نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 339-378
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات

صفحات 339-378
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

قال الشافعي: " فجميع ما يعطي الناسُ من أموالهم ثلاثة وجوه ... إلى آخره " 2. 5671 - صدّر الكتابَ بالتقاسيم في التبرعات، وقال: يقع قسمان منها في الحياة: وهما - الهبات، والصدقات.
ثم الصدقات تنقسم إلى صدقات البتات، وهي تصدّق الرجل بطائفة من ماله على من أراد.
والثاني - الوقف.
ومن التبرعات ما يقع بعد الوفاة.
والمقصود من هذه التقاسيم انتزاع الوقف من خَلَلها، وباقي التبرعات تأتي في أبوابها.
5672 - والأصل في الوقف السنة، وإجماع الأمة، أما السنة، فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا عن ثلاث: ولد صالح يدعو له، وعلم ينتفع به بعد موته، وصدقة جارية " 3 فقال العلماء: الصدقةُ الجارية هي الوقف على وجوه الخير، وقال عمر رضي الله عنه: " أصبت مالاً من خيبر، لم أصب مثله في الإسلام، فراجعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم،1

وكان حدائقَ، ونخيلاً، فقال صلى الله عليه وسلم: حبِّس الأصلَ، وسبّل الثمرَ " 1. وأجمع المسلمون على أصلِ الوقف، وإن اختلفوا في التفصيل.
5673 - ومذهبُ الإمام الشافعي أن الوقف إذا استجمع شرائطَه صحيحٌ لازمٌ، لا يتوقف لزومُه على تسجيلٍ من جهةِ قاضٍ، ويصح مُنَجَّزهُ في الحياة، ومنفَّذُه في الوصية بعد الوفاة.
5674 - ثم هو في التقسيم الأولي متنوع، فمنه ما يقع مضاهياً للتحرير، وهو كجعل بقعة مسجداً، وهذا مما وافق فيه من أنكر لزومَ الوقف والتحبيس.
ويتصل بهذا القسم جعْلُ بقعة مقبرةً، على ما سيأتي، إن شاء الله.
عز وجل تفصيل الصنفين.
والقسم الثاني - ما يتضمن صرفَ منفعته إلى الغير، وهو ينقسم إلى ما يقصر مقصوده على حق السكون، كالمدارس والرباطات.
والوقفُ فيهما قريبٌ من جَعْل البقاع مساجدَ ومقابرَ، وإلى ما يفوّض الأمر إلى المستحِق، فإن شاء، انتفع بنفسه، وإن شاء استغلّه، وتملّك ما يحصل من غَلَّته، وهذا يجري على نوعين: أحدهما - ما تصرف الغلّةُ فيه إلى عمارة المساجد، والرباطات، والمدارس، وإلى ما يصرف إلى من يتملكه.
ثم الوقف يصح على مخصوصين معيّنين، وإلى جهةٍ عامة كجهة المسكنة والفقر.
وفي تصحيح الوقف على أقوام لا ينحصرون، وليس المراد حاجتَهم قولان، كالوقف على بني هاشم وبني المطلب، ونحوهم.
5675 - ومما يتعين تصدير الكتاب به أن الوقفَ إذا كان على معينين، أو على

جهةٍ، والغرض منه أن يملكوا ما يحصل من غَلّةٍ وثمرة، فللشافعي في هذا الصنف ثلاثة أقوال: أحدها - أن الملك في رقبة الموقوف يبقى للواقف، ويثبت لمن عليه الوقف استحقاقُ الرَّيْع والفائدة.
والقول الثاني - أن الملك يزول إلى الموقوف عليه في الرقبة، ولكنه محبَّس، لا يباع، ولا يوهب ولا يورث، فيثبت ملك التصرف في الفوائد، وملك التحبيس في الرقبة.
والقول الثالث- أن الملك في الرقبة يزول إلى الله تعالى، والفوائد يستحقها الموقوف عليه.
وما يقع مضاهياً للتحرير كجعل البقاع مساجدَ، لا يتجه فيه إلا زوالُ الملك إلى الله تعالى، على تفصيلٍ سيأتي في المسائل، إن شاء الله عز وجل.
5676 - وحقيقة مذهب أبي حنيفة 1 ردُّ الوقف إذا كان المقصود به تمليكَ الفوائد، ومن أصله أنه يلزم بالتسجيل، وهذا يخرّج على اتباع قضاء القاضي في مواقع الخلاف، ونُقل عنه أنه ألزم الوصية بالوقف إذا خرجت من الثلث، وهذا عنده بمثابة الوصية بالمنافع والثمار، فلا يصح الوقف على أصله 2 بنفسه 3، وسلّم لزومَ جعل البقاع مساجدَ ومقابرَ، ولم ير ذلك وقفاً، وإنما اعتقده تحريراً.
5677 - فإذا تمهد ما ذكرناه ترجمةً، فنذكر بعد ذلك فصلين في مقدمة مسائل الكتاب: أحدهما - في الألفاظ وذكر الصريح منها، والكناية.
والثاني - في بيان ما يصح وقفه.

5678 - فأما القول في الألفاظ، فلفظ الوقف على انفراده من غير انضمام قرينةٍ إليه صريحٌ في الباب، في الفن الذي يتضمن تمليك المنافع والفوائد.
هذا هو الذي يُقطع به.
ولفظ التصدق بمجرده غيرُ كافٍ.
وتردد الأئمة بين اللفظين في التحبيس والتَّسبيل، والتحريم والتأبيد، فاشتهر خلافُ الأصحاب في التحريم والتأبيد، فإذا قال: جعلتُ هذه البقعةَ محرّمةً [عليَّ] 1 وريعُها للمساكين، أو لفلان وفلان، وبعدهم للمساكين.
أو قال: أبّدتُها، أو جعلتُها مؤبَّدةً، وذكر المصرف كما سيأتي، فمن أصحابنا من رأى الاكتفاء بأحد هذين اللفظين، وزعم أنهما جاريان على الشيوع والذيوع في المقصود، وذهب آخرون إلى أنهما لا يستقلاّن؛ فإنهما [يستعملان] 2 تأكيدين للوقف والتحبيس، فإذا ذكرا مفردين، لم يستقلا.
فأما لفظ التحبيس والتسبيل، فالذي قطع به الأئمة أنهما كلفظ الوقف.
وذهب أبو سعيد الإصطخري إلى أنهما كنايتان في الباب، حكاه الشيخ أبو علي عنه وزيفه.
وذهب بعض الأئمة إلى نقل تفصيلٍ عن أبي سعيد الإصطخري، فقال: من أصله أن التحبيس صريح، والتسبيل ليس كذلك.
وهذا القائل [يذكر] 3 للتفصيل والفرق بين التحبيس والتسبيل مسلكين: أحدهما - أن الرسول صلى الله عليه وسلم غايرَ بين اللفظين في قصة عُمر؛ إذ قال: "حبِّس الأصل وسبِّل الثمر" فاستعمل التحبيس في الأصول والرقاب، والتسبيل في الثمار، وقيل: [عنى] 4 صلى الله عليه وسلم بالتسبيل صرفَ الثمار إلى السابلة.

والوجه الثاني - أن التسبيل من السبيل، وهو لفظ مبهم، والتحبيس معناه حبس الملك في الرقبة عن التصرفات المزيلة، فكان في معنى الوقف.
5679 - ومما يتعلق بذلك أن الأصحاب ترددوا في لفظ الوقف إذا استُعمل فيما سبيله مضاهاة التحرير، مثل أن يقول مالك البقعة: وقفتها على صلاة المصلين، وهو يبغي بذلك جعلَها مسجداً.
ثم من تردد في التحبيس والتسبيل، جعلهما صريحين إذا اقترنا بالقرائن المشهورة في الباب، مثل أن يقول: حبّست على فلان كذا، تحبيساً محرّماً مؤبداً، أو ذكر التسبيل وقرنه بما ذكرناه.
5680 - وقد ذكرنا أن لفظ التصدّق لا يستقل في الباب، إذا تجرّد وفاقاً، وسبب ذلك أنه يستعمل صريحاً في التبرع بالأعيان، فيقول من يصرف طائفةً من ماله إلى محتاج: تصدَّقتُ بهذا عليك، وهو يبغي تمليكه الرقبةَ تقرباً إلى الله تعالى، والمتصدَّقُ عليه يتصرف في الرقبة تصرفَ الملاّك.
فلو قال: تصدقت بهذا على فلان وفلان، -وذكر معينين- صدقةً محرَّمةً مؤبدةً، أو قال: تصدقت على المساكين صدقةً محرّمةً مؤبدةً، فللأصحاب اضطرابٌ في لفظ الصدقة مع التقييدات التي ذكرناها.
فذهب الأكثرون إلى أن اللفظ إذا [تقيد، التحق] 1 بالصرائح في الباب، وهذا ظاهر المذهب.
وامتنع آخرون، وسبب الامتناع أن التصدق صريح في تمليك الرقبة على خلاف الغرض المطلوب في الوقف.
وذهب ذاهبون إلى اشتراط التقييد بقطع التصرف عن الرقبة، مثل أن يقول: لا يباع ولا يوهب؛ فإن التحريم والتأبيد مع لفظ الصدقة قد يحملان على تأكيد الملك في الرقبة على معنى أن الملك فيها [مسرمدٌ] 2 لا ينقضه المتصدق.

وفصل فاصلون بين أن يستعمل التصدّق في معينين يُتصوّر الهبة منهم، وبين أن يستعمله في جهة لا يتأتى تصوير الهبة فيها كالتصدق على المساكين.
5681 - وحاصل خلاف الأصحاب يؤول أوّلاً إلى وجهين في استعمال لفظ الصدقة، من غير ذكر الوقف والتحبيس والتسبيل، فمنهم من لم ير استعمال لفظ الصدقة دون الألفاظ الثلاثة؛ من جهة إشعاره بتمليك الرقبة [لا] 1 على جهة الوقف، ومنهم من جوز استعمال لفظ الصدقة مع الاقتران بالقرائن التي ذكرناها.
ثم اختلف هؤلاء في القرائن، فمنهم من شرط أن يقترن بنفي البيع والهبة، على ما جرى الرسم فيه.
ومنهم من اكتفى بأن يُقرنَ بالتحريم والتأبيد، على ما جرى تفصيل الكلام به.
ثم إذا شرطنا الاقتران، فجرّد الصدقةَ، فإن خاطب بلفظها قابلاً متعيناً، فالأصح أنه صدقة بتات، مقتضاها تمليك الرقبة؛ فإنها صريحٌ في الباب.
فأما إذا أضاف اللفظ إلى المساكين وغيرِهم من الجهات العامة، ونوى الوقف، فالنية هل تنزل منزلة القرائن اللفظية؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من نزّل النية منزلةَ التقييد بالألفاظ، وأقام لفظ الصدقة مقام الكنايات في الطلاق والعتاق، وحكمها أنها تعمل مع النية.
ومنهم من لم يكتف بالنية؛ فإن التصدق صريحٌ في تمليك الرقبة، وإنما فرقنا بين إضافة الصدقة إلى الجهات العامة وبين إضافتها إلى معين يتصور منه القبول، لأنها إذا أضيفت إلى معيّن، تحقق كونها صريحاً في تمليك الرقبة.
فهذا حاصل الكلام في الألفاظ.
وإذا قلنا: التحريم ليس صريحاً، واقترنت النية به، يجب القطع بصحة الوقف؛ لأنه ليس [موضوعاً] 2 لتمليك الرقبة، وقد انتجز غرضنا من الكلام في الألفاظ.
5682 - فأما القول فيما يصح وقفه، فنقول أولاً: يصح وقف العقار، والمنقول،

ويصح وقف الجماد والحيوان.
والمتبع أن يكون الموقوف المحبَّس بحيث يثبت له منفعة مقصودة، أو فائدة مقصودة، كالثمار وما في معانيها.
والمنفعة المقصودةُ يضبطها ما يصح استئجارها على شرط ثبوت الملك في الرقبة، فإن الحرّ يؤاجر نفسَه، ولا يصح منه تحبيس نفسه على جهةٍ، أو على أشخاصٍ معينين.
ثم على جهةٍ بعدهم.
5683 - واختلف الأصحاب في وقف الدراهم لتزيين الدكاكين، اختلافهم في إجارتها، والأصح منع الوقف والإجارة، والتصحيح أقربُ إلى الإعارة.
ويصح أن يحبس حلياً مباحاً ليتحلى به معينون، ثم بعدهم أيتام، على ما يجري الوقف به.
ويصح وقف عبدٍ صغير، وإن لم يكن منتفعاً به في الحال، لأن الوقف معقودٌ على التأبيد، فلا يضر استئخار الانتفاع من الأول لنقصٍ في المعقود عليه مصيره إلى الزوال.
وهذا كتصحيح النكاح على الرضيعة، وإن لم يكن منتفعاً بها في الحال.
والمعنى ما نبهنا عليه.
وألحق الأصحاب بهذا وقفَ الدراهم على أن يصاغ منها حلي، على قولنا بفساد وقف الدراهم على أن تبقى على صفتها، ويكتفى منها بالتزيين، وزعموا أن استئخار صيغة الحلي بمثابة استئخار إمكان الانتفاع والمحبّسُ عبدٌ صغير، أو مُهرٌ صغير.
وهذا فيه بعض النظر؛ فإن المُهرَ والعبد الصغير يصيران من طريق الخلقة إلى إمكان الانتفاع، والدراهم والنّقرة ليست كذلك، [واختيار] 1 إنشاء صوغها افتتاح أمرٍ من طريق الإيثار، ويكاد الوقف أن يكون في حكم المعلّق بما سيكون.
5684 - فأما وقف الكلب المنتفع به، فنقول أولاً: تصح الوصية به، وفي صحة هبته خلافٌ قدمتُه في البيع، ولا شك في امتناع بيعه، وفي صحة إجارته خلافٌ مشهور، ذكرناه في كتاب الإجارة.

فإذا تجدد العهد بهذه الأصول، فمن أئمتنا من لم يصحح وقفَ الكلب وإن صححنا إجارته؛ لأن رقبته ليست مملوكة، والوقف يستدعي وروداً على رقبةٍ مملوكة، ولهذا يمتنع وقفُ الحرِّ نفسَه، وإن كان يصح منه أن يؤاجر نفسَه.
ومن أصحابنا من خرّج صحة وقف الكلب على صحة هبته؛ فإن الوقف إثبات اختصاصٍ في جهةٍ، فكان في معنى الهبة، وليس الكلب فيه كالحر؛ فإنه ليس مملوكاً، وليس في رقبته اختصاص.
وبنى الشيخ أبو حامد جواز وقف الكلب على جواز إجارته.
هذه مسالك الأصحاب في وقف الكلب.
5685 - وأما وقف أم الولد، فقد اختلف أصحابنا فيه، ورتبوا الخلاف على الوجهين في وقف الكلب، وجعلوا وقف المستولدة أولى بالصحة؛ من جهة أنها مملوكة، ولم يمتنع فيها من أحكام الملك إلا البيع والرهن، وبنَوْا الخلافَ على أن الوقف هل يتضمن نقلَ الملك إلى الموقوف عليه؟ وفيه الاختلاف المقدم.
فإن قضينا بأن رقبة الوقف مبقَّاة على ملك الواقف، فلا يمتنع وقف المستولدة، وإن حكمنا بأن الوقف يتضمن نقل الملك في رقبة الموقوف إلى الموقوف عليه، فالوقف باطل؛ فإن الملك في رقبة الموقوف لا يقبل النقل.
هذا منتهى القول فيما يصح وقفه وفيما لا يصح وقفه.
5686 - ثم إن صححنا وقف المستولدة فلو عتَقَت بموت مولاها، انفسخ الوقف وزال؛ لأن الوقف يناقض حرية الموقوف.
5687 - وقد ذكرنا أن العبد المستأجر إذا عتَقَ في أثناء المدة، فالظاهر أن الإجارة لا تنفسخ، والفرق ما قدمناه من أن الوقف ينافي الحرية، والإجارة لا تنافيها.
وقد جرت من مالكٍ لها، ويعتضد ما ذكرناه بأن الإجارة مؤقتة، والوقف مبناه على التأبيد، فيستحيل بقاؤه بعد زوال الرِّق، ولا حاجة إلى هذا مع العلم بأن النكاح معقود على التأبيد والحرية الطارئة عليه لا توجب انفساخ النكاح، فالتعويل على ما قدمناه من أن الوقف في موضوعه يستدعي ملكاًً تاماً.
كما قدمناه.

وكان شيخي يقول: من استحق منفعة عبدٍ على التأبيد بطريق الوصية، لم يملك صرفَ ذلك الاستحقاق إلى غيره بجهة الوقف؛ فإنه لا ملك له في الرقبة، والوقف وإن لم يكن تحريراً، فهو قريب منه؛ من حيث إنه يقتضي قطعَ تصرف المالك عن الرقبة التي حبَّسها.
وقد ظهرت مضاهاة التحرير في المساجد والمقابر.
فهذا ما أردناه.
فصل 5688 - موضوع الوقف على التأبيد ومنافاة التأقيت، وهذا الفصل معقود لبيان مسائلَ يجري الوقف فيها على قضية التأقيت، ومجموعها يدخل تحت نوعين، ثم يلتحق بهما مسائلُ؛ التحاقَ الفروع بالأصول، والنوعان أصلان مقصودان في الكتاب.
5689 - فنقول: الوقف الوارد على التأبيد هو الذي يجد مصرفاً من إنشائه ولا ينتهي إلى منقطعٍ، بل يتصل بمصرفٍ لا يُتوقع انقطاعه، وهذا كما لو وقف على المساكين والمحاويج، وجهات الخير، وكالوقف على معيّنين موجودين على قضية تتضمن تعجيل حقوقهم متصلةً بالعقد، ثم يذكر الواقف انصرافَ الوقف بعد انقراضهم إلى جهةٍ لا تنقطع.
5690 - ثم قد يُفرض الوقف منقطعَ الآخر، وقد يفرض منقطع الأول، ونحن نذكر كل قسم [و] 1 ما يليق به.
ونبدأ بالوقف المنقطع الآخر، وهو أن يقول: وقفت هذه الدار على أولادي، ولا يتعرض لمصرفِ الوقف بعد انقراض المذكورين، ففي صحة الوقف قولان مشهوران: أحدهما - أن الوقف لا يصح؛ فإنه مخالف لموضوعه؛ إذ موضوعُه [على] 2

التأبيد، وبه تميّز عن العواري، ولما رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرَ الوقفَ والتحبيس، قيّد عمرُ رضي الله عنه التحبيسَ بالتأبيد والتحريم.
والوقفُ في الحقيقة قربةٌ يبغي [المتقرِّب بها] 1 إدامتها.
هذا وضعها ومبناها، والصدقات المملِّكةُ تقطع سلطان المتصدق، وتنتهى نهايتَها بالوصول إلى يد المتصدَّق عليه، والوقف هو الصدقة الجارية، فإذا لم يثبت له مصرف متأبَّد، كان مائلاً عن موضوعه.
هذا هو القول الصحيح وبه المنتهى.
والقول الثاني - أن الوقف يصح؛ فإنه ليس فيه تأقيت، والموقوف عليه إذا تعلّق الاستحقاق بعمره جانب الوقفُ التأقيتَ، والنكاحُ مع ابتنائه على التأبيد ينتهي بانتهاء عمر أحد الزوجين.
وذكر صاحب التقريب قولاً ثالثاً: أن الوقف إذا كان في عقارٍ، لم يصح إنشاؤه منقطعَ الآخر، وإن كان الوقف في حيوان، لم يمتنع ألا يتأبد مصرفه، فإن الحيوان المحبَّس إلى الهلاك مصيره، فإذا وقف مالكُ الحيوان الحيوانَ على شخص معين، كان ارتقاب بقاء الموقوف مع وفاة الموقوف عليه متعارضاً في التقدير بارتقاب موت الموقوف، مع بقاء الموقوف عليه.
هذا بيان الأقوال في الأصل.
وحقيقتها تتبين بالتفريع.
5691 - فإن حكمنا بفساد الوقف، فهو جرى لغواً، والموقوف مقَرٌّ على ملك الواقف، لا يتعلق به استحقاقُ المسمَّيْن، ولا استحقاقُ غيرهم في حياتهم وبعدهم.
5691/م- وإن حكمنا بأن الوقف صحيح، فهو [لازم] 2 في بقاء المسمَّين وريعُه مصروف إليهم ما بقوا؛ وفاءً بشرط الواقف، فإذا تصرّم المذكورون، وانقضَوْا، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن الوقف ينتهي بانقضائهم انتهاء النكاح بموت أحد الزوجين، ثم حكم انتهائه أن يرتد ملكاً، كما كان قبل الوقف.
والقول الثاني - أن الوقف لا ينقطع بانقراض المسمّين.

توجيه القولين: من قال بانقضاء الوقف، استدلّ بأن المتبع فيه شرطُ الواقف، ويبعد أن يثبت فيه مصرِفٌ لم يتعرض له المحبِّس، فإذا انقضى مصرفه المسمّى، واستحال تقدير مصرفٍ، وامتنع استقلال الوقف من غير مصرف، فلا يبقى إلا انقلابُه ملكاً.
ومن قال بالقول الثاني، احتج بأنا لو حكمنا بانقضاء الوقف، لكان ذلك مفضياً إلى تأقيت الوقف.
وهذا تغييرٌ لوضعه، وتبديل لحقيقته.
التفريع على القولين: 5692 - إن حكمنا بانقلاب الوقف ملكاًً، فمن ضرورة هذا القول التزام تطرق حكم التأقيت إلى الوقف، وكأن هذا القائل يقول: المرعي في امتناع تأقيت الوقف جانب الموقوف عليه، وهو غير متأقت في حقه، وليس الوقف مما يورث حتى يقال: ليثبت في حق الموقوف عليه ثبوتاً يخلفه فيه وارثه، وليس كالملك في البيع؛ فإن الخلافة ممكنة فيه.
ومن منع هذا، فكأنه يرعى التأبيد في الموقوف [المحبَّس] 1، فإنه المتقرب به.
وهذا هو الصحيح.
فإذا صححنا الوقف، ثم رددناه ملكاًً، فقد التزمنا نوعاً من التأقيت.
5693 - وبنى بعض الأصحاب على هذا القول مسألةً، وهي أن الرجل إذا وقف داراً سنةً، أو سنتين على شخص، أو على جهةٍ من جهات الخير، فهل يصح الوقف؟ المذهب الذي عليه التعويل أنه لا يصح، وإن صححنا الوقف المنقطع الآخر؛ فإن تصحيح ذلك 2 مقرّب 3 من حكم التأبيد؛ نظراً إلى الموقوف عليه، وتشبيهاً بالنكاح.
فأما التصريح بالتأقيت، فلا اتجاه له.
5694 - وأبعد بعض أصحابنا، فصحح الوقف على هذه الصيغة، وقضى بانتهائه

إذا انتهت المدة، وهذا لا يحل الاعتداد به، ولا يسوغ إلحاقه بالوجوه الضعيفة؛ فإنه في التحقيق إلزامُ عاريةٍ، والعارية يستحيل الحكمُ بلزومها؛ فإنها تَرِد على ما يوجد شيئاً شيئاً، فلا تستقر فيه اليد، والتبرعات إنما تلزم بالقبوض، والوقف خُصَّ بالتصحيح، ليستمكن المحبِّس من تأبيد قُرَبِه، فإذا ترك الأصل الذي [بنى الشرعُ الوقفَ عليه] 1، لم يبق فرقٌ بين العاريّة والوقف.
5695 - فأما إذا قلنا 2: لا يرتدُّ الموقوف ملكاًً عند انقراض المسمَّيْن، فلا يستقل الوقف دون مصرف.
وقد اختلفت الأقوال في مصرِف هذا الوقف، بعد انقضاء الجهة التي سماها الواقف، فكان شيخي يذكر أوجهاً، وأطلق صاحب التقريب الأقوال، ولعل بعضها من تخريجات ابن سريج.
فأحد الأقوال - أن الوقف يُصرف إلى أقرب الناس بالمحبِّس.
والقول الثاني - أنه يُصرف إلى المساكين.
والقول الثالث - أنه يصرف إلى المصالح العامة، وهي مصرف خمس الخمس من الفيء والغنيمة.
وتوجيه الأقوال يستدعي تنبيهاً على مسلكٍ لبعض الأصحاب غيرِ مرضيٍّ، وذلك أن بعض الأصحاب قال: هذه الأقوال تنزل على قصود الناس في أوقافهم [فمن] 3 يصرف إلى أقرب الناس بالمحبِّس يدعي أن هذا هو الغالب في الأوقاف، فكأن الواقف ذكره، وإن لم يصرح به.
والقائل الثاني - يبغي القُربة، وهي إلى سدّ الحاجات أقرب.
والقائل الثالث - يذكر الجهة العامة الحاويةَ لوجوه الخير.
ودوران الطريقة على حمل الوقف على مايظن كلُّ واحد عمومَه عُرفاً في المصارف.
وهذا زلل ظاهر، وميلٌ عن المسلك المطلوب.

5696 - ونحن نقول: إذا ثبت بقاء الوقف، فتلقِّي مصرفه من العرف محالٌ؛ فإنه مضطرب، والظاهر أن الواقف لم يرد تأبيد الوقف، فإن كان المتبع في ذلك حَمْل لفظه على موجب العرف، فلفظه ناصٌّ في التخصيص، فلا معنى لترك موجب لفظه لعرفٍ مختلطٍ، لا ثبات له، ولا اطراد فيه، فالطريقُ في توجيه الأقوال أنا إذا اضطررنا إلى إبقاءِ الوقف، والوقف أُثبت قربةً في الشرع متعلقةً بمصرف، ونحن لم نجد مصرفاً من جهة شرط الواقف، ولا من جهة إرادته، ردَّدنا الظنون في أَوْلى القربات، وأثبتناها على الاختلافِ 1 على خلاف مراد الواقف، فرأينا في قولٍ الصرفَ إلى أقرب القرابات أولى؛ فإن أفضل القربات ما يضعها المرء في القرابات، ويستفيد بها مع التقرّب صلةَ الرحم.
وفي قولٍ: تُعتبر الحاجة؛ فإن سدّ الحاجات أهمُّ الخيرات.
وفي قول: يحمل المصرف على أعم الجهات؛ إذ لا متعلق عندنا في تعيينٍ.
فهذا حقيقةُ هذه الأقوال [والتقرير] 2 بعدُ أمامنا.
التفريع على هذه الأقوال: 5697 - إن حكمنا بأنه يصرف إلى الأقربين، فقد اختلف أصحابنا، فمنهم من قال: يصرف إلى المحاويج من الأقربين، فإنا إذا كنا نبغي القربة، فالوجه أن نرعى الحاجة، ثم نعتبرها مع القرابة.
ومن أصحابنا من قال: لا نرعى الحاجة، ثم هؤلاء يكتفون بصلة الرحم، ويضمون إليه أن الوقف الحق 3 ذخرٌ وعمادٌ للأغنياء إذا افتقروا 4، فإن الأموال المعرضة [للانتفاع] 5 والتصرفات تبيد بالتبذير والصرف، والأوقاف تبقى لامتناع

بيعها، وهذا ظاهرٌ في قصود الواقفين على أولادهم، وإن خلفوا عليهم أموالاً.
5698 - ومما اختلف أصحابنا فيه في التفريع على هذا القول: أنا إذا صرفنا إلى الأقرب، راعينا أَوْلى القرابة باستحقاق الإرث، أو أقربهم رحماً؟ من أصحابنا من قال: الأقرب هو الأوْلى بالميراث، فابن العم أوْلى بالوقف من ابن البنت.
والوجه الثاني -ولعله الأصح على حكم هذا التفريع- أن قرب الرحم أوْلى؛ فإن الغرض صلة الرحم، ولا مزيد على قاعدة الشرع؛ [إذْ] 1 حرم الوارثَ وجوهَ المبارّ الواقعةِ وصيةً، وحمله على الاكتفاء بالإرث.
وإن فرعنا على صرف الوقف إلى المساكين، فقد اختلف أصحابنا على ذلك: فمنهم من رأى محاويجَ الجيران أوْلى، ومنهم من لم يفرّق.
وتقديم الجيران لا معنى له؛ فإنا إن سلكنا هذا المسلك [وقعنا] 2 في الصرف إلى محاويج القرابة، وهو القول الأول، فلينتبه الناظر لما يمرّ به.
وينقدح في هذا القول جواز نقل الرَّيْع من مساكين البلدة، ومنعُ ذلك يجري على اختلاف القولين في نقل الصدقات.
وإن فرعنا على الصرف إلى المصالح العامة، لم يتصرف فيه غيرُ الوالي.
هذا هو الرأي الظاهر.
ولا يبعد عن الاحتمال ردُّ ذلك إلى نظر المتولِّي، إن كان في الوقف متولٍّ.
والقول في المتولي في الوقف المنقطع الآخر قد يغمض، على ما سنذكره من بعدُ.
5699 - ومن تمام التفريع أن من رأى الصرف إلى الأقربين، قال: لو انقرضوا، أو لم يكونوا، فالمصرف مردودٌ إلى القولين الآخريْن، وانقراض الأقربين لا يوجب انقطاع الوقف؛ فإنا نفرع على أن الوقف لا ينقطع، وإن انقطعت الجهات التي ذكرها الواقف.

5700 - ومما نفرعه أيضاًًً أن مَنْ وقف وأقّت، وصرّح بالتأقيت، فقال: وقفت هذا على فلانٍ سنةً، فإذا كنا [لا] 1 نصحح الوقفَ المنقطع الآخر، وكنا نرى أن الوقف يتأبّد وراء انقراض ما ذكره الواقف، فإذا وقع التصريح بالتأقيت، فلا شك أن هذا أحرى بالفساد، ولكن إذا صححنا فنثبت وراء الوقف مصرفاً، والقول فيه يختلف، كما تقدم في الوقف غلى الأولاد من غير تعرضٍ للمصرف بعدهم.
5701 - ومأخد هذا الذي ذكرناه مع التصريح بالتأقيت أصلٌ عظيم في الوقف، يكاد أن يكون قطباً لشطر المسائل، ونحن نقرره، ونذكر ما فيه، ثم نعود إلى التصريح بالتأقيت، فنقول: العتق إذا نُجِّز وأُقِّت، نفذ، وتأبد، وإذا شُرط في العتق شرطٌ فاسد، لا على معرض التعليق، لغا الشرطُ، ونفد العتقُ، فمؤقته منفّذٌ مؤبد، ومذكوره على حكم الفساد صحيح، وكذلك القول في الطلاق.
5702 - فأما الوقف، فإنه ينقسم إلى وقفٍ يضاهي التحرير، وإلى وقفٍ يبعد عن مضاهاة التحرير.
فأما الوقف الذي يضاهي التحرير، وهو جعل بقعةٍ مسجداً، فهذا النوع لا يفسد بالشرط، ولا يتأقت بالتأقيت، بل يتأبد على الصحة.
هذا هو الظاهر، وما عداه مطَّرحٌ، وسيأتي الشرحُ عليه، إن شاء الله عز وجل.
5703 - فأما ما لا يضاهي التحرير، كالوقف على الأعيان، وجهات الخير، فإذا قرن بشرطٍ فاسد أوْ أقّت، لم يخلُ إما أن يكون مما يشترط القبول فيه، وإما ألا يكون شرطاً فيه، فإن لم يكن القبول شرطاً فيه، ففي نفوذه مع الاقتران بالشرط المفسد.
وجهان، وفي تأبده مع تصريحه بالتأقيت وجهان: أحدهما - أنه يُنحى به نحو العتق، فنيفد على موجب الشرع، وينحذف التأقيت، والشرطُ الفاسدُ.
والوجه الثاني - أنه يفسد، ولا ينفذ؛ فإن الوقف مداره على اتباع الشرائط في جهة

الصحة، وكل ما اتبع الشرط الصحيح فيه أفسده الشرط الفاسد، والعتق قطعٌ للملك، واستئصالٌ لسلطنة التصرف.
فأما الوقف الذي يشترط القبول فيه على رأي [بعض] 1 الأصحاب، فالأصح أنه يفسد بالشرط الفاسد، فسادَ العقود المفتقرة إلى الإيجاب والقبول.
5704 - فإذا ثبتت هذه المراتب، عاد بنا الكلامُ إلى التصريح بتأقيت الوقف، فإن أفسدناه، فالملك دائم، والوقف باطلٌ، في [الوقت] 2 ووراءه، وإن صححناه، وأبَّدناه 3، فهذا الوجه على هذا القول له 4 اتجاه على حال؛ أخذاً مما ذكرناه الآن.
فأما تصحيح الوقف مع التأقيت، وردّه إلى الملك بعد الوقف كما ذكرناه في التفريع على القول الأول، فكلام فاحشٌ مشعر بذهول صاحبه عن فقه الكتاب.
هذا منتهى الغرض الآن في ذكر الوقف المنقطع الآخر، وهو أحد الصنفين الموعودين.
5705 - فأما الوقف الذي لا ينتجز له مصرف في الأول، فنصوّره، ثم نذكر تفصيل المذهب فيه، ومضطرب المختبطين ونردّ الأمرَ إلى التحقيق.
5706 - فإذا قال القائل: وقفت داري هذه على من سيولد لي، ولا ولد له، أو وقفتُ على المنتظَرين، دون الموجودين منهم، فهذا الوقف لا مصرف له من جهة الأول.
وقد قال الأئمة: في صحة هذا الوقف قولان مرتبان على القولين في الوقف المنقطع الآخر، وجعلوا الانقطاع في الأول أولى باقتضاء الفساد؛ من حيث لم يجد الوقف مرتبطاً يثبت عليه، بخلاف ما إذا انقطع آخره.

5707 - والذي أراه عكسُ هذا الترتيب؛ فإن الوقف إذا انقطع آخره، حاد عن وضعه، كما مهدته قبلُ، والوقف إذا لم يستعقب مصرفاً، ومصرفه منتظَر، فليُنتظر إلى أن يقع.
وإن دل هذا على الفساد، فالانقطاع في الآخر أدلّ عليه.
وتعليق الوقف في الأول -مع التصريح به في هذا القسم- يناظر التصريحَ بالتأقيت في قسم انقطاع الآخر، فإذا قال: إذا جاء رأس الشهر، فقد وقفت داري هذه على المساكين، فالذي ذهب إليه أئمة العراق القطعُ بالفساد، وذكر المراوزةُ خلافاًً في تصحيح تعليق الوقف.
وأنا أقول: قد ذكر العراقيون في الوقف المؤقت خلافاًً، فما وجه قطعهم بإفساد التعليق، وقد ذكروا في هذا الوقف على ما سيكون خلافاً، وهو على التحقيق تعليق، والعتق يصح تعليقه، وإن كان يفسد تأقيتُه، وليس بين التعليق وبين [القُرْبة] 1 المؤبدة -إذا وقعت من المنافاة- ما بين التأقيت والتأبيد.
نعَمْ، إن كان الوقف لا يشترط القبول فيه، (2 فتصحيح التعليق فيه متجه، وإن كنا نشترط القبول فيه 2)، فالتعليق فيه بعيد، كما ذكرناه في تعليق التوكيل.
ولا يتبيّن سرُّ القول إلا بالتفريع، ونحن نفرع على الوقف على من سيكون، ثم نعود إلى التعليق.
5708 - فإذا قال: وقفت على من سيولد لي، فإن أفسدنا الوقف، فالملك مطرد، والوقف لاغٍ، ولا يثبت إذا ولد المنتظر.
وإن حكمنا بصحة الوقف، فقد ذكر الأئمة خمسة أوجهٍ في مصرف الوقف، قبل وجود المولود المنتظر، ذكرنا ثلاثة منها في انقطاع الآخر، ولا يضر إعادتها، فأحد الوجوه- أن الوقفَ يصرف إلى الأقربين بالمحبِّس.
والثاني - أنه يصرف إلى المساكين.
والثالث - أنه يصرف إلى المصالح العامة.2

وزاد الأصحاب وجهين: أحدهما - يخرج في هذه الصورة والآخر يخرج في نظيره لها.
فأما الوجه الخارج، فهو أن الرَّيع مصروف إلى الواقف إلى وجود من يوجد.
والوجه الثاني - أن الموقوف عليه إن كان موجوداً، وكان الشرط الذي تعلق الوقف به مفقوداً، فهو مصروف إليه، وبيانه لو قال: وقفت داري هذه على من يفتقر من أولادي، ولا فقير منهم، فهو مصروف إليهم.
هذا نقل ما ذكره الأصحاب، والتحقيق عندنا وراء ذلك.
5709 - فنقول: ظهر التفريع على إفساد الوقف، فإن صححناه، فمقتضاه تأخير استحقاق الريع عن وقت إنشاء الوقف، فنقول: أيقع الوقفُ كذلك أم يقع مستعقباً للاستحقاق؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يقع على حسب ما وضع، كما يتعلق العتق إذا عُلق، وينتجز إذا نجِّز، هذا وجه.
والوجه الثاني - أنه يستعقب الاستحقاق على خلاف ما أشعر به لفظُ المحبِّس.
توجيه الوجهين: من قال: لا يثبت الاستحقاق عَقِيب الوقف، قال: إذا لم يفسد الوقفُ، ولم يبعد أن يثبت كما أثبته الواقف، لزم الجريان على موجب لفظه، ومقتضاهُ تأخير المصرف.
ومن قال بالوجه الثاني، استدل بأنه نجّز الوقفَ إذا قال: " وقفت هذا "، ولم يعلقه، وسنتكلم في التصريح بالتعليق، وإذا انتجز الوقف، لزم ثبوت مصرفٍ له.
وقد يقول هذا القائل: الوقف لا يقبل التعليق، فإذا تضمن اللفظُ التعليق، ثم حكمنا بصحة الوقف، فهو على مذهب إلغاء الفاسد، وتنفيد الوقف على موجب الشرع، وهذا يتضمن تنجيز المصرف.
التفريع: 5710 - إن حكمنا بأن الاستحقاق يستأخر، فالوقف هل يثبت أم يتأخر ثبوته؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يتأخر ثبوته، كما يتأخر العتق إذا أُخر.
وقد قال شيخي أبو محمد: وقعت مسألة في الفتاوى في زمان الأستاد أبي إسحاق وهي أن من قال: " وقفتُ داري هذه على المساكين بعد موتي ". فأفتى الأستاذ بأن

الوقف يقع بعد الموت وقوعَ العتق في المدبّر بعد الموت، وساعده أئمة الزمان، وهذا تعليق على التحقيق، بل هو زائد عليه؛ فإنه إيقاع تصرفٍ بعد الموت، وسنتكلم في هذه المسألة في فروع الكتاب، إن شاء الله تعالى.
والوجه الثاني - أن الوقف يثبت، وإن استأخر الاستحقاق به، فإنه قال: وقفت هذا على من سيولد، فلفظه تنجيز الوقف مع تأخير الاستحقاق.
فإن قلنا: الوقف غير واقع، فالدار ملكه في الحال، والتصرفات فيها نافذةٌ، حَسَب نفوذها في العبد المعلّق عتقُه بصفةٍ.
وإن قلنا: الوقف واقعٌ، والاستحقاق [مستأخر] 1 فالريْع مصروفٌ إلى المالك؛ فإن استحقاق الريْع مستأخر.
هذا إذا فرعنا على هذا الوجه.
وإن قلنا بالوجه الآخر، وهو: إن الوقف ناجز، والاستحقاق ناجزٌ أيضاًًً، فالواقف لم يذكر مصرِفاً قبل وجود المنتظَر، أو قبل تغيّر صفة في الموجود [تجعله متعلقاً] 2 للاستحقاق، فهذا إذاً وقف يقتضي مصرفاً، لم يذكر الواقف مصرفه، فينقدح فيه الأوجه الثلاثة التي ذكرناها.
ولا يجري في هذا المسلك الصرفُ إلى المالك، فإنا نبغي فى هذا المنتهى مصرفَ قُربةٍ لوقفٍ يستدعي مصرفاً عاجلاً.
نعم، إذا قال: وقفت على من يفتقر من أولادي، فذِكْر وجهٍ رابعٍ في الصرف إلى الولد قبل أن يفتقر قد يتّجه على بُعْدٍ، من حيث إنه أولى من أقاربه الذين لم يذكرهم، فالوقف عليه قربة.
فهذا تحقيق القول في تنزيل هذه الوجوه.
وقد أرسلها الأصحاب وأتينا بها في مظانها مفصلةً.

5711 - ونحن نذكر وراء ذلك التصريحَ بتعليق الوقف.
فإذا قال: إذا جاء رأس الشهر، فقد وقفت داري هذه، فهذه الصورة رتبها الأئمة المراوزة على ما إذا قال: وقفت على من سيولد لي، أو على من يفتقر من أولادي، ورأَوْا التصريحَ بالتعليق أولى بالفساد، وبنَوْا ذلك على أن قوله: " وقفتُ " تنجيز للوقف.
وقد ذكرنا ما يتعلق بهذا [و] 1 فهم الناظر من كلامنا أن قبول الوقف الذي لا يُشترط القبول فيه- للتعليق ليس بدعاً، سيّما إذا حكمنا بأن الوقف لا يفسده الشرط، كالعتق والطلاق.
ثم إن أفسدنا الوقف، فلا كلام، ولا يقع الوقف عند وجود الصفة أيضاً.
وإن لم يبطل، عاد الوجهان في أن الوقف ينتجز، أو يتعلق، وانتظم التفريع بعده على حسب ما مضى، حرفاً حرفاً، غيرَ أن ما وجهنا به بعضَ الوجوه من اقتضاء قول الواقف: " وقفت " تنجيزاً لا يتجه في التصريح بالتعليق.
5712 - وعلى الفقيه الآن أن يفهم موقع الوجهين في الصنفين اللذين هما عماد الكلام، ذكرنا وجهاً في انقطاع الآخر يشير إلى أن تأقيت الوقف صحيح، وهذا في نهاية الفساد، وذكرنا الآن وجهاً أن تعليق الوقف صحيح عند بعض أصحابنا، وهذا وإن استبعده العراقيون غيرُ بعيد عندي في القياس.
5713 - وكنت أود أن أجد لبعض الأصحاب وجهاً في جواز تعليق الإبراء؛ فإنه ليس بعيداً عن القياس [إذا] 2 لم يشترط القبول فيه، فإذا وجدت هذا في الوقف، اتجه مثله في الإبراء، وقد قال ابن سريج في تفريعات القول القديم في الضمان: إنه يصح تعليقه، فإذا صح تعليق الالتزام، فلأن يصح تعليق الأبراء أولى.
وقد انتهى تأسيس الكلام بانقطاع الوقف في الطرف الآخِر، والطرف الأول.

5714 - ثم إنا نُلحق بما مهدناه مسائل سهلةَ المُدرك على من أحاط بما تقدم.
منها- أن من وقف داره على وارثه في مرض موته، ثم بعده على المساكين، فالوقف باطلٌ على الوارث في مرض الموت، فتلتحق هذه المسألة بانقطاع الوقف في الأول، ولكن قال الأصحاب: لا نقطع ببطلان الوقف على الوارث في الحال، وإنما [يتبين] 1 الفساد إذا مات من مرضه، فقد وجد الوقف متشبثاً، فرأى الأصحاب أن يرتبوا هذا على ما إذا عري الوقف عن مصرفٍ من جهة اللفظ والذكر.
وهذا الترتيب قليل النَّزَل 2؛ فإنه إذا تبين انقطاع الوقف أولاً، فالظن السابق لا حكم له، إذا كان التبين على خلافه.
5715 - ومما ذكره الأصحاب ملتحقاً بهذا الأصل: أن من وقف على شخص معيّن، ثم بعده على المساكين، فلم يقبل ذلك المعين، والتفريع على أن قبوله شرط، فالوقف انقطع من هذه الجهة، فيخرّج على الخلاف المتقدم في انقطاع المصرف أولاً، ورأَوْا ترتيب ذلك على ما إذا وقف [على] 3 من سيولد، وزعموا: أنه علق الوقف بحاضرٍ، ثم كان الانقطاع من جهة غيره.
وهذا كلام عري عن التحصيل، لا ينبغي أن يقع التشاغل به.
نعم، لو قلنا: إن القبول ليس بشرط، فإذا وقف على معيّن، ثم بعده على المساكين، فلو رد الموقوفُ عليه الوقفَ، فينقدح في هذه الصورة ترتيبٌ؛ من حيث إن الوقف ثبت متصلاً مستعقباً ثبوت مصرفٍ، ثم ارتد بالرد، فلا يمتنع أن يرتب هذا [على ما لو لم يثبت للوقف متعلق أصلاً] 4. 5716 - ومما يجري في هذه الفنون، أنه لو قال: وقفت على فلانٍ، ثم بعده على

المساكين، فإذا لم يقبل، أوْ ردَّ على التفصيل الذي ذكرناه، فيتجه هاهنا الصرف إلى المساكين؛ من جهة أنه جعل المصرف صائراً إليهم إذا انقطع استحقاق المسمَّى أولاً، فإذا لم يستقر الاستحقاق عليه، فيتجه تنزيل ذلك منزلة ما لو انقرض المعيّن بعد ثبوت الاستحقاق لهم.
هذا بيان تمهيد الأصول وفروعها.
5717 - ومما يجب التنبيه له أن من وقف على بطونٍ، ورتبهم في الاسْتحقاق، فاستحقاق البطن الأول إذا اعتبر بنفسه، كان على حكم التأقيت، واستحقاق البطن الثاني إذا اعتبر بنفسهِ، فهو على حكم [التعليق] 1، ولا امتناع فيما ذكرناه من التأقيت والتعليق إذا اطرد الوقف، ولم ينقطع أهل المصرف أولاً وآخراً، ووسطاً.
ومثل هذا لا يسوغ فرضه في الإجارة، فإن المعتبر فيها أعيان العاقدين، والمعتبر في الوقف وقوعه قربة على وضع الشرع، فلا نظر إلى تناوب المستحقين.
فرع: 5718 - إذا أشار إلى عبدين، وقال: وقفت أحدَهما، ولم يعيّن، ففي صحة الوقف على الإبهام وجهان: أحدهما - المنعُ؛ فإن الوقف مبنيٌّ على قضيةٍ معلومة، يقصد الواقف بوقفه التقرّبَ إلى الله تعالى بتحبيسِ معينٍ، أو يقصد تمليك شخصٍ رَيْعَ عينٍ معينة، فإذا فرض على الإبهام، كان كالإبهام في البيع والهبة، والإجارة وغيرها.
ومن أصحابنا من قال: يصح الوقف على الإبهام، كما يقع العتق على الإبهام، إذا قال مالك العبدين: " أحدكما حُرّ ". وهذا التردد يضاهي ما قدمناه من تردد الأصحاب في أن الوقف هل يقبل التعليق قبولَ العتق له، ويلتفت على التردد في أن الوقف إذا اقترن بالشرط المفسد، هل يفسد أم ينفد نفوذَ العتق؟ ثم إن لم نحكم بثبوت الوقف على الإبهام، فلا مساغ لتنفيذه على خلاف إيقاعه، وليس كما إذا أُقِّت، فقد يُؤبّد مؤقَّته، والسبب فيه أنا نجد لتأبيد المؤقت مثالاً، ووجهاً، ولا وجه إذا بطل الإبهام (2 غيره.2

وإن صححنا الوقف على الإبهام، فهو إذاً على هذا الوجه بمثابة العتق 1).
[فلو قال: " وقفت: أحدَهما "، طالبناه بالتعيين، كما نطالب من يُبهم العتقَ، ثم قد يُفضي التفريع إلى الإقراع، فهو إذاً على هذا الوجه بمثابة العتق] 2. 5719 - ولو قال: " وقفت عبدي هذا على أحدكما "، فأبهم الموقوفَ عليه، فقد قال الأصحاب: الوقفُ مردود، لا مساغ له.
وكان شيخي يقول: " إن حكمنا بأن الوقف يفتقر إلى القبول، فالإبهام يُبطله، وإن حكمنا بأنه لا يفتقر إلى القبول، لم يبعد ثبوت الوقف على الإبهام، ثم على الواقف البيان، ولا يبعد إجراء القرعة بينهما عند تعذر البيان ". وهذا فرع بعيد على أصلٍ نازحٍ، فيبعد مأخد الكلام فيه.
فرع: 5720 - إذا قال الرجل: " وقفت داري هذه "، ولم يتعرض لذكر المصرف أصلاً، فقد ذكر الأئمة أن الأصح بطلان الوقف، وحكَوْا وجهاً بعيداً في صحته، ثم رددوا الأقوال في المصرف، كما تقدم، ورتبوا فساد الوقف في هذه الصورة على فساد الوقف المنقطع من جهة الأوّل، وعلى فساد الوقف المنقطع من جهة الآخر، وزعموا أن إطلاق الوقف مع السكوت عن مصرفٍ أولى بالفساد.
وفي هذا فضلُ نظر؛ فنا إذا كنا نثبت مصرفاً حيث نفى المصرفَ في طرفي الوقف، فلا يبعد أن نُثبت مصرفاً حيث لم ينفه، ولم يثبته.
ولا شك أن الأظهر الفساد.
5721 - ومن لطيف القول أنه لو وقف على الكنائس والبِيع، وكتبة التوراة، فوقفه باطلٌ، لا خلاف فيه، ولم يصر أحد إلى إبطال المصرف الذي ذكره، وتنزيل الوقف على مصرفٍ صحيح، وهذا يؤكد أن إطلاق الوقف باطل؛ فإنه لو جمع جامع بين إفساد المصرف الذي ذكره بناءً على حذف الفاسد، وبين تنزيل الوقف بعد هذا1

الحذف على مصرفٍ يصح، لكان قياساً على حسب هذه الأصول.
ولكن الذي بلغنا من الأصحاب القطعُ بالبطلان.
والذي يتجه فيه أن الوقف ينقسم إلى وقف تمليك، وإلى وقف قُربة، فأما وقف التمليك، فهو بمثابة الوقف على معينين، وهو جائز، وإن لم يكن فيه قُربة، وهو كالوقف على الكفار.
والقسم الثاني - الوقف على جهات القربة، فأما الوقف على البِيَع، فليس تمليكاً، ولا قربة، فبطل، والوقف المطلق يحتمل الصرف إلى القربة، فانقدح فيه الخلاف على البعد.
وقد نجز تمهيد هذا الأصل على أحسن مساق.
فصل معقود في شرائط الوقف، وما يصح منها وما يفسد 5722 - فنقول أوّلاً: موضوع الوقف الإلزام والإبرام، وقطعُ الخِيَرة، كما أن موضوعه التأبيد، كما تفَصّل القولُ فيه في الفصل السابق.
فإذا وقف على معيّنين، أو على جهةٍ من جهات القُربة، فالرجوع إلى شرط الواقف في الصفات المرعية في الاستحقاق، وفي الأقدار المستحقَّة، والترتيب والجمع؛ فإن الواقف هو المفيد، وله الخِيَرةُ في كيفية الإفادة وقدرِها.
فلو وقف وقدَّر، وأثبت لنفسه الخِيَرةَ في التغيير والتقديم، والتأخير، والأثرة [والتفضيل] 1، وجعل لنفسه أن يحرم بعد الوقف من شاء، ويزيد من أراد، فهل يصح الشرط على هذا الوجه؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يصح؛ فإن مبنى الوقف على اللزوم، فإن كان الموقوف عليه عرضةً لأن يُحرم، لم يتحقق اللزوم في مستقر الوقف، وبقيت سلطنةُ الواقف بعد ثبوت الوقف.
وهذا محالٌ.
ومن أصحابنا من صحح الشرط كذلك، وأوجب الوفاء به، وحكم بأن اللازم

أصلُ الوقف، فلا مردّ له بعد صحته، فأما تفاصيل المصارف، فلا يمتنع تعلُّقُها باختيار الواقف.
5723 - ولا خلاف أنه لو أطلق ذكرَ المصارف، وأتى بالوقف مستجمعاً لشرط الصحة، ثم رام تغييراً، لم يجد إليه سبيلاً.
5724 - فإن صححنا الشرط الذي وصفناه، فلا كلام، وإن أفسدناه فهل يفسد الوقف بفساده؟ فعلى الخلاف الذي قررناه قبلُ في تشبيه الوقف بالعتق والطلاق، أو قطعِه عنهما، فإن أفسدنا الوقفَ، فالملك مستدامٌ، والوقف لاغٍ.
وإن حذفنا الشرطَ، قررنا الوقفَ على المصارف على الإلزام.
5725 - ولو قال الواقف بعد ذكر المصارف: جعلتُ إلى فلان التقديمَ، والأثرةَ، والحرمانَ، فإن لم نصحح من الواقف شرطَ ذلك لنفسه، فلأن لا يصح شرطه ذلك لغيره أولى، وإن صححنا شرطه لنفسه، ففي صحة الشرط للغير وجهان: أصحهما - الفساد، ثم إذا فسد، ففي فساد الوقف الكلامُ المقدم.
5726 - ومسائل الوقف تنتشر من اختلاف ألفاظ الواقفين، وحظ الفقه منها اتباعُ مقتضى الصيغ، وإنما يُحيط بالألفاظ ذَرِبٌ باللغة، وعلمِ اللسان، ماهرٌ فيما يتعلق بمعاني الألفاظ في أصول الفقه 1، وليس الفقه إلا الإرشادَ إلى ما يصح ويفسد، والدعاءَ إلى اتباع اللفظ.
ثمّ يقع في ألفاظ الواقفين العمومُ والخصوص، والاستثناءات، والكنايات، وهي المتاهة الكبرى، ويجب التثبت عندها، [ليتبيّن] 2 انصرافُ الضمائر 3 إلى محالّها.
ومما يتكرر مسيس الحاجة إليه الجمعُ والترتيب، (فالواوُ) جامعةٌ، وكلمة (ثُم) مرتِّبةٌ، فإذا قال: " وقفت على فلان وفلان "، اقتضى ذلك اشتراكَهما، [ولو قال:

على فلان، ثم فلان، اقتضى ترتّباً] 1. وفيه دقيقة، وهي أن الواو إذا لم يقترن بها، أو لم يستأخر عنها ما يقتضي ترتيباً محمولةٌ على الجمع، وقد يستأخر عن الواو ما يتضمن ترتيباً، وهذا مثلُ قول المحبِّس: وقفت على أولادي، وأولاد أولادي، وأولادهم، فهذا لو اقتصر عليه، لاشتركوا، ولا يمتنع أن يقول: بطناً بعد بطن؛ [فيترتب] 2؛ فإن الواو قد تقتضي الاشتراك في أصل الاستحقاق، وقد تقتضي الاشتراكَ في الأصل، والتفصيلَ، وذلك إذا تجرد 3 عما يقتضي الترتيب.
5728 - وأما الاستثناءات، فيتعين تتبعها، فالمسألة المشهورة للشافعي أن الاستثناء الواقع آخراً ينصرف إلى جميع ما تقدم إذا لم يمنع من انصرافه مانع، فكذلك القول في الصفات، وبيان ذلك أنه لو قال: وقفت على أولادي ثم على إخوتي، ثم على أعمامي إلا أن يفسق منهم أحد، فهذا ينصرف إلى الجميع، ولا يختص به المتأخرون.
والمسألة تذكر في الأصول 4، وعليها بنى الشافعي قوله في قبول شهادة القاذف إذا تاب، تعلقاً بظاهر قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 5] ومثال الصفة، أن يقول: " وقفت على أولادي، ثم بعدهم، على إخوتي، ثم بعدهم على أعمامي، الفقراء منهم "، فهذه الصفة يُنحى بها نحو الاستثناء، وتنصرف على المذكورين، وهذا الكلام مبهمٌ، يحتاج إلى مزيد تفصيل.
والوجه فيه أن نقول: إذا قال: وقفت على أولادي، ثم بعدهم على بني فلان، ثم بعدهم على إخوتي إلا أن يفسق منهم أحد، فهذا ينصرف إلى المتقدمين، كما ذكرناه، ولا يختص بالمتأخرين، بل يتعلق حكمُه بالجميع.

ولو ذكر الذين وقف عليهم، وأطال الكلام، في وصف كل قبيلٍ، ثم كان يستفتح في كل صنف كلاماً مستقلاً بنفسه، فلست أرى الاستثناء والوصفَ الواقعين آخراً منصرفَيْن إلى الجمل المتقدمةِ السابقةِ المذكورةِ على صيغ الاستقلال.
وبيان ذلك بالمثال؛ أنه إذا قال: وقفت على أولادي، فمن مات منهم رجع نصيبه إلى أولاده، للذكر مثلُ حظ الأنثيين، ومن لم يعقب رجعت حصتُه إلى الذي في درجته.
ثم قال: فإذا انقرضوا، فالريع مصروفٌ إلى إخوتي: فلانٌ، وفلان، وفلان ثم قال: إلا أن يفسق منهم أحد، فهذا يختص بالإخوة عندي.
5729 - وإن أطلق الأصحابُ صرفَ الاستثناء إلى المتقدمين، فكلامُهم 1 محمول على ذكر البطون على التواصل بعاطفٍ جامع، أو عاطف مرتِّب، من غير تخلل كلامٍ يفصل جملةً عن جملةٍ، ويوجب بين البطون اختلافاًً وتفاوتاً، مثل أن يقول: وقفت على أولادي، ثم بعدهم على إخوتي، ثم على أعمامي إلا أن يفسق منهم أحد، فظاهر مذهب الشافعي رجوعُ ذلك إلى الكافة، وما ذكره في عطف الجمل، بعضِها على بعض بالواو أظهر، فإذا كان العطفُ يقتضي ترتيباً، فالصرف إلى جميع المقدَّمين فيه بعضُ النظر والغموض؛ فإن انصراف الاستثناء إلى الذين يليهم الاستثناء مقطوعٌ به، وانعطافه على جميع السابقين والعطف بالحرف المرتِّب محتملٌ غيرُ مقطوع به، وإذا ثبت الاستحقاق بلفظ الواقف نصاً، ولم يثبت ما يغيره، وجب تقرير الاستحقاق، ولم يجز تغييره بمحتملٍ متردَّدٍ.
5730 - فانتظم مما ذكرناه ثلاث مسائل: إحداها - أن يطول الفصل، ويتخلل بين الصنف والصنف فواصل، كما صورناه، فالاستثناء لا ينصرف إلى الجمل السابقة.
وإن كان العطف بثُمَّ، فالذي أراه اختصاص الاستثناء بالمتاخرين.
وإن كان العطف بالواو، ولا فاصل، فمذهبُ الشافعي رجوعُ الاستثناء إلى الجميع، وكذلك القول في الصفة.

والأصحابُ وإن لم يفصِّلوا الكلام، فما أطلقوه محمولٌ على هذا التفصيل لا محالة.
فرع: 5731 - إذا قال: وقفتُ على أولادي، فهل يدخل أولاد الأولاد في الاستحقاق؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنهم لا يدخلون.
ومن أصحابنا من قال: يدخلون في الاستحقاق، واسم الأولاد يتناول الأدنَيْن والأحفاد، فإن فرعنا على أنهم يندرجون تحت اسم الأولاد، فالأصح أن أولاد البنات لا يدخلون.
هذا ما اختاره صاحب التقريب، وتعليله: أن أولاد البنات ينسبون إلى آبائهم، وهم أزواج البنات؛ فإن الانتساب إلى الآباء دون الأمهات، وعلى هذا المعنى قال القائل: بنونا بنو أبنائنا وبناتُنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد 1 وذهب ذاهبون إلى أن أولاد البنات على الوجه الذي نفرع عليه يدخلون دخول أولاد البنين، ثم الوجهان في الأصل فيه إذا لم يجر ما يتضمن إخراج الأحفاد.
فلو قال: وقفت على أولادي، فإذا انقرضوا، فلأحفادي ثلث ما سميتُ لهم، والباقي لأخواتي، فهذا، وما في معناه، يخرج الأحفاد عن الاندراج تحت مطلق اسم الأولاد.
فرع: 5732 - إذا قال: وقفت على زيد وعمرو، ولم يذكر بعد انقراضهما مصرِفاً، وفرعنا على أن الوقف المنقطع الآخر صحيح، فلو مات أحد الرجلين، ففي نصيبه وجهان: أحدهما - أنه مصروف إلى الباقي منهما، والصرف إليه مع تعرض الواقف له أولى من تقدير مصرِف لم يذكره الواقف.
ومن أصحابنا من قال: نصيب من مات منهما بمثابة نصيبهما لو ماتا، وقد تفصل المذهب في مصرف الوقف بعد انقراض المسمَّيْن.

فصل في التولية 5733 - وهو من قواعد الكتاب، وفيه أمر يكاد أن يخرج عن القياس بعضَ الخروج.
والذي نراه أن نذكر التفصيلَ في الوقف على الجهات، ثم نذكر الوقف على معيّنين.
فأما إذا وقف على جهةٍ، كالوقف على المساكين، فإن شرط التولية لنفسه، وصرّح به، فهو القائم بالصدقة لا يزاحَم، سواء قلنا: الملك له في رقبة الوقف، أو قلنا: إنه زائلٌ إلى الله تعالى، ولا يجري في الأوقاف على الجهات إلا قولان؛ فإن إضافة الملك في الرقبة إلى المساكين لا يتجه.
هكذا قال الأئمة.
وعندي أنه لا يمتنع تقدير إضافة الملك إليهم، كما أنا نضيف الملك في رَيْع الوقف إليهم، والملك في الريع محقق، فإذا لم يمتنع إضافة الملك المحقق، لم يمتنع إضافة الملك المقدّر.
وغرض الفصل الآن أن حق التولِّي يثبت للواقف إذا شرط لنفسه، فإن قيل: هلاّ كان حق التولي تابعاً لملك الرقبة؛ حتى يقال: إن أضفنا الملك إلى الواقف، فحق التولِّي له، وإن أضفناه إلى الله تعالى، فحق التولي للسلطان؟ قلنا: حق التولِّي من جملة الحقوق المستفادة من الوقف، والمتَّبع في [حقوق] 1 الوقف شرط الواقف.
ثم إذا شرط الواقف لنفسه حقَّ التولِّي، فليس هو بمثابة ما لو أثبت لنفسه في الوقف حظّاً ونصيباً، وكل ذلك متفق عليه.
والذي تمهد مذهب العلماء فيه قديماً وحديثاً أن الواقف هو المتقرِّب إلى الله تعالى بصدقته، فكان أولى بالقيام عليها من غيره، فإذا انضم إلى ما ذكرناه تصريح الواقف بشرط التولي لنفسه، لم يبق ريبٌ في اختصاصه بالتولِّي.

5734 - ولو شرط الواقف حق التولِّي لرجلٍ عينه، فهو المتولِّي، إذا كان مستجمعاً للشرائط المرعية، وسبيل ذكره الأجنبي كسبيل إثباته في الوقف حظاً لمن يريد أن يُثبت له حظاً، فشرط التولِّي للغير كشرط قسط من الريع.
وشرطُ الواقف التولِّي لنفسه يؤخد بما تمهد من كون الواقف أولى بتربية صدقته التي تقرب بها؛ فإنا لو حملنا التولِّي في حقه على إثباته حظّاً لنفسه، وقعنا في وقف الرجل الشيء على نفسه، أو صرفه قسطاً من الريع إلى نفسه.
وسيأتي هذا متصلاً بهذا الفصل.
ويجوز أن يقال: نَصْبُه أجنبياً صادر مما ثبت له من حق القيام، ثم له أن يستنيب غيرَه مناب نفسه.
هذا إذا وقع التعرض لذكر من يتولى الوقف.
5735 - فأما إذا كان الوقف على جهة القربة مطلقاًً، من غير تعرضٍ لمن يتولى الوقفَ، فلأصحابنا طريقان: منهم من قال: أمر التولِّي يُبنى على الملك، فإن حكمنا بأن الملك فىِ الرقبة للواقف، فله حق التولِّي، وإن قلنا: الملك في الرقبة زائل إلى الله تعالى، فحق التولّي للسلطان.
وهذا ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: حق التولِّي للواقف، وإن قلنا: الملك لله تعالى، فإن الوقف تقرب، والقيام عليه تتمة للقربة، فكان مفوَّضاً إلى المتقرِّب.
والأصح الطريقة الأولى.
5736 - ثم شرط القائم في الوقف الذي هو قربة أن يكون مستصلحاً للقيام، ولذلك شرطان: أحدهما - الأمانة.
والآخر - الكفاية.
ولو انخرم أحدهما، تسلط السلطان عليه، حتى لو كان الواقف شرطَ لنفسه التولِّي، ثم اختل فيه الوصفان، أو أحدهما، لم يتركه السلطان، على ما سنصف في آخر الفصل في القول في العزل والانعزال.
هذا في الوقف على الجهات، والوقف عليها لا يكون إلا قربةً.
فلو وقف على الأغنياء شيئاً، فقد اضطرب أصحابنا فيه: فمنهم من أبطل الوقف، ومنهم من صححه.

والغرض في هذا يتبين بذكر ثلاث مراتب: إحداها - الوقف على جهات القربة، فهو منفّذ.
والأخرى - الوقف على الجهات التي يزجر الدين عنها، ولا يقرر عليها، إلا على موادعة ومتاركة، فالوقف على هذه الجهات باطل، وذلك كالوقف على الكنائس والبيع وكتبة [التوراة] 1. والمرتبة الثالثة - في الوقف على جهةٍ لا نهي فيها، ولا يتضح فيها وجهُ القُربة، كالوقف على الأغنياء من غير تعيين أشخاص.
وكل ما ذكرناه في أحكام التولية في الوقف على الجهات، فأما إذا كان الوقف على معيّنين، فهذا ليس مبنياً على القربة، حتى يقال: المتقرِّب أولى بتتمة القربة.
5737 - فإذا وقع التنبّه لهذا، قلنا: الواقف لا يخلو إما أن يتعرض لذكر من يتولَّى [الوقفَ، وإما أن يُطلق الوقفَ، فأما إذا أطلق، ولم يتعرض لمن يتولّى] 2، فإن قلنا: الملك للموقوف عليه، فهو المتولِّي بلا مدافعة؛ إذ الريْع له، والملك في الرقبة مضاف إليه.
وإن قلنا: الملك مضاف إلى الله تعالى، فظاهر المذهب أن السلطان لا يتولّى الوقفَ؛ فإنه إنما يخوض فيما يتعلق بالجهات العامة، والملك الذي يضاف إليه في هذا النوع من الوقف تقدير.
ومن أصحابنا من قال: حق التولِّي يتبع الملك، فإذا أضفناه إلى الله تعالى، فحق التولِّي إلى القائم بحقوق الله تعالى.
وإن فرّعنا على أن السلطان لا يتولى، فحق التولِّي للموقوف عليه نظراً إلى استحقاق الريع والمنفعة.
وإن قلنا: الملك للواقف في الرقبة، فالأصح أن حق القيام ثابت له؛ فإنه ملك خاص، فيجوز أن يكون القيام بذلك الملك إليه.

وإن قال قائل: حق القيام لمن له حق المنفعة والريع، قيل له: القيام يمكن أن يضاف إلى الملك، ويمكن أن يضاف إلى المنفعة، وإضافته إلى الملك أولى من إضافته إلى المنفعة.
فهذا حاصل القول في إطلاق الوقف.
5738 - وتتمة البيان فيه أنا قد نقول: إذا أُتلف الموقوفُ، يستحق الواقف قيمته ملكاً.
وإذا قلنا: الملك لله تعالى، فالقيمة في وجهٍ من الوجوه لا تصرف إلى مال الله تعالى، فاتضح بما ذكرناه أن إضافة الملك تقدير في الوقف على الأعيان، وهو تحقيق في حق الواقف، وكما لا يظهر إضافة الملك في رقبة الوقف إلى المساكين، فكذلك لا يظهر إضافة الملك في الوقف على الأعيان إلى الله تعالى، وليس الوقف قربة.
5739 - فأما إذا وقف الواقف، وشرط التولِّي لنفسه، أو لأجنبي أو لبعض من عليه الوقف، فقد قال الأئمة يُتّبع شرطُه، فإن شرط لنفسه التولِّي، فهو له.
وإن شرطه للموقوف عليه، فلا شك في ثبوته، وإن شرط لأجنبي، فظاهر المذهب أنه ينتصب ذلك الأجنبي بنصب الواقف.
وهذا الآن في حق الأجنبي يُحمل على إثبات حق له، وسلطنةٍ في الوقف بشرطٍ من إنشاء [الواقف] 1. فإن قال قائل: إذا فرعنا على أن الملك للموقوف عليه، والحق في الريع له، فما وجه حق ثبوت التولِّي لغيره؟ قلنا: من أنكر تخصيصات الواقف وتحكماته في شرائطه، فليس على خبرةٍ من الكتاب؛ فإن العلماء متفقون على أنه لو شرط ألا تُكرى الضيعة الموقوفة، بل تُستغل، فلا يجوز أن تكرى، ولو شرط ألا تكرى أكثر من سنة، وجب اتباع شرطه، ومبنى الوقف على اتباع تحكمات الواقف، إذا لم يخالف موجَب الشرع، وليس كهبة الواهب؛ فإنه لا يبقى له تحكم إذا أقبض، ولو تحكم بطلت الهبة بتحكّمه، فللواقف على الأعيان تعيينُ جهات الانتفاع.
والأصل الشاهد فيه أنه وإن ملك الموقوفُ عليه الرقبةَ -على قولٍ- والمنفعةَ،

فالرقبة محبَّسة عليه، [وأصل] 1 تحبيسها [اتِّباع] 2 شرط الواقف.
ومن أحاط بوضع الوقف، هان عليه هذا.
5740 - فإن قيل: إذا كان الوقف على الأعيان، فهل يجوز أن يكون المتولِّي فيه فاسقاً، أم ترعَوْن فيه الأمانة والكفاية، على ما ذكرتموه في القسم الأول؟ قلنا: هذا مما تردد الأصحاب فيه.
والمذهب أنه يشترط الأمانة والكفاية، فإنا نشترط هاتين الصفقتين في الوصي والقيّم، والمتولِّي في معناهما، وإنما تخيّل من لم يشترط ذلك من جهة أنه حَسِب التولِّي حقّاً للمتولِّي، وهذا كلامٌ عريٌّ عن التحصيل، فلا اعتداد به.
ثم من جوز نصب المتولِّي مع العُرُوّ عن الصفتين يقول: لأرباب الوقف أن يُقيموا أَوَدَه، ويحملوه على المراشد، فإن أبى، استعدَوْا عليه.
ولا خلاف أنه إذا كان فيهم طفل، فالمتولي يجب أن يكون أميناًً كافياً.
5741 - ثم لو فسق المتولِّي وقد شرطنا عدالته، فتفصيل القول في فسقه الطارىء كتفصيل القول في فسق الوصي، وسيأتي مفصَّلاً في كتاب الوصايا، إن شاء الله تعالى.
5742 - ثم إذا نصب الواقف متولِّياً، فإليه القيام بالعمارة، وتحصيل الريع من وجهه وإيصاله إلى مستحقيه، وإليه عقد الإجارة على حكم النظر.
ولا يمتنع أن ينصب الواقف متولِّياً في بعض المصالح المتعلِّقة بالوقف، ويفوِّض الباقي إلى أرباب الوقف، فالتولية تصحّ على الخصوص، وعلى العموم، كما يصح الإيصاء على الوجهين.
5743 - ولو نصب متولِّياً، وشرط له من الريع شيئاً، جاز.
وإن لم يشرط له شيئاً، فهل يستحق المتولِّي من الريع قدرَ أجرة مثله؟ فعلى خلافٍ بين الأصحاب، وهو خارج على المسائل التي ذكرناها في كتاب الإجارة، إذا استعمل الرجل إنساناً، ولم يذكر لعمله أجرة.

5744 - فإذا كان الوقف متعلِّقاً بالمتولِّي، فاليد نتُبعُها شرطَ الواقف، فلا يمتنع أن يشترط كون الوقف في يده، أو في يد ثالث.
وإن أطلق الوقفَ، فاليد في الوقف تتبع التصرّفَ، فإن أثبتنا حقَّ التصرف للموقوف عليه، وجب تسليم الوقف إليه، وإن أثبتنا حقَّ التصرف للواقف، فيقرر الوقف في يده، والقول الجامع أن اليد تتبع التصرفَ، وقد مضى التفصيل في ذلك، وتولِّيه عند الإطلاق والشرط.
5745 - ومذهبنا أن لزوم الوقف لا يتوقف على إقباضه للموقوف عليه وتسليمه إليه، وليس كالهبات والصدقات، وخالف في هذا أبو يوسف ومحمد 1، واضطربت مذاهبهم.
هذا منتهى القول في التولية، وما يتعلق بها.
فصل 5746 - قد ذكرنا في أثناء الكلام مصارفَ الوقف، إذ جرى ذكرها معترضاً، ونحن نجمعها على الإيجاز في هذا الفصل، فنقول: الوقف ينقسم إلى وقف تمليك، وإلى وقف قربة.
فأما وقف التمليك، فالضابط فيه أن كل من تصح الوصية له يصح الوقف عليه.
وذهب معظم الأئمة إلى أن الوقف على المساكين يلتحق بالقربات، ويُرعى في هذا المسلك طريق القُربة، وآية ذلك أنه لا يجب استيعاب المساكين، بل يسوغ الاقتصار على ثلاثة منهم؛ فعلى هذا لا يلتحق الوقف على المساكين بقسم وقف التمليك، ويترتب على هذا امتناع الوقف على اليهود والنصارى.
وحكى شيخي عن القفال أنه كان يُلحق هذا القسمَ بوقف التمليك، ويجوّز الوقف على الكفار، وعلى الفسقة، ومعاقري الخمور، والمُجّان، كما يصح الوقف على معينين من هؤلاء.
وهذا قياس حسن، وربما كان لا يذكر شيخي في بعض الدروس غيرَه.
والوصية تصح لهؤلاء، كما تصح لمعينين منهم، وإنما ينفصل المذهب في الوصية لأهل الحرب بالسلاح، كما سيأتي في كتاب الوصايا، إن شاء الله تعالى.

5747 - فعلى هذا الوقفُ الذي يستدعي القربة، هو الوقف على الجهات التي لا تستدعي تمليكاً، كالوقف على البِيع، وكتبة التوراة، فهو باطل، والصحيح الوقف على المساجد والرباطات.
فحصل من مجموع ما ذكرناه ترددٌ في أن الأجناس الذين لا ينحصرون هل يُرعى في الوقف المضاف إليهم وجهُ القربة أم لا؟ فإن راعينا وجه القربة، ففي الوقف على الأغنياء تفصيلٌ، قدمته فيما مضى.
واختلف القول في الوقف على أقوام يعسر حصرهم، ولو قدرنا صحة الوقف، لوجب استيعابهم، وهذا كالوقف على بني هاشم، والعلوية، والطالبية، وسنذكر هذين القولين في كتاب الوصايا، إن شاء الله تعالى.
وغرضنا الآن منها أنا إن صححنا الوقف، لم نعلِّقه بالقربة؛ فإنه يتضمن تمليكاً واستيعاباً.
5748 - ومما يتصل بهذا الفصل وقف الإنسان على نفسه، وقد ظهر اختلاف الأصحاب فيه، فذهب القياسون إلى منعه؛ فإن الغرض من الوقف إخراج الواقف ملكَه إلى غيره، ولا حاصل لوقف خالص ملكه على نفسه؛ فإن مقصود الوقف نوعٌ من الاختصاص، والملك الخالص زائد على كل اختصاص.
ومن أصحابنا من جوّز وقفَ الإنسان على نفسه، وحمل ذلك على طلبه تحبيسَ الملك، حتى تنحسم عنه التصرفات المزيلة للملك.
ثم بنى الأصحاب على هذا أن الرجل إذا وقف على نفسه شيئاً من ملكه، ثم ذكر أنه [بعد موته] 1 وقفٌ على فلان وفلان، ثم بعدهم على المساكين، فإن صححنا وقفه على نفسه، انتظم الأمر واتسق الوقف، وإن حكمنا بأن وقف الإنسان على نفسه باطلٌ، فهذا وقفٌ منقطع الأول، وقد مضى تفريع انقطاع الوقف من الأول.
5749 - ومما فرعوه أنا إذا أبطلنا وقف الإنسان على نفسه، فلو وقف شيئاً على الفقراء والمساكين، ثم افتقر هو في نفسه، فهل يحل له أن يأخد من رَيْع الوقف ما يسد حاجته، لاندراجه تحت اسم المساكين؟ فيه اختلاف بين الأصحاب على قولنا

يمتنع منه أن يقف على نفسه قصداً، وسبب الخلاف ما أشرنا إليه من أنه لم يقصد نفسَه، وإنما تناوله عموم اسمٍ، وسنذكر نظير هذا في الوصايا، إن شاء الله.
5750 - ومما يتصل بهذا الفصل، وبما تقدم في التولية أن الواقف لو شرط أن يتولى بنفسه الوقف، ثم أثبت لنفسه أجرة من الرَّيْع، فهذا ينبني على أن وقفه على نفسه هل يصح؟ فإن حكمنا بصحته، لم يمتنع هذا الذي ذكرناه، فإن لم نصحح وقفه على نفسه، ففي الأجرة التي يشترطها لنفسه من ريع الوقف وجهان مبنيان على أصلٍ سيأتي في قَسْم الصدقات، وهو أنا إذا حرّمنا الصدقات المفروضات على بني هاشم وبني المطلب، فلو انتصب واحد منهم عاملاً، فهل يحل له أن يأخد من سهم العاملين؟ فيه [خلافٌ] 1 سنذكره، إن شاء الله عز وجل.
وهذا إذا كان المأخود قدر أجر المثل، فإن زاد، لم يخرّج جواز أخذه إلا على قولنا بتصحيح وقف الإنسان على نفسه.
هذا منتهى قولنا في مصارف الصدقات، وسنلحق بهذا الفصل وبما قدمناه فروعاً في آخر الكتاب نتدارك بها ما لم تحتوِ الفصول عليه، إن شاء الله عز وجل.
فصل معقود في جناية العبد الموقوف، والجناية عليه 5751 - فنبدأ بالجناية عليه، فنقول: هي تنقسم إلى الإتلاف، والجنايةِ على الأطراف، مع البقاء.
فأما الإتلاف، فلا يخلو إما أن يصدر من أجنبي، وإما أن يصدر من الواقف، أو من الموقوف عليه.
5752 - فإن أتلف الأجنبيُّ العبدَ الموقوفَ، ضمِنَ القيمةَ، لا محالة، والكلامُ في مصرفها على أقوالِ الملك.
فإن حكمنا بأن الملك في الرقبة مزالٌ إلى الله تعالى، فالقيمة على المذهب المبتوت الذي عليه التعويل تصرف إلى عبدٍ آخر يُشتَرى ويُحبَّس، فإن وجدنا عبداً

خالصاً، فإذاك، وإن لم نجده، صرفنا القيمة إلى شقصٍ من عبد، ومصرفه مصرف العبد.
وليس هذا كالأضحية؛ فإنها إذا أتلفت، ولم نجد بقيمتها إلا بعضَ شاة، لم نصرفها إلى بعض الشاة، وذلك لأن التضحية ببعض الشاة غيرُ مجزئة، ووقفُ بعض العبد جائز.
5753 - وإن حكمنا بأن الملك في رقبة [العبد] 1 للواقف، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: يجب عليه أن يشتري بتلك القيمة عبداً، أو بعض عبد، كما ذكرنا في حق الله تعالى.
ومنهم من قال: القيمة تنقلب ملكاًً للواقف، ونحكم بأن الوقف انتهى بفوات العبد، وهو الذي كان مورد الوقف.
وهذا غير سديد؛ فإن من أتلف عبداً مرهوناً، والتزم قيمته، لزم جعل قيمته رهناً، مكان العبد، ولم نقل: انتهى الرهن نهايته، فليكن الأمر كذلك هاهنا؛ فإنّ تَعَلُّق الوقف لا ينقص عن تعلق حق المرتهن.
5754 - وإن فرعنا على أن الملك للموقوف عليه، ففي صرف القيمة إليه وجهان، كما ذكرناه الآن على قولنا الملك للواقف: أحد الوجهين - أن القيمة تصرف إلى الموقوف عليه ملكاً، وقد انتهى التحبيس.
ومنهم من قال: يجب صرفها إلى عبدٍ.
وإذا سلكنا هذا المسلك في هذا القول، وفي قول الواقف 2، وقد مضى مثله في قولنا: إن الملك لله تعالى، فلا تختلف الأقوال إذاً بالتفريع، ولا يظهر لها أثر، ويطلق القول بصرف القيمة إلى عبد، أو بعضٍ من عبد على الأقوال كلِّها.
5755 - وإنما يظهر [أثر] 3 الأقوال إذا فرعنا 4 على أن الواقف يملك القيمة، أو ملكنا الموقوف عليه.

فإن قيل: إن حكمنا على قول الواقف بارتداد القيمة إليه ملكاً، فوجهه انقطاع الوقف، وانقلابُ الموقوف قُبَيْل التلف ملكاًً خالصاً، وهذا مفهوم على الجملة، صحَّ أو فسد.
فأما إذا قلنا: الملك للموقوف عليه، فما وجه تمليكه القيمة، والواقف ما ملكه مِلْكَ إطلاق، فكيف يملك القيمة مطلقاً؟ وإذا قلنا: يملك القيمة على قول الواقف، فقد أزلنا الوقف، وإذا أزلناه في حق الموقوف، فلا يبقى له عُلقةُ استحقاق؟ قلنا: هذا سؤال مُخيلٌ، ولكنه يجاب عنه بأنا إذا ملَّكنا الموقوفَ عليه رقبةَ الوقف، فكأن الواقف تصدق عليه، وملّكه الرقبة مِلكَ الصدقات، غير أنه حبّس عليه الملك، فإذا انحل الحبس الذي هو نعت ملك الموقوف عليه، بقي الملك المطلق.
هذا إذا كان الجاني أجنبياً.
5756 - فأما إذا قتل الواقفُ العبدَ الموقوفَ، فإن حكمنا بأن القيمة التي يلتزمها الأجنبي بقتل العبد تُصرف إلى الواقف ملكاًً، فإذا كان القاتل هو الواقف، لم يلتزم شيئاً؛ فإنه لو التزم القيمة، لالتزمها لنفسه.
وهذا محال.
وإن قلنا: القيمة التي يلتزمها الأجنبي مصروفةٌ إلى عبدٍ، أو إلى شقص من عبد، فعلى الواقف القيمة لتصرف إلى الجهة التي ذكرناها.
وإن قلنا: القيمة التي يلتزمها الأجنبي تُصرف إلى الموقوف عليه ملكاًً، فعلى الواقف القيمة للموقوف عليه إذا كان هو القاتل.
5757 - ولو قتل الموقوفُ عليه العبدَ الموقوف، اتجهت هذه الوجوه في حقه، فإما ألا [نوجب] 1 عليه شيئاً؛ تفريعاً على أن القيمة التي يلتزمها الأجنبي مصروفة إلى الموقوف عليه ملكاًً، وإما أن نقول: على الموقوف عليه القيمةُ لتصرف إلى شراء عبد، وإما أن نقول: على الموقوف عليه القيمةُ للواقف؛ تفريعاً على أن ما يلتزمه الأجنبي مصروفٌ إلى الواقف ملكاً.

هدا بيان التفريع فيه إذا كانت الجناية على العبد الموقوف قتلاً.
5758 - فأما إذا كانت الجناية عليه دون القتل، فإن كانت من جهة الأجنبي، فقد زاد بعضُ أصحابنا وجهاً فيما حكاه صاحب التقريب: أن أروش الأطراف والجنايات الواقعة دون النفس مصروفةٌ إلى الموقوف عليه على الأقوال كلِّها، تنزيلاً لها منزلة المهر الذي يجب بوطء الموقوفة، وسنذكر على أثر ذلك أن المهر مصروف إلى الموقوف عليه.
وهذا القائل يحتج بأن أروش الجنايات الواقعة دون النفس فوائدُ تتعلق بإفاتةٍ 1 وتفويتٍ، فضاهت المهرَ.
والمذهب الظاهر أن أروش الجنايات تنزل منزلة قيمة الجملة، وقد سبق التفصيل في القيمة إذا وجبت، أو قُدّر وجوبها بالقتل، على حسب تصويرنا القاتل أجنبياً، أو الواقف، أو الموقوف عليه.
هدا إذا كانت الجناية على العبد الموقوف عليه.
5759 - فأما إذا صدرت الجناية من العبد الموقوف، فإن كانت موجبةً للقصاص، اقتُصَّ منه، فالقصاص لا يمنعه مانع.
5760 - وإن كانت الجناية تتعلق بالمال، فلا مطمع في بيع العبد الموقوف أصلاً في الجناية؛ فإن الوقف لا يقبل النقض، ولو بعناه، لتضمن بيعُه نقضاً للوقف.
وإذا امتنع البيع، تعيّن التعلق بالفداء.
والقول فيمن يفديه يتفرع على الأقوال في ملك الرقبة، فإن قلنا: مالك الرقبة الواقف، فعليه أن يفديه؛ فإنه بوقفه تسبَّب إلى منعه من البيع، فكان ذلك موجباً للفداء عليه، وينزل وقفُه إياه منزلةَ استيلاد السيد الجاريةَ، وإذا جنت المستولدة، فعلى المستولد الفداء.

5761 - وإن حكمنا بأن الملك للموقوف عليه، فقد اختلف أصحابنا في وجوب الفداء، فذهب بعضهم إلى أنه يجب على الموقوف عليه الفداء؛ نظراً إلى الملك في الرقبة وتفريعاً على ذلك.
ومن أصحابنا من قال: يجب الفداء على الواقف؛ فإنه المتسبّب إلى المنع من البيع، كما قررناه، والتعويل في وجوب الفداء على المنع من البيع.
ومن أصحابنا من قال: وجوب الفداء يبنى على القبول، فإن حكمنا بأن الوقف لا يتم إلا بقبول الموقوف عليه، فعليه الفداء، فإنه المتسبب إلى تحقيق الوقف، وانضمّ إليه ما ذكرناه من الملك في الرقبة.
وإن قلنا: يثبت الوقف دون قبول الموقوف عليه، فالفداء على الواقف.
5762 - ونحن نقول في القبول وقد انتهى الكلام إليه: إن كان الوقف على جهة من الجهات، أو على جنسٍ لا يضبطون، فلا يتوقف ثبوت الوقف على قبول أحدٍ؛ فإنه لا يمكن تقدير القبول إذا لم يكن الموقوف عليه شخصاً معيَّناً.
فأما إذا كان الوقف على متعيّن، ففي اشتراط قبوله وجهان: أحدهما 1 - أنه لا بدّ من قبوله، أو من قبول من ينوب عنه بجهة الولاية، إذا كان طفلاً أو مجنوناً، هذا هو الصحيح؛ فإن تمليك الغير رقبةً، أو منفعةً إلزاماً من غير قبول منه خارجٌ عن قياس القواعد.
ومن أصحابنا من لم يشترط القبول، ومال إلى أن الوقف ليس هبة على التحقيق، ولهذا لا يشترط فيه الإقباض الذي هو الركن في الهبات، فينبغي ألا يشترطَ القبول، كما لا يشترط الإقباض.
وإن حكمنا بأن القبول لا بد منه، فيشترط اتصاله بالوقف، على حسب اشتراطنا ذلك في كل قبولٍ يتعلق بإيجاب.
وإن قلنا: لا يشترط القبول، فلا خلاف أن الوقف يرتد برد الموقوف عليه،

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل