كتاب العدة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فصل
قال: " ولو طلقها، فلم يحدث لها رجعة ... إلى آخره " 1.
9804 - البائنة إذا أتت بولد من يوم الفراق لأربع سنين أو أقلَّ، لَحِقَ الولدُ الزوجَ، فإنها أتت به لزمان يحتمل أن يكون العلوق به من النكاح، وتعتبر ابتداء مُدّة الحمل تقديراً يوم الطلاق.
ولو طلق امرأته طلقة رجعية، فمن أي وقت نعتبر مدة أربع سنين في حقها؟ فعلى قولين: أحدهما - أنا نعتبر ابتداء الحمل من وقت انقضاء العدة، نصّ على هذا في اجتماع العدّتين، ونقله المزني في آخر الباب.
والقول الثاني - أن ابتداء مدة الحمل يحتسب من وقت الطلاق، وإن كان رجعياً.
توجيه القولين: من قال ابتداء المدّة يحتسب من انقضاء العدة ظاهراً، احتج بأن الرجعية حكمها حكم الزوجات، فينبغي أن يكون اعتبار أول المدة من وقت انقضاء الزوجية.
ومن نَصر القولَ الثاني، احتج بأن الرجعية معتزلةٌ عن زوجها، والزوج معتزل عنها، ولا يليق بها الاستفراش، وهذا التوجيه كافٍ.
[وبنى] 2 بعضُ الأئمة القولين على أن الرجعية منكوحة أم لا؟ وقد قدّمنا هذا في كتاب الرجعة، وألحقنا بذلك أمثلةً وبيّنا ما يليق بهذا، فلا نعيده.
فإن قلنا: يعتبر مضيُّ أربع سنين من يوم الفراق، فحكمها حكم البائنة، وإن قلنا: يعتبر من يوم انقضاء العدة، فأي ولدٍ أتت به يلحقه، وإن مضت عشرون سنة وأكثر من يوم الفراق، ما لم تقرّ بانقضاء العدة؛ فإن العدة تتمادى على المذاهب الصحيحة إلى آمادٍ طويلة بتباعد الحيض.
فإذا أقرت بانقضاء العدة، ومضى من ذلك الوقتِ أربعُ سنين، فلا لحوق بعد ذلك.
فمن أصحابنا من قال: إذا مضت من يوم الفراق أربعُ سنين وثلاثةُ أشهر، حكمنا بزوال الفراش حتى لو إتت بولدٍ بعد ذلك، لم يلحق؛ لأن الظاهر والغالب أن العدة تنقضي بثلاثة أشهر، والحمل لا يمكث في البطن [أكثرَ من] 1 أربع سنين.
وهذا الإنسان تعاظمه ما ذكرنا من لحوق النسب بعد الطلاق إلى عشرين سنة، فصاعداً، ولا معنى للحيْد عن القياس بمثل هذه الترّهات.
9805 - ثم نقل المزني في الكتاب لفظةً ملتبسةً، وذلك أنه قال: " إذا أتت البائنة بولد لأكثرَ من أربع سنين يكون منفياً عنه باللعان " ثم قال: " وهذا غلط: لا يمكن كونه منه موجِبٌ أن لا يحتاج إلى اللعان، ولعل هذا غلط من غير الشافعي " 2.
وهذا من كلام المزني، ثم استدل على أنه منفي عنه من غير لعان [بأن] 3 الشافعي قال: " لو قال لامرأته: إذا ولدتِ، فأنت طالق، فولدت ولدين وبينهما ستة أشهر يلحقه الولدُ [الأول] 4 وتنقضي عدته بالثاني ويكون منفياً عنه بلا لعان " 5.
قال الأصحاب: ما ذكره المزني صحيح في المعنى، ولكن الغلط جاء من جهة النقل: إمّا منه وإما من غيره، ثم التعليل الذي ذكره ليس بواضح، ولفظه معقّد.
9806 - وأما المسألة التي أوردها في الولدين، فهي المسألة الموعودة 1 في الفصل المشتمل على عدة امرأة الصبي:
وصورتها: أن تأتي بولد، وقد كان قال الزوج: إذا ولدتِ ولداً، فأنت طالق ثلاثاً، فإذا ولدت، طُلّقت واستقبلت العدة، فلو أتت بولدٍ لستة أشهر من وقت الولادة، فلا شك أن العلوق به جرى بعد الولادة، وهو منفي بلا لعان؛ فإن العلوق به جرى بعد وقوع البينونة، وهذا بمثابة ما لو أتت البائنة بولد لأكثر من أربع سنين بعد البينونة، ثم نقضي بانقضاء عدتها بالولد الثاني مع كونه منفياً.
وهل نُنزله منزلةَ الولد المنفي باللعان، وقد ذكرنا أن المرأة إذا وضعت حملها المنفيَّ باللعان، فعدتها تنقضي مع انتفاء الولد.
وإنما نحكم بأن العدة لا تنقضي إذا كان الولد ولدَ زنا، كذلك [إن] 2 كان العلوق بالولد الثاني بعد الفراق، فيحتمل أن الزوج وطئها بشبهة، ولو فُرض ذلك، لتداخلت العدتان، ولجرى الحكم بانقضاء العدة بوضع الحمل.
9807 - حاصل ما ذكره الأصحاب في انقضاء العدة في هذه الصورة ثلاثةُ أوجهٍ أشار إليها القاضي وغيره: أحدها - أن العدة تنقضي كما ذكرناه في الولد المنفي باللعان.
والثاني- أنها لا تنقضي؛ فإن العدة إنما تنقضي بولد يمكن تقدير العلوق به في حالة النكاح، والولد المنفي باللعان بهذه المثابة، فليس انتفى بسبب [عدم] 3 الإمكان، والإمكانُ غير زائل، وهي مصدقة فيما يتعلق بالعدة إذا لم تدع أمراً خارجاً عن الإمكان.
والوجه الثالث - أنا ننظر: فإن لم تدع المرأة سبباً محترماً يفرض العلوق منه بعد
الفراق، فلا نحكم بانقضاء العدة، وإن ادعت [أنه] 1 وطئها بشبهة، فإذ ذاك نحكم بانقضاء العدة، وإن كان القول قول الزوج في نفيه، ولا حاجة به إلى اللعان، ويكفيه أن يحلف على نفي الوطء، إذا ادعته، وذلك لأن الزوج وإن نفى ما ادّعته وحلف فيمينه لا تقطع إمكان صدقها، ويكفيها في دعوى انقضاء العدة إمكان الصدق.
9808 - ثم قال الشافعي: " لو ادعت المرأة أنه راجعها أو نكحها إن كانت بائنة ... إلى آخره " 2.
إذا أتت البائنة بولد لأكثر من أربع سنين من يوم الفراق، أو كانت رجعية، فأتت بولد لأكثر من أربع سنين من يوم وقوع الطلاق، والتفريع على قولنا أنا نعتبر المدة في الرجعية من وقت الطلاق أيضاً، فإذا ادعت المرأة على المطلِّق أنه راجعها فألمّ بها، وحصل العلوق بعد الرجعة، وادعت البائنة أنه نكحها ووطئها والولد من الوطء الجاري في النكاح الجديد، فالقول قول الزوج لا محالة، في نفي ما تدعيه إن نفاه، فإن حلف، انتفى النسب، وكفى ذلك، وأغنى عن اللعان، وإن نكل عن اليمين، فهل يرد اليمين عليها؟ لم يتعرض الشافعي لذلك بنفى، ولا إثباتٍ.
ولو زعمت المرأة أنها ولدت، وكان النكاح قائماً، فأنكر الزوج الولادة، فالقول قوله، فإن حلف، فذاك، وإن نكل عن اليمين، قال الشافعي حلفت عند نكوله يمينَ الرد، وقد ذكرنا تصرف الأصحاب في ذلك، في كتاب اللعان، فلا حاجة إلى إعادة ما سبق.
والذي نرى التنبيه [إليه] 3 هاهنا، أن الأصح الردُّ لليمين عليها؛ لأنها قيّمة في نفقة الولد مُطالِبةٌ بها، كما قال المصطفى عليه السلام لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " 4
فهي تستفيد إذاً بالتسبب إلى إثبات الولادة دفعَ النفقة عن نفسها، فالأصح أنها تحلف يمين الرد.
ثم لم يختلف الأصحاب في أنها تبتدىء الخصومةَ ويحلف الرجل، وهذا محل سؤال الفطن!!
فإن قيل: إذا فرعتم على أن اليمين لا ترد عليها، فكيف بنيتم تحليف الزوج على دعواها؟ قلنا: قد ينتصب للدعوى، وعرضِ اليمين، وطلبِ التحليف مَنْ لا يحلفُ [كالوصيّ] 1 في كثير من الخصومات المتعلقة بحقوق الطفل، وكذلك الوكيلُ بالخصومة يطلب التحليف ولا يحلف، وهذا من الأصول العظيمة في الدعاوى والبينات، وسيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
ومهما 2 انتهى كلامٌ إلى استدعاء بيانٍ في طرفٍ وموضعُ كشفه كتابٌ، فالذي يقتضيه الترتيبُ التنبيهَ عليه والإحالةَ على الكتاب الموضوع له، فيجتمع اجتناب التكرار والتنبيهُ لما يجب التنبه له.
فصل
قال: " ولو نكحت في العدة، فأصيبت ... إلى آخره " 3.
9809 - المرأة إذا خلت عن العدة ونكحت نكاحاً مستجمعاً لشرائط الصحة في ظاهر الأمر، وأتت بولد في الفراش الثاني، نُظر: فإن أتت به لزمان لا يُحتمل أن يكون العلوق به في الفراش الثاني، مثل أن تأتي به لأقلَّ من ستة أشهر من وقت النكاح وإمكان الاستفراش، وكان العلوق به ممكناً في النكاح الأول، فالولد يلتحق بالزوج الأول، ويتبيّن بطلانُ النكاح الثاني للعالم، فإنه جرى والمنكوحة حامل بولد نسيبٍ.
فإن أتت به لزمان لا يحتمل أن يكون العلوق به في الفراش الثاني، وكان لا يحتمل العلوق به في الفراش الأول، وذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر في النكاح الثاني،
ولأكثر من أربع سنين من البينونة عن الفراش الأول، فالولد منتفٍ عن الزوجين، ولا يُقضى فيه بأنه ولد زنا.
ولكن لا أب له، وطريق تحسين الظن حمل العلوق به على وطءٍ بشبهة.
وإن أتت به لزمان يحتمل أن يكون العلوق به في النكاح الثاني، مثل أن تأتي به لستة أشهر من النكاح الثاني فصاعداً، فالولد لا يلحق الأول وإن أمكن أن يكون العلوق به من النكاح الأول، ولكن النكاح الثاني في حكم الناسخ للأول والقاطع لعلائقه واحتمالاته.
وسبب هذا أنا في إلحاق الولد بالثاني لسنا نعطل النسب، فقد نظرنا للولد، ولو قدرنا الإلحاق بالأول، [لأبطلْنا] 1 النكاح الثاني؛ فإنا على هذا التقدير نتبين أن النكاح الثاني عُقد وهي حامل، والنكاح الذي جرى الحكم بانعقاده ظاهراً لا سبيل إلى الحكم ببطلانه بأمرٍ غيرِ مستيقن، فهذا هو الذي أوجب الإلحاق بالفراش الثاني، وهذا يتأكد بترجيح الاستفراش الناجز على ما مضى وانقطع أثره وخبره.
ثم إذا بأن أن الولد يلتحق بالفراش الثاني بالاحتمال، وإن أمكن أن يكون من الفراش الأول، فما الظن إذا أمكن أن يكون من الثاني، ولم يمكن أن يكون من الأول؟ ولا حاجة إلى ذكر مثل هذا إلا لمحاولة استيعاب الأقسام.
9810 - وما ذكرناه كله فيه إذا خلت المرأة عن العدة في ظاهر الحال، ونكحت نكاحاً يقضي الظاهرُ بصحته.
فأما إذا جرى نكاحُ شبهة، واتصل الوطء به على ظن الحِلّ من الجانبين، وذلك بأن تنكِح في بقيةٍ من العدة ظانَّة أن العدة قد انقضت، فإذا أتت بولدٍ من وقت افتراش الثاني إياها، نُظر: فإن لم يحتمل أن يكون العلوق به من الثاني، واحتمل أن يكون من الأول، التحق بالأول، وإن لم يحتمل أن يكون من الثاني ولا من الأول، انتفى عنهما، وإن احتمل أن يكون من الثاني واحتمل أن يكون من الأول أيضاًً، وذلك بأن تأتي به لستة أشهر من افتراش الثاني، ولأربع سنين من الأول أو لدون أربع سنين، فقد تردّد المولود بينهما، وهذا من محالّ القيافة.
والذي يليق بغرضنا الآن أن الولد لا يلتحق بالفراش الثاني لحوقَه بالنكاح الصحيح، والسبب فيه ما قدمناه من أن الإلحاق بالأول وقد جرى نكاح ظاهره الصحة، يتضمن إفساد النكاح المحكوم بصحته ولا وجه لهذا، ولا يتحقق مثلُ هذا في النكاح الفاسد.
ومن أسرار المسألة أنا ردَّدْنا في النكاح الفاسد ولداً بين النكاح الفاسد والنكاح الصحيح الماضي، ولكن لما لم يؤد إلى إفساد نكاح المتقدم، لم نُبالِ بذلك.
والدليل عليه أن المنكوحة لو وطئت بشبهة في استمرار النكاح، وفرض الإتيان بولد وتردد الاحتمال بين الواطىء بالشبهة وبين الزوج؛ فإنا نُري الولدَ القائفَ، وإذا انتهينا إلى باب القيافة في آخر الدعاوى، أوضحنا في صدر الباب الصور التي تجري القيافةُ فيها.
فهذا منتهى المراد في ذلك، وسياقةُ أحكام القيافة إلى منتهاها ستأتي، إن شاء الله تعالى.
9811 - ومما ذكره الأصحاب هاهنا أن المرأة إذا نكحت على الشبهة والفساد، فمتى يثبت حكم الفراش الثاني؟ ظاهر المذهب أنه يثبت بالوطء الأول، وقال القفال الشاشي 1: يثبت حكم الفراش الثاني بالعقد، وفائدة ذلك أنا من أي وقت نحتسب
زمان الحمل ليتبين الاحتمال، فعلى هذا الاختلاف [متى] 1 ينقطع حكم الفراش الثاني الثابت على الفساد والشبهة؟
اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: ينقطع أثر الفراش الفاسد بالتفريق وإليه النظر، والقفال الشاشي يقول: ينقطع أثر الفراش الثاني من آخر وطأة جرت، ولا يتوقف على التفريق: فمن [راعى] 2 الوطء في الأول، اعتبر التفريق في الآخر، والقفال راعى العقد في الأول، والوطء في الآخر، وذكْر هذين الخلافين على الإرسال حسنٌ لا بأس به.
فأما اعتبارُ العقدِ في الأول والوطءِ في الآخر، فكلام مختلط [حكَوْا أن اعتبار الوطء في الأول والتفريق في الآخر يوجّه بأن الوطء] 3 إذا أثبت حكمه في الافتراش، لم يبعد أن يتمادى إلى التفريق، ولهذا نظير سيأتي الشرح عليه في أثناء الكتاب.
وهو أن من طلق امرأته طلقة رجعية، وكان يخالطها ولا يغشاها، فهل تنقضي العدة مع صورة المخالطة؟ فيه كلام وتفصيل، وكذلك لو فرض ذلك في البائنة على شبهة.
فلا ينبغي أن نشتغل بذلك؛ فإنه بين أيدينا.
9812 - ومما يتصل بهذا المنتهى أن من نكح امرأة نكاحاً فاسداً، وأتت بولد من غير فرض تردد بين نكاحين، فهل يلتحق الولد بمجرد النكاح مع تبين فساده من غير إقرارٍ من الزوج بالوطء؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: لا بد من الإقرار بالوطء؛ فإن الفاسد لا يكون فراشاً ما لم يمض افتراشٌ على التحقيق.
ومنهم من قال: نفسُ النكاح والإمكان كافٍ، وهذا يلتفت على الخلاف الذي ذكرناه من أن المنكوحة على الفساد متى صارت مفترشة؟ وقد قدمنا الخلاف في ذلك.
ويترتب عليه أيضاً أنه إذا أقر بالوطء -على قولنا: إنه يعتبر إقراره- فلو ادعى الاستبراء، فالمذهب الأصح الذي يدل عليه النصوص أن دعوى الاستبراء لاغية، ووجه دلالة النصوص قَطْعُ الشافعي قولَه بجريان اللعان، مع العلم بأن اللعان في النكاح الفاسد إنما يجرى للضرورة الداعية إلى نفي النسب المتعرض للثبوت، وقد أوضحنا في كتاب اللعان [أن اللعان] 1 حجةُ ضرورة، وأبعد بعض أصحابنا، فجعل النكاح الفاسد كملك اليمين في دعوى الاستبراء: تؤثر فيه، وهذا بعيد عن قاعدة المذهب.
فصل
قال: " فإن قيل: لمَ لمْ تنفوا الولد إذا أقرت بانقضاء العدة ... إلى آخره " 2.
9813 - إذا طلق الرجل امرأته وزعمت أنه مرّ بها الأقراء الثلاثة، وادعت ذلك في زمان ممكن محتمل، واقتضى الحال تصديقَها، والحكمَ بأنها خلت عن العدة وحلّت للأزواج، فلو أتت بولد لزمان يحتمل أن يكون العلوق به من النكاح: مثل أن تأتي به لأربع سنين فما دونها، فالولد يلحقُ، وإن جرى الحكم بتصديقها، ونتبين أنها كانت ظنت انقضاء العدة، وما كانت منقضية، هذا مذهبنا.
ونكتة المذهب أن الاحتمال في لحوق النسب كاليقين في وضع الشرع، وصُور الأقراء تزاحمه، وقد اتفق العلماء، وشهدت المشاهدة على أن الحامل قد ترى الدمَ على ترتيب أدوار الحيض، وإنما الخلاف في أنه هل يحكم بكون ما تراه حيضاً في أحكام العبادات، وتحريم الوقاع ونحوه، فإذا أتت بالولد لزمان الإمكان، لحق وإن أُفحمنا حيضاً وأقراءً.
وأبو حنيفة 1 يقول: إذا صدقناها في انقضاء العدة، واتصل ذلك بمجلس حاكم، فإذا أتت بالولد لزمانٍ يمكن أن يكون العلوق به في النكاح، لم يلحق.
وهذا في التحقيق قطعُ النسب، وإبطالُ حق الولد منه بسبب إخبارها بأنها رأت دماً، فإن خبرها عن انقضاء العدة يرجع إلى ما شاهدت من ذلك.
والعلم عند الله عز وجل.
...
باب لا عدة على من لم يدخل بها
9814 - صدَّر الشافعي رضي الله عنه الباب بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: 49].
وغرض الباب أن العِدد المتعلقة بطرق الفراق في الحياة مشروطة بالمسيس، والأصل فيه الآية التي ذكرناها.
ولو فرضت خَلوة خِلوَةٌ عن المسيس، فالمذهب الظاهر أن المهر لا يتقرّر بالخَلوة العريّة عن الدخول، خلافاًً لأبي حنيفة 1، وفي المسألة قول يوافق مذهبه، وقد ذكرنا القولين في كتاب الصداق؛ فإن حكمنا أن المهر لا يتقرر بالخَلْوة، فلا تجب العدة بها، وإنْ حكمنا بأن الخَلوةَ تُقرر المهرَ، فالذي ذكره الأصحاب أنها توجب العدة.
وهذا فيه أدنى غموض، وكنت أود أن نحمل تقريرَ المهر على التمكين؛ فإن التمكين من المنافع تسليمٌ، كما إذا ألقى المكري مفتاحَ الدار المكراة إلى المكتري، وخلّى بينه وبين الدار.
فأما العدة، فكان لا يبعد في القياس ألاّ تجب وإن تقرر المهر؛ فإن تقرير المهر مأخوذ من قياسٍ في المعاوضة لا تؤخذ العدة من مثله، ولكن 2 لعل الأصحاب رأَوْا العدة عليها من آثار التسليم وتقرير الملك؛ فإن 3 التي تبين بالطلاق ليس النكاح مقرراً
فيها، فكما يتقرر العوض على الزوج يتقرر النكاح على الزوجة، ومن أثر تقرره ألا ينبتّ.
هذا هو [الممكن] 1 في توجيهه.
9815 - ثم إذا كان الطلاق رجعيّاً، فقد قال أبو حنيفة: لا نثبت الرجعة، واختلف أصحابنا في ثبوتها: فمنهم من وافق أبا حنيفة، وهذا يخرم الفقه الذي ذكرناه، ولا ينقدح فيه وجه خالصٌ عن الشوائب، والأوجه إثبات الرجعة إن أثبتنا العدة.
ثم الممكن في توجيه نفي الرجعة أن العدة وإن ثبتت، فالرجعة تستدعي كمالاً، وليست المعتدة عن الخلوة على نعت الكمال في تربصها، فكأنها على مَرْتبةٍ بين المرتبتين، فإذا أُحْوِج الفقيهُ إلى مثل هذا الكلام، لم نُقم له وزناً؛ فإن القول يتعارض فيه.
9816 - ثم فَصَل أبو حنيفة 2 بين الخلوة الصحيحة وبين الخلوة الفاسدة، وقال: لو خلا بها وهما مُحرمان أو أحدهما، أو صائمان صوم فرض، أو أحدهما، لم يتقرر المهر، ولم تجب العدة، ولهم في صوم التطوع تردد.
قال أئمتنا: إذا فرعنا على القول الضعيف ورأيْنا الخلوة مقرِّرةً، لم نَفْصل بين الخلوة الفاسدة والخلوة الصحيحة، ونقضي بتقرر المهر وثبوت العدة، ولو اعتل معتل في التسوية بإمكان الوطء حسَّاً، اعترض عليه خلوةُ المجبوب، والخلوةُ بالرتقاء، فإن الجماع غير ممكن، وقد قال أبو حنيفة: الخلوة تقرر مع هذه الموانع الطبيعية.
ولو روجعنا في ذلك، فالوجه عندنا الحكم بالتقرير مع هذه الموانع؛ فإن المصير إلى أن النكاح لا يتصور فيه تقرير فيه بُعْدٌ، والذي يجرى نهايةُ الأمر.
وفي القلب من الموانع الطبيعية كلام؛ فإن الإمكان مقترن بالصوم والإحرام، ولا إمكان مع الجب والرتق، ولو فصل فاصل بين الجب والرتق، صائراً إلى أن تمكين المجبوب يردّ العجز إليه، وهي في نفسها فعلت ما هو تمكين على أقصى الإمكان، ويجوز أن يقال: الرتقاء عاجزة عن التمكين، فقد جاء من جهتها العجزُ عن
الوفاء بالتمكين، ويعترض على ذلك أنها تستحق النفقة، وإن لم يكن الوقاع ممكناً، على ما سيأتي شرح ذلك، والمريضة التي يرجى زوالها من مرضها قد لا تستحق النفقة، فإنما أُتينا من جهة التفريع على قولٍ لا أصل له.
ومعتمد مذهب الشافعي صحة الأصول، والأصول الصحيحة لا تُفضي إلى مثل هذا الخبط.
9817 - ثم ذكر الشافعي أن الزوج والزوجة إذا اختلفا في الإصابة، فالقول قول مَنْ ينفيها إلا في مسائل، منها: الاختلاف في جريان الإصابة في مدة العُنّة، فإذا ادعاها الزوج وأنكرت المرأة، فالقول قول الزوج، وكذلك لو فرض مثل هذا في الإيلاء.
فإذا ادعت المرأة على الزوج الإصابةَ تبغي بذلك تقررَ المهر، فأنكر الزوج الإصابةَ، فالقول قوله.
فإذا طلقها، وجرى التنازعُ على هذا النسق، وصدقنا الزوجَ مع يمينه، فلو أتت بولدٍ لزمان يحتمل أن يكون العلوق به من النكاح، فالنسب ملحق، فلا ينفيه ما تقدم من حلف الزوج على نفي الإصابة، وهذا بيّنٌ.
قال الشافعي: إذا ألحقنا النسب أشعر بجريان إصابةٍ في صلب النكاح، فنعود ونقول: القول قول المرأة في ادعاء الإصابة، فتحلف، ويتقرر مهرها.
قال الربيع: " وجب ألا يتقرر المهر؛ لأن كلا الدعويين محتمل، فينبغي أن يُصدّق الزوج فيما يتعلق بنفي التقرير، ويُقضى بلحوق النسب؛ لأنه يَلْحقُ بإمكانٍ وإن بعد "، ولا بأس بما ذكره.
وهذا شبَّب بعضُ الأصحاب بموافقته، والمذهب ما نص عليه الشافعي، ووجهه أن القول في الدعاوى قولُ مَن الظاهر معه، وإذا كنا نحلّف صاحب اليد -مع انقسام الأيدي- للظاهر، فلحوق الولد يُظهر دعوى الإصابة.
باب العدة من الموت والطلاق والزوج غائب
9818 - مضمون الباب مسألة واحدة هي أن المرأة إذا طلقها زوجها في الغَيْبَة، أو مات عنها، ثم لم تعلم بموته أو طلاقه حتى انقضى زمان العدة، فإذا بلغها الخبر، فهي خليّة من العدة، ولا يضرّ عدمُ علمها بكونها في العدة.
وعن علي رضي الله عنه: أنها تبتدىء العدة من وقت ما أحاطت علماً بطلاقه، أو وفاته، لا يعتد بما مضى.
وهذا مذهب مهجور لا معول [عليه] 1.
...
باب عدة الإماء
قال الشافعي رضي الله عنه: " فرق الله تعالى بين الأحرار والعبيد ... إلى آخره " 1.
9819 - الأحكام على ثلاثة أقسام: منها ما يستوي فيها العبيد والأحرار، والإماء والحرائر، كوظائف الصلوات، وأصل الإسلام، والصيام، وكثير من العقوبات، كالقصاص، وقطع السرقة، والعدة بوضع الحمل.
ومنها ما لا مدخل للعبيد فيه كالولايات، والشهادات، والمواريث، وافتراض الجمعة، وحجة الإسلام.
ومنها ما يشترك الأحرار والعبيد في أصله ويختلفان في الكيفية، فيَلْحَقُ العبيدَ والإماءَ فيه نقصٌ، وهذا فيما ذكره المرتبون قسمان: منه ما يكون العبد فيه على النصف من الحر وكذلك الأمة تكون على النصف من الحرة، وذلك كالحد بالجلد، والقَسْم في النكاح.
ومنها ما تكون الأمة فيه على الثلثين كالأقراء والطلاق، وقد قيل: هذا أصله اعتبار النصف، ولكن لما لم يقبل القدَّ والتنصُّفَ، وكذلك الطلاق، كَمَّلْنا نصفَ طلْقةٍ طلقةً، ونصف قرءٍ قرءاً، وقال داود تعتد بثلاثة أقراء، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعتد الأمة بحيضتين " 2 وإنما ذكر الحيض لدلالته
على الطهر، هذا إذا كانت الأَمَةُ من ذوات الأقراء.
فإن كانت من ذوات الشهور ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - أنها تعتد بشهر ونصف؛ لأن الشهر مما يتجزأ ويتبعض وإن كان القرء لا يتبعض، فينبغي أن تكون الأمة على الشطر من الحرة، كما أنها في عدة الوفاة على الشطر، منها تتربص شهرين وخمسة أيام.
والقول الثاني - أنها تعتد بشهرين؛ فإن كل شهر في مقابلة قرء، وقد تأصل فيها قرءان، وروي عن عمر أنه قال: " يطلِّق العبد تطليقتين، وتعتد الأمة بحيضتين، وإن لم تحض، فشهران أو شهر ونصف " 1 ومنهم من جعل هذا شكّاً من الراوي، ومنهم من جعله ترديدَ قولٍ من عمرَ، وهذا ظاهر الرواية، وهو شاهدٌ بيّن في أن ترديد القول ليس بِدعاً 2.
وفي المسألة قول ثالث - أنها إذا عدمت الحيض، تربصت ثلاثة أشهر، وقد قيل: أقلُّ زمان يدل على براءة الرحم ثلاثةُ أشهر، وما يرجع إلى الجبلة لا يختلف بالرق والحرية، وإنما خرّج هذا القولَ الثالث من الاستبراء، قال الشافعي: أم الولد إذا لم تكن من ذوات الحيض فعَتَقَت، فبماذا تستبرىء؟ فعلى قولين: أحدهما - أنها تستبرىء بشهر واحد؛ فإنها لو كانت من ذوات الحيض، لاستبرأت بقرء واحد، فإذا كانت من ذوات الشهور، أقمنا شهراً مقام قرء.
والقول الثاني - أنها تستبرىء بثلاثة أشهر؛ لأنه أقل زمان يدل على براءة الرحم، وخرج هذا في المطلقةِ الأمةِ إذا كانت من ذوات الشهور.
فصل
قال: " ولو عتَقَت الأمةُ قبل مضي العدة ... إلى آخره " 1.
9820 - الأمة إذا فارقت زوجها، وشرعت في العدة، ثم عَتَقَت في أثنائها، نُظر: فإن كانت بائنة، فعتقت في خلال العدة، نص في القديم على أنها تقتصر على عدة الإماء، ونص في الجديد على قولين في البائنة.
وإن كانت رجعيةً، فعتقت في أثناء العدة، المنصوصُ عليه في الجديد القطعُ بأنها تُكمل عدةَ الحرائر، وفي القديم قولان، والقديمُ يميل إلى الاقتصار على عدة الإماء، والجديد [مَيْلُه] 2 إلى الإكمال، والرجعية أولى بالإكمال من البائنة، والبائنة أولى بالاقتصار من الرجعية.
فينتظم من الجديد والقديم ثلاثة أقوال: أحدها - الاقتصار على عدة الإماء، رجعية كانت، أو بائنة.
والثاني - الإكمال، رجعيةً كانت أو بائنة.
والثالث - أنها إن كانت رجعية، أكملت عدة الحرائر، وإن كانت بائنة، اقتصرت على عدة الإماء.
توجيه الأقوال: إن قلنا بالإكمال، وهو اختيار المزني، فوجهه أن المغيّر للعدة طرأ على العدة فأشبه ما لو طرأ الحيض على الأشهر، وأيضاً في العدة مشابهُ العبادات، والعبرة فيها بحالة الأداء.
ومن قال بالقول الثاني - احتج بضرب من التشبيه، فقال: ذو عدد محصور يختلف بالرق والحرية، فالعبرة فيه بحالة الوجوب كالحد.
ومن فصل بين الرجعية والبائنة، قال: الرجعية في حكم الزوجات، والدليل عليه أنها تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة، فلا يبعد أن يلحقها موجَبُ المغيِّر الذي
طرأ، والبائنة لا تنتقل من عدتها إلى عدة الوفاة، فلا يبعد أن تلزم العدةَ التي حاضت فيها، ولا تنتقل عنها، ثم أطنب المزني في توجيه ما اختاره، وليس في نقل كلامه مزيدٌ مذهبيّ.
فصل
قال: " ولو أحدث لها رجعة ... إلى آخره " 1.
9821 - إذا طلق الرجل امرأته طلقة رجعية، ثم راجعها مرة أخرى، فإن وطئها بعد المراجعة، لم يَخْفَ أنها تستأنف عدةً إذا طلقت.
وإن راجعها ولم يطأْها، وعاد وطلقها، فهل يجب عليها عدةٌ مستأنفة بعد الطلاق أم تبني على ما كان بقي من عدتها قبل المراجعة؟ في المسألة قولان مشهوران.
ولو خالع امرأته، ثم جدد عليها النكاح في أثناء العدة، ثم طلقها قبل الدخول، فلا خلاف أنها تبني على بقية العدة، ولا [يلزمها] 2 عدةٌ مستأنفة، وإذا أصدقها صداقاً جديداً في النكاح الثاني، ثم طلقها قبل الدخول، فليس لها إلا نصفُ المهر الجديد.
وقال أبو حنيفة 3: لها تمام مهرها في النكاح الثاني، وهي تستأنف عدةً كاملة، والمسألة مذكورة في الخلاف.
فإن قيل: ما الفرق بين الرجعية تُرتَجع ثم تُطلق، وبين المختَلِعة؟ قلنا: الرجعية بالرجعة مردودة إلى أصل النكاح، وقد سبق في أصل النكاح وطء وانقطعت العدة بالرجعة، ويجوز أن يقال: إذا طلقها تستانف عدة؛ فإنها مطلقة عن نكاح جرى فيه مسيس.
وأما المختلعة إذا نكحها، فهذا نكاحٌ [جديد] 4، وهو عريٌّ عن المسيس، فإذا
طلقها، لم يقتض الطلاقُ عدة مبتدأة.
فإن قيل: فأنزلوها [منزلة الرجعية] 1 تنكِح؛
فإن العدة الأولى انقطعت بالنكاح الجديد 2.
قلنا: هذا قياس لا ينكر، ولكن فيه أمر لا سبيل إلى التزامه واقتحامه، وهو أنه لو وطئها في النكاح [الأول] 3، ثم طلقها، فلا بد من الاستبراء بالعدة، فلو نكحها على مكانتها، ثم طلقها، فلو نكحت، لكانت مشغولة الرحم بالوطء الجاري في النكاح الأول.
ثم لو قال قائل: فاكتفوا باستبرائها بحيضة.
قلنا: الأصول لا تغيّر لآحاد المسائل، وقد وضع الشرع استبراء المطلقات بثلاثة أقراء، فلا حطّ من هذا المنتهى بعَوْد المختلعة إذا طلقت إلى بقية العدة، لما ذكرناه.
9822 - ثم إن الشافعي ذكر القولين " في أن الرجعية إذا طلقت من غير مسيس بين الرجعة والطلاق الثاني، فهل تستأنف عدة أو تبني؟
ثم قال: من قال تستأنف، لزمه أن يقول: لو لم يرتجعها، وطلّقها في العدة تستأنف عدة جديدة، فلا يُكتفى ببقية العدة ".
فاختلف أصحابنا في هذا اللفظ: فمنهم من جعله احتجاجاً، ومنهم من جعله تفريعاً، وبيان ذلك أن من يجري في الاحتجاج لمذهب قد يذكر شيئاًً -لا يجوز أن يُعتَقدَ- إلزاماً، فقول الشافعي محمول على هذا المحمل.
ومن حمل هذا على التفريع -وقوله أظهر- قال: لا يليق بالشافعي: الاحتجاج بهذا مع وضوح الفرق؛ فإن الرجعية إذا ارتجعها زوجها، انقطعت العدة بالرجعة، وعادت منكوحة كما كانت من قبل، فاتجه أن يقال: الطلاق الثاني يلحق منكوحةً ممسوسة، فقد بطلت العدة، وقد نُبطل مدّةً شرعية بطريان طارىء، وإذا زال تستأنف مدة أخرى، كما ذكرناه في مدة الإيلاء إذا طرأ عليها طلاقٌ أو ردّة، ثم ارتجعت
المطلقة وزالت الردة، وإذا طلق الرجعية ولم يرتجعها، فالعدة لم تنقطع، فلا يظهر الاحتجاج.
والوجه حمل كلام الشافعي على ترديد القول، فإذا طلق زوجته الرجعية، فتبني أم تستأنف؟ فعلى قولين على هذه الطريقة، مرتبين على القولين فيه إذا راجعها ثم طلقها، وهذه الصورة أولى بالبناء لما أشرنا إليه.
فإن قيل: فوجهوا القولين، قلنا: من لم يوجب الاستئناف فوجه قوله بيّن؛ إذ العدة مستمرة، ويستحيل أن يقطعها الطلاق؛ فإن الطلاق يؤكد العدة، ولا يناقضها.
ومن قال: تستأنف، قال: الطلاق الجديد يقتضى حَلاً جديداً، ولولا هذا التقدير وإلا لم يكن للطلاق الثاني معنى، وكل حلٍّ يستعقب تربّصاً جديداً.
وهذا عندنا أولى من بناء هذين القولين وتقريبهما من القولين فيه إذا قال لامرأته: كلما ولدت ولداً [فأنت] 1 طالق، فولدت ولدين عن بطن واحد، فتخوض في العدة بوضع الولد الأول، وهل يلحقها الطلاق بوضع الولد الثاني الذي يخلو الرحم به؟ فعلى قولين قدمناهما.
ووجه التقريب أنا نقدر استئناف عدة، ثم نفرض هذا الطلاق على متصل العدّتين، فكذلك نقدّر إذا طلقت الرجعية كأن عدتها نكاح، فإن طلقت، فهذا ابتداء حَلٍّ، ثم يقع هذا الطلاق بين تقدير ارتفاع ما مضى وابتداء ما وجب من العدة، وتوجيه القول على حسب الإمكان أولى من هذا البناء؛ فإن القولين في وقوع الطلاق بالولد الأخير لا أعرف لأحدهما وجهاً على ما قدمت كشفَه وبيانَه.
9823 - ثم نفرع على هذا الأصل فروعاً ونبيّنها في أنفسها، ونبين بها حقيقةَ الأصل، فلو طلق الرجل امرأته طلقةً رجعية، فكانت حاملاً، فراجعها، ثم طلقها وهي بعدُ حامل، فإذا وضعت حملها، انقضت عدتُها على القولين، وذلك أن بقية مدة الحمل صالحة لأن تكون عدة مستأنفة، فيؤول القولان إلى التقدير.
فنقول: في قولٍ: هي في بقية الحمل في بقية العدة، ونقول في القول الثاني:
بقية العدة عدةٌ مبتدأة، والدليل على ذلك [أنه] 1 لو راجعها ووطئها ثم طلقها، فوضعت حملها، كفى ذلك، ولو كان الوطء بعد الرجعة يوجب عدة مستأنفة بلا خلاف، فيتجه وجه التقدير في هذه الصورة، ونقطع بأن بقيةَ الحمل عدةٌ كاملة.
وبمثله لو طلقها حاملاً ابتداء كما صورناه، ثم راجعها، فوضعت حملها في النكاح، ثم طلقها من غير مسيس، فإن فرعنا على قول الاستئناف، اعتدت بثلاثة أقراء بعد الطلاق.
وإن قلنا بالبناء، ولم نوجب عدة مستأنفة، ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - أنه لا يلزمها بعد الطلاق الثاني تربصٌ أصلاً؛ إذ لا سبيل إلى إيجاب عدة مستأنفة، وقد انقضت مدة الحمل.
والوجه الثاني - أنها تعتد بثلاثة أقراء؛ إذ لا بد من تربصٍ بعد الطلاق، وما جرى في حالة ردها إلى النكاح لا يقع الاعتداد به، وإذا ابتدأنا تربُّصاً، فلا موقف نقف عنده، والوجه إيجابُ التربص ثلاثةَ أقراء، فيلتقي القولان: قول الاستئناف وقولُ البناء في هذه الصورة.
9824 - ومما يتعلق بهذه الجملة أنه لو طلقها، وشرعت في الاعتداد بالأقراء، وطعنت في الطهر الثالث من عدتها، فراجعها في أثناء الطهر الثالث، ثم طلقها في الحيض، والتفريع على قولنا: إنها تبني ولا تستأنف، فعلى هذا قال القفال فيما حكاه شيخي عنه: كما 2 راجعها انقضت العدة؛ فإنها كانت في بقية طهر، فيقع الاعتداد بما مضى من الطهر.
قال شيخي: هذا كلام مضطرب؛ فإن بقية الطهر إنما يكون قرءاً إذا اتصل بالحيض في زمان التربص، والنصف الأول من الطهر يستحيل أن يكون قرءاً، بل إذا طلقها بائناً، فعليها الاعتداد بقرء.
وذكر العراقيون القولين في أن الرجعية إذا طلقت في العدة هل تبني أو تستأنف، ثم
قالوا: لو طلقها رجعياً، ثم خالعها في العدة، وصححنا مخالعة الرجعية، قالوا: إن قلنا: الخلع طلاق، فقد ألحق الطلاقَ، ففي استئناف العدة الطريقان المعروفان للأصحاب.
وإن قلنا: الخلعُ فسخ، وجب أن نقطع بأنها تبني ولا تستأنف.
وهذا الذي ذكروه لا يقبله المراوزة، فإذا جرى سبب من أسباب الفراق: فسخاً كان أو طلاقاً، ففي استئناف العدة والبناء على بقية العدة الاختلافُ الذي ذكرناه، سواء كان ذلك الطارىء فسخاً أو طلاقاً، والسبب فيه أن قول الاستئناف يعتمد أن الفراق الطارىء حَلٌّ جديد، والحلّ يتضمن استعقاب العدة، وهذا الفقه يستوي فيه الطلاقُ الطارىء والفسخ الطارىء، بل هو في الفسخ أظهر؛ من جهة أن الفسخ يَحُل الملكَ، والطلاق الثاني لا يَحُلُ الملكَ، ولكنا نتكلف حلّه [مع] 1 مِلْك رده ورجعه.
والمذهبُ المرتضى القطعُ بأن طريان الفراق لا يوجب استئناف العدة كيف فرض، والمرأةُ تبني على البقية، وترديد الشافعي يحمل على الاحتجاج والإلزام، لا على [التفريج] 2، وهو كقول الشافعي في مسألة اللحمان: "من قال: اللحمان جنس واحد لاجتماعها تحت اسم اللحم، يلزمه أن يقول: الثمار جنس واحد"، ثم اتفق أصحابنا أن هذا إلزام، وليس [للتفريع] 3؛ إذ لا خلاف أن الثمار ليست جنساً واحداً.
9824/م- ثم ذكر الشافعي 4 أن الاعتبار في عدد الطلاق بحرية الزوج ورقه، وهذا ما قدمناه في كتاب الطلاق، فأما العدة، فالاعتبار فيها برق المعتدة وحريتها وفاقاً؛ فإنها الملابسة للعدة، والقائمة بتأديتها.
...
باب عدة الوفاة
9825 - عدة الوفاة ثابتة على التي مات عنها زوجها، سواء جرى في النكاح دخولٌ أو لم يجر، وقيل: كانت العدة في ابتداء الإسلام سنةً كاملة، وكانت المرأة تجلس في شرّ بيتها في شرِّ أحلاسها، ثم كان تؤتى بكلب، وكانت ترمي إليه ببعرة، وكانت تعني بذلك: أن تفجُّعي على زوجي طول هذه السنة أهون وأيسر عليّ من رَمْي الكلب بهده البعرة.
وكان في ابتداء الإسلام لا إرث للمتوفى عنها زوجها، وكان يجب الإنفاق عليها في تلك السنة من التركة، بدلاً عن الإرث، ثم نسخت العدةُ على هذه الصفة، وردّت إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]. وروي أن امرأة قتل زوجها فرمدت عينُها فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُستأذن لها في الاكتحال، فقال عليه السلام: "كانت إحداكنّ تقعد في شرّ بيتها في شرّ أحلاسها سنةً، أفلا أربعة أشهر وعشراً!! " 1.
فنقول: إذا مات الزوج، لم تخل المرأة إما أن تكون حائلاً أو حاملاً، فإن كانت حائلاً حرة، اعتدت بأربعة أشهر وعشرِ ليالٍ.
وإن كانت أمة: تربصت شهرين وخمسَ ليال بأيامها، وقال داود: الأمة كالحرة في عدة الوفاة، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: تعتد بأقصى الأجلين من ثلاثة أقراء ومن أربعة أشهر وعشر 2، وهذا يخالف الآية؛ فإنه تعالى لم يثبت في كتابه التعرضَ
للأقراء في عدة الوفاة، مع انقسام النساء إلى ذوات الأقراء وغيرهن، وفَصَّل العِدَدَ عن الطلاق وَذَكر الأقراء أصلاً فيها.
هذا إذا كانت حائلاً.
9826 - فأما إذا توفي الزوج والزوجة حامل، فإذا وضعت حملها انقضت عدتها، وليس في كتاب الله بيان ذلك، وإنما أُخذ هذا من السنة، وروي أن سُبَيْعةَ الأسلمية أبِق لزوجها عبيد فاتبعهم ليردَّهم، فأدركهم فكرُّوا عليه وقتلوه، وكانت سُبَيْعةُ حاملاً، فوضعت لنصف شهر، فخطبها أبو السنابل بن بَعْكَك، فرغبت عنه ولم تردّه، فرآها يوماًً تتصنع للأزواج، فقال: أتتصنّعين للأزواج، لا، حتى يبلغ الكتاب أجله، وقال ذلك راجياً أن يعود أولياؤها الغُيّب، فيرغبوا ويحملوها على الإجابة، فجاءت سُبَيْعةُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بقوله، فقال: "كذب أبو السنابل، بل حللتِ، فانكحي من شئت " 1. وقال عمر: إذا وَضَعَتْ وزوجها على السرير لم يدفن، حلّت 2. فوضْعُ الحمل إذاً ينقضي به كل عدة.
والذي يجب التنبه له أن المتوفى عنها إذا كانت حاملاً، فممّا يدرك بمسلك المعنى أن الأربعة الأشهر والعشر إذا انقضت، والحملُ قائم، فلا سبيل إلى التزوج مع اشتغال الرحم، وإنما الذي يحيد عن القياس بعضَ الحَيْد أنها لو وضعت لدون أربعة أشهر؛ فإنها تحل.
قال الشافعي في بعض مجاري كلامه: لولا حديث سُبَيْعة، لكان الأخذ بأقصى الأجلين: أجل الوضع، والأربعة الأشهر والعشر قريباً من القواعد، لمِا غلب وظهر في عدة الوفاة من التعبد، حتى أنها وجبت مع العُرُوّ عن الدخول، فإذا كنا لا نرعى في
وجوب العدة جريان ما يشغل الرحم في جنسه، كان لا يبعد رعاية المدة المذكورة في كتاب الله تعالى، مع حصول براءة الرحم بوضع الحمل، ولكن المتبع السنةُ، فلا معدل عنها.
9827 - ثم ذكر الشافعي رضي الله عنه التعرض للسكنى في عدة الوفاة، ولسنا نخوض فيها الآن، فإنها بين أيدينا.
9828 - ثم قال الشافعي: " وليس عليها أن تأتي فيها بحيض " 1، وهذا مما قدمناه، وغرضه الرد على مالك 2؛ فإنه يقول: إذا كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة، فعليها أربعةُ أشهر وعشرٌ فيها حيضتان، وإن كانت عادتها في كل ثلاثة أشهر أن تحيض مرة، فعليها أربعةُ أشهر وعشرٌ فيها حيضة.
واحتج الشافعي رضي الله عنه عليه، وقال: لا ذكر للحيض في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله، والعدة قسمان: أحدهما - بالأشهر والثاني - بالأقراء، ثم ما يقع بالأقراء لا يعتبر فيه حساب الأشهر، فما يقع بالأشهر لا يعتبر فيه حساب الأقراء.
ثم ذكر بعدها أنها لو ارتابت بالحمل، فهل تنكح أم لا تنكح؟ وهذا مما قدمناه مستقصًى، [وتعرّض] 3 بعد ذلك لتوريث المبتوتة في مرض الموت وحرمانها، وقد مضى ذلك مستقصًى في موضعه.
فصل
قال: " ولو طلق إحدى امرأتيه ثلاثاً ... إلى آخره " 4.
9829 - ذكرنا أن التعويل في عدة الوفاة على الأشهر إذا لم تكن المرأة حاملاً، فإن فرض وقوع الوفاة في الجزء الأخير من شهر، وتحقق ذلك، استقبلت التربصَ
أربعةَ أشهر بالأهلة، فتربصت بعدها عشرةَ أيام بلياليها.
فإن وقعت الوفاة في كسر شهر، وكان بقي من ذلك الشهر عشرةُ أيامٍ، من غير زيادة ولا نقصان، فقد قطع الأئمة بأنا نحتسب هذه الأيام من العشر، فنأمرها أن تتربص بعدها أربعةَ أشهر بالأهلة، ولا نقول: تُحْتَسبُ العشرُ الباقية من الأشهر حتى ينكسر الشهر الأول، ثم إذا تصرّمت الأشهر، تربصت عشرة أيام بعدها، ولكن إذا أمكن حَسْبُ تلك الأيام من حساب العشر؛ حتى لا تنكسر الشهور، فعلنا ذلك، ولا يقع العشر مع الأشهر على حكم الترتب، والغرضُ انقضاء هذه المددِ، وبعضها يقدَّر بالأهلة، وبعضها بالأيام، والغرض مُضيّها.
ولو كان الباقي من الشهر أكثرَ من عشرة أيام، فينكسر الشهر الأول لا محالة؛ لمكان ما يبقى بعد العشر، وكذلك لو كان الباقي من الشهر بعد وقوع الوفاة أقلَّ من العشر، فينكسرُ الشهر الأول لا محالة، ثم الكلام في الانكسار على ما قدمنا ذكره.
9830 - ولو طلق الرجل إحدى امرأتيه على الإبهام، ومات قبل البيان، إن لم يدخل بواحدةٍ منهما، فعلى كل واحدة أن تتربص أربعةَ أشهر وعشراً، فإن الأمر محمول على الاحتياط في العِدّة، وما من واحدة منهما إلا ويجوز أن تكون هي الزوجة، ولكن لا دخول بواحدة منهما؛ حتى يترددَ النظر بين الأقراء وبين الأشهر والعشر.
فإن كان قد دخل بهما نُظر: إن كانتا حاملين، فالعدة تنقضي بوضع الحمل؛ لأن الوضع تنقضي به العدد كلها: عِدةُ الوفاة وعِدة الفراق في الحياة، وإن كانتا حائلين، نظر: فإن كانتا من ذوات الأشهر، فتتربص كل واحدة أربعةَ أشهر وعشراً من وقت الوفاة، فإن كانت زوجة، فهذه عدة الوفاة، وإن كانت مطلقة، فعدتها بالأشهر، وفي الأربعة ثلاثة.
ولو [كانتا] 1 من ذوات الأقراء، اعتدت كل واحدة منهما بأربعة أشهر وعشر، فيها ثلاثة أقراء، ويعتبر أقصى الأجلين وأبعد المدتين، لأنها مأمورة بالتربص إلى أن
تستيقن الخروج عما عليها، وكل واحدة منهما مردَّدة بين أن تكون مطلقة عدتُها الأقراء، وبين أن تكون زوجة عدتها الأشهر والعشر.
فأما حساب عدة الوفاة، فمن يوم الوفاة، وحساب عدة الأقراء يخرّج على الخلاف الذي قدمناه في كتاب الطلاق: من أصحابنا من قال: حساب الأقراء من وقت الطلاق، ومنهم من قال: حسابها من وقت الموت، فإنا نستيقن انتفاء النكاح وارتفاعَه يوم الموت، وقد تمهد أصل هذا.
ومعنى أقصى الأجلين أن تتربص أربعةَ أشهر وعشراً من يوم الوفاة على أن يمضي عليها ثلاثةُ أقراء، إما من يوم الطلاق، وإما من يوم الوفاة، فإن انقضت الأشهر والعشر، ولم تمض الأقراء، صبرت إلى انقضائها كاملة من أوّل تاريخها المعتبر.
وإن أَحْببنا قلنا: تعتد بثلاثة أقراء من أول تاريخها على شرط أن يقع فيها أربعةُ أشهر وعشرٌ من تاريخ الوفاة.
هذا بيان أقصى الأجلين.
وإن كان قد دخل بإحداهما دون الأخرى، فالتي لم يدخل بها تعتد بأربعة أشهر وعشرٍ، والمدخول بها إن كانت حاملاً، اعتدت بوضع الحمل، وإن كانت حائلاً، فبأقصى الأجلين، كما تقدم تفصيله.
9831 - ومما ذكره القفال في آخر الباب: أن المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل، فلو وضعت وزوجها على السرير لم يدفن، ونفذ الحكمُ بانقضاء العدة، وحل لها أن تنكح، فلها أن تغسّل زوجها بعد وضع الحمل؛ لأن قيام العدة ليس معتبراً عندنا في الغسل؛ لأن الرجل يغسل امرأته إذا ماتت، ولا عدّة عليه.
ثم قال الأصحاب: لو وضعت، ونكَحت والزوج بعدُ لم يدفن، فلها أن تغسل الزوجَ المتوفى، ولا ينبغي للفقيه أن يرتاع من هذا؛ فإنه إذا لم يمتنع الغُسل مع انتهاء النكاح نهايته وانقضاءِ العدة، فلا أثر لنكاحها؛ فإن الزوجة لا تغسل زوجها بتقدير حِلٍّ قائم بينهما، وإنما تغسل لبقائها على عُلقةٍ من النكاح، وهذا المعنى لا يزول بالتزوج.
هذا ما بلغنا في ذلك، وكان لا يبعد أن يقال: تبقى تبعية النكاح ما لم تنكِح، كما أنا نلحق النسب بالاحتمال ما لم تنكِح زوجاً.
وقال الشافعي رضوان الله عليه في مذهب له ظاهر: من فاتته ركعتا الصبح، قضاهما، فإذا زالت الشمس، وتحرّم بفريضة الظهر، انقطعت التبعيّة، وهذا تشبيهٌ من طريق اللفظ، ولكنه كلامٌ على حال.
باب مقام المطلقة والمتوفى عنها زوجها
9832 - ذكر الشافعي في هذا الباب السكنى، وما يتعلق بها، ومن يستحقها من المعتدات، ومن لا يستحقها.
والأصل في وجوب السكنى الكتابُ، والسنةُ، والإجماعُ: قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، قيل في التفسير: الفاحشة الزنا، والمعنى إلا أن تزني، فتخرج لإقامة الحدّ عليها، وهذا التفسير غير صحيح؛ لأنها إذا أخرجت للحدّ، رُدّت إلى مسكن العدّة بعد استيفاء الحد، فلا يتحقق الإخراج الكلي، فالصحيح ما قال ابن عباس إن الفاحشة أن تَبْذُوَ بلسانها، وتستطيل على أحمائها، فتخرجَ من دار الزوج.
وسكنى المطلقة مستفادةٌ من الكتاب.
9833 - فأما المتوفى عنها زوجها، فأمرها مستفادٌ من حديث فُرَيْعةَ بنتِ مالك: روي أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: إن زوجي قُتل ولم يتركني في مسكن يملكه، فقال عليه السّلام: " ارجعي إلى بيتِ أهلك، واعتدّي فيه، فلما ولّت وبلغت بعض البيوت، ناداها، وقال: اعتدي في بيتك، حتى يبلغ الكتاب أجله " 1.
وفي سكنى المتوفى عنها قولان، كما سنذكرهما، وفي الحديث الذي رويناه متمسّك القولين: فمن أوجب السكنى، صار إلى أن الرسول نسخ بقوله الآخرَ قولَه الأول، ورخص لها في الخروج أولاً، ثم نسخ وأوجب السكنى بقوله: "اعتدي في بيتك حتى يبلغ الكتابُ أجلَه".
و [من] 1 لم يُثبت السكنى للمعتدة عن الوفاة، استدل بأوّل الحديث، وحمل آخره على الندب والاستحباب.
وحديث فاطمةَ بنتِ قيس لا بد من ذكرها في الباب، روي أن زوجها طلقها، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تعتد في بيت الزوج، فاستطالت على أحمائها باللسان، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجها النبي عليه السلام من بيت الزوج، وأمرها حتى اعتدّت في بيت ابن أم مكتوم 2.
وعن مروانَ أنه أخرج مطلقةً من بيت زوجها، فأرسلت إليه عائشةُ: أن اتق الله، واردُد المرأة إلى بيت زوجها، فقال مروان: أما بلغك شأنُ فاطمةَ، فقالت عائشةُ: لا عليك أن لا تذكر فاطمة، فقال مروان: إن كان بك الشر، فحسبك ما بين هذين من الشر: [أي] 3 إن كان أخرجها بعلة الشر، فهو موجود في هذه، ثم كانت فاطمةُ تسمَّى بعد قصتها في الصحابة الفتانة؛ فإنها روت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يجعل لها النفقة والسكنى، وكانت لا تذكر سبب إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها من مسكن النكاح.
فهذا بيان القواعد التي إليها الرجوع في مسائل الكتاب.
9834 - ثم إنا نفتتح بعد هذا القولَ في التي تستحق السكنى، وفي التي لا تستحقها، وفي التي اختلف القول فيها.
وجملة المعتدات قسمان: معتدة عن فُرقة النكاح، ومعتدة عن غير النكاح، فالمعتدة عن غير النكاح كالموطوءة بالشبهة والمنكوحة نكاحاً فاسداً، فيلتحق بهما المستولدة إذا عتَقَت بالإعتاق، أو بموت المَوْلَى عنها، فلا سكنى لواحدة من اللواتي ذكرناهن، إذا لم يكن حمل، فلا شك أن السكنى إذا انتفت، انتفت النفقة.
ولو كانت واحدة من اللواتي ذكرناهن حاملاً، ففي استحقاق النفقة كلامٌ، وتفصيلٌ، واختلافٌ، سيأتي مستقصًى في كتاب النفقات، إن شاء الله عز وجل.
فإن أثبتنا النفقة لمكان الحمل، فهل تثبت السكنى؟ الرأي الظاهر أنها تثبت؛ فإن السكنى أولى بالثبوت من النفقة.
ومن أصحابنا من قال: لا تثبت السكنى؛ فإن النفقة الثابتةَ لأجل الحمل بلاغٌ وسدُّ حاجةٍ به قوام الحمل، ولا يتحقق هذا المعنى في السكنى.
ومن صار إلى إيجاب السكنى تبعاً للنفقة، [فليس] 1 يعيّن مسكناً، وإنما يوجب القيام بمؤنة السكنى.
9835 - فأما المعتدة عن فُرقة النكاح، فلا يخلو إما أن تكون معتدة عن الموت أو عن فُرقة في الحياة، فأما المعتدة عن فُرقة في الحياة، فقسمان: معتدة عن الطلاق، وعن غير الطلاق.
فالمعتدة عن الطلاق قسمان: رجعية وبائنة، أما الرجعية، فلها النفقة والسكنى، حاملاً كانت أو حائلاً؛ لأنها في حكم الزوجات، والبائنةُ لها السكنى بكل حال، ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملاً.
ثم للشافعي قولان في أن النفقة لها أو للحمل، وسيأتي توجيههما وتفريعهما في كتاب النفقات، إن شاء الله تعالى.
وأما المعتدة عن فراق في الحياة غيرِ الطلاق، فالطريقة المشهورة أن النكاح إن انفسخ بفسخ أنشأته المرأة بنفسها: بعيبٍ في الزوج، أو خيارِ عتق، فلا سكنى لها،
وكذلك لو ارتضعت، وكان ذلك سببَ الانفساخ، فالكلام على ما ذكرناه.
وكذلك لو انفسخ النكاح بفسخٍ أنشأه الزوج لمعنًى فيها، فلا سكنى في مثل هذه العدة، وأمرُ النفقة في الفرق بين الحامل والحائل يأتي في النفقة، إن شاء الله.
فلو انفسخ النكاح بارتداد الزوج، أو بإسلام أحدهما، أو رضاعٍ من جهة أجنبي، ففي وجوب السكنى قولان، كما في المتوفى عنها زوجها؛ وذلك أن النكاح ارتفع من غير طلاق، ولا سبب متعلق بها.
ومن أصحابنا من قال: يجري القولان في العدة التي تترتب على فسخها أو على الفسخ بعيب فيها، وكل معتدة عن فراق عن النكاح في الحياة، ليس ذلك الفراق طلاقاً، ففي ثبوت السكنى الطريقان في القطع، وتخريج القولين.
فإن أردنا أن نفرق بين النفقة والسكنى في مجاري المذهب، [فلْنحوِّم ولا نضن بالوفاء بفرق معنًى] 1، ولكنا نعتمد فحوى كلام الله عز وجل؛ فإنه أثبت السكنى من غير تفصيل، وفَصَّلَ الأمرَ في النفقة، فخصص وجوبَها بالحوامل، وغرضُنا الآن التعرضُ للسكنى فحسب، فأما النفقاتُ، فبين أيدينا، نفصلها في كتابها، إن شاء الله عز وجل.
9836 - والقدْرُ الذي ذكره الأصحاب أن السكنى لصيانة الماء والمعتدة على الجملة مشتغلةٌ بصيانة الماء، والنفقةُ في مقابلة تسلط الزوج،.
وهذا المعنى مفقود في عدة البينونة، وليس يستمر هذا على ما ينبغي، ويَرِدُ على أحد شِقي الكلام الموطوءة بالشبهة والمستولدة في زمان الاستبراء.
فأما الصغيرة التي لا تحتمل الجماع لصغرها هل تستحق السكنى؟ ذكر الأئمة وجهين في استحقاقها السكنى، وبناهما القاضي على أنها هل تستحق النفقة في النكاح؟ فإن قلنا: لا نفقة لها، فلا سكنى لها في العدة، وإن قلنا: لها النفقة في النكاح، فلها السكنى في العدة.
9837 - وأما الأمة إذا طلقها الزوج، فلا يخلو إما إن كان السيد بوّأ لها مسكناًً مع الزوج أو لم يفعل ذلك، فإن كان عين مسكناً، فهذا يُبنى على أصلين: أحدهما - أنها هل كانت تستحق النفقة في الحياة؟ وهذا يترتب على استخدامه إياها وتركه ذلك، وتسليمه إياها إلى الزوج، فإن سلمها إلى الزوج، وكان لا يستخدمه، فلها النفقة، وعلى الكلام في أنه هل كان يجب عليه أن يسلّمها إلى زوجها حتى يسكنها حيث شاء، وفيه اختلاف قدمناه.
فإن أوجبنا ذلك وتُصورت المسألة بالصورة التي ذكرناها، وهي أن السيد كان لا يستخدمها، فقد اجتمع وجوب النفقة في النكاح، وسلطانُ الزوج في إسكانها مسكناًً يريده ويعيّنه، فيبتني على ذلك وجوبُ السكنى في العدة، وإن قلنا بوجوب النفقة في الصورة التي نحن فيها بَعْدُ، وفرعنا على أنه لا يجب على المَوْلى تسليمُها، ليُسكنها الزوج حيث شاء، فإذا لم يتعين مسكن في النكاح بحكم الزوج استحقاقاً، فإذا طلقها الزوج، وهي في مسكن بحكمه رضي المَوْلى به، وإن لم يكن ذلك مستحقاً عليه، فهل يتعين عليها ملازمة ذلك المسكن الذي اتفق كونها فيه حالة النكاح عن توافق وتراضٍ؟
فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يتعين؛ فإن العدة تبع النكاح، فإذا كان لا يستحق الزوج إسكانها حيث شاء في النكاح، فلا معنى لتعيّن مسكن النكاح للعدة.
وأبْعد بعضُ أصحابنا، فقال: إذا اتفق مسكن في النكاح، وإن لم يكن عن استحقاق، تعيّن لزومُه في العدة، وهذا بعيد.
ثم إن قلنا: مسكن النكاح لا يتعين، فعلى الزوج القيام بمؤنة إسكانها، والتعيين إلى السيد، فإنا في إثبات السكنى في العدة نلتفت إلى النكاح، وكان للمَوْلَى في النكاح أن يُلزم الزوجَ مؤنةَ السكنى، فإذا وجبت النفقة، والسكنى من المؤن التي ثبتت -على التأويل الذي ذكرناه- فيجب بقاء مؤنة السكنى، وإن زالت النفقة للبينونة؛ لما ذكرنا من أن السكنى تجب حيث لا تجب النفقة.
هذا كله إذا كان السيد لا يستخدمها، فإن كان يستخدمها نهاراً، ويتركها ليلاً، ففي وجوب النفقة خلافٌ قدّمته في النكاح، فإن أوجبنا النفقة، أوجبنا السكنى في
العدة على التفصيل الذي ذكرناه الآن في أنها [هل] 1 تلزم مسكن النكاح، أو لا تلزمه؛ وإن قلنا: لا تجب النفقة في النكاح لا تلزم السكنى في العدة.
9838 - ولو نشزت الزوجة الحرة على زوجها، وسقطت نفقتها، فطلقها زوجها، أو مات عنها، ونعني بالطلاق الطلاقَ المُبينَ، قال القاضي: لا سكنى لهذه في العدة، كما لا نفقه لها في النكاح.
وهذا فيه نظر؛ فإن النشوز معنًى طارىء، وأصل النكاح على استحقاق النفقة ومهما 2 تركت المرأة النشوزَ، فهي على استحقاقها، فموجب النفقة إذاً قائم في النكاح، ولكن لا تجب النفقة لانعدام محل العلة، وليس كذلك الأَمة؛ فإن القول فيها في استحقاق النفقة، وفي تعيين مسكن النكاح مضطرب، كما أشرنا إليه.
فالوجه أن يقال: إذا مات زوج الناشزة أو طلقها ألبتة المبينة، فيلزمها أن تلزم مسكن النكاح؛ فإن هذا تعبّدٌ من جهة الشرع، ولقد كان لها مسكن مستحَقٌ في النكاح، فيلزمها أن تلزمه تعبّداً من الله عز وجلّ.
نعم، لو لم تُلْفَ في مسكنٍ، واستمر النشوز والاستعصاء على الزوج، وعدم السكون في مسكن يعيّنه، فبانت، فهذه لم يُعهد لها مسكن نكاح، حتى يقال: إنها تلزمه إلى انقضاء العدة، ففي هذه الحالة يظهر إسقاط مسكن النكاح.
ويبقى النظر في أنها لو نزلت عن نشوزها، وطلبت مسكناًً تعتدّ فيه، فهل تجاب، وقد انكفت عن نشوزها؟ وهل يتصور الرجوعُ إلى الطاعة بعد البينونة؟ هذا محتمل جداً.
فأما إذا نشزت على زوجها في مسكن النكاح؛ فكانت لا تطاوعه، فقد سقطت نفقتها، وسقط أيضاًً عن الزوج مؤنة إسكانها، فإذا أصابتها البينونة، والحالة هذه، فهل تلزم مسكنَ النكاح؟ يظهر هاهنا أن تلزَمه رعاية للتعبّد والحقِّ الدّيني الذي لا يسقط بالتراضي.
هذا مجموع القول في اللواتي يفارقن أزواجهنّ في الحياة.
9839 - فأما المتوفى عنها زوجها، فلا نفقة لها حائلاً كانت أو حاملاً؛ لأن نفقة الحمل تسقط بالموت، وتسقط مؤنةُ الحاضنةِ القائمةِ بصيانة الولد.
وهل تستحق السكنى؟ [فعلى قولين: أحدهما - أنها تستحق] 1 كالبائنة المطلقة.
والثاني - أنها لا تستحقها؛ لأن السكنى في كتاب الله عز وجل ثابتة للمطلقات، فالمتَّبَعُ الكتابُ، في هذا الباب؛ فإن مجال القياس فيه ضيق.
والموتُ عن الصغيرة والأمةِ والناشزةِ -على قولنا المتوفى عنها تستحق السكنى- يُردّ [إلى] 2 التفاصيل التي قدمناها؛ فإن الرأي إذا اضطرب في العدة عن الحي، فهو بالاضطراب أولى في العدة عن الميت؛ فإن البائنة على الجملة تستحق السكنى قولاً واحداً، وفي المتوفى عنها قولان.
وقد انتجز الكلام فيمن تستحق السكنى وفيمن لا تستحقها.
9840 - ونحن الآن نخوض في تفصيل السكنى، ونقول: القول في السكنى يتعلق بركنين أبداً: أحدهما - التعرض للزوم مسكن النكاح.
والثاني - الكلام في إلزام مؤنة السكنى إن لم يكن للنكاح مسكنٌ معيّن.
فأما الكلام في الركن الأول: فإذا كان الزوج يساكن امرأة في مسكن مملوكٍ له، ثم طلقها البتة أو طلقة رجعية، أو مات عنها -والتفريع على استحقاق السكنى- فيتعين عليها ملازمةُ مسكن النكاح، فلو زايلته على اختيارٍ من غير اضطرارٍ، عصت ربَّها ويجب على الزوج ألا يخرجَها، ولا يزعجَها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، أجمع المفسرون على أن المراد مسكنُ النكاح لا غير.
هذا إذا كان للزوج مسكن مملوك.
ولو كان المسكن مكتَرى للزوج، وقد بقي من المدة ما يفي بزمان العِدة، فعليها أن تلزمَه وعلى الزوج ألا يزعجها.
وإن كانت الدار مستعارة، فإن لم يرجع المعير، وجب عليها أن تلزمه، وعلى الزوج ألاّ يزعجها، وإن رجع المعير عن العارية، فقد فات الأمر، ولا يمكنها أن تلزم مسكنَ النكاح، وسنذكر التفصيل في الركن الثاني وهو مؤنة السكنى.
9841 - أولاً 1 نُلحق بما ذكرناه كلاماً، ونقول: إذا نكح امرأة وأسكنها مسكناًً ضيقاً لا يليق بها في درجتها، ولكنها سامحت زوجَها ورضيت، فلما طلقها، لم ترض بذلك المسكن، وطلبت مسكناً يليق بدرجتها، قال العراقيون: لها ذلك، ولا يلزمها لزومُ ذلك المسكن.
ولو كان الأمر على العكس، وكان الزوج أسكنها مسكناً رفيعاً لا تستحق عليه مثلَه، فلما طلقها، قال الزوج: أنقلها إلى مسكن يليق بها، قالوا: للزوج ذلك.
وما ذكروه في الطرفين ليس خالياً عن الاحتمال، فلا يبعُد أن يقال: إذا جرت مسامحةٌ منها حتى وافاها الطلاق، لزمها المصابرةُ إلى انقضاء العدة.
وإذا كان الزوج هو المتبرع بالمسكن الرفيع، فلا يبعد من طريق التعبد أن يلزمَه إدامةُ إسكانها إلى انقضاء العدة، وفي كلام المراوزة رمزٌ إلى ما ذكرناه، والقياس ما ذكره العراقيون.
ويخرج مما قالوه أنه إنما يلزم تعيينُ مسكنِ النكاح إذا كان على قدر استحقاقها من غير فرض مسامحةٍ منها وتبرّعٍ منه، فإذا صادفها الطلاق، والحالة هذه، تعين المسكنُ، ولم يكن متعيناً في النكاح؛ فإن الزوج لو أراد نقلها مع استمرار النكاح من مسكن إلى مسكن، جاز له ذلك، ولا تبقى خِيَرةٌ إذا وافاها الطلاق في مسكن، وهذا موضع التوطئة بعْدُ، وستأتي التفاصيل والمسائل، إن شاء الله.
فهذا قول كليّ في لزوم مسكن النكاح.
9842 - فإن لم يكن للنكاح مسكنٌ معيّن، ولكن كانا ينتقلان في الدور المستعارة، ثم جرى الطلاق، واسترد المعير العاريّة، فالزوج يبذل مؤنةَ السكنى، ويكتري مسكناًً لائقاً بحالها، وإليه تعيين ذلك المسكن؛ فإن العدة منسوبةٌ إليه، والغرضُ منها حفظ مائه أو الاحتباس بسبب رعاية حرمته.
هذا كلام في أصل السكنى، وانقسامِ الأمر فيه إلى الكلام في تعين المسكن الذي كان مسكنَ النكاح، والثاني في إلزام الزوج مؤنةَ السكنى إذا لم يكن للنكاح مسكنٌ متعيَّنٌ.
ويتصل بذلك لا محالة أنه يجب عليها أن تَقَرّ وتسكن موضعاً إلى انقضاء العدة، إذا لم يصادفها الطلاق في سفرٍ.
وإن صادفها الطلاق في سفر، فيأتي ذلك بعد هذا.
ثم إنا نتكلم بعد هذا التمهيد في ثلاثة فصول: فصلٌ يتعلق بتعيين المسكن.
وفصلٌ يتعلق بمنع الزوج عن المساكنة.
وفصلٌ في مؤنة السكنى عند ضيق المال.
[الفصل الأول] 1
فأما ما نطلبه في تعين المسكن:
9843 - إذا كان للزوج مسكن مملوك، فالمرأة لا تُزعج من ذلك المسكن حتى تنقضي العدةُ على القواعد التي قدمناها، فلو أفلس الزوجُ وأحاطت الديون به، ومست الحاجةُ إلى بيع المسكن، فالأصل المعتبر في القاعدة أنا لا نُبطل حقَّ السكنى من تلك الدار أصلاً، وإن تأخرت حقوق الغرماء.
ولكن إن كانت حاملاً، فلا سبيل إلى بيع الدار؛ فإن مدة الحمل مضطربة: ربما تُجْهِض المرأةُ، وربما تلد لستٍّ أو لتسعٍ، أو لأربعِ سنين، فيمتنع البيع للجهالة التي
ذكرناها، وكذلك إذا كانت من ذوات الأقراء، فلا يصح بيع الدار؛ [إذ] 1 الأقراء تختلف، ولا ضبط لأكثر الطهر.
وإن كانت معتدة بالشهور، نظر: فإن كنا لا نتوقع طريان الأقراء على الشهور، فالمذهب الذي عليه التعويل أن بيع الدار قبل انقضاء الأشهر يخرّج على القولين في بيع الدار المكراة؛ وذلك لأن الدار مستحَقَّةُ المنافع في هذه المدّة، فصار كما لو كانت مستحَقَّةَ المنفعةِ للمستأجر.
وذكر العراقيون وجهاً آخر أنا نقطع بمنع البيع، بخلاف الدار المكراة، واعتلوا بأن قالوا: قد تموت المعتدة في أثناء المدة، فتنقطع العدة، فهذا إذاً [يجرّ غَرَراً] 2 من هذا الوجه، وزعموا أن هذا لا يتحقق في الإجارة؛ فإن المستأجر لو مات لم يبطل حقه، بل ينتقل إلى ورثته، ولو فرض من المكتري فسخُ الإجارةِ، فقد يقول قائل: للبائع المكري إمساك الدار إلى انقضاء المدة.
وقد فصلنا هذا في كتاب الإجارة والبيع.
وهذا الذي ذكروه غيرُ سديد؛ فإن أمر البيع لا يحمل على تقدير الموت، وشواهدُ ذلك في بيع الأعيان والسّلم واضحة.
هذا إذا كنا لا نتوقع طريانَ الأقراء على الشهور.
فأما إذا كنا نتوقع طريانَها، فللأصحاب طريقان: منهم من قطع بفساد البيع لتوقع طريان القرء، ثم الأقراء لا ضبط لها.
ومنهم من قال: الحكم بمقتضى الحال وهي من ذوات الشهور، فيخرج البيع على القولين، ثم إن صححنا البيعَ، فطرأ الحيض، فهذا عندنا يضاهي طريانَ اختلاط الثمار قبل القبض؛ فإنا نقول: لو كانت الثمار تختلط بطباعها لا محالة، فالبيع باطل، وإن اتفق اختلاطٌ طارىء، ففيه الخلاف المشهور في كتاب البيع، وليس هذا كطريان الإباق على العبد؛ فإن ذاك لا يبنى عليه الأمر، وطريان الحيض على مشاهدة من حكم الجبلّة كاتفاق اختلاط الثمار.
9844 - ويتم الغرض بسؤالين والجواب عنهما: فإن قيل: منعتم بيع الدار إذا كانت حاملاً، فما قولكم لو قال المشتري: منتهى مدة الحمل معلومة، وأنا آخذ بامتداد الحمل إلى أقصى مدة له، وأرضى، فنقول: هذا رضاً مع تحقق الغرر، وإذا فرض غرر مؤثر في العقد، لم ينفع الرضا فيه، وهذا بمثابة ما لو باع رجل عبداً بمالٍ، وعُلم قطعاً أنه لم يبعه بأكثر من مائة، فقال مالك الدار: بعتك الدار بما باع به فلان عبدَه، وطابت نفس المشتري بالمائة التي هي الأقصى، فلا يصح البيع.
والغررُ المجتنب المؤثر في العقد ينقسم: فمنه ما يثير نزاعاً، وهو مفسد، ومنه ما لا يثير نزاعاً ولكنه غرر بيّن، فلا يمتنع أن يكون مفسداً تعبداً من الشارع، [والقواعد] 1 التعبدية في المعاملات لا ترتفع بالتراضي.
9845 - فإن قيل: هلا بنيتم الحمل على الغالب؟ أم هلا قلتم: إذا كان للمرأة عادةٌ في الحيض مطردة، فيقع الأخذ بها، حتى نحكم بالصحة على قول تصحيح بيع الدار المكراة؟ والسؤال يتأكد بشيء وهو أنه إذا لم يكن للنكاح مسكن، فقد نقول: تطلب المرأة مؤنةَ السكنى لأيام عادتها.
هذا ظاهر المذهب، على ما سنذكر، إن شاء الله تعالى.
فإذا كان يتعلق حقُّ طلبِ المرأة بمؤنة السكنى لمدة العادة، وإن كان في ذلك إيقاع حيلولة بين الغرماء وبين ما يفوت من المال لأجل السكنى بناء على ظاهر العادة، فهلاّ قلنا: بيع الدار وساكنُها ذاتُ الأقراء يبنى على ظاهر العادة، ويخرَّج على [قولي بيع الدار المكراة] 2؛ والجواب: أنا لا نسلم إلى المرأةِ المالَ حتى تتصرف فيه؛ فإن حظها في السكنى، لا حقَّ لها في المال الذي تُحصّل به السكنى، وإفرازنا شيئاً من المال يغلب على الظن [تعلّقُ الاستحقاق به ليس بدعاً] 3 في قسمةٍ بين أقوام.
وعلى هذا بنينا وقف أموالٍ في التركات للخناثى وللحمل المنتظر، ثم جرى
الوقف في تلك الأصول مع تقابل الإمكانِ من غير ترجح، فإذا وقفنا هاهنا مقداراً بناء على ظاهر العادة، لم يكن ذلك بدعاً، وقد نقف ثَمَّ شيئاًً بين من يرث قطعاً وبين من يجوز أن يحجب أصلاً، فإذاً لم نأت بأمرٍ غريب، غير أنا لم نتجاوز العادة؛ إذ لا منتهى للأقراء تقف [عنده] 1.
هذا منتهى قولنا في هذا الطرف.
فأما البيع [فقد] 2 تعبدنا فيه باجتناب الغرر، وامتناعُ التسليم في الحال [غررٌ] 3 ناجز، وفي زواله غررٌ، ونحن وإن قلنا: العادات قد تطرد، فيغلب فيها نقصان اليوم واليومين، وهذا القدر يظهر الغرر، فاستمر وجوب القطع ببطلان البيع، وخرج الجانب المقدم على الوقف الذي ليس بدعاً، وليس عقداً فينقدح فيه غرر، وهذا فقيه متين.
فإن قيل: هلا احتُمِل ما تتوقعون من زيادةٍ ونقصانٍ احتمالَكم ذلك في بيع الدار المشحونة بالأمتعة للبائع؟ قلنا: ذاك الاشتغال غير محتفلٍ بأصله، فلا ينظر إلى تفصيله، ولذلك قطعنا القول بصحة بيع الدار المشحونة، وأجرينا في بيع الدار المكراة القولين.
وقد انتجز الغرض به في هذا الفصل.
فأما
الفصل الثاني
وهو الكلام فيما تُضارِب المرأة [به] 4 عند ضيق المال، وضرب الحَجْر.
9846 - قال الأئمة: إن كانت المرأة تعتد بالأقراء وقد أفْلس الزوج، وحُجِر عليه؛ فإنها تضارب بمؤنة السكنى لزمان عادتها الغالبة -إن كانت لها عادة-.