كتاب العدة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الدم على ترتيب الحيض في مدة الحمل، فإن قلنا: الحامل لا تحيض، فلا حكم لما رأت.
وإن قلنا: الحامل تحيض، فإذا رأت ثلاثة أقراء في مدة الحمل، فقد قال أبو حامد في هذه الأقراء: تحتسب عن عدة الشبهة، والسبب فيه أنا لا نثنِّي العدة، ولا ننفي التداخل والشخص واحد إلا لرعاية التعبد المحض، فإذا جرت صورةُ الأقراء في مدة الحمل، فينبغي أن يقع الاكتفاء بما نراه من صور أدوار الحيض والطهر، فإذا وضعت حملَها، فقد اجتمع وَضْعُ الحمل وصُورةُ الأقراء، وهذا ما كنا نطلبه.
وصحح القاضي هذا الوجه ولم يحك غيره.
وكان شيخي أبو محمد يقطع بأن صور الأطهار التي رأتها في زمان الحمل لا مبالاة بها أصلاً، ووجودُها كعدمها، وكان يقول: الأقراء الموضوعة عدةً هي التي يمكن أن يقال فيها: إنها تدلّ على براءة الرّحم، فإنها في وضع الشرع أُثبتت استبراءً، ثم اطّرد ثبوتها مع يقين البراءة؛ حسماً للباب، وهذا كابتناء عدة الطلاق على الوطء؛ فإنه على الجملة شاغل الرحم، ثم لا التفات على آحاد الصور.
وهذا الذي ذكره حسن بالغ، والدليل عليه أن الزوج إذا وطئها بشبهة، وقد كانت حاملاً عند الطلاق، فلو كنا نكتفي بصورة الأطهار، لكنا نكتفي ببقية الحمل، إذا لم تر دماً؛ فإن الوطء جرى وهي حامل، وليست من ذوات الأقراء إذ ذاك إذا كانت لا ترى دماً.
فإذا كنا نقول: إذا وضعت، استقبلت الأقراء؛ لأنها سترى الأقراء بعد الوضع، فلأن نقول: لا يقع الاعتداد بصور الأطهار، مع قيام الحمل أولى؛ فإنها تكون جاريةً في عدتين معاً، ولكن إن التزمنا التعديد، فلا ينبغي أن نخالف هذا الأصل.
وكل ما ذكرناه تفصيل القول فيه إذا كانت العدتان عن شخص واحد.
9897 - فأما إذا كانت العدتان من شخصين، فلا يخلو إما أن تكونا متفقتين أو مختلفتين.
فإن كانتا متفقتين، مثل أن تكونا بالأقراء، أو بالأشهر، فلا يخلو والحالة هذه:
إما أن تسبق عدةُ الزوج، وإما أن تسبق عدة الوطء بالشبهة.
فإن سبقت عدة الزوج بأن طلقها فاستقبلت الأقراء، ثم وطئها واطىء بشبهة، فالبداية بعدة الزوج؛ فتستكمل عدة الزوج ثلاثة أقراء، ثم تبتدىء وتخوض في عدة الشبهة.
فإن كانت رجعية، فللزوج مراجعتها في عدة النكاح.
ثم كما 1 يراجعها تنقطع عدة النكاح، وتخوضُ في عدة الواطىء بالشبهة.
ولو كانت في عدة البينونة والصورة كما ذكرناه، فهل للزوج أن يجدد عليها النكاح في عدة النكاح؟ فعلى وجهين: أحدهما - للزوج ذلك، كما له أن يراجعها في عدة الرجعة.
والثاني - ليس له ذلك؛ فإنه لو نكحها، لكانت محظورة عليه من كل وجه، ووضع النكاح ينافي إيرادَه على محرّمة من كل وجه، مع إمكان الاستمتاع حساً، وهذا القائل يقول: الرجعية في هذا المقام بمثابة ارتجاع المحرّمة، وهو جائز، والنكاح بمثابة نكاح المحرّمة، وهو محرم ممتنع.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت عدة الزوج أسبق.
فأما إذا كانت عدة الواطىء بالشبهة أسبق [كأن] 2 وطئها في صلب النكاح، وشرعت في عدة الشبهة، ثم طلقها الزوج، والاعتداد بالأقراء ولا حمل، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنها تبدأ بعدة الزوج، لقوة النكاح، فعلى هذا تعتد عن الزوج بعد الطلاق بثلاثة أقراء، ثم تستكمل عدة الواطىء بالشبهة: فإن كان مضى قُرء في النكاح قبل الطلاق، تربصت قرأين.
هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني - أنها تستكمل عدة الشبهة بحق السبق، ثم تستأنف العدة عن الزوج بعد انقضاء عدة الشبهة.
التفريع:
9898 - إن حكمنا بأنها تبتدىء عدة الزوج كما 1 طلقها، فإن كان الطلاق رجعياً، ملك رجعتها، في عدة الطلاق، ثم تنقطع العدة عن الزوج بالرجعة، وتعود إلى عدة الواطىء بالشبهة، فتكملها بعد الرجعة.
وإن كانت هذه المسألة مفروضة في عدة البينونة، فهل ينكحها؟ فعلى وجهين قدمنا ذكرهما من قبل.
وإن فرعنا على أنها تستكمل عدة الشبهة، لحقِّ السبق، ثم تستأنف الاعتداد عن الزوج، فعلى هذا لا يخلو الطلاق إما أن يكون رجعياً وإما أن يكون بائناً: فإن كان الطلاق رجعياً، فلو تركها حتى تستكمل عدة الشبهة، وعادت إلى عدة النكاح، فيرتجعها في عدة النكاح، وإن ارتجعها وهي في استكمال عدة الشبهة، فهل تصح الرجعة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا تصح الرجعة؛ لأنها ليست في عدة النكاح.
والثاني - تصح؛ لأنها ملتزمة لعدة الرجعة، فهي بسبب الالتزام على عُلقة بيّنة من الرجعة.
هذا إذا كان الطلاق رجعياً.
فإن كان بائناً والتفريع على تقديم عدة الشبهة بحقّ السبق، فإن تركها حتى انقضت عليها عدة الشبهة، ثم أراد تجديد النكاح عليها، فله ذلك.
ولو أراد تجديد النكاح عليها قبل انقضاء عدة الشبهة، لم يجد إلى ذلك سبيلاً؛ فإن النكاح لو أنشأه مُصادفَ عدة الغير، فلا سبيل إلى تصحيحه.
وبيانه أنا لو قدرنا صحة النكاح لما انقطعت هذه العدة، ومن المستحيل أن ينعقد نكاحٌ في عدةٍ والنكاح لا يقطعها.
وجميع ما ذكرناه فيه إذا كانت العدتان متفقتين: كانتا بالأقراء [أو] 2 بالأشهر.
9899 - فأما إذا كانتا مختلفتين، فالوجه فرض اختلافهما في الحمل والأقراء.
أما إذا كانت عدة النكاح بالحمل، وعدة الوطء بالشبهة بالأقراء، أو كان الأمر على العكس، فلا شك أن العدتين لا تتداخلان، كيف وقد ذكرنا أنهما لا تتداخلان مع اتفاقهما، والاختلاف يؤكد منعَ التداخل.
ثم الذي نصدّر الفصل به أن الحمل مقدّم على الأقراء، سواء كان من النكاح أو من الوطء، وسواء قُدِّر سابقاً أو قدر لاحقاً، بعد الخوض في الأقراء؛ فإن الحمل لا مدفع له، والاعتداد به يقع عمن منه الحمل لا محالة، فلا يبقى للتقدم والتأخر في ذلك موقع.
ثم الصور تستوعب الغرض: فإن كان الحمل من الزوج [كأن] 1 طلقها وهي حامل، فوُطِئت بالشبهة، فالجواب أنها إذا وضعت حملها، استقبلت الأقراء على الواطىء بالشبهة.
ثم إن كانت رجعية، فيرتجعها الزوج في زمان الحمل، فإنها معتدةٌ عنه، ثم إذا راجعها وهي حامل، فهل يحل له وطؤها قبل وضع الحمل؟ تردد المحققون في هذا، فصار صائرون إلى الحِلّ؛ لأن الرجعة وقعت وهي بعدُ لم تَخُض في عدة الشبهة؛ فإنها إنما تخوض في عدة الشبهة إذا وضعت حملها، فلا مانع من الحِلِّ في الحال.
ومن أصحابنا من قال: هي محرّمة؛ فإنها، وإن لم تكن في عدة الشبهة، فهي على عُلْقة عظيمة، من عدة الشبهة؛ من حيث إنها ستستقبلها، ولو أحللناها لتوالى وطآن، وهذه صورة لا يستحسنها الشرع، والتردد الذي ذكرناه في حِلِّ الوطء يجري في صلب النكاح [مثله] 2 إذا كانت المرأة حاملاً من زوجها، فوطئها واطىءٌ بالشبهة، فعدة الواطىء لا تنقضي بوضع حمل الزوج، ولكنها إذا وضعت تخوض في العدة بعد الوضع، فهل يستحل الزوج وطأها ما دامت حاملاً؟ فعلى التردد الذي ذكرناه.
هذا الخلاف في الحِلّ يقرب بعضَ القرب منه إذا كانت في عدة الشبهة، وكانت
بحيث ستعود إلى عدة الرّجعة، فهل يصح من الزوج رجعتُها بناء على عُلقة عدة الرجعة؟ فيه الخلاف المقدم: فإن قلنا: يرتجعها، لأنها ستعود إلى عدة الرجعة، [فلا يستحلّ] 1 هاهنا وطأها؛ نظراً إلى انتظار عودها إلى عدة الشبهة؛ وإذا كنا ننتظر عودها إلى عدة الشبهة، فكأنها الآن في عدة الشبهة.
وإن قلنا: لا يحل رجعتُها إذا كانت ستعود إلى عدة الرجعة، نظراً إلى الحال، فعلى هذا نقول: الحامل ليست في عدة الشبهة من الحال، فيحل وطؤها.
ومأخذ الكلام في تحليلِ الوطء وتصحيحِ الرجعة يؤول إلى أنا نعتبر الحال أو نعتبر ما يُفضي المآل إليه؟ وفيه الخلاف الذي ذكرناه.
9900 - وإذا كانت حاملاً عن الزوج والعدةُ بالحمل مصروفةٌ إليه، فإذا وطئها واطىء بشبهة، فرأت على الحمل ثلاثة أقراء على الترتيب المستقيم، والتفريع على أن الحامل تحيض، فقد قال القاضي: قياس ما ذكره الشيخ أبو حامد: أنها إذا وضعت حملها، وقد انقضى في زمان الحمل ثلاثةُ أقراء، فنقضي بانقضاء العدتين، كما إذا كانت العدتان من شخص واحد، والتفريع على أنهما لا يتداخلان إذا اختلف الجنسان.
وهذا في نهاية البعد عندنا؛ فإن احتباس المرأة في زمنٍ واحد في عدة رجلين لا يلائم مذهب الشافعي، وفي أصل هذا المذهب من البعد ما نبهنا عليه، من أن الأقراء في وضع الشرع، إنما يقع الاعتداد بها إذا كانت دالّةً على براءة الرحم، فأما ما يُصادَف منها في حالة قيام الحمل، فليست على حكم القرء الشرعي المعتد به.
هذا إذا كان الحمل من الزوج.
فأما إذا كان الحمل من الواطىء بالشبهة، فلا شك أن الاعتداد عنه [يتقدّم] 2، فإذا جرى الوطء في صلب النكاح، وفُرض العلوق عن الوطء بالشبهة، ثم طلقها الزوج، وهي حامل عن الواطىء بالشبهة، فالعدة عن الواطىء بالشبهة
[تتقدم] 1، فإذا وضعت، استقبلت العدة عن الزوج بالأقراء.
ثم إن كان الطلاق رجعياً، فهل يرتجعها في مدة الحمل؟ فعلى الوجهين المقدمين؛ فإنها في الحال ليست في عدة الطلاق، ولكنها ستصير إليها إذا وضعت، وقد تمهد الخلاف في مثل ذلك.
فإن كان الطلاق بائناً 2، فالزوج لا يملك نكاحها؛ فإنها في عدة الواطىء بالشبهة، فالعدة تمنع ابتداءَ النكاح عن غير مَنْ منه العدة، والمعتبر فيه أن كل عدة لو فرض فيها نكاح لم تنقطع العدة، فالنكاح لا يصح.
والواطىء بالشبهة لو أراد أن ينكحها وهي حامل، نظر: فإن كان الطلاق رجعياً، لم يجز، فإنها في حكم الزوجات، وطريان هذه العدة عن الواطىء بمثابة طريان عدته في صلب النكاح، فإذا وطىء واطىءٌ بشبهة زوجة إنسان، فالعدة تمضي والنكاحُ مستمر، كذلك عدة الشبهة في حق الرجعية لا تخرجها عن عُلقة الزوجية، فيستحيل من الواطىء أن ينكحها.
9901 - ولو كان الطلاق بائناً، فأراد الواطىء أن ينكحها في عدة نفسه، فهذا على الخلاف، فإن الزوجية زالت بالبينونة، وهي الآن في عدة الواطىء؛ لأنها حامل عنه، لكنها ستعود إلى عدة الزوج إذا وضعت، وهذا يناظر ما لو كانت في عدة الزوج، ومصيرها إلى عدة الشبهة.
فلو أراد الزوج أن يجدد نكاحها، ففي تجويز ذلك خلاف قدمناه، فلا فرق بعد البينونة بين الزوج والواطىء بالشبهة في الترتيب الذي ذكرناه، فمن نكح منهما وهي في عدة غيره، فنكاحه مردود، ومن نكح منهما وهي في عدة الناكح، ولكنها ستصير إلى عدة الآخر، ففي صحة النكاح وجهان: أحدهما - المنع.
والثاني - الصحة.
وهذا إذا كان مفروضاً في الحمل يحوج إلى مزيد تأنق في الترتيب، وذلك أنا نقول:
إن كان الحمل من الزوج، والطلاق رجعي، فقد ذكرنا أن الرجعة تصح، وإن كانت ستصير إلى عدة الشبهة، ولكن عدة الشبهة لا تثبت ما لم تضع الحمل، وهل يحل للزوج وطؤها قبل وضع الحمل؟ فعلى وجهين.
فإذا تبين هذا، عدنا إلى ترتيب النكاح، فلو كان الطلاق بائناً، نظرنا: فإن كان الحمل من الزوج والطلاق بائن، فهل ينكحها؟ إن قلنا: لو ارتجعها والطلاق رجعي لا يحل له [وطؤها] 1 في مدة الحمل، فإذا نكحها والطلاق بائن، ففي المسألة الوجهان؛ فإن النكاح لا يستعقب حِلاً بوجه، هذا هو الذي أوجب تخريج الخلاف.
وإن قلنا: لو ارتجعها، لاستحلها، فهل يجدِّد النكاحَ؟ هذا يترتب على ما إذا قلنا: إنها تحرم في مدة الحمل، فإن قلنا ثَمّ: يصح النكاح، فلأن يصح النكاح هاهنا أولى.
وإن قلنا ثَمّ: لا يصح، فهاهنا وجهان، والفرق أنا لو قدرنا صحةَ النكاح، لاستعقب النكاح حلاً؛ تفريعاً على ما انتهينا إليه.
فإن قيل: ما وجه فساد النكاح إذا كان يستعقب حلاً؟ قلنا: إنها ستصير إلى عدة الشبهة، وهذا فيه ضعف؛ فإن مصيرها إلى عدة الشبهة إذا لم يُوجب تحريمها في الحال ينبغي أن لا يمنع نكاحها.
ثم إذا صارت إلى عدة الشبهة، فهذه عدة طارئة على النكاح.
ولو طلق زوجته واستفتحت الأقراء، ثم وُطئت بالشبهة بعد مضي قرء، وعلقت عن الواطىء بالشبهة، فعدة النكاح تنقطع لا محالة، وتصير معتدة عن الواطىء بالشبهة، ثم إذا وضعت الحمل، بَنَت على ما مضى قبل العلوق، فتستكمل عدة الزوجية بقرأين، وليس المعنيُّ بانقطاع العدة إحباطَ ما مضى، ولكن المراد الانقطاعُ مع الاحتساب بما مضى.
هذا تفصيل القول فيه إذا كانت العدتان من شخصين، وكانتا مختلفتين إحداهما بالحمل والأخرى بالأقراء.
9902 - وقد تمهد من أصل الشافعي أن العدتين لا تتداخلان [إلا] 1 من شخصٍ واحد، وقد نص الشافعي في التعريض بالخِطبة على أن الحربيّ إذا طلق زوجته، فنكحها حربيّ [آخر] 2، ثم طلقها، فلا يجمع عليها بين عدتين.
وقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال في المسألة قولان: أحدهما - أنهما لا يتداخلان من الحربيين، كما لا يتداخلان من المسلمَيْن؛ فإن لعدة الكفر حكماً لا ينكر، والدليل عليه أن الكافر إذا نكح كافرة في العدة ثم أسلما -والعدة باقية - فنحكم بفساد ذلك النكاح، إذا أدركت العدةُ زمانَ الإسلام؛ فإذا ثبت أصل اعتبار العدة، فلا وجه للفرق بين المسلمَيْن والكافِرَيْن في امتناع تداخل العدتين.
والقول الثاني - أن العدتين تتداخلان من الحربيين؛ فإنه لا يثبت لهما من تأكد الحرمة ما يثبت للمسلمين، وأصل العدة مرعيٌّ والكفار في حكم الشخص الواحد.
وهذا غير سديد، والأصح في القياس إذا سلكنا طريقةَ القولين، القول الأول، وعليه جرى الشيخ أبو بكر الأَوْدَني في المناظرة، فإنه أُلزم مسألةَ العدتين من الحربيين، فارتكب 3 وقضى بأنهما لا يتداخلان.
ومن أصحابنا من قال: إذا نكحت الحربية حربياً وألم بها، انقطعت عدة الأول باستيلاء الثاني، وأملاك الحربيين وحقوقُهم عرضةٌ للسقوط بالاستيلاء، ولو قهر حربي حربية، وكانت زوجة لحربي، فإنه يصير بالقهر مسترقاً للحربية، ويرتفع النكاح، فإذا كان النكاح يرتفع، فلا يبعد أن تنقطع العدة انقطاعاً لا يعود، فهذا إذاً قَطْعٌ للعدةِ الأولى، وليس من تداخل العدتين في شيء.
وقد انتجز القول في تداخل العدتين من رجل واحد، ومن رجلين، ثم تكميل الكلام يستدعي ما نذكره الآن.
9903 - فنقول إذا أتت المرأة بولد لستة أشهر، فصاعداً، ولدون أربع سنين من يوم الفراق، وأتت به لأقلَّ من ستة أشهر من يوم الوطء، فالولد يلحق بالزوج [وينتفي] 1 عن الواطىء.
ولو أتت بالولد لأكثرَ من أربع سنين من يوم الطلاق، ولستة أشهر من يوم الوطء، فهو ملحق بالثاني.
وإن أتت به لأقلَّ من أربع سنين من يوم الطلاق، ولستة أشهر فصاعداً من يوم وطء الشبهة، فيحتمل أن يكون العلوق بهذا المولود من الأول، ويحتمل أن يكون من الثاني.
فإذا أشكل الأمر، فهذا [أوان القائف] 2 فنريه معهما القائفَ، ونلحقه بمن يُلحقه القائفُ به، والقول فيما يعتمده القائف، وفي إلحاقه وصوابِ منطقه وخطئه يأتي مستقصىً في آخر الدعاوى، إن شاء الله.
وقد ذكر الأصحاب طرفاً صالحاً من الكلام في القائف هاهنا، فرأيت تأخيره إلى موضعه -إن شاء الله- ونذكر ما يتعلق بأمر العِدة، ونقتصر عليه فنقول: إذا تردد المولود كما وصفناه، وأَرَيْنا الولد القائفَ: فإن ألحقه بالزوج، فعدته تنقضي بوضع الحمل، والمعتبر في عدة الواطىء بالشبهة الأقراء.
وإن ألحقه بالواطىء بالشبهة، فالمعتبر في عدة الزوج الأقراء.
ومضى تفصيل الكلام في كل صورة من هاتين الصورتين: أوضحنا ما إذا كان الولدُ منه -نعني الزوج- وبيّنا حكم الرجعة، وتجديدَ النكاح في عدتي الرجعة والبينونة، وذكرنا الحكم في نقيض ذلك، فلا حاجة إلى الإعادة.
9904 - وإن تردد المولود بينهما، ولم نجد بياناً من القائف، وذلك بأن يُشكل
الأمر عليه أو بأن يلحقه بهما، أو لا نجد قائفاً، فالصورة مشكلةٌ في أمر النسب، وسيأتي حكم الإشكال في مقتضى النسب.
9905 - وأما حكم العِدّة -والنسبُ مشكلٌ- كما ذكرناه- نقدّم 1 على هذا أصلاً مقصوداً في نفسه، رتبه العراقيون، والشيخُ أبو علي رضي الله عنه.
ثم نرجع إلى المسألة التي نحن فيها، وإن أحببنا ذكرناها في أثناء الترتيب، فنقول:
إذا وطىء أجنبي المعتدة عن الزوج بشبهة، ولزمتها عدتان، فلو أتت بولد لزمان لا يحتمل أن يكون من الأول، ولا من الثاني، وذلك بأن تأتي به كثر من أربع سنين من وقت الطلاق، ولأقلَّ من ستة أشهر من وقت الوطء بالشبهة، فإذا وضعت مثلَ هذا الحملَ، فهل تنقضي بوضعه عدةٌ؟
قال العراقيون: من أصحابنا من قال: لا تنقضي بوضع هذا الحمل، لا عدةُ الزوج، ولا عدةُ الواطىء بالشبهة؛ فإن من أصلنا أن وضع الحمل إنما يوجب انقضاء عدة مَن الحملُ منه، وهذا الحمل ليس ملتحقاً بالأول ولا بالثاني، فلو حكمنا بانقضاء عدة واحدة منهما على التعيين، لكان ذلك باطلاً، من وجهين: أحدهما - أن الحكم بالانقضاء مقتضاه التحاق الولدِ الموضوعِ بمن حكمنا بانقضاء عدته، والثاني - أن تعيين أحدِهما تحكُّم.
والوجه الثاني - حكَوْه عن الشيخ أبي حامد، وهو أن عدة أحدِهما تنقضي لا بعينه وتعتد بالأقراء عن أحدهما.
ثم رتَّب الشيخ أبو حامد ترتيباً حسناً، ذكره الشيخ أبو علي واستحسنه، وذلك أنه قال: الولد الذي لا يُحتمل لحوقُه بالزوج أصلاً لا تنقضي العدة به، وهو مثل أن تأتي زوجة الصبي، وهو ابن ثمان بولد، فلا تنقضي عدتها عنه بوضع ذلك المولود، ولو أتت المرأة بولد نسبُه ملتحق لو لم يفرض نفيه باللعان، ولكن نفاه الزوج،
[والْتعن] 1 على نفيه، فالنسب منتفٍ، والعدة تنقضي بوضعه، اتفق الأصحاب عليه؛ فإن النسب وإن انتفى باللعان، فلحوقه ممكن، وأمر انقضاء العدة يتعلق بالإمكان والرجوع فيه إلى قول المرأة، [ولئن] 2 نفينا الولد لأجل اللعان، لم نرفع الحكم بانقضاء العدة عند ظهور الاحتمال.
ولو أتت المرأة بولد حكمه أن ينتفي بلا لعان ولكن يحتمل أن يكون من الزوج مع قضائنا بانتفائه من غير لعان، وذلك بأن يطلق الرجل زوجته [طلقة] 3 مبينة، فتأتي بالولد لأكثرَ من أربع سنين من وقت الطلاق المبين، فهذا ولد لا يحتمل أن يكون العلوق به من النكاح؛ فلأجل هذا ينتفي عن الزوج بلا لعان؛ فإنه إنما يلحق النسبُ الذي يُحتَمل تقديرُ علوقه من النكاح، فعند ذلك يُلحِقُ الفراشُ النسبَ بصاحب الفراش، فلا ينتفي عنه من غير لعان.
فأما إذا زال إمكانُ العلوق في النكاح، فالولد ينتفي من غير لعان، ولكن الإمكان غيرُ زائل بالكلية؛ إذ من الممكن تقدير وطءٍ من الزوج بالشبهة بعد الطلاق المبين، ولو فرض ذلك، لكان النسب لاحقاً، ثم تنقضي العدتان على المذهب الصحيح بوضع الحمل، على التقدير الذى ذكرناه.
9906 - فإذا تصُورت المسألة، فالذي ذكره الشيخ أبو حامد أن العدة تنقضي في هذه الصورة من الزوج لما ذكرناه من الاحتمال، [وإن كان] 4 النسب منتفياً من غير لعان.
والتعليل ما ذكرناه من الاحتمال، وحققنا أن انقضاء العدة يعتمد الاحتمال، فالولد المنتفي بلا لعان إذا تطرق إليه احتمال العلوق كالولد المنفي باللعان؛ فإنهما جميعاًً منتفيان، والاحتمال شامل للمسألتين.
وإنما افترقت المسألتان في [السبب] 1 الذي حصل الانتفاء به؛ فإنه حصل في أحدهما باللعان، وفي الأخرى بأمرٍ متعلق بالزمان، والذي يحقق الجمع بينهما أن الملاعن لو استلحق الولد بعد نفيه، للحقه، والذي أتت زوجته المطلقة بالولد لأكثر من أربع سنين لو استلحق الولد بتقدير الوطء بالشبهة بعد الطلاق، للحقه الولد، فهما جميعاًً منفيان معرّضان للّحوق في المسألتين، وليس كما لو أتت امرأة ابن ثمان بولد؛ فإنه لا يتعرض للّحوق قط، فهو الذي لا تنقضي العدة بوضعه.
وإذا تردد الأمر بين عدّتين، وأشكل مع نفينا الولدَ عن كل واحد منهما، وذلك بأن تأتي بالولد لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق، ولأقلّ من ستة أشهر من وقت الوطء، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا تنقضي عدة واحد منهما؛ فإن النسب منفيٌّ عنهما، وليس أحدهما أولى بتقدير الاستلحاق من الثاني، والحكم بالانقضاء على الإبهام غير متّجه.
والوجه الثاني -وهو اختيار الشيخ أبي حامد- أنه تنقضي عدة أحدهما لا بعينه، وهذا اختياره، وهو الصحيح عند أئمة المذهب؛ فإن المعتمد في انقضاء العدة الاحتمال وهو متحقق في حق كل واحد منهما، وجهه في الزوج تقدير وطءٍ بعد الطلاق، ووجهه في الواطىء تقدير وطء قبل الوطء الذي ظهر لنا، ولكن يتصور الالتحاق بهما جميعاًً فيبهم الأمر ويُقضى بانقضاء إحدى العدتين، ونأمرها بأن تتربص ثلاثة أقراء، فيقع الاعتداد بها عن أحدهما، وإذا فرغت عن الوضع والتربص، فقد تخلّت عن العدتين.
هذا هو الترتيب الحسن البالغ.
9907 - ومن أصحابنا من قال: إذا أتت المطلّقة بولدٍ بعد الطلاق لزمانٍ لا يحتمل أن يكون العلوق به من صلب النكاح، ووقع القضاء بانتفائه من غير لعان، فلا تنقضي العدة بوضعه أيضاً، وهذا يضاهي أحد الوجهين فيه إذا تردد الولد بين الرجلين، والفرق بين صورة التردد وبين هذه الصورة عسرٌ، وهذا القائل يقول: إنما تنقضي
العدة بوضع ولد لاحقٍ أو بوضع ولد يلحق لولا اللعان، فأما الولد الذي ينتفي من غير حاجة إلى النفي، فلا تنقضي العدة بوضعه.
وهذا وإن أمكن توجيهه، فالفقه ما ذكره الشيخ أبو حامد.
فإذا تبين هذا، ألحقنا به 1 أن الولد المتردد بين الزوج والواطىء إذا التحق بالقيافة بأحدهما، فلا حكم للاحتمال في حق الثاني، بل كما يلحق الولد بمن ألحقه القائف به فكذلك يُعيّن ذلك الشخص، ونقول: تنقضي العدة عنه، فإذا قيل لنا: الاحتمال قائم في حق 2
9908 - ولو لم نجد قائفاً، أو وجدناه ولم يبيّن، فالوجه أنه تنقضي عدة أحدهما بوضعه 3، لا بعينه؛ لأنها أتت به لزمان الإمكان منهما.
وقد ذكرنا أنها لو أتت به بحيث يحتمل أن يكون من النكاح [ويحتمل] 4 أن يكون من وطء الشبهة أنه تنقضي عدة أحدهما لا بعينه بوضعه، وإن انتفى نسبه عنهما، فمع احتمال أن يكون من كل واحد منهما وجب الحكم بانقضاء إحدى العدّتين.
وإذا أشكل أمر الولد وأمر العدّة [ولم] 5 يمكن جعل العدة بالحمل من الزوج؛ فإن كان الطلاق رجعياً، فارتجعها في الحمل، فنبني على أن الحمل لو كان من الوطء، وقد طرأ على الأقراء، ففي صحة الرجعة -بناء على أنه ستعود إلى عدة الرجعة
- خلاف، فإن قلنا: تصح الرجعة، والحمل للواطىء بالشبهة 1 فإذا أشكل، وارتجع، صحت الرجعة؛ لأن الحمل إن كان من الزوج، فقد ارتجع في عدته، وإن كان من الوطء، فيصح، بناءً على أن مصيرها إلى عدة الرجعة بوضع الحمل.
وإن قلنا: لا يصح إذا تعين الحمل للواطىء بالشبهة، فإذا أشكل، لم نحكم بصحة الرجعة لاحتمال أن الحمل لغير الزوج، فإن أراد تصحيح الرجعة، فالوجه أن يراجعها مرتين مرة في الحمل، ومرة في الأقراء بعد الوضع؛ لأنه قد أتى برجعة صحيحة في عدته، ولو اقتصر على رجعة في أحد الحالين، لم يصح.
ولو كان الطلاق بائناً، فجدد نكاحها في مدة الحمل، لم يصح؛ لجواز وقوعه في عدة الشبهة، وكذا لو نكحها في الأقراء بعد الوضع، ولو نكحها مرة في زمان الحمل، ومرّة في مدة الأقراء، فقد وقع أحد النكاحين في عدة منسوبة إليه، ولكن لم يتعين النكاح الصحيح، ففيها وجهان: أحدها - يصح نكاحٌ غير متعيّن، كالرجعة غير متعينة.
والثاني - لا يصح نكاح -على إبهام أمرهما- موقوف، والنكاح لا يوقف ابتداؤه، والرجعة تقبل ما لا يقبله النكاح، ولذلك لا تصح رجعة المحرمة، وتصح الرجعة من المحرم، ولا يصح نكاح المحرم ولا المحرمة، وفي وجهٍ بعيد لا يصح الرجعة مع الإحرام كما لا يصح النكاح.
9909 - وأما النفقة؛ فإذا كان الطلاق مبيناً، والحمل يتردد بين الزوج والواطىء، فالنفقة واجبة؛ لأن البائنة تستحق النفقة مع الحمل، ولو كان الحمل من الواطىء، ففي وجوب النفقة عليه قولان، ومع الإشكال لا يطالب بها واحدٌ منهما قبل الوضع، لاحتمال أنه (1) من الشبهة، فإذا وضعت، وألحقه القافة بالزوج، أو انتسب المولود إليه بعد البلوغ، فعلى الزوج نفقة زمان الحمل، وإن ألحقه بالواطىء بالشبهة، ففي وجوبها عليه القولان، ولا تسقط النفقة بمضي الزمان، وإن أوجبناها على الزوج، وقلنا: تجب للحمل، فهو كإيجابها على الواطىء، وإن قلنا: للحامل، لم تسقط عنه.
ولو نكحت المعتدة غالطةً نكاح شبهة، فلا نفقة لها؛ لأنها كالناشزة، وقد ثبت النشوز مع الجهل به.
فصل
9910 - المطلقة الرجعية إذا وطئها أجنبي بشبهة، وأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما، فارتجعها في مدة الحمل، ثم وضعته، وألحقته القافة بالشبهة، ففيها 1 وجهان، والأولى القطع بصحتها، لأنا إن نظرنا إلى التبين 2 فتصح، والنظر إلى التردد حالة الارتجاع لا أصل له، والأولى استصحاب عدة الطلاق.
نعم، في تجديد نكاحها خلاف يقرب ويتجه، وقد قدرنا فرض رجعتين إحداهما في الحمل والأخرى في الأقراء، والمذهب تصحيح الرجعة، وذكرنا في إيقاع النكاحين مرتبين وجهين.
فصل
9911 - صح النقل عن الأصحاب أن الزوج إذا طلق زوجته ثم كان يعاشرها معاشرة الأزواج، فلا تنقضي العدة.
وقال المحققون: هذا خارج عن القياس؛ فإن العدة انقضاء زمان، ثم على المرأة تعبدات محتومة في العدة أولاها بالمراعاة التربص، وترك التبرج، والانعزال عمن كان زوجها، وقد يتعلق بها الإحداد، ثم لو تركت جميع 3 ذلك، وانقضى الزمان، نحكم بانقضاء عدتها.
هذا هو القياس، ولا يعرف فيها خلاف أنها لو كانت تخالط الرجال الأجانب تنقضي عدتها، وإن أثمت.
والمنقول لم يوجد نصاً للشافعي في شيء من كتبه.
قال القاضي: لم يفرق الأصحاب فيما ذكروه بين البائنة والرجعية، وأرى الفرق بينهما، فأقول: مخالطة البائنة لا أثر لها في المنع من انقضاء العدة، لانقطاع علائق النكاح، فالمطلق أجنبي.
والرجعيةُ إذا خالطها مخالطة الأزواج، فيجوز ألا تنقضي العدة؛ لأنها في حكم الزوجات، وهي زوجة بخمس آيات من كتاب الله تعالى، ولا يعتد بالعدة في صلب النكاح الذي منه تعتد، والقياس ألا تعتد إلا بائنة، وعدة الرجعية مع بقاء أحكام من الزوجية مشكل، فيشترط لها الاعتزال.
وهذا حسن، [والاحتمال] 1 قائم؛ لأن طلاقها أعقب الاعتداد، وأثبت التحريم، فوجب أن تعتد بمضي الزمان، وما ذُكر من المخالطة مبهم، ولم يريدوا به الوطء، بل على [زعمهم] 2 يكفي أن يخلو بها، ولا يكفي دخول دار هي فيها من غير خلوة، ولو مضى من العدة شيء، ثم اتفقت خلوة واحدة، لم ينقطع ما مضى، ويمتنع الاحتساب بزمان الخلوة.
ولو كان يخلو بها ليلاً، ويفارقها نهاراً، فينزل على المعتاد من معاشرة الزوجات، وليس بمعتاد امتداد الخلوة بالزوجات، فالزمان المتخلل بين الخلوتين قدر العادة لم يحتسب به من العدة، ولو خلا بها، ثم طال انقطاعه عنها، حسبت المدة الطويلة، ولا يتجه غير التلفيق.
وهذا تفريع مضطرب جرّه خروج الأصل عن القياس 3 والقول بتداخل العدتين يشعر بأن الوطء لا يقطع العدة الأولى، فلا يبطل ما مضى، لكنه في لحظة، فلم يتعرضوا له، ولا يعتد بزمان الوطء من عدة الوطء بالشبهة، ولا من عدة الطلاق على قياس قول الأصحاب 4.
9912 - 1 قد ذكرتم في تداخل العدتين أن المطلِّق إذا وطىء زوجته الرجعية، ثبتت عدة الشبهة، وجرى الحكم بتداخل العدتين، وهذا يُشعر بأن الوطء لا يقطع العدة الأولى.
قلنا: نعم، الوطء لا يبطل ما مضى، ولكنه في لحظة، فلم يقع من الأصحاب التعرض لها، ولو أنها غير معتد بها، ولا شك أن زمان الوطء لا يعتد بها 2 من عدة الشبهة، ولا يُعتد بها على قول الأصحاب من عدة الطلاق، فهذا ما يجب التنبه له.
9913 - ومما يتصل بهذا أن الرجل إذا نكح امرأةً نكاح شبهة، وكان يغشاها، فلا خلاف أنه لا يمضي من العدة شيء ما دام يغشاها، ولا نقول: كما 3 وطئها الوطأة الأولى، شرعت في العدة، ثم تلفق الأوقات المتخللة بين الوطآت ونقضي بأنها كالمعتدات في تلك الأوقات، غير أن الوطأة الأخيرة تستعقب عدةً كاملة.
هذا لم يقله أحد، وهو يؤكد ما ذكرناه في الرجعية من أن معاشرة الزوج إياها يمنع الاحتساب بالعدة.
نعم، اختلف القول في ابتداء العدة من أي وقت تحتسب.
فأحد القولين- أنه يحتسب من الوطأة الأخيرة.
والقول الثاني - أنه يحتسب من وقت التفريق بينهما، وهذا الأصل قد تقدم بالرمز إليه، ولم نستقصه في موضعٍ، ونحن نقول هاهنا: القولان في ابتداء العدة عن الواطىء بالشبهة مذكوران كما أوردناه الآن، فإن قلنا: ابتداء العدة من آخر وطأة، فلا كلام، وإن قلنا: من وقت التفريق، فيعترض عليه أن الشبهة لو انجلت وتبين زوالها، وكان يديم المعاشرة على علمٍ بالتحريم القاطع، فالوجه عندنا أن نقول: هذا لا يمنع انقضاء العدة.
والمعنيُّ بافتراقهما انجلاء الشبهة لنا.
[وفي] 4 هذا فضل نظر، سنعود إليه من بعدُ إن شاء الله.
9914 - ومما يتصل بهذا الآن أن المعتدة عن الزوج إذا نكحت نكاح شبهة على ظن أن العدة قد انقضت، وافترشها مَن نكحها على الشبهة، فالعدة تنقطع من وقت العقد، ومنهم من قال: تنقطع من أول وطأة تتفق من الزوج على الشبهة، ثم متى تعود إلى البناء على العدة الأولى؟ ذكر الأصحاب القولين اللذين ذكرناهما في نكاح الشبهة في الاعتداد من المفترش على الشبهة فقالوا: تعود إلى بقية العدة الأولى من آخر وطأة في قولٍ وتعود إليها من وقت التفريق على قولٍ، فذكروا في العَوْد إلى العدة ما ذكروه في ابتداء العدة [عن] 1 الواطىء بالشبهة إذا لم يكن نكاح الشبهة وارداً على عدة.
وهذا فيه إذا لم تحبل من المفترش في العدة، فإن حبلت، فلا شك أن عدة الحبل إذا بأن الأمر مقدمةٌ على بقية العدة الأولى، كما تقدم تفصيل هذا في تداخل العدتين.
فيخرج مما ذكرناه الآن ما استبعده القيّاسون من أن مخامرة الزوج المعتدةَ في العدة يمنع من انقضاء العدة ليس من البعيد، وهو خارج على هذا الأصل الذي ذكرناه الآن؛ فإن نكاح الشبهة والمخامرة بحكمه إذا تضمن منع انقضاء العدة، فمخامرة الزوج لا يبعد أن تتضمن منع انقضاء العدة.
9915 - ثم ينشأ من هذا المنتهى وجوه من الرأي من أهمها أن نقول: ما ذكره الأصحاب من أن المخامرة من الزوج تمنع انقضاء العدة يجب أن يكون محمولاً على ما إذا كان يخامرها ظاناً أن النكاح باقٍ، فيكون معاشرته إياها على مضاهاة النكاح الفاسد يطرأ على العدة، وتخرج خروجاً حسناً.
فأما إذا طلقها ثلاثاًً مثلاً، وعلم أنها محرمةٌ عليه، فأخذ يعاشرها مع القطع بالتحريم، فيجب ألا يؤثر هذا النوع من المخالطة في انقضاء العدة، إذ لو فرض اختلاطها بالأجانب مع العلم بالتحريم لما أثر ذلك قطعاً، فلا يضر أن تُجعل مخالطة المطلق معتبراً 2 بمخالطة الأجانب [و] 3 يخرج منه أن مخالطة الرجعية تمنع على كل
حال؛ فإنها تقع على حكم الشبهة، وكيف لا، وقد صار إلى تحليل الرجعية طوائف من العلماء.
ومما ينشأ من ذلك أن من نكح معتدة وافترشها ففي وقت انقطاع العدة خلاف قدّمته، فإذا خرّجنا عليه مخالطة الزوج المعتدة، ورأينا تنزيل المخالطة على الشبهة، فيجب أن نقول: نفس المخالطة تمنع انقضاء العدة من غير اشتراط وطء؛ فإن هذه المخالطة مستندة إلى وطء النكاح مترتبة عليه، وليس كذلك حكم نكاح الشبهة إذا طرأ.
والذي نقله الأئمة عن الأصحاب أن نفس المخالطة من الزوج تمنع العدة، ولم يفصّلوا بين الشبهة والعلم بالتحريم، والذي ذكرته من التنزيل على حالة ظن الحلّ لست أرى منه بداً؛ فإن الزوج إذا كان يخالط المطلقة ثلاثاً أو كان يزني بها، فلست أرى الزنا قاطعاً، ولا معاشرة الزناة مؤثرة.
9916 - ومما يتصل بتمام القول في ذلك أن نكاح الشبهة إذا طرأ على العدة، واتصل به الوطء، ثم انكف الناكح وانعزل، وهو على اعتقاد الافتراش، فانقضت مدة العدة في زمان انعزاله، فالذي تقتضيه القواعد التي مهدناها أن العدة لا تنقضي إذا كان في علم الله أنه سيعود إلى وطئها، فلا ينبغي أن نغيّر القواعد بالصورة.
والضابط فيه أنا لو صوّرنا نكاح شبهة من غير طريان على العدة، ثم صورنا وطأتين بينهما انعزال في مدة طويلة، فلا نحكم بانقضاء العدة عن الواطىء بالشبهة، وكل ما يمنع انقضاء العدة عن الواطىء، يمنع العوْد إلى العدة التي طرأ نكاح الشبهة عليها، وهذا هو المعتبر الحق الذي لا يسوغ الحيْد عنه.
وبالجملة استمرار الشبهة واتحادها وانسحابها حكمٌ بيّن في وضع الشرع، وآية هذا أن نكاح الشبهة إذا اشتمل على وطآت كثيرة، فلا يجب إلا مهر واحد، وإن تعددت الوطآت.
ولو فرض تعدد الشبهات، وتخلل الانجلاء في أثنائها، واشتملت كل شبهة على وطء، لتعددت المهور.
9917 - ومما يدور في الخلد أن من نكح معتدةً نكاح شبهة- ورأينا التفريع على انقطاع العدة قبل الوطء، فإذا نقول لو لم تزف حتى انجلت الشبهة؟ وماذا نقول إذا زفت، ولم يتفق الوطء حتى انجلت الشبهة؟
أما إذا لم تزف حتى انجلت الشبهة فلست أرى إلا القطع بأن العدة لا تنقطع؛ فإن صورة النكاح لا تُفضي إلى ملابسة، ثم كانا على ظنٍّ مجرد، فزال، فالعدة على استمرارها.
هذا ما أراه.
فأما إذا زُفّت، وكان الناكح على الشبهة يلابسها ولا يطؤها، فانجلت الشبهة، فهذا فيه تردد عندي: فإن كنا نفرع على أن انقطاع العدة لا يتوقف على جريان الوطء؛ من جهة أنا إنما نحكم بالانقطاع قبل الوطء إذا جرى الوطء، فنجعل ما تقدم على الوطء كالمقدمة له.
والتابعُ قد يسبق وقد يلحق.
فينتظم بعد هذه الشبهات صور: إحداها - أن تزف فيطأ، فالعدة تنقطع من وقت الزفاف على هذا الوجه الذي نفرع عليه، وفيه الخلاف المشهور.
الصورة الأخرى - أن تزف ولا يتفق الوطء وتنجلي الشبهة، وفيه التردد الذي ذكرته.
ولو لم يتفق الزفاف حتى انجلت الشبهة، فالوجه عندي القطع بأنه لا تقطع العدة، وإذا اتصل النكاح بالوطء، وفرعنا على أن انقطاع العدة قبل الوطء، فإنه تنقطع من وقت الزفاف، [أم] 1 تنقطع من وقت النكاح؟ فيه شيء لا يخفى وجه الاحتمال فيه.
وأما ما كنا ذكرناه في أن الموطوءة في نكاح الشبهة من غير فرض عدة سابقة متى تبتدىء العدة من الواطىء، وأشرنا إلى القولين، ثم قلنا على قول التفريق: يعني التفريق بالذات والجسد أم انجلاء الشبهة، وإذا انجلت وأدام المخامرة، فهل تنقضي العدة، فالوجه الآن بعد تمهّد الأصول أن نجعل مخامرة الواطىء بالشبهة مع يقين التحريم بمثابة مخامرة الزوج البائنة مع يقين التحريم.
فهذا نجاز القول في هذا الفصل.
وقد خلطت حكمَ نكاح الشبهة والعدة عن الواطىء بالشبهة، وحكمَ انقطاع العدة بطريان النكاح، وحكمَ معاشرة الزوج خلطاً، وبيان هذا الفصل في خلطه؛ فإن هذه الفصول الثلاثة ناشئة من أصلٍ واحد والله أعلم.
فرع:
9918 - إذا نكح الرجل معتدةً نكاح شبهة، ثم تبين الفساد، واجتنبها فخلت عن العدة الأولى، فللّذي نكحها على الشبهة أن ينكحها بعد التخلي من العدة.
هذا هو المذهب، وعليه التعويل.
وللشافعي قول في القديم: أن المنكوحة على الفساد في العدة محرّمة على الناكح أبداً.
واعتمد في هذا قضاء عمر.
ومعظم أقواله القديمة تخالف الأقيسةَ الجلية، وتستند إلى أقضيةٍ وآثارٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُمسك [بطرفٍ] 1 من المعنى الكلي.
وقال: من نكح معتدة فقد تعجل الاستحلال قبل أوانه، فعوقب بالحرمان والتحريم المؤبد، كما يعاقب قاتل موروثه بحرمان ميراثه أبداً.
ثم سبب الشافعي بشيء لا بد من التنبه له، فقال: " الناكح في العدة منتسب إلى إفساد النسب وخلط المياه لإقدامه على النكاح قبل الاستبراء "؛ فقال العراقيون: هذا الذي ذكره يوجب أن من وطىء زوجة الغير بشبهة؛ فإنها تحرم عليه على الأبد؛ فإن النكاح في العدة وهي تابعةُ النكاح الصحيح وعُلقته إذا كان توجب تحريم الأبد، فالوطء في النكاح لأن يوجب ذلك أولى.
وفحوى كلام الأئمة في التفريع يدل على أن من زنى بمعتدة أو منكوحة، لم يكن زناه سبباً لتحريمها؛ من جهة أن الزنا لا يتضمن اختلاط النسب؛ إذ لا نسب لزانٍ، ولا ينتسب إلى الزاني ولدٌ، وفيه جواب: إن من نكح أجنبية خلية عن النكاح والعدة نكاح شبهة، فلا تحرم عليه ولا يجري القول القديم فيه، وإنما يجري ذلك القول في الواطىء في نكاحٍ أو عدة مترتبة على النكاح، ولا يمتنع عندنا جريان هذا القول في عدة الشبهة؛ فإن نكاح الشبهة فراش يترتب عليه النسب، كما يترتب على النكاح الصحيح.
وبالجملة لا أصل للقول القديم، وهو مرجوع عنه، ولولا إقامة الرسم ومحاولة نقل ما بلغني، لما كنت أعد الأقوال القديمة مذهباً للشافعي.
وقد يعترض من طريق المعنى أن الزنا يفسد النسب من قِبل أن الزوج إذا تحقق الزنا بزوجته تسلّط على قذفها ونَفَى ولدَها باللعان، ولكن قطع الأصحاب بأن الزنا لا يحرّم المزني بها على الزاني، وقد صح عندنا من مذهب بعض السلف أن المزنية محرّمة على الأبد على الزاني، وهذا فيما أظن رواية عن مالك 1، والعلم عند الله.
فرع:
9919 - إذا وطىء الرجل حرةً حسبها مملوكته، فوطئها على هذا الظن، فعليها أن تعتد عدة كاملة: ثلاثة أقراء، إن كانت من ذوات الأقراء، أو ثلاثة أشهر، ولا نظر إلى تفصيل ظن الواطىء، والاعتدادُ بكمالها في نفسها.
والحرةُ إذا أَخذت في الاعتداد أكملت العدة.
ولو وطىء أمةً وحسبها حرة: مثل أن يقدِّرها منكوحته الحرة، فإذا بأن أنها أمة، ففيما تستقبله من العدة وجهان: أحدهما - أنها تعتد بقرأين نظراً إليها وأقصى عدة الأمة قرءان إذا كانت حائلاً.
والوجه الثاني - أنه يجب عليها عدة كاملة ثلاثة أقراء نظراً إلى ظن الواطىء، ويجوز أن يعتبر ظنه؛ إذ عليه تثبت حرية الولد إذا وطىء أمة الغير ظاناً أنها زوجته الحرة فنحكم بأن الولد تعلق حراً، اعتباراً بظنه، وإن كان مقتضى القياس أن يتبع الولدُ الأمّ في الرق والحرية، ولذلك أوقفنا ولد الحر من زوجته الأمة.
9920 - ثم عقد الشافعي باباً مضمونه شيئان: أحدهما - أن الرجعية إذا مات عنها
الزوج تنتقل إلى عدة الوفاة بخلاف [البائنة] 1، لأن الرجعية في معنى الزوجات يلحقها الطلاق، والإيلاء والظهار، ويجري التوارث بينهما 2 والبائنة أجنبية لكنها مستبرأة عن النكاح.
والمقصود الثاني - أن الرجعية إذا ارتجعها الزوج ثم طلقها من غير مسيس بعد الرجعة، فإنها تستأنف العدة أم تبني على ما كان منها؟ فيه قولان قدمنا ذكرهما، وكذلك إذا طلق الرجعية في العدة، وأتبع الطلاق الطلاق، ففيه ترتيب مضى وتفريعات بالغة لا نعيد منها شيئاًً.
وهذا مضمون الباب.
...
باب عدة المفقود وغيره
9921 - إذا غاب الرجل عن امرأته ولم ينقطع أثره، ولم يخفَ خبره، وطالت مدة الغيبة، فالنكاح قائم، والمرأة محبوسة في حِبالة الغائب، إلا أن يُفرضَ إعسارٌ بالنفقة، وذلك يأتي في كتاب النفقات، إن شاء الله.
هذا قولنا وإن تضررت بسبب الغيبة؛ وهذا بمثابة ما لو انقطع الزوج عن زوجته في الحضر، واكتفى عنها بالجواري والسُّرِّيات، فليس لها إلا الاستمرار على النكاح.
9922 - وإن انقطع الخبر وخفي الأثر، وكان لا يُعلم حياتُه ومماته، فهذا موضع القولين الجديد والقديم، على ما سنذكرهما الآن، ونتأنق أولاً في التصوير، ونقول:
إن خفي الأثر، وانقطع الخبر، انقطاعاً يُشعر مثله بالموت، ويغلب على الظن؛ من جهة أن الحي تنتشر أخباره وينقلها الواردون والوافدون، وفي مثل هذه الصورة نُجري القولين في أنه هل تجب فطرةُ العبد الغائب على هذا الوجه؟ ولو أُعتق عن الكفارة هل نقضي ببراءة الذمة؟ فإن كان انقطاع الخبر على هذا الوجه، فهذا موضع جريان القولين.
وإن انقطع الخبر وأمكن حمله على تنائي الديار، وانتهاء الرجل في الإبعاد في الأسفار إلى مكان لا يتواصل الرفاق من [مثله غالباً] 1، فالانقطاع على هذا الوجه لا يُغَلِّب على الظن الموتَ، وفي كلام الأصحاب تردُّدٌ في أن القول القديم هل يجري في مثل هذه الصورة؟ ظاهر الكلام أنه يجري مع احتمالٍ وتردّدٍ.
هذا [كلامنا في] 1 تصوير محل القولين.
9923 - ونبتدىء بعد ذلك ذكرَ القولين: قال في القديم: تتربص بعد انقطاع الأخبار أربعَ سنين، ثم تعتد بعدها عدة الوفاة أربعةَ أشهر وعشراً، ثم تنكِح إن شاءت.
قال الشافعي: قلدت فيه عمرَ بنَ الخطاب 2، وفيه طرف من المعنى وهو أن الضِّرار إذا عظم مدفوعٌ، وقد نفسخ النكاح بالعجز عن الإنفاق والاستمتاع وغيرهما مع تعرضهما للزوال، فإذا جاز الفسخ بهذا الضرر اليسير، فلأن يصح بالضرار المتفاحش فيما نحن فيه أولى.
وقال الشافعي في الجديد: تصبر حتى يأتيَها يقينُ طلاقه أو وفاتِه، وعنى باليقين أن يثبت سبب الفراق بطريق من الطرق الشرعية وبيّنةٍ من البينات، ثم تتوقف إن استبهم الأمر ما عُمّرت، وبقيت، وقد روى المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "امرأة المفقود امرأته ما لم يأتها يقين طلاقه أو وفاته" 3. وعن علي رضي الله عنه أنه قال: " امرأة المفقود لا تتزوج " 4، ولا عبرة بالصور، فإنه لو تحقق انتقاله إلى قُطرٍ والأخبار متواصلة، فالضرار محقق [ولا] 5 يثبت حق الفسخ.
ثم إن الشافعي رضي الله عنه رجع عن قوله القديم، وغلّط 6 من يعتقد بالقول القديم، وصار إلى أنه لو قضى به قاضٍ نقضت قضاءه.
وهذا المسلك يجري في معظم الأقوال الجديدة بالإضافة إلى القديمة؛ من قِبل أن
التعويل في [نقض] 1 القضاء على مصادفة قضاء القاضي سبباً معلوم بطلانه، وكذلك يجري الجديد مع القديم، فإنه بنى أقواله القديمة على اتباع الأثر، وتَرْكِ القياس الجلي، وتحقق عنده في الجديد أن ذلك باطل، فبنى نقضَ القضاء على معتقد إصرارٍ مقطوع به.
قال أبو حنيفة 2: يلزمها أن تمكث حتى يستكمل الزوج مائة وعشرين سنة، ثم تنكِح؛ لأن هذا أقصى سن الآدميين في زماننا فيما بلغنا.
وهذا الذي ذكره مخالفٌ للقياس والسنة.
9924 - فإن فرعنا على القول القديم، فأول ما يقع البداية به أن الأربع سنين هل يضربها القاضي أم كيف السبيل فيها؟ أما مدة الإيلاء، فمن وقت الإيلاء، من غير حاجة إلى الضرب من جهة القاضي، وكذلك المدد المرعية في ضرب العقل على العاقلة يعتبر ابتداؤها من وقت الجناية، كما سيأتي، إن شاء الله.
ومدةُ العُنّة لا بد من استنادها إلى ضرب القاضي.
وإذا قلنا في التي تباعدت حيضتها: تتربص أربعَ سنين، ثم تعتد، فلا حاجة إلى ضرب القاضي، وهذه المدّة التي نحن فيها مما ظهر فيه اختلاف الأصحاب أخذاً من فحوى كلامهم: فقال قائلون: لا بد من رفع الحكم إلى الحاكم لينظر ويرى رأيه، ثم نبتدىء ضربَ المدة، وهي أربعُ سنين.
وقال قائلون: تمضي هذه المدة من غير ضربٍ من جهة القاضي.
وهذا الاختلاف يقرب من تردد الأصحاب في أنا إذا أثبتنا حق الفسخ بسبب الإعسار بالنفقة، فهل [تنفرد] 3 المرأة بالفسخ إذا تحقق الإعسار، أم القاضي يتولى ذلك؟ فيه اختلاف سيأتي مشروحاً.
ووجه قُرب ما نحن فيه من الإعسار أن الإحاطةَ بانقطاع الأخبار لا بد
[فيها] 1 من اجتهاد وبحثٍ، وكذلك القول في الإعسار؛ فإنه إنما يُتوصّل 2 إليه إذا طُلب للزوج مال، فلم يوجد، فاستوى الأصلان فيما نحن فيه.
ثم إذا ضُربَ المدةُ بعد ما قررناه [ومضت] 3، واعتدت أربعةَ أشهر وعشراً، فلا يثبت موت ذلك الغائب إلا في هذه القضية، فلا يقسّم ورثتُه مالَه، ولا يقع الحكم بعتق مدبّريه وأمهاتِ أولاده.
والذي اختاره القاضي أنه لا بد من حكم الحاكم في ضرب المدة، كمدة العُنَّة.
9925 - وإذا أردنا أن نوجز كلاماً على المدد، قلنا: مدة الإيلاء تستند إلى أمرٍ مقطوع به، وكذلك مدة ضرب العقل على العاقلة، ومدة العُنَّة مستندها دعاوى، وفرضُ إنكارٍ أو إقرار، والدعاوى لا تصح إلا في مجلس الحكم، وهذه المدة التي نحن فيها مستندها اجتهاد من غير حاجة إلى دعوى لما ذكرناه في الإعسار.
9926 - ثم تمام التفريع على القول القديم أنها إذا تربصت في السنين، ثم اعتدت أربعة أشهر وعشراً، ونكحت، فعاد الزوج الأول، فكيف الوجه؟ فنقول: إن لم تنكِح، فالزوج العائد أحق بها، والزوجية قائمة.
وإن كانت قد نكحت، فالزوج الأول العائد بالخيار بين أن ينتزعَها من الزوج الثاني، ويغرَم له مهرَ مثلها.
قال القاضي: هكذا حكى الشيخُ تفريعَ هذا القول، وهو مذهب عمر.
وقد تأملت طرق الأصحاب في التفريع على القول القديم وألفَيْتُها على نهاية الاضطراب، وأنا أذكر جميع الطرق على وجوهها، ثم أسلط المباحثة عليها.
فالذي حكاه القاضي في التفريع أن الزوج الأول إذا عاد، فالخيار إليه؛ فإن أقر الزوجةَ تحت الزوج الثاني، غرّمه مهرَ مثل الزوجة، واستمر نكاح الزوج الثاني.
وإن أراد ردَّ الزوجةَ إلى نفسه، ثم الزوج الثاني يُغرّم الزوجَ الأولَ مهرَ مثل الزوجة.
وهذا على نهاية الميل عن القياس والقواعد.
وكان شيخنا والصيدلاني يحكيان هذا القولَ على نسقٍ آخر، وما [ذَكَرا فيه] 1 أمثل، قالا: إذا عاد الزوج الأول، فنقول: له الخيار، فإن اختار ردَّ الزوجةَ إليه، رددناها إليه، وقلنا: قد بان لنا أن النكاح في حقك لم يرتفع قط، والنكاح الثاني لم ينعقد أصلاً.
وإن اخترتَ تركها على ما هي عليه، فنتبين أن النكاح في حق الثاني قد صح.
ثم لا يثبت للزوج الأول العائد الخيارُ إلا مرةً واحدة، فإن استردها لم يغرَم للزوج الثاني شيئاً، وإن اختار تَرْكَها فعلى الزوج الثاني أن يغرَم للزوج الأول مهرَ مثل زوجته؛ فإنه قد فوّت على الزوج الأول النكاح فيها، فأشبه ذلك التزام المرضعةِ مهرَ المثل.
9927 - وحاصل هذا القول يرجع إلى أن أصل القول القديم مبني على دفع الضرار، ثم ليس الأمر مقطوعاً به؛ فإن النفقة دارّةٌ، وحقوق النكاح قائمةٌ، ولا ضرار: [إلا من جهة] 2 الانقطاع عن الاستمتاع، فلم ينفذ ارتفاع النكاح ظاهراً وباطناً، فإذا عاد الزوج فيعظم الأمر لو قلنا: ليس له استردادُ زوجته، [ولو ألزمناه] 3 الاستردادَ وقد نكحت زوجته وولدت، لعظم وقع هذا، فجرى التفريع مردَّداً ناشئاً من وقف العقود.
ولكن نجَّزنا الإحلالَ للزوج الثاني، وهذا غريب على قانون الوقف، ولكنا تبينا تنجيز الإحلال على غلبة الظن في الموت، ثم انعطفنا آخراً على أصل الوقف.
هذا مأخذ التفريع.
ثم قلنا: إن أقر الأولُ الزوجةَ تحت الثاني، فقد بأن أن الثاني أفسدَ نكاح الأول وقَطَعه، فغرِم المهرَ، فأما إذا اختار استردادَ الزوجةِ، فتغريم الثاني الأولَ المهرَ
بعيدٌ، ولم يُفسد الأولُ على الثاني شيئاً، ولكنه خيّب ظنَّه والظن يخطىء ويصيب.
فافترق ما حكاه القاضي، وما حكيناه في المهر؛ فإن القاضي حكى التغريم من الجانبين، ونحن أثبتناه من أحدهما، وهو أقرب، ووجه ما حكاه القاضي مذهب عمر إن صح هذا التفصيل منه.
9928 - وذكر بعض المصنفين مسلكاً آخر بدعاً نأتي به على وجهه، فقال: إذا رجع الزوج الأول، [فلا] 1 خلاف أن نكاحه مفسوخ، ولا سبيل إلى استرداد الزوجة بحكم النكاح الأول، أما النكاح الثاني، ففيه وجهان: أحدهما - أن الخيار فيه إلى الزوج الأول، فإن فسخ نكاح الثاني انفسخ، وإن أَمَرَّه ولم يفسخه، بقي ولم يرتفع، ثم قال: إذا فسخه يغرَم الأولُ للثاني عند فسخه مهرَ مثل الزوجة.
هذا أحد الوجهين -فيما زعم-.
والوجه الثاني - أنه كما 2 ظهر الأول، انفسخ نكاح الثاني بنفس ظهوره، وقد انفسخ نكاح الأول، كما قدمناه.
وهذا الذي ذكره هذا الرجل يخالف ما ذكره جميعُ الأصحاب، وما أراه إلا غلطاً محضاً؛ فإنه قطع بانفساخ نكاح الأول، ثم قال في [وجهه] 3 الأول: إذا عاد، [له] 4 حق فسخ النكاح، وهو لا يستفيد بفسخ نكاحه شيئاًً إلا أن يجدد النكاح عليها إن رضيت، ولا نظير لهذا النوع من الفسخ.
فهذا نقل هذه الطريقة.
9929 - وأما العراقيون، فإنهم ذكروا مسلكاً آخر، وأتَوْا مما يقرب بعضَ القرب، فقالوا: إذا تربصت أربع سنين، ثم اعتدت عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشراً، وسلَّطْناها على النكاح، وأظهرنا القضاءَ بالفراق، ففي المسألة ثلاثة أوجه: أحدها -
أن الفراق يقع عن الأول ظاهراً وباطناً، فعلى هذا لو عاد الأول، فتبقى الزوجة منكوحة الثاني ظاهراً وباطناً، ولا خيار لأحد، ولا تَراجُعَ ولا تغريمَ بوجهٍ من الوجوه، والفراق الواقع بهذا السبب بمثابة الفراق الواقع بالإعسار بالنفقة أو غيره من الأسباب.
والوجه الثاني - أن الفراق الذي قضينا به ظاهرٌ، ولا نحكم بنفوذه باطناً على الغيب، وفائدة ذلك أن الزوج الأول لو عاد، فهي زوجة الأول، ولا خيار: لا للأول ولا للثاني، بل هي زوجةُ الأول قطعاً، والذي جرى من الثاني وطء شبهة في نكاح الغير.
والوجه الثالث - أن الزوج الأول إذا عاد بعد ما قضينا بالفراق وتزوجت، فلا ننقضُ ما قضينا به، وهي زوجة الثاني ظاهراً وباطناً، ولا خيار ولا تغريم.
وإن عاد الأول، وسلطنا المرأة على أن تتزوج لكنها لم تتزوج، فهي مردودة إلى الأول حتماً، ولا خيار.
وهذا القائل يجعل عَوْد الزوج الأول بمثابة وجود الماء في حق المتيمم، ويجعل النكاح بمنزلة الشروع في الصلاة، ولو وجد المتيمم الماءَ قبل الشروع في الصلاة، بطل التيمم، ولو شرع في الصلاة ثم وجد [الماء] 1، لم يكن له حكم، فالحكم بالفراق بعد التزوج مبتوتٌ ظاهراً وباطناً، وهو [قبل] 2 التزوّج على التردد.
ثم لم يُثبتوا الخيارَ ولا الرجوعَ بالمهر في شيء من هذه الأوجه، بل صرحوا ببطلان الخيار والرجوعِ إلى الغرم، ثم زادوا على ذلك، فذكروا مذهبَ عمرَ في القول القديم، على ما ذكرناه في طريقة شيخنا والصيدلاني، ثم قالوا: هذا مذهب عمر والشافعي قال بأصل مذهبه، ولم يوافقه في التفريع.
9930 - هذا بيان طرق الأصحاب، وإن استقام شيء [منها] 3 فلا يستقيم إلا
طريقةُ العراقيين، وهم أثبت النقلة نقلاً وأصحهم حكاية؛ فإن مذهب عمر في الأصل قد يعتضد بوجه من الرأي، وهو دفع الضرار، ونحن قد [نرفع] 1 النكاح بالشقاق الدائم على أحد القولين إذا اعتاص علينا فصل الخصومة، فليس ذلك بدعاً.
ثم الحد الذي يجب أن ننتهي إليه في عود الزوج ما ذكره العراقيون، ومجاوزتُه إبعاد نُجعة عن أصول الشريعة.
وأنا أضرب في ذلك مثلاً، وأقول: حديث المصراة والمحفّلة متفق على صحته، وأصل الخيار غيرُ بعيدٍ عن القياس، ومضمون الحديث في [إثبات مقابلة] 2 صاعٍ من التمر في مقابلة اللبن، وفيه بُعدٌ عن القياس، والأصحُّ ثَمَّ اتباعُ الخبر في الأصل والتفصيل؛ فإن الحجة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما وافق من قضاء عمر وجهاً من النظر، لم يبعد التمسك به.
فأما [ما بَعُدَ] 3 بعداً عظيماً، فلا سبيل إلى التزامه؛ فإن الخوض فيه يدعو إلى قياسٍ آخر لا عهد به في الشريعة.
9931 - ومما يتم به التفريع أن الفسخ الذي جرى القضاء به، وترتب عليه إقدامها على النكاح، هو ارتفاع النكاح أصلاً أو إنشاءُ فسخ؟ وجدتُ كلام الأصحاب متردداً في هذا من غير تصريح بنفيٍ ولا إثبات، وهو لعمري محتملٌ، يجوز أن يقال: يرتفع النكاح، ويُشعر بذلك أمرُنا إياها بعدّة الوفاة؛ فإن هذه العدة لا تليق بفسخِ يُنشأ وفراقٍ يقطع النكاحَ.
هذا وجهٌ.
ويجوز أن يقالَ: لابد من فسخٍ؛ فإنا لا نعرف خلافاً في أنها لو رضيت وصابرت، لاستمرت على ظاهر النكاح.
ثم إذا أثبتنا إنشاء الفسخ، تردد الرأيُ في أنها تُنشئه أم القاضي على حسب التردد في الفسخ بالإعسار، كما سيأتي، إن شاء ألله تعالى؟
ثم إن حكمنا بارتفاع النكاح، فهو بعد أربع سنين ليستعقب عدةَ الوفاة، وإن
حكمنا بأنه لا بد من إنشاء الفسخ، ففي النفس تردد، ولعل الأشبه أنه يقع بعد الأربع سنين والعلم عند الله.
9932 - ثم قال العراقيون: إذا فرعنا على القول القديم؛ وشرعت المرأة في التربص أربعَ سنين، فلها طلب النفقة من مال الزوج الأول في السنين الأربع، وهذا تصريح منهم بأن الحكم بارتفاع النكاح بعد ذلك، فإذا استفتحت التربّص أربعة أشهر وعشراً، فليس لها طلبُ النفقة، وإن بأن لنا أنها كانت حاملاً، لأنها تربصت على نيّة عدة الوفاة، والمعتدة عدة الوفاة لا تستحق النفقة.
وهذا الذي ذكروه ظاهر إذا قلنا بنفوذ الفراق ظاهراً وباطناً.
وإن قلنا: الفراق لا ينفذ باطناً عند عود الزوج الأول، فإذا عاد، فقد بأن أنها كانت زوجة، فيحتمل ما قالوه من سقوط النفقة؛ فإنها كانت على اعتقاد الاعتداد، وهذا لا ينحط عن النشوز، ويحتمل أن تستحق النفقةَ إذا عاد الزوج الأول، فإنها لم تُحدث شيئاًً، وإنما أضمرت عقداً مجرداً والعقد المجرد لا يكون نشوزاً مخالفةً، كما لو أضمرت أن تبرح ووطّنت النفسَ عليه، ولكن منعها من إيقاع ما اعتقدته مانع، فلا تكون ناشزة بمجرد النية.
وللأول أن ينفصل 1 ويقول: ليس الاعتداد إلا تربصاً في مسكن النكاح، وقد وُجد هذا مع انضمام القصد إليه، وإضمار التبرج 2 عزم متعلق بأمرٍ موعود غيرِ موجود.
هذا تمام التفريع على القول القديم.
9933 - فأما إذا فرعنا على القول الجديد، فحكمنا عليها أن تصابر النكاحَ إلى ثبوت يقينِ الموتِ، أو الفراقِ، فإن نكحت، [فالنكاح] 3 فاسد، قال الشافعي: قضاء القاضي به منقوض، وقد بيّنا وجه ذلك.
ثم قال الأصحاب: إذا نكحت، صارت ناشزة على الزوج، وسقطت نفقتها، وهذا الذي ذكره الأصحاب بيّنٌ إذا برزت عن مسكن النكاح.
فأما إذا جرى النكاح، ومضت أيام قبل اتفاق الزفاف وجريانِ الخروج من مسكن النكاح، فظاهر كلام الأصحاب أنها تكون ناشزة، وقد يتطرق إلى نظر الفقيه في هذا احتمالٌ، كما قدمته في التفريع على القول القديم عند خوضها في عدة الوفاة وتجريدها القصدَ إليها.
وسقوطُ النفقة بالنكاح المجرد تفريعاً على الجديد أَوْجَه؛ إذ قد صار إلى تصحيح هذا النكاح عمرُ بنُ الخطاب، ثم طوائفُ من العلماء بعده، والنكاح أمرٌ أنشىء وظهر، وليس كالتربص على قصد الاعتداد.
فهذا ما أردناه نقلاً وتنبيهاً.
فلو فُرِّق بينها وبين الزوج الثاني، وعادت إلى ملازمة حكم الزوج الأول، فهل تعود نفقتُها قبل أن يبلغ الخبر زوجَها الأول، فعلى قولين سيأتي ذكرهما في كتاب النفقات -إن شاء الله- في كل نشوز يجري في غيبة الزوج، ثم يفرض تركه والعَوْدُ إلى الطاعة قبل بلوغ الخبر، إن شاء الله.
9934 - ثم قال الأصحاب: إذا نكحت والتفريعُ على الجديد، فأتت عن الزوج الثاني بولد، فالكلام في إلحاقه بالأول أو بالثاني وفي تردده بينهما على حسب ما تقدم الرمز إليه فيما سبق، واستقصاؤه في باب القائف، إن شاء الله.
ثم الزوج الأول يعود، ونكاحه قائم، ويحال بين الزوجة والزوج الثاني، غيرَ أنها تعتد عن الزوج الثاني في صلب نكاح الأول عدةَ الشبهة، وفي ابتدائها القولان المقدمان: أحدهما - أنها من آخر وطأة.
والثاني - أنها من وقت الافتراق.
ولو كانت أتت بولد، فلحق بالثاني، وكان يحتاج إلى اللِّبأ 1، الذي لا يعيش الرُّضَّع إلا به، فلا بد من تمكينها من ذلك، وإن لم نجد مرضعاً ذاتَ لبنٍ غيرَها، وكان الولد لو فطم، لهلك وضاع، فلا مَحال بينه وبينها، ثم نفقتُها ساقطةٌ في مدة
اشتغالها بالرضاع إن كان يتعذّر استمتاع الزوج، فنفقتها تُدَرُّ عليها، وسيأتي تقرير هذا الأصل في كتاب الرضاع، إن شاء الله.
ولو أذن الزوج الأول للزّوجة في الإرضاع الذي يتعذر بمثله الاستمتاع، فإن لم يكن الإرضاع واجباً عليها، وكنا نجد مرضعةً سواها، فإذنُ الزوج الأول في الإرضاع بمثابة ما لو أذن لها في أن تسافر في شُغل نفسها، وقد اختلف القول في أنها لو سافرت بإذن زوجها في شُغل نفسها، فهل تسقط نفقتها؟
وإن كان إرضاعُها حتماً، وكان في ترك الإرضاع ما يؤدِّي إلى ضَياع المولود، فإذا أذن الزوج، فهذا فيه تردُّدٌ عندنا: يجوز أن يقال: لا حكم لإذنه؛ فإن الإرضاع مستحَقٌ، وإذا أسقطنا أثر إذنه، ففائدتُه سقوط النفقة قطعاًً؛ فإن الإرضاع وإن كان واجباً، فهي التي تسببت إلى ذلك، وجرّت إلى نفسها الإرضاع.
ويجوز أن يقال: إذا أذن لها في الإرضاع -وإن كان واجباً- فالمسألة تُخرّج على القولين المذكورين فيه إذا سافرت بإذن زوجها في شغل نفسها.
ولو أذن السيد لعبده في الإحرام بالحج، لم يمكن تحليله، وأبو حنيفة يقول: له أن يحلله؛ فإن إذنه في الإحرام لغوٌ، مع تصور الإحرام منه، وتلك المسألة تنفصل عما نحن فيه؛ فإن الشافعيَّ حمل الإذن في الإحرام على استدامته، وليس يتحقق مثلُ هذا فيما نحن فيه، فإن ابتداء الإرضاع وإدامتَه جميعاً واجبان في الصورة التي ذكرناها.
وقد يتصل بالتفريع على القول الجديد ما أشار إليه المزني، وهو أن الزوج في الغيبة لو مات، وتبين فساد النكاح الثاني، فيجتمع عليها عدة الوفاة، وعدة الوطء بالشبهة.
وقد تمهد القول في أن العدتين لا تتداخلان، وذكرنا الفرق بين أن يتقدم موجَب العدة من جهة الزوج وبين أن يتأخر، ولا حاجة بنا إلى إعادة تلك الفصول.
"باب استبراء أم الولد من كتابين"
1
9935 - الأصل في الاستبراء ووجوبِه السنةُ والإجماعُ، فأما السنة، فما روي أنه نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سبي أَوْطاس: " ألا لا توطأ حاملٌ حتى تضع، ولا حائِلٌ حتى تحيض " 2 وأجمع المسلمون على أصل الاستبراء، وإن اختلفوا في التفاصيل، ثم التربص الواجب ينقسم في أصل الوضع إلى ما يجب بعد المسيس عند زوال النكاح، وإلى ما يجب في ملك اليمين.
ثم ما يجب على أثر النكاح يُسمّى عِدّة لتعلقه بعَددٍ من الأطهار أو الحيض على اختلاف العلماء.
والذي يجب بسبب ملك اليمين يسمى استبراءً، ومعنى الاستبراء يشمل النوعين، ولكن شُهر ما يتعلق بملك اليمين بلقب الاستبراء، وما يتعلق بحرمة النكاح بلقب العدة.
أما ما يتعلق بالعدة، فقد سبق استقصاؤه.
9936 - وهذا أوان استفتاح القول في الاستبراء، وفي هذا الأصل ركنان: أحدهما - يشتمل على تفصيل القول في الاستبراء عند زوال الملك.
والثاني - ينطوي على تفصيل الاستبراء عند جلب الملك، وقد عقد الشافعي في كل ركن باباً وبدأ بباب الاستبراء عند زوال الملك.
فإذا أعتق الرجل أم ولده أو مات عنها، فعَتَقت بموته، فعليها الاستبراء بقرء واحد، خلافاً لأبي حنيفة 1، فإنه أوجب عليها أن تتربص ثلاثَ حيض، ونظر إلى كمالها بالحرية مع أول جزء من الاستبراء، ومعتمدُنا أن الزائل عنها ملك يمين، والتعويلُ في إيجاب العدة ذات العَدَد على زوال النكاح، وهذا ما قررناه في (الأساليب) 2 ومجموعات الخلاف.
ثم الذي نذكره قبل الخوض في مقصود الباب أن القرء الواحد الذي أطلقناه في الاستبراء في هذا الباب الذي مضمونه زوال الملك، والقرء الواحد الذي سيأتي اعتباره في الباب الثاني، وهو جلب الملك طهرٌ أم حيض؟ ذكر الأئمة قولين وقالوا: أصحهما والجديد منهما - أنه حيض واحدٌ.
والقول الثاني - أنه طهرٌ.
توجيه القولين: من قال: إنه طهر، قاس على القرء المعتبر في العدة؛ إذ لا فرق بين البابين إلا في الاتحاد والتعدد، وقد بان أن الأقراء المعتبرة في العِدد هي الأطهار، فليكن الاستبراء واحداً منها، ولعل هذا يترجح في الاستبراء بشيءٍ، وهو أن التعبد في الاستبراء أغلب، ولهذا يجب الاستبراء على من اشترى جاريةً من امرأة، أو من ملكِ صبيٍّ لا يطأ مثلُه، فإذا غلب التعبدُ على الباب، لزم قطعُ النظر عن اعتبار ما هو علامة براءة الرحم.
ومَنْ قال بالقول الثاني، احتج بظاهر الخبر المنقول في سبي هوازن، واحتج أيضاًً بأن قال: إذا اتحد المعتَبر هاهنا وقد تمس الحاجة إلى تبرئة الرحم عن شغل سبق،345
فيجب أن يكون ذلك الواحدُ المعتبر علامةً دالة على براءة الرحم، وليس كذلك الأطهار في العِدد؛ فإنها تقع محتوِشَة بالدماء، فيحصل تربصُها في الزمان الذي كان [تحل فيه] 1 لزوجها، وهو الطهر، ويحصل معه دلالاتٌ من براءة الرحم، وهذا المعنى لا يتحقق والقرء المعتبر واحد، فيجب تغليب ما يدل على براءة الرحم.
وأيضاًً فإن النكاح [يُجَدّد] 2 بعد العدة، فانقضاؤها يفيد حِلَّ النكاح، فلا يضرّ أن تنقضي العدة بالطعن في الحيض؛ فإن الحيض لا ينافي صحة النكاح، وأما الاستبراء في الملك، فإنما يُعنى لاستعقابه حلَّ الوطء، فلو جعلنا الاستبراءَ بالطهر، لما حلت بالحيض.
هذا توجيه القولين.
التفريع:
9937 - إن حكمنا بأن الاستبراء بالحيض، فلا خلاف أن بعض الحيض لا يقع الاكتفاء به، ولو دخلت وقتَ الاستبراء، وهي في بقية من الحيض، فلتطهر، ثم لتحض حيضة كاملة، وهذه الحيضة هي المحسوبة استبراء، ثم إذا طهرت من الحيضة الثانية، فاستبراؤها الحيضةُ الثانية، [وما تقدمها من طهرٍ غيرُ معتد به] 3، وإن كانت محرمةً فيه، إذا فرعنا على الأصح الأظهر، وهو أن الاستبراء بالحيض.
فأما إذا قلنا: الاستبراءُ بالطهر، فنذكر صورتين، ونأتي فيهما باضطراب الأصحاب: الصورة الأولى - إذا صادفها العتق في الجزء الأخير من الحيض، وتربصت للاستبراء طهراً كاملاً، وطعنت في الحيض، فهل نقول: كما 4 طعنت قضينا بأنها تحل، إذا فرعنا على أن الاستبراء طهر؟
ظاهر كلام المشايخ في التفريع على هذا القول أنها لا تحل ما لم تمض الحيضةُ، حتى يحصل دليلُ براءة الرحم؛ فإنا أقمنا الأطهار في العدد أقراءً معتداً بها بجريان
حيضتين أو حِيَض دالّة على البراءة، فيجري الطهر الواحد معتداً به بشرط أن ينضم إليه حيض كامل.
وهذا وإن كان مشهوراً -ذكره الشيخ أبو علي [أنه] 1 المذهب- فيحتمل أن يكون الطعن في الحيض يخرجها عن الاستبراء، وهذا هو القياس، على القول الذي نفرع عليه.
ولست فيه على ذِكر احتمالٍ مجرد، بل في كلام الأصحاب ما يدل عليه؛ فإنّ الحيضة [إن كانت] 2 هي المعتبرة، فهذا تفريعٌ على أن الاستبراء بالحيض، وإن كان المعتبر الطهر، فيجب الاكتفاء بالطعن في الحيض، لاستبانة انقضاء الطهر، ومحال أن يقع آخرُ التربص معدوداً من التربص.
نعم، قد يقع هذا في الأول من حيث أنا ننتظر بعده ما تعتد به.
ويتجه على هذا تردُّدٌ في أن الطعن في الحيض باللحظة الواحدة هل يكفي، أم لا بد من مُضي أقل الحيض استظهاراً، ليُعلَم أن ما رأته ليس دمَ فساد، وهذا قد قدمنا له في كتاب العدة نظيراً.
هذا تفصيلُ القول فيه إذا جرى موجِب الاستبراء في الجزء الأخير من الحيض، ووقع الطهر الكامل بعده.
9938 - فأما إذا جرى موجِب الاستبراء في أثناء الطهر، والتفريع على أن الاستبراء بالطهر، فالذي ذهب إليه المحققون من الأئمة أن بعض الطهر طهر، كما أن بعض الطهر في العدة طهرٌ، ويعود الكلام إلى أن الطعن في الحيض هل يكفي، أم لا بد من مضي الحيضة الكاملة؟ وقد قدمنا ذلك في الصورة المتقدمة على هذه.
ومن أصحابنا من قال: بعض الطهر لا يقع الاعتداد به على القول الذي نفرع عليه، بل نقول: لا احتساب بالبقية، فتحيض، ثم تطهر طهراً كاملاً، ثم تحيض، وهذا أورده المعلِّقون عن القاضي.
ويمكن أن يقال في توجيهه: إنا أقمنا بعض الطهر في العدة مقام طهر كامل، لأن العدة أقراء، وهي ذات عَددٍ متعلقةٍ بالزمان، ومن شائع الكلام تسمية شيئين وبعض الثالث في الزمان بصيغة الجمع، كما قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] وإنما وقت الحج شهران، وبعض من الثالث، فأما الواحد من الجنس لا 1 ينطلق على بعضه.
ثم إذا اشترطنا طهراً كاملاً، فيجب القطع بأن الطعن في الحيضة الثانية كافٍ: إما بلحظة وإما بيوم وليلة، لأنه مضى حيض كامل، قبل هذا الطهر، فليقع الاكتفاء به إن كنا نطلب علامةً دالّة على براءة الرحم، بل يكفي الطعن في الحيضة الثانية.
هذا بيان ما يقع الاستبراء به إن كانت المستبرأة من ذوات الأقراء.
9939 - فإن كانت من ذوات الأشهر، فقد قدمنا في المطلقة الأمة ثلاثة أقوال إذا كانت من ذوات الأشهر: أحدها - أنها تعتد بشهر ونصف.
والثاني - أنها تعتد بشهرين.
والثالث - أنها تعتد بثلاثة أشهر.
ويجري في الاستبراء قولان: أحدهما - تُستبرأ بشهر واحد؛ فإن الشهر الواحد في مقابلة القرء، والقول الثاني - أنها تستبرأ بثلاثة أشهر؛ فإنها أقل مدة يدل مضيُّها على براءة الرحم، كما سبق تقريره في العِدد.
وإن كانت المستبرأة حاملاً، نظر: فإن كانت حاملاً ممن منه الاستبراء، فإذا وضعت الحملَ، حصل الاستبراء، وهو الأصل في كل ما يتطرق إليه اعتبار براءة الرحم، قال منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا لا توطأ حامل حتى تضع ".
هذا إذا كان الحمل عمن منه الاستبراء، فأما إذا كان الحمل عن أجنبي: زناً، فإذا وضعته في زمان الاستبراء، فالمشهور الذي ذهب إليه الجماهير أن الاستبراء ينقضي بوضعه، لعموم قوله: " ألا لا توطأ حامل حتى تضع "؛ ولأن المرعيَّ فيه قيامُ دلالة
البراءة، ووضمع الحمل إذا خلا الرحم بوضعه أول الأدلة على البراءة.
وذكر القاضي وجهاً آخر أن الاستبراء لا ينقضي بوضعه، قياساً على العدة، فإنها لا تنقضي بوضع حملٍ نقطع بانتفائه عن الزوج، ثم قال: الوجهان يمكن بناؤهما على القولين في أن الاستبراء بماذا في حق ذات الأقراء؟ فإن قلنا: الاستبراء بالحيض، فكأنا [نعوِّل] 1 على ما يدل على براءة الرحم، وإن قلنا: الاستبراء بالطهر، فكأنا نرعى تعبداً في الباب، فيليق بهذا ألا يحصل بوضمع الحمل العالق عن الزنا المحض.
هذا كلامه رضي الله عنه.
وقد انتجز ما يقع الاستبراء به ولا اختصاص لما ذكرناه بالباب الذي افتتحناه.
9940 - ونحن الآن نخوض في مقصود الباب، فنقول: إذا أعتق الرجل أم ولده، ولم يقدم على العتق استبراءً، أو عتقت بموته، ولم يتقدم على الموت الاستبراءُ، فيجب الاستبراء بقُرء، كما سبق تفصيله، ويحرم نكاحُها في زمان الاستبراء، على من يبغي نكاحها.
ولو اشترى جاريةً ووطئها، ثم أعتقها، وجب الاستبراء، كما يجب في المستولدة إذا أعتقها أو عَتَقت بالموت.
فأما إذا [استبرأ] 2 مالكُ المستولدة أمّ ولده، ثم زوجها، فالأصح المشهور صحةُ التزويج، على ما سيأتي في أمهات الأولاد.
ولو كانت مشغولةَ الرحم منه، فأراد أن يزوِّجها، لم يجد إلى تزويجها سبيلاً، وكذلك لو وطىء جاريتَه القِنّة ثم استبرأها، فله أن يزوّجها.
ولو وطئها ثم أراد أن يزوجها من غير استبراء، فالنكاح باطل عندنا، خلافاًً لأبي حنيفة 3.
والأصل الذي يجب الإحاطة به أن اشتغال الرحم بالماء المحترم يمنع تسليط الغير