قريبُ المأخد مما ذكرناه فيه إذا التقط الحرّ، ونوى الاختزالَ والخيانة، وقرن النية بالالتقاط، فلو عرّف، وأراد أن يتملك، ففيه خلاف ذكرناه، والعلم عند الله تعالى.
5970 - فأما الفاسق إذا التقط، فطريق المراوزة فيه تخريجه على القولين في أن2

الغالب على اللقطة الأمانة أو الكسب؟ فإن قلنا: الغالب الأمانةُ، فالفاسق ليس من أهل الالتقاط، والعين التي أخذها مغصوبة في يده، ولو عرّفها لم يتملكها.
وهذا فائدة قولنا: إنه ليس من أهل الالتقاط.
وإن قلنا: الغالب على اللقطة معنى الكسب، فالفاسق من أهل الالتقاط، وإذا عرّف، تملك.
5971 - ثم ذكر المراوزة وجهين في أن اللقطة هل ينتزعها الوالي من يده، حتى تنقضي مدة التعريف: أحدهما - أنه يفعل ذلك احتياطاً لمالك المال.
والثاني - لا ينتزعها من يده، ولكن يضم إليه من يراقبه، حتى إذا مضت المدة، انفرد بنفسه، واستقل بالتملك.
فإن قيل: إن لم يكن العبد ممن [يؤتمن] 1 فالفاسق يجوز ائتمانه.
ولو أودعه إنسان شيئاً، فتلف في يده، لم يلزمه الضمان.
قلنا: يتصور الإيداع عنده، ولكن الشرعَ لا يأتمنه، وحكم الأمانة في اللقطة ثابت شرعاً.
وأيضاً الأمانة ممزوجة بحكم الولاية؛ فإن الملتقط يستقل بالالتقاط، من غير ائتمان، والفاسق ليس من أهل الولاية على هذا الوجه.
هذا طريق المراوزة.
5972 - وأما العراقيون، فإنهم سلكوا مسلكاً آخر، فقالوا: الفاسق إذا التقط، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه يُخرِج القاضي اللقطةَ من يده.
والثاني - لا يخرجها من يده.
ولكن ينصب من يشارفه 2 حتى لا يضيعها.
5973 - ثم قالوا على القولين: إذا عرّف وتحقق تعريفه؛ فإنه يتملك اللقطة، فقطعوا [القول] 3 بأن الفاسق من أهل تملك اللقطة، وردّدوا القول في إزالة يده.

وهذا يخالف طريقَ المراوزة.
وما ذكروه [منقاس] 1 حسن، فإنه إذا أمكن إجراء الأمانة [دون] 2 الفاسق، مع تبقية حقه في الكسب، فلا وجه لمنعه من الاكتساب.
وليس الفاسق في هذا كالعبد؛ فإن العبد ليس من أهل الاكتساب لنفسه، فيبعد أن يكتسب بالعوض لسيده، فكان الكلام في العبد على نسق آخر.
5974 - ويجوز أن يقول من يسلك طريق المراوزة: الفاسق لو تملك اللقطة، لتملكها بالعوض من غير رضا مالك اللقطة، وهو ليس موثوقاً به، ولم يصدر من المالك رضاً بذمته، فيتجه خروجه عن هذا النوع من الاكتساب، مع أن إجراء الأمر في اللقطة مأخود من أوّله، والغالب على أول اللقطة الأمانةُ، وقد أوضحنا أن الفاسق ليس من أهلها.
5975 - فأْما المكاتب، فقد قال أئمتنا: إن غلَّبنا معنى الكسب، فالمكاتب من أهل الالتقاط، ثم يستبد بالتعريف، والتملكِ بعد مدة التعريف، ولا شك أنه يتملك لنفسه.
وإن قلنا: الغالب الأمانة، فلا يلتقط المكاتَب، وإذا التقط، كان غاصباً، ولا يتملك في العاقبة.
والمكاتب وإن كان موثوقاً به، ويجوز الإيداع عنده.
فليس من أهل الولاية، وقد أوضحنا أن الالتقاط فيه شَوْبُ الولاية.
وربما كان يقول شيخنا: المكاتب مرتب على القِنّ، وهو أولى بأن يكون من أهل الالتقاط.
والعراقيون قطعوا بأن المكاتب إذا التقط؛ فإنه يتملك اللقطة قولاً واحداً.
والقولان في أن اللقطة هل تبقى تحت يده أم لا؟ على القياس الذي قدموه في الفاسق.

وما ذكروه من القطع بأنه يتملك متَّجهٌ، لأنه موثوق به، وهو من أهل الاكتساب.
وما ذكروه من القولين في إزالة يده فيه بعدٌ، مع القطع بأنه يتملك، وهو موثوق به، فإن قيل: تزال يده في قولٍ لما ذكرت من شَوْب الولاية، فلا وجه للقول الآخر الذي ذكروه من أن القاضي ينصب عليه من يشارفه، فإن هذا إن اتجه في الفاسق من جهة سقوط الثقة به، فلا اتجاه له في المكاتب الموثوق به، فالوجه أن يقال: تزال يده على قولٍ وتترك اللقطة تحت يده على قولٍ من غير مشارفةٍ ونصب مراقبٍ، فقد تبين من أصل العراقيين أن الفاسق، والمكاتَب من أهل تملك اللقطة قولاً واحداً، لمّا كانا من أهل الاكتساب.
والتردد في العبد القِنّ، كما ذكرناه.
5976 - وأما الصبي، فهو من أهل الاكتساب، ولكنه ليس من أهل التملك بنفسه، فيجوز أن يوافق العراقيون فيه المراوزة في تخريج القولين في أن ما التقطه الصبي هل يتملكه؟ 5977 - فأما من نصفه حر، ونصفه عبد، فقد قال أئمتنا: هو بمثابة المكاتب؛ فإن له على الجملة استقلالاً بسبب [حرية نصفه] 1 كالمكاتب.
وهذا فيه نظر؛ فإن الرق الذي فيه كامل، وإذا كمل الرق، ضعف التصرف فيما يقابل الرق، وإذا تحقق ذلك في بعض الملتقَط، عم جميعه؛ فإن التقاط البعض الذي يضاف إلى الحرية غيرُ ممكن؛ إذ من ضرورته لقطُ الكل.
5978 - فإن قلنا: إنه من أهل الالتقاط، فلا يخلو إما أن يكون بينه وبين مالك الرق منه مهايأة، وإما ألا يكون بينهما مهايأة، فإن لم تكن مهايأة، فاللقطة إذا ملكت، تقسطت على النصف الحر، والنصف الرقيق.
وإن كانت مهايأة فاللقطة من الأكساب النادرة، وقد اختلف الأصحاب في أن الأكساب النادرة هل تدخل تحت المهايأة؟ فإن قلنا: إنها لا تدخل تحت المهايأة، فالملك فيها يقع منقسماً.

وإن قلنا: إنها تدخل تحت المهايأة، فالنظر إلى النوبة، فإن وقع ما هو المعتبر في نوبة السيد، فالملك في اللقطة له، وإن وقع في نوبة من نصفه حر، فالملك له.
5979 - وفحوى كلام الأصحاب يدل على أن الاعتبار فيما ذكرناه بما بعد سنة التعريف، وفي كلام بعض المحققين ما يدل على أن الاعتبار بيوم الالتقاط؛ فإنه المستند، وهذا فقيه حسن.
فلو وقع الالتقاطُ في نوبةٍ، وانقضاءُ سنة التعريف في نوبة أخرى، فللتردد في ذلك مجال.
والأصل عندي القطع بأن الالتقاط لا يدخل تحت المهايأة؛ فإنه ليس اكتساباً محضاً، وإنما هو في حكم استقراض، وإنما يقع هذا بجملته.
هذا منتهى القول فيمن يكون من أهل الالتقاط، وفيمن لا يكون من أهله.
فرع: 5980 - ذكر العراقيون وجهين في [أن الذمي هل يكون من أهل الالتقاط في دار الإسلام، والذي قطع به] 1 أئمتنا أنه من أهل الالتقاط؛ فإنه أمينٌ مكتسب.
فصل جامع فيما يجوز التقاطه، وما لا يجوز التقاطه 5981 - فنقول: إذا وجد الرجل مالاً ضائعاً، لم يخل إما أن يجده في الصحراء أو يجدَه في العمران.
فأما إذا وجد في الصحراء، فلا يخلو: إما أن يكون الموجود حيواناً، أو غير حيوان.
فإن لم يكن حيواناً، لم يخل: إما أن يكون مما يتسارع إليه الفساد، أو لا يكون كذلك.
فإن كان مما يتسارع إليه الفساد كالطعام، وما في معناه، يأكلْه على مكانه، ولا نكلفه التعريف؛ فإنه غير ممكن في الحال، ولو ترك الطعامَ، ولم يأكله،

لضاع، وسبب الأمر بالتعريف فيما لا يفسد التسبب إلى ظهور مالك اللقطة، ليأخذها قبل أن تملك عليه، فإذا كان التعريف يؤدي إلى إفساد المال، استحال اشتراط تقديمه.
ثم إذا أكل الطعام، فهل يجب عليه التعريف بعد الاكل؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يجب عليه، فإنَّ وَضْع التعريف في الشرع أن يقدّم على التصرف في اللقطة، فإذا تقدم التصرف، وفاتت العين، فالتعريف خارج عن وضعه، ويشهد لهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما سئل عن الشاة يجدها الواجد، فقال: " هي لك، أو لأخيك، أو للذئب " ولم يتعرض صلى الله عليه وسلم لإيجاب التعريف، والطعام في معنى الشاة، وأيضاً التعريف في المضْيعة لا يفيد، والطعام مما لا يطلب في الغالب، فإذا تقدم الأكل ولم يُفد التعريفُ في مكان الوجود، وبَعُد العثور على صاحب الطعام في بلدةٍ سيصل إليها، فاجتماع هذه الأسباب يُسقط التعريف.
والوجه الثاني - أنه لا بدّ من التعريف؛ فإنه لو تركه، وقد أكل الطعام، كان في حكم الكاتم المُغَيِّب لملك الغير.
وهذا بعيد.
5982 - فأما ما لا يتسارع إليه الفساد، فلا بد من تعريفه سنةً أوّلاً.
وسبيل تعريفه ما ذكرناه في فصول التعريف، فيبتدىء التعريف إذا انتهى إلى البلدة التي يقصدها، وقد قدمنا تفصيل ذلك.
5983 - فأما الحيوان إذا وجد في الصحراء، فلا يخلو إما أن يكون مما يمتنع عن صغار السباع كالإبل، والبقر، والخيل، والبغال، والحمير، فلا يجوز التعرض لها.
والدليل عليه حديث زيد بن خالد، وما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله متبعٌ، وفيه مَقْنع، ولعل المعنى أن هذه الحيوانات لا يطرقُها الطارقون في الصحارى إلا على الندور، وهي ممتنعة من صغار السباع، ويندر انتهاءُ كبار السباع إليها، كالأُسْد والنمور، وكأنها ليست ضائعة، وقد يخطر للإنسان أن الحُمر ضعيفة لا تمتنع عن الذئاب، ولكن الأصحاب مجمعون على إلحاق الحُمر بالحيوانات الممتنعة عن صغار السباع.

5984 - وأما الحيوانات التي لا تمتنع عن صغار السباع، كالغنم، والفُصلان، والعجاجيل، وما في معانيها، فواجدها يأخذها.
والأصل فيها قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الشاة: " هي لك، أو لأخيك، أو للذئب "، ثم لواجد الشاة الانتفاعُ بها في الحال، والقول في التعريف بعد الانتفاع بها، على ما قدمناه في الطعام الذي يتسارع إليه الفساد، وسيأتي في ذلك فضل بيان في أثناء الفصل، إن شاء الله تعالى.
5985 - فأما ما لا يؤكل من صغار الحيوانات كالجحش، فكيف السبيل فيه؟ وقد وجده من وجده في الصحراء؟ الأصح أنه لا بد من تعريفه سنة، بخلاف الشاة؛ فإنها ملتحقة بالمطعومات، والعاثر على الجحش لو كان يستديمه، فهو مما يبقى، وإن كان يعسر استدامته، فلا طريق إلى الانتفاع به.
ومن أصحابنا من ألحقه بالغنم، وجوز تملّكه في الحال، واستدل عليه بأن تعهده بالعلف مما لا تسمح به الأنفس من [غير] 1 تملكه، وفي منع تملكه في الحال تضييعُه وتركُه بالعراء في مضيعة الصحراء، وأصل اللقطة أُثبت محافظةً على الأموال أن تضيع.
هذا قولنا فيما يوجد في الصحراء.
5986 - فأما ما يجده الإنسان في العمران؛ فإنه ينقسم على حسب ما ذكرناه في الصحراء، فمنه ما ليس بحيوان، ومنه الحيوان.
فأما ما ليس بحيوان، فينقسم إلى ما يتسارع إليه الفساد، وإلى ما لا يتسارع إليه الفساد.
5987 - فأما ما لا يتسارع إليه الفساد، فهو اللقطة التي سبق وصفها، وسبيلها أن تُعرّفَ سنةً، كما تقدم.
ثم القول في السبب المملك ما ذكرناه.
5988 - فأما ما يتسارع إليه الفساد كالطعام، فهل يجوز لمن يجده أن يبتدر أكله

إذا كان بيعه ممكناً؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يأكله، وفي بعض الكتب 1 أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيمن وجد طعاماً: " أكله، ولم يعرّفه " 2. والقول الثاني - أنه لا يأكله، بل يسعى في بيعه، ثم إن كان في الموضع حاكم، فرفعت القصة إليه، وباع الطعام، فلا كلام.
وإن أراد الملتقط أن ينفرد بالبيع مع القدرة على مراجعة الحاكم، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا يبيعه؛ فإن التصرف بالبيع في الأموال التي غاب عنها ملاكُها إلى الحكام.
والوجه الثاني - أن الملتقط ينفرد ببيعها، كما ينفرد بأخذها وتعريفها وتملكها، والسبب في ذلك أن الشرع أثبت له التصرفَ في اللقطة على الموضوعات المعلومة في الشريعة.
التفريع: 5989 - إن حكمنا بأن واجد الطعام يأكله، فالأصح أنه يجب عليه التعريف، بخلاف ما لو وجد الطعام في الصحراء؛ فإن التعريف في المفازة عسرٌ، غيرُ مجدٍ، وإذا استأخر التعريف بَعُد العثور على مستحق الحق، والأمر في العمران على خلاف ذلك.
ثم إذا أوجبنا التعريف، فالتعريف يعتمد ذكرَ بعض أوصاف الطعام؛ فإنه المعرَّف، وبذكره يتوقع العثور على مالكه.
5990 - ثم هل يجب على معرِّفه أن يميِّز قيمته من ماله، حتى يقع التعريفُ، والقيمةُ مُمَيَّزَةٌ؟ فعلى وجهين معروفين: أطلقهما الأصحاب: أحد الوجهين - أن ذلك واجب، لتقومَ القيمة مقام المقوَّم، ويصادفَ التعريفُ كائناً موجوداً خلفاً عن العين المستهلكة.

والوجه الثاني - أن ذلك لا يجب، ولكن يعرِّف من يعرف، والقيمةُ في ذمة من استهلك الطعام.
وقال أئمة العراق: التعيين في القيمة والتمييز من سائر أملاك الملتقط موجَبُه أن القيمة لو تلفت في مدة التعريف، كان تلفها على حكم الأمانة، وكان ينزل منزلة تلف العين المعرَّفة، لو كانت باقية، حتى تلفت في مدة التعريف.
5991 - وهذا فيه بعض الخبط، وسببه شيئان: أحدهما - إطلاق الأصحاب لذكر القيمة وتمييزها، وهذا [يجرّ] 1 إشكالاً في التصوير.
والآخر - ضعفُ الوجه.
أما التصوير، فوجه الغموض فيه أن الملتقط المستهلك للطعام لو ميز قيمة الطعام في قصده فعيَّنها في تقديره، فهذا ليس بشيء، وليس هو التعيين الذي ذكره الأصحاب؛ فإن القيمة لا تتعين بمثل هذا من غير فرض يدٍ قابضة عن المتلِف الملتزِم، والذي أراده الأصحاب بالتعيين ما ذكره الصيدلاني، وكلُّ واقفٍ على المراد من هذا الفصل، قالوا: حقٌّ على الملتقط أن يسلّم القيمةَ إلى القاضي أو إلى نائبه، ثم يكون القاضي بمثابة يد المستحِق في إفادة التعيين، وتفرض القيمة من طريق التقدير مملوكةً لمالك الطعام، ثم إذا فرضنا تلفَ القيمة في مدة التعريف، فيكون تلفُها بمثابة تلف العين المعرَّفة في مدة التعريف، إذا كانت باقية.
هذا بيان ما يتعلق بالتصوير.
5992 - أما ضعف الوجه، فلا شك فيه، فإن التزام القيمة من غير طالبٍ ومطالَبٍ بها في اللقطة 2 بعيد، وليس في تمييزها احتياط لمالك الطعام؛ فإن تبقية [الطعام] 3 في ذمة الملتقط المستهلك للقطة أحوطُ لمالك اللقطة، من تعريض حقه للسقوط بتقدير تلف القيمة.
ثم الأصحاب قالوا في التفريع على تمييز القيمة: القيمة قائمة مقام العين، وليست مملوكة في الحقيقة لمالك اللقطة.

والقدر الذي ذُكر في ثبوت حكم التعيين ما صرح به العراقيون، إذ قالوا: لو أفلس الملتقط، وظهر مالكُ الطعام، فهو أولى بالقيمة المميَّزة على الصورة التي ذكرناها، يستبدّ بها ولا يضارب الغرماء.
وهذا فيه بُعدٌ، وسببه أنه مفرّعٌ على وجه بعيد.
5993 - ثم الذي أراه في ذلك أن يتملك صاحب الطعام إذا ظهر القيمةَ المميَّزةَ له، ويكون أولى بتملكها بحق التعيين السابق، ولو لم يتملكها، وأعرض عنها، لم يكن إعراضه عنها كإعراض المالك عن ملكه، وتمكّنُه من التملك فيها بمثابة تمكن البائع من الرجوع إلى العين المبيعة بطريق فسخ البيع، ولم يكن المبيع ملكاًً له حالة الإفلاس، ولكنه أوْلى به من الغرماء، كذلك القول في القيمة.
5994 - ولو انقضت السنة على شرط التعريف، والقيمةُ المميَّزةُ متروكةٌ في يد الحاكم، أو في يد من عينه الحاكم مبقَّاةٌ على حق مالك اللقطة، فإن لم يظهر، ولم 1 يظهر المالك، وتلفت القيمة، سقطت العهدة بالكلية عن الملتقط المستهلك.
ولو لم يكن في الناحية حاكم، فأراد الملتقط بسلطان الالتقاط أن ينصّب نائباً عن مالك اللقطة، ويسلم [القيمة] 2 إليه، فيُنزله منزلة الحاكم لو كان.
هذا فيه احتمالٌ، كما ذكرناه من الاختلاف في أن الملتقط هل يملك بيع الطعام، إذا فرعنا على أنه يباع؟ ثم هذا الاحتمال يجري، وإن كان في الناحية حاكم، غيرَ أن البقعة إذا شغرت عن الوالي، والتفريعُ على وجوب البيع، فالملتقط يبيع وجهاً واحداً.
وإذا فرضنا خلوَّ المكان عن الوالي، فلا يجري إنفاقٌ على ملك الملتقط [و] 3 نصب نائبٍ عن مالك اللقطة حتى يقبض القيمة التي يعتمدها التعريف، بل الأمر محتمل مشكل في ذلك؛ فإن ملك بيع مال الغير أمرٌ مفهوم، وتمييز القيمة، ونصب من يقبضها عن مالكٍ مجهول، كلام فيه اضطراب بيّن.
[وإنما] 4 يظهر بعض الظهور إذا صدر قبضُ القيمة من والٍ ينوب عن الملاك الغُيَّب، وإن كانوا مجهولين.

هذا منتهى القول في ذلك.
5995 - ولو عين القيمة على الوجه الذي يصح، ثم أراد إبدالها، لم يكن له ذلك، وامتناع الإبدال من أول آثار التعيين الذي يهتدى إليه.
فأما إذا قلنا: بأن الطعامَ يباع، وأمكن بيعه فنحصِّل ثمن الطعام أولاً، ثم نفرض ابتداء التعريف، فإذا مضت سَنةُ التعريف، تملَّك الملتقط الثمنَ، ولو تلف الثمن في مدة التعريف، كان أمانةً، ثم الثمن يسلّم إلى الملتقِط إذا كان من أهل الالتقاط، كما تُبقَّى اللقطة في يده لو كانت اللقطة مما لا يتسارع الفساد إليها.
هذا كله إذا لم تكن اللقطة حيواناً.
5996 - فأما إذا كانت حيواناً، وصادفها، وأخذها في أثناء العمران، من القرى والبلدان، فقد جمع صاحب التقريب ثلاثة أوجه للأصحاب: أحدها - أنه لا يأخد الحيوان واجدُه، فإنه ظاهر ليس عرضة للضياع.
وإنما يثبت حق الالتقاط في متعرَّض للضياع.
وهذا القائل لا يفصل بين الكبار من الحيوانات التي منعنا التقاطها في الصحراء، وبين الصغار منها، وأجرى الجميع في منع الالتقاط مجرى الكبار في الصحراء.
والوجه الثاني - أن الواجد يلتقط ما يجد من الحيوانات في العمران، من غير فرق بين الكبار وبين الصغار؛ فإن جميعَها عرضةٌ لأخد الآدميين، واحتوائهم، وإذا أمكن اختزالها وتقدير تغييبها، فالكل بمثابةٍ واحدةٍ، وليس كذلك الصحارى؛ فإن طروق الآدميين فيها نادر، والحيوانات منقسمة بالإضافة إلى السباع، كما تقدم، وإمكان التغييب يعمّ في العمران الصغارَ من الحيوانات والكبارَ.
والوجه الثالث - أن واجدَ الحيوان يلتقط في العمران ما يلتقطه في الصحراء، ولا يلتقط ما يمتنع عليه التقاطه في الصحراء؛ تمسكاً بظاهر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
5997 - ثم ذكرنا في صغار الحيوانات إذا صادفها واجدُها تفصيلاً، وقسمناها إلى

المأكول، كالشاة وإلى ما لا يؤكل كالجحش، فالشاة إذاً ملحقة بالطعام، وقد مضى التفصيل في الطعام في العمران.
وفي الجحش، وما لا يؤكل التفصيلُ المقدم.
ومن سَلَّط على تعجيل التملك فيه، فسببه تعذر العلف.
والرأيُ الظاهر أنه لا يتملكه قبل التعريف، فإنا ألحقنا الشاة بالطعام للخبر، ومن رأى تعجيل التملك لضرورة العلف لا يصير إلى هذا المذهب في الحيوان الكبير، إذا فرّعنا على جواز التقاطه في العمران، فإنه يصير إلى ما يصير إليه لمشابهة الصغير الشاةَ في الضعف، وعدمِ الاستقلال.
5998 - ثم إذا التقط حيواناً، فلا خلاف أن مؤنة علفها 1 لا تكون على الملتقط، وإنما هي على مالك اللقطة، ثم الوجه في تحصيلها بيعُ جزءٍ من الحيوان، وصرفُ الثمن إلى العلف، وسائر المؤن، فإن تمكنا من رفع الأمر إلى قاضٍ، فعلناه، ثم إنه يفعل ذلك فعلَه لو كان يريد إمساك بهيمةٍ على مالكها.
وإن لم نجد حاكماًً، تولّى الملتقط ذلك بنفسه، ولو أراد أن يتولاه مع وجود الحاكم، ففيه الوجهان اللذان سبق ذكرهما.
وكان شيخي يقول: يجوز أن تُلحِق ضرورةُ العلف وتوقعُ مسيس الحاجة إلى أن تأكل الدابةُ [نفسها] 2 - الدابة 3 بالطعام الذي يتسارع الفساد إليه، حتى يباع [ويَعْتُد] 4 ثمنُه، [ثم] 5 يفرض التعريف على حسب ما فرعناه في بيع الطعام، وهذا حسن بالغ.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل