نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 45-84
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب القسامة

صفحات 45-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الطلب والدعوى من غير حاجة إلى انتظار إعراض الورثة [عن] 1 الطلب.
10919 - والذي يغمض في هذه الطريقة طلب الورثة ودعواهم، وليس الملك لهم، وقد ذكرنا أن هذه الخصومة متعلقها الملك الناجز، ولا ملك لهم، وإنما الملك للمستولدة، ولكن الشافعي رضي الله عنه نص على أن لهم أن يدّعوا ويطلبوا، واتفق الأصحاب على ذلك، وأنا أذكر وجهه بتوفيق الله.
فأقول: دعواهم تصدر منهم على وجه لو أرادوا الإقسام لأقسموا، فإذا نكلوا، بطلت اليمين [لتتميم] 2 خصومة القسامة، فلهم أن يقسموا للخصومة، حتى لو كان القتل بحيث لا تثبت القسامةُ فيه، فيبعد حينئذ أن يثبت لهم ابتداء الدعوى إلا على تأويل السعي في تنفيذ الوصية، وتحصيل غرض الموروث، وهذا الطرف في نهاية الاحتمال؛ فإن الورثة إذا لم يقسموا في محل القسامة، وقلنا أم الولد لا تقسم، فقد قال الشافعي بعد ذلك: " لهم ولها أن يحلِّفوا المدعى عليه " وإذا فرض النكول عن أيمان القسامة، التحقت الخصومة بصورة لا قسامة فيها.
هذا وجه، ويحتمل غيره وقد نبهنا على جميع المسالك.
فصل قال: " ولو جرح رجل، فمات مرتداً ... إلى آخره " 3. 10920 - إذا جرح مسلم مسلماً، فارتد المجروح ومات، أو قتل مرتداً، بطلت القسامة هكذا نقل المزني، وهو صحيح، ولكنه اعتل بعلة فاسدة، فقال: بطلت القسامة، لأن ماله فيء، وهذا التعليل غير سديد، والقسامة لا تبطل [به] 4، والمعنى المعتمد في إبطال القسامة أنه إذا مات مرتداً، فقد مات وروحه مهدرة غير

محترمة، وإنما يجب الضمان بالجرح، والقسامة لا تجري في أروش الجراحات، فهذا تعليل بطلان القسامة.
ولو جرح مسلماً، فارتد، ثم عاد إلى الإسلام ومات مسلماً من سراية الجراحة، فالقول في وجوب القصاص، ثم في وجوب الدية تقدم مستقصىً في أول الجراح.
والقدر الذي تمس الحاجة إلى إعادته أنا إن أوجبنا القصاص في النفس، فلا شك في وجوب تمام الدية، ثم لا ريب في جريان القسامة، وإن لم نوجب القصاص، ففي كمال الدية خلاف، وإن لم نوجب الدية الكاملة، ففي مقدار ما نوجب خلاف.
فإن أكملنا الدية، جرت القسامة في محلها على شرطها، وإن أوجبنا بعضاً من الدية، ففيما نقله بعض الأثبات عن القاضي أن القسامة لا تجري، وهذا صحيح عندنا، والوجه إجراء القسامة، لأن الواجب ضمان الروح، فإن أهدرنا البعض بسبب اقتضى الإهدار، فالذي أوجبناه هو في مقابلة الروح.
وإن طلب طالب لما حكيناه عن القاضي وجهاً، فالممكن فيه أن القسامة تثبت مائلة عن سَنَنِ القياس، وإنما صح النقل فيها إذا كانت الروح محترمة مضمونة بكمالها، وإذا تطرق الإهدار، وكان البعض من الروح هدر، والبعض مضمون، وهذا غضٌّ ظاهر من حرمة النفس، فيلتحق هذا الضمان بالأطراف.
فإن قيل: ماذا ترون في الكفارة في هذه الصورة؟ قلنا: الظاهر وجوب الكفارة؟ فإنا نقول: إذا اشترك جماعة في قتل إنسان، فيجب على كل واحد منهم كفارة تامة، وإن لم ينتسب إلى تمام القتل، فيجب أن يكون الأمر كذلك هاهنا، وقد يَفْصِل الفاصل بأن جملة الروح محترمة في مسألة الشركاء وتبعيضها عسر، وهاهنا جملة الروح ليست محترمة، وإيجاب الكفارة والحرمة غير تامة بمثابة تقدير الكفارة في الأطراف وهذا بعيد.
والوجه إيجاب الكفارة.
نعم، سنذكر قولاً بعيداً في أن الشركاء تلزمهم كفارة واحدة مفضوضة عليهم، فعلى هذا إذا تبعضت الدية إهداراً [وإيجاباً] 1، أمكن أن

نقول على القول البعيد: يجب بعض الكفارة على قدر الواجب من الدية، وكل ذلك بيان الطرق، والأصل ما قدمناه.
ولو جرح رجل مرتداً ثم أسلم، فجَرحَه بعد الإسلام جراحة أخرى، ومات من الجرحين، فالدية تتبعض، وفي القسامة من الكلام ما [تقدّم] 1 والكفارة تساوق القسامة في موجب هذه القاعدة، فلو قال قائل: إذا مات مسلماً، فهو محترم حالة ثبوت الموت، قلنا: [ومع ذلك يجب] 2 قسط من الدية، ولو لم يُجدّ 3 جرحاً بعد الإسلام، ومات من الجرح الذي جرى في الردة فهو هدر، وإن مات مسلماً [فهذا] 4 منتهى القول في ذلك.
فصل 5 قال: " فإن جرح وهو عبد، ثم أعتق، ثم مات حراً ... إلى آخره " 6. 10921 - هذه المسألة تستند إلى أصولٍ: منها - إن القسامة هل تجري في العبيد، وقد قدمنا في ذلك قولين.
ومنها - إن الأيمان هل توزع على المدّعين، أم يحلف كل واحد منهم خمسين يميناً؟ وهذا سيأتي مستقصىً في بابٍ، إن شاء الله.
ومنها - إن العبد إذا جرح فعَتَق، ثم مات، فكم يستحق السيد من ديته؟ وقد مضى هذا مستقصًى في كتاب الجراح.
10922 - فنعود ونقول: عبدٌ قطعت يدُه، ثم عَتَق ومات، فعلى الجاني ديةُ النفس؛ نظراً إلى [المآل] 7، ثم إذا كانت الدية مثلَ نصف القيمة، أو أقل، فالكل للسيد، [ولا] 8 حق للورثة.

فإن جرت الجناية مع اللوث، ومست الحاجة إلى إثباتها بأيمان القسامة، فالمذهب الظاهر أن السيد يقسم ويستحق.
والأَوْلى في الترتيب أن نقول: إن أثبتنا للسيد حقَّ القسامة على عبده المقتول على رقه، فلا شك أنه يُقسم فيما نحن فيه، [وإن] 1 قلنا: لا يقسم السيد على عبده الرقيق، فهل يقسم إذا جرت الجناية في الرق وأفضت إلى الهلاك في العتق؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يقسم؛ لأنه إنما يستحق بجهة الرق، فلا نظر إلى حصول العتق في المآل، ولو كان بالعتق معتبر، لقطعنا استحقاقه؛ فإن السيد يبعد أن يستحق من دية حرٍّ بحق الرق السابق، وإن أثبتنا الاستحقاق، كان ذلك استدامةً لحكم الرق، فتكون القسامة على هذا الشخص بمثابة القسامة على العبد القِنّ.
ومن أصحابنا من قال: يقسم؛ فإن القتيل حر، ثم لا نظر إلى السبب الذي به يستحق المولى ديته، وإنما الاعتبار بالحال التي مات عليها.
وهذا التردد للأصحاب يشير إلى غامضة في المذهب قد تناهينا في بيانها، وهي أن الواجب دية، والدية بدل حر، والرق قد زال بالعتق، [وأخْذ] 2 أرش جزء من الرقيق من [دية] 3 حر مشكلٌ، والقدر الذي يتعلق بهذا الكتاب ما أتينا به، والباقي مذكور في موضعه من كتاب الجراح.
هذا إذا كانت الدية مثل أرش الجناية على الرقيق أو أقل منها، [والتفريع] 4 على أصح القولين فيما للسيد، فلا معنى للتطويل بذكر القول الآخر.
10923 - ولو كانت الدية أكثرَ من حق السيد، فالفاضل من حق السيد مصروف إلى ورثة هذا العتيق، والتفريع على أن السيد يقسم، والورثة لا شك يقسمون، وينشأ من هذا الموضع اختلاف القول في أن كل واحد منهم كم يحلف؟ وفيه قولان: سيأتي ذكرهما في بابٍ مفرد: أحدهما - أن كل واحد يقسم خمسين يميناً، قلّت حصته أو

كثرت، والقول الثاني - أنهم بجملتهم يقسمون خمسين يميناً، وسيأتي كيفية الفضّ وما يقتضيه من بيان.
ولو نكل بعض من أثبتنا له حقَّ القسامة عن اليمين، فإن كان التفريع على أن كل واحد يحلف خمسين يميناً، فلا إشكال، ويحلف من يريد خمسين يميناً، ويستحق حصته، وإن قلنا: نفُضُّ خمسين يميناً عليهم، فإذا نكل بعضهم، فأراد الباقون أن يقتصروا على ما كان بحصتهم من أعداد الأيمان لو توافقوا على الإقسام، لم يكن لهم ذلك، بل إن أرادوا إثبات حصصهم، فليُخرجوا الناكلَ من الاعتبار، ولْيحلفوا فيما بينهم خمسين يميناً، حتى لو نكل الورثة وأراد الولي أن يقسم، فليقسم خمسين يميناً؛ [فإنه] 1 لا سبيل إلى إثبات استحقاق شيء من بدل الدم بدون الخمسين، وكل ذلك يأتي مشروحاً من بعدُ، إن شاء الله عز وجل.
فاصل قال: " ولو لم يقسم الولي حتى ارتد ... إلى آخره " 2. 10924 - الولي إذا ورث دية القتيل، ثم ارتد، فأراد أن يقسم وهو مرتد، فهذا ينبني على أقوال ملك المرتد، فإن قلنا: ملك المرتد لا يزول بالردة، وإنما يزول إذا قتل أو مات مرتداً، فيُقسم في ارتداده، وتثبت الدية.
وإن قلنا: ملكه زائل، فإذا عاد إلى الإسلام، تجدد ملكه بعد الزوال، فلا يتصور منه أن يقسم في ردّته.
وإن فرعنا على أن ملكه موقوف، والشافعي في معظم مسائله يفرع على قول الوقف، وظاهر النص أنه يحلف، ثم إن عاد، فالملك [له] 3 في الدية، فإن أصر "حتى مات أو قتل على ردته، تبينا أن ماله فيء، وصرفنا الدية مع جميع أمواله إلى أهل الفيء.

وهذا فيه إشكالان: نبدأ بأوقعهما - ظاهر النص يدل على أن الدية تثبت لأهل الفيء بأيمان المرتد، وهذا إن كان تفريعاً على قول الوقف، فهو مشكل جداً؛ فإنه إذا مات مرتداً، تبيّنا أن ملكه زال بنفس الردة، والأيمان التي أجراها في الردة وقعت بعد زوال ملكه، فيبعد كل البعد أن تثبت الدية لأهل الفيء بأيمانه، وظاهر النص يدل [على] 1 التفريع على قول الوقف؛ فإنه إذا ارتد وأقسم [وُقفت] 2 الدية، ثم ذكر مصرف الدية في [العاقبتين] 3. فمن أصحابنا من قال: هذا تفريع من الشافعي على أن الملك لا يزول بالردة، وقوله: وُقفت الدية محمول على حجر السلطان على المرتد، وإن قلنا: لا يزول ملكه والعلماء يطلقون الوقف، ويريدون به ضرب الحَجْر، فتستمر المسألة، وتخرج على سَنَن القياس في العاقبتين: عاد إلى الإسلام أو مات على الردة.
ومن أصحابنا من أجرى هذا على قول الوقف، ثم حاول الانفصال عن الإشكال، فقال: الولي وإن ارتد، فهو الوارث أولاً، والقسامة تستند إلى حالة القتل، [وليست] 4 خصومة ناجزة، ويشهد لهذا قولنا: للورثة أن يقسموا على قيمة العبد المقتول، وإن كانت موصى بها لأم الولد.
وهذا على حالٍ مشكل؛ فإن ما قدمناه في ورثة السيد محمول على سعيهم في تنفيذ وصيته، ويبعُد حملُ الأيمان للمرتد على تثبيت شيء لأهل الفيء.
هذا أحد الإشكالين.
10925 - الثاني أنه لو أقسم -والتفريع على قول الوقف- ثم عاد إلى الإسلام، فقد يعترض في هذه الحالة أنا إذا كنا نفرع على قول الوقف، فكيف يجوز للمرتد أن يقدم على القسامة، وهو على التردد في أنه مالكٌ للدية أم لا؟ وهذا أهون.

والأصحاب مجمعون [فيما] 1 أظن على أنه يقسم في حالة الردة ولا بُعد في جريان الأيمان على التردد في الاستحقاق، وسيأتي لهذا نظائر في إقسام الورثة وفيهم [خنثى] 2 أو بعضهم غُيّب، فإنا قد نحلّف الشخص خمسين، وهو على تردد في استحقاق بعض ما أقسم عليه، والأمر على الجملة محمول على استدامة ملكه، وعدّ الردة الطارئة عارضاً مُزالاً بالسيف؛ فإن المرتد [لا يترك على إصراره] 3. وسيكون لنا إلى هذا عودة إن عدنا لما [استشهدنا] 4 به من أحكام الورثة.
[فصل] 5 قال: " والأيمان في الدماء مخالفة لها في الحقوق ... إلى آخره " 6. 10926 - قد ذكرنا [اختلاف] 7 القول في أن القتل إذا لم يكن مقترناً بلوثٍ ظاهر، واقتضى الحال البداية بالمدعى عليه، فإنا نحلّفه يميناً واحدة، أو خمسين يميناً؟ فأحد القولين أنا نحلّفه [خمسين يميناً] 8، تغليظاً لأمر الدماءِ، وتفخيماً لشأنها على أي وجه فرضت البداية، فإنا إن كنا نرى التغليظ على المدعي إذا وقعت البداية به احتياطاً حتى [لا يقدم] 9 على الأيمان مجازفاً، فيجب أن نحتاط للدماء في تحليف المدعى عليه؛ حتى لا يُقدم على اليمين الواحدة مستهيناً بها، وقد نص الشافعي على هذا القول هاهنا.
والقول الثاني - أن اليمين الواحدة كافية، والعدد في أيمان القسامة في مقابلة إمالتنا

للأيمان عن منصبها وجانبها الثابت في الحكومات، فإذا جرت الأيمان على قياس الخصومات، [فلا] 1 معنى لتعديدها، فإن عدد اليمين قريب من عدد الإقرار، وقد ذكرنا أن الأقارير لا يشترط تعددها، وقد يتوجه هذا أيضاً بأن العدد في أيمان القسامة مأخوذ من النصّ معدول عن القياس، ولا يتعدى بها موضعها.
10927 - ومما ذكره الأئمة أن المدعى عليه لو اعترف بالقتل وأنكر كونه عمداً وأقر بصَدَر القتل منه خطأ أو على صورة شبه العمد، فإذا أراد المدعي تحليف المدعى عليه على نفي العمد، فهل تتعدد الأيمان؟ قالوا: إن قلنا: لا تتعدد اليمين على أصل القتل، فلا تتعدد على صفة القتل، وإن قلنا: اليمين تتعدد على أصل القتل لو أنكره، ففي تعدد اليمين في صفة القتل وجهان؛ فإن الموصوف آكد وأحرى بالتعظيم من الصفة.
وهذا فن من الكلام لا أرغب فيه ولا أقيم لمثله وزناً؛ فإن الصفة إذا كانت تُثبت القصاص لو ثبتت، فقدرها عظيم، وأصل القتل لو ثبت خطأ، فماَله الدية والكفارة، ولو اعترف المدعى عليه بالقتل، وقلنا: القود [يناط] 2 بأيمان القسامة، وقد جرى اللوث مقترناً بالقتل، فلا خلاف أن المدعي يقسم خمسين يميناً على إثبات كون القتل عمداً، فإن قيل: كيف يقوم اللوث على العمد؟ قلنا: وهل يقوم اللوث إلا على العمد؟ ثم إذا كان يقسم على أصل القتل وكونه عمداً، فإقرار المدعى عليه بالقتل [وادعاء] 3 الخطأ لا يمنعه من الإقسام، وهذا بيّن لا خفاء به.
فإن لم يكن لوثٌ وقد اعترف المدعى عليه بالقتل خطأ، فإن اعترفت العاقلة [أيضاً] 4 فالدية مضروبة عليهم، وإن أنكروا، فالدية مضروبة على المدعى عليه في ماله، فلو أنكر الدعوى ولم يقر، وعرضنا عليه اليمين فنكل، ورددنا اليمين على

المدعي [فحلف] 1 يمين الرد، فالدية تثبت.
والمسألة مفروضة فيه إذا كان المدعَى خطأً.
10928 - ثم الدية تضرب في مال المدعى عليه، أو على عاقلته؟ اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من قال: في المسألة قولان مبنيان على أن يمين الرد تنزل منزلة البينة أو تنزل منزلة إقرار المدعى عليه، فإن قلنا: إنها كالبينة، فالدية مضروبة على العاقلة، كما لو شهدت بينة عادلة على وقوع القتل خطأ، وإن قلنا: يمين الرد بمثابة إقرار المدعى عليه، فالدية مضروبة على المدعى عليه إذا أنكرت عاقلته، كما لو أقرّ.
هذه طريقة أيضاً مشهورة.
والذي ذهب إليه المحققون أن الدية لا تضرب على العاقلة، وإن قلنا: يمين الرد تنزل منزلة البينة؛ والسبب فيه أن يمين الرد لا يجوز أن تقدّر مشبهة بالبينة في حق [غير المستحلَف] 2، وسر ذلك أن الخصومة لا تعلق لها بالعاقلة، فيبعد تنزيل غير البينة منزلة البينة في حقوقهم، ولا يمتنع أن يكون المدعى عليه عالماً بأنه لو أقر، لضربت الدية على ماله، [فينكر] 3، ثم ينكل ليحلف المدعي يمين الرد، فيكون ذلك تذرعاً منه إلى ضرب العقل على العاقلة من غير بينة حقيقية، مع إصرارها على الإنكار.
فإن قيل: إذا كنتم [ترون] 4 أن يمين الرد لا يكون كالبينة في حق العاقلة، فهل لتنزيلها منزلة البينة حكم؟ وهل ينتج ذلك فائدة؟ قلنا: نعم، سنبين ذلك في الفصل المتصل بهذا؟ فإذ ذاك نجمع بين ما أنكرناه الآن وبين ذكر الفائدة.
10929 - ثم قال الشافعي: " وسواء في النكول المحجور عليه وغير المحجور عليه ... إلى آخره " 5. أراد الشافعي بالمحجور عليه السفيه الذي اطرد الحجر عليه.
فنقول: إقراره

بموجبات العقوبات من القصاص والحدود مقبول، كإقرار المطلَق الرشيد.
ولا يقبل إقراره بالأموال في المعاملات، وفي قبول إقراره بإتلاف الأموال قولان، وقد ذكرنا ذلك معقوداً مجملاً، ثم مبيّناً مفصلاً في كتاب الحجر، وإنما أعدنا هذا [الطرف] 1 لغرض سنوضحه، إن شاء الله.
وقال العراقيون: إقراره بديون المعاملات مردودة في الحال، وبعد انطلاق الحجر عنه، فلا [يؤاخذ] 2 به إلا أن يجدد بعد الرشد إقراراً.
وإقراره بالإتلاف على قولين: فإن لم نقبله في الحال، فإذا انطلق الحجر عنه، فهل يؤاخذ به؟ فعلى قولين.
وهذا كلام ركيك، فإنه لو كان يؤاخذ إذا رشد، لكان مؤاخذاً به في سفهه؛ فإن المطلوب حقه في السفه والرشد.
فلو ادعى ماع على السفيه قتلَ خطأٍ، فأنكر، فعرضنا اليمين عليه، فنكل وحلف المدعي يمين الرد، فإن قلنا: إن إقراره بالقتل خطأً مقبولاً، فلا شك أنه يثبت عليه، والدية مأخوذة من ماله إذا لم تعترف العاقلة.
وإن قلنا: لا يقبل إقراره في القتل الواقع خطأ، فهل يثبت القتل بيمين الرد أم لا؟ قال الأصحاب: هذا يخرج على أن يمين الرد بمثابة الإقرار أو بمثابة البينة: فإن أحللناها محل الإقرار، [لم] 3 نثبت القتل بها، فإن التفريع على أن القتل لا يثبت بإقراره إذا كان خطأ؛ [فإنه] 4 في معنى إتلاف المال.
وإن قلنا: يمين الرد ينزل منزلة البينة، فالقتل خطأ يثبت على المحجور.
10930 - وهذا أوان الوفاء بما وعدنا من تحقيق هذين القولين وإبانة فائدتهما، فنقول: القولان جاريان في حق المحجور؛ فإن يمين الرد يجوز أن تكون حجة في

حق المدعى عليه؛ فإن الخصومة متعلقةٌ [به] 1، وفي هذه الصورة بعينها يبعد أن تضرب الدية على العاقلة مصيراً إلى أن يمين الرد كالبينة، وقد صار صائرون إلى تخريج الضرب على العاقلة على القولين، وهذا هو الذي زيّفه المحققون، فقد لاح الغرض في هذه الصورة لاشتمالها على مدعى عليه يحلف، ولا يقبل إقراره [على] 2 العواقل الذين لا تتعلق الخصومة والطلب بهم، فجرى القولان في حق المحجور عليه، واضطرب الأصحاب في حق العاقلة.
فإن قيل: إذا كنا لا نقبل إقرار المحجور عليه، [فلم] 3 نحلّفه؟ قلنا: إقراره [غير] 4 مقبول بالاتفاق، والتحليف تحقيق الإنكار، وقد يستفيد [بحلفه] 5 انقطاعَ الخصومة عنه.
ثم إذا اقتضت هذه المقدمات عرضَ اليمين عليه، فللعرض عاقبتان: إحداهما - الحلف والأخرى -النكول- فيبعد أن تثبت إحداهما دون الأخرى- والوكيل بالخصومة، كان من أهل الإنكار، وقد يكون إنكاره سبباً لثبوت الحق، إذا كان القاضي لا يقبل الشهادة إلا مترتباً على إنكارٍ مقبول، [ولكن لا نظر] 6 إلى هذا، فإن قاعدة الخصومة الإنكار، ثم ينشأ من نكول المحجور عليه التردد في أن يمين الرد هل تكون كالبينة أم لا؟ هذا منتهى القول في ذلك، وهو طرف لم نجد بداً من ذكره، وأصلُه وقاعدتُه تأتي على الاستقصاء في الدعاوى والبينات -إن شاء الله عز وجل- نعم، إن قلنا: يمين الرد بمثابة الإقرار، فتعرض اليمين على المحجور عليه عساه يحلف، وإن نكل، لم ترد اليمين على المدعي، لأنه لا فائدة في الرد؛ إذ لو حلف يمينَ الرد، لم يستفد بها

شيئاً، ثم إذا قلنا: لا ترد اليمين، فهل [يحلف] 1 المحجور عليه؟ ما ذهب إليه أهل التحقيق أنه [لا يحلّف] 2، إذ لا يستفيد المدعي [بتحليفه] 3 فائدة، فلا معنى في تحليفه؟ من أصحابنا من قال: الحق للمدعي، فإن قنع بيمينه، فلا معترض، وإن لم يُرد تحليفَه، فلا حرج عليه.
والظاهر أنه إنما يحلف إذا قلنا: إنه يقبل إقراره، أو قلنا: يمين الرد كالبينة، فأما إذا لم يقبل إقراره، ولم نجعل يمين الرد بمثابة البينة، فالتحليف [ملغى] 4 لا فائدة فيه، ولا أصل له.
ثم ذكر المزني 5 طرفاً من المحاجّة بين الشافعي وأصحاب أبي حنيفة في قاعدة القسامة، ولسنا له.
...

باب ما ينبغي للحاكم أن يفعله

قال الشافعي رضي الله عنه: " وينبغي أن يقول: من قتل صاحبك ... إلى آخره" 1. 10931 - مقصود هذا الباب فنٌّ واحد من الكلام، وهو أن المدعي للقتل إذا أتى بالدعوى تامة متعلقة بمتعيّن مشتملة على كمال الوصف المرعي في الدعوى، فالدعوى مسموعة، [ومن الأوصاف] 2 المرعية بعد تعيين المدعى عليه أن يذكر كون القتل عمداً أو خطأً، وإن وصفه بكونه عمداً يذكر صفة العمد، ويذكر انفراد المدعى عليه بالقتل إن كان يدعي ذلك [فإذا صحت] 3 الدعوى، قبلها القاضي، وبنى عليها ما يقتضيه ترتيب الخصومة.
وإن لم يأت الخصم بدعوى تامة، ففي كلام الشافعي ما يدل على أن القاضي يستوصفه، حتى إذا قال: قُتل أبي، يقول له: من قتله؟ فإذا عين القاتلَ، قال له: أقتل عمداً أو خطأ؟ فإن ادعى العمدَ، استوصفه، فإن أحسن وصف العمد، قال له: انفرد بالقتل، أم يشاركه غيره؟ فلا يزال يستفصل حتى يُفضي إلى دعوى صحيحة.
وهذا في ظاهره تلقينُ الدعوى، وفي هذا إشكال، فإن العقوبات على الدرء، والمدافعةُ أليق بدرئها من الاستنطاق بالدعوى الشديدة التي قد تفضي بما بعدها إلى ثبوت الدم.
10932 - وقد اضطرب الأصحاب في هذا، فصار صائرون إلى الجريان على النص، وقالوا: ما يذكره القاضي استفصال، وليس تلقيناً، وإنما التلقين أن يقول:

قل كذا وكذا، والذي يوضح ذلك أنه إذا استفصل، فقد يُفسد المدعي دعواه بتفصيله، إذا لم يبيّن له وجه الصحة والفساد، ولو لم يستفصل وأطلق المدعي الدعوى، فرَدُّ دعواه مع إمكان صحتها بعيدٌ.
هذا مسلك.
وقال قائلون: إن لم يكن المدعي [غبيّاً]، 1، فلا يتعرض القاضي له حتى يتم الدعوى، وإن كان غبيّاً، فله أن يستفصل، فإن غباوته لو ترك، لانتصبت سبباً في إبطال حقه؛ فإنه لا يدري ما تصح به الدعوى، فإذا ردت دعواه مطلقاً، نبا 2 عن حقه، وأفضى رد الدعوى إلى نِفاره، وإشكال الأمر عليه، من حيث لا يدري محيصاً.
وقال قائلون من أصحابنا: ليس للقاضي أن يستفصل أصلاً.
وهذا يخالف النص، فلا يعتد به.
وقال قائلون: إن أشار المدعي إلى جمع فقال: قاتل أبي منهم، فقال له القاضي: من قتله منهم؟ وإن لم يكن كذلك لم يستفصل.
وكل ذلك خبطٌ، والوجه الجريان على النص، والدليل عليه أن صاحب الواقعة لو جاء مستفتياً، وسأل عما تصح به الدعوى، فلا نغادر المعنى بياناً وإن كان ذلك تلقيناً للدعوى، أو تعليماً لتصحيحها، فهذا ما يجب الجريان عليه.
ولكن لا يليق بأدب القضاء أن يعلَّم [المدعي] 3 كيفية الدعوى بأن يقول: قل: كذا وكذا، ولا يليق بمصلحة الحال أن يسكت حتى يتخبط، بل يستفصل ليعلَمَ، لا ليعلِّم.
ولو ذكر المدعي أن القتل عمد، فلما استوصفه القاضي العمدَ، ذكر ما لا يكون عمداً، [بطل دعواه في العمد، وهل تبطل] 4 دعواه في أصل القتل؟ اختلف أصحابنا

في المسألة: فمنهم من قال: بطلت دعواه [لتناقض القول فيها، ومنهم من قال: دعواه] 1 في أصل القتل مسموعة؛ فإن التناقض جرى في صفة القتل، لا في أصله.
10933 - ومما يجب التعرض له في الدعوى اتحاد المدعى عليه، أو وقوع القتل [على] 2 اشتراك، فإن ذكر أنه قتل أباه وحده، صحت الدعوى، وإن ذكر أنه يُشارك جماعةً ولم يحصرهم، فإن كان المقصود المال، لم تقبل الدعوى، وقد تقدّم ذكرُ هذا، وإن كان المقصود القصاص، فالدعوى مسموعة إذا ذكر أن المشتركين عامدون على الحد المعتبر [في العمد] 3 الموجب للقود.
هذا هو المذهب الصحيح.
ومن أصحابنا من لم يسمع الدعوى، وإن كان المقصود القصاص؛ [فإن الأمر قد يؤول إلى المال.
وهذا الوجه ضعيف] 4، وقد أوضحته من قبلُ، وإذا جرى التحليف قبل صحة الدعوى لسهوٍ من الحاكم، فاليمين مردودة، وإن أتى في اليمين بما تصح الدعوى به؛ لأن صحة اليمين مشروطة بتقدم الدعوى الصحيحة، وهذا بيّن.
...

باب عدد الأيمان

قال الشافعي رضي الله عنه: " ويحلف الورثة على قدر مواريثهم ... إلى آخره " 1. 10934 - إذا وقعت البداية بالمدعي في [أيمان] 2 القسامة، فإن اتحد المدعي حلف خمسين يميناً، وإن تعدد المدعون، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه يحلف كل واحد منهم خمسين يميناً، قلّت حصته، أو كثرت.
والقول الثاني - أنا نوزّع عليهم خمسين يميناً، وعلى 3 أقدار حصصهم في الدية لو ثبتت، وهذا هو الذي نص عليه الشافعي، وفرّع مسائل الباب عليه.
توجيه القولين: من قال: يحلف كل واحد خمسين يميناً، احتج بأن قال: لا يثبت الدم إلا بخمسين يميناً، فلو حلف كل واحد بعضَ الأيمان، لاستحق حصته بأيمان نفسه، وأيمان صاحبه، وهذا بعيد في قواعد الخصومة؛ فإن الإنسان لا يستحق بيمين غيره شيئاً، والذي يحقق هذا أنه لو نكل أصحابه، لاحتاج إلى أن يحلف خمسين يميناً، ولا يكفيه في إثبات حصة نفسه أعداد من الأيمان دون الخمسين، فإذا كان كذلك، فأيمان الورثة أثبتت له إذاً مع أيمانه حصته، [وهذا خروج] 4 بالكلية عن القياس المرعي.
ومن قال: [نفُض] 5 الأيمان عليهم، احتج بأن المدعي لو كان واحداً، لكفت خمسين يميناً، فإذا تعددوا، فإضافة الاستحقاق إليهم، كإضافته إلى واحد.

وهذا لا حاصل له، والذي أعتقده على مبلغ إحاطتي بتصرف الشافعي أنه عوّل في هذا على الحديث، فإنه عليه السلام قال: " تبرئكم اليهود بخمسين يميناً "، وهذا يشعر بتعددهم مع اعتبار عدد الخمسين في جانبهم، وقد نص الشافعي على تعدد الأيمان في جانب المدعى عليه، ولا تعلق بقوله: " تحلفون خمسين يميناً "، فإن الوارث فيهم كان واحداً، وإنما خاطبهم على الاعتياد.
وعلى حالٍ في الحديث تعلُّقٌ، ومن [يزلّ] 1 عنه، لم يجد مضطرباً في المعنى.
فإن قلنا: يحلف كل واحد خمسين يميناً، فلا إشكال ولا تفريع.
10935 - وإنما تتفرع مسائل الباب على القول الثاني، فلا عود إلى القول الأول.
فأول ما نذكره أن القتيل إذا خلّف ابنين مثلاً، والتفريع على توزيع الأيْمان، فيحلف كل واحد منهم خمساً وعشرين يميناً، فإن نكل أحدهما، وأراد الثاني أن يحلف، فليحلف خمسين يميناً، ثم لا يثبت إلا حصته.
فإن أراد صاحبه أن يكتفى بأيمانه، ويطلب حصته، لم يكن له ذلك، وهذا يُضعف هذا القولَ، كما نبهنا عليه.
ولو أراد قسمةَ اليمين، [فجرّت القسمة كسراً] 2 مثل أن يخلّف القتيل ابناً وبنتاً، فالابن يحلف ثلثي الخمسين، وثلثا الخمسين على تعديل الجزئية ثلاثة وثلاثون وثلث، ولكن اليمين لا تتبعض، فلا بد من جبر الكسر، ولا سبيل إلى إسقاطه؛ فيحلف الابن أربعة 3 وثلاثين يميناً والبنت يخصها من جهة التجزئة ستة عشرَ يميناً وثلثاً؛ فتحلف سبعةَ عشرَ، هذا لا بد منه.
ولو كثر عدد الورثة فبلغوا مائة، فلا بد من تحليف كل واحد منهم يميناً، إذا استوت حصصهم.

ولو كان القتيل امرأة وقد خلفَها ابنٌ، وزوجٌ، فالزوج يخصه اثنا عشر يميناً ونصف فيحلف ثلاثة عشرَ يميناً، والابن يخصه سبعة وثلاثون ونصف، فيحلف ثمانية وثلاثين، وعلى هذا البابُ وقياسُه.
والغرض الإحاطة بوجوب جبر الكسر الواقع في أعداد الأيمان إذا قسمت.
ولو كان الورثة جدّاً، وأخاً لأبٍ وأمٍ، وأختا لأبٍ وأم، فالمال بينهم من خمسة للجد سهمان، وللأخ سهمان، وللأخت سهم 1 فيحلف الجد [خُمْسَي] 2 الأيمان، وكذلك الأخ، وتحلف الأخت خُمسَها.
ولو كان في المسألة جد، وأخت لأبٍ وأمٍّ، وأخ لأب، فهذا من صور المعاداة والأخ [يفوز] 4 فيه بالعشر، هكذا يقع تقدير القسمة بالمعاداة 5، وتكميل النصف3

للأخت بعد تقدير القسمة للذكر مثل حظ الأنثيين، فتقع القسمة من عشرة للجد خمسان: أربعة، وللأخت النصف: خمسة، وللأخ سهم، فيحلف الجد خُمْسي الأيمان، والأخ نصفَها والأخ عشرها؛ فإن الأيمان توزع على نسبة القسمة التي تستقر بها الحصص، ولا تقع الأيمان على تقدير القسمة أولاً.
10936 - فلو كان في الورثة خنثى فيحلف كل واحد من الورثة على أكثر ما يتوهّم [أنه يستحقة] (1) من الدية، ويعطى أقل ما يتوهم أنه يستحق منها؛ أخذاً بالاحتياط في [البابين] (1). وبيان هذا بالأمثلة أنه لو خلّف القتيل ولداً خنثى، وأخاً من أب، فيحلف الخنثى خمسين يميناً، لاحتمال أن يبين ذكراً، ويعطى نصف الدية؛ لاحتمال أن يكون أنثى، والأخ لا توجه عليه اليمين، ولكن الخيار إليه، فإن حلف خمسة وعشرين يميناً في الحال، وقفنا نصف الدية، فإن [بان] (4) الخنثى ذكراً أخذه بالأيمان السابقة، والأخ ساقط، وإن [بان] (3) الخنثى أنثى، أخذ الأخ النصف [الموقوف بالأيمان التي23 =جد وأخ شقيق، وأخت لأب، فالأحظ للجد المقاسمة، فيكون للجد سهمان، وللأخ الشقيق سهمان، وللأخت للأب سهم، هذا بالمعادة، ثم يعود الأخ الشقيق فينزع من الأخت للأب سهماً (لأنه يحجبها) فتصبح الأسهم: اثنان للجد، وثلاثة للأخ الشقيق.
(ر.
فريضة الله في الميراث والوصية - للمحقق: ص 97 - 120) وفي المسألة التي معنا يكون للأب سهمان، وللأخت الشقيقة سهم، وللأخ لأب سهمان، فتصح المسألة من خمسة، ثم تعود الأخت الشفيقة لتأخذ من الأخ لأب ما يكمل نصيبها إلى النصف، لأنها لا تحجب الأخ لأب، ولذا تستكمل نصيبها نصف المال، فنصحّح المسألة، فتصير الأسهم عشرة للجد خمساها -كما كان لا يتغير- 4 أسهم، وللأخت نصف المال: 5، فيبقى للأخ لأب سهم.
وصورتها بالحساب هكذا: جد أخت شقيقة أخ لأب

سبقت، ولا يحتاج إلى إعادة يمين.
هذا إن أراد الأخ أن يحلف، فإن لم يرد أن يحلف، لم ينزع نصف الدية من مال المدعى عليه؟ فإذاً الوقف ثابت في نصف الدية، ولكن إن حلف الأخ خمسة وعشرين يميناً أخذ ذلك النصف] 1، ووُقف، وإن لم يحلف، لم يؤخذ ذلك النصف.
فإن قيل: [هلا] 2 قلتم: يؤخذ النصف بأيمان الولد الخنثى، فإنه حلف خمسين يميناً، قلنا: يجوز أن يكون أنثى وإنما حلف خمسة وعشرين يميناً بحق، والباقي فضلةٌ منه غير معتد بها، وانتزاع المال من يده لا يثبت إلا بحجة، وإنما يعلم قيام الخمسين يميناً حجة في الواقعة إذا حلف الأخ خمسة وعشرين.
فإن قيل: فلو حلف الخنثى خمسة وعشرين، وحلف الأخ خمسة وعشرين، فاكتفوا بهذا؟ قلنا: قد يكون الخنثى ذكراً، فتقع أيمان الأخ لاغية، ووضوح ذلك يغني عن بسطه.
ولو كان الوارث ابناً، وولداً خنثى، حلف الابن ثلثي الأيمان لاحتمال كون الخنثى أنثى، وأخذ نصف الدية لاحتمال أن يكون الخنثى ذكراً، وحلف الخنثى نصف الأيمان لاحتمال كونه ذكراً، وأخذ ثلث الدية ويوقف السدس الباقي.
وإذا حلف الابن الثلثين والخنثى النصف، فينتزع السدس في هذه الصورة من يد المدعى عليه، ونقفه، لأن الأيمان تمت على المدّعَى 3، وهذا السدس موقوف بين [لابن] 4 وبين الخنثى.
فإن كان في المسألة خنثيان، وأخ من أب، حلف كل واحد منهما ثلثي الأيمان لاحتمال أن يكون ذكراً وصاحبه أنثى، ويعطيان ثلثي الدية لاحتمال أن يكونا أنثيين، والعصبة 5 بالخيار بين أن يحلف ثلث الأيمان في الحال وبين أن يؤخر إلى أن يبين

[أمرهما] 1، فإن حلف في الحال، انتزعنا الثلث الباقي من يد المدعى عليه، ووقفناه بين الخنثيين والعصبة، فإن بانا أنثيين دُفع إلى الأخ، وإن بانا ذكرين، دفع إليهما، وإن بان أحدهما ذكراً والآخر أنثى، دفع إلى الذكر منهما.
وإن لم يحلف الأخ في الحال [وأخر] 2، لم يؤخذ الثلث من المدعى عليه، لاحتمال أن يكون المستحق هو الأخ، ولم يحلف، فلا نزيل يدَ المدعى عليه عن طائفة من ماله من غير يمين مستحقة.
10937 - ولو كان في المسألة ولد خنثى، وبنت، حلف الخنثى ثلثي الأيمان وأخذ ثلث الدية، وحلفت البنت نصف الأيمان وأخذت ثلث الدية، ووقف الثلث الباقي، وإنما يحلف الخنثى الثلثين أخذاً بتقدير الذكورة، وتحلف البنت النصف لجواز أن يكون الخنثى أنثى، ولو كان كذلك، فالثلثان لهما والباقي لبيت المال 3، ثم إذا أرادتا أن تقسما، حلفتا خمسين يميناً، فإن القسامة في حصة بيت المال محال - فلو قتل رجل قَتْلَ لوث وليس له وارث خاص، فلا وجه إلا تحليف المدعى عليه، وإقامة الخصومة على ترتيب سائر الخصومات- وإذا كان كذلك، فنقدّر الخنثى أنثى، وتحلف البنت على هذا التقدير نصفَ الأيمان، ثم تستحق الثلث.
فإن قيل: كيف تحلف النصف وتستحق الثلث؟ قلنا: لو نكل الخنثى، لحلّفنا البنت خمسين يميناً، ولا تستحق من حصتها شيئاً -والحالة هكذا- ما لم تحلف خمسين يميناً، فكذلك تحلف خمسة وعشرين تكميلاً للأيمان المعتبرة، ويحلف الخنثى ثلثي الأيمان، وأما الثلث الباقي، فلا ينتزع من يد المدعى عليه، فإن ذلك

الثلث لم يتحقق استحقاقه من الولدين، وبيت المال لا يتصور أن ينوب عنه حالف.
10938 - ولو قُتل رجل، وله ثلاثة من البنين: بالغ حاضر، وصغير حاضر، وبالغ غائب، فالبالغ الحاضر إن أراد حلف في الحال خمسين يميناً، ويعطى ثلث الدية، ولا يُنتظر في إثبات حقه بلوغُ الصغير، ورجوعُ الغائب؛ فإن تأخير اليمين منهما ينزل منزلةَ نكول بعض الورثة، ولو نكل بعض الورثة، فللبعض أن يثبت حصة نفسه، وسبيل إثباته حصة نفسه أن يحلف خمسين يميناً، كذلك إذا كان التأخّر بالصغر في أخ وبالغيبة في أخٍ.
ثم إذا رجع الغائب، فإذا كان يحلف، حلف نصف الأيمان واستحق ثلث الدية، وجعل كما لو كان حاضراً مع أخيه، ولو كان كذلك، لحلف كل واحد منهما خمسة وعشرين يميناً، والأيمان في الأخ الأول اشترطنا فيها كمالاً [لتكمل] 1 حالة الحلف، ولما حضر الثاني وأيمانه مسبوقة بأيمان أخيه، فيبتني الأمرُ على رغبتهما في اليمين ونكول الصغير.
فإذا بلغ الصبي، حلف ثلث الأيمان، واستحق ثلث الدية.
ولو صبر الأول حتى يرجع الغائب ويبلغ الصبي، فيحلفون خمسين يميناً أثلاثاً مع جبر الكسر والجبر يقتضي مزيداً على العدد، ولهذا نظير في [الشفعة] 2، فإذا ثبت في الشقص المشفوع حق الشفعة لثلاثة، فحضر واحدٌ منهم أخذ الجميع باليمين، ثم لا يخفى تفصيل المذهب لو حضر الباقيان.
وإنما غرضنا أبداً [التناظر] 3. 10939 - ولو كان في المسألة: جد، وأخت لأبٍ وأم، وخنثى هو أخ من أب، أو أخت من أب، فنقول: لو كانت الخنثى أنثى لم يخلص إليها من التركة شيء، ولو كان ذكراً، لاستحق عُشر المال، والأخت من الأب والأم في التقديرات كلها تستحق

نصف المال؛ لمكان المعادة، والجد استحق النصف لو كان الخنثى أنثى، ويستحق أربعة من عشرة لو كان ذكراً، فإذا أثبتت هذه التقديرات، [فالتحليف] 1 يجرى على الأخذ بالأكثر، ثم لا يسلّم من المال إلا الأقلُّ المستيقن.
ثم الخنثى في هذه المسألة 2 لا يخلو إما أن يحلف، أو لا يختار الحلف، فإن اختار الحلف، حلف عُشرَ الأيمان، وحلفت الأخت نصفَ الأيمان، وحلف الجد نصف الأيمان، وهذا خارج على الأصول التي مهدناها؛ فإن أقصى ما نفرض على الجد خمسة وعشرين يميناً، ولا مزيد في حق الخنثى على العُشر بتقدير الذكورة، والأخت لا يتصور في حقها تقدير يقتضي أكثر من نصف الأيمان، مع حلف هذا الخنثى.
وفي هذا احتياج إلى فضل بيان وسنذكره الآن، فإن لم يحلف الخنثى، فنقول الجد يحلف خمسة وعشرين يميناً، كما ذكرناه، ويأخذ أربعة أعشار الدية، وإنما حلفناه أكثر مما يأخذ لجواز أن يكون هو مستحق النصف، والأيمان تبنى على الأكثر، وأما الأخت، فينبغي أن تحلف عند نكول الخنثى خمسة أتساع الأيمان؛ فإنا لو قدرنا3456

أخاً من أب على التحقيق، وجدّاً، وأختاً من أب وأم، ثم فرضنا نكول الأخ عن اليمين، لكان الجد في هذه الحالة مع البيان يحلف أربعة أتساع الأيمان؛ فإن الأمر بيّن، وكانت الأخت تحلف خمسة أتساع الأيمان، وإن زادت أيمانها على ما تأخذ، فلا مبالاة بذلك، مع ما قدرناه من الأخذ بالأكثر في باب الأيمان.
فإذا كان هذا التصوير يقتضي أن تحلف الأخت خمسة أتساع اليمين، فإذا نكل [الخنثى] 1 فنأخذ بالأكثر في الأيمان، وذلك بأن نقدره وأخاً ناكلاً، ولو كان كذلك، لكان الحساب يقتضي أن يكون حَِلْف الأخت والجد على نسبة ما يأخذان والنسبة بالأتساع، والأخذ بالأكثر في الأيمان [يوجب] 2 أن نحلفها خمسة أتساع الأيمان، ثم لا تأخذ إلا نصف المال.
فانتظم من هذا أن الخنثى إذا لم يحلف، حلفت الأخت خمسة أتساع خمسين يميناً مع جبر الكسر، ويحلف الجد نصف الأيمان.
فإن قيل: لم اكتفيتم إذا حلف الخنثى بنصف الأيمان من الأخت؟ قلنا: لأن الخنثى إذا حلف لم يخل إما أن يكون أنثى أو ذكراً، وعلى التقديرين لا يخص الأخت من قسمة الأيمان أكثر من النصف، [وكذا] 3 ينشأ حساب الأتساع عند تقدير نكول الأخ عن الأيمان.
هذا بيان هذه المسألة.
ورأيت في الطرق خبطاً هو محمول على الزلل الذي يأتي [من] 4 قلة الفكر، [ومثل] 5 ذلك لا يعتد به غلطاً أيضاً مع الاتفاق على أصلين: أحدهما - رعاية الأكثر في الأيمان، والآخر رعاية الأقل في الأنصباء.
10940 - وذكر الشيخ أبو علي في المسألة الأخيرة المشتملة على ذكرِ الخنثى أن الخنثى لا يحلف في هذه المسألة، ولو حلف لم يقع الاعتداد بأيمانه، واعتلّ

[بأنّا] 1 نجوّز أن يكون محروماً 2 غير مستحق، والأيمان الصادرة منه على هذا التقدير مردودة.
وهذا الوجه متجه، ولكنه [يكرّ] 3 على معظم ما ذكرناه بالهدم، وبيان وجهه أن الأيمان من غير دعوى مردودة، والدعوى مع الإشكال محال.
فهذا وجهٌ ظاهر، [وكان] 4 يجب على موجبه أن نقول: لو كان في المسألة ولد خنثى وعصبة، فالعصبة لا تحلف؛ لأنا لم نعلم له استحقاقاً، فلا تصح دعواه، ولا بد من تخريج هذا الوجه في العصبة وهو إذاً وجهٌ منقاس مطرد في كل من لا نعلم له استحقاقاً.
ويرد سؤال آخر وفي الجواب عنه تمام الغرض، وهو أن قائلاً لو قال: حلّفتم الجد في هذه المسألة خمسةً وعشرين يميناً، ثم لم تسلموا إليه إلا أربعة أعشار المال، فدعواه إلى تمام النصف مردودة، ثم لو بان الخنثى أخاً، أخذ الباقي، واحتسب بتلك الأيمانِ التي تقابل تكميلَ النصف، فهذه الأيمان إلى تتمة النصف غيرُ مرتبة على دعوى؟ قلنا: نعم هذا مقام يجب الاعتناء بدركه وفهمه [وقد تقرّر] 5 أنا نزيد الأيمان لإثبات المستحق في بعض الصور، وقد يحلف الإنسان خمسين [يميناً] 6 ويستحق عُشراً، فهذه الأيمان صحت لإثبات القدر المستيقن، فإذا [بان مزيد] 7 في الاستحقاق، كفت تلك الأيمان الصحيحة.

ومن لطيف القول في هذا أن تلك الأيمان الزائدة لا تفتقر إلى دعوى على قدرها من المال الذي [ثبت في المآل] 1. 10941 - ونحن نبيّن صورة أخرى لبيان هذا الذي انتهينا إليه، فنقول: خلف القتيل ولداً [خنثى] 2، فالجواب أنه يحلف خمسين يميناً، ويستحق نصف المال، فلو [بان] 3 ذكراً، أخذ النصف الباقي، [بلا] 4 مزيد.
ولو قيل هذه المسألة [عديمة] 5 [النظير] 6 في الدعاوى، لم يكن هذا القولُ مجازفةً؛ فإن الأيمان صحت لغرضٍ آخر، ثم تبين الاستحقاق، فيكفي ما تقدم، والسبب فيه أن القتل ثبت بالخمسين، وأتبعنا بعض الأيمان البعضَ، ولهذا لا يتصور ثبوت القتل إلا بالخمسين، [فهذا نهاية البيان] 7 في هذه الأصول.
وعندي أن بعض هذا الاضطراب إنما أتى [من] 8 التفريع على قولٍ لا أصل له في القياس، والتفاريع إنما تنتظم في سلك المقاييس، فإذا لم يستقم الأصل على القياس، اختبط التفريع.
10942 - ثم قال: "ومن مات من الورثة قبل أن يُقسم قام ورثته مقامه ... إلى آخره" 9. إذا قتل رجل وله ابنان -والتفريع على قول التوزيع- فيحلف كل واحد منهما خمساً وعشرين يميناً، فلو مات أحد الابنين عن ابنين قبل جريان الإقسام، قام ابناه مقامه، ووزعنا عليهما خمسة وعشرين من العدد، فيحلف كل واخد منهما مع جبر الكسر ثلاثةَ

عشرَ يميناً، ولو مات أحد [الحافدين] 1 قبل الحلف [عن ابنين] 2 قاما مقامه في ثلاثة عشر مع جبر الكسر، فيحلف كل واحد منهما سبعة، وهذا قياسٌ واضح، لا غموض فيه.
10943 - ومما يليق بتمام البيان أن القتيل إذا خلف وارثاً واحداً مستغرقاً، فأقسم خمسين [يميناً] 3، ثم مات، فالدية لورثته، ولو نكل هو عن أيمان القسامة بعد التعرض لها، ثم مات، لم يكن لورثته أن يقسموا؛ فإن حق القسامة بطل بنكوله، وورثتُه ليسوا أصلاء، وإنما لهم الخلافة، فإذا بطل الأصل، فقد انقطعت الخلافة وتقديرها.
10944 - ولو حلف وارث القتيل بعضَ الأيمان، ومات في خلالها قبل أن يستكملها، فالذي قطع به أئمة المذهب أنه ليس للورثة أن يبنوا [على أيمانه، بل يستأنفون] 4 خمسين يميناً، لأن الأيمان الخمسين في حكم اليمين الواحدة، فإذا انقطعت بموت الأول، بطل حكمها.
وذكر الشيخ أبو علي أنه رأى في مكتوب عن الشيخ الخِضْري أن الورثة يبنون على تلك الأيمان، وهذا وإن كان بعيداً في الحكاية، فله وجهٌ مأخوذ من الخلافة، وهو منطبق على التوزيع، ويمكن تخريجه على بناء حَوْل الوارث على حَوْل الموروث، وفيه قولٌ [بعيد.
10945 - ولو حلف] 5 المقسِم بعضَ الأيمان وغُلب على عقله وجُنّ في خلال الأيمان، ثم أفاق، فقد قال الأصحاب: له البناء؛ لأنه إنما يبني على أيمان نفسه.
وفي هذا تدبر ينبني على تمهيد أصلٍ، وهو أن المقسم لو أتى بالأيمان في مجالس

أو مجلسين، فقد ذكر القاضي في ذلك وجهين، وأجرى مثلهما في [تفريق] 1 كَلِم اللعان، ووجْهُ التجويز بيّن، ووجه المنع [أن الغرض] 2 من تعديد الأيمان التشديدُ والتغليظُ [والزجرُ] 3 عن الإقدام عليها لا على وجه الصدق، ويعظم وقعها إذا توالت.
وإذا تفرقت في المجالس، لم تكن على حدّها في إفادة الرجوع والزجر، وكذلك القول في اللعان، ولعل تواصل الزمان مع اتّحاد المجلس يدخل في هذا التردد، بل هو أولى بالاعتبار، فإنه لو كان يحلف أيماناً ويخرج ويعود على الفور وقُرْب العهد، فأثر الردع لا يسقط، ولو تطاول الزمن وتخللت الفصول، ظهر سقوط الأثر.
وإذا فهم الناظر المقصود، لم يخف عليه التفريع.
ونعود إلى طريان الجنون، فنقول: إذا طرى الجنون، وزال، خرج هذا على التفرق الذي ذكرناه من التردد.
10946 - ولو حلف المقسم بعض الأيمان، فعُزل ذلك القاضي الذي ارتفعت الخصومة إلى مجلسه، وولي آخر، فعليه أن يستأنف الخمسين في مجلس هذا الصارف، [ولا يبني على الأيمان التي جرت في مجلس المصروف] 4؛ فإن هذا المولّى لا يحكم إلا بما جرى في زمن ولايته، ورأيت الأصحاب متفقين على هذا، ووجهه بيّن.
...

باب ما يسقط القسامة

قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو ادعى أحد الابنين على رجل من أهل هذه المَحِلة ... إلى آخره " 1. 10947 - مضمون الباب ليس يفي بترجمته؛ فإن ما يُسقط القسامةَ كثير، وقد تقدم فيما نفينا وأثبتنا معظمُ ما يؤثر في القسامة، ومقصود الباب أصل واحد، وهو بيان الحكم في تكاذب الوليين أو الأولياء في ظهور اللوث بالجهات التي ذكرناها، وأنه هل يؤثر في إبطال القسامة.
عذا غرض الباب.
ثم تمام بيانه يقتضي تفريعَ مسائل الصورة الأولى التي ذكرناها: إن القتيل إذا خلّف ابنين، أو أخوين، فقال أحدهما: إن فلاناً قتل موروثي وحده، وقال الآخر: ما قتله فلانٌ [هذا] 2، هذا تكاذبهما، وقد قيد الشافعي كلامه بلفظٍ، فقال: " وقال الآخر -[وهو عدل] 3 - ما قتله ". وما يناط بالتكاذب لا يختلف بكون المكذب عدلاً أو خارجاً عن العدالة، ولكن قال الأصحاب: أراد بالعدل أن يكون المكذِّب من أهل القول، فلا يكون صغيراً ولا مجنوناً.
وهذا التأويل سخيف عندي، ولكن غالب الظن أنه لم يجر شرطاً، وإنما ذكره فرضاً للكلام في أظهر الصور؛ فإن غرضه أن يبيّن أن التكذيب يوهي أثر اللوث ويثير خلافَ المظنون المتلقَّى من اللوث المطلق.
ومن أراد تقرير مذهبٍ قد [يفرض] 4

الكلام في أظهر الصور، فالصورة إذاً كما ذكرنا: رجل قُتل وله ابنان ادعى أحدهما على واحد أنه قتله، وكذبه أخوه، وقال: ما قتله أو [كان] 1 هو غائباً عن المَحِلّة يوم قُتل [أبونا] 2، أو قال: بل قتله فلان وحده، وذكر رجلاً آخر، فهذا هو التكاذب والتجاحد.
10948 - وقد اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في ذلك، فقال في أحد القولين: تبطل القسامة بالتكاذب؛ لأن مستندها الغلبة على الظن عند وجود اللوث، وقد وَهَى الظن بتكاذب الوليين؛ إذ لو كان من يدعي أن فلاناً قتَل صادقاً، لأوشك ألا يكذبه أخوه.
وقال في القول الثاني: لا تبطل القسامة بهذا، فإن اللوث قائم، وللأولياء في التكاذب أغراض، واليمين مع الشاهد إنما تسمع [للتقوِّي] 3 بالشاهد، ثم لو ادعى أحد الابنين دَيْناً للموروث، وأقام عليه شاهداً، فكذبه أخوه، فللمدعي أن يحلف مع الشاهد، واللوث في اقتضاء البداية بيمين المدعي كالشاهد الواحد فيما يثبت بالشاهد واليمين، وهذا [اختيار المزني.
فإن قلنا: تبطل القسامة، فلا يُقسم المدعي، كما لا يقسم المكذب، وإن قلنا:] 4 التكاذب لا يمنع القسامة، فإذا ادعى أحدهما أن فلاناً قتل أباه، وقال الثاني: ما قتله، فللمدعي أن يقسم خمسين يميناً، ويستحق على المدعى عليه نصفَ الدية إذا آل الأمر إلى المال، ولو كان القتل المدّعى قتلَ قودٍ، فليس للمدعي طلبُ القصاص؛ فإن القصاص إذا ثبت مشتركاً، لم يكن لبعض الشركاء الانفرادُ بطلبه واستيفائه، بل إذا عفا بعضهم، سقط حقُّ الباقين، وكذلك إذا أنكر وجوبَ القصاص.
10949 - ولو ادعى أحدهما على رجل اسمه زيد، وقال: قتل هذا أبانا، ورجل آخر معه لا أعرفه، فقال الآخر: قتل أبانا عمرو، ورجل آخر لا أعرفه، فلا تكاذب

في هذه الصورة بينهما لجواز أن يكون ما جهله كل واحد منهما هو الذي [عرفه] 1 صاحبه، ونحن لا نشترط على هذا القول -وهو بطلان القسامة بالتكاذب-[التوافق] 2 بينهما على التحقيق، بل نكتفي بأن لا يتجاحدا.
والسبب فيه أن التصريح بالتكاذب يوهي اللوث، فأما الجهل بمن يشارك في القتل لا 3 يضعف اللوث، فإذا ثبت أن القسامة تجري في الصورة التي ذكرناها، فيحلف كل واحد منهما على من عيّنه خمسين يميناً ويستحق عليه ربعَ الدية؛ لأنه مقرٌّ بأن صاحبه شريك في المستحَق على هذا [المعين] 4، وقد ذكر أنه لم يكن منفرداً بالقتل، فعلى المعيَّن بزعمه نصف الدية، وحصته من النصف الربعُ.
ولو قال أحدهما: قتل أبانا زيدٌ هذا، ورجل آخر معه، لا أعرفه، ولكني أعرف أنه ليس عمراً، وقال [الآخر: قتل] 5 أبانا عمرو، ورجل آخر لا أعرفه، وأعلم أنه ليس زيداً، فهذا تكاذب في الحقيقة، ولا يخفى التفريع.
ولو كانت المسألة بحالها، فقال أحدهما: زيد هذا قتل أبي ورجل آخر لا أعرفه، [وأعلم] 6 أنه ليس عمراً، وقال الآخر: قتل أبانا عمرو ورجل آخر لا أعرفه، ولا أُبعد أن يكون زيداً، فالذي عين زيداً مكذبٌ للذي عيّن عمراً؛ فإنه قال: أعلم أن شريك زيد لم يكن عمراً [والذي عيّن عمراً] 7 لم يكذب أخاه في زيد، فقد اشتمل قولاهما على التكاذب في عمرو، وليس في أقوالهم ما يوجب تكاذباً في زيد، فنقول: أما زيد فلا تكاذب [فيه] 8، فيحلف المدَّعي عليه خمسين يميناً، ويستحق ربع الدية، وأما عمرو، فقد حصل التكاذب [فيه] 9.

فإن قلنا: القسامةُ تبطل بالتكاذب، فللّذي ادّعى على عمرو أن يحلِّف عمراً، وقد بطلت البداية بالمدعي، فإن حلف المدعى عليه، برىء [من الخصومة] 1 وإن نكل عن اليمين، ردت اليمين على المدَّعي، فإذا حلف يمين الرد، استحق عليه ربعَ الدية أيضاً، والتكاذب لا يسد باب التحليف والرد، وإنما يؤثر في إبطال القسامة [فحسب] 2. 10950 - ولو ادعى أحدهما على زيد وعمرو، وقال: هما قتلا أبانا لم يشاركهما غيرهما [وقال الآخر: بل قتل أبانا بكر وخالد] 3، فهما متكاذبان [والمسألة] 4 مفرعة على القولين: إن قلنا: تبطل القسامة بالتكاذب، ارتدت الأيمان إلى المدعى عليهم، وحَلَّف كلُّ واحد من الابنين اللذَيْن ادعى عليهما، ولم يخف الحكم.
وإن قلنا: لا تبطل القسامة بالتكاذب، حلف كل واحد من الابنين على اللذين عينهما خمسين يميناً، واستحق عليهما نصفَ الدية.
ولو قال أحدهما: قتل أبي زيد، وانفرد بقتله، لم يشاركه غيره، وقال الآخر: شارك زيداً في قتل أبينا عبدُ الله، فقد اتفقا على توجيه الدعوى بنصف الدية على زيد، واختلفا في النصف الآخر، فإن حكمنا ببطلان القسامة بالتكاذب، حلفا على زيد خمسين يميناً، واستحقا عليه نصف الدية، ثم القول قول زيد مع من ادعى انفراده بالقتل أنه لا يلزمه النصف الآخر من الدية، فيحلف، ولا يخفى جريان الخصومة على نظمهما.
فأما عبد الله، فلا يقسم عليه من ادعى مشاركته تفريعاً على أن التكاذب يُبطل القسامة، ولكن القول قول عبد الله مع يمينه، ولا يخفى سوْقُ الخصومة.
وإن قلنا: لا تبطل القسامة بالتكاذب، حلف الذي ادعى انفراد زيد خمسين يميناً، واستَحق عليه نصفُ الدية، وحلف أخوه على زيد خمسة وعشرين، واستحق ربع الدية، ويحلف على عبد الله إن أراد خمسين يميناً، ويستحق عليه ربع الدية،

فيحصل لكل واحد منهما نصف الدية: ثلاثة أرباع الدية مأخوذة من زيد، وربعها مأخوذ من عبد الله.
وإن أراد الذي ادعى المشاركة [التقليل] 1 في الأيمان، أمكنه أن يقتصر على خمسين يميناً، وذلك بأن يجمع بين زيد وعبد الله في خمسة وعشرين يميناً، ويفرد عبد الله في خمس وعشرين يميناً.
10951 - ولو كانت المسألة بحالها، وكان عبد الله غائباً، فمن ادعى الاشتراك يحلف على زيد، [ولا بدّ أن يكون] 2 في يمينه [قَتَله] 3 مع آخر، هذا لا بد منه؛ لأن اليمين على حسب الدعوى، وهو لم يدّع انفراد زيد بالقتل، وإنما يدّعي عليه نصف الدم، فليحلف على القدر الذي يدعيه.
ثم إذا حلف كما ذكرناه، وحضر عبد الله، فيحتاج إلى [أن يحلف] 4 عليه خمسين يميناً، ولا يقع الاعتداد بما قدمه من الأيمان.
هكذا حكى من يوثق به عن القاضي، وجرى في كلامه ما يدل على أن المدعي لا يقسم على الغائب، حتى لو اتحد المدعي والمدعى عليه 5، وكان المدعى عليه غائباً، ولا بينة للمدعي، فلا تسمع دعواه إذا قال: لا بينة لي؛ فإنه لا يحلف.
وهذا فيه نظر، ومن مسالك الأقيسة الجلية، الحكمُ بأن أيمان المدعي 6 مسموعة على الغائب إذا ثبت حضوره وقت القتل؛ فإن الأيمان من المدعي بمثابة البينة في سائر الخصومات، والبينة مسموعة على الغائب، والقضاء مرتبط به إن استدعاه المدعي.
وما حُكي عن القاضي فليس ينقدح فيه وجه جلي، ولكن الممكن [فيه] 7 أن

اليمين إذا تجردت ينبغي أن تكون موقوفة على مستحلِفٍ قياساً على اليمين في جانب المدعى عليه، فإذا لم يحضر من يستحلِف، والمعتمد اللوث المجرد، فتقيُّدُ القضاء على الغائب باعتماد لوث مجرد وأيمان لا مستحلِف فيها بعيد، والتعويل على ضعف الحجة وضعف مستندها.
هذا هو الممكن، وكأن اللوث إنما يستقر إذا سلم عن القدح فيه.
ومن يجوّز الإقسام على الغائب يقول في الجواب عن الاستحلاف: لا حاجة إلى الاستحلاف في أيمان القسامة، فإنها تجري والمدعى عليه يأباها بخلاف يمين المدعي.
ولا ينبغي أن يكون في جواز القضاء بالشاهد واليمين على الغائب خلاف بين الأصحاب؛ فإن مستند اليمين شهادة عدل، والقاضي يستفرغ الوسع في البحث عن الشاهد، واللوثُ أمر منتشر.
والوجه مع ذلك كلِّه القضاءُ على الغائب بأيمان القسامة، ثم إن [أبدى مطعناً] 1 في حضوره، فليس القضاء أمراً لا يتبع، وكل ذي حجة على حجته، وقد قال الشافعي على الاتصال بهذا: " لو أقسم المدعي على الخصم الحاضر، فقامت بينة أن المدعى عليه كان غائباً، فالدية مستودة والقضاء منقوض " 2. فصل قال: " ولو قال المدعي ظلمتُه في هذه الخصومة ... إلى آخره " 3. 10952 - إذا أقسم المدعي على الشرط المعلوم، وجرى القضاء له بالدية، ثم قال المدعي: ظلمتُه، فإن سئل عن معنى قوله، فإن قال: كذبت عليه، وكان القاتلُ غيرَه، استرددت الدية منه، فإن فسر قوله بأن قال: صدقت في دعواي،

[ولكن] 1 لست أعتقد البداية بالمدعي؟ قلنا له: لا تعويل على عقدك، وقد جرى الحكم لك واستحقاقُك الديةَ باطناً لا يتوقف على قيام حجة، ولو قضى قاضٍ حنفي لشافعي بشفعة الجوار، وكان المقضي له مصرّاً على عقده، ففي ثبوت الشفعة له ظاهراً وباطناً أو ظاهراً خلاف بين الأصحاب.
ونستجمع في هذه الأصناف ونستاقها في نظام من التقسيم يحوي أطراف الكلام في كتاب الدعاوى، إن شاء الله عز وجل.
...

باب كيف يمين مدعي الدم

قال الشافعي رضي الله عنه: " فإذا وجبت لرجل قسامة ... إلى آخره " 1. 10953 - غرض الباب مقصور على كيفية اليمين وعلى ذكر احتياط في ذكر المحلوف به وعليه.
فأما القول في أعداد الأيمان، فقد سبق.
وأما لفظ كل يمين، فإن غلّظ القاضي، قال: قل: " بالله الذي لا إله إلا هو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور " أو ما يراه من الصيغ المعظِّمة، وهذا لا اختصاص له بأيمان القسامة، بل كل يمين في أمر مخطرٍ يغلّظ بالمكان، والزمان، والألفاظ، على ما يراه القاضي، ثم إن الكلام في أن هذه التغليظات مستحقة أو مستحبّة يأتي في باب مفرد في كتاب الدعاوى، وقد قدمنا صدراً منها في كتاب اللعان.
والغرض من ذلك هاهنا أن تعدد الأيمان لا يُسقط التغليظَ في ألفاظ كل يمين، ثم القول في تغليظ كل يمين كالقول في تغليظ سائر الأيمان، فلو قال له القاضي: قل: والله، فقال: والرحمن، لم يكن حالفاً، ولو قال القاضي: قل: بالله العظيم الطالب، فقال: بالله، واقتصر عليه، ففي الاعتداد باليمين خلاف مبني على أن التغليظ مستحق أم لا؟ وهذه الأحكام على ظهورها فيها أسرار وغوامض، ستأتي في موضعها، إن شاء الله.
وإذا لم يكن هذا مختصاً بالباب، فلا معنى للإطناب فيه.
ثم يحلفه القاضي ويحتاط في التصريح بالمدَّعى، وقد وصفنا الدعوى، فليقع اليمين بحسبها.

ومما أجراه الشافعي أنه إذا حلف أن فلاناً انفرد بقتل [أبي وأتى بالدعوى] 1 على شرطها، فيقول: " ما شركه في القتل غيره " 2. وهذا بالاتفاق احتياط غير مستحَق؛ فإنه إذا حلّفه على انفراده بالقتل، [فقد] 3 نفى الاشتراكَ، وإذا كانت اليمين معروضة على المدَّعى عليه، فيحلف بالله ما قتله ولا تسبب إلى قتله، ويصرح بما ينفي عنه جهات الضمان؛ [لأن] 4 معظم الناس لا يرون المتسبب في حكم القاتل، ولو فرض الاقتصار على نفي القتل، ففي هذا فضل نظر، فإن ادعى [على] 5 المدعى عليه القتل، فَنَفَى القتلَ، جاز الاكتفاء بهذا، وإن ادعى عليه سبباً مضمّناً كحفر بئر، فلا يكفيه نفي القتل؛ فإن نَفْي القتل صريح في نفي المباشرة.
ومعظم هذه الأصناف تأتي في كتاب الدعاوى، إن شاء الله عز وجل.
...

باب دعوى الدم [في الموضع الذي ليس فيه قسامة]

1 10954 - مقصود الباب أن القتل إذا لم يكن قتلَ لوث، فالبداية بالمدعى عليه، وهو المحلَّف، وفي تعدد اليمين القولان المشهوران، والغرض الآن أنا إذا رأينا تعدد اليمين على المدعى عليه، فإن كان واحداً، حلفناه الخمسين، وإن ادعى على اثنين الاشتراك في القتل، فهل توزّع الأيمان عليهما أم يحلف كل واحد منهما خمسين يميناً؟ فعلى القولين المذكورين في جانب المدعي؛ فإنه إذا تعدد المدعي فكل واحد يدعي مقداراً من الدم لنفسه، ثم في توزيع الأيمان الخلافُ المقدم.
فإذا تعدد المدعى عليهم، فكل واحد منهم يُدّعى عليه مقدارٌ من الدم فتبعُّض الدم في حق المدعي كتبعّضه في حق المدعى عليه، غير أن المدعين قد تتفاوت حصصهم، فتتفرع المسائل في تقسيط الأيمان عليهم، والمشتركون في القتل لا يتفاوتون في الالتزام؛ فيجري التفريع على قول القسمة [والفضِّ] 2 على حكم التسوية.
10955 - ثم ذكر الشافعي رضي الله عنه طرفاً من إقرار العبد بالجناية الموجبة للقصاص، والموجبة للمال، وقد مضى جميع ذلك مستقصىً مفرّعاً على أن موجب العمد ماذا؟ وذكر إقرار العبد، وهذا سيأتي في كتاب السرقة، إن شاء الله، وشرْطُنا في هذا المجموع أن نجتنب الإعادات، إذا لم تمس إليها حاجة.
10955/م- وذكر الشافعي السكران وأنه لا يحلف حتى يفيق، وهذا يخرّج على أن السكران هل له قول؟ فإن لم نجعل له قولاً، لم يدّع ولم يحلف، وإن جعلناه كالصاحي في عقوده وحلوله، فقد قال الشافعي: لا يحلفه القاضي حتى يُفيق؛ فإن الغرض من الأيمان الزجر عن التمادي في الكذب، والأيمان لا تزجر السكران، وهذا

لا يختص بأيمان القسامة، بل يجري في كل يمين.
ثم اضطرب أئمتنا في أن القاضي لو حلفه هل يقع الاعتداد بحلفه؟ منهم من قال: يُعتد به، ولكن أساء القاضي، وحاد عن المسلك المرتضى، لأنه من [أهل] 1 الأقوال جُمَع، ْ ولذلك صحّحنا رجوعه عن الردّة في السكر، كما صححنا ردته.
ومن أئمتنا من قال: لا يعتد باليمين؛ فإنه ليس يحصل باستحلافه المقصودُ المنوطُ بالحلف، والقائل الأول يقول: الزنديق يحلف وإن كان يستهين باليمين، ويجوز أن يجاب عنه بأن السكر إلى انقضاء، وارتقابُ زواله ليس أمراً بعيداً، بخلاف الزندقة والعقود 2 الفاسدة.
فصل قال: " وهكذا الدعوى فيما دون النفس ... إلى آخره " 3. 10956 - قد أجمع الأصحاب على أن القسامة لا تجري في الأطراف، والمعنيّ بالقسامة في النفي والإثبات البداية بالمدعي، ولا فرق بين أن يفرض قطعها 4 مع اللوث، أو منْ غير لوث، وهذا مما يغمض فيه مُدرك التعليل؛ فإن الأطراف مصونة بالقصاص صَوْن النفوس، وكان لا يبعد من طريق المعنى أن تُتْبَعَ القسامةُ محالَّ القصاص، ثم كان لا يفرق بين ما يقع خطأ وبين ما يقع عمداً، ولكن الإجماع كما ذكرنا.
فإذا نفينا القسامة لم يبق [تحالف] 5، وأقصى ما ذكر في الفصل بين الأطراف والنفوس أن الكفارة لا تتعلق بالأطراف، وتتعلق بالنفوس، وهذا لا يقع الاكتفاء به مع الاستواء في القصاص، ومع الاتفاق على أن العاقلة تحمل أروش الأطراف.
هذا هو الذي عليه التعويل.

10957 - ثم إذا تبين أن البداية في الأطراف بالمدعى عليه، فقد اختلف القول في أن الأيمان هل تتعدد؟ ويمكن أن يُرتَّب الطرف على القتل الذي لا لوث فيه؛ فإن الطرف تقاعد عن النفس في وضع الباب في ثبوت القسامة وانتفائها، ثم إذا فرعنا على أن اليمين تتعدد في أرش الطرف، فإن كان الأرش كالدية، فقولان: أحدهما - الاكتفاء بيمين واحدة.
والثاني - أن المدعى عليه يحلف خمسين يميناً.
فإن كان الأرش أقلَّ من الدية وقلنا: يكفي يمينٌ في مقدار الدية، فلا كلام، وإن [قلنا] 1: خمسين يميناً، ففيما ينقص عن مقدار الدية قولان: أحدهما - أنا نوزع الخمسين على مقدار الدية، وفي نصف الدية خمس وعشرون، وفي ثلثها ثلث الخمسين، وهكذا إلى حيث تنتهي المقادير.
والقول الثاني - أنه لا بد من خمسين يميناً، وإن قل الأرش، وكذلك لو كان حكومة غير متقدرة.
ولو بلغت الأروش مقدار ديتين أو أكثر، فهل تزيد أقدار الأيمان بزيادة مقدار الأروش؟ فعلى قولين.
وهذا قريب المأخذ من الخلاف المذكور في أنا هل نزيد على ثلاث سنين في مدة الضرب على العاقلة إذا زادت الأروش.
10958 - ومما يجب رد النظر إليه أن الأئمة اختلفوا في أن دية المرأة تضرب في ثلاث سنين أو في سنتين، ثم تردد الأصحاب في أن الاعتبار بالنفس أو بالمقدار؟ فهل يجري هذا التردد [في النفوس] 2 الناقصة 3 إذا كان المستحلَف المدعى عليه؟ هذا فيه احتمال، والأشبه تعظيم النفوس في باب الأيمان والتسوية بين ما يكمل بدله وبين ما ينقص بدله، ولا يبعد إجراء الخلاف.
أما إذا فرضنا الإقسام على النفوس والبداية بالمدعي، فلا شك أنا لا نفرق بين نفس ونفس؛ فإن حجة المدعى خمسون يميناً، ولو كانت القسامة تجرى في الأطراف تقديراً، لما اختلفنا في تعدد الأيمان.
وإن قلّت الأروش.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل