كتاب الفرائض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1 6186 - الأصل في الفرائض الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعلم بها مما توافت الأخبار على الترغيب في طلبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم، وإنها نصف العلم، وإنها أول علم ينتزع من أمتي، وينسى " 2. وقال صلى الله عليه وسلم: " تعلموا الفرائض، وعلموها الناس، فإنّي امرؤٌ مقبوض، وإن العلم سينزع حتى إن الرجلين من أمتي يختلفان في فريضة لا يجدان من يخبرهما بها " 3. وقيل: سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم نصفَ العلم؛ لأن الخلق بين طوري الحياة والموت، والشرع ينقسم إلى أحكام الأحياء وأحكام الأموات.
وعن عمر بن الخطاب أنه قال: " إذا تحدثتم، فتحدثوا بالفرائض وإذا لهوتم، فالهوا بالرمي " 1.
وكان يجب على المحتضَر في ابتداء الإسلام الوصيةُ للوالدين والأقربين، كما أنبأ عنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 180] أيْ فرض عليكم إذا حضر أحدَكم علاماتُ الموت إن ترك مالاً، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8] معناه لحب المال لبخيل.
واختلفوا في المراد بالأقربين المذكورين مع الوالدين، فذهب بعضهم إلى أن الأولاد يندرجون تحت الأقربين.
وقال قائلون: كانت الوصية تجب للوالدين، ومن عدا الأولاد من الأقربين، وكان الأولاد يأخذون ما يفضل من الوصايا، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: 9] معناه ليخْش الذين يحضرون المحتضَر من الشهود، ولْينصحوه إذا قصد أن يستغرق المال، ولا يُبقي للأولاد شيئاً، وليتقوا الله في نصيحته، وليقولوا قولاً معروفاً.
ثم هدّد الأوصياء وتوعّدَهم على التبديل، فقال تعالى 2: ﴿فمن بدله﴾ من الأوصياء ﴿بعد ما سمعه﴾ من الموصي، ﴿فإنما إثمه﴾ ووباله على المبدّلين، فإن الله سميع بما قال الموصي، عليم بما يفعله.
ثم أطلق على الأوصياء التخويفَ إذا علموا من الموصين ميلاً في وصاياهم، فقال عزّ من قائل: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: 182]: أي علم منه ميلاً، والخوف يأتي بمعنى العلم، ﴿فلا إثم عليه﴾ هو، في أن يُبدّله، وذلك مثل ألا يُبقي للأولاد شيئاً.
ثم استقرت الشريعةُ على الفرائض.
6187 - وقال أبو العبّاس بنُ سُريج: كان يجب في ابتداء الإسلام على المحتضَر أن يوصي لكل أحد بما في علم الله من الفرائض، فكان من يوفَّق له مصيباً ومن يتعداه مخطئاً.
وهذا زلل من أبي العباس ولا يجوز أن يعتقَد ثبوتُ مثل ذلك في الشرائع؛ فإنه تكليفٌ على عماية، وكان ابن سُريج يقول: كُلّفوا ذلك حسبما كلفوا الاجتهاد في القبلة والأواني.
وهذا إن صح عنه مشعر بالخلو عن أركان الاجتهاد؛ فإن الاجتهاد لا بد وأن يتعلق بأدلّةٍ قطعيةٍ، أو علاماتٍ ظنية، وفرضُ ما ذكرناه غيرُ ممكن في الفرائض.
وإن كان النظر إلى أقدار الحاجات، فهي تختلف، ولا تنضبط.
6188 - ثم أبان الله سبحانه وتعالى الفرائض في قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله﴾ وفي الآية التي تليها، وفي آية الكلالة في مختتم السورة 1.
وقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى لم يكل قَسْم مواريثكم إلى مَلكٍ مقرَّب، ولا إلى نبي مرسلٍ، ولكن تولى قَسْمها، فقسمها أبْين قَسْم، ألا لا وصية لوارث " 2.
6189 - وقيل كانوا يتوارثون في ابتداء الإسلام بالتحالف، والنُّصرة، وكان الواحد يقول لصاحبه: دمي دمُك، ومالي مالك، ترثني وأرثك، وهو بيّن في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33].
ثم نسخ الله تعالى ذلك بالإسلام والهجرة، فقال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72]، فكان المهاجر وغير المهاجر لا يتوارثان.
ثم نسخ الله تعالى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75]،و [الأحزاب:6] وقيل: كان الرجال يُورَّثون دون النساء، وكان يقال: الرجال يتحملون المؤن ويُقْرون الضيف، ويلقَوْن الحروب، وكان ينفَق على المرأة من مال زوجها بعد موته سنة، وذلك حظُّها من الميراث.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240]. ثم نسخ حكمَ هذه قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]. ثم لم تشتمل الآي الثلاث على جميع الوقائع.
6190 - وانقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رضوانه واختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعظم اختلافهم فيما لم يلقَوْه منصوصاً، وسبب ذلك أنهم لم يجدوا قواعد الفرائض مبنيةً على معانٍ معقولة، فاضطربوا في التمسك بالأشباه والتقريبات، فأتوا فيها بالعجائب والآيات.
= (واللفظ للنسائي): " إن الله قد قسم لكل إنسان قسمةً من الميراث فلا تجوز لوارث وصية ". (ر.
أحمد: 4/ 186، 187 و5/ 267، الترمذي: الوصايا، باب لا صدقة لوارث: 2121،2120، النسائي: الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث:3671، 3672، 3673، ابن ماجة: الوصايا: باب لا صدقة لوارث:2712، 2713، 2714، الدارقطني: 4/ 152، البيهقي: 6/ 264، التلخيص: 3/ 197ح 1421).
وقال العلماء بالفرائض: تحزّب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثةَ أحزاب، فتكلم أربعةٌ منهم في جميع الفرائض: علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس.
وتكلم قومٌ في معظم أصول الفرائض مثل: أبي بكر، وعمر، ومعاذ.
وتكلّم بعضُهم في مسائلَ نادرةٍ، كعثمان وغيره رضي الله عنهم أجمعين.
ثم من بدائع حكم الله تعالى أن الأربعة الذين تكلموا في الجميع لم يُجمِعوا في مسألة إلا أجمعت الأمة على مذهبهم، ولم يتفق في مسألة مصير اثنين منهم إلى مذهب، وذهاب اثنين إلى مذهب الآخر، ولكن إذا اختلفوا وقفوا آحاداً، وصار ثلاثةٌ إلى مذهب، وواحد إلى مذهب واحد.
6191 - ثم نظر الشافعي إلى مواقع الخلاف، ولم يجد مضطرباً في المعنى، فاختار أن يتبع زيد بن ثابت، ولم يضع لأجل هذا كتاباً في الفرائض، لعلمه بعلم الناس بمذهب زيد، وإنما نصّ على مسائلَ متفرقة في الكتب، فجمعها المزني، وضم إليها مذهب زيد في المسائل.
ولم يقل: تحرَّيْتُ [فيها] 1 مذهب الشافعي كقوله في أواخر الكتب التي مضت؛ فإن التحرّي اجتهاد، ولا اجتهاد في النقل.
وقد تحقق عنده اتباع الشافعي زيداً.
وتردد قول الشافعي حيث ترددت الروايات عن زيد، واعتمده فيما رواه من ذلك ما رواه الأثبات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " أفرضكم زيد" 2، قال المحققون: لو رفعت واقعة إلى مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفيها مذاهب لعلماء صحابته، فقال فيها:
أفرضكم زيد، وزيد منهم وفيهم، لتعين اتباعُ مذهبه 1.
فكذلك يجب هذا في جميع القواعد إذا قال: أفرضكم زيد.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " أقضاكم علي، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ "، فالقول في القضايا يتسع، ويتعلق بما لا يسوغ التقليد فيه، وكذلك الحرام والحلال.
وعندنا أن المذهب لا يستقل بهذا القدر؛ فإن زيداً ما انتحل مذهبه إلا عن أصلٍ يجول الرأي فيه، ولهذا خالفه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والشافعي لم يُخلِ مسألةً عن احتجاج، وإنما اعتصم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجيحاً، وهذا بيّن.
وإذا كان كذلك، فحقٌّ على الناظر أن يتبين مواقع الكلام في كل قاعدة حسبما يفعل ذلك في قواعد الشريعة.
6192 - ثم الذي نراه بعد ذلك أن نذكر جُملاً في صدر الفرائض تتنزل منزلة المعاقد والضوابط، يطلع حافظها بها على الأصول، ثم نعود بعد الإيناس بها إلى ترتيب السواد، ونعتمد شرح مذهب زيد، ولا نخلي أصلاً عن ذكر المشاهير من مذاهب الصحابة رضي الله عنهم، ونشُمِّرُ للتلخيص والتقريب جهدنا، ثم نتعدى قليلاً حدود الفقهاء في تمهيد أصول الحساب، وتسهيل طرقها، وتقريب مأخذها، ثم المهارة فيها موكولة إلى الدُّربة.
فصلٌ
في معاقد جُمْلية
نأتي بها توطئةً وإيناساً
6193 - فنقول: استحقاق الإرث متعلق بالقرابة والسبب.
والسبب ينقسم إلى خاص، وعام: والسبب العام التوريث بالإسلام.
والسببُ الخاص النكاح والولاء، أما الولاء، فسبيل الإرث به التعصيب لا غير، والزوجية سبيل الإرث بها الفرض.
والأصول المورّثةُ بالقرابة الأبوة، والأمومة، والبنوّة، والأخوة، والجدودَة، والعمومة.
والورثة من القرابة ينقسمون على أنحاء، ونحن نردد تقاسيمهم في كل غرض، فنقول أولاً: هم ينقسمون إلى الأصول والفروع.
أما الأصول، فهم الذين ليس بينهم وبين الميت واسطة بها يُدلون، وهم أربعة: الأب، والأم، والابن، والبنت، وهؤلاء لا يحجبون بالأشخاص حجباً كلّياً.
والفروع من الورثة على أربعة أقسام: ذكرٌ يُدلي بذكرٍ، وهم بنو البنين، وبنو الأب، وهم الإخوة وبنوهم.
وبنو الجد، وهم الأعمام وبنوهم.
وذكر يدلي بأنثى، ولا يُلفى الوارث من هذا القبيل إلا شخص واحد، وهو الأخ للأم؛ فإن إدلاءه إلى الميت بالأم.
وأنثى تدلي بذكر، وهو 1 ثلاث: بنت الابن، وبنت الأب: وهي الأخت من الأب، وأم الأب.
وأنثى تدلي بأنثى، وهو الأخت للأم، والجدة أم الأم.
والحجب بالأشخاص يتطرق إلى الفروع، كما سيأتي ذلك، إن شاء الله تعالى.
6194 - ثم إنا نقسمهم تقسيماً آخر فنقول: كل ذكر يدلي بذكر من القرابة، فهو عصبة، وكل ذكر يُدلي بأنثى، فهو صاحب فرض.
وكذلك الأنثى المدلية بالأنثى.
فأما الإناث المدليات بالذكور، فلا يرثن بالتعصيب بأنفسهن.
وقد ذكرنا أنهن ثلاث: بنت الابن، والأخت من الأب، وأم الأب.
أما أم الأب، فلا ترث إلا بالفرض.
وبنت الابن، والأخت يعصّبهما غيرهما، وإذا انفردتا عن معصِّب أخذتا بالفرض.
6195 - ونقسم جملة الورثة تقسيماتً آخر، فنقول: منهم من يأخذ بالتعصيب لا غير، وهم البنون، وكل ذكرٍ يُدلي إلى الميت بذكر، والجدُّ مستثنىً من ذلك.
والمستحق بالولاء.
ومنهم من يرث بالفرض المحض، وهم من القرابة: الأم، وكل مُدْلية بأنثى، والذكر المدْلي بأنثى، وهو الأخ من الأم، والزوج والزوجة.
ومنهم من يرث بالفرض والتعصيب، وهؤلاء قسمان: منهم من يرث بأحدهما، ولا يجتمع الوجهان له، ومنهم من يرث بالفرض المحض تارةً، وبالتعصيب أخرى، ويرث بالفرض والتعصيب جميعاَّ.
فأما من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب تارة، ولا يجتمعان له، فهم البنات، وبنات الابن، والأخوات من الأب والأم، والأخوات من الأب.
وأما من يرث بالفرض وحده، و [بالتعصيب وحده، ويرث بهما جميعاً، فالأب يرث بالفرض مع الابن وابن الابن، ويرث] 1 بالتعصيب المحض إذا لم
يكن معه ولد، ولا ولد ابن، ويرث بالفرض والتعصيب جميعاً مع البنات، وبنات الابن، والجد في ذلك كلّه بمثابة الأب عند عدم الأب.
فهذه جمل عقدناها.
6196 - ونحن نعقد جملة أخرى فنقول: الوارثون من الرجال على البسط خمسةَ عشرَ: الابن، وابن الابن، وإن سفل، ما أدلى بمحض الذكور، والأب، والجد: أيو الأب، ما لم يدل بأنثى، والأخ من الأب والأم، والأخ من الأب، والأخ من الأم، وابن الأخ من الأب والأم، وإن سفل ما أدلى بمحض الذكور، وابن الأخ من الأب وإن سفل، ما أدلى بمحض الذكور، والعم أخ الأب من أبيه وأمه، والعم أخ الأب من أبيه، وابن العم من الأب والأم، وإن سفل ما أدلى بمحض الذكور، وابن العم من الأب كذلك.
وعم أب الميت بمثابة عم الميت، وكذلك عم جدّه الوارث، وبنوهم على قياس بني أعمام الميت، والزوج، والمولى المعتِق.
6197 - والوارثات من النساء على البسط عشر: البنت، وبنت الابن، وإن سفلت ما أدلت بمحض الذكور، والأم، والجدة أم الأم، وإن علت ما أدلت بمحض الإناث، والجدة أم الأب وإن علت، ما لم تدل بذكرٍ مُدلٍ بأنثى، والأخت من الأب والأم، والأخت من الأب، والأخت من الأم، والزوجة، والمولاة المعتقة.
وليس في الورثة أنثى تستغرق الميراث إلا المعتِقة.
6198 - وإن أوجزنا قلنا: الوارثون من الرجال: الابنُ، وابنُ الابن، والأبُ، والجد، والأخ، وابنُ الأخ من الأب، والعم من الأب، وابن العم من الأب، والزوجُ، والمولى المعتِق.
6199 - والوارثات من النساء: البنتُ، وبنتُ الابن، والأم، والجدةُ
المدلينَ بوارث، أو وارثة، والأخت، والزوجة والمولاة المعتقة.
6200 - ومن الجمل التي نعقدها أن نقول: التوريث بالتعصيب والفرض: أما التعصيب فالوارث به يستغرق التركة إن لم يزاحم، ويأخذ الفاضل من الفرائض، وإذا استغرقت الفرائض أجزاء التركة، سقط، إلا في مسألة المشتركة على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
6201 - وأما الفرض، فأصله في اللسان القطع، وسميت الحزَّةُ التي تستقر فيها عروةُ الوتر فُرضة، ثم استعمل الفرض بمعنى التقدير، فإن المقدّرات مقتطعة عن الجمل، فالفرائِض هي المقدرات.
والمقدرات التي هي الأصول في المواريث ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
وإن أحببت قلت: النصف ونصفه، ونصفُ نصفه، والثلثان، ونصف الثلثين، ونصف نصفه.
ويجمع هذه الستة أصلان: النصف والثلثان.
ثم يتشعب من النصف نصفه، وربعه، ويتشعب من الثلثين نصفه وربعه.
وما ذكرناه أصول الفرائض، وإذا عالت المسائل، وزادت المقدّرات على أجزاء المال، فلا تتعدى هذه المقدّراتُ في الإطلاق، وإن كان السدس فيها سبعاً، وتسعاً، وعشراً.
6202 - وقد نص الله سبحانه وتعالى على هذه الأجزاء الستة في ثلاثةَ عشر موضعاً في كتابه.
فذكر النصف في ثلاثة مواضع: ذكره للزوج إذا لم يكن للمرأة ولد، في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]، وللبنت الواحدة، في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11]،
وللأخت الواحدة إذا كانت لأب وأم، أو لأب فقال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 176].
وذكر الربع في موضعين: للزوج إذا كان للزوجة ولد، وللزوجة إذا لم يكن للزوج ولد.
وذكر الثمن للمرأة إذا كان للزوج ولد، ومواضع الربع والثمن [بينة] 1.
وأما الثلثان، فقد ذُكر في موضعين: ذكره للأختين، إذا كانتا لأب وأمٍ، أو لأبٍ، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ [النساء: 176] وللبنات فقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11] ثم للبنتين الثلثان كما للأختين على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وشرط في الأختين أن يكون الميت كلالة، فمنهم من قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد، وهو قول أكثر الصحابة رضي الله عنهم، وإحدى روايتي ابن عباس، ويعني بالوالد: الآباءَ، والأجدادَ، دون الأمهات، وبالولد الذكورَ والإناثَ، الوارثين منهم، قربُوا أو بعدوا.
ومنهم من قال: هو من لا ولد له، وإن كان له والد.
وهو الرواية الثانية عن ابن عباس.
ثم اختلفوا، فقال بعضهم: الكلالة اسمٌ للميت، وقال بعضهم: الكلالة اسمٌ للورثة، وسنعطف على جميع ذلك في الشرح، إن شاء الله عز وجل.
فأما الثلث، فقد ذكره الله تعالى في موضعين: ذكره للأم إذا لم يكن هناك ولد ولا إخوة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] وذكره للاثنين من أولاد الأم، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12] وهو يثبت للجدّ عند بعض منازله.
وأما السدس، فقد ذكره في ثلاثة مواضع: ذكر للأبوين السدس في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 11]، وللأم إذا كان للميت ولد، أو اثنان من الإخوة، فصاعداً، وذكره للواحد من أولاد الأم، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 12]، وللسدس مواضع ملحقة بالنص.
فهذا بيان الفرائض في نصوص الكتاب.
6203 - ونحن نصوغ عن مستحقيها عبارةً جامعةً تشير إلى الكليات، فنعود، ونقول: النصف فرض خمسة:
فرضُ الزوج إذا لم يكن للزوجة ولد، ولا ولد ابن.
وفرضُ البنت الواحدة من الصلب، إذا لم يكن معها ابنٌ يعصّبها.
وفرضُ بنت الابن الواحدة، إذا لم يكن في الصلب ولد، ولم يكن معها غلام يعصّبها في درجتها.
وفرْضُ الأخت الواحدة من الأب والأم، إذا لم يكن معها في الفريضة من يعصبها.
وفرض الأخت الواحدة من الأب إذا لم يكن في الفريضة أحدٌ من الإخوة من الأب والأم، لا الذكر، ولا الأنثى، ولم يكن معها معصّبٌ، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكرُ من يعصِّبُ الأخوات.
والربع فرض اثنين: فرض الزوج إذا كان للزوجة ولد، أو ولد ابن.
وفرض الزوجة إذا لم يكن للزوج ولد، ولا ولد ابن.
وكأن الزوجين يتوارثان على نسبة التعصيب بين الذكر والأنثى، حيث يقول: [للذكر] 1 مثل حظ الأنثيين، فللزوج ضعف نصيب الزوجة مع الولد،
ودونه، فله النصف حيث يكون لها الربع، وله الربع حيث يكون لها الثمن.
ثم الزوجات كالزوجة الواحدة في الربع والثمن، ولولا ذلك، لاستغرقت أربع زوجات الميراثَ، بأربعةِ أرباع.
والثمن فرض صنف واحد: وهنَّ الزوجات إذا كان للزوج ولد، أو ولد ابن.
والثلثان فرض أربعة أصناف: ولا يثبت إلا بعددٍ:
فرض بنتي الصلب، فصاعداً، إذا لم يكن معهن ابنٌ يعصبهنّ.
وفرض بنتي الابن فصاعداً إذا لم يكن في الصلب ولد، ولم يكن في درجتهن غلام يعصّبهن.
وفرض الأختين من الأب والأم، فصاعداً، إذا لم يكن في الفريضة من يعصّبهن.
وفرض الأختين من الأب، فصاعداً إذا لم يكن في الفريضة أحدٌ من أولاد الأب والأم، ولم يكن معهن من يعصّبهن.
وأمّا الثلث ففرض الاثنين 1، فصاعداً من الإخوة والأخوات من الأم (2).
وفرض الأم إذا لم يكن للميت ولد، ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة والأخوات فصاعداً، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف، فلها الثلث.
إلا في فريضتين: إحداهما - زوج وأبوان، والأخرى - زوجة وأبوان.
للزوج النصف وللأم ثلث ما تبقى، والباقي للأب، وهذا والسدس واحدٌ، ولكنا لا نطلق السدسَ، حذاراً من مخالفة لفظ الكتاب.
وللزوجة الربع من الفريضة الأخرى، وللأم ثلث ما تبقى، وهو ربعٌ في الحقيقة، ولكنا لا نطلقه.
(3 والثلث يثبت لاثنين فصاعداً من أولاد الأم مفضوضاً عليهم بالسوية لا يفضّل ذكر على أنثى 1).
والثلث فرض الجدّ في بعض منازله، كما سيأتي في بابه مشروحاً، إن شاء الله تعالى.
والسدس فرض سبعةٍ:
فرض الأب إذا كان للميت ولد أو ولد ابنٍ.
وفرض الأم إذا كان للميت ولد أو ولد ابن، أو اثنان من الإخوة والأخوات، فصاعداً.
وفرض الجدات، فيشتركن فيه، إذا استوين في الدرجة، وتستحقه الواحدة إذا انفردت.
وفرض بنت الابن، أو بنات الابن إذا كان في الصّلب بنتٌ واحدة، ولم يكن معهن في درجتهن ذكر يعصّبهن.
وهذا السدس يسمى تكملة الثلثين ضمّاً إلى النصف الثابت لبنت الصلب.
وهو فرض الأخت الواحدة والأخوات من الأب إذا كان في الفريضة أخت واحدةٌ من الأب والأم، وليس في الفريضة من يعصّب الأخوات فللأخت من الأب والأم النصفُ، وللأخت أو الأخوات من الأب السّدس تكملة الثلثين.
وهو فرض الواحد من أولاد الأم ذكراً كان، أو أنثى.
وفرض الجد في بعض منازله.
فهذه معاقد كلية وقواعدُ جُملية، ذكرناها وأجريناها على مذهب زيدٍ،1
ونحن نعود بعدها إلى ترتيب المختصر، ونستوعب تفاصيل القواعد، ونعوّل على استقصاء مذهب زيد، ولا نخلي ما نجريه عن حكاية مذاهب غير زيدٍ من الصحابة رضي الله عنهم.
باب من لا يرث
6204 - ذكر المزني في صدر هذا الباب أن ذوي الأرحام لا يرثون.
والترجمة 1 أوّلاً مأخوذةٌ عليه، فإن قال معترض: من يرث أحق بالضبط ممن لا يرث، فلم صدّر الكتاب بذكر من لا يرث؟
قلت: لعله رأى الكلامَ فيمن يرث باتفاق مضبوطاً قريباً، فرأى تصدير الكتاب بذكر محلّ الخلاف؛ فإنه أهمّ، وكل من عدا المذكورين من الوارثين والوارثات من المتصلين بالقرابة من الأرحام.
ومذهب زيد أنهم لا يرثون، وصار إلى توريثهم علي، وابنُ مسعود، وابنُ عباس، وغيرُهم.
ولسنا نرى الخوض في ذكرهم الآن، وسنعقد في أمرهم باباً، إن شاء الله عز وجل.
وأصناف ذوي الأرحام على التقريب أحد عشر:
أولاد البنات، وبنات الإخوة، وأولاد الأخوات، وأولاد الإخوة للأم، وكل جدٍّ وقع بينه وبين الميت أنثى، وكل جدّة وقع بينها وبين الميت ذكر بين أنثيين، والعمة، والخالة، والخال، والعم للأم، وبنات الأعمام.
ومن لا يرث من هؤلاء فالمدلي به لا يرث، لأن المدلي لا يزيد على الذي به
الإدلاء، وسنفرد في ذوي الأرحام -إن شاء الله عز وجل- باباً نذكر ما يقع به الاستقلال.
فصل
قال فيمن لا يرث: " والكافرون ... إلى آخره " 1.
6205 - اختلاف الدين إسلاماً وكفراً، يمنع التوارث من الجانبين، فلا يرث الكافرُ المسلمَ، ولا المسلمُ الكافرَ، وهذا مذهب معظم العلماء.
وقال معاذ: المسلمُ يرث الكافرَ، والكافر لا يرثه، كما أن المسلمَ ينكح الكافرة، والكافر لا ينكح المسلمة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتوارث أهل ملّتين شتى " 2.
والكفار يتوارثون وإن اختلفت مللهم، فاليهودي يرث النصراني والمجوسي والنصراني يرثهما.
وقال شريح 3 والأوزاعي: الكفار المختلفون في الدين لا يتوارثون،
واحتجا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يتوارث أهل ملتين شتى ". والحديث محمولٌ على ملة الكفر والإسلام، والكفر في التوارث ملّة واحدة.
قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6] فجعل الكفار في حكم أهل دين واحدٍ.
والمرتد لا يرث عندنا، ولا يورث، وله باب مفرد يأتي في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: " والمملوكون ... إلى آخره " 1.
6206 - العبد لا يرث، ولا يورث، فإنه على الصحيح لا يملك، وإن ملّكناه على القديم، ولا يملك إلا من جهة تمليك السّيد إياه، ثم هو ملكٌ، لا قرار له.
والمكاتب في معنى القن.
ومن نصفه حر ونصفه عبد لا يرث عندنا، وهل يرثه حميمُه؟ في المسألة قولان: أقيسهما - أنه لا يرثه؛ لأن من لا يرث لا يورث.
هذا هو الأصل.
والثاني - يرثه لأنه ملك ملكاً تاماً بنصفه الحر، فهو فيه كالشخص الكامل الحرية.
فان قلنا: لا يورث، ففيما خلّفه وجهان: أحدهما - يعود إلى مالك الرق في نصفه.
= كما قضى بالبصرة أيضاً، ولذا كان يقال له: قاضي المصرين.
توفي سنة ثمانين من الهجرة (ر.
سير أعلام النبلاء: 4/ 100 - 106) ومصادر ترجمته وفيرة منها: طبقات ابن سعد: 6/ 131، طبقات خليفة بن خياط: 145، وأخبار القضاة لوكيع: 2/ 189 - 202 وطبقات الشيرازي: 80، وتهذيب الأسماء واللغات: 1/ 243.
والثاني - يُصرف إلى بيت المال.
وإن قلنا: يرثه حميمُه، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه [يرث] 1 جميعَ ما يجمع بنصفه الحر.
والثاني - يرث نصفَ ذلك، ويعود النصف منه إلى السيّد، لأن سبب الإرث الموت، والموت حلّ جميعَ بدنه، وبدنُه ينقسم إلى الرق والحرية، فيجب انقسام ما يخلِّفه؛ فإن ذلك ليس ملكَ نصفه، وإنما هو ملك كله؛ إذ يستحيل أن يملك نصفُ شخصٍ شيئاً، وكأن النصفَ الحر يُثبت حكم الملك للجملة، والرق ينافي الملك إذا لم تَسْتتبعْه 2 الحرية.
وقال علي وابن مسعود: من نصفه حر ونصفه عبد يرث ويورث.
وقيل هو مذهب المزني.
قال الشافعي: لو ورثناه من حميمه، لأدّى ذلك إلى توريث الأجانب بعضهم من بعض؛ لأن ما يملكه يقع مستحقاً بينه وبين مولاه، كما لو احتش أو احتطب، [أو اتّهب] 3.
فصل
قال: " والقاتلون ... إلى آخره " 4
6207 - القتل قسمان: مضمون، وغير مضمون.
فالمضمون يوجب الحرمان، سواء كان مضموناً بالقصاص، أو الدية، أو الكفارة.
ولا فرق بين أن يكون عمداً أو خطأ، وبين أن يكون القاتل صبياً أو بالغاً، عاقلاً أو مجنوناً،
ولا فرق بين أن يقع القتل بسببٍ 1 أو مباشرة، كل ذلك يوجب حرمان الميراث.
وقال عثمان البتِّي 2: قتل الخطأ لا يوجب حرمان الميراث.
وقال مالك 3: القاتل خطأ لا يرث من ديّة المقتول شيئاً؛ لأن الديّة حصلت بفعله، ويرث من سائر أمواله.
ومعتمدنا في الباب ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " ليس للقاتل من الميراث شيء " 4.
وقال أبو حنيفة 5: قَتْلُ الصبي والمجنون لا يتعلق به حرمان الميراث، وكذلك القتل بالسبب.
هذا في القتل المضمون.
6208 - فأما إذا لم يكن القتل موجباً للضمان، فإنه ينقسم إلى قتلٍ مستحَق، وإلى قتلٍ لا يوصف بكونه مستحقاً.
والذي يوصف بكونه مستحقاً، فإنه ينقسم إلى الواجب الذي لا يسعُ تركه، وإلى ما يسعُ تركه.
فأما ما لا يسعُ تركه، فالحدّ، فإذا أقامه من إليه الإقامة، ففي المسألة ثلاثة أوجه: أحدها - أنه لا يوجب الحرمان؛ فإن الإمام لا يجد بداً من إقامته.
والثاني - يُحْرَمُ، لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس للقاتل من الميراث شيء " وإذا استبعد القائل الأول فَهْمَ [حرمان] 1 هذا القاتل من الخبر، لزمه [قَتْلُ] 2 المخطىء، فإنه ليس متهماً؛ فإن قيل: لا نأمن قصده سرّاً، وإبداءه الخطأ ظاهراً، قيل: لو لم يشعر أحد بقتله، فلم يحرم الميراث باطناً بينه وبين الله تعالى؟ وهو في علم الله تعالى مخطىء.
والوجه الثالث: أن الحدّ إن ثبت بالإقرار، لم يُحرم القاتل، وإن ثبت بالبينة، حُرم؛ فإن التهمة تتطرق، من جهة احتمال المواطأة في القتل المترتب على البينة.
هذا في القتل المستحَق الذي لا محيص عنه.
فأما القتل الذي يسع تركه، كالقصاص، فإذا اقتص الرجل من حميمه، فهل يحرم الميراث؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين في الحد، وهو أولى بأن يتضمن الحرمان؛ لأن القاتل [متخيّر] 3 بين القتل والترك، والتركُ مندوبٌ إليه.
6209 - فأمّا القتل الذي لا يوصف بكونه مستحَقاً، ولا يتضمن ضماناً، ولا يتصف بكونه محظوراً، فهو كقتل القاصد دفعاً، وفي تعلق الحرمان به
وجهان مرتبان على الوجهين في القصاص، وهو أولى بأن يتعلق الحرمان به؛ من جهة أنه لا يوصف بكونه مستحقاً، والتهمة تتطرق إلى القاتل الدافع؛ من حيث يُظن أنه زاد على قدر الحاجة.
6210 - ويتصل بما نحن فيه قتلُ العادل الباغيَ، وقتل الباغي العادلَ.
أما قتل العادل الباغيَ، فقريب من قتل المقصود القاصد دفعاً.
وأما قتل الباغي العادل، فيترتب على أنه هل يضمن أم لا؟ فإن قلنا: إنه يضمن، فيحرم الميراث.
وإن قلنا: لا يضمن، ففي حرمان الميراث وجهان مرتبان على الوجهين في العادل، وفي المقصود إذا قتل القاصد دفعاً، والباغي أولى بالحرمان؛ لأن قتل العادل لا يوصف بكونه مباحاً.
6211 - والمكره إذا قتل حميمه، وقلنا: إنه يضمن، فلا شك أنه يحرم.
وإن قلنا: لا يضمن، فهل يحرم؟ المذهب أنه يحرم؛ لأنه آثم بالقتل منهي عنه.
وفيه وجهٌ بعيدٌ أنه لا يحرم.
وهذا مرتب على الباغي، والمكره أولى بالحرمان؛ لأن الباغي على تأويل في قتل العادل.
فصل
قال: " ومن عمي موتُه ... إلى آخره " 1.
6212 - إذا مات اثنان معاً، لم يتوارثا، وإذا ماتا، ولم يُدْرَ أماتا معاً أم تقدم موتُ أحدهما على موت الثاني، فلا توارث بينهما، وذلك بأن يموتا في غريق، أو حريق، أو تحت هدم، أو يُقتلا في معركة، أو يموتا في بلادِ غُربة، ويستبهم الأمر في موتهما.
وهذا فيه إذا أيسنا من درك حقيقة الحال، ولو علمنا تقدُّم موت أحدهما، ولكن أشكل علينا المتقدّم على وجهٍ لا يمكن فرضُ الإحاطة به، فالأمر كما وصفناه، في أنا لا نورّث ميتاً من ميت.
وقد ذكرنا فيه إذا تيقنا السبق، وأشكل علينا السابقُ في نكاحين على امرأة، وفي جُمعتين في بلدةٍ - قولين، ولا ينتظم في الميراث القولان.
والفرق أن فسخ النكاح ممكنٌ إذا تعذر إمضاؤه، وتعارضت الحجج في الخصومات، وأمر الناس بإقامة الظهر لا تعذر فيه، إذا صحت جُمعةٌ، لا بعينها.
وإذا أيسنا من درك السابق، وتميزه عن المسبوق في الميتين، فلا سبيل إلى وقف الميراث أبداً.
وكان شيخي يتردد في صورة في الموت، وهي إذا سبق أحد الموتين، وتعيّن السابق، ثم أشكل إشكالاً، لا يتوقع دركُه.
وهذه صورة يُقْطَع فيها بصحة جمعة، وصحة نكاح.
والرأي أن اللَّبس مهما تحقق في الموتين أولاً وآخراً، فلا نورّث ميتاً من ميت، بل نقول في كل ميت: ننظر إلى من خلّفه من الأحياء، ونجعل كأن ذلك الميت الآخر، لم يكن أصلاً.
6213 - وقال عمرُ، وابنُ مسعود، وبعضُ أهل الكوفة: نورث الموتى بعضهم من بعض.
ثم إذا عمي موتُ رجلين، فإنما يرث أحدهما من تليد مال صاحبه، دون الطريف، والمراد بالطريف الذي ورث هو منه 1.
مثاله: أن يغرق رجل مع زَوْجةٍ، وابنٍ لهما، وخلّف الرجل من الأحياء امرأةً أخرى، وبنتاً، وخلّفت أم الابن -وهي الزوجة- أخاً، وخلّف الابن ابناً.
فعلى قول زيد، نقول: مات الرجل عن:
بنت، وزوجة، وابن ابن:
فللبنت النصف، و [للزوجة] 1 الثمن، والباقي لابن الابن، والفريضة من ثمانية.
وماتت [المرأة] 2 عن:
أخٍ، وابنِ ابن.
فيسقط الأخ، والمال لابن الابن.
ومات الابن عن ابن
فماله له.
6214 - وعلى قول عمر، وابن مسعود: مات الرجل الغريق عن:
امرأتين، وابنٍ، وبنت، وابن ابن.
فللمرأتين الثمن، والباقي بين الابن والبنت، للذكر مثل حظ الأنثيين، ويسقط ابن الابن.
فينكسر سهمٌ بين المرأتين، وسبعة أسهم بين الابن والبنت، وهما في التقدير ثلاثة؛ فإن الذكر باثنين، ففي المسألة كسران: اثنان، وثلاثة: نضرب اثنين في ثلاثة فتصير ستة، ثم نضرب الستة في أصل المسألة، كما سيأتي ذلك، إن شاء الله تعالى في أبواب تصحيح الكسُور، فصار المبلغ ثمانية وأربعين، للمرأتين ستة، وللابن ثمانية وعشرون، وللبنت أربعة عشرَ.
ثم يقسم نصيب [المرأة] 1 الغريقة، وهو ثلاثة على أحياء ورثتها، دون من غرق معها، ووارثها من الأحياء: ابنُ ابنها، ويسقط أخوها.
ونصيب الابن الغريق لابنه.
وأمَّا تليد مال الأم، فهو مقسوم بين ورثتها الأحياء والأموات.
فنقول: ماتت عن:
زوج، وابن، وابن ابن، وأخ.
فيسقط ابن الابن، والأخ، فللزوج الربع، والباقي للابن.
والفريضة من أربعة، فيقسّم نصيب الأب 2، وهو سهم على الأحياء من ورثته، وهم:
زوجة، وبنت، وابن ابن.
وفريضته من ثمانية، ولا ينقسم سهم على ثمانية، فنقدِّر الثمانية كسراً، ونضربها في أصل فريضة الأم وهو أربعة فتصير اثنين وثلاثين، نصيب الأب وهو الزوج منها ثمانية، بين ورثته الأحياء والباقي نصيب الابن، فيصرف ذلك إلى وارثه الحي، وهو ابنه.
وأما تليد مال الابن، فبين ورثته الأموات والأحياء، فنقول: خلّف: أبوين، وابناً.
فللأبوين السدسان، والباقي للابن، فنصيب [لأب] 3. وهو سهم بين ورثته الأحياء، وهم امرأة، وبنت، وابن ابن، وفريضته من ثمانية، ولا [ينقسم] 4 سهم بين ثمانية، فنضرب ثمانية في فريضة الابن، وهو ستة فتُرد
ثمانية وأربعين، نصيب الأب ثمانية بين ورثته الأحياء، ونصيب الأم لوارثها الحي، وهو ابن ابنها.
قال أصحابنا: توريث الميت من الميت يجرّ محالاً في بعض الصور.
فإذا أعتق الرجل عبداً وأعتق رجلٌ آخر أخاً لذلك المعتَق، وعمي موتُ المعتَقَيْن الأخوين، وخلّف أحدهما ألف دينار، ولم يخلّف الثاني، فمن يورّث ميتاً من ميت يورّث الذي لا شيء له من أخيه جميعَ ماله، ثم يصير منه إلى معتقه، فيحصل في يدي من مات معتَقُه عن لا شيء ألفُ دينار 1، ولا يصل في يد من مات معتِقُه عن ألف دينار شيء.
والذي أراه أنه إذا تحقق وقوع الموتين معاً، فيبعد توريث أحدهما من الآخر؛ فإن الميت لا يرث، فلعل الخلاف فيه إذا سبق موتُ أحدهما، وأشكل الأمر.
والعلم عند الله تعالى.
فصل
قال: " كل هؤلاء لا يرثون، ولا يحجبون ... إلى آخره " 2.
6215 - لما ذكر الشافعي الأسباب الثلاثة الحاجبة: اختلافَ الدين، والرقّ، والقتل، قال: من لا يرث بوصفٍ من هذه الأوصاف، لا يَحجُب، ولا أثر له أصلاً، لا في الحجب الكلّي، ولا في الحجب البعضي.
وعن ابن مسعود أنه لا يَحْجُبُ حجبَ الحرمان، ويحجب حجب النقصان: فإذا مات رجل عن ابنٍ كافر، وامرأةٍ مسلمة، وابن ابن مسلم، أو عن أبٍ مسلمٍ، فالابن الكافر لا يحجب ابن الابن، ولكن تُحجب المرأة عنده من الربع إلى الثمن.
وقال: إنه لا يحجب الأب من العصوبة إلى الفرض.
واختلفت الرواية عنه في أنه هل يحجب أولاد الأم، والإخوةُ الكفار يحجبون الأم من الثلث إلى السدس.
فصل
قال الشافعي: " لا ترث الإخوة والأخوات من الأم، لا مع الأب، ولا مع الجد ... إلى آخره " 1.
6216 - افتتح الكلام في طرفٍ من الحجب بالأشخاص، على ترتيب الوارثين، والوارثات، على مذهب زيد، و [نصل] 2 به تقاسيمَ تُفيد الضبطَ، ثم نرجع إلى ترتيب (السَّواد) 3. فنقول:
6217 - الحجب ينقسم إلى الحجب بالأوصاف، وإلى الحجب بالأشخاص.
فأما الحجب بالأوصاف، فقد تقدم القول في الأوصاف الحاجبة وبان أنها ثلاثة: اختلاف الدين، إسلاماً وكفراً، والرق، والقتل.
6218 - وأما الحجب بالأشخاص، فينقسم إلى حجب الحرمان، وإلى حجب النقصان.
فأما حجب النقصان، فمن فرضٍ إلى فرض، وهو في حق الأم: من الثلث إلى السّدس، وذلك يحصل بالولد، وولد الابن، وباثنين من الإخوة والأخوات، فصاعداً.
ثم الإخوة يحجبونها من الثلث إلى السدس، وإن كانوا محجوبين بالأب.
هذا مذهب زيد، فإذا كان في الفريضة:
أبوان، فللأم الثلث، والباقي للأب.
ولو كان فيها: أبوان، وأخوان.
فالأخوان محجوبان، وهما يردّان الأمَّ من الثلث إلى السدس، فلها السدس والباقي للأب.
ومن حَجْبِ النقصان ردُّ الزوج من النصف إلى الربع، وردُّ الزوجة من الربع إلى الثمن، وذلك يحصل بالولد، وولد الابن.
وقد يلتحق ردُّ الأب من العصوبة إلى الفرض بقسم النقصان.
6219 - فأما حجب الحرمان، فنذكره على ترتيب الوارثين، والوارثات، فنقول: أما الابن، فلا يحجبه عن الميراث أحد.
وابن الابن لا يحجبه إلا الابنُ.
والقريبُ من ذكور الأحفاد يحجب البعيدَ.
والأب لا يحجبه عن الميراث شخص.
والجد أب الأب لا يحجبه أحدٌ إلا الأبُ، وإذا ترتب الأجداد، فالقريب يحجب البعيد.
والأخ من الأب والأم يحجبه الابن، وابن الابن، وإن سفل، والأبُ.
والأخ من الأب يحجبه الابن، وابن الابن، والأب، والأخ من الأب والأم.
والأخ من الأم يحجبه الابن، وابن الابن، والبنت، وبنت الابن، والأب، والجد.
وابن الأخ من الأب والأم يحجبه: الابن، وابن الابن، والأب، والجد، والأخ من الأب والأم، والأخ من الأب.
وابن الأخ من الأب يحجبه هؤلاء، وابنُ الأخ من الأب والأم.
والعم من الأب والأم يحجبه هؤلاء وابن الأخ من الأب.
والعم من الأب يحجبه هؤلاء والعم من الأب والأم.
وابن العم من الأب والأم يحجبه هؤلاء، والعم من الأب.
وابن العم من الأب يحجبه هؤلاء وابن العم من الأب والأم.
والزوج لا يحجبه عن أصل الميراث أحد.
والمولى المعتِق لا يرث مع عصبة نسب، ولا يرث إن [استغرقت] 1 الفرائض التركة.
فإن لم تكن عصبة من نسب، ولا ذو فريضة، استغرق التركة.
فإن أفضلت الفرائض، استحق الفاضل.
وسيأتي بابٌ في المولى والإرثِ بالولاء.
6220 - فأما الوارثات، فالبنت لا تحجب عن أصل الميراث.
وبنت الابن يحجبها الابن، وبنتان في الصلب، إذا لم يكن معها في درجتها أو أسفل منها غلام يعصبها.
والأم لا يحجبها عن أصل الميراث شخص.
والجدة أم الأم لا يحجبها إلاّ الأم.
والجدّة أم الأب يحجبها الأم، والأب.
والقول في القربى والبعدى من الجدات يأتي، إن شاء الله تعالى.
والأخت من الأب والأم يحجبها الابن، وابن الابن، والأب.
والأخت من الأب يحجبها الابن، وابن الابن، والأب، والأخ من الأب
والأم، وأختان من الأب والأم، إذا لم يكن معها أخ [من الأب] 2 يعصبها.
والأخت من الأم يحجبها من يحجب الأخ من الأم.
والزوجة لا تحجب عن أصل الميراث.
والمولاةُ المعتِقة كالمولى المعتِق.
فهذه جملٌ في الحجب على رأي زيد بن ثابت.
وفي بعض ما ذكرناه خلاف سنشرحه في مسائل الكتاب، إن شاء الله عز وجل.
6221 - فنعود إلى ما ذكره الشافعي قال رضي الله عنه: " لا يرث الإخوة والأخوات من قبل الأم، مع الجد، وإن علا، ولا مع الأب ".
وقد قدمنا أن ولد الأم يحجبه الابنُ، وابنُ الابن، والبنتُ، وبنتُ الابن، والأبُ والجدّ.
وقال عبد الله بن عباس: أولاد الأم يرثون مع الأب والجد، وإنما يسقطون بالولد وولد الابن.
6222 - وإنّما نشأ هذا الخلاف من الاختلاف في الكلالة، فإنه عز من قائل، قال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 12] فما ذهب إليه زيدٌ وجماهير العلماء: أن الكلالة من لا ولد له ولا والد، وذهب ابن عباس أنّ الكلالة من لا ولد له، وإن كان له والد.
واختلف في اشتقاق الكلالة، وفي المسمى بها، فقيل: المسمى بها الميت، وقيل المسمّى بها الورثة.
وأمَّا الاشتقاق، فمنهم من قال: هو من قولهم: كَلَّ [سيف] 1 فلان، إذا ذهب طرفاه، وبقي الجوانب، والحواشي، وهذا يظهر إذا حملنا الكلالة على الميت، الذي لا أب له، ولا ولد.
وقيل الكلالة الورثةُ، سموا بذلك لأنهم كالإكليل للميت، والإكليل يحيط بجوانب الرأس وأعلاهُ مقوّر، فإذا كان الورثة كالإكليل، سمُّوا كلالة.
وتعلق ابن عباس بقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: 176] فأوضح الله تعالى معنى الكلالة، وفسرها بمن لا ولد له.
وقد قال معظم الصحابة رضي الله عنهم: المراد بقوله تعالى ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 76]، ليس له ولد ولا والد، فوقع الاقتصار على أحد الطرفين، والدليل عليه أنه تعالى أثبت للأخت النصف، والإجماع منعقدٌ على أن الأخت لا ترث النصف مع الأب.
وكان عمر متوقفاً في تفسير الكلالة، ولما راجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسيرها قال صلى الله عليه وسلم: "يكفيك آية الصّيف"، أراد قولة تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176].
وهذه الآية نزلت في الصيف.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: 12] نزلت في الشتاء.
وكان عمر لا يتبين حتى قد قرأ هذه الآية، وفيها ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176] فقال عمر: هذا لمن بيَّنَتْ له، فأما عمر، فلم يتبين.
فصل
قال الشافعي:" لا يرث مع الأب أبواه، ولا مع الأم جدة ... إلى اَخره " 1.
6223 - أما قوله: لا يرث مع الأب أبواه، ولا مع الأم جدة، فالمراد أن أب الميت يحجب أب نفسه، وهو جد الميت، ويحجب أم نفسه وهي جدة الميت؛
من جهة الأب.
وإذا حجب الجدَّ الأدنى، حجب من فوقه، وكدلك القولُ في الجدات البعيدة المدليات به.
وقال ابن مسعود: أمُّ الأب ترث مع الأب، ووافق أن أب الأب لا يرث، وتعلق ابن مسعود بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ورّث جدّة وابنها حي " وفي رواية " ورّث أمّ حسكة، وابنها حي " 1 وهي أول جدّة ورثت في الإسلام.
وحمل علماؤنا ما رواه على العم.
وقالوا: ورّث الجدة، وابنها الذي هو عم الميت حي.
والله أعلم.
6224 - وأمّا قول الشافعي، ولا مع الأم جدة، فالمراد أن الأم تحجب الجدة المدلية بها، والجدة المدلية بالأب.
وسنذكر هذا في فصول الجدات.
ولو كان في المسألة:
أم أب، وأم أم، وأب.
فلو لم يكن الأب، لكان السدس بين الجدتين، والأب حجب الجدة التي هي أمُّه، وفي الجدة التي هي أم الأم وجهان لأصحابنا: أحدهما - أنها تستحق السدس بكماله؛ فإنها منفردة بالاستحقاق.
والثاني - أنها لا تستحق إلا نصف السدس، والجدة من الأب وإن سقطت،
فبقي أثر مزاحمتها؛ فإنها لم تسقط بالجدة من قبل الأم.
وهذا بمثابة حجب الإخوة المحجوبين بالأب الأمَّ من الثلث إلى السدس.
وسيأتي مجموع ذلك في فصول الجدات، إن شاء الله تعالى.
باب المورايث
6225 - ذكر الشافعي في هذا الباب الفرائض الست، وأبان مستحِقَّ كل فريضة، ونحن ذكرنا فيما تقدم الجُمَل والمعاقد، والآن نتبع النصوص، وترتيب (السواد) 1، ونذكر ما فيها من مشاهير الخلاف.
وقد ذكر الشافعي في أول الباب فرضَ الزوجين، وليس فيهما خلاف،
ولا حاجة إلى مزيد بيان، مع نص القرآن.
فصل.
قال: " وللأم الثلث ... إلى آخره " 2.
6226 - فنقول: إن كان للميت ولدٌ أو ولد ابن، فللأم السدس، بلا خلاف، وكذلك إذا كان للميت ثلاثة من الإخوة، والأخوات، فللأم السدس.
وإن كان للميت اثنان من الإخوة والأخوات فمذهب زيد وجماهير الصحابة رضي الله عنهم أن للأم السدس.
[وقال] 3 ابن عباس: لا ترجع الأم إلى السدس باثنين من الإخوة، وقيل: ناظَر ابنُ عباس عثمانَ، وتمسك بظاهر قوله
تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] وقال محتجاً: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك.
فقال عثمان: " إن قومك حجبوها يا غلام " 1، وأشار بهذا إلى مخالفته ما كان العلماء عليه قبل إظهار مذهبه.
ثم مقتضى اللسان التساهل في إطلاق لفظ الجمع على الاثنين، وصحّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الاثنان فما فوقهما جماعة " 2، وتبيّن في أصول الفرائض نزول الاثنين منزلة الجماعة من ذلك الجنس، كالأخوات يستحققن الثلثين، وللأختين الثلثان أيضاً، ولثلاثة فصاعداً من أولاد الأم الثلث، ولاثنين منهم الثلث.
6227 - ومما خالف فيه ابن عباس ما استثناه من الفريضتين، وهما:
زوج وأبوان.
وزوجة وأبوان.
قد ذكرنا أن للأم فيهما ثلث ما تبقى بعد فرض الزوج، وخالف ابن عباسٍ
فيهما، فأثبت للأم في الفريضتين الثلثَ الكاملَ.
ومعتمدُ المذهب أن أصل الفرائض أنه إذا اجتمع ذكرٌ وأنثى في درجةٍ واحدة، فالذكر يفضل الأنثى، وإدْلاءُ الأبوين جميعاً بالميت من جهة الأبوّة، وقد ثبت أنهما إذا اجتمعا، فللأم الثلث، والباقي للأب، وتبين ما اختص الأب به من البسطة والقوة في الميراث؛ فإنه يجتمع له الفرض والتعصيب في الفريضة الواحدة، ويثبت له حق الإرث بكل واحدةٍ من الجهتين، فلو قلنا في مسألة:
زوج وأبوين:
للأم ثلث جميع المال، لكانت آخذةً مثلَيْ ما يأخذ الأب.
وهذا خلاف موضوع الفرائض.
وكذلك إذا ثبت أن الأب ينبغي أن يفضل الأمَّ، فيلزم منه أن يفضلها على النسبة التي ذكرناها، وذلك يحصل بقولنا: للأم بعد الربع ثلث ما تبقَّى، والباقي للأب، وإذا قلنا: للأم ثلث جميع المال، والباقي للأب، ففيه تفضيلٌ للأب، ولكن ليس التفضيل على النسبة المطلوبة.
وهذا الذي ذكرناه من تفضيل الذكر على الأنثى يدخل عليه تسويتُنا بين الذكر والأنثى في الأخ والأخت من الأم.
ويدخل عليه تسويتنا بين الأب والأم إذا كانا يأخذان بالفرض، حيث يكون في الفريضة معهما ابن، فإنا نقول: للأبوين السّدسان، والباقي للابن.
فهذا منتهى ما ذكر في ذلك.
6228 - والأَوْلى في المسائل التي انفرد فيها ابن عباس بالخلاف التمسكُ بما ذكره عثمان في المسألة الأولى من هذا الفصل؛ فإن ابن عباس أظهر الخلاف بعد سبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم إلى الاتفاق، ومفرداته مأخوذة من مسألةٍ في الأصول وهي أن الإجماع هل يشترط فيه انقراض أهل
العصر، حتى يقال: لا يقع الحكم بالإجماع إذا نشأ في العصر مخالفٌ قبل انقراض أهله؟ وقد ذكرنا أن المختار ألا يشترط انقراض أهل العصر 1.
فصل
قال: " وللابنة الو احدة النصف ... إلى آخره " 2.
6229 - نستفتح الكلامَ في ميراث الأولاد والبنين.
ونحن نقول أولاً: انعقد الإجماع على أن الابن الواحد يحوز المال إذا انفرد، وليس لهذا ذكر في الكتاب والسنّة.
وقال بعض أصحابنا: الإجماع انعقد عن شرع من قبلنا، وقد نقول 3: إن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه، ووجه التمسّك بشرع من قبلنا أن الله تعالى أخبر عنه، فقال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16].
وهذا مدخولٌ من وجهين: أحدهما - أنا نقطع في مسالك الأصول بأنا لا نتمسك بشرع من قبلنا 4، والآخر أن قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16] كلام مستعار، والمراد به أنه قام مقامه في الملك، والنبوّة، ويشهد له قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ... ﴾ الآيات [النمل: 16 وما بعدها].
وتكلف بعض الأصحاب في هذا وجهاً آخر، فقالوا: قد ثبت أن الابن والبنت إذا اجتمعا، فالمال عند اجتماعهما مصروف إليهما على نسبة من التفاضل، فللابن ضعف ما للبنت حالة الاجتماع، فليكن للابن حالة الانفراد
ضعف ما للبنت [المفردة] 1 ثم للبنت المنفردة النصف، فليكن للابن المنفرد
الجميع.
وهذا تكلف مستغنىً عنه؛ فإن من القواعد [المستفيضة] 2 أن الأخذ بالتعصيب يستغرق المال إن لم يزاحَم.
وعلى هذا القياس يجري العصبات أجمعون، والابن أقوى العصبات، فإذا انفرد ولم يكن ذو فرض، ولا وجه إلا أن يستغرق المال، فإن الابن الواحد يستغرق، والابنان يشتركان في الاستحقاق، وكذلك البنون.
فصل
قال: " وللبنت النصف، وللبنتين فصاعداً الثلثان ... إلى آخره " 3
6230 - أما الواحدة من البنات، فلها النصف بنصّ القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11].
وللبنتين فصاعداً الثلثان عندنا، وهو مذهب عامة الفقهاء، وادّعى بعض الفرضيين الإجماعَ فيه، وحكَوْا موافقةَ ابن عباس.
ورُوي عنه أنه كان يقول: للبنتين النصف، وللثلاث فصاعداً الثلثان، محتجاً بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11].
ونحن نقول: قد حصل الوفاق على أن للأختين الثلثان، قال عزّ من قائل: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: 176] فإذا ثبت ذلك في الأختين مع
بُعد درجة الأخوات، فالبنات مع قرب الدرجات بذلك أولى، [ثم] 1 قد روي أن عثمان ابن مظعون 2 مات وخلف زوجةً، وبنتين، وأخاه قدامةَ بنَ مظعون، فرفع قدامةُ جميع المال، فجاءت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن أخاك عثمان مات، وخلفني وبنتين، وأخاه قدامة، وإنه رفع جميعَ المال، فقال صلى الله عليه وسلم: " لك الثمن ولبنتيك الثلثان، والباقي للاخ " 3.
فصل
قال: " فإذا استكمل البنات الثلثين ... إلى آخره " 4.
6231 - إذا خلّف الرجل بنتاً، وبنت ابن، فللبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين.
ولو كان في المسألة بنتٌ واحدة في الصلب، وجماعةٌ من بنات الابن، فللابنة النصف ولبنات الابن السّدس، يشتركن فيه إذا لم يكن في الفريضة معصِّب.
وعن هزيل بن شرحبيل أنه قال: أتيت سليمان بن ربيعة، وأبا موسى الأشعري، وسألتهما عن:
بنت، وبنت ابن، وأخت.
فقال: للبنت النصف، والباقي للأخت، ثم قال أبو موسى: ائت عبدَ الله بنَ مسعود، فاسأله؛ فإنه سيتابعُنا، فأتيته وسألته، وأخبرته بما قال أبو موسى، فقال عبد الله: قد ضللت إذاً، وما أنا من المهتدين، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي للأخت " 1. قال هزيل: فرجعت إليهما، فأخبرتهما بما قال ابنُ مسعود، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء، وهذا الحبر بين أظهركم.
وقد تمسك الأصحاب بهذه الصورة على ابن عباس فيه إذا كان في الفريضة بنتان، فقالوا: إذا كنا نصرف إلى بنت واحدة فى الصلب، وإلى بنت ابن واحدة الثلثين 2، فالبنتان في الصلب بالثلثين أولى.
ولو كان في المسألة:
بنت واحدة، في الصلب، وبنت ابن، أو بناتُ ابن، وغلامٌ من الأحفاد دونهن في الدرجة.