كتاب العدة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ونحن نفصل ذلك، فنقول: إن كانت من ذوات الشهور، فمبلغ ما تضارب به أجرةُ ثلاثةِ أشهرٍ، وإن كانت من ذوات الأقراء وعادتُها مختلفةٌ، فإنها تضارب بأجرة أقل ما يتصور انقضاء العدة به.
وإن كانت لها عادة مستقيمة، فظاهر المذهب أن مضاربتها تقع باعتبار زمانِ عادتِها.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنها تضارب بالأقل أخذاً باليقين، ولا تعويل على العادة، وهذا ضعيفٌ، وقد يَنظُر المبتدىء إليه فيهَشُّ إليه مستمسكاً باليقين، وهذا باطل؛ فإنا لسنا نسلم ما تضارب به إليها، ولا نسلطها على التصرف فيه، بل نتركه عتيداً موقوفاً، وقد ذكرنا أن الوقف مُهيّأٌ لمَظِنةِ الإشكال، فلا معنى للاقتصار على الأقل، ولولا أنا لا نجد مَرَدّاً، لو جاوزنا العادة، لكان نظرنا في مجاوزتها، من جهة أن الغرماء يتسلطون على ما يسلّم إليهم، والقدر الذي نَقِفُه لا نضيِّع فيه حقّاً، بل نرتقب ما يكون، ولكن ليس وراء العادة مَردٌّ.
ولو كانت معتدةً بالحمل، فالمذهب أنها تضارب بمؤنة السكنى في تسعة أشهر، فإن هذا هو الغالب الذي إليه الرجوع، وذهب بعض أصحابنا إلى أن المضاربةَ تقع بمؤنة السكنى لمدة ستة أشهر.
وهذا المسلك ضعيفٌ في الأقراء، كما ذكرناه، وهو على نهاية الضعف في الحمل؛ فإن الستة الأشهر مدةُ وضع الحمل الحيّ المستقل، ونحن نقضي بانقضاء العدة إذا أَجْهَضَت جنيناً بدأ التخطيط فيه، فينبغي أن يكون الأقل المعتبر مناسباً [لغرض] 1 انقضاء العدة، لا لبقاء الولد، ولا ضبط للأقل الذي يحصل الانقضاء به.
فإن قيل: بناء الفصل على أن الوقف لا يستدعي يقيناً، فهلا وقفتم المؤنةَ، أم هلا ضاربتم بالمؤنةِ لأربعِ سنين؟ قلنا: هذا لم يصر إليه من الأصحاب صائر؛ من جهة أنه على نهاية البعد، وتنقرض العصور والمئون من السنين ولا يبقى حملٌ أربعَ سنين، وهذا يناظر لو قيل به مجاوزةَ العادة مع النظر في سن اليأس؛ أخذاً بإمكان التباعد.
9847 - هذا منتهى الكلام في هذا الغرض، [ويُبنى] 1 عليه سؤال يرتبط به الفصلان في إشكالٍ مع الجواب عنه، فإن قيل: المضاربةُ بالمؤنة إذا لم يكن للزوج مسكن مملوك، وقلتم إذا كان للزوج مسكنٌ مملوك، فالمرأة تُقدَّم بحق السكنى، ويؤخرُ حقوق الغرماء.
قلنا: الفرق بين الأصلين أنه إذا كان للزوج مسكن مملوك، فهو متعيَّن لسكنى العدة، والمرأة فيه مختصةٌ به اختصاص المرتهن بالعين المرهونة.
والحقوقُ المتعلقة بالأعيان مقدمةٌ على الديون، وإذا لم يكن للنكاح مسكن متعين، فإنما يتعلق حقها بمؤونة مُطْلَقةٍ، سبيلها سبيلُ الديون التي تلزم الذِّممَ، فجرت المضاربة على نحو ما ذكرناه.
فإن قيل: قد قدمتم فيما أسلفتم تردداً في تقديم حقوق الله تعالى على حقوق الآدميين، وفي عكس ذلك، فهلاّ قلتم: مؤنة السكنى في العدة من حقوق الله؟ قلنا: هذا خيال لا أصل له؛ فإن حق الله السكون؛ إذ لو تبرعت هي وبذلت المؤنة من مال نفسها، لكان ذلك ممكناً.
9848 - وتمام البيان في الفصل أن المرأة إذا كانت معتدة بالأقراء، وكانت معتادةً، لها عادةٌ مستقيمةٌ، فلو زعمت أن عدتها انقضت بدون العادة، وقبلنا قولها، فالفاضلُ من هذا القدر إلى تمام عادتها مردود على الغرماء.
وإن زعمت أن عادتها زادت على ما عَهِدَتْه، فأحكام العدة باقية عليها، وذكر العراقيون ثلاثة أوجه في أنها هل تضارب بمزيدٍ في مقابلة ما ادعته من الزيادة، وجمعوا إلى الأقراء الحملَ، وطردوا فيها الأوجُهَ: أحدها - أنها لا تستحق مزيداً أصلاً، وقد انحسم الباب بما تقدم؛ إذ لو فتحنا هذا، لقدَّرنا مزيداً على ما ذكرت إلى غير ضبط، وقد تدعي تباعدَ الحيضة، ونقع في أمر لا ينفصل.
والوجه الثاني - أنها مصدَّقةٌ تستحق المضاربة بما ادعته؛ إذ النسوة مصدقات فيما يتعلق بانقضاء العدة.
والوجه الثالث - أن ذلك إن كان في الحمل، وزعمت أنها حاملٌ بعدُ، فإنها تضارب؛ إذ للحمل أمرٌ محدودٌ على حال.
وإن كانت من ذوات الأقراء، فلا تستحق مزيداً، فإنا لا نجد في الأقراء مرجعاً إلا إليها، وتصديقُها في ذلك يُفضي إلى إثبات مغارمَ عظيمةٍ بعيدةٍ عن الإمكان.
وهذا الذي ذكروه فيه إذا لم يعترف الغرماء بتصديقها، فأما إذا اعترفوا بتصديقها، فلا شك أنها تضارب بالمزيد، وتسترد من الغرماء حصة تلك الزيادة.
وحقيقة هذه الأوجه آيلة إلى أنها إذا ادعت مزيداً هل تصدق؟
9849 - ولو لم تكن المسألة مفروضةً في [الإفلاس] 1 وضيق المال، وقد طلق الرجل امرأته، وجرت في العدة، فالزوج يُسكنُها على حسب ما ذكرناه، فلو كانت لها عادة، فادعت مزيداً على العادة، فالذي يدل عليه كلام الأصحاب أنها تُصدَّقُ هاهنا وجهاً واحداً بخلاف ما ذكرناه.
والفرق أنا إذا قسمنا المال وبنينا المضاربة على أقدارٍ معلومة، [جرّ] 2 ذلك مناقضةً يعسر بعضها، فكان التردد لهذا السبب، وهذا المعنى لم يتحقق في حق الزوج، على أني لا أُبعد فيه أيضاً احتمالاً بسبب أنا لو صدقناها، لتمادت كذلك في دعواها إلى سن اليأس، وهذا أمر مجحف بالزوج.
وأما ما ذكروه من الفصل بين الحمل وبين الأقراء، فالذي أراه أنهم إن اعترفوا بالحمل، فالأصلُ عدمُ الولادة قطعاً، ويتعين [الرجوع إلى نفيها، وعلى من يثبتها الحجةُ] 3، وليس من حق هذا أن يدرج في الخلاف مع الأقراء، حتى يُفرضَ في الحمل والأقراءِ وجهان مطلقان، ونُفصِّلَ في الوجه الثالث بينهما.
نعم، إن أنكروا كونها حاملاً أصلاً، فيتجه حينئذٍ إدراجُ هذه الصور في الخلاف، وردُّ الأمر إلى التفصيل في الوجه الثالث.
فأما
الفصل الثالث
فمقصوده القول في مساكنة الزوج المعتدةَ.
9850 - فنقول: إذا كانت تعتد في مسكن النكاح، فليس للزوج مساكنتُها، إذا كانت المساكنة تؤدي إلى المضارّة، والمضارّة إنما تُتَلقَّى من المرافق، والمرافقُ التي هي العماد، وعليها التعويل: بيتُ الماء، والمطبخ، وبئر الماء.
هذه المرافقُ؛ فإذا اتَّحدت، فليس للزوج أن يسكن قُطْراً من الدار، [وإن] 1 كانت فَيْحاً متسعة الأرجاء؛ فإن المرافق إذا كانت تقع مشتركة، فالضرر يتحقق لا محالة، والتناوب على المرافق [شديدٌ غيرُ محتمل] 2 سيّما بيت الماء.
وأما الممر والمجرى إلى خارج، فلسنا نرعى ذلك -والمعتدةُ حقها أن تلزم المسكن- فليس الممرُ من المرافق التي يليق بحال المرأة في العدة.
ولو كان في الدار حجرة منفردة بمرافقها على ما ذكرنا في تفسير المرافق، وكان الزوج يسكن الحجرة وهي مستقلة بمرافقها، فالمرأة تسكن الدار أو على العكس، فهذا ليس بمساكنة، ولا بأس بما ذكرناه.
9851 - ومما يتعلق بالمساكنة أنه لا يحل للرجل أن يخلو بالمرأة في العدة، كما لا يحل له أن يخلو بأجنبية، وهذا يطرد في الرجعية [اطِّراده] 3 في البائنة؛ فإن الرجعية في حكم التحريم بمثابة البائنة.
ثم فسر الأئمة الخَلوةَ، فقالوا: إذا اتحدت المرافق، فلا يحل للزوج سكونُ الدار معها، ولو ساكنها كان خالياً بها.
ولو كان معها محرم، فليس الزوج مستخلياً بها، ولو كان مع الزوج في الدار زوجةٌ أخرى، أو كان معه واحدةٌ من محارمه، فليس
الزوج مستخلياً بالمعتدة، وإن كانت أجنبية ووقع الفرضُ فيها من غير عدة، فلا خَلوةَ، إذا تُصورت المسألة بالصورة التي ذكرناها.
وكذلك لو كان في الدار جاريةٌ للزوج، فلا خَلْوةَ، ولو خلا الرجل بأجنبيتين، أو مُعتدَّتين، أو بجمعٍ من النسوة، فهذا تردد الأصحاب فيه، فمنهم من رآه خَلْوةً؛ فإن كل واحدة منهن بالإضافة إلى الزوج كصاحباتها، ومنهم من قال: هذا ليس بخَلْوةٍ؛ فإن من اجتمع مع نسوة، فاجتماعهن يمنعه من الإقدام على محذور في غالب الأمر.
وهذا الاختلاف مأخوذ من تردد الأصحاب في أنه إذا اجتمعت نسوة لا محرم معهن.
فهل يلزمهن أن يخرجن بأنفسهن إلى الحج، وأطلق الأصحاب من ذلك قولاً، فقالوا: إذا اجتمع مع الرجل والمرأة من يحتشمه الرجل، فلا يكون مستخلياً بها، وتفصيل هذا ما قدمناه.
ولكن ينشأ فما ذكرناه الآن أنه لو كان معهما صغيرة لا تميز أو مجنونة، فلا معوّل عليها؛ فإنها لا تُحتَشَم، ولو كان معهما مراهقةٌ مميزة تعقل، وتصف، وتذكر، وتحكي، [قالوا:] 1 ظاهرٌ عندنا أن ذلك يمنع من حصول الخَلْوة، والعلم عند الله.
ولو خلا رجلان بامرأة، فظاهر ما ذكره الأصحاب أن هذا خَلوة، وليس كخَلْوة الرجل بامرأتين، ولهذا لم نوجب على المرأة الفردة أن تخرج حاجّة مع جمع الرجال من غير زوج ولا محرم، وترددوا في خروج نسوة مجتمعات مع جمع الرجال.
ومما يتعلق بتمام الغرض في ذلك أن الدار لو كانت مشتملة على حجرة، فسكنت المرأة حجرةً منفردةً بمرافقها، وسكن الرجل الدار ذات المرافق، نُظر: فإن كانت الحجرة يُغلق بابها، فإذا فعلت ذلك، فلا خَلوة، وإن لم يكن للحجرة بابٌ، وبابُ الدار مغلق على الدار والحجرة، فالرجل مستخلٍ بها، وإن كان لا يراها، ولو كانت الحجرة ذاتَ باب له أغلاق وأرتاج، ولكن مرافقها في الدار، ولا ثالث، فالرجل مستخلٍ بها.
هذا تفصيل الخَلْوة.
9852 - ونحن نذكر بعد ذلك أمرين يتعلق بينهما سرُّ الفصل: أحدهما - الخَلوة، وهي محرمة لله تعالى.
والثاني - المضارّة، والمرعي فيه جانبها، وبيانه أنه لو ساكنها مساكنةَ مستخلٍ عصى ربَّه، وإن رضيت، ولو كان في الدار من يمنع حضورُه الخَلوةَ، ولكن كانت المضارَّة تظهر لاتحاد المرافق، فهذا يتعلق بخالص حقها، فإن احتملت هذه المضارّة، لم يعصِ الزوجُ، وإن أبت، وجب على الزوج الخروجُ رعايةً لحقها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6]، فاستبان أن المساكنة تشتمل على ما يتعلق بحق الله تعالى، وهو لا يسقط بالرضا، وإلى ما يتعلق بحقها.
والله أعلم بالصواب
بسم الله الرحمن الرحيم 1
9853 - إذا 2 كان أسكنها مسكناً ضيقاً في النكاح لا يليق بها، ولكنها احتملته طلباً للأُلفة، فلما طلقها أبت أن تبقى، فالذي ذكره العراقيون أن لها أن تطلب مسكناًً، فليقع البناء على هذا؛ فإنه ظاهر.
ثم قال العراقيون والقاضي: على الزوج أن يطلب لها أقربَ مسكن إلى مسكن النكاح، ورأَوْا ذلك حتماً لا يسوغ إسقاطُه، وشبه القاضي ذلك بتفريعٍ لنا على قول نقل الصدقة، وقال: إذا منعنا نقلها، فعدِم من عليه الزكاةُ المستحقين في وطن الزكاة، فعليه أن ينقلها، ثم إنه ينقلها إلى أقرب المواضع، وهذا مما قدمت ذكره في نقل الصدقات في كتاب قَسْمها.
فالذي أرى القطع به هاهنا أن رعاية القرب من مسكن النكاح لا يجب أصلاً،
ولست أرى لهذا متمسَّكاً في الوجوب، بل أرى له أصلاً في الاستحباب.
نعم، لا سبيل إلى الخروج من البلدة، فإنها منسوبة إلى سكون البلدة، ولو علل من أوجب رعاية القرب بهذا، لكان أمثلَ، ولا أصل له.
وقد انتجز الوفاء بالفصول الثلاثة.
فصل
قال: " وإن كانت هذه المسائل في موته ففيها قولان ... إلى آخره " 1.
9854 - وذكر الشافعي إلى هذا الموضع تفصيلَ القول في مسكن المطلقة في العدة، واستفتح من هذا الموضع تفصيل مسكنِ المعتدة عدةَ الوفاة، وقد قدمنا اختلاف القول في أنها هل تستحق السكنى أم لا، ووجهنا القولين بما وقع الإقناع به.
فإن قلنا: إنها تستحق السكنى، فيتعين لسكناها مسكنُ النكاح، كما قدمنا ذلك في المطلقات، وإن لم يكن للنكاح مسكن، فالقول في مؤونة السكنى على حسب ما مضى، وإن فُرضت ديون، فالتركة في حكم مال المفلس المحجور عليه، ولا معنى لإعادة الفصول.
وإن قلنا: إنها لا تستحق السكنى، فلو تبرع الوارث وأسكنها مسكنَ النكاح [أو] 2 عَيّنَ لها مسكناًً، فهل يلزمها المسكن الذي عينه الوارث؟
ما حصلتُه من كلام الأصحاب أن ذلك إن كان في عِدَّةٍ يترتب وجوبها على شغل الرحم، فيتعين على المرأة أن تسكن حيث يُسكنها الوارث، وذلك بأن يطلّق امرأته ألبتة، ثم يموتَ عنها ولا يخلِّفَ مالاً، فإذا تبرع الوارث بتعيين مسكن، لزمها اتباع حكم تعيينه، إذا لم يكن عليها ضرار من جهة ضيق المسكن.
9855 - وإن كانت العدة غيرَ مترتبة على شغل [الرحم] 3 كعدة الوفاة، نُظر: فإن كانت مشغولةَ الرحم بولد أو تقديرِ ولد مترتب على وطءٍ، فالأمر على ما ذكرناه.
وإن لم تُزفّ إليه، فهي غيرُ مشغولة [الرحم] 1 إذا كان الحالة هذه، ففي هذا ترددٌ للأصحاب: منهم من قال: إذا لم نوجب لها السكنى، فهي بحكم نفسها، غيرَ أنه يجب عليها لله تعالى أن تسكن سكون المعتدات، وذلك إنما يتأكد حقه عند فرض صون الماء وما نحن فيه لا يستند إلى ماءٍ مصون بالعدة.
ومن أصحابنا من قال: مهما تبرع الوارث بتعيين مسكن تعين عليها أن توافقه؛ فإن الوارث تارةً يدعي حرمة الماء، وتارة يدعي حرمة الزوج الذي منه العدة.
فإن لم يتبرع الوارث، أو لم يكن له وارث، فليس للسلطان أن يتبرع بإسكانها من بيت المال إلا أن تحتاج وتفتقرَ، ويُلزمها الشرع أن تلزم مسكناًً، وهي لا تملك ما يفي بمؤنة المسكن، فالسلطان يتداركُها حَسَبَ ما يتداركُ المحاويج.
وإن كانت تُزنّ بريبةٍ 2، فعلى الإمام أن يحصِّنها ويعيّن مسكناًً مرقوباً، وهذا من الأسباب المؤكدة لجواز بذل مال بيت المال، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في قَسْم الفيء والغنائم، وغوائل هذا الفن تتعلّق بالإيالة الكبيرة، ولعلنا نجمع فيها قولاً يشفي العليل ونبدي ما عليه التعويل.
فصل
قال: " ولو أذن لها أن تنتقل ... إلى آخره " 3.
9856 - ذكر الشافعي رضي الله عنه ثلاثة فصول ونحن نأتي بها مفصلة، ونلحق بكلٍّ مسائلَه ونستعين بالله تعالى.
الفصل الأول
فيه إذا أذن الزوج للزوجة في الانتقال من مسكن قبل أن يطلقها، ثم يطلقها أو يموت عنها.
9857 - ومقصود هذا الفصل نفصله بمسائلَ، منها: أنها لو انتقلت إلى دارٍ أخرى والبلدةُ واحدة في جميع مسائل هذا الفصل، ولا خروجَ منها، ولا مسافرةَ، فإذا أذن لها في الانتقال، فانتقلت، ثم صادفها الطلاقُ، لزمها أن تلزم المسكن الذي انتقلت إليه؛ فإن الاعتبار بالمسكن الذي يصادفها الطلاق فيه.
وهذا ظاهر.
ولو انتقلت ببدنها، وخلّفت أمتعتها، وأظهرت الانتقال، ثم كانت تنقل الأمتعة بالخدم أو الأُجَراء، فإذا صادفها الطلاق، وهي في المنزل الثاني، اعتدت فيه، ولا اعتبار بالأمتعة،: خلافاً لأبي حنيفة 1، فإنه اعتبر المتاع، وزعم أنها لو انتقلت ببدنها ومتاعُها متخلفٌ، فالاعتبار إذا طلقت بالمسكن الذي فيه أمتعتها.
9858 - ومن المسائل أنها بعد ما أذن الزوج لها في الانتقال لو أَجْرت تقدّمَ أمتعتِها إلى المنزل الثاني، وهي بعدُ قارّةٌ في مسكن النكاح، فإذا صادفها الطلاق وهي كذلك، اعتدت في المسكن الأول، وإن نقلت الأمتعة وعزمته 2، وأبو حنيفة خالف في هذه الصورة، وينتظم من مذهبنا في الصورتين أن الاعتبار بالبدن لا بالأمتعة.
ولو قدمت الأمتعةَ إلى المنزل الثاني، وخرجت تؤمّ ذلك المنزل، فصادفها الطلاق في الطريق، فحاصل ما ذكره الأئمة ثلاثة أوجه: وجهان ذكرهما القاضي، وزاد العراقيون ثالثاً: أحد الوجوه - أنه يتعين عليها الانتقال إلى الثاني والاعتدادُ فيه.
والثاني - أنه يتعين عليها الانقلابُ إلى مسكن النكاح؛ فإنها مقرّة على المسكن الأول ما لم تنتقل، ولم يتحقق الانتقال بعدُ.
والوجه الثالث -الذي حكاه العراقيون- أنها بالخيار بين المنزلين: للأول حكم الاستدامة، والثاني حكم الانتقال، وقد تقلَّعت عن المسكن الأول بالانفصال عنه، وإذا تقابل هذان الوجهان، أنتجا تخيّراً.
والذي يغمض في هذا الفصل أن الزوج لما أذن لها في الانتقال لو أخذت تنقل الأمتعةَ بنفسها، فتمرّ وتجيء، وهي في ذلك لا تقصد بكل خَرْجةٍ ألاّ تعود، ولا بكل
دخلة أن تقيم في المنزل الثاني، غير أنها كانت تصحبُ الأمتعةَ، أو كانت تنقلها بنفسها، فكيف السبيل؟ وما الوجه؟
قال الأئمة رضي الله عنهم: إذا انتقلت وقصدت الانتقال، ثم عادت إلى المسكن الأول لنقل متاعٍ، فصادفها الطلاق، فهي مضافة إلى المنزل الثاني، فلتعتدّ فيه، وهذا مفروض فيه إذا دخلت المنزل الثاني دخول منتقلة، غيرَ أنها خرجت وعادت إلى الأول لغرض النقل.
فأما إذا لم تُنجز بعدُ الانتقالَ، ولكن كانت في ترددها قاصرةً حركاتها على نقل المتاع، فهذا محل قصد النظر.
والرأيُ المبتوتُ أنها إذا كانت كذلك، فصادفها الطلاق في المنزل الثاني، فلا شك أنها تعتد فيه لاجتماع معنيين: أحدهما - كونُها في الدار حساً، والآخر - أنه محلّ قرارها، ولم يبق عليها شغل إلا نقلُ أمتعة، فيلحق هذا بتنجيزها قصد الانتقال، واعتقادها أنها انتقلت، وعليها شغل ستردد فيه.
ولو صادفها الطلاق وهي في المنزل الأول، وقد اتفق لها دَخْلةٌ أو دخلات في النقل، فهذا فيه احتمال: يجوز أن يقال: يُعتبرُ مكان المصادفة؛ فإنها لم تُنجز بعدُ قصد الانتقال، ويجوز أن يقال: يتعين للاعتداد المنزل الثاني، فإن ما يُصوَّر تأخيره من قصد الانتقال تكلف، وإذا دخلت ذلك المنزل مرّةً، لم يبق عليها أمرٌ إلا نقل الأمتعة، فهذا ما نراه.
وفقه هذا الفصل في تفصيل المسائل، وتبيين البعض منها عن البعض.
هذا فصل من الفصول الثلاثة.
الفصل الثاني
في الإذن في المسافرة
9859 - وهذا الفصل ينقسم قسمين: أحدهما - الإذن في المسافرة من غير نُقلة.
والثاني - في الإذن في المسافرة والنقلة.
فأما القسم الأول - فإذا أذن لامرأته في المسافرة من غير نُقلة، فالسفر لا يخلو إما
أن يكون سفراً متعلقاً بغرض صحيح، وإما أن يكون غيرَ متعلق بغرض، ومن جملة ذلك سفرُ النزهة.
فأما ما يتعلق بالأغراض الصحيحة، فكسفر التجارة، وسفرِ الحج، وسفرِ الزيارة المستحبة في الدين، فإذا أذن الزوج في السفر لغرض مما ذكرناه، أو لغرض آخر سواه.
فأول ما نذكره أن الشافعي قال: " لو طلقها الزوج بعد ما فارقت المنزل، لم ترجع " فذهب الأكثرون من الأصحاب إلى أنه أراد بمفارقة المنزل مفارقةَ البلدة، وذهب شرذمة من الأصحاب إلى حمل ذلك على مفارقة مسكنِ النكاح، وإن كانت في خِطة البلدة، وأضيفَ هذا إلى الإصطخري، فحصل قولان: أظهرهما - أن المرعي مفارقةُ خِطة البلدة، وذلك أن البلدة محلُّ سكونها من طريق النسبة الكلية، كما أن منزلها محلُّ سكونها، والدليل عليه: أنه لو لم يكن للنكاح مسكن متعين، تعينت البلدة، ولم يسَع الخروج منها، فاتضح أن الشرع يعيّن البلدةَ، كما يعيّن المسكن إن كان للنكاح مسكن، فاتجه اعتبار مفارقة البلدة.
ومن قال: الاعتبار بمفارقة مسكن النكاح، احتج بأنه إذا كان للنكاح مسكن متعيَّن، فحكم السكنى مقصور عليه، فإذا تعدته، كفاها ذلك.
وأيضاً، فإنها إذا فارقت مشمّرة مُبْرمةً عزمَها، وقد تكون باذلة مالاً في أُهَبها، فتكليفها الرجوع إضرار بها.
التفريع:
9860 - إن اكتفينا بمزايلة مسكن النكاح، فلا كلام.
وإن اعتبرنا مفارقة الخِطة، فضبط هذا القول أنها متى صارت إلى مكانٍ إذا انتهى المسافر إليه، تَرخص تَرخُّص المسافرين، فقد فارقت، وتفصيل ذلك فيما استقصيناه في موضعه من كتاب الصلاة.
ثم من الأسرار التي يجب التنبيه لها أن الزوج إذا أذن لزوجته في الخروج من مسكن النكاح إلى دارٍ في البلدة، لا على قصد الانتقال، فإذا لحقها الطلاق، فحقٌّ عليها أن ترجع إلى مسكن النكاح، وإن كان عليها في تلك الدار شغل يضاهي التجارة في حق المسافر، وإذا أذن لها في الخروج للتجارة وخرجت -على ما فصلنا معنى الخروج-
فلها أن تمر على وجهها [آمّة] 1 إلى تحصيل الغرض.
فهذان أصلان اتفق الأصحاب عليهما.
والفارق أن الخارجة للسفر متقلقلةٌ عن الوطن، ملابسةٌ أمراً له وقع في المعاش، ويعسر النزول عنه، [وفَلُّ] 2 العزم فيه، فسوغ الشرع التمادي.
وأما التردد في البلدة الواحدة من دار إلى دارٍ، فهيِّنٌ وليس من الأشغال الخطيرة.
9861 - فإذا تقرر في العقد 3 ما نبهنا عليه، قلنا بعده: إذا لحقها الطلاق، أو بلغها خبر الموت بعد مفارقة البلدة، انطلقت لشأنها، فإذا انتهت إلى مقصدها، قضت حاجتها من التجارة أو غيرها من المآرب، ولا بأس عليها، وإن طال الزمان، ونقصت العدة، إتماماً لما همّت به وبنته على إذن الزوج.
ولو انتجزت حاجتها، لم تعرّج، ولم تقف، بل تنقلب إلى مسكن النكاح، إذا كانت تعلم أنها تدرك من بقية العدة زماناً تمكث فيه في مسكن النكاح، وإن علمت أنها بعد نجاز شغلها لو رجعت، لانقضت عليها العدة وهي في الطريق، فقد ظهر اختلاف أصحابنا في هذا: فمنهم من قال: يلزمها أن تقيم في بلدة الغربة، فإنها إذا علمت أنها لا تنتهي في بقية العدة إلى مسكن النكاح، فالسكونُ أوْفق وأليق وهو أستر لها من السفر.
ومن أصحابنا من قال: ترجع، فإن انقضت عدتها في الطريق، فلا حرج عليها.
وهذا لا أعرف له وجهاً، فإنها إذا قطعت بأنها لا تنتهي إلى مسكن النكاح، فقصْدُها المسكنَ قصدٌ لا مقصود له.
نعم، إذا جوّزت أن تنتهي إلى المسكن لو وُفِقَت لها وفاق، وجَوَّزت على حكم [الاعتياد] 4 خلافَ ذلك، فيجوز تقدير الخلاف
هاهنا، ولكن ذلك الوجه الذي حكيناه على تثبُّتٍ في نقله وجدناه مشهوراً للأصحاب في الطرق، فلم نَرَ تَرْكه.
ولو انتجزت حاجتها قبل ثلاثة أيام، فلها أن تستتم المكث ثلاثة أيام؛ فإن هذا المقدار في حكم السفر أثبته الشرع مدة ليتأهب 1 لعدة السفر، وليس معدوداً من الإقامة، وإن انتجزت حاجتها في ثلاثة أيام فصاعداً، لم تعرج إلا أن لا تجد رفقة؛ فإنا لا نكلفها أن تغرر بنفسها.
بل، لا نكلفها أن تتحمل مشقة ظاهرة خارجة عن حد الاقتصاد في الاعتياد، وإنما يطلب منها ألا تعرّج ولا تُقَصِّر 2، فأما أن تتكلف مشقة، وتصادم غرراً، فليس عليها ذلك، وسنخرّج في هذا قولاً بالغاً يقرب من التحديد، وإن لم يكن في محل التحديد.
هذا إذا كان سفرها متعلقاًً بغرض صحيح من الأغراض.
98620 - فأما إذا لم يكن متعلقاً بغرض صحيح، فأول ما نذكره: أنها إذا بلغت المحل المقصود وكان الزوج أذن لها في أن تقيم في ذلك المحل عشرة أيام، فهل لها أن تستوفي المدة المذكورة أم يتعين عليها أن ترجع إلى مسكن النكاح؟ فعلى قولين:
أحدهما - يجوز لها أن تستوفي تلك المدة جرياناً على موجب الإذن.
وهذا التوجيه عندنا خطأ.
والوجه أن نقول في توجيه هذا القول: إذا وطّنت نفسها على الإقامة وتهيأت لذلك، فلو كُلّفت قطعَ غرضها، فقد يتعطل عليها أُهَب وأسبابٌ كانت هيأتها للإقامة، كالمطاعم، وما في معانيها، فهذا هو الذي يُوجَّه هذا القول به؛ فإنّ إذن الزوج -على تفصيله- ينقطع بالطلاق، ويرتفع أثره بالكلية؛ فإن إذنه إنما يؤثر ما استمر حكمه على الزوجة، ولهذا المعنى نقول: إذا خرجت متجرة، فإنها تمتد في الجهة التي خرجت فيها، وليس امتدادها معلَّلاً ببقاء الإذن، وإنما تعليله بما ذكرناه الآن.
هذا أحد القولين.
والقول الثاني - أنها تقطعُ تلك المدة، وتشمّرُ للانصراف جهدَها، وهذا القائل يعلل بخفاء الغرض في الخروج للنزهة والإقامة لها، ويزعمُ أنه لا يظهر في قصد التنزه تصميمٌ على شغل به احتفالٌ ومبالاة، فليس في قطع المدة ضِرارٌ أصلاً، فتعيّن قطعها لذلك.
قال القاضي، وصاحب التقريب: إذا بلغها خبر الطلاق وهي مارّة في صوب النزهة، فهل يتعين عليها الانصرافُ حيث بلغها الخبر؟ هذا يخرج على القولين المذكورين فيه إذا بلغها الخبر في أثناء المدة.
فإن قلنا: عليها أن تقطع المدة، فإذا بلغها خبر الطلاق أو الوفاة، لزمها الانصراف؛ فإنها ليست على غرض صحيح، وإن قلنا: لا يجب قطع المدة، بل يجوز استيفاؤها، فيجوز الامتدادُ في الصوب المقصود وقضاءُ الوطر منه على حسب ما كان يجوز لو استمر النكاح ولم يطرأ فراق.
9863 - ومما يتصل بما نحن فيه أنها لو كانت مأذونة في الزيارة، فقد ذكرنا أن سفر الزيارة من الأسفار المتعلقة بالأغراض الصحيحة، فعلى هذا إذا بلغها خبرُ الوفاة أو الطلاق في أثناء الطريق، انطلقت ومرت على وجهها ممتدة إلى [الزيارة] 1 التي أنشأت السفر لها بخلاف سفر النزهة، فإنا ردّدْنا فيها القول.
وسفرُ الزيارة في هذا المعنى بمثابة سفر التجارة.
ولو كانت بلغت موضعها والزوج قد أذن لها في أن تمكث عند من طلبت زيارته أياماً؛ فإذا بلغها خبر الطلاق، فهل يجب عليها قطعُ تلك المدة والتشميرُ للانصراف، فعلى قولين كالقولين في السفر للنزهة.
والسبب فيه أن الزيارة إلمامٌ وتجديد عهدٍ، فكل ما يزيد على ذلك يتصل بقياس النزهة، وقد ذكرنا أن السفر إذا كان سفر نزهة، ففي الانصراف قبل استيفاء المدة وفي الرجوع من وسط الطريق قولان، فسوّينا بين قطع المدة وبين قطع السفر، وفي سفر
الزيارة قطعنا بأن لها أن تمتد في زيارتها قولاً واحداً، وردَّدْنا القول في استيفاء المدة، ونحن في ذلك كله نتبع المعنى دون الصُّوَر.
فأما التجارة، فالمرعي حصول الغرض فيها، فإن أذن لها في التجارة وفي الإقامة أياماً بعد انتجاز الغرض، فإذا حصل الغرض وبلغ خبرُ الوفاة أو الطلاق، فيخرّج القولان.
فهذا تحصيل القول في السفر الذي ليس سفر نُقلة، وقد استوعبنا بما ذكرناه القول في أحد القسمين.
9864 - وأما القسم الثاني - وهو أن يأذن لها في سفر النقلة، فإذا خرجت وانتهت إلى المحل الذي إليه الانتقال، ثم بلغها الخبر، فلا تبرح حتى تنقضيَ العدة، والبلدةُ التي انتقلت إليها بمثابة مسكن تنتقل إليه بإذن الزوج قبل لحوق الطلاق.
وإن خرجت من بلدة النكاح، ولم تنته إلى البلدة التي إليها الانتقال، فماذا تصنع إذا بلغها الخبر عن الطلاق أو الوفاة؟ فعلى وجهين ذكرهما القاضي: أحدهما - أنه يلزمها المضيُّ على وجهها إلى الموضع المعين؛ لأن بلدها الذي هو مقصودُ سفرها محل سكونها؛ من جهة أن ما كان محلاً للسكون فقد تقلّعت عنه، وانقطع حكمها عن سكناه، والبلد الذي بين يديها محل سكناها في قصدها.
والوجه الثاني - أنه يجب عليها أن ترجع إلى مسكن النكاح، وذلك أن الطلاق لحقها قبل أن تلبَّس بتوطّن الموضع المقصود، فلترجع إلى مسكن النكاح، بناء على الاستدامة، ويخرّج في حقها الوجه الذي حكيناه عن العراقيين في التخيير، والبلدتان في سفر النقلة إذا توسطتهما بمثابة المسكنين في البلد الواحد إذا خرجت من المسكن الأول، وأمّت 1 الثاني على قصد الانتقال.
ومما يجب التنبه له في هذا المقام أن الزوج لو كان أذن لها في أن تخرج إلى دار
أخرى لتنزهٍ أو غيره، وكان أذن لها في أن تقيم أياماً؛ فإذا طلقها، رجعت إلى مسكن النكاح، بلا خلاف، ولو فُرض مثل ذلك في سفر النزهة، ففي الرجوع قبل استيفاء المدة الخلافُ الذي قدمناه.
والفرق في ذلك أن الانتقال من دار إلى دار لقصد الزيارة ليس من الأشغال التي يبالَى بها، وليس في قطع المدة -إذا لم يكن سفر- ضرار، وقد يتصور في قطع السفر وقطع المدة المأذون فيها تفاوتٌ في ترتيب المعايش وتعطّلٌ في المطاعم، فهذا هو الذي أوجب الفرق.
فأما إذا فرض الانتقال، فهو أمر مقصود يُحمل على غرض صحيح، ولا فرق في ذلك بين مسكنين في بلدة واحدة وبين بلدتين أو قريتين، فغرض الانتقال يقرب في ذلك، والعلم عند الله عز وجل.
فهذا ما أحببنا التنبيه عليه.
9865 - ويتصل بهذا المنتهى أن الزوج إذا أذن لزوجته في الاعتكاف عشرة أيام تباعاً، فشرعت في الاعتكاف، ثم لحقها الطلاق، فهل يلزمها أن تقطع الاعتكافَ وترجعَ إلى التربص في مسكن النكاح؟ فعلى قولين: أحدهما - أنها تستوفي ما شرعت؛ فإنها لابست اعتكافاً مفروضاً، وبنته على إذنٍ صحيح، ونحن نجوّز أن يمتد -من جهةٍ- سفرُها إذا كان السفر متعلقاًً بغرض صحيح حتى لا يلحقَها ضرر، فلا نكلفها أن تقطع فرضاً شرعت فيه.
والقول الثاني - أنها تقطعه، فإن لزوم العدة ورعايةَ شرائطها أثبتُ؛ من جهة أنها تلزم شرعاً، والاعتكاف المنذور مما [يُدخله] 1 الناذر على نفسه، فلا يبلغ تأكُّده مبلغ تأكد ما يجب شرعاً، وجوباً لا دفع له.
ومما يجب ذكره في هذا المقام أن قطع مدة العبادة الواجبة مع اتحاد البلد من غير فرض سفر خرج على قولين خروج المدة المضروبة للنزهة في السفر.
ويتبين للإنسان بهذه المسائل افتراقُ الحضر والسفر، والأمر دائر في ذلك كلِّه على
مأخذ واحد، وهو النظر إلى الأغراض وتأكُّدِها.
9866 - ثم لا يتبين حاصل ما ذكرنا الآن إلا بالتفريع: فإن قلنا: إنها تقطع الاعتكاف، وتتربص في مسكن النكاح، فإذا انقضت العدة، فهل يُحكم بأنها تبني على ما مضى من الاعتكاف، أم تستأنف؟ فعلى قولين قدمنا ذكرهما في كتاب الاعتكاف، وذكرنا أمثلةَ هذا الفن.
والذي أراه في ذلك أن القولين في أنها هل تقطع الاعتكاف مأخوذان من القولين في أن التتابع هل ينقطع؟ فإن قضينا بأن التتابع لا ينقطع، لزمها العود إلى مسكن النكاح، حتى إذا انقضت العدة، عادت إلى معتكفها، وبنت على ما مضى، وإن حكمنا بانقطاع التتابع، فالأشبه أن لا يلزمها الرجوع إلى مسكن النكاح؛ فإن ذلك إحباطُ ما تقدم من اعتكافها، ونحن نجوّز للمعتدة أن تخرج من مسكن النكاح في أوطارٍ لها وحاجاتٍ لا تبلغ مبلغ الضرورة.
هذا حاصل القول في هذه الفصول.
9867 - ثم لما ذكر الشافعي سفر النزهة والنقلة، نقل المزني عنه لفظةً واختلفت الرواية فيها، قال: قال الشافعي: " لا تقيم في المصر الذي أَذن لها في السفر إليه، إلا أن يكون أَذن لها فيه، والنقلةِ إليه، فيكون ذلك عليها " 1 وفي بعض النسخ "فيكون ذلك لها".
والروايتان صحيحتان، فمن قرأ: " فيكون ذلك عليها " رجع به إلى مسألة النُّقلة؛ فإن مصابرة المكان المنتقَلِ إليه حتم، كما قدمناه.
ومن قرأ "فيكون ذلك لها" صرف ذلك إلى " ما أَذن لها في مقام مدة " فيكون هذا أيضاً على أحد القولين.
وقد انتجز الغرض في هذه المعاني.
9868 - وذكر الشافعي بعد عقد هذه الأصول مسائل مقصودة في أنفسها وهي تبين القواعدَ السابقةَ، فمما ذكره أن المرأة إذا خرجت مسافرة مع الزوج، فطلقها أو مات عنها في أثناء الطريق، لزمها أن ترجع على أدراجها إلى مسكن النكاح، فتعتدَّ فيه،
ولا نقول تتمادى إلى مقصدها، بخلاف ما لو أذن لها الزوج في سفر يلحقها الطلاق في أثنائه، والفرق أنها إذا خرجت مع زوجها، فسفرها منوط بصحبته، فقد انقطعت الصحبة، وما خرجت مستقلة، فوقوع الطلاق بمثابة انتهاء السفر.
وإذا خرجت بنفسها لغرضٍ لها، وقد تأهبت، فتتضرر بقطع ما همّت به.
ومما ذكره أنها إذا أحرمت بإذن الزوج، ثم طلقها، فإن كان الوقت ضيقاً، خرجت وأنشأت السفر، وإن كان الطلاقُ لحقها وهي بعدُ مقيمة؛ فإن التحلل من الإحرام غير ممكن، وتكليفُها مصابرةَ الإحرام صعبٌ لا يحتمل، وبدون ذلك يجوز لها مفارقة مسكن النكاح، وإذا ضاق الوقت، فينضم إلى ما ذكرناه أنها لو صابرت فاتها الحج.
وإن اتسع الوقت أو كانت محرمة بعمرة، فقد اختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: يلزمها ملازمةُ مسكن النكاح إلى انقضاء العدة؛ إذ ليست على خشية من الفوات والعدة ناجزة لا تقبل التأخير.
والوجه الثاني - وهو الذي اختاره القاضي وقطع به، أن لها أن تخرج، فإن مصابرة الإحرام مع ما فيه من وجوب التوقي عن أخذ الشعر والظفر واجتناب الطيب صعب، وفيه تعرض لالتزام مغارمَ كثيرة، وقد ذكرنا أنا بدون ما أشرنا إليه يجوز مفارقةُ مسكن النكاح.
ولو كان الزوج أذن لها في الحج، فلم تخرج، فطلقها، فأحرمت بالحج، وقد لحقها الطلاق في الحضر، فلا ينبغي لها أن تخرج، فلا حكم للإذن المتقدم؛ فإنه ينقطع أثر إذن الزوج بالطلاق.
نعم، إذا خرجت تؤم البيت، فطلقها، فلها أن تستدَّ على وجهها، والذي ذكرناه فيه إذا لحقها الطلاق قبل أن تخرج.
وقد قدمنا فيما مضى معنى الخروج، فإنه مفارقة خِطه البلدة، ومفارقة مسكن النكاح.
ثم ذكر الشافعي مسائل في حج النسوة وأنهن متى يخرجن، ومتى يلزمهن الخروج إلى الحج، وقد قررنا هذه المسائل في موضعها من كتاب الحج، وقد انتهى المقصود من الفصلين.
الفصل الثالث
يتعلق بالخلاف بين الزوجين نصفه ونذكر ما فيه
9869 - إذا طلق الرجل امرأته، وكانت في دارٍ غيرِ دار الزوج، واختلف الزوجان: فقال الزوج: لم أنقلك، فارجعي إلى بيتي للعدة، وقالت: بل نقلتني!! نص الشافعي فيما نقله المزني على أن القول قولُها، وحكى المزني في الجامع الكبير عن الشافعي أنه قال: لو وقع هذا الاختلاف مع الوارث بعد موت الزوج، فقالت: نقلني أبوك.
وقال الوارث، لم ينقلك، فالقول قول الوارث، وهذا يخالف ما نقله هاهنا.
وترتيب المذهب في ذلك أنهما إذا اتفقا على أنه قال لها: اخرجي مسافرة: إذا كان الاختلاف مفروضاً في قريتين أو بلدتين، فالقول قول الزوج في حياته، والقول قول الوارث بعد وفاته؛ فإن الإذن باتفاقٍ مفروض في التقييد باتصاف المرأة بالمسافرة.
ولو قال لها: انتقلي إلى تلك القرية أو إلى المسكن الآخر، ثم اختلفا، فالقول قولها لا محالة.
ولو قال: اخرجي، أو سيري، أو اذهبي، على الإطلاق: من غير تقييد بسفر، ولا انتقال، فإذا فرض الاختلاف، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن القول قول الزوج أو الوارث؛ فإن الأصل عدم الإذن في الانتقال، ولو كان أصل الإذن متنازعاً فيه، لكان القول قولَ الزوج، فكذلك إذا فرض التنازع في صفة الإذن.
والقول الثاني - أن القول قولُها، لأن الإذن محتمل، والظاهر معها؛ فإن الطلاق صادفها وهي كائنة في تلك الدار، وهذا يحل محل اليد في الخصومات، فكما يُجعل القول قولُ صاحب اليد، فكذلك يترجح جانبها لكونها في الدار الثانية.
9870 - ومما يتم به بيانُ الفصل أن كلام الأصحاب يشير إلى أن الزوج لو أنكر أصل الإذن وادعته المرأة، فالقول قول الزوج، وإنما ذكروا القولين فيه إذا كان أصل الإذن
ثابتاً والخلاف راجعاً إلى صفته، ولا يبعد تقدير خلاف إذا كان أصل الإذن متنازعاً فيه، بناء على ما لو فرض نزاع بين المالك وبين صاحب اليد في الإعارة، وقد قدمنا ذلك في كتاب العاريّة، والأصل تصديقُ من ينكر أصلَ الإذن، ثَمّ وهاهنا.
فصل
قال: " وتنتوي البدوية حيث ينتوي أهلها ... إلى آخره " 1.
9871 - البدوية إذا مات عنها زوجها أو طلقها، وكانت بين قوم سيّارة ينتجعون ويتبعون مواقع [القَطْر،] 2 لا يَلزمون مكاناً واحداً، فإنها تنتقل معهم حيث انتقلوا، وتعتد على انتقالها، وذلك في حقها بمثابة لزوم مسكن النكاح في حق الحضرية.
وإن كانت بين قوم لزموا موضعاً لا يظعنون عنه شتاء، ولا صيفاً، فإنها تلزم لزومها ولا تخرج، كما لا تفارق الحضرية مسكن النكاح.
وسر هذا الفصل أن انتقالها معهم لا يكون كلزوم مسكن النكاح، حيث [يُفرض] 3 للنكاح مسكنٌ في موضع إقامة، ودليل ذلك أنها لو انتهت في ممرها إلى قريةٍ وأرادت أن تقيم بها، جاز، وليس لها الانتقال من مسكن النكاح إلى غيره، فلا يعتقِدَنَّ الفقيه أن مسايرتَهم تلزمُها، ولكن يجوز لها اختيارُ مسايرتهم، حتى لا تستوحش بمفارقتهم، وإلا فليس الكَوْنُ معهم لزومَ موضعٍ، فيلزمَ.
وليس هذا كما لو خرجت لتنتقل؛ حيث يثبت لها الانتقال، فلو لحقها الطلاق في الطريق، فأرادت أن تمكث في بلدة في وسط الطريق لتنقضيَ عدتُها، لم يكن لها ذلك، فإنها خرجت عن مسكن بانيةً أمرَها على مسكن آخر، فقد لحقها الطلاق على حالة، فتلزمها، وتلك الحالة تُفْضي إلى محل انتقالٍ وتوطّن.
وأحوال البادية لا تنتهي إلى توطُّنٍ قط، وكل ذلك متفق عليه منصوص للأصحاب.
9872 - ومما يتعلق بذلك أن أهلها لو رحلوا وأقام [الأجانب] 1، فإن كانت آمنة لو أقامت واختارت المقام، فلها ذلك، فإن الإقامة أليقُ بصفة المعتدة، وإن كانت لا تأمنُ، فحقٌّ عليها أن ترحل مع الراحلين، وإن أمنت، ولكن كانت تستوحش بمفارقة الأهل، فظاهر المذهب أنها بالخيار: إن شاءت أقامت مع المقيمين، وإن شاءت ظعنت مع الظاعنين، وجواز الظعن لما ينالها من الوحشة.
ولا خلاف أن أهل المرأة المعتدة لو رحلوا عن البلدة، لم يكن لها أن ترحل وتفارقَ مسكن النكاح، وذلَك أن إقامتها مع المقيمين في البادية ليست إقامة على الحقيقة، ولذلك لم يوظف عليهم الجمعةُ، والبلدة محلٌّ للإقامة، فلا يجوز مزايلتها لوحشةٍ، ولا يبعد أن يقال: يتعين عليها الإقامة في مخيم المقيمين التزاماً لسكون المعتدات؛ فإن النقلة في النسوان تناقض التستر.
ولا خلاف أنه لو أقام أهلها، لم يكن لها أن تنتقل وتفارق المخيم.
هذا تمام القول في أحوال البادية.
ولو خرج أقاربها ليعودوا على قرب، فلا ينبغي أن تخرج معهم، ولي لها أن تخرج معهم؛ فإن ما اعتمده جمهور الأصحاب من الوحشة لا يتحقق هاهنا.
9873 - ويتصل بهذا المنتهى امرأة صاحب السفينة إذا طلقها والسفينة في البحر، فلا محيصَ لها، فإن كانت من أقوام بحارين يعتادون التردد في البحر، فسبيلها كسبيل البادية، وإن لم يكن كذلك، وإنما ركبت لحاجة، فهي مسافرة مات عنها زوجها، وقد مضى التفصيل في ذلك، بيد أن الرجوع في البحر قد لا يمكن، فإن تيسر من غير عُسر -وقد خلَّفت مسكن نكاح- فسبيله ما تقدم.
وإن كانت تلقى عُسراً وغرراً، لم تكلّف ذلك.
ولو كان في البحر سفينتان بحكم الزوج، فقد يطرأُ إذاً تفصيل المساكنة: فإن كانت السفينة كبيرة تشتمل على حُجَرٍ وقطائعَ، وكل قطعة تنفرد بمرافقها، فلتنفرد
بقطعة عن زوجها، وأمرُ الخَلْوة على ما تفصَّل.
وإن كانت السفينة صغيرة، واستمكن الزوج من الانتقال إلى السفينة الأخرى، فحقٌّ عليه أن يفعل ذلك.
ومن أحاط علماً بما مهدناه من الأصول، هان عليه درك أطراف هذه المسائل.
9874 - ثم قال الشافعي: " ولو تكارت منزلاً ... إلى آخره " 1.
إذا غاب الزوج ولحقها الطلاقُ، وليس للزوج مسكن تأوي إليه المعتدة، فالقاضي يكتري لها مسكناًً يليق بها من مال الزوج، إن كان يجد له مالاً، وإن رأى الاستقراض عليه، فعل، وإن فوض إلى المرأة الاستقراضَ، جاز، ولا اختصاص لذلك بما نحن فيه، بل هو جارٍ في نفقةِ الزوجة وغيرها، وقدمنا في هرب الجمَّال مثلَ هذا.
ولو شغَرَتْ البقعةُ عن الحاكم، ففيه تفصيلٌ ذكرناه في مسألة الجمَّال 2، ولو استقلّت 3 مع إمكان [مراجعة] 4 الحاكم، فهذا أيضاً مما سبق تفصيله وسنجمع كلاماً حاوياً في كتاب النفقات -إن شاء الله- ونبين فيه انفصالَ النفقات عن السكنى، وانفصالَهما عن كراء الجمَّال، ونأتي فيه بمجامع، إن شاء الله.
ثم تعرض الأصحاب هاهنا للكلام فيه إذا انقضت مدةٌ لم تتمكن فيها من مال الزوج، فهل يبطل حقها في المدة الماضية من السكنى أم يستقر حقها استقرار نفقة الزوجات؟ وهذا من أصول كتاب النفقات فأوْلى تأخيره إليه.
...
باب الإحداد
9875 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحِدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً " 1 ومضمون الحديث باتفاق العلماء، إيجاب الإحداد على المتوفى عنها زوجها في مدة العدة، وتحريمُ الإحداد على غيرها إلا ثلاثَ ليالٍ، ونحن نذكر من يجبُ عليه الإحدادُ أولاً، ثم نذكر معنى تحريم الإحداد، ثم نبين وصف الإحداد.
والإحداد من الحَدّ وهو المنع، فالمحتدة ممتنعةٌ عن أسباب الزينة؛ وقال الأئمة: على المتوفَّى عنها أن تَحِد قولاً واحداً، فالرجعية لا تَحِد، فإنها في حكم الزوجات، فلا تحد، كما لا تحد الزوجة، والمطلقةُ البائنة هل يلزمها الإحداد؟ فعلى قولين: أحدهما - يلزمها الإحداد؛ لأنها معتدة عن الزوج لا يملك الزوج رجعتها، فصارت كالمتوفى عنها.
والئاني- لا يجب عليها الإحداد؛ لأنها معتدة عن طلاقٍ فأشبهت الرجعية.
والمعنى الذي يليق بهذا الأصل أن المتوفى عنها متفجعة على فراق الزوج وذلك لائق بحالها، والبائنة مجفوّةٌ بالطلاق في غالب الأمر، لا يليق بحالها تكليفُ التفجع.
وهذا يناظر الترتيب المذكور في التعريض بالخطبة، فإنه جائز في عدة الوفاة، حرامٌ في عدة الرجعة، وفي جوازه في عدة البينونة قولان، وليس هذا التناظر لفظياً، ولكن بين الأصلين تناسب من جهة المعنى؛ فإن المتوفى عنها زوجها لا يليق بها وهي
مفجوعة أن تتشوف إلى الطالب قبل انقضاء العدة، فلم يحرم التعريض معها.
والرجعية زوجة، وسلطنةُ الز وج مستمرة.
والبائنة مجفوّة فكان صَدَرَ 1 هذا الترتيب قريباًً مما ذكرناه.
والتي ارتفع النكاح عنها بفسخ، اختلف الأصحاب فيها: فمنهم من ألحقها بالمطلقة المبتوتة، ومنهم من ألحقها بالموطوءة بالشبهة، ولا خلاف أن الموطوءة بالشبهة لا تَحِدّ في العدة، وكذلك أمُّ الولد لا تحِدّ إذا مات مولاها.
فكأن بعض الأصحاب رأى أن النكاح زائل بجميع آثاره في حق المفسوخ نكاحها، وهذا ميل الأكثرين.
ثم إذا أوجبنا الإحداد، فلا فرق بين الحرة والأمة، والمسلمة، والذمية، والصغيرة، والكبيرة، والعاقلة، والمجنونة، وأبو حنيفة 2 لا يوجب الإحداد على الذمية، ولا يثبته في الصغيرة والمجنونة.
ونحن إذا أثبتناه فيهما، أَمَرْنا الوليَّ يمنعها المحَدَّةَ 3 عنه.
هذا تفصيل القول فيمن يلزمه الإحداد.
9876 - وقد ذكرنا أن الإحداد يحرم بحكم نصّ الرسول صلى الله عليه وسلم على غير المعتدات، كما فصلنا القول فيهن؛ فإنه عليه السلام قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحِدّ على ميت فوق ثلاث " وهذا فيه سؤال وإشكال؛ فإن الإحداد اجتنابُ نوعٍ من الثياب، وتركُ استعمال الطيب، ولا يتحقق التحريمُ في ذلك لعينه، فالوجه صرف التحريم إلى القصد 4، فرب فعل يقترن به قصدٌ، فيحرمُ كالسجود بين
يدي الصنم، [لو اقترن] 1 به قصد التقرب، فالتعويل على القصد، ولكن المقصود يحرم مع القصد 2. وهذا على ظهوره لا يضر ذكره.
ثم رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإحداد ثلاثة أيام، فلعل السرّ في ذلك أن مخالفة الذمّي [في] 3 إظهار [التحزّن] 4 والرضا 5 بالقضاء أولى بالمؤمن.
والإحدادُ في العدة ضربُ حَجْرٍ على المعتدات، حتى لا يشتغلن بالتزين للرجال.
وتسويغُ التفجع على القريب والحميم في الثلاث رخصةٌ من الله؛ فإن النفوس قد لا تطاوع، واغتلامُ الحزن ينكسر في الثلاث، وهي منطبقة على أزمان التعزية، وفيها باب [ذكرناه] 6 في الجنائز، ثم هذا التحزن في هذه المدة لا يتخصص بالنسوة، ولا شك أنه رخصةٌ وتركه أولى، فإن الذي يقتضيه الدينُ استقبالُ القضاء بالرضا، والتلفّع بجلباب الصبر والاستسلام لأمر الله.
9877 - وقد حان أن نذكر الآن الإحداد ومعناه، قال الشافعي: " وإنما الإحداد في البدن ... إلى آخره " 7.
أراد رضي الله عنه بما ذكر أن المرأة لو آثرت تزيين منزلها بالفرش، وكلفت خدمها تنقيته من الأذى، وأمرتهم بأن يأخذوا زينتهم، فلا بأس بشيء من ذلك، وإنما الإحداد يتعلق ببدن المرأة.
والغرضُ الظاهر ألا تتزين للرجال بما يُشوِّف الرجال إليها لو رمقوها، ثم هذا يتعلق بالملابس واجتناب الطيب، فلو لبست ثوب زينة، كانت تاركةً للإحداد
9878 - ونحن نذكر الآن تفصيل القول في الثياب: والنظرُ فيه ينقسم: فيقع في الجنس، وفي اللون.
أما الجنس، فالذي ذهب إليه الأصحاب أنها لا تلبس ثياب الإبرَيْسم كيف فرضت، وتكون وهي مُحدّة بمثابة الرجل في اجتناب لبس الحرير، وقد ذكرنا ذلك في مواضع من الكتاب.
وقال العراقيون: لها أن [تلبس] 1 الحرير إذا لم يكن مصبوغاً، واعتلوا بأن الحرير في حقها بمثابة سائر الثياب في حق الرجال، والأفقه ما ذكره المراوزة، فإنهن خُصّصن بلبس الحرير؛ لأنهن بمحل التزين للرجال، وهن في الإحداد ممنوعات عن التزين، فليرتفع ما خصّصن به للزينة.
ثم قال الأئمة: يحرم عليهن استعمال الحلي، ولم أر للعراقيين فيه ذكراً، والأليق بقياسهم التحريم؛ فإن الملابس لا بد منها، والحلي لا تستعمل إلا زينةً.
وما عندي أن التختم يحرُم عليهن، وهو حلال للرجال.
نعم، يمنعن من التختم بخاتم الذهب؛ فإن ذلك مما خُصصن به زينةً لهن.
فأما ما عدا الإبرَيْسم من أجناس الثياب، فلا يحرم عليهن لُبسه في زمان الإحداد، كالكتان والقطن، والخَزّ إن لم يكن من الحرير، وكل ما يحل للرجال لُبسه في الرفاهية من أجناس الثياب، فلا يحرم على المُحِدّة لُبسه.
هذا قولنا فيما يتعلق بأجناس الثياب.
9879 - فأما الكلام في الألوان، فالقول الضابط فيها، أن كل لون تُصبغ الثياب به طلباً للزينة، فيحرم على المرأة لُبس الثوب المتلون به، وكل ما لا يقصد بصَبْغ الثوب به الزينةُ، فلا يحرم على المُحدّة لُبسُ الثوب المتلون به، فالأَسْود الكَمِد 1، والاكْهب 2 الكمِد، وما في معناهما لا يمتنع صبغ المُحِدَّة به، فأما الثوب الأحمر الخضِل 3 البراق، والأصفر الفاقع، وما أشبههما [فيحرم] 4.
والمعنى المعتبر المطّرد في جميع الألوان: البرّاق المستحسَنُ في الملابس، ورب لونٍ كمِد يصقل الثوبَ المصبوغَ به فيُلْفى برَّاقاً، ولا يزداد [بالصبغ] 5 إلا سماحة.
ثم لا فرق فيما نمنع ونجيز بين ما يصبغ بعد النسج وبين مايصبغ غزله وينسج مصبوغاً، وإنما الممتنع ما ذكرناه من قصد الزينة، وليس ذلك خافياً في الناس.
وعن أبي إسحاق المروزي أنه قال: الممنوع ما صبغ بعد نسجه، فأما ما صبغ غزله ونسج، فلا منع فيه، وإن كان حسن المنظر، وهذا الذي ذكره يُبطله الخبر، وقاعدة الباب.
أما الخبر، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نهى المحِدّة عن لُبس عَصْب اليمن " 6، وهي من برود حِبَرة 7، يصبغ غزلها ثم ينسج.
وأما قاعدة الباب فالنهي عن الزينة، وهذا لا يختلف بأن يصبغ الثوب منسوجاً، أو ينسج مصبوغاً، وقد يكون المنسوج من الغزل المصبوغ أحسنَ منظراً وأكثرَ رونقاً.
ولو صبغتْ ثوباً خَشِناً غليظاً [بصبغ] 1 براق، فقد تردد صاحب التقريب في ذلك، ثم حكى قولين، وما ذكره محتمل؛ فإن الصبغ في نفسه وإن كان حسناً، فلا تحصل الزينة به ما لم يكن الثوب المصبوغ به على اقتصارٍ في الغلظ، فإذا فحشت الخشونة، وإن حسن اللون، لم يعدّ لابسه متزيناً، ويجوز أن يحمل منعه على الرائي 2 من البعد، وهذا لائق بغرض الباب؛ فإن النسوة لا يخامرن الرجال، بل يَلُحْن لهم من البعد.
فهذا بيان ما يتعلق بالملابس.
9880 - فأما النوع الآخر، فهو ما يتعلق باجتناب الطيب، وما يدنو [منه] 3 فالكلام في هذا يتعلق بقسمين: أحدهما - اجتناب الطيب، ولا معنى لإطالة التفصيل فيه، فنقول: يحرم على المحِدة من هذا القبيل ما يحرم على المُحرِم، وقد تفصل ذلك في كتاب الحج على أبلغ وجهٍ في البيان.
والنوع الثاني - ما يتعلق بالزينة وإن لم يكن طيباً، كالاكتحال بما يَزِين، قال الشافعي: لا بأس باستعمال الكحل الفارسي، وهو فيما أظن إلى البياض ما هو 4، قال الشافعي إنه لا يزيد العين إلا مَرَهاً 5 وقبحاً.
ونص في بعض المواضع على تجويز استعمال الإثمد، وأجمع الأصحاب على أنه قال في العربيات: ويغلب على ألوانهن السواد، ولا يبين الإثمد في أعينهن؛ فإنهن
مع اخضرار ألوانهن على كَحَل ظاهر في الخلقة، لا يزينهن التكحّل، وإذا استعملت البيضاء الإثمد زانها 1، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلم وهي محِدّة على أبي سلم يعرّض بخطبتها، وكانت قد اكتحلت بالصّبر 2 فقال صلى الله عليه وسلم: " ما هذا " فذكرت رمداً بعينها، وأنها عالجته بالاكتحال بالصبر، فقال عليه السلام: افعليه بالليل وامسحيه بالنهار " 3.
وإن كان بالمرأة رمد واحتاجت إلى استعمال كحل [يزينها] 4 فيتحتم عليها أن تفعل ما رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة.
وإن مست الحاجة إلى استعمال الكحل نهاراً، فلا بأس؛ فإن المعالجة إذا مست الحاجة إليها، خرج الاتحال عن كونه تزيُّناً، وكذلك إذا مست الحاجة إلى استعمال الطيب، فالأمر على ما ذكرناه.
9881 - ولا ترجّل رأسها بالدّهن لما فيه من التزين.
والنهي عن ذلك في باب الإحداد أقيس منه في باب الإحرام؛ فإن المحرم ليس ممنوعاً عما يتعلق بالتزين، وإنما يمنع من الطيب، ولا يتضح فيه معنىً.
وإن قال الإنسان -على بُعدٍ-: الطيبٌ داعيةٌ إلى الوقاع ناجزاً من غير ارتقاب تفزٍّ 5 ومزيد شيء في الجبلّة، فهذا على بعده لا يجري في الترجيل.
وإزالةُ الشعث والغبر
ليست محرمة؛ فإن المُحرم [يستحم] 1 ويتدلك ويزيل الوسخ، ولكن يثبت في الآثار إلحاقُ الترجيل بالتطيب.
والمرأة أمرت بالإحداد، حتى لا تتزيّن؛ فيبعد 2 نهيها عن الطيب؛ ولا تزين فيه بُعْد نهي المحرم عن الترجل ولا تطيب فيه، والبابان على الجملة يتلاقيان.
ثم قال الأصحاب: المحرم ممنوع عن ترجيل لحيته بالدهن، كما أنه ممنوع عن ترجيل لِمّته، ثم قالوا: لو كان للمرأة لحية فرجّلتها بالدهن عَصَت ربها، فإن اللحية، وإن كانت تشينها، فالترجيل يغُضّ من القبح، هكذا ذكره الأصحاب.
9882 - والمرأة ليست ممنوعة من التنظف، كالمحرم ولا حرج عليها إذا أزالت الوسخ عن نفسها، ومما لا تؤاخذ به الاستحداد 3، فإنها تتأذى لو لم تستحد تأذيها بالوسخ لو كلّفت استبقاءه، وليست هي محمولة في الإحداد على ضِرارٍ تحتمله، وإنما مقصود الإحدد أن لا تُدخل علمى بدنها تزيناً.
ولو أخذت تُجَعِّدُ [الأصداغ وتُضَعِّف] 4 الطُّرَرَ، فلست أدري ما أقول فيه!! لا يمتنع أن يكون هذا من فن التزين بمثابة استعمال الحلي، وإن لم يكن من الملابس، ولا نص للأصحاب في هذا، والظاهر الاقتصار على المأخذ الذي نص عليه الأولون.
والتحلي باللآلىء فيه تردد عندي؛ من جهة أنه لم يثبت تحريم استعماله على الرجال، وإنما ورد نص التحريم في استعمال الذهب، فإذا لم تكن اللآلىء من
خصائص زينة النساء، فليست في معنى الذهب ولكنها تزيّنٌ، وزينتها تزيد على زينة الإثمد.
وحق الناظر ألا يمشي بخَطْوه الوساع في أبواب التعبدات؛ فإن المعاني الكلية وإن كانت معقولةً [مقبولة] 1، فمحل التعبد يمنع الاسترسال في طريق المعنى.
ومن بحث عن جريان الأولين في التفصيل، ورُزق التوسع في الأخبار والآثار، فلا يلقى مذهباً لأئمة السلف إلا مستنداً إلى أثر، وآثار أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الباب مستندها ما فهموه من الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمر بالإحداد.
9883 - ثم إذا أوجبنا الإحداد، فلو تركته، انقضت العدة، غير أنها تأثم إن اعتمدت الترك، وكيف لا يكون كذلك، ولو تبرجت وفارقت مسكن النكاح، فالعدة تنقضي عليها، مع تركها أصلَ حالة التربص.
وقد انتجز غرض هذا الباب ونحن نعقد الآن فصلاً في معنى لزوم المعتدةِ المسكنَ، وما يجوز لها الخروج لأجله.
فصل
9884 - المتوفى عنها زوجها والمبتوتة تلزمان مكان الاعتداد ولا يجوز للمتربصة أن تبرز لنزهة أو زيارة أو تجارة، وإنما تبرز لحاجة ظاهرة، ولا يُشترط انتهاءُ الحاجة إلى رتبة الضرورة، والزيارة في نفسها مقصودةٌ والغرض فيها واضح لائح، ولا يجوز الخروج لها، وكذلك التجارة، فلا يُعلّق جواز الخروج بالغرض، ولا يُشترط في جوازه الضرورة، والحاجة متوسطةٌ بينهما كما سنصفها، ونقرر القول فيها جهدنا، إن شاء الله.
فنقول: إن احتاجت إلى الخروج لحاجة تتعلق بالمطاعم والملابس ومؤنة السكن إذا استَرَمَّ، فإن وجدت من تستنيبه، فلتفعل؛ إذ لا حاجة بها إلى الخروج بنفسها، وإن لم تجد من ينوب منابها، فلا بأس عليها لو خرجت.
والفرضُ في البائنة أو في المتوفى عنها، فإن الرجعية مكفيّةٌ، لا حاجة بها إلى الخروج بنفسها، ولا نفقةَ لبائن حائل، ولا للمتوفى عنها حاملاً كانت أو حائلاً.
فإن وجبت النفقة للبائنة الحامل، فهي في أمر النفقة مكفية، فلا تخرج، وإن ضيعها المطلّق، ومست الحاجة إلى الخروج، خرجت، وكيف لا والزوجة لو ضيعها الزوج، لخرجت، على ما سيأتي تفصيل ذلك في النفقات، إن شاء الله.
والقدر الذي نذكره هاهنا أن خروج الزوجة لا يمتنع إلا لحقِّ الزوج، فإذا انقطعت النفقة، فلها أن تخرج، وإن كانت قادرةً على أن تصابر وتنفقَ على نفسها من مالها.
والمعتدة المستحقة للنفقة إذا انقطع عنها إنفاق من يلزمه الإنفاق عليها، وكانت متمكنة من مصابرة مسكن النكاح من غير حاجة حاقّة، فليس لها أن تخرج؛ فإن العدة يتعلق بها حق الله تعالى على التأكد، ولذلك لا يسقط وجوب التربص وإن رضي مَنْ مِنه الاعتداد، بخلاف استقرار الزوجة في مسكن النكاح، مع استمرار الزوجية.
والتي لا زوج لها، ولا عدة عليها، لها أن تبرز من غير حاجة إذا كانت لا تتعرض لآفة.
هذا تأسيس القول في الحاجة.
9885 - فإن قيل: قد قدمتم في مسائل المسافرة أن المرأة إذا لحقها الطلاق بعد خروجها تاجرةً، فإنها تتمادى على وجهها حتى تقضيَ وطرها، وقلتم: ليس للمعتدة أن تخرج عن مسكن النكاح زائرةً أو تاجرة، [فأبينوا] 1 هذه الفصول وأوضحوا أن ما قدمتم تجويزه، فهو لأثر إذن الزوج، حتى لو فرض مثل ذلك الإذن في مفارقة مسكن النكاح للتجارة، لجاز لها الخروج أم كيف السبيل فيه؟
قلنا: أما الإذن، فلا يبقى عليه تعويل بعد وقوع الطلاق وحصولِ البينونة، والدليل عليه أن الرجل إذا أذن لزوجته في أن تخرج حاجّة، ثم طلقها قبل أن تخرج وتُحرم، فليس لها أن تُحْرم وتخرج، فإن أثر الإذن ينقطع بطريان الطلاق، وقد صادفها الطلاق وهي في مسكن النكاح، فالتعويل إذاً في مسائل المسافرة على أنها
تتأهب للسفر، فلو قطعته، لنالها ضرر عظيم، فهذا هو المعتمد في تلك المسائل، وعليه بنينا الفرق بين أن يلحقها الطلاق وهي في البلدة، أو يلحقها وقد خرجت.
فهذا هو الذي عليه التعويل.
9886 - فإن قيل: [المعتدة] 1 إذا بلغها الخبر بأن مقداراً صالحاً من مالها على شرف الضَّياع لو لم تخرج إليه ولم تتداركْه، فهل لها أن تخرج بنفسها حيث يضيعُ مالُها لو لم تخرج؟
قلنا: هذا محل التردد، ونحن نبين فيه أصلاً كبيراً، ونقول: كل باب بني على معنًى، ثم فرض انخرام ذلك المعنى بشيء، يقع معتاداً، فذلك المعنى يقتضي أن يطَّرد حتى لا ينخرم، وهذا بمثابة بنائنا باب القصاص على الوفاء بالعصمة والامتناع مما يؤدي إلى الهرْج، فلا جرم كل ما يفضي إلى ذلك، فهو مردود، فإذا فرضت مسألة نادرة، فلا مبالاة بها، والتذكير في هذا كافٍ.
فنقول بعد ذلك: اتفاق احتياجها إلى تدارك المال وصونِه عن الاختلال بنفسها في نهاية الندور؛ فإن الغالب أن النسوة لا يحتجْن إلى مباشرة هذه الأمور، ونائبُهن فيها أَقْومُ بها منهن، وغَنَاء الرجل المستناب أظهر من غَنائهن، والغالب أن المرأة إذا أرهقتها حاجةٌ أنابت فيها رجلاً.
فإن فرض فارض صورةً نادرة [لو] 2 جرينا فيها على موجَب الحاجة، لخرجت مسافرة وتبرّجت بارزة وتركت التربصَ، وإن لزمت التربصَ، ضاع مالها، فيتردد نظر الفقيه في هذا المقام بعض التردد، ويعترض له ضياعٌ على ندورٍ وتركُ التربص، وليس كالحاجة التي تغلب؛ فإن ترك التربص بها محمول على الحاجة الغالبة في الجنس.
ومما نجريه في قواعد الشريعة تنزيلُ الحاجة الغالبة العامة للجنس منزلةَ الضرورة الخاصة في حق الشخص، وأما الخاصة النادرة، ففيها النظر، ولكن ضياع
المال شديد، والتربص وإن كان واجباً؛ فإنه من قبيل الأمورِ التابعة، والآدابِ المتأكدة المترقِّية من نهاية الندب إلى أول درجة الوجوب.
فهذا وجه النظر.
والذي عليه الاستقرار أن المال إذا كان يضيع، وله خطرٌ وقدر، فلا بأس لو خرجت وإن فرض الضياع على وجه الندور.
والحاجةُ إذا تعلقت باستصلاحٍ، وكانت نادرة، فلا يجوز ترك التربص لها.
فينتظم من ذلك أن الحاجةَ الغالبةَ إذا كانت لا تتعلق بضَياع في المال، وضرورةٍ في البدن، فيسوغ الخروج لها، والحاجة النادرة إذا كانت لا تفضي إلى ضياعٍ لا يجوز الخروج لها، وإن أدت إلى ضياع وإن كانت على الندور، فيجوز الخروج لها.
هذا ما رأيناه.
9887 - ولا يجوز الخروج للاستزادَة، كالتجارة، وكذلك الخروج للعمارة التي ليس في تركها ضَياع، ويلتحق بذلك الزيارة؛ فإنها لا تبلغ مبلغ الحاجة الحاقة.
والحاجةُ المعتبرة هي التي يظهر ضررها لو تركت، ولو توالت، أفضت إلى الضرورة.
فهذا مجامع الكلام.
فإن قيل: الرجل الأقطع اليمين يقطع الأَيْمان ولا قصاص عليه، والحاجة له مُفْضية إلى ضياعٍ في الأطراف.
قلنا: نعم، ولكن يعارضها أن الهجوم على الدماء لا على القواعد الشرعية شديد، وتركُ التربُّصِ في العدة قريب، على أنا قد نقتُل الأقطع إذا أفضت جراحاته إلى الزهوق، وليس إفضاؤها إلى الزهوق بدعاً.
وقد انتهى ما نريد.
ورجعت مسائلُ السفر وخروجُ المرأة عن مسكن النكاح في زمن التربص إلى قاعدة واحدة، قد بانت للفطن.
9888 - ثم قال الأئمة: إذا كانت تخرج لحاجتها، فلتخرج نهاراً، وليس يحل لها أن تخرج ليلاً، مع التمكن من الخروج نهاراً، والسبب فيه أنها إذا خرجت نهاراً، كانت مرقوبةً بالأعين، بعيدةً عن التعرض، مصونةً بلحظ اللاحظين، وإذا خرجت
ليلاً بعُد [الغوث] 1 عنها [لو قُصدت] 2، وكانت متصديةً للآفات، وإنما ذكر العلماء هذا قطعاً لوهم من يظن أن الخروج ليلاً أليق بالتخدُّر والتخفّر، والأمر على الضد من هذا.
ولسنا نمنعها من الخروج ليلاً إذا وقعت حاجةٌ ليلية، وإنما ذكرنا ما ذكرنا فيه إذا ترددت بين الخروج ليلاً ونهاراً، فالحكم عليها أن تؤثر الخروج نهاراً ولزوم المسكن ليلاً، وهذا حتم على الوجه الذي ذكرناه.
هذا منتهى القول فيما يجوز للمرأة أن تخرج لأجله.
وفيه نجاز الباب.
...
باب اجتماع العدتين والقافة
9889 - العدتان لو اجتمعتا، فلا يخلو: إما أن يكونا من شخص واحد، وإما أن يكونا من شخصين.
فإن كانا من شخص واحد، فلا يخلو إما أن يكونا متفقتين أو مختلفتين، فإن كانتا متفقتين، مثل أن يكونا جميعاً بالشهور أو بالأقراء، وتصوير اجتماعهما أن يطلّق الرجل امرأته طلقة رجعية، وتجرى في عدة الرجعية، وكانت عدتها بالشهور أو بالأقراء، فإذا وطئها الزوج في أثناء العدة فوطؤه وطءُ شبهة، وهو مقتضٍ للعدة، وهذا تصوير اجتماع العدتين.
وكذلك لو كانت في عدة بينونة، فوطئها الزوج بالشبهة، ظاناً أنها زوجته، فالعدة تجب، والتصوير على ما قدرناه.
فالذي أطلقه الأصحاب أن العدتين تتداخلان، والمعنيُّ بتداخلهما أن الذي مضى من العدة الأولى محسوب من تلك العدة على التمحّض، والذي بقي من تلك العدة يجري محسوباً عن العدتين: بقيةِ الأولى وابتداءِ الثانية، حتى إن كان مَضى قرءٌ وبقي قرءان، فجرى الوطء كما صورناه، فنحسب القرأين الباقيين من العدتين، فإذا انقضيا، فعليها بسبب وطء الشبهة قرء واحد، فإذا انقضى، فقد تخلت عن العدتين.
هذا هو المذهب، وعليه التعويل.
9890 - وذكر الأصحاب تقديرين نذكرهما ونبين ضعفهما: قال قائلون: الوطء إذا ورد على العدة من النكاح، لم يوجب في الحال عدةً، وبقيّةُ العدة تمضي ممحّضةً عن الجهة الأولى، حتى إن كان بقي قرءان، فهما من عدة الطلاق، ثم تتربص الموطوءة قرءاً، ونحكم بأن الوطء الذي جرى لم يوجب إلا هذا القرء الواحد، ولا نحكم بأن القرأين الباقيين يجريان عن العدتين، والتزم هذا القائل طردَ هذا القياسَ من غير
محاشاة، وقال: إذا مضى نصفُ قرء من عدة الطلاق، وجرى الوطءُ، فالباقي من العدة يجري محضاً عن جهة الطلاق، ثم إنها تتربص وراء ذلك بعضاً من قرء، ونقضي بأن الوطء أوجب هذا المقدار.
وهذا تلاعب بالأصول وتقديرٌ ينافي وضعَ الشريعة، فإنا لم نَرَ وطءَ شبهة في حُرَّة يوجب بعضَ قرء، وهذا التقدير لا يتغير به حكم، وإنما هو كلام أصدره بعضُ الأصحاب عن غير فكرٍ قويم.
وقال قائلون: إذا جرى الوطء بالشبهة قبل انقضاء عدة الطلاق، انقطع الاعتداد عن الطلاق، واستفتحت عدةَ الشبهة.
وهذا ساقط أيضاً، وقد أشار إليه القاضي في بعض ما نُقل عنه، والدليل على بطلان ذلك أن عدة الطلاق أثبتت لاستنادها إلى حرمة النكاح، ووطء الشبهة إنما يقتضي العدة لمشابهته الوطء في النكاح، فالحكم بانقطاع عدة الطلاق لمكان وطء الشبهة من باب رفع الأقوى بالأضعف.
ثم إذا جرى وطء الشبهة طارئاً على عدة الرجعة، فالرجعة لا تنقطع، ولو ارتفعت عدةُ الرجعة، لانقطعت الرجعة، ولو شبّب مشبِّبٌ في هذا المنع، كان خارقاً لحجاب الهيبة مستجرئاً على خرق الإجماع.
فلا وجه إلا ما قدمناه من تداخل العدتين على التفسير المقدم في احتساب البقية منهما، ووجوب استكمال العدة الثانية بعد انقضاء مدة الأولى، فهذا هو الأصل، وعليه التفريع، ولا عَوْد إلى غيره.
9891 - فنقول: إذا جرى وطءُ الشبهة، فللزوج المراجعةُ في بقية العدة الأولى، فإذا انقضت تلك البقية، انقطعت الرجعة؛ فإنها في تربصها الواقع وراء عدة الرجعة متربصةٌ بمحض عدة الشبهة.
ولو فرضنا وطء الشبهة طارئاً على عدة البينونة 1، فالترتيب في التداخل على
ما قدمناه، ويجوز للزوج أن يجدد النكاح عليها برضاها على شرط الشرع في بقية العدة، وفي المدة التي تتربص فيها وراء عدة الطلاق، والسبب فيه أنها مترددة بين عدة النكاح وعدة الشبهة، وتجديد النكاح سائغ في العدتين ممن نسبت العدة إليه، فللمطلق التجديد في عدة الطلاق، وللواطىء بالشبهة التجديد أيضاً، وليس هذا كالرجعة في الصورة الأولى، فإنها تختص بعدة الطلاق ولا تتعدى إلى عدة الشبهة، فانقسم الكلام في الرجعية نفياً وإثباتاً، واطرد جواز النكاح فيه إذا جرى وطء الشبهة على عدة البينونة، وهذا لائح لا إشكال فيه.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت العدتان من شخصٍ واحد، وكانتا من جنس واحد.
9892 - فأما إذا اختلف جنس ما به الاعتداد والشخص الذي عنه الاعتداد واحد، وذلك بأن تُفترض إحدى العدتين بالأقراء، والأخرى بالحمل، وهذا يفرض على وجهين: أحدهما - أن يصادفها الطلاق وهي حامل، فتكون عدة الطلاق بالحمل، ثم يفرض الوطء طارئاًعلى الحمل.
وقد 1 يفرض الطلاق طارئاً على الحيال، فتلابسُ المطلقةُ عدة الأقراء، ثم يطرأ وطء الشبهة، ويحصلُ العلوق به، فهذا حملٌ طرأ على الأقراء.
وقد ذكر الأصحاب وجهين في أن العدتين هل تتداخلان من شخص واحد وما به الاعتداد مختلف: فمن أصحابنا من قال: تتداخلان كما لو كانتا متفقتين.
ومنهم من قال: لا تتداخلان، لاختلافهما، والتداخل يليق بالمتفقات، والدليل عليه أن الحدود يجري التداخل في المتَّفقات منها دون المختلفات.
فإن قلنا: بالتداخل وقد طرأ حملٌ على أقراء، أو طرأ وطء على زمان الحمل، فكما 2 وضعت انقضت العدتان من غير تفصيل: عدة الشبهة، وعدة النكاح، سواء كان الحمل من النكاح أو من وطء الشبهة، ثم له أن يراجعها في جميع مدة الحمل، فإن وضعت حملها، تخلت.
9893 - وإن قلنا: لا تداخل مع اختلاف الجنس، فإن كان الحمل من النكاح، فعليها أن تعتد عن الشبهة بثلاثة أقراء، وللزوج الرجعة ما دامت الزوجة حاملاً، فإذا وضعت حملها، استقبلت ثلاثة أقراء ولا رجعة فيها؛ فإنها واقعةٌ عن وطء الشبهة على التمحّض.
فإن كانت المسألة مفروضة في عدة البينونة، فللزوج تجديد النكاح في زمَان الحمل، وفي الأقراء الثلاثة بعده؛ لأنها بين أن تكون معتدة عن نكاح، وبين أن تكون معتدة عن وطء شبهة، ولا يمتنع تجديد النكاح في العدتين جميعاً.
هذا إذا كان الحمل من النكاح ووطء الشبهة طارىء.
فأما إذا كان الحمل عن وطء الشبهة والتفريع على أن العدتين لا تتداخلان، فكما علقت عن الوطء بالشبهة، انقطعت عدة الطلاق حتى إن كان مضى قُرء، فعلقت، فهي معتدة عن وطء الشبهة في مدة الحمل، فإذا وضعته عادت إلى الأقراء، واستكملت ما مضى: ثلاثة أقراء.
هذا [تصوير] 1 العدتين من غير تداخل.
ثم الحكم أن الزوج لو صبر حتى وضعت، فله أن يراجعها في بقية الأقراء بعد وضع الحمل؛ فإنها عِدّة الرجعة على التمحّض، ولو أراد مراجعتها وهي حامل، وقد بينا أنها في مدة الحمل في عدة الشبهة، فهل تصح المراجعة؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أن الرجعة لا تصح، وهذا ظاهر القياس، ووجهه أنها ليست في عدة الطلاق.
والرجعةُ إنما ثبتت في عدة الطلاق الرجعي.
والوجه الثاني - أن الرجعة تصح؛ لأن عليها بقيةً من عدة الرجعة، وهي ملتزمةٌ لها إذا وضعت حملها، فيكفي التزامها لذلك في إثبات الرجعة، وهذا الوجه على اشتهاره فيه [ضعف] 2.
9894 - ولو فرضت هذه الصورة في عدة البينونة، فتجديد النكاح سائغ في الأحوال كلها لما قدمنا ذكره.
ثم إن جرى ما وصفناه في عدة الرجعة، فإذا ارتجعها حيث يصح الارتجاع، فتنقطع العدة بطريان الرجعة؛ فإنه يستحيل أن تكون مرتجعة مردودة إلى النكاح وتكون معتدة عمن هي مردودة إليه.
وكذلك إذا فرض تجديد النكاح والمسألة في عدة البينونة، فينقطع العدتان.
9895 - ومما نفرعه أن الحمل إذا كان عن وطء الشبهة، وهو طارىء على عدة الرجعة -والتفريع على انتفاء التداخل لمكان اختلاف الجنس- فلو سئلنا عن لحوق الطلاق، وهي في مدة الحمل، أو عن جريان التوارث، لو فرض الموت في هذه الحالة، أو سئلنا عن الظهار الموجه عليها، فهذا كله يخرّج على الخلاف الذي قدمناه في أن الرجعة هل تصح في مدة الحمل المترتب على وطء الشبهة، فإن جوزنا الرجعة، لحقها الطلاق، وكان الإيلاء والظهار بمثابة رجعتها، وإن لم [نصحّح] 1 الرجعة، لم يلحقها الطلاق، ولغا لفظ الظهار والإيلاء.
وكل ما ذكرناه فيه إذا طرأ الحمل على الأقراء، أو طرأ الوطء على الحمل الكائن في النكاح، والشخص واحد، ولم تر الدم على مدة الحمل.
9896 - فلو طلقها وهي حامل، ثم وطئها، والتفريع على ألا تداخل، فلو رأت =تتعرض (الغاية في اختصار النهاية) لها أيضاًَ.
وعند مراجعتنا لكتب المذهب وجدنا الرافعي والنووي يحكمان على هذا الوجه بأنه الأصح.
فهل هذا موضع من مواضع مخالفة إمام الحرمين للأصحاب -على ندرة ذلك-؟ أم أن تقديرنا للكلمة الساقطة غير صحيح؟ ربما جعلنا نطمئن إلى اختيارنا للكلمة وحُكْمنا على هذا الوجه بالضعف، أن الإمام الغزالي في الوسيط ذكر الوجهين بدون ترجيح، فهل في هذا ما يشير إلى صحة اختيارنا؟ ربّما.
(ر.
الشرح الكبير: 9/ 459، والروضة: 8/ 385، والوسيط: 6/ 137).