نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 85-124
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطلاق

صفحات 85-124
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

بالتوكيل؛ لأنه يشوبه شُعبة من التمليك، فعلى الطريقين يكون جوابها على الفور سواء لَفَظَ بالتوكيل، أو لم يلفظ به.
وهذا الذي ذكره فقيهٌ حسن، ولكنه منفرد به من بين الأصحاب.
9008 - والمقدار الذي رمز إليه المحققون أنا إن قلنا: هذا توكيل، فحكمها حكم [الوكيل] 1، وإن قلنا: هذا تمليك، فهل يصح من الزوج توكيلها أم كل تفويض منه إليها يتضمن تمليكاً؟ فعلى ترددٍ وخلاف، وهذا محتمل، وإيراده على هذا الوجه أمثل.
ولو قال على قول التوكيل: طلقي نفسك متى شئت، أو متى ما شئت، فهذا لا يقتضي فوراً أصلاً؛ فإن معتمد القاضي مسألة التعليق بالمشيئة.
ولو قال: مهما 2 شئت، فأنت طالق، فلا فور، بل مهما شاءت، طلَّقت، فإذا كانت المشيئة تقبل التأخير، إذا قيّدت بالتأخير، فليكن الأمر كذلك في التوكيل.
ومما يهجس في النفس أن من قال: التفويض توكيل، ولا يقتضي تطليقاً منها نافذاً في الحال، فكيف وجه القطع باقتضاء قول الرجل: "أنت طالق إن شئت فوراً"؟ فإن مسألة المشيئة عندي تتوجه بتمليكها الأمر، والتمليك مضاهٍ للإيجاب المستعقب للقبول، وإلا فلا فرق في العربية بين قول القائل لامرأته: أنت طالق إن شئت، وقوله: أنت طالق إن كلمت زيداً، والمستعمل في المسألتين أداة الشرط، وأُمُّ بابه 3، وحكم الشرط ألا يتخصّص بزمان، بل يسترسل على الأزمان المبهمة.
فليتأمل الناظر هذا فإنه [عويصٌ] 4. وسنعود في الفروع إلى مسألة المشيئة، إن شاء الله.
وكل ما ذكرناه فيه إذا فوّض الطلاق إليها بلفظٍ صريح، وطلّقت نفسها بلفظ صريح.

9009 - فأما إذا فوّض إليها في ظاهر الأمر بكناية، فأجابت بكناية، أو اختلف الجانبان في ذلك، فالتفصيل فيه إذا قال لها: أمرك بيدك، أو فوضت أمرك إليك، أو ملكتك أمرك، أو قال: اختاري نفسك، فهذه الألفاظ كنايات منه، فإذا أجابت بكناية، فقالت: اخترت نفسي، أو أبنت نفسي، فيتعين الرجوع إليهما، فإن زعما أنهما نويا الطلاق تفويضاً وإيقاعاً، وقع رجعياً إذا كانت بمحل الرجعية.
ولو لم ينو الزوج، لم يقع وإن نوت، ولو نوى تفويض الطلاق إليها ولم تنوِ المرأة إيقاع الطلاق، لم يقع الطلاق، فإنها الموقعة المطلِّقة، فينقسم لفظها إلى الصريح وإلى الكناية.
وقال أبو حنيفة 1: يقع الطلاق، وإن لم تنوِ إذا نوى الزوج، وكأنّ كلام المفوِّض معادٌ في جوابها، وهذا ساقطٌ لا أصل له.
وهذه المسألة مشهورة في أصحاب رسول الله عليه السلام وهي ملتطم خلافهم، والمسألة مشهورة بالتخيير والاختيار، فإذا قال الزوج: اختاري، فقالت: اخترت نفسي، فقد ذهب عمرُ وابنُ عمرَ وابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ وعائشة إلى أنها لو اختارت نفسها، وقعت طلقة رجعية، ولو اختارت زوجها، لم يقع شيء 2، وحيث حكموا بالوقوع أرادوا إذا وجدت النية من الجانبين، وروي عن علي أنها لو اختارت نفسها وقعت طلقة بائنة، وإن اختارت زوجها وقعت طلقةً رجعيةً، وبه قال زيد، وروي عن عائشة لما بلغها عن علي أنها لو اختارت زوجها وقعت طلقة رجعية اشتدّ إنكارها عليه، وقالت: خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أترى كان ذلك طلاقاً 3؟

ومما يتعلق بالفصل أن الزوج لو أنكر نية الطلاق، فالقول قوله مع يمينه.
والمرأة لو قالت: نويت الطلاق كما نويتَ، فقال الزوج: ما نويتِ أنت، فقد ذكر القاضي وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أن القول قولها؛ فإن المرأة هي الناوية، وإليها الرجوع، ولا مطّلع على النية إلا من جهتها.
نعم، إن أراد تحليفها، كان له ذلك.
ومن أصحابنا من قال: القول قول الزوج، وهذا ضعيف لا أصل له، ووجهه - على بعده- أن الأصل بقاء النكاح، وعدم وقوع الطلاق، وهي تزعم أن الطلاق وقع بنيتها المنضمّة إلى لفظتها.
9010 - ولو ذكر الزوج في التفويض كناية، فقال: اختاري، أو أبيني نفسك، أو بتِّي نفسك، فقالت: طلقت نفسي، فالمذهب الظاهر أن الطلاق يقع إذا اشتمل جانب الكناية على النية.
ومن أصحابنا من قال: لا يقع الطلاق.
حكاه العراقيون عن ابن خَيْران، وهذا القائل يقول: ينبغي أن يكون جوابها على صيغة التفويض إليها.
قال القاضي: وهذا الخلاف يجري في التوكيل، فلو قال لأجنبي: طلق زوجتي، فقال: أبنتها، ونوى الطلاق.
ولو قال: أبن زوجتي أو خلّها ونوى الطلاق، فقال الوكيل: "طلقتها".
أو "هي طالق"، فيخرّج الخلاف.
ولو قال لزوجته: أبيني نفسك، فقالت: خلّيت نفسي، وَوُجِدت نية الطلاق من الجانبين، فلا يخفى تخريج هذا على ظاهر المذهب، والطلاق واقع.
فأما إذا قلنا: اختلافُ الشقين صريحاً وكناية يمنع وقوعَ الطلاق، فإذا جرت الكناية من الجانبين، ولكن اختلفت الصيغتان، ففي المسألة تردد على هذا الوجه الضعيف.
ولعلّ الأوجه الوقوع تعويلاً على النية؛ فإن اللفظ لا استقلال له في الجانبين.

فصل قال: "وسواء قالت طلقتك أو طلقت نفسي ... إلى آخره" 1. 9011 - إذا قال الرجل لامرأته: أنا منك طالق، قال الأصحاب: إن نوى إيقاع الطلاق عليها، وقع الطلاق، وإن لم ينو إيقاع الطلاق عليها، لم يقع، وزعموا أن قوله: أنا منك طالق صريح في بنيته وصيغته، ولكنه أضيف إلى [الرجل] 2، فهو بمثابة الكنايات؛ فإن المرأة محل الطلاق، فإذا أضيف الطلاق إلى الرجل، كان على تأويل إضافته إليها، من حيث إنه منها على سبب منتظم بينهما.
وكذلك إذا قال الرجل: أنا منك بائن، قال الأصحاب: لا بدّ من نيتين إحداهما نيّة أصل الطلاق، والثانية نية الإيقاع عليها.
9012 - وأصل هذه المسألة مقرر في (الأساليب)، ولا نجد بداً من ذكر طرفٍ مما ذكرناه فيها أوّلاً: ذهب ذاهبون من أصحابنا إلى أن الرجل معقود عليه في حقها، كما أنها معقود عليها في حقه، وأكثروا في هذا سؤالاً وانفصالاً.
ونحن لم نرتضِ هذا المسلكَ؛ فإن المرأة لا تستحق من بدن زوجها ومنفعة زوجها شيئاً، فلا معنى لكونه معقوداَّ عَليه لها وفي حقها، وإنما المستحِق هو الزوج ومنافعها أو حِلُّها مستحَق له، فلا وجه إلا القطع بأنّ مورد العقد محل الاستحقاق.
ولكن إذا قال الزوج: أنا منك طالق، انقدح في هذا وجهان: أحدهما - أن على الزوج حجْراً من جهتها، وإن لم يكن معقوداً عليه؛ فإنه لا ينكح أختها، ولا أربعاً سواها، فإذا أضاف الطلاق إلى نفسه، أمكن حمل ذلك تقريراً على حَلّ السبب المقتضي لهذا الحَجْر.
والوجه الثاني - أن المرأة مقيدة، والزوج في حكم القيد، وقد يقال: حُلّ القيد،

كما يقال: حُل المقيّد، فإضافة الطلاق إلى الزوج تتجه من غير أن يفرض معقوداً عليه.
ثم إذا قصد الزّوج الطلاق، ولم يضف الطلاق إليها، فالذي صار إليه جمهور الأصحاب أن الطلاق لا يقع، كما قدمنا ذكر ذلك.
وذهب طوائف من المحققين إلى أن قصد الطلاق كافٍ، وإن لم يضفه لفظاً وعقداً إليها.
وهذا اختيار القاضي، وهو القياس تحقيقاً، فإن الطلاق نقيضُ العقد، وإذا ارتفع العقد، فلا حاجة إلى التنصيص على محلٍّ نطقاً أو نية وقصداً.
وهذا الكلام فيه إبهام بعدُ، فإن الرجل لو قال: أنا منك طالق، وقصد الطلاق، ولم يقصد تطليق نفسه، فالأمر على ما ذكرناه.
وإن قال: أنا منك طالق، ونوى تطليق نفسه، فكيف السبيل؟ وعلى ماذا يحمل هذا القصد؟ وهل نقول: الطلاق صريح ولا حاجة فيه إلى التعرض للمحلّ؟ أما مذهب الجمهور، فبيّن، وأما المذهب الآخر، فقد بان منه أنه [إن] 1 لم يقصد إلا الطلاق على الإطلاق، كفى، وإن جرّد قصده إلى تطليق نفسه، فالوجه عندنا ألا يقع، لأن كونه محلاً لإضافة الطلاق -و 2 ليس محلاً للعقد، ولا استحقاق للمرأة فيه - بعيدٌ 3 فهذا كلام لا يستد 4 مطلَقُه، حتى يصرف بتأويل إلى مصرفٍ صحيح.
ثم الجمهور قالوا: ينصرف إليها، وقال آخرون: يكفي أن يقطع عن تخصيصه بنفسه، فأما تنفيذه مع تجريده القصد في إضافة الطلاق إلى نفسه فبعيدٌ جداً.
وقد ذكر بعض الخلافيين أن اللفظ صريح، وإن قصد تطليق نفسه، وهذا لا احتفال به.
وشبّه مشبهون هذا بما لو قال لامرأته: أنت الطلاق، من حيث إن لفظ الطلاق جرى على صيغة مستبشعة حائدةٍ عن جهة العرف في الاستعمال.

هذا تمام البيان في ذلك، ويترتب عليه فصل متصل بما تقدم من تفويض الطلاق إليها.
9013 - فلو قال لها: طلقي نفسك، فقالت: طلقتك، فخاطبته، فقال الأصحاب: إن قصدت تطليق نفسها وقع، وقال المحققون: يكفي قصدها الطلاق، وفي تخصيصها الطلاق بالزوج على قصد وعمدٍ الكلامُ الذي ذكرناه.
والمسألة ليست خاليةً عن تردّد الأصحاب في أن الرّجل إذا فوّض إليها صريح الطلاق، فأتت بالكناية، فهل يحكم بوقوع الطلاق؟ فإن قولها: طلقتك على مخاطبة الزوج كناية كما قدّمنا.
9014 - ولو قال السيد لعبده: أنا منك حُرّ، فهذا مما اشتهر فيه خلاف الأصحاب: فمنهم من قال: يحصل العتق إذا نواه، كالطلاق.
ثم الترتيب في تنزيله على العبد، وفي إطلاقه، على ما مضى.
ومن أصحابنا من قال: لا يحصل العتق أصلاً؛ فإن الملك لا يوجب حجراً على المالك، والنكاح يوجب حجراً على الناكح.
ولو قال الرّجل لامرأته: أعتدُّ منك واستبرىء رحمي، ونوى الطلاق، فهذا مما اشتهر فيه ذكر وجهين: والوجه - إلغاء اللفظ؛ لأنه غير منتظم في نفسه، والكناية لفظة يظهر انتظامها في معنى، ولكن لا تتعين لذلك المعنى، فإذا كان الكلام في نفسه مثبَّجاً 1 معدوداً لغواً، فلا معول عليه.
فصل قال: "ولو جعل لها أن تطلق نفسها ... إلى آخره" 2. 9015 - نصدّر هذا الفصل بكلام في نية العدد: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثاًً، أو طلقتك ثلاثاًً، فلا شك في وقوع الثلاث، سواء كانت المرأة مدخولاً بها،

أو غير مدخولٍ بها، وقول الزوج ثلاثاًً لا يُقطع عن صدر كلامه؛ فإنّه منعطف عليه تبييناً وشرحاً وإيضاحاً، وليس في حكم كلام مبتدأ.
ولو قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق، وطالق، فإنها تبين بالطلقة الأولى، ولا تلحقها الثانية؛ فإن المعطوف عليه مستقلٌّ بنفسه، وليس المعطوف بياناً له، ولا كشفاً لمعناه، فإذا استقل الكلام الأول بعد موجبه، فتبين المرأة.
ثم قال الفقهاء: قول الرجل: أنت طالق ثلاثاًً مشتمل على مفسَّر وتفسير، وزعموا أن قوله ثلاثاًً ينتصب على التفسير، وهذا جهل بالعربية، وذَهاب عن وضع اللسان، وبابُ التفسير والتمييز مشهور بين النحاة، وليس هذا منه، بل قول الزوج ثلاثاًً نعتُ مصدرٍ محذوف والتقدير: أنت طالق طلاقاً ثلاثاًً، وهو كقول القائل: ضربت زيداً شديداً، والتقدير ضرباً شديدأ.
9016 - ثم معتمد المذهب، والقطبُ الذي عليه تدور المسائل أن الفعل من الطلاق والاسمَ المشتق يُشعران بالمصدر لا محالة، والمصدر يصلح للواحد والجنس، فتَطرَّق إمكانُ العدد، فإنْ لَفَظَ الزوج به، فذاك، وإن قال: أنت طالق، ونوى عدداً، وقع العدد الذي نواه، خلافاً لأبي حنيفة 1، فاستبان أن الفعل من لفظ الطلاق والاسمَ صريحان في أصل الطلاق، صالحان للعدد على التردّد، والنيةُ شأنها تعيين وجهٍ من وجوه التردد.
ولو قال لامرأته: أنت طالق واحدة، ونوى الثلاث، أو ثنتين، فهذا ينقسم قسمين: أحدهما - أن ينصب قوله واحدةً نصبه قوله ثلاثاًً، والآخر أن يقول واحدةٌ بالرفع، فأمّا إذا نصبَ قوله واحدةً، فهذا يستدعي ذكر مقدمة، ستأتي مشروحةً في موضعها، إن شاء الله، ونحن نذكر مقدار غرضنا منها.
فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، ولم يخطر له إلى استتمام اللفظ الاستثناءُ،

ثم لمّا تم لفظ الطلاق، خطر له أن يقول على الاتصال: إن شاء الله؛ تداركاً لما تقدّم، فقال: إن شاء الله متصلاً، فقد قال أبو بكر الفارسي - في كتابه المترجم مسائل الإجماع: يقع الطلاق في هذه المسألة إجماعاً، ووافقه معظم الأصحاب في دعوى الإجماع، وتعليلُه: أن لفظ الطلاق تم، ثم حاول استدراكه من بعدُ، فكان قصده في الاستدراك مردوداً.
ومن أصحابنا من قال: لا يقع الطلاق؛ فإن شرط وقوعه ألاّ يُجري على الاتصال به لفظاً ما يكون استدراكاً.
وهذا الوجه على اشتهاره مزيّفٌ، لا تحصيل له، وسنعود إلى ذلك في مسائل الاستثناء، إن شاء الله.
9017 - فنقول الآن: إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة، ثم زعم أنه قصد بجميع كلامه ثلاث طلقات، وبسط قصده على أوّل كلامه وآخره، فهل يقع الثلاث؟ اختلف أصحابنا في المسألة: منهم من قال: لا يقع الثلاث؛ لأن لفظه يناقض قصدَه، والقصد بمجرده لا يعمل ولا ينفذ [في] 1 الثلاث واللفظ على مناقضته، كنية الطلاق عند ذكرٍ من الأذكار عند قراءة القرآن.
هذا إذا نوى الثلاث بجميع اللفظ.
ولو نوى الثلاث بقوله: أنت طالق، ثم خطر له أن يقول واحدة، فعلى طريقة الفارسي يقع الثلاث؛ فإنه طبق نية الثلاث على لفظ محتملٍ لها، ثم أتى بعد ذلك بلفظٍ يناقض ما تقدّم، فلا حكم له.
وإن جرينا على الوجه الضعيف وأعملنا الاستثناء الذي وصله لفظاً، وإن قصده بعد نجاز اللفظ، فيخرّج على ذلك الوجهان المذكوران فيه إذا نوى بجملة اللفظ الثلاث.
وإذا ضممنا هذه الصورة إلى الصورة الأولى، انتظم فيها أوجهٌ: أحدها - أن الثلاث تقع، والثاني - أنها لا تقع.
والثالث - أنه إن نوى الثلاث بقوله: أنت طالق، تقع، وإن نوى الثلاث بمجموع اللفظ، لا تقع.
ولو قال: أنت طالق واحدةً، وزعم أنّي أردت طلقةً واحدةً ملفّقاً من ثلاث

طلقات، وقعت ثلاث طلقات، [فإنّ] 1 ما قاله ممكن، والطلاق الواحد الملفق حكمه ما ذكرناه.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً أن الثلاث لا تقع؛ لأن لفظ الواحد ينافي العدد، وتقدير التلفيق بعيد عن الدّرْك، والنياتُ إنما تعمل إذا كانت تطابق وجهاً مفهوماً من صيغة اللفظ.
والخلاف في هذا يقرب من تردد الأصحاب في ألفاظٍ اختلفوا في إلحاقها بالكنايات، كما سنصفها من بعدُ، إن شاء الله.
9018 - ولو قال لامرأته: أنت واحدةٌ، ونوى الثلاث، فالذي قطع به الأئمة في طرقهم أنها تقع على تأويل حمل الواحدة على التوحّد والتفرد عن الزوج، والمرأة قد تنفرد عن زوجها بطلقة، وقد تنفرد عنه بثلاث طلقاتٍ، وذكر القاضي هذا، وصححه، وحكى معه وجهاً آخر: أن الثلاث لا تقع، لمنافاة لفظة الواحدة لها.
وهذا فيه نظرٌ دقيق عندي، فأقول: إن خطر له التوحّد وربطَ الطلاق به، على التفصيل الذي ذكرناه، فلا يجب أن يكون في هذا خلاف.
وإن نوى الثلاث، ولم يخطر له وجهُ حمل الواحدة عليها، فهذا فيه احتمال، وينبغي أن يكون هذا المسلك على ذُكر الفقيه في مسائل ستأتي على القرب.
9019 - ومما وصله الأصحاب بهذا المنتهى أنه لو قال لامرأته: أنت طالق واحدةٌ -بالرفع في واحدة- فهذا يُبنى على ما لو قال لها: أنت واحدةٌ، وقد ذكرنا أن الأصح أنه إن نوى الثلاث، وقع.
فلو قال: أنت طالق واحدةٌ يُحمل هذا في العربية على إتباع الصفةِ الصفةَ، وكأنه قال: أنت طالقٌ أنتِ واحدةٌ.
ثم الكلام -في إفراد الواحدة بالذكر- ما 2 ذكرناه.
وقد يعترض في هذه المسألة وفيه إذا قال: واحدةً بالنصب الفرقُ 3 بين أن يكون

صاحب اللفظ معرباً أم غيرَ معرِبٍ، وهذا فنٌ سيأتي، ولسنا نخوض فيه الآن، والتنبيهُ عليه كافٍ.
9020 - ولو قال لامرأته: أنت طالق، فماتت، فقال: ثلاثاً، ووقع موتُها مع قوله ثلاثاًً، ففي المسألة أوجه: أحدها - أن الثلاث تقع، لأن الموقَع هو الطلاق، وقد صادف حالة الحياة والثلاث منعطفة على الطلاق، فلا يضر وقوع اللفظ الثاني في حالة الموت.
والوجه الثاني - أنه لا يقع شيء؛ لأن جميع الكلام في حكم المقصود الواحد، فإذا وقع بعضه في حالةٍ تنافي وقوعَ الطلاق، لم يقع الطلاق، كما لو قال لامرأته: "أنت طالق"، فوقع اللام والقاف في حالة موتها.
والوجه الثالث - أنه يقع طلقة واحدة؛ فإن قوله: "طالق" مستقل بإفادة الطلاق، وهذا صادف الحياة، فوجب إعمال هذا، وإحباط ما يقع بعد الموت.
ولو قال: أنت طالق، وكان على عزم الاقتصار عليه، فماتت، فقال: ثلاثاً، فلا شك أن الثلاث لا تقع في هذه الصورة، وينتفي الوجه الثاني أيضاً، فلا يبقى إلا الحكم بوقوع الواحدة.
وهذا يلتفت على مسألة الفارسي إذا قال: أنت طالق، ثم بدا له أن يقول: إن شاء الله، وقد ذكرنا أن المذهب إلغاء الاستثناء، وفيه وجةٌ أن الاستثناء لا يلغو، ويبعد أن نقول في التفريع عليه: إنه لا يقع شيء على وجهٍ؛ فإنه أتى بما لو قصده ابتداء، لما وقع شيء في وجهٍ.
ولو قال: إن شاء الله بعد موتها، والتفريع على الوجه الضعيف، فيجب القطع بأن الاسثتناء لا يعمل - والله أعلم.
ولو كان قصد أن يقول: إن شاء الله، فلما قال: أنت طالق، قال: إن شاء الله مع موتها، هذا محتمل لمصادفة الاستثناء حالة الموت.
وسنعود إلى هذا في فروع الاستثناء، إن شاء الله.

9021 - وإذا قال لامرأته: أنت بائن، ونوى ثنتين، وقعتا، كما إذا نوى واحدةً أو ثلاثاًً، وقال أبو حنيفة 1: يقع الثلاث إذا نواها، وتقع الواحدة، ولا يقع الثنتان، وله في ذلك مسلك اشتملت الأساليب على ذكره والردّ [عليه] 2. وكل ما ذكرناه في تأسيس المذهب في احتمال اللفظ للعدد إذا كان منشىء الطلاق هو الزوج.
9022 - ونحن نعود وراء ذلك إلى مسائل تتعلق بتفويض الطلاق؛ فإذا قال الرجل: لامرأته: طلقي نفسك واحدةً، فطلقت نفسها ثلاثاًً، وقعت الواحدة، ولغا الزائد.
ولو قال: طلقي نفسك ثلاثاًً، فطلقت نفسها واحدةً، وقعت الواحدة.
وقال أبو حنيفة 3: إن فوّض إليها ثلاثاًً، فطلقت واحدة، وقعت الواحدة، كما ذكرنا، وإن فوض إليها واحدة، وطلّقت نفسها ثلاثاً، لم يقع شيء.
ولو قال لامرأته: طلقي نفسك، ونوى تفويض الثلاث إليها، فقالت: طلقت نفسي، ونوت الثلاث، وقعت الثلاث؛ فإن التفويض بالنية في العدد بمثابة التفويض بالكنايات، مع العلم بأن التعويل فيها على النية.
فإذا قال: أبيني، فقالت: أبنت نفسي، فلا بد من النية في الجانبين، فالقول في النية المتعلقة بعدد الطلاق كالقول في النية المتعلقة بأصل الطلاق.
ولو قال لها: طلقي نفسَك، ونوى الثلاث، فقالت: طلقت نفسي، ولم تتعرض للنية، فالمذهب الذي عليه التعويل أنه لا يقع إلا طلقةٌ واحدة؛ فإنها لم تنو العدد، فنفذ اللفظ فيما هو صريح فيه من غير مزيد، وهو كما لو قال لها: طلقي نفسك ثلاثاًً، فقالت: طلقت نفسي واحدة.

وذهب بعض الأصحاب إلى أن الزوج إذا نوى الثلاث ولم تتعرض المرأة للنية، وقد جرى النطق بالصريح من الجانبين، فيقع الثلاث؛ تعويلاً على نيته؛ فإنه فوض إليها لفظ الطلاق، وهو تَولَّى قصدَ العدد.
وهذا ضعيفٌ جداً؛ إذ لا خلاف أنه لو قال: أبيني نفسك، ونوى، فقالت: أبنت نفسي، لم يقع الطلاق تعويلاً على نيته، فليكن الأمر كذلك في العدد؛ فإن الصريح كناية في العدد.
9023 - ولو قال لامرأته: طلقي نفسك ثلاثاًً، فقالت: "طلقت نفسي"، أو قالت: "طلّقتُ"، ولم تتلفظ بعدد ولم تنوِه 1، فقد قال القاضي: يقع الثلاث؛ فإن قولها جرى جواباً، والإيجاب في حكم المعاد في الجواب، وقد يجري القبول على وجهٍ لا يفهم لو قدر منفرداً، ولكنه ينتظم مع ابتداء الخطاب بسبب البناء عليه، ثم قال: ليس هذا كما لو قال: طلقي نفسك، ونوى الثلاث، ولم يتلفظ بها، فقالت: طلقت نفسي ولم تنو الثلاث، وذلك أن العدد في جانب الزوج مربوط بالنية، فلا يمكن بناء كلامها على النية، فإن التخاطب لا يقع إلا بالنية وهي على الجملة لا تحل محل الصّريح.
هذا كلامه.
وقد ذكرنا خلافاً فيه إذا نوى الزوج العدد، ولم تنو المرأة، ومن تمسك بالوجه الضعيف، وحكم بأنّ الثلاث تقع، فله أن يعتضد بما إذا قال الزوج صريحاً: طلقي نفسك ثلاثاًً، فقالت: طلقت نفسي.
ولنا تفصيلٌ ونظر في تصريح الزوج بتفويض الثلاث مع اقتصارها على الطلاق من

غير ذكر عددٍ، [فنقول] 1: إن كان التفريع على أن تفويض الطلاق تمليكٌ، وجوابها بمثابة القبول في مقابلة الإيجاب، فيتجه ما ذكره من بناء كلامها على كلامه؛ فإن قولها على قول التمليك بمثابة القبول مع الإيجاب.
فأما إذا جعلنا التفويض توكيلاً، فالوجه أن لا يقع الثلاث؛ فإنّ تصرف الوكيل لا ينبني على التوكيل، وإنما هو افتتاح تصرّف، ولو كان مبنياً على التوكيل، لشُرط اتصاله به.
ومن قال: يشترط على قول التوكيل اتصالُ كلامها بالتفويض، فقد يخطر له ما ذكره القاضي أيضاً.
ويجوز للفقيه أن يقلب هذا الترتيب، فيقول: إن جعلنا التفويض توكيلاً، فلا نبني كلامها على كلامه، وإن جعلناه تمليكاً، فالمسألة محتملة: يجوز أن يسلك فيه مسلك البناء، كما ذكره القاضي، ويجوز أن يقال: لا يبنى قولها على قوله؛ فإنها متصرفة على الابتداء تصرفاً له صيغة التمام، وليس كالقبول الذي لا يقع إلا شقّاً، والدليل عليه أنه لو قال: طلقي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلقت نفسي واحدة، وقعت الواحدة، ولو قال: طلقي نفسك واحدة، فطلقت نفسها ثلاثاًً وقع من الثلاث واحدة، ولو كان تطليقها مع تفويضه كالإيجاب والقبول، لما وقع الطلاق مع الاختلاف؛ فإن الرجل لو قال لمن يخاطبه: بعت منك عبدي هذا بألف، فقال: اشتريته بألفين، لم ينعقد العقد، ولم نقل: ينعقد بالألف ويلغو الألف الزائد، وهذا النوع ينفذ من الوكيل.
هذا منتهى القول في تفويض العدد مع تصوير موافقتها ومخالفتها لفظاً وقصداً.
9024 - ثم قال الشافعي: "ولو طلق بلسانه واستثنى بقلبه ... " 2 وهذا طرف من أطراف التديين، وقد استقصيناه فيما تقدم.

فصل قال: "ولو قال: أنت عليَّ حرام يريد تحريمها بلا طلاق ... إلى آخره" 1. 9025 - هذا الفصل نفرضه حيث لا نحكم بأن لفظ التحريم صريح في الطلاق، ثم نذكر مقصود الفصل، حيث نحكم بكونه صريحاً في الطلاق.
9026 - فإذا لم نجعله صريحاً في الطلاق وقد قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، أو قال: حرّمتك، أو أنت محرّمة، فقد قال الأصحاب: إن نوى بما قال طلاقاً، فهو طلاق.
وإن نوى الظهار، فهو ظهار.
وإن نوى تحريم ذاتها على نفسه، تلزمه كفارة اليمين بنفس اللفظ، ولم يتوقف لزومها على إلمامه بها.
وإن أطلق اللفظ، ولم يقصد شيئاً، فحاصل ما ذكره الأئمة ثلاثة أوجه: أحدها - أن اللفظ صريح في إيجاب الكفارة.
والثاني - أنه كناية بحيث لا يجب بمُطْلَقه من غير نيةٍ شيءٌ.
والثالث - أنه كناية في حقّ الحرة، صريحٌ في حقّ الأمة إذا خاطبها به، وهذا الوجه ذكره العراقيون.
9027 - التوجيه: من جعله صريحاً في إيجاب الكفارة، تعلق بظاهر قوله تعالى في مخاطبة النبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيات [التحريم:1 - 3]، والصحيح في سبب نزولها أنه عليه السلام خلا بمارية القبطية في نوبة حفصة، فاطلعت عليه، وقالت: أفي بيتي؟ وفي يومي؟ فاسترضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلبها،

وحرّم مارية على نفسه، فنزلت الآية وقال تعالى في مساقها: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ 1، ثم مقتضى القرآن إيجاب الكفارة بنفس اللفظ من غير تعرّض لقصد،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123 = نزول الآية أنها في قصة العسل لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح، قال النسائي: إسناد حديث عائشة في العسل جيد صحيح غاية" انتهى كلام النووي ناقلاً إياه عن القاضي عياض.
ثم قال النووي: "قال القاضي بعد هذا: الصواب أن شرب العسل كان عند زينب".
ثم أقول: قال الألوسي: "وبالجملة الأخبار متعارضة، لكن قال الخفاجي: قال النووي في شرح مسلم: الصحيح، أن الآية في قصة العسل، لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين، ولم تأت قصة مارية في طريق صحيح".
ثم قال الخفاجي: نقلاً عن النووي أيضاً: "الصواب أن شرب العسل كان عند زينب رضي الله عنها" انتهى ما قاله الألوسي نقلاً عن الخفاجي ناقلاً إياه عن النووي.
(روح المعاني: 28/ 146، 147). وبهذا أصبح القائل إن الصحيح أنها في قصة العسل، وأن قصة مارية لم ترد من طريق صحيح، وأن الصواب أن شرب العسل كان عند زينب، أصبح القائل لكل هذا هو النووي في شرح مسلم.
والواقع أن النووي نقله عن القاضي عياض وبالرجوع إلى حاشية الشهاب الخفاجي، برئت ساحة الألوسي، فالذي قَوَّل النووي ما لم يقله هو الخفاجي في حاشيته، حيث نسب إليه جازماً ما حكاه عن القاضي عياض، فقد قال الشهاب عند تفسير أول سورة التحريم: "اختلف في سبب النزول: فقيل: قصة مارية، وقيل: قصة العسل، وقال في شرح مسلم: الصحيح أنها في قصة العسل، لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح ... وفي شرح مسلم أيضاً: الصواب أن شرب العسل كان عند زينب" انتهى بنصه كلام الخفاجي، وعنه أخذه الألوسي، وكم من الأبحاث أخذت عن الألوسي ونسبت إلى النووي ما لم يقله بل نقله عن القاضي عياض!!! ووقوع الخفاجي في هذا (الوهم) أو هذا (التسرّع) شاهد صدق على قصور البشر.
الخلاصة: وخلاصة ما تقدم نجمعها في أمور: ا- أن الأحاديث في سبب نزول الآيات متعارضة بعضها في قصة العسل، وبعضها في قصة مارية.

وهذا بمثابة ذكر الظهار وكفارته في آيات الظهار.
ومن قال: مطلق التحريم لا يكون صريحاً في اقتضاء الكفارة، احتج بأنّ الزوج لو نوى به الطلاق، لكان طلاقاً، ولو كان صريحاً في اقتضاء الكفارة، لما جاز نقله عما هو موضوع فيه، كالطلاق إذا نوى الزوج به ظهاراً، وكالظهار إذا نوى به طلاقاً.
ومن قال بالوجه الثالث، اعتمد القرآن وسببَ نزوله، وقال: المعتمد في هذا الأصل الكتاب، وهو وارد في المملوكة، والحرّةُ مشبَّهةٌ بالمملوكة، فلا يمتنع أن يكون اللفظ صريحاً في موضوعه.
9028 - ثم مذهب الشافعي أن التحريم حيث يوجب الكفارة لا يتنزّل منزلة اليمين، حتى يقال: يتوقف وجوب الكفارة على مخالفة التحريم بالإقدام = أ- مجموع الطرق.
ب- رواية النساني من حديث أنس.
وأقول: ليس في الأمرين ما يردّ كلام القاضي عياض، أما مجموع الطرق، ففيه ما فيه، وليس هذا الموضع مما يعتمد فيه التصحيح أو التقوية بمجموع الطرق.
أما حديث النسائي، فليس فيه تفاصيل القصة، بل لفظه كما رواه الحافظ نفسه: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ فيبقى قول القاضي عياض: "لم تأت قصة مارية من طريق صحيح" على صوابه، حيث يردّ القصة التي تحوي هذه التفاصيل.
ثم يأتي هنا السؤال: هل يجوز الترجيح بقوة الرواية؟ وهل يمكن الجمع بين القصتين، كما جعله الحافظ احتمالاً في الفتح، وكما قاله الشوكاني في تفسيره.
ولكن يجب أن نؤكد عند الجمع أن تحريم مارية لم يكن على هذا النحو الذي ورد في الفصة، فليس هذا ثابتاً باتفاق، بل يجب الوقوت عند ما رواه النسائي: "حرمها على نفسه" فليس من الرواية ولا من الدراية أن نخترع تفاصيل لسبب التحريم إذا صح أصله.
والله أعلم.
وأختم بتساؤل: هل يفهم من قول الإمام النووي في شرح مسلم: "وفي كتب الفقه أنها نزلت في تحريم مارية" هل يفهم من هذا نوع إنكارٍ على الفقهاء؟ لا سيما وأنه لم يتعرض للقضية أصلاً وأعرض عنها تماماً في (الروضة).
الله أعلى وأعلم.
ونضيف ملاحظة أخرى، هي أن كتب الفقه اعتمدت هذه القصة -قصة مارية- دون قصة العسل على ضعف قصة مارية؛ لأنها هي الأوفق للتمثيل والاستشهاد في تحريم الأبضاع، فهذا عذرهم، والله أعلم.

والاستمتاع، وأبو حنيفة 1 جعل لفظ التحريم يميناً بمثابة قوله: "والله لا أطؤك" ثم أقامه إيلاءً في النكاح، وحلفاً في ملك اليمين، ثم لم يخصص أصله بالفروج، بل قضى بأن تحريم الأطعمة والأشربة وغيرها من المستحلاّت بمثابة اليمين المعقودة على الامتناع منها.
فإن خالف اليمين، وجبت الكفارة.
وما ذكرناه من اقتضاء التحريم الكفارةَ يختص بفرج الحرّة والأمة ولا يتعداهما إلى ما عداهما من المستحلات، وسنذكر حقيقة هذا في أول كتاب الأَيْمان، إن شاء الله.
9029 - ولو قال لزوجته أو أمته: أنت عليّ حرام، ثم زعم أنه أراد الحلف على الامتناع من الوطء، ففي قبول ذلك منه وجهان: أحدهما - أن اليمين لا تنعقد، وهو الذي صححه أئمة المذهب؛ فإن عماد اليمين ذكرُ اسمٍ معظَّم أُمرنا بالإقسام به إذا أردنا القسم، ولفظ التحريم ليس صريحاً فيه ولا كناية، وإنما لفظ التحريم ذكر المقسَم فأين القسم والاسم المقسَم به؟ ومن أصحابنا من قال: يثبت القسم إذا نواه؛ فإن موجب القسم عند الحنث يضاهي موجب التحريم، وقد قال أهل اللسان: "قول القائل: "لأدخلنّ الدار" قسمٌ، واللام لام قسم" فليس يبعد تحصيل اليمين بالنية إذا جرى مقصود اليمين بعبارة مؤكدة.
وهذا غير مرضي؛ فإنا لا نعرف خلافاً أن الرّجل إذا قال: لأدخلن الدار، ونوى القسم، لم يكن مقسماً، وأحكام الشرع لا تؤخذ من تقديرات العربية، واليمينُ منها منوطةٌ تعبداً باسم الله، أو بذكر صفةٍ من صفاته الأزلية.
ثم من جعل التحريم بالنية يميناً تردَّدُوا في لفظ التحريم في سائر المستحلاّت كالمطاعم والملابس وما في معناها، فقال القيّاسون من هؤلاء المفرّعين: التحريم يصير يميناً بالنية في جميع هذه الأشياء.
وقال آخرون: التحريم إنما يصير يميناً في المنكوحات والإماء.

ومما يجب الإحاطة به أن هذا الخلاف الذي ذكرناه آخراً إنما نشأ من لفظة الشافعي، وهي أنه قال: "إذا حرم زوجته، يقال له: أصب وكفّر" 1، فظن ظانون أنه رضي الله عنه أوجب الكفارة بالإصابة على تقدير اليمين، وليس الأمر كذلك، بل أراد أن التحريم لا يحرّم وطأها بخلاف الظهار، فإنه يثبت تحريماً ممدوداً إلى التكفير، فأبان الشافعي أن التحريم لا يوجب حجراً أو حظراً في الوطء.
فإن قيل: هلا كان التحريم كالظهار؟ قلنا: لو كان كالظهار، لكان ظهاراً، فهو إذاً لا يقتضي التحريم، ولكن يقتضي وجوب الكفارة، وهو نازع من وجهٍ إلى اليمين، وليس يميناً ويشبه في ظاهره الظهارَ، وليس ظهاراً ولا في معناه.
9030 - ولو قال لنسوة: حرمتكن وقصد تحريم أنفسهن، فيلزمه كفارة واحدة أم كفارات بعددهن؟ فعلى قولين ذكرهما صاحب التقريب والقاضي، وكان شيخي وطوائف من أئمة المذهب يقطعون بأن الكفارة تتّحد، فمن ذكر القولين قرّب التحريم المضاف إلى النسوة في هذا المقام من الظهار، [فلو] 2 قال الزوج لنسوةٍ: أنتنّ عليّ كظهر أمّي، ففي تعدد الكفارة قولان، سيأتي ذكرهما.
ومن قطع باتحاد الكفارة، فوجهه أن الظهار يُثبت التحريم في النسوة، ويشابه الطلاق من هذا الوجه، والتحريم لا يثبت في ذواتهن ويشابه اليمين من هذا الوجه، ويشابهها أيضاً في صفة الكفارة.
ومن سلك طريقة القولين قال: وجوب الكفارة في التحريم لا يتوقف على المخالفة، فكان حريّاً بأن يشبّه بالظهار، ولو خاطب إماء وحرمهن بكلمة، فهو كما لو حرّم نسوة بكلمة.
ثم إن قضينا باتحاد الكفارة إذا خاطب النسوة أو خاطب الإماء، فلو قال لنسوته وإمائه أنتن محرمات عليّ، أو حرمتكن، فمن أصحابنا من قال: لا تجب إلا كفارة

واحدة تفريعاً على اتحاد الكفارات إذا خاطب نسوةً مجردات أو إماء منفردات، وهذا ظاهر القياس.
ومن أصحابنا من قال: هاهنا تتعدد الكفارة لتعدد الجهة نكاحاً وملكاً.
وهذا خيالٌ لا أصل له، وإن كان مشهوراً، حكاه الصيدلاني وغيره، ثم صاحب الوجه الضعيف حيث انتهى التفريع إليه لا يوجب إلا كفارتين؛ نظراً إلى تعدد الملك والنكاح، وهذا كلام مضطرب، والوجه تنشئة الخلاف من عدد المحرمات منكوحات كنّ، أو إماء، أو مختلطات.
9031 - وكل ما ذكرناه مفروض فيه إذا لم يكن لفظ التحريم صريحاً في الطلاق.
فإن كان صريحاً في الطلاق لاستفاضته وشيوعه، وتفريعنا على أن مأخذ الصرائح الشيوع، فإذا أطلق التحريم، فهذا نفرّعه على أن التحريم في اقتضاء الكفارة صريح أم كناية؟ وتحقيق القول فيه أنا إن حكمنا بأن مأخذ الصرائح الشيوع، فلا يتصور كون لفظ التحريم صريحاً في البابين؛ فإن المعنيّ بالشيوع أن لا يستعمل في اطراد العادة إلا في معنىً، ولا يقع الحكم للفظ بكونه صريحاً إلا بشرطين: أحدهما - الاستفاضة، والآخر - أن لا يستعمل إلا في معنى المطلوب.
وإذا بان أنا نضم إلى الشيوع الحصر، فلا يتصور أن يشيع لفظ على الحد الذي ذكرناه في معنيين مع اتحاد الزمان والمكان، وهذا بمثابة إطلاق الغلبة في النقود، فالغالب هو الذي يندر التعامل على غيره، ويستحيل تقدير الغلبة في نوعين؛ فإنّ قصارى هذا التقدير يجرّ تناقضاً، وهو أن كل واحدٍ منهما أغلب من الثاني، فيلزم منه إثبات شيئين كلّ واحدٍ أغلب مما هو أغلب منه.
فإذا شاع اللفظ في مسألتنا في أحد المعنيين، كان صريحاً فيه كناية في الثاني.
9032 - وإن جوزنا أن يكون للصريح مأخذان: أحدهما - ورود الشرع، والآخر - الشيوع على النعت المقدّم، واعتمادُ الشرع في باب الصرائح يشهد له نصُّ الشافعي على أن الفراق والسراح صريحان، وإن عرفنا قطعاً أنهما ما شاعا شيوعاً يتميزان به عن الخليّة، والبريّة، والبائن.

فلو فرض شيوع التحريم في الطلاق وفرعنا على أن الصرائح تؤخذ من مأخذ الشرع أيضاً، فهل ينتهي التفريع إلى كون التحريم صريحاًً في البابين؟ وكيف السبيل في ذلك؟ هذا فيه نظر يجب الاهتمام به، ولا يتجه فيه إن أثبتنا المأخذين إلا أمران: أحدهما - أن نسلك مسلك التغليب إذا جرى اللفظ مطلقاً، ونعتقد أن الطلاق أغلب مثلاً لوجوه لا تكاد تخفى، واللفظ يطابق المعنى إذا كان طلاقاً؛ فإن الطلاق يحرم النفس، والتحريمُ الموجب للكفارة لا يحرم النفس.
هذا مسلكٌ.
وإن انقدح للفقيه استواء الوجهين، فلا مطمع في تحصيل معنيين بلفظ واحدٍ، هذا ما لا سبيل إليه وإن جرّد القاصد قصده إليهما جميعاًً؛ لأن اللفظ الواحد لا يصلح لمعنيين جميعاً إذا لم يوضع في وضع اللسان للجمع، فلا يتجه إذاً إن لم ينقدح وجهٌ في الترجيح إلا أنه يخرج عن كونه صريحاًً في البابين جميعاًً، لتعارض العرف والشرع، واستحالة الجمع، وامتناع تخصيص أحد الجانبين، فلا [يعمل] 1 اللفظ إذاً في أحد المعنيين إلا بالقصد.
هذا منتهى النظر.
9033 - ومن لطيف الكلام في هذا أن الصريح [الذي هو] 2 على الدّرجة العليا.
كالطلاق، فإنه لا يُعدَل عن ظاهره إلا على مسلك التديين، ويلتحق الظهار به أيضاً لاستوائهما في الجريان في الجاهلية والإسلام، وكل ما يلتحق بالصرائح لعموم عرفٍ متجدّدٍ -فالعرف لا ثبات له- فقد يعرض استعقاب العرف عرفاً آخر، وقد مهدنا في قاعدة الصرائح أن من الألفاظ ما يعمل مطلَقُه، وتنصرف النية فيه، وهذا من ذاك، فالتحريم إذا شاع على الحدّ الذي نعهده، فلا يكاد يبلغ مبلغ شيوع الطلاق في كل زمانٍ ومكانٍ، ولا يعد مستعمل التحريم في غير مقصود الطلاق آتياَّ بَشاذًّ نادرٍ، بخلاف من يستعمل الطلاق ويبغي غير معناه، ومن أحاط بهذه المرتبة من الصرائح، بنى عليه ما ذكرناه، من أن التحريم وإن كان صريحاً في اقتضاء الكفارة، فيصير طلاقاً بالنية.

هذا تحصيل القول في ذلك، وتبليغه المرتبة الأقصى في البيان.
9034 - ومما يتعلق بتمام الكلام في فصل التحريم أنه لو قال لأمته التي هي أخته من الرضاع أو النسب: حرّمتك، أو أنت عليّ حرام، وزعم أنه أراد تحريمها في ذاتها، فلا تلزمه بهذا القول كفارةٌ، لأنه وصفها بما هي متصفة به من التحريم، وإنما يُلزم لفظُ التحريم الكفارةَ إذا خاطب به مستحلّه، فيناقض لفظُه موجَبَ الشرع، فيعدّ ما جاء به كلاماً مخالفاً للشرع، ثم تعبّد الشرعُ فيه بكفارة.
وإذا قال لأمته المعتدة، أو المرتدة، أو المزوّجة، أو الوثنية، أو المجوسية: أنت عليّ حرام، وأراد تحريمها في ذاتها، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لايلزمه شيء لأنه وصفها بالتحريم في حالةٍ كانت فيها محرّمة، فلا تناقض، ولا حلف.
والثاني - يلزمه لأنها بمحل أن يستبيحها بتغاييرَ تلحق.
وإذا خاطب بالتحريم امرأته المُحْرِمة، ففيه وجهان، كما ذكرناه.
وأطبق المحققون على أنه لو خاطب الرجعية، لم يلتزم شيئاً، لأنها مُحرَّمة خالية عن الحلّ، وفيها احتمال من طريق المعنى، وإن لم نجد فيه نقلاً.
وإذا خاطب بالتحريم الصائمة والحائض، التزم الكفارة؛ فإن تلك العوارض لا حكم لها، والتحريم لا يعم أيضاً جميع وجوه الاستمتاع، ولفظ التحريم عام من جهة الوضع.
فإذا قال لامرأته: أنت عليّ كالميْتة، أو الدم، أو الخمر، أو الخنزير، فهو كما لو خاطبها بلفظ التحريم، ويمكن أن يقال: إن جعلنا التحريم صريحاً لمورد القرآن، فهذه الألفاظ لا تكون صرائح، والعلم عند الله.
وقد انتجز قولنا في قاعدة التحريم.

فصل قال: "فأما ما لا يشبه الطلاق مثل قوله: بارك الله فيك ... إلى آخره" 1. 9035 - غرض الفصل أنّ شرط ما يوصف بكونه كناية أن يكون مشعراً بالمقصود، ثم إن ظهر إشعاره، لم يخف كونه كنايةً، وإن خفي، فقد يُثيرُ خفاؤهُ خلافاً.
فلو قال لامرأته: تجرّعي أو تردّدي أو ذوقي، فهذه الألفاظ كنايات، فإنها من طريق الاستعارة تشعر بالفراق، ولو قال: اشربي، وزعم أنه نوى الطلاق، فوجهان، قدمنا ذكرهما، ومن جعله كناية قدّر فيه اشربي كأس الفراق.
وكان شيخي يقطع بأن قوله: "كلي" ليس بكنايةٍ، وألحق القاضي والعراقيون كلي بقولهِ: "اشربي" وهذا فيه [بعد] 2 ولو قال: بارك الله فيك، أو اسقيني، أو أطعميني، أو ردّديني، أو ما أشبه ذاك، فليس بطلاق، لأن هذه الألفاظ غيرُ مشعرةٍ بالفراق.
وإن حملها حامل على معنىً بعيد، عُدَّ متكلفاً، آتياً بما يلتحق بقسم التعقيد والإلغاز.
ولو قال: "أغناكِ الله"، ونوى الطلاق، فقد ذكر العراقيون وجهين، ومأخذ أحدهما من قوله عزّ وجل: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:130] فكأنَّه قال لها: فارقيني يغنك الله.
وهذا بعيد، ولا يجوز أن يحمل على ذلك قوله: "بارك الله فيكِ"، وإن أمكن على بعدٍ أن يقول: أردت أغناك الله؛ فلا تنتهي التقديرات في الكنايات إلى هذا المنتهى.
فليقس القائس على محل الوفاق والخلاف ما لم نذكره.
فصل 9036 - ثم قال الشافعي: "ولو قال للتي لم يدخل بها: أنت طالق ثلاثاًً [للسُّنة] 3 وقعن معاً ... إلى آخره" 4.

9037 - مقصود الفصل أن الرجل إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق ثلاثاً وقعت الثلاث عند الشافعي وأصحابه، وهو مذهب عامة العلماء.
وذهب بعض السلف إلى أنه لا يقع إلا واحدة، وهذا إنما قاله بسبب أن قول الرجل: "أنت طالق" مستقلٌّ بنفسه، فينبغي أن تبين المرأة، به فإذا بانت، لم يلحقها إلا واحدة.
ومعتمد مذاهب العلماء أنّ آخر الكلام منعطفٌ على أوّله، كما أنّ أوّله مربوط بآخره، وقوله: "ثلاثاً" من تمام قوله: "طالق".
ولو قال للّتي لم يدخل بها: "أنت طالق وطالق" بانت بالأولى، ولم تلحقها الثانية وستأتي هذه المسائل بما فيها موضحة إن شاء الله تعالى.


باب الطلاق بالوقت وطلاق المكره

قال الشافعي: "وأي أجلٍ طلّق إليه لم يلزمه قبل وقته ... إلى آخره" 1. 9038 - إذا علق الرجل طلاق زوجته بأمرٍ في الاستقبال، تعلّق به، ولم يقع قبل تحققه، ولا فرق بين أن يكون ما علّق الطلاقَ به مما يأتي لا محالة، وبين أن يكون الظن متردداً فيه: قد يكون وقد لا يكون؛ فإذا قال: إن دخلت الدارَ، فأنت طالق، فهذا مما لا يقطع بكونه 2. فإذا قال: إذا طلع الشمس، فأنتِ طالق، فهذا مما يكون لا محالة، والطلاق لا يقع في الموضعين قبل تحقق الصفة؛ خلافاً لمالك 3؛ فإنه قال: إذا علق الزوج الطلاق بما يكون لا محالة، انتجز الطلاق في الحال، وإنما يقف وقوفه على وجود الصفة إذا لم تكن مستيقنة الكون، قد تكون وقد لا تكون.
9039 - ثم ذكر الشافعي مسائل في ذكر الأوقات التي تُفرض متعلقاً للطلاق والعتاق، والغرض منها بيان معاني الألفاظ المستعملة فيها، فقال: "لو قال في شهر كذا ... إلى آخره" 4. إذا قال الزوج لزوجته: أنت طالق، في أول شهر رمضان، طلقت كما 5 أهلّ الهلال.

ولو قال: أنت طالق في شهر رمضان، وقع الطلاق مع أوّل جزء منه، وكذا إذا قال: في أول شهر كذا، أو في غرّة شهر كذا، أو في أول غرة شهر كذا، فالطلاق في هذه المسائل يقع مع أول جزء من الهلال، والأصل المعتمد أن اسم الشهر إذا تحقق، فقد تحققت الصفة التي هي متعلق الطلاق، والطلاق ليس معلَّقاً بدوام الصفة، ولا بنجازها، فاقتضى ذلك الوقوع مع أول الاسم.
ومن دقيق الكلام في هذا أنه قد يظن الظان أن الوقت ظرفٌ للطلاق وشرط الطلاق الواقع فيه أن يحتوش بزمان سابق، وهذا تقدير محال، فالمعنيّ بالظرف الزماني انطباق فعلٍ على زمان، فأما اشتراط تقدم [زمان] 1 أو تأخّر، فلا.
9040 - وإذا قال: أنت طالق في يوم كذا، وقع الطلاق مع أول جزء من الفجر، وقال أبو حنيفة 2: يقف وقوع الطلاق على انتهاء ذلك اليوم بغروب الشمس، وهذا بناه على أصلٍ له في العبادات، وذلك أنه قال: "كل فعلٍ عُلِّق بوقتٍ موسّع، تعلّق بانتهاء ذلك الوقت" كمصيره إلى أن الصلاة تجب بآخر الوقت، وهذا جهل بموضوع البابين: أما الصلاة، فإن ربط وجوبها بآخر الوقت أخذاً من أن المؤخِّر لا يعصي، فهذا له وجهٌ على حال، وفي معارضته كلامُ أصحابنا.
فأما مأخذ وقوع الطلاق المعلق، فمِن تَحقُّق الصفة، ولا وقوف بعد تحقق الصفة، وليس هذا مأخوذاً من وجوبٍ حتى ينظرَ الناظرُ في إثبات المعصية ونفيها.
9041 - وإذا قال: أنت طالق في آخر شهر رمضان، ففي المسألة وجهان ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنها تطلق في آخر جزء من آخر الشهر؛ فإن ذلك الجزء هو الآخر حقاً.
والوجه الثاني - أنها تطلق مع أول جزء من ليلة السادس عشر؛ فإنه إذا مضى النصف الأول عُدَّ ما بعده آخراً، وهذا أول الآخر.
وقد ذكرنا أن الطلاق يقع كما 3 تحقق الاسم.

وإذا قال: أنت طالق في أول آخر الشهر، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنها تطلق في أول ليلة السادس عشر، فإنا أوضحنا أن النصف الأخير ينطلق عليه اسم الآخر، والجزء الأول من النصف الثاني أول الآخر، وهذا بناء على ما ذكرناه من أنه إذا قال: أنت طالق في آخر الشهر، يقع الطلاق في الجزء الأول من ليلة السادس عشر، وأولُ الاَخِر والآخرُ بمثابة، فإن الآخر، وإن كان مطلقاً، فنحن نكتفي بأوله.
هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني - أن الطلاق يقع كما 1 طلع الفجر من اليوم الأخير من الشهر، وهذا بناء على قولنا: إذا قال لامرأته: أنت طالق آخر الشهر تطلق مع الجزء الأخير، فإذا ضَمَّ إلى الآخر أوّلاً مضافاً إليه، وقال: أنت طالق في أول آخر الشهر، طلبنا أقرب أولٍ إلى الآخر، فوجدناه اليوم الأخير.
والمسألة محتملة حسنة.
9042 - ولو قال: أنت طالق في آخر أول الشهر، ففي المسألة أوجه ذكرها العراقيون وغيرهم: أحدها - أنها تطلّق مع آخر جزء من الليلة الأولى من الشهر؛ فإن هذا أقرب زمان يضاف فيه الآخر إلى الأول.
والوجه الثاني - أن الطلاق يقع مع آخر جزء من اليوم الأول، فنعتبر الليلة واليوم في الأولية، ثم نأخذ آخر هذا الزمان.
والوجه الثالث - أنا نحكم بوقوع الطلاق مع آخر جزء من اليوم الخامس عشر، فإن النصف الأول يعدّ أول الشهر، وآخر هذا الأول ما ذكرناه.
9043 - ولو قال وهو في بياض نهار: إذا مضى اليوم فأنت طالق، طلقت بغروب شمس ذلك اليوم، وإن لم يبق من اليوم إلا لحظة، لأنه عَرَّف اليوم، فاقتضى التعريف ما ذكرناه.
ولو قال والحالة هذه: إذا مضى يومٌ، فأنت طالق، فلا يقع الطلاق حتى ينتهي في الغد إلى الوقت الذي عقد اليمين فيه، لأنه نكّر اليوم، فالاسم المنكر

يقتضي مسمّى كاملاً، وسبيلُ [التكميل] 1 ما ذكرناه.
ولو قال بالليل: إذا مضى يومٌ، فأنت طالق، فيقع الطلاق بغروب شمس الغد.
ثم لا يخفى أن الطلاق يقع مع الغروب، وهو أول جزء من الليلة المستقبلة، فلا يقع الطلاق مع آخر جزء من النهار؛ فإن الطلاق معلق بمضي النهار.
9044 - ولو قال: أنت طالق في سَلْخ شهر رمضان، ففي ذلك أوجه: قال العراقيون: يقع الطلاق مع آخر جزء من الشهر؛ إذ به الانسلاخ.
وقال قائلون: يقع الطلاق كما 2 يطلع الفجر من اليوم الأخير، وهذا ما ذكره القاضي.
ويحتمل أن يقال: يقع الطلاق مع أول جزء من اليوم الذي يبقى معه ثلاثة أيام إلى آخر الشهر؛ فإن السلخ يطلق على الثلاثة من آخر الشهر، كما أن الغُرة تطلق على الثلاثة من أول الشهر.
وذكر صاحب التقريب وجهاً آخر - أنه إذا مضى من الشهر جزء، وقع الطلاق؛ فإن هذا أول الانسلاخ.
وهذا على نهاية السقوط وليس مما يعتدّ به.
ولو قال: أنت طالق عند انسلاخ شهر رمضان، لم يتجه فيه إلا القطع بأنه يقع مع آخر جزء من الشهر، ووجهه لائح.
9045 - ووصل الأصحاب بهذا أنه إذا قال لامرأته: إذا رأيت الهلال، فأنت طالق، فإذا رأى الهلالَ غيرها، وهي لم تره، فالذي ذكره الأصحاب أن الطلاق يقع؛ فإن الرؤية تُطلَق والمراد بها العلم، ولو قال: أردت بالرؤية العيان، فلا شك أن هذا مقبول باطناً، إن كان صادقاً بينه وبين الله تعالى، وهل يقبل ذلك ظاهراً؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يقبل؛ لأن الرؤية المطلقة إذا أضيفت إلى الأهلّة عُني بها في الظاهر وقوع الهلال وثبوته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" وأراد العلم به.

والوجه الثاني - أنه يُقبل؛ فإن إرادة العيان بالرؤية ليس من الأمور البعيدة.
ولو قال: إذا رأيت فلاناً، فأنت طالق وكان غائباً، فقدم، فلم تره، فالظاهر حمل ذلك على العيان، وذلك أنا قلنا ما قلنا في الهلال لجريان الاعتياد فيه، وللألفاظ مجاري مختلفة باختلاف المحالّ؛ فإن الذي لم ير الهلال قد يقول -إذا غاب عن بلده -: ورأينا الهلال في الليلة الفلانية، ولا يقول: رأيت فلاناً وما رآه، والسبب فيه أن رؤية الأشخاص فيها أغراض، وليس في رؤية الهلال غرض، [وينبغي] 1 للمحصل أن يعتقد أن مجاري العبارات التي يستعملها أرباب العقول لا تختلف إلا لأغراض مختلفة قد يظهر مُدركها، وقد يخفى.
وقال القفال: إذا ذكر الرؤية بالفارسية وأضافها إلى الهلال، فهي العيان، لا العلم، وهذا إنما قاله؛ من جهة أن الرؤية تطلق في العربية والمراد بها العلم، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان:45] وهذا الذي ذكره القفال فرقٌ متخيل بين اللغتين، لكن فيه خلل ناجع، وهو أنا لا ننكر أن المعنى الأظهر للرؤية العيانُ إذا لم يُعدَّ إلى مفعولين، فإذا قلت رأيت زيداً، كان ظاهره عاينت زيداً، وإذا عدّيته إلى مفعولين كان بمعنى الظن كقولك: رأيت زيداً عالماً، فإذا قال لامرأته: إذا رأيت الهلال، كان هذا على معنى العيان في اللغة، وإنما حملنا ظاهره على العلم للعُرف واكتفاء الناس فيه برؤية الغير، وهذا يتحقق في لغة العجم، فلا فرق إذاً بين اللغتين.
فصل قال: "ولو قال إذا مضت سنة، فأنت طالق، وقد مضى من الهلال خمسٌ ... الفصل" 2. 9046 - إذا قال لامرأته: إذا مضت السنة، فأنت طالق، انصرفت إلى السنة العربية المفتتحة بالمحرم، فإذا كان في بقيةٍ من السنة، فانقضت، وقع الطلاق وإن

كانت تلك البقية لحظة، كما ذكرناه في اليوم المعرّف.
ولو قال: إذا مضت سنة فأنت طالق، فلفظه يقتضي سنة كاملة؛ لما ذكرناه من أن الاسم المنكّر محمول على المسمى الكامل، والسنة الكاملة اثنا عشر شهراً بالأهلة، ولا معتبر بالشهور العجمية، وفي التواريخ شهور مختلفة يعرفها المقوّمون وفيها كبائس، ولا اعتبار بشيء منها في الآجال المطلقة في عقود الإسلام، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:189] ثم عمّ في عرف أهل الدين إطلاق السنة والأشهر على هذا المراد، فانضمّ إلى التعبد عمومُ العرف، فالسنة الكاملة اثنا عشر شهراً، فإن لم ينكسر الشهر الأول ومضت اثنا عشر شهراً بالأهلة، طُلِّقت، ولا يتصور ألا ينكسر الشهر الأول إلا بأن يعلق الطلاق على وجه يتأتى هذا الغرض فيه، وهو أن يقول: إذا مضت سنة من أول رمضان، فأنت طالق؛ فيتأتى اعتبار الأشهر بالأهلة.
9047 - فأما إذا أنشأ وقال: إذا مضت سنة فأنت طالق، فقد يعسر تصوير عدم انكسار الشهر الأول؛ فإن قوله يقع في شهرٍ، والتنبيهُ في هذا كافٍ.
فإذا انكسر الشهر الأول، فهذا الشهر المنكسر لا بد وأن يكمل ثلاثين يوماً، سواء خرج ذلك الشهر ناقصاً، أو كاملاً.
ثم قال الأئمة رضي الله عنهم: نعدّ بعد مضي [كسر هذا] 1 الشهر الأول أحدَ عشرَ شهراً بالأهلة، ثم نكمل ذلك الشهرَ الذي انكسر من الشهر الثالث عشر، حتى إذا كان مضى من الشهر الذي انكسر خمسٌ، ثم عددنا بعد هذا الشهر المنكسر أحد عشر بالأهلة من بين ناقص وكامل، فننظر الآن في حساب الشهر الأول المنكسر، فإن كان كمل ذلك الشهر ثلاثين، فقد مضى خمسة وعشرون، فنحسب من هذا الشهر خمسة أيام، فإن كان ذلك الشهر ناقصاً، فنحسب من ذلك الشهر أربعة وعشرين، ونحسب من الشهر الثالث عشر ستة أيام.

هذا معنى استكمال ذلك الشهر ثلاثين يوماً.
وقال أبو حنيفة 1: مهما 2 انكسر السْهر الأول، انكسر سائر الشهور، فإذا وجب اعتبار التكميل في الشهر الأول، وجب اعتبار التكميل في كل شهر، وقد قال بهذا بعض أصحابنا.
ووجهه أنه إذا انكسر الشهر الأول، فالوجه أن يكمل من الذي يليه؛ فإنّ السنة لا تنقطع أيامها، فيستحيل أن نحتسب منها شهوراً والشهر الأول معلق، لم يمض بعد، فإذا كان يجب أن يكمل الشهر الأول، فينكسر الثاني بالأول، ثم ينكسر الثالث بالثاني وهكذا إلى نجاز السنة، وهذا المذهب مطرود في العِدد والآجال الشرعية والأيْمان، وهو على ما فيه من الإخالة بعيدٌ؛ فإن اعتبار الأهلّة أصل غير منكر، وخروج اعتبار الأهلة في أحد عشر [شهراً] 3 محال، وإذا كان كذلك، فلا وجه إلا ما ذكرناه أولاً.
فصل قال: "ولو قال لها: أنت طالق الشهرَ الماضي ... إلى آخره" 4. 9048 - مضمون الفصل الكلام فيه إذا قال لامرأته: أنت طالق الشهر الماضي، والكلام في ذلك يقع على وجوه: أحدها - أن يُطلِق هذا اللفظَ، ولا يتعرض لقصد ونيةٍ، فالحكم أنه يقع الطلاق في الحال، ويلغو قوله الشهر الماضي.
وسبب [ذلك] 5 أن قوله: "أنت طالق" صريح في التنجيز، وقوله: "الشهر الماضي" لفظ ملتبسٌ متردّد بين جهات، كما سنذكرها، فإذا لم يقصد بلفظه شيئاً، سقط أثر المجمل منه، وعمل اللفظ المستقل.
ولو أطلق اللفظ، فلم نتمكن من مراجعته، حتى مات أو جنّ، فيحكم بالوقوع في الحال؛ بناء على ما ذكرناه من استقلال اللفظ باقتضاء التنجيز.

9049 - ولو قال: أردت بقولي: "أنت طالق الشهر الماضي" أن يقع في الحال الطلاق، ولكن يترادّ إلى الشهر الماضي، ويستند إليه، ويتنجز في الحال وينعكس إلى ما مضى، فهذا الذي قاله كلام لا أثر له، والطلاق يتنجز في الحال، ولا ينعكس على ما تقدم؛ فإن التصرف في الزمان الماضي بأمرٍ ينشأ في الحال مستحيل، وقضايا 1 الألفاظ لا تتقدم عليها قط.
وحكى بعض الأئمة عن الربيع أنه قال: لا يقع الطلاق؛ فإنه قصد طلاقاً [يعتمد] 2 الانعكاس، وفي لفظه إشعارٌ به، والطلاق على هذا الوجه مستحيل، والمستحيل لا يقع، وقال الأئمة: هذا من تصرف الربيع وتخريجه، وتصرّفُه إذا لم يوافق قاعدة المذهب مردود، والمقبول منه منقولُه لا مقوله، واستدل الربيع على ما قال بان قال: إذا علّق الرجل الطلاق بمستحيل، لم يقع، مثل أن يقول: لامرأته إن طرْتِ أو صعدتِ السماء، فأنت طالق، فلا يقع الطلاق.
ومن أصحابنا من قال في مناكرة الربيع: إن قال: "إن طرتِ، فأنت طالق"، يقع الطلاق، وفي الوصف والتعليق تصرفٌ للأصحاب نذكره، ثم نوضح الصحيح فيه.
قالوا: إذا وصف الطلاق بصفة مستحيلة لا يُنظم في الجدّ مثلُها، لغت الصفة ويقع الطلاق، مثل أن يقول: "أنت طالق طلاقاً لا يقع عليك"، فقد وصف الطلاق بصفة مستحيلة، وهذه الصفة لا يتخيلها ذو عقلٍ وتحصيل، فقيل: الطلاق نافذ وحظّ الهزل منه مردود، وهو بمثابة ما لو قال: "أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً" فالثلاث واقعة والاستثناء المستغرق مردود، وإن وصف المطلِّق الطلاقَ بصفة مستحيلة حكماً، ولكن لا يبعد أن يتخيلها متخيل، وذلك كقول القائل: أنت طالق الشهر الماضي، فإذا أراد طلاقاً شابَه الانتجازُ في الحال، والانعكاس على ما مضى، فالطلاق واقع، والصفة باطلة؛ بناء على حكم الشرع، بإبطال تلك الصفة.
وقال الربيع: لا يقع الطلاق؛ فإن الذي أوقعه من الطلاق لا يتصور وقوعه على النعت الذي ذكره، وهو لم يوقع غيره.

وهذا مردود عليه؛ فإن اللفظ صريح في اقتضاء التنجيز، وهو لم ينف التنجيز في الحال، ولكنه ذكر وراء التنجيز أمراً محالاً، فوجب الحكم بالتنجيز أخذاً باللفظ والقصد، ووجب إلغاء الانعكاس؛ فإنه مستحيل، ثم الربيع جعل الوصف كالشرط، وقال: إذا ذكر الانعكاس، فكأنه قال: "إن انعكس الطلاق على الزمان الماضي، فأنت طالق الآن".
وهذا كلام مستكره متكلَّف.
9050 - ثم نعود بعده إلى تعليق الطلاق بالمستحيلات: فإذا قال: "إن صعدت السماء، أو إن طرتِ، أو إن أحييت ميتاً، فأنت طالق" فحاصل ما ذكره الأصحاب في هذه الفنون ثلاثة أوجه: أحدها - أن الطلاق يقع بقوله: أنت طالق ويلغو التعليق المحال؛ فإن التعليق إنما يثبت إذا أمكن، وجرى شرطاً يرتقب حصوله لتعلق المشروط به، فإذا لم يكن كذلك، كان خارجاً عن حقيقة التعليق، ويلزم إبطاله لخروجه عن وضعه، وإذا بطل، بقي التطليق من غير تعليق.
والوجه الثاني - وهو الذي قطع به معظم الأئمة أن الطلاق لا يقع؛ فإنه لم ينجزه فيتنجز، بل علقه، ثم إن كان التعليق في ممكن، فالوجه أن ينتظر [و] 1 إذا كان التعليق في غير ممكن، فغرض الزوج أن يمتنع وقوع الطلاق حسب امتناع الصفة التي [ذكرها] 2. والوجه الثالث - أنه إذا قال: إن [طرتِ] 3 أو صعدت، لم يقع الطلاق، لأن الربّ تعالى موصوف بالاقتدار على إقدارها على الطيران، والترقي في السماء، فهو من الممكنات والمقدورات، فإذا قال: "إن أحييت ميتاً"، يقع الطلاق؛ لأن هذا من المستحيلات؛ لأن إحياء الموتى لا يتصف بالاقتدار عليها إلا الإله الأزليّ، فيتحقق التحاق هذا بالمستحيلات، فلا يبعد إلغاء التعليق فيه، هذا ما ذكره الأصحاب.

9051 - والوجه عندنا القطعُ بمخالفة الربيع في الصفة، والقطع بأن التعليق في المستحيل وغير المستحيل يمنع انتجاز الطلاق؛ فإنا لو نجّزناه، لأوقعنا طلاقاً لم يوقعه، وليس يخرج على الانتظام تعليق الطلاق بما لا يكون على قصد أن الطلاق لا يقع، كما أن الصفة المذكورة لا تكون، وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:40] فاقتضى ظاهر الخطاب من جهة الصيغة تعليقَ خروج الكفار من النار على أن يلج الجمل على هيئته في سم الخياط على ضيقه، وهذا مستحيل، والمقصود أنهم لا يخرجون أبداً، كذلك القول في تعليق الطلاق بالمحال.
9052 - ولو قال: أردت بقولي: "أنت طالق الشهرَ الماضي" أن الطلاق يصادف في وقوعه الشهرَ الماضي، [وإن] 1 كان لفظ الإيقاع حاصلاً الآن.
وهذا يتميز عن الصورة المتقدمة بشيءٍ، وهو أنه في الصورة المتقدمة قصد التنجيز في الحال مع العكس على ما مضى، فكان المذهب الحكم بالتنجيز، وإبطال قصد العكس، وهو في هذه الصورة يبغي ألا ينجّز في الحال طلاقاً، وإنما يعكسه على ما مضى ويقدّر وقوعه فيما سبق، ثم هو يسترسل على الزمان استرسال الطلاق، فإذا أراد ذلك، فلفظه غير بعيد عن الإشعار بهذا.
وقد يتخيل بعض الناس إمكان ذلك، فيخرج ما أبداه عن الهزل الذي لا يخفى مُدركه، ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - أن الطلاق لا يقع؛ لأنه لم يقصد تنجيزه، وقصْدُ الإيقاع على ما رَامَ غيرُ ممكن.
والوجه الثاني - أن الطلاق يقع؛ فإنه ليس يُنكَر انبساط الطلاق على الزمان الذي أنشأ اللفظ فيه، فهذا الزمان من مضمّنات قصده في الطلاق، فلينتجز في الوقت وليلغُ ما يزيد على ذلك.
والشافعي ذكر في هذه الصورة لفظةً محتملة مترددة، فقال: "إيقاع الطلاق الآن في شهرٍ مضى محال" 2 فمن أصحابنا من قال: لا يقع؛ لأنّ الشافعي أحاله، والمحال لا يقع، ومنهم من قال: يقع؛ لأنه نجَّز الطلاق، والإحالة في الصفة مُخْرَجة من البَيْن، فيجعل كأنه أطلق، ولم يصفه.

وكان شيخنا يقول: إذا قال: أردت إيقاع الطلاق في الحال ووقوعه في الشهر الماضي، فيقع في الحال، ولو قال: أردت إسنادَ الإيقاع والوقوعَ إلى الشهر الماضي، ففيه وجهان مشهوران، وفي لفظه تعقيد.
والأولى في التفصيل ما ذكرناه، فإن أراد الإيقاع في الحال على شرط الانعكاس، فهذه صورة الرّبيع، وإن أراد أن يسند 1 وقوع الطلاق بإيقاعه ولفظه المسموع منه في الحال، فهذه صورة الوجهين، فأما إسناد الإيقاع والوقوع إلى ما مضى، فكلامٌ مضطرب، وقصد شيخنا ما ذكرناه، وإنما التعقيد راجع إلى العبارة.
9053 - ومن تمام الكلام في المسألة أنه إذا قال: أردت بقولي: "أنتِ طالق الشهرَ الماضي" أنك قد طلقك زوج في الشهر الماضي، فأردت الإخبار عنه، قال الأصحاب: إن أقام بينة أن زوجاً طلقها في الشهر الماضي، قُبل منه ما يدعيه في معنى لفظه، ثمّ وإن اتهم مع ذلك، حُلِّف، وإن لم يمكنه أن يُثبت أن زوجاً طلقها في الشهر الماضي، فلا يقبل ذلك منه، ويحكم بانتجاز الطلاق.
هكذا قال الأصحاب.
وفي القلب من هذا شيء؛ فإن اللفظ إذا كان محتملاً، وهو صاحب اللفظ والإرادة، فإذا فسر لفظَه بممكنٍ، فلا يبعد أن يقبل تفسيره، ثم يكذَّب في إخباره، وإذا كنا نجعل المسألة على وجهين فيه إذا فسر لفظه بمحال، وهو إسناد [الوقوع] 2 إلى ما مضى، حتى نقول في وجهٍ: لا يقع الطلاق، فلا يبعد أن ينزل لفظه إذا فسره بالإقرار منزلة ما لو ابتدأ، فقال: قد طلّقكِ في الشهر الماضي زوجٌ غيري، وهذا لا يوجب وقوع الطلاق منه، وإن كان كاذباً؛ فإذاً هذا متجهٌ على ما ذكرناه، ولو كان قوله لا يحتمل الإقرار، لَما جاز الحملُ عليه، وإن أمكنه أن يثبت بالبينة طلاقاً من زوج.
ولو قال: أردت بقولي: "أنت طالق الشهر الماضي" أني طلقتك في نكاحٍ في الشهر الماضي، ثم جددت عليك [نكاحاً] 3 بعد البينونة، فهذا بمثابة ما لو فسر

لفظه بطلاق صدر من زوجٍ غيره، والتفصيل فيه ما مضى.
9054 - ولو قال الزوج: أردت بهذا أني طلقتك في الشهر الماضي طلقة رجعية، وأنتِ الآن في عدّة الرّجعة، فالذي ذكره المحققون أن هذا مقبول منه؛ فإن لفظه محتمل، وهو متضمنٌ ثبوتَ الطلاق في هذا النكاحِ إقراراً به، وإذا تردد لفظه بين الإقرار وبين الإنشاء والنكاحُ متّحد، فالوجه تصديقه من غير أن يُحْوَج إلى بيّنة، وغاية الأمر أن يُحَلَّف.
ونقل بعض النقلة عن القاضي أنه قال: إن صدّقته المرأة، قُبل ذلك منه، وحُمل قوله على الإقرار بالطلاق، وإن كذبته، فالقول قولها؛ لأن الظاهر منه إيقاع الطلاق في الحال، فنحكم إذاً بوقوع طلاقين: أحدهما - إنشاء، والآخر - إقرار منه، وهذا كلام مضطرب، لا يجوز نسبةُ مثله إلى القاضي؛ فإنا إن قلنا: لا نقبل تفسيره بالإقرار، فقد يكون لهذا وجه؛ فإن صيغة الإيقاع أغلب، والدليل عليه أنه لو قال: "أنت طالق"، فهذا في ظاهره صفة، فلو قال: أردتُ أني طلقتك؛ فأنت الآن بحكم التطليق الماضي طالق، فهذا غير بعيد عن صيغة اللفظ، ولكنّه لا يقبل.
فلو قال قائل: لا يقبل حَمْلُ قوله: أنت طالقٌ الشهرَ الماضي على الإقرار أصلاً، لكان كلاماً، ويلزم منه ألا يُقبل إقرارُه إذا فسره بتطليق زوج غيره أو بتطليقه في نكاح آخر، وإن أقام بينة عليه؛ فإذ قُبل ذلك على الشرائط المقدّمة وقال هذا الناقل في هذه المسألة: لو صدَّقَتْه قُبل، ولا أثر لتصديقها؛ فإن الطلاق يتعلق بحق الله، فلو قال لامرأته: أنت طالق، وزعم أنه أراد طلاقها عن وِثاق، لم يقبل منه ظاهراً، ولو صدَّقته المرأة، فلا تعويل على تصديقها، فلا وجه لهذا التفصيل.
وينبغي أن يقال: تفسير الرجل قولَه بالإقرار، ويُحَلّف، ويُفْصل بين هذه الصورة وبين ما إذا حُمل لفظه على الطلاق من [غيره] 1، أو منه في نكاح آخر؛ لأن هذا إنكار منه للطلاق في هذا النكاح، فإن لم يُقْبل حَمْلُه اللفظَ على الإقرار، وجب ألا

يؤثر تصديقُها، ووجب ألا يقبل [حمل كلامه على طلاق غيره] 1، وعلى طلاقه في نكاح آخر.
9055 - فإن قيل: "لو قال الزوج: إذا مات فلان، فأنت طالق قبله بشهرٍ، فمات قبل مُضيّ الشهر"، فالطلاق لا يقع في هذه الصورة، فهلا غلبتم الإيقاع في ظاهر الحال، كما لو قال: أنت طالق الشهرَ الماضي؟ قلنا: علق الطلاق بما لا يستحيل أن يُتصور: أن يبقى ذلك الشخص أشهراً، وهو الظاهر الذي عليه بناء الأمر، فإن اتفق استئخار موته، وقع الطلاق قبل موته بشهرٍ، وإن مات قبل مضيّ الشهر، فلفظه صريح في ترتيب الطلاق على هذا النسق، فإذا جرّ محالاً، لم نوقع الطلاق، وهذا قد يقوّي مذهب الربيع في الحكم بأن الطلاق لا يقع، إذا أراد إيقاع طلاقٍ في الحال على أن ينبسط منعكساً على ما مضى.
9056 - ولو قال لامرأته: أنت طالق غَدَ أمس، أو أمس غدٍ: على الإضافة في الموضعين، فيقع الطلاق في اليوم؛ فإن اليوم غدُ أمسٍ، وأمسُ غدٍ.
ولو قال: أنت طالق غداً أمسِ من غير إضافةٍ، وقع الطلاق غداً، ولغا ذكر أمسِ، وكذلك لو قال: أنت طالق أمسِ غداً، لغا ذكر أمس، وطلقت غداً.
وهذا فيه نظر عندنا؛ فإنه إذا قال: أنت طالقٌ أمس، فهذا بمثابة قوله: أنت طالق الشهرَ الماضي، فلو أطلق هذا اللفظ، لانتجز الطلاق في الحال، فذكرُه غداً مع ذكره أمس لا يغيّر هذا المعنى، ولا يؤخر الطلاق [في] 2 الحال.
وهذا بيّن إذا تأملته.
9057 - وممّا نذكره متصلاً بهذا الفصل أنه إذا قال: إذا قدم فلان، فأنت طالق قبله بشهر، فقدم قبل مضي الشهر، لم يقع الطلاق؛ فإنا لو قضينا بوقوعه، لقدمناه على القدوم بشهر، ثم هذا يتضمن أن يتقدم وقوع الطلاق على لفظ المعلِّق وهذا محال.

وكذلك إذا قال: إن ضربتك، فأنت طالق قبله بشهر، فإذا ضربها قبل مضي شهرٍ، لم يقع الطلاق.
وإذا علق بالقدوم والضرب على ما صوّرنا، فقَدِم الشخص المذكور بعد شهرٍ، ووقع الضرب بعد شهرٍ، قضينا بوقوع الطلاق متقدماً على القدوم والضّرب بشهر، على نحو ما ذكره المعلّق.
وقال أبو حنيفة 1: إذا ذكر القدومَ أو غيرَه، ثم أسند الطلاق إلى شهر قبل الصفة المذكورة، فلا حكم للزمان المذكور، والطلاق يقع عند القدوم والضّرب، سواء تخلل شهر أو لم يتخلل، ووافق أنه إذا قال: إذا مَات فلان، فأنت طالق قبله بشهرٍ، فمات بعد شهرٍ.
أن الطلاق يقع مستنداً 2، ولو قال: إن ضربتك، فأنت طالق قبل ضربي بشهر، ثم ضربها قبل شهر، فقد ذكر أن الطلاق لا يقع، ثم تنحلّ اليمين، بهذا الضرب حتى لو ضرب بعد ذلك بشهرٍ أو أشهر، لم يقع الطلاق أيضاً؛ فإن اليمين انحلت بالضرب الأوّل، ولم يمكن وقوع الطلاق 3. ولو قال قائل: الضرب المعقود عليه هو ضرب يتصور أن يقع الطلاق قبله بشهر، فموجب هذا ألا تنحل اليمين بالضرب الأول، لما كان هذا بعيداً؛ تخريجاً على أن صفة اليمين إذا وجدت في حالة البينونة لا تنحل اليمين، قد ذكرنا هذا في أول الخلع محكيّاً عن الإصطخري، وسنعود إلى هذه الأجناس في فروع الطلاق، إن شاء الله تعالى.
فصل قال: "ولو قال لها: أنت طالق إذا طلقتك ... إلى آخره" 4. 9058 - هذا من أصول الكتاب، وهو كثير التدوار في المسائل، ومضمونه الكلامُ في (إن)، و (إذا)، و (متى)، و [متى ما] 5 إذا اتصلت بالإثبات، أو اتصلت

بالنفي، وفيه بيان تعليق الطلاق على التطليق، وعلى وقوع الطلاق، والفرق بين الممسوسة وغير الممسوسة.
فإذا قال لامرأته: "إن طلقتك، فأنت طالق" أوقال: "إذا طلقتك، فأنت طالق، أو متى طلقتك، أو [متى ما] 1 طلقتك"، فإن كانت مدخولاً بها فطلقها، طلقت بالتنجيز، وطلقت بالتعليق، فتلحقها طلقتان.
ثم هذه الألفاظ لا تقتضي فوراً، فمهما 2 طلقها، لحقها [طلاقان] 3: [طلاقٌ] 4 بحكم التعليق الماضي، وانتجز ما نجزه.
ولو قال: (إن) طلقتك أو (إذا) أو (متى)، أو (متى ما) طلقتك، فأنت طالق.
[فهذه] 5 الألفاظ لا تقتضي قط بداراً، وكذلك إذا أضيفت إلى دخول الدار وغيرها من الصفات.
وإن أضيفت إلى ما يقتضي عوضاً [، فإن] 6 و (إذا) يحملان على الفور، فإذا قال: (إن) أعطيتني ألفاً [أو إذا] 7 أعطيتني ألفاً، فهذا يقتضي الفور، كما قدّمناه في أصول الخلع.
فأما (متى) و (متى ما) و (مهما)، فإنها لا تقتضي الفور، وإن قرنت بطلب العوض.
هذا أصل المذهب، وقد مهدناه في الخلع.
والفقهُ المتبع في هذه الأبواب أنّ (متى)، و (متى ما) 8، و (مهما) بمثابة

قولك أيّ وقتٍ، وهذا تنصيص على إدخال الأزمنة كلها، فإذا قرنت بالعوض، فالنص لا يحال 1، والخلع يقبل التأخير والتعجيل.
وأما (إن) و (إذا)، فليسا ناصَّين على الأوقات وإدخالِ جميعِها تنصيصاً، [فإذا] (2) اقترن بهما قصد التعويض، انتصب التعويض قرينةً في تخصيص (إن) و (إذا) بالزمان المتصل، هذا إذا كان في الكلام قصد تعويض.
فإن لم يجر ذكر العوض، (فإنْ) و (إذا) بمثابة (متى) و (متى ما) في التأخير، فإذا قال: إن دخلتِ الدار، فأنت طالق، لم يقتض ذلك فوراً في الدخول، وكذلك إذا قال: (إذا) دخلتِ الدار و (مهما) 2 بمثابة ما لو قال: (متى) أو (متى ما) دخلتِ الدارَ فأنت طالق. والمشيئة في الصفات مستثناة، فإذا قال: أنت طالق إن شئت، اقتضى ذلك فوراً، بخلاف قوله: إن دخلت، وإن كلمت زيداً، وما جرى هذا المجرى، والسبب فيه أن تفويض الطلاق إلى المشيئة يتضمن تمليكها نفسها، والتمليك يقتضي قبولاً أو ما في معنى القبول متصلاً بالتمليك، وسنذكر مسائل المشيئة، إن شاء الله عز وجل. فانتظم من مجموع ما ذكرناه أنّ (إن) و (إذا) محمولان على الفور عند ذكر العوض، و (متى) و (متى ما) يجريان على التأخير، و (إن) و (ومتى) و (متى ما) في الصفات كلها على التأخير إلا في المشيئة.3
= المقصورة (ياءً)، ثم جاء الخطأ في وضع النقط فقدم التحتية، وأخر الفوقية، وكأنه كان يريدها هكذا (متيما).

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل