نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 45-84
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطلاق

صفحات 45-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الحمل، ولو أتت بولد لأكثر من أربع سنين، فكما 1 مضت أربع سنين تبيّنا حيالها 2 حالة التعليق، فلا يقع الطلاق.
وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر، وأقلَّ من أربع سنين، فإن لم 3 يطأها بعد عقد اليمين، وقع الطلاق، لأنا وإن كنا نجوّز أن يكون علوقها بعد العقد، فالأمر محمول على أن العلوق من الزوج والوطء [المتقدّم] 4 على اليمين، وإذا كان كذلك، فيقدر الحمل موجوداً حالة التعليق، ونقضي بوقوع الطلاق.
وذكر الأئمة قولاً آخر: أن الطلاق لا يقع، لجواز أن يكون العلوق بعد اليمين، والأصل بقاء النكاح، وهذا القائل يقول: لا نحكم بوقوع الطلاق ما لم [نتيقن] 5 وجود الحمل حالة اليمين.
وإذا كان 6 الزوج يطؤها بعد اليمين، وأمكن إحالة العلوق على الوطء المتجدد بعد اليمين، فلا خلاف أنا لا نحكم بوقوع الطلاق، ولو وطئها بعد اليمين فأتت بولد لأقل من ستة أشهر من ذلك الوطء الجاري بعد اليمين، فلا أثر لذلك الوطء، فإن إمكان العلوق لا يسند إليه 7. فتحصل من مجموع ما ذكرناه أنه إذا جرى بعد اليمين وطء يمكن إحالة العلوق = وقت اليمين (وقد سبق لنا أن شرحنا معنى التبين والاستناد).

عليه 1، لم يقع الطلاق، وإن استيقنا وجود الولد حالة التعليق، بأن أتت به لدون ستة أشهر، حكمنا بوقوع الطلاق، وإن لم يجر وطء بعد اليمين، أو جرى وطء لا يمكن إحالة العلوق عليه، ولكن كان يمكن إحالة العلوق على وطء من غير الزوج، فالشرع في إلحاق النسب يقدر استناد العلوق إلى الوطء المتقدم على اليمين 2 غير أن سبيل الاحتمال غير منحسم بأن يفرض العلوق بعد اليمين من غير الزوج، فظاهر المذهب الحكم بوقوع الطلاق.
وفي المسألة قول آخر [أنّا لا] 3 نحكم بالوقوع للتردد الثابت والأصل بقاء النكاح.
8961 - ثم إذا قال لها: إن كنت حاملاً، فأنت طالق، فإلى أن نتبين 4 من العواقب ما ذكرناه، هل يحل للزوج وطؤها أم كيف الطريق؟ قال الأصحاب: لا يطؤها حتى يستبرئها، فإنه ذكر لفظة الطلاق، ووقوعه غير بعيد، وأمر الأبضاع على التشديد.
ونقل العراقيون قولاً [آخر] 5 أن الوطء لا يحرم، بل يكره، فحصل قولان في تحريم الوطء: أحدهما - أنه محرم، لما قدمناه.
والثاني - أنه مكروه غير محظور، لأنا لم نستبن وقوعَ المحرم، ثم إذا حرمنا الوطء، وقلنا: يستبرئها، فلا يطؤها حتى تنقضي مدّة الاستبراء.
وبكم يستبرئها؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون، والقول في حرةٍ خوطبت بما ذكرناه.
فأحد الوجهين أنه يستبرئها [بثلاثة أقراء؛ فإن الاستبراء في حق الحرة لا ينقص عن ذلك.
والثاني أنه يستبرئها] 6 بقرء واحد، كما تستبرأ الأمة المملوكة؛ لأن هذا ليس بعدّة، واعتبار العَدد في الأقراء يتعلق بالعِدد، وإنما الغرض بهذا الاستبراء استظهارٌ

وتعلق بعلامة.
ثم قالوا: إن قلنا: يستبرئها بثلاثة أقراء، فهي أطهار [على] 1 ما سيأتي في العِدد، إن شاء الله تعالى.
وإن قلنا: يستبرئها بقرء واحد، فسبيله كسبيل استبراء المملوكة، ثم المذهب الصحيح أنه حيضة، وفيه وجه أنه طهر، وسيأتي ذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
ثم إذا مضى الاستبراء على ما ذكرناه، فيحل للزوج وطؤها.
ومما ذكره العراقيون أنه لو استبرأها أولاً -إما بقرء أو أقراء، وظهر عنده براءتها في ظاهر الحال- ثم قال: إن كنت حاملاً، فأنت طالق.
فهل يحل وطؤها بناءً على الاستبراء المتقدم؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يحل لحصول علامة براءة الرحم، وليست في اعتداد على التحقيق؛ حتى نعتبر فيه الترتيب، ونقضي بأن العدة إنما يعتد بها إذا ترتبت على الطلاق.
والوجه الثاني - أنه لا حكم للاستبراء المتقدم، كما لا حكم للعدة قبل الطلاق، والاستبراء قبل الشراء 2. 8962 - ومما يتعلق بذلك [أنا] 3 إذا أمرناه بالاستبراء، فمرّت بها صورة الأقراء، ثم أتت بولدٍ لزمانٍ يُعلم وجوده حالة اليمين، فنتبين بالأَخَرة أن الوطء صادف مطلَّقة، وأن [ما] 4 كنا نحكم به أمرٌ ظاهر، وقد بان أن الحكم بخلافه، ثم لا يخفى تفصيل القول في المهر، وتجدّد العدة، وغيرهما من الأحكام.
وإذا أمرناه بالاستبراء، فمضى شهر أو شهران وأكثر، فلم ير قرءاً وهي من أهل الأقراء؛ فإنه يجتنبها، فإن انقطاع الحيض عنها من مخايل الحمل، وهذا يؤكد التحريم، ثم الأمر يبين بوضعها الحمل وعدم وضعها، كما تقدم.
ولو كانت في سن الحيض، ووقت إمكان الحيض، فقال: إن كنت حاملاً، فأنت طالق، وما كانت حاضت من قبل، فالعدة في حق مثل هذه -لو طلقت- بالأشهر؛

فإذا اعتدت بالأشهر، نكحت، وجعلنا مضيّ الأشهر علامة على براءة الرحم؛ حتى يجوز لها أن تنكح، وإذ ذاك توطأ، ثم في الحكم بانقضاء العدة حكمٌ بانبتات النكاح، [فإن] 1 الرجعية زوجة ما دامت في العدة.
فخرج مما ذكرناه أن الأشهر في حق هذه في مسألتنا إذا لم تكن حاضت [قبلُ] 2 بمثابة الأقراء، فإذا مضت الأشهر، حلّ له وطؤها إلا أن تظهر بعد الأشهر علامة الحمل، فإذ ذاك يمتنع.
وذاتُ الأشهر إذا رأت علامة [الحمل] 3 بعد الاعتداد بالأشهر لم تنكح، وإذا استرابت، ففيها كلام 4، سيأتي في كتاب العدد، إن شاء الله تعالى.
هذا تمام البيان فيه إذا قال لها: إن كنت حاملاً فأنت طالق.
8963 - وقد يتعلق بهذا أنه لو قال للمتقاعدة الآيسة: إن كنت حاملاً، فأنت طالق، فهل يحل له الإقدام على وطئها؟ حق هذه المسألة أن تبنى على أن الاستبراء المتقدم هل يؤثر في إباحة الوطء أم لا؟ فإن جعلناه مؤثراً وقد تحقق اليأس، فالظاهر أنه يحل له وطؤها.
وإن لم نعتبر ما تقدم على عقد اليمين، فاستبراؤها بالأشهر محتملٌ.
وكل ذلك كلام في مسألة واحدة من المسألتين الموعودتين.
8964 - فأما المسألة الثانية، وهي أن يقول لها: إن كنت حائلاً، فأنت طالق، ومعناه إن لم تكوني حاملاً، فأنت طالق، فالطلاق معلق في هذه المسألة بعدم الحمل، وكان معلقاً في المسألة الأولى بوجود الحمل، فنقول أولاً: لو أتت بولد لأقل من ستة أشهر، فلا يقع الطلاق؛ لأنا تحققنا وجود الحمل عند عقد اليمين، والطلاق معلق على عدم الولد، وإن أتت بالولد لأكثر من أربع سنين، أو لم تأت بولدٍ

في أربع سنين ولا بعدها، نحكم بوقوع الطلاق، لعلمنا بأنها لم تكن حاملاً حالة عقد اليمين.
وإن أتت بولد لأكثر من ستة أشهر، ولأقلَّ من أربع سنين، واحتمل أن يكون الحمل موجوداً يوم الحلف، واحتمل ألا يكون، فإن لم يطأها الزوج بعد اليمين، فالأظهر أنها حبلت بما سبق من الوطء قبل اليمين، وأنها كانت حاملاً قبل 1 اليمين، ونحكم في هذه الصورة بأن الطلاق لا يقع وجهاً واحداً؛ إذا الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق، والظاهر استناد العلوق إلى ما تقدم، فاجتمع الظاهرُ والأصلُ في نفي الطلاق.
ولو حلف كما صورنا، ثم وطىء بعد اليمين، فأتت بولد لأكثرَ من ستة أشهر من وقت اليمين، نظر: فإن أتت به لأقلّ من ستة أشهر من وقت الوطء بعد اليمين، فلا أثر لذلك الوطء؛ فإن إمكان العلوق لا يستند إليه، فوجوده في غرضنا كعدمه.
وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت اليمين ومن وقت الوطء بعد اليمين، ففي وقوع الطلاق وجهان في هذه الصورة: أحدهما - يقع؛ لأن الظاهر [أنه محمول] 2 على الوطء بعد اليمين، وأنها كانت حائلاً قبله.
والوجه الثاني - أنه لا يقع؛ لجواز أن [تكون] 3 حاملاً وقت اليمين، وأن الزوج وطئها، وهي حامل، ولا يقع الطلاق بالشك، وإنما يقع باليقين، وقد يقع بالظاهر، وليس في الوطء المتجدد ما يظهر الحيال وعدم الحبل قبله وهذا ما اختاره صاحب التقريب، وهو لعمري مختار.
8965 - ثم نتكلم وراء هذا في حل الوطء وتحريمه، ووجوب الاستبراء، فإذا قال: إن لم تكوني حاملاً، فأنت طالق، فلم نتبين بعدُ حِيالَها وحَملَها، فهل يحرم الإقدام على وطئها قبل أن نتبين الأمرَ؟

قد ذكرنا تعليق الطلاق بالحمل قبلُ، وهذا تعليق الطلاق بعدم الحمل، وذكرنا فيه إذا علق الطلاق بالحمل قولين في تحريم الوطء، والأصل عدم الحمل، فإذا علق الطلاق بالحيال، فالتحريم أغلب هاهنا؛ من جهة أن الأصل عدم الحمل، والطلاق يقع بعدم الحمل.
8966 - والذي تحصّل من مسلك الأصحاب في المسألتين طريقان: أحدهما - أنه إذا قال: إن لم تكوني حاملاً، فأنت طالق، يحرم الوطء في الحال قولاً واحداً.
وإذا قال: إن كنت حاملاً، فأنت طالق؟ فهل يحرم الوطء في الحال؟ فعلى قولين.
والطريقة الأخرى عكس هذه، فإذا قال: إن كنت حاملاً فأنت طالق، فمن أصحابنا من قال: لا يحرم الوطء، بل نكرهه قولاً واحداً؛ فإن الأصل عدم الحمل.
وإذا قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، فهل يحرم الوطء أم يكره؟ فعلى قولين.
فإذا جمع الجامع الطريقين، فحاصل القول في المسألتين ثلاثة أقوال: أحدها - التحريم فيهما.
والثاني - الكراهية فيهما، مع رفع التحريم.
والثالث - أن الوطء يحرم إذا كان الطلاق معلقاً بعدم الحمل، ولا يحرم إذا كان معلقاً بالحمل.
ثم إذا بان الكلام في التحريم، وجرينا على أن الوطء يحرم فيه إذا قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، فإذا انكف عنها، فمضى بها قرء أو قرءان على انتظام الأقراء، ولم يظهر بها حمل، قال صاحب التقريب والقاضي: نحكم بوقوع الطلاق وتبيّنا حِيالَها حالة [عقد] 1 اليمين، ثم تكون الأقراء بعد عقد اليمين عدتَها، فلها أن تنكح.
وإذا جعلنا الاستبراء في هذه المحال بقرء واحد، حكمنا بوقوع الطلاق إذا مضى قرء، واحتسبنا هذا القرء من عدتها، وأمرناها باستقبال قرأين آخرين بَعْده، ويتم انقضاء العدة، فالذي ذكره المحققون أنا نحكم بوقوع الطلاق عند مضي ثلاثة أقراء تبيّناً وإسناداً

إلى وقت اليمين.
وإذا مضى قرء واحد، فهل نحكم بوقوع الطلاق؟ فعلى وجهين.
8967 - وفي هذا المقام وقفة على الناظر؛ فإنا إن ذكرنا تردّداً في المسألة الأولى: وهي إذا قال: "إن كنت حاملاً، فأنت طالق" - في أن وطأها هل يحل بقرء واحد، فسببه أن الأصل الحِل، ونحن نبغي علامةً على البراءة، فأما الحكم بوقوع الطلاق بقرء واحد، فبعيد، وليست النفس خالية عن التردد في الحكم بوقوع الطلاق بعد ثلاثة أقراء، فما الظن بالقرء الواحد؛ فإن الرجل إذا طلق امرأته، فأصل الطلاق البتُّ، [ولذلك] 1 حرمت الرجعية، فإن نحن أحللنا الرجعية بعد ثلاثة أقراء للأزواج، فسببه مضي علامات البراءة بعد الطلاق 2، وهاهنا الطلاق واقع بالعلامات عند الأصحاب.
ولكن هذا الذي ذكرناه توسّع في الكلام؛ فإن الذي رأيناه للأصحاب أنه إذا مضت ثلاثة أقراء، حكمنا بوقوع الطلاق؛ فإن الأقراء علامة على براءة الرحم، وعلى هذا بنينا انقطاعَ الرجعة [وبينونةَ] 3 الرجعية وحِلَّ نكاحها لغير المطلّق، وكان من الممكن أن نأمرها بالتربص إلى انقضاء أكثر مدة الحمل (4)، فإذا قضى الشرع بإحلالها بناء على علامة البراءة، فيقع القضاء بوقوع الطلاق بناء على علامة البراءة، وقد عَلَّق الطلاقَ على عروّ رحمها عن الولد، إذ قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، فإذا قامت علامة الاستبراء بقرء أو أقراء قَبْل اليمين، فهل نحكم بوقوع الطلاق كما 5 علقه بالحيال؟ فعلى وجهين قدمنا ذكرهما.
ومما يجب ترتيبه على ذلك أنه إذا قال لامرأته: إذا برىء رحمك فأنت طالق، يجب تخريج هذا على ما ذكرناه من مضي القرء والأقراء، ويجب القطع بأنه إذا مضت ثلاثة أقراء والزوج مجتنبها، فيقع الطلاق، وفي القرء الواحد الخلاف.
8968 - ولو قال: إن استيقنت براءة الرحم، لم نقض بوقوع الطلاق ما لم يمض4

أكثر مدة الحمل، ونعود إلى التنبيه مرة أخرى، ونقول: بنى الأصحاب وقوع الطلاق على حكم الشرع بأن الأقراء دالة على براءة الرحم، وذلك حكم مقتفىً، وتعبد متبع بعد وقوع الطلاق، وكنت أود لو طلبنا في تعليق الطلاق يقين الصفة؛ فإن الأيمان مبنية على معاني الألفاظ، ولا فرق بين أن يقول القائل: إن قدم زيد، فأنت طالق، [وبين أن يقول: إن استيقنت قدوم زيد، فأنت طالق] 1، فتحقيق القدوم مطلوب، وإذا قال: إذا استيقنت حيالك، فأنت طالق، فوقوع الطلاق بثلاثة أقراء محال، فإذا قال: إن كنت حائلاً، فأنت طالق، فالحكم بوقوع الطلاق من غير استيقان الحيال بعيد عن موجب الأيمان، وقضايا الألفاظ.
وقد وجدت لشيخنا 2 ما يدل على هذا، فلذلك عدت إليه، والعلم عند الله تعالى.
8969 - ومما يتعلق بتمام الكلام في ذلك أنه إذا قال لها: إن كنت حائلاً، فأنت طالق، ثم مرّ بها ثلاثة أشهر، ولم تر دماً، فإن كانت من ذوات الأقراء، لم نحكم بوقوع الطلاق؛ فإنا لا نحكم بأن عدتها تنقضي بالأشهر لو كانت مطلَّقة، ولو كانت على سن الحيض ولكن لم تحض، وقد قال: إن لم تكوني حاملاً، فأنت طالق، ومضت بها ثلاثة.
أشهر، فالأشهر في حق هذه عدةٌ بعد الطلاق، مسلِّطةٌ على التزويج، فإذا قال لها: إن لم تكوني حاملاً [أو كنت حائلاً] 3، فأنت طالق، فقياس قول الأصحاب وقوع الطلاق.
وهذا على نهاية البعد؛ فإن مضي الأشهر الثلاثة أو مضي شهرٍ واحدٍِ على طريقةٍ أخرى يُفضي إلى الحكم بوقوع الطلاق، مع أن الأصل بقاء النكاح، والطلاقُ لا يقع بالشك.
ثم قال الأصحاب: إذا حكمنا بوقوع الطلاق بعد مضي ثلاثة أقراء في ذوات الأقراء، فأتت بولد بعد ذلك لأقل من ستة أشهر [من وقت اليمين] 4، بان أن الطلاق الذي حكمنا بوقوعه لم يقع؛ فإنا استيقنا أنها حامل حالة عقد اليمين، والطلاق

معلّق بالحيال.
[وإذا] 1 أتت بالولد لأكثر من ستة أشهر، فإن لم يطأها بعد اليمين، قالوا نتبين أن الطلاق لم يقع أيضاً، وإن وطئها بعد اليمين وطأً يمكن إحالة العلوق عليه، ففي [نقض] 2 ما حكمنا به من الطلاق وجهان.
هذا كلام الأصحاب، وقد أتينا فيه بأكمل البيان، نقلاً وتنبيهاً على محالٌ الاحتمال.
والله المستعان.
فصل قال: "ولو قالت له: طلقني، فقال: كل امرأة لي طالق، طلقت امرأته التي سألته إلا أن يكون عزلها بنيته ... إلى آخره" 3. 8975 - صورة المسألة أن الزوجة جاءت إلى زوجها مشاجِرةً، وهي تزعم: أنك نكحت امرأة وهو يترضّاها ويأبى، ويزعم أنه لم ينكح، وهي مصرّة في خصامها، فقال: كل امرأة لي فهي طالق، وهو يبغي تصديق نفسه، فلو استثنى باللسان السائلة المشاجرة، وقال: كل امرأة لي غيرُك فهي طالق، فلا تطلق السائلة، وطُلِّقت سائرُ زوجاته سواها، وإن لم يستثنها باللسان، ولا عزلها بالقلب، فظاهر كلام الشافعي أن الطلاق لا يقع ظاهراً، فإنه قال: طلقت امرأته التي سألته إلا أن يكون عزلها بنيته.
فاختلف أصحابنا فذهب بعضهم إلى أن الطلاق يقع على السائلة؛ فإن قوله: كل امرأة لي، لفظٌ يعم السائلَة وغيرَها، فيجب إجراؤه على عمومه، فإذا زعم أنه خصصه، لم يقبل ذلك منه في الظاهر؛ فإنه خلاف الظاهر، وهذا القائل سلك مسلكين في نص الشافعي: أحدهما - أنه حمله على التديين والباطن، ولا يخفى على من أحاط بأصل التديين أنه إذا كان صادقاً في استثناء السائلة بنيته، لم يقع الطلاق عليها باطناً.
هذا مسلك.
وربما قال هذا القائل: النقل مختلٌّ، والخلل من المزني.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن الطلاق لا يقع على السائلة ظاهراً، والزوج مصدَّق،

وإذا اتهم حلّف، وقد مال القاضي إلى هذا، واحتج عليه بأن قرينة الحال تصدقه فيما يدّعيه، والكلام يظهر بقرينة الحال ظهورَه بقيود المقال، وسنذكر في ذلك أصلاً ممهداً في الفروع، ومن صوره أن الرجل إذا حلّ القيد عن زوجته، ثم قال: أنت طالق، وزعم أنه أراد تطليقها عن قيدها، وإنشاطها عن عقالها، وقد جرى ذلك ظاهراً، [فهل] 1 يصدَّق في حمل لفظ الطلاق على حل الوثاق والحالةُ هذه؟ فعلى اختلاف [بين] 2 الأصحاب، وهذا يجري مهما 3 اقترن باللفظ ما يُظهر قصد 4 التديين، وسيأتي ذلك مفصلاً، إن شاء الله عز وجل.
8971 - ثم ذكر القاضي كلاماً آخر بدعاً، فقال: "إذا قال: نسائي طوالق، وله أربع نسوة، ثم زعم أنه عزل واحدة منهن بقلبه، فهل نقبل ذلك منه في ظاهر الحكم؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يُقبل؛ لأن اللفظ العام قابل للتخصيص، وإذا وجدنا جريان ذلك في الكتاب والسنة، لم نُبعِد قبولَه ظاهراً، ويُصدَّق الزوج فيه".
وهذا غريب، لم أره لغيره، ويلزم على مقتضاه أنه إذا قال: عبيدي أحرار، ثم

زعم أنه لم يرد بالعبيد إلا ثلاثة منهم واستثنى الباقين، فيجب خروج تصديقه ظاهراً على هذا الخلاف، ولم يفرض هذه المسألة في قرينةِ حالٍ؛ حتى يستمر تخريجها على رفع القيد مقترناً بقوله: أنت طالق عن وثاق، ثم قال القاضي لو قال: نسائي طوالق، وزعم أنه عزل ثلاثاًً وبقّى واحدة، فلا يقبل ذلك منه؛ فإن الواحدة لا ينطلق عليها لفظ النساء، ولا توصف بالطوالق، ولم يذكر التفصيل فيه إذا زعم أنه استثنى ثنتين وأراد بالطلاق ثنتين.
[ولعلّنا] 1 نذكر هذا الجنس في مسائل الاستثناء.
وبالجملة قبول الخصوص مع صدور اللفظ عاماً من الزوج في هذا 2 الحكم غلطٌ عندنا صريح، وإنما صار إلى هذا من صار؛ من ظنه أن تخصيص العموم سائغ مطلقاً، وليس كذلك؛ فمن قال: نسائي لم يحمل هذا إلا على جميعهن، ولا يجوز تقدير التخصيص في هذا المقام، ومن أحاط بمسالك كلامنا في الأصول، لم يخف عليه دَرْكُ هذا، ولا مطمع في دركه 3 هاهنا.
ثم [من] 4 أخذ من ظاهر كلام الأصوليين أن العموم يخصص، وجب معه مطالبة المخَصِّص بالدليل، فكان يجب أن يحمل هذا على طلب قرينة مُصدِّقة.
فهذا منتهى القول في الفصل.
8972 - وقد ضَرِي أئمةُ المذهب بحكاية شيء عن بعض المعتبرين في هذه المسألة 5: قيل: إن رجلاً من أئمة المذهب ب (طَبَسَ) 6 كان يستقرىء 7 إلا أن

يكون عزلها (بثُنْيته)، والثُّنية هي الاستثناء، وكان يرى أن السائلة تُطلّق إلا أن تُستثنى لفظاً.
وهذا الذي ذكره كلام منعكس عليه؛ فإنه نسب الأصحاب إلى التصحيف، والتصحيف مع اعتدال الحروف قد يقع سيّما إدْا قرب المعنى، فأما الغلط في الهجاء فممّا يوبّخ به صبيان المكاتب، وقول القائل: (بثنيته) خمسة أحرف سوى الضمير، وقوله بنيّته أربعة أحرف، فلا حاصل لما [جاء] 1 به، وليس كلُّ ما يهجِس في النفس يُذكر.
8973 - وقد جرى في هذا الفصل ما ينتظم أصلاً، وشرطنا أن نذكر في كل فصل ما يليق به، ثم نذكر -إن شاء الله عز وجل- في آخر الكتاب فصلاً ضابطاً، يقع جمعاً للجوامع وربطاً للأصول اللفظية.
فمما انتظم في هذه المسألة أن تخصيص العموم إذا جرى في الضمير، امتنع معه وقوع الطلاق باطناً، وهل يقبل ذلك ظاهراً إذا اقترن باللفظ قرينة كسؤال السائلة في لفظ الكتاب 2، ففيه التردد الذي ذكرناه للأصحاب، وإن لم تكن قرينة، فادّعى اللافظ باللفظ العام التخصيص، فقد ذكر القاضي في قبول ذلك وجهين، وأسلوب كلامه أن الطلاق صريح في حكم النص، فلا يقبل في الظاهر ما يخالفه، والعام ظاهرٌ في وضع الشرع ليس بنص، فهل يُقبل من اللافظ به تخصيصُه؟ فعلى التردد الذي ذكرناه.
وإذا أطلق الزوج كناية ولم ينو شيئاً، لم يقع شيء، فالألفاظ إذاً في طريقه: نصٌّ: لا يُقبل في الظاهر ما يخالفه.
[وظاهر] 3: لو أطلق، نفذ كاللفظ العام، وإذا ادّعى مُطلِقه تخصيصَه، ففي قبوله وجهان.

وكناية لا يسمَّى لفظاً ظاهراً في اقتضاء الطلاق، فلا يُعْمَلُ مطلقُه.
وهذا ترتيب حسن، ولكن العموم في المقام الذي ذكره في حكم النص عند المحققين، كما نبهنا عليه.
وسنعود إليه في مسائل الطلاق، إن شاء الله تعالى 1. ...

باب ما يقع من الطلاق وما لا يقع

1 قال الشافعي: "ذكر الله الطلاق في كتابه بثلاثة أسماء ... إلى آخره" 2. 8974 - هذا الفصل مشتمل على بيان صرائح الطلاق وكناياته، فنقول: الألفاظ التي تستعمل في الطلاق تنقسم إلى الصريح والكناية، فالصريح ما يَعْمل من غير افتقارٍ إلى النية، وهو مُنحصر في ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق، والسراح، وأخذ الشافعي الصرائح من التكرر في ألفاظ الكتاب، قال الله: ﴿فَارِقُوهُنّ﴾ [الطلاق: 2]، وقال: ﴿سَرِّحُوهُنّ﴾ [البقرة: 231] وقال: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وتكرُّرُ لفظ الطلاق في الكتاب ظاهرٌ، وأشهر هذه الألفاظ وأظهرها الطلاق، فهذا الذي جرى في الجاهلية والإسلام، وأطبق عليه معظم طبقات الخلق، ولم يختلف في كونه صريحاً العلماء، ومذهب أبي حنيفة 3 أن الصريح هو الطلاق لا غير، وقد حكى العراقيون قولاً قديماً للشافعي موافقاً لمذهب أبي حنيفة في أن الصريح لفظ الطلاق لا غير، والفراقُ والسراحُ ملتحقان بأقسام الكنايات.
ثم الألفاظ الصادرة عن الطلاق صرائحُ: جرت أسماء، أو أفعالاً، فإذا قال: أنت طالق، أو طلقتك، أو أنت مطلَّقة، وقع الطلاق.
وإذا جرينا على الأصح، وقضينا بأن الفراق والسراح صريحان، فلو قال: فارقتك أو سرحتك، فالذي جاء به صريحٌ.
ولو قال: أنت مفارَقة أو مسرَّحة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن اللفظ صريح، كما لو قال: أنت مطلقة.

والثاني - أن اللفظ كناية؛ فإن الفراق والسراح [ما] 1 ظهرا وما اشتهرا اشتهار الطلاق، ومعتمد الشافعي في إلحاقهما بالصريح جريانهما في الكتاب، ثم لم يجر ذكرهما إلا على صيغ [الأفعال] 2، فأما المفارقة والمسرَّحة، فلا ذكر لهما، والمطلقة مذكورة في القرآن مع شيوع لفظ الطلاق.
ولو قال لامرأته: أنت الطلاق، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: إنه ليس بصريح؛ فإنه غير معتادٍ، وليس جارياً على قياس اللسان، أيضاً، وكان كالمعدول عن الوضع والعرف.
ومن أصحابنا من قال: إنه صريح، لأن لفظ الطلاق، لا يطلق -كيف فرض الأمر - إلا على قصد الفراق، فإن جرى لفظٌ على خلاف ما يعرف ويؤلف، فالاعتبار بأصل الكلمة.
ولو قال لامرأته: أطلقتك، أو أنت مُطْلَقة، واستعمل صيغة الفعل أو الاسم، من الإطلاق، فهذا لم يتعرض له الأصحاب، وفيه تردد بيّن؛ فإن الإطلاق شائع في حلّ الوثاق وإطلاق الدواب عن رباطها، وإطلاق الأسرى والمحبوسين، وإخراج اللفظ عن كونه صريحاً أقربُ وأظهر عندنا في هذا منه إذا قال: أنت الطلاق؛ فإن الطلاق لا معنى له في الاستعمال إلا الفراق، بخلافه.
ومن أسرار الصرائح أن يظهر اللفظ على غرض، [ويعد استعماله في غيره نادراً] 3 وإذا كان الاستعمال في غير جهة الطلب شائعاً، أشعر هذا بالخروج عن الصرائح في الجهة المطلوبة، على ما سنذكر التحقيق في آخر الفصل، عند نجاز المنقولات.

8975 - وممّا يتعلق بذلك أن الأصحاب قالوا: معنى الطلاق بالعجميّة صريح، وزعموا أن معناه: "توهشته اي".
وحكى بعض المصنفين 1 عن الأصطخري أنه لا صريح بغير لسان العرب، وهذا غريب لا أصل له 2، وإنما اشتهر الخلاف عن الأصطخري في النكاح، كما قدمنا ذكره في الألفاظ المشتملة على ألفاظ النكاح.
ثم كان شيخي أبو محمد يقول: كل لفظةٍ معدودة من الصرائح في العربية إذا ذكر معناها الخاص بلسان آخر، فهو صريح؛ فمعنى قول القائل: أنت طالق "توهشته اي" ومعنى قوله: طلقتك "دشت بازْداشْتَم"، ومعنى فارقتك: "از تو جُدَا كَرْدَم، ومعنى سرحتك: "تُراكسيل كردم".
وقال القاضي: الصريح من هذه الألفاظ "توهشته اي"، فأما قوله: "دستت باز داشتم" فليس بصريح.
وهذا غير سديد؛ فإن قول القائل: "دشت بازداشتم" هو تفسير قوله طلقتك، وإذا كان قوله: "توهشته اي" صريحاً؛ من حيث إنه معنى قوله: "أنت طالق" فقوله: "دشت بازداشتم" هو معنى قول القائل: "طلقتك" فلا معنى لإبداء المراء في هذا.
أما معنى فارقتك وسرحتك، فالظاهر أنه ليس بصريح؛ فإنا في المفارقة والتسريح على تردد، كما نبهنا عليه.
وإذا اختلف الأصحاب في المفارقة والمسرَّحة مع اتحاد اللغة، فهذا في معنى المفارَقة والتسريح أظهر.
فهذا ما رأينا نقلَه، ولا بد الآن من الكلام في مأخذ الصرائح.
8976 - الذي يقتضيه الفقه أن الصريح إذا لم يتعلق به توقيف وتعبد، يؤخذ من الشيوع، ومحاولةِ أهل العرف حصرَ اللفظ في مقصودٍ، فإذا اجتمع هذان المعنيان، ترتب عليهما ابتدار المعنى إلى الأفهام؛ فإن التردد ينبت من إشكال اللفظ في نفسه،

ومن جريانه في معانٍ، فإذا ظهر لفظٌ على إرادة معنى واحد، فهو يُفهِمه ويُعلِمه، وحكمنا في مساق الفقه أن من صدر منه لفظ يبتدر فهمُ الناس معناه، فإذا زعم أنه أراد خلاف ما تبتدره الأفهام، كان ما أضمره خلافَ ما أظهره، وعند ذلك تترتب مسائل التَّديين؛ فإنّ ما يُدَيّن المرء فيه يتعلق بمقتضى اللفظ، ولكنه خلاف ما يظهر منه، ويندر من ذي الجدّ أن يطلقه على خلاف معناه المستفيض إلا أن يريد إلغازاً أو تعقيداً، ثم حُكمنا أنا لا نقبل في الظاهر خلاف الظاهر، ولا نصدِّق من يبدي إضماراً على خلاف ما أظهره، هذا معنى الصريح.
وقد يثبت في النكاح تعبّد قررناه في بابه، فلا ينبغي أن يكون على ذلك الباب التفات.
وقد أطبق الفقهاء قاطبة على أن المعتبر في الأقارير والمعاملات إشاعة الألفاظ وما يفهم منها في العرف المطرد، والعباراتُ عن العقود تُعنَى لمعانيها، وألفاظ الطلاق عبارات عن مقاصد، فكانت بمثابتها، وموجب هذه الطريقة أن لفظة أخرى لو شاعت في قُطْرٍ وقومٍ شيوع الطلاق -كما قدمنا معنى الشيوع- فهو صريح، وعلى هذا الأصل قول القائل لامرأته: أنت عليّ حرام، أو حلال الله عليّ حرام، ملتحق في قُطرنا وعصرنا بالصرائح.
8977 - وذهب ذاهبون من الأصحاب إلى أنا لا نزيد على الألفاظ الثلاثة: الطلاق، والفراق، والسراح.
ولا نظر إلى الظهور والشيوع، وهذا القائل اعتقد أن مأخذ الصرائح يتعلق بالتعبدات والتلقِّي من لفظ الكتاب وتوقيف الشارع، وقد يعتضد في ذلك بإلحاق الشافعي الفراق والسراح بالصرائح، [وليست أكثر اختصاصاً] 1 من

البائن، والبتة 1، والبَتْلَة 2، والخليّة، في لسان العرب فإذا خصّصها الشافعي بالإلحاق وبالصرائح، أشعر هذا برجوعه إلى مورد الشرع.
وهذا يتطرق إليه نوعان من النظر: أحدهما - أنا لا نُبعد شيوع الفراق والسراح في العرب في بلادها، وهذا فيه بعض النظر، فإن الشافعي تعلق بالقرآن.
والوجه الآخر من النظر - أنه ليس في إلحاق الفراق والسراح بالصّرائح ما ينفي التعلق بالإشاعة؛ إذ لا يمتنع أن يقول القائل: للصرائح مأخذان: أحدهما - الجريان في ألفاظ الشرع.
والثاني - الشيوع في الاستعمال، كما سبق تفسيره.
وفي [النفس] 3 شيء من الفراق والسراح؛ فإنه لم يظهر لنا من الخطاب قصد بيان لفظ التسريح والمفارقة، ولكن جرى معنى ترك النسوة وحل ربقة النكاح في مقابلة ذكر الإمساك، فإنه قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:229] ففهم المخاطبون أن الزوج مأمور بأن يمسك المرأة أو يخلّي سبيلها، فالغرض الذي سيق الخطاب له ترديد الزوج بين هذين المقصودين، وليس من الغرض الظاهر أن يقول لها: سرحتك، وهو بمثابة قول القائل: أكرم هذا السائل، أو سرحه.
ليس المراد بهذا: قُلْ له: انسرح.
وكذلك القول في فارقوهن.
وأما الطلاق، فقد اشتملت الآي على الاعتناء بألفاظها وعددها، ويقوى على هذا المسلكِ القولُ القديمُ الموافق لمذهب أبي حنيفة في حصر الصريح في لفظ الطلاق.
وتحصَّل من مجموع ما ذكرناه تردّدُ الأصحاب في مأخذ الصريح، كما أوضحناه.
8978 - وحكى القاضي عن شيخه القفال أنه كان يقول في لفظ التحريم: إذا قال الرجل: حلال الله عليّ حرام، ونوى طعاماً صُدّق، وإن أطلقه وكان أَنِساً بالفقه عالماً

بأن الكناية لا تعمل إلا مع النية، فإذا أطلق اللفظ ولم ينو، لم يقع الطلاق، فإن كان [عاميّاً] 1، سألناه عما سبق إلى فهمه من إطلاق عامّي آخر لهذه الكلمة، فإن زعم أنه يسبق إلى فهمه الطلاق قيل له: لفظك محمول على فهمك لو كان اللافظ غيرك.
وهذا توسط بين الصريح والكناية وضربٌ من التحكم.
8979 - ونحن نبُدي في هذا أصلاً ضابطاً ونقول: اللفظ الصريح المتفق عليه الشائع في طبقات الخلق هو الطلاق، فحكمه أن يعمل مطلَقُهُ ممن صدر منه، ومن أبدى فيما زعم عقداً ونيّة بخلاف موجب اللفظ، التحق بباب التديين.
هذا قسم.
ويعارضه الكناية التي سنصفها، وهي لفظة محتملة غير شائعة في الطلاق، فسبيل هذا القسم ألا يعمل اللفظ إلا مع النية، ومطلَقُه لاغٍ، والرجوع إلى قصد المطلِق.
ويتخلل بين الصريح الّذي قدمناه وبين الكناية قسم ثالث يعمل مطلَقه عند الأصحاب من غير نيّة، فإذا زعم صاحب اللفظ أنه قصد خلاف الظاهر، فقد يقبل ذلك منه ظاهراً، ويكون في قبوله خلافٌ.
وبيان ذلك بالمثال أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق أحسن الطلاق، فمطلَق هذا محمول على الطلاق السُّني، وإن لم ينو الزوج الطلاق السّني، ولو زعم أنه أراد بالأحسن تعجيل الطلاق في زمن الحيض، فهو مقبول منه، فهذا يحمل مُطلَقه على محملٍ، ويجوز العدول عنه بالقصد.
وسيأتي لهذا نظائر.
ثم تنقسم المسائل: فقد يتفق الأصحاب على إعمال اللفظ على جهةٍ عند الإطلاق، ويختلفون في أن تلك الجهة هل تتغير بالقصد المخالف لها، وقد يتفق الأصحاب على إعمال القصد على وجه ويختلفون في الإطلاق، وهو مثل قول القائل: أنت طالق طالق طالق، فلو زعم أنه أراد التأكيد، قبل منه، ولم يقع إلا طلقة واحدة، ولو قال: لم أقصد التأكيد، ولكن أطلقت هذه الألفاظ، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنا نحكم بوقوع الثلاث إذا كانت المرأة مدخولاً بها.

والقول الثاني - أنه لا يقع إلا واحدة.
ولكل أصلٍ من هذه الأصول ضابطٌ سيأتي مشروحاً -إن شاء الله- وإنما ذكرنا هذا المقدارَ لغرضٍ، فنقول: الطلاق لا يصرفه عن معناه إلا هازل، أو منفردٌ بقصد إلغازٍ، ولفظ التحريم قد يجرى استعماله مصروفاً عن قصد الطلاق، فإذا أُطلق، فهو شائع في قصد الطلاق، فينقدح [فيما] 1 هذا سبيله أن يصدّق في الظاهر من زعم أنه نوى غير الطلاق.
وإن قال: لم أنو شيئاً، انقدح فيه الحمل على موجب الألفاظ.
وانتظم من هذا أن ما استمرت الاستفاضة فيه كلفظ الطلاق، فلا معدل عنه إلا على حكم التديين، وما شاع شيوعاً بيّناً، ولكن قد يعتاد بعض الناس استعماله على قصدٍ آخر، فما كان كذلك، وهو زائد على الألفاظ الثلاثة، فهو محلّ تردد الأصحاب: فمنهم من لم يلحقه بالصرائح، ولم يُعمل مطلَقه، ومنهم من ألحقه بالصرائح، وجعله كلفظ الطلاق.
ومنهم من فصَّل بين أن يقصد غير الطلاق، وبين أن يُطلقه، كما حكيناه عن القفال رضي الله عنه، ثم على رأيه إن صار لفظ التحريم في الشيوع كالطلاق، التحق بالطلاق، فهذا وجه في الصرائح.
8985 - فأمّا الكنايات فقد وصفناها ومن ضرورتها أن تكون مشعرة بمعنى الطلاق، ولكن لا تكون شائعة على التفسير المقدم، فما كان كذلك، افتقر إلى النية ولغا مطلَقُه، وهذا كالخليّة 2، والبرية 3، والبائنة 4، وما يشبهها وقد قسمها الأصحاب إلى الجلية وإلى الخفية، فالجلية منها ما ظهر معناها، وقد يجري

استعمالها جرياناً ينحط عن الاستفاضة والحصر في معنى الطلاق، وما ذكرناه من الألفاظ من الجليّات ومنها: الخلية، والبريّة.
والخفيةُ كقول القائل لامرأته: اعتدي، واستبرئي رحمك، والحقي بأهلك، وحبلُكِ على غاربكِ، ولا أَنْدَه سرْبَك 1، واغربي، واذهبي، وتجرّعي وتجردي، وما في معناها، مما يشتمل على تقديرٍ أو استعارةٍ.
والتقدير في مثل قولك: اعتدّي: معناه طلقتُ، فاعتدي، والاستعارة في مثل قولك: تجرّعي، أي معناه: تجرعي مرارة الفراق، وكذلك حبلك على غاربك، وما في معناه.
وإذا ذكر لفظة ليس فيها إشعارٌ بمعنى الطلاق، وزعم أنه نوى الطلاق، لم يقع شيء؛ لأن اللفظ غير مشعرٍ، والنية المجردة لا تتضمن وقوع الطلاق، وقد يتردد الأصحاب في بعض الألفاظ، فإذا قال لها: كلي، أو تنعمي، فهذه الألفاظ لا إشعار فيها، ولو قدّر مقدر فيها معنى الطلاق على بُعدٍ، عُدَّ ذلك من التعقيد الذي لا يتعلق بأصناف البيانا، ودرجاتِ الألفاظ المستعملة في المقاصد.
ولو قال: اشربي، فالظاهر أنه لا يقع الطلاق وإن نواه.
ومن أصحابنا من قضى بوقوع الطلاق حملاً على تقدير: اشربي كأس الفراق، وهذا بعيد.
فهذا بيان مراتب الألفاظ في عقد الباب.
ولو قال لامرأته: لستِ لي بزوجة، فهذا إقرار صريح بنفي الزوجية، كما سنفصله في فروع الطلاق.
ولو قصد به إنشاء الطلاق، فالمذهب أنه يقع، لإشعار اللفظ بذلك.
ومن أصحابنا من قال: لا يقع الطلاق؛ فإن اللفظ صريح في الإقرار والإخبار، وهذا ليس بشيء.

8981 - فإذا تبين أن الكنايات لا تعمل بأنفسها، فمذهب الشافعي أنها لا تعمل مع القرائن أيضاً من غير نيّة، والرجوعُ في النية إلى الزوج، فإذا سألت الطلاق، فقال: "أنت بائن"، وظهر من مخايله أنه قصد إسعافها، فلا تعويل على ذلك عند الشافعي، وإذا قال: لم أقصد الطلاق، فالقول قوله مع يمينه، وكذلك الكلام فيه إذا أجرى الزوج بعض هذه الألفاظ في حالة الغضب، وقد ظهرت على مخايله التبرم بالمرأة، ومحاولة الخلاص منها، فالرجوع مع ذلك كلِّه إلى نيته.
وخالف أبو حنيفة 1 على تفصيل له في الألفاظ، فأعمل قرائن الأحوال، وقرينة السؤّال.
فإن قال قائل: قد ذكرتم في مأخذ الأصول 2 أن قرائن الأحوال تثير العلوم الضرورية، فإذا اقترنت تلك القرائن بألفاظ الزوج، فكيف ترون الرجوع إلى نيَّة الزوج، وقد علمتم قصده بقرائن الحال؟ قلنا: لا ينتهي الأمر في قرائن الأحوال في مأخذ الفقه إلى هذا المنتهى، وهي متفاوتة جداً، وليس من قواعد الفقه فتح أمثال هذه الأبواب؛ فإن مُدركَ قرائن الأحوال في القصود عسرٌ جداً، فحسمنا هذا الباب حسماً.
وقد تُعتمد القرائن في تحمل الشهادات مع ابتناء أمرها على طلب التحقيق، فالذي يشاهد صبياً يمتص ثدياً فيه لبنٌ قد يشهد على ارتضاعه، ولا تعويل على القرائن فيما نحن فيه، وسبب ذلك أن الصبي لا تردد فيه إذا كان يمتص ثدياً فيه لبن، ومخاطِب زوجته لا ينتهي إلى منتهى يحكم على قصده قطعاً، وقد يشهد بذلك اختياره كنايةً مع إمكان التلفظ الصريح.
فهذا ما يجب التنبيه فيه.
8982 - ثم إذا بان أن النية لا بد منها، فلو قدّم النيةَ، ولما تلفظ، لم يكن ناوياً مع اللفظ، لم يقع شيء؛ فإن النية منقطعة عن اللفظ، واللفظُ متأخر عن النية، ولو قدّم اللفظ، ثم نوى، فالجواب كذلك.

ولو استفتح النية مع اللفظ وتمت نيته، وبقي من لفظه شيء، فظاهر المذهمب وقوعُ الطلاق.
ومن أصحابنا من قضى بأنه لا يقع.
ولو استفتح اللفظ عريّاً عن قصد الطلاق، ثم أتى بالنية في أثناء اللفظ، وانطبق آخر النية على انتجاز اللفظ، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أن الطلاق يقع؛ نظراً إلى وقت انتجاز اللفظ.
والثاني - أن الطلاق لا يقع؛ لأنه لم ينشىء اللفظ على قصد الطلاق، فقد مضى صدرٌ منه عرياً عن قصد الطلاق، وباقي اللفظ لا يستقل بنفسه فتجرّدت النية عن اللفظ.
ولو فرضنا إنشاء النية واللفظ، ثم انتجز اللفظ وما تمت النية بعدُ، لم يقع الطلاق.
وقد ذكرنا أمثال هذه الصور في نية الصّلاة مع تكبيرة الإحرام، وبين الأصلين فرق يتنبه له الفقيه، وهو أن نية الصلاة ليست قصداً إلى معنى التكبير، ونيةُ الطلاق قصدٌ مختص بمعنى اللفظ واللفظ دونه لا يستقل، والنية وتكبيرة الإحرام ركنان في الصلاة [وليست] 1 النية قصداً إلى خاص معنى التكبير.
ثم سرُّ النية القصدُ، والقصد لا يطول، [وقد] 2 يفرض فيه تردد إلى التجرُّد، ومن كان هذا على ذُكره استغنى عن كثير من تطويلات الفقهاء، ثم القصد خصلةٌ، فلا يتصور انبساطها، واللفظ منبسط، فحق الاقتران أن يُقرن اللافظ القصدَ بأول اللفظ، ثم يُديم ذكرَ القصد لا عينَه، والذكر العلمُ، وكذلك الحفظ.
8983 - وإذا أطلق الزوج لفظاً في الكناية، وزعم أنه لم ينو الطلاق، فالقول قوله، وللمرأة تحليفه، فإن حلف، فذاك، وإن نكل عن اليمين، فلها أن تحلف، فإذا حلفت يمينَ الرد، قُضي بوقوع الطلاق، فإن قيل: على ماذا يُحمل يمينها ولا اطلاع لها على قصد الزوج؟ قلنا: معتمد يمينها قرائن الأحوال والمخايل الدالة على القصود، فلها أن تعتمد أمثال ذلك، وتبني يمينها عليه، وسنوضح في الدعاوى والبينات أن الأيمان تعتمد ذلك.

فصل قال: "ولو قال: أنت طالق من وثاقٍ ... إلى آخره" 1. 8984 - كل ما لو ادعى الزوج القصدَ فيه،؛ دُيّن 2، ولم يُقبل في الظاهر، فإذا وصله بلفظٍ حُمل أول اللفظ عليه، فإذا قال: أنت طالق عن وِثاقٍ، لم نقضِ بوقوع الطلاق، بهذا اللفظ؛ فإن الكلام منتظم، وأول النطق مربوط بآخره، وهذا يضاهي أصلَ الاستثناء، وحكمنَا بتصحيحه، كما سيأتي، وكذلك إذا قال: فارقتك إلى المسجد، أو سرحتك إلى أهلك، حتى تتنزهي وتعودي، فكل ذلك مقبول.
ومما ذكره الفقهاء أن الرجل إذا أطلق لفظةً صريحةً ونوى ما لا يقبل، [فهو لا يقبل] 3 ظاهراً، ولكن يُديَّن الزوج فيه، فلو ادعى الزوج شيئاً من هذا، لم يقبل قوله، ولو قال لامرأته: أنت تعلمين ذلك مني، فهو لغو؛ فإنها وإن صدّقته فيما ادعاه، فالطلاق لا يندفع رعايةً لحق الله تعالى، فلا مساغ للتحليف في هذا المجال؛ فإن الغرض من عرض الأيمان أن يرعوي المستحلَف أو يقرّ، [وقد] 4 ذكرنا أن إقرار المرأة لا أثر له، فلا معنى لتحليفها.
فصل قال: "ولو قال لها: أنت حرة يريد الطلاق ... إلى آخره" 5. 8985 - غرض الفصل أن لفظ الإعتاق كنايةٌ في الطلاق، ولفظ الطلاق كناية في الإعتاق، وأبو حنيفة 6 يمنع إعمال الطلاق في الاعتاق، ومعتمد المذهب أن الكناية

تتطرّق إلى البابين جميعاً، ومعنى الكناية لفظٌ محتمل مشعرٌ كما قدمناه، وجملة كنايات الطلاق والعتاق مشتركة في البابين.
8986 - والذي يستثنى من الإشعار أن الرجل إذا قال لامرأته: "أنت طالق" وزعم أنه نوى ظهاراً، فالطلاق مشعرٌ بمعنى الظهار، وإذا قال لها: أنت عليَّ كظهر أمّي، ونوى بذلك الطلاق، فاللفظ مشعر بمعنى الطلاق، ولا يعمل واحد من اللفظين في مقصود الثاني.
والضابط فيه: أن اللفظ إذا كان صريحاً في بابه، ووجد نفاذاً، فلا سبيل إلى ردّه عن العمل فيما هو صريح فيه، وإذا كان يعمل لا محالة فيما هو صريح فيه، فيستحيل أن يكون صريحاً نافذاً في أصله ووضعه، ويكون كناية منويَّة في وجه آخر.
فإن قيل: إن كان يبعد صرف الصريح عن معناه، فأيُّ بعدٍ في الجمع 1 بين المعنيين؟ قلنا: اللفظة الواحدة إذا كانت تصلح لمعنيين، فصلاحها ليس يقتضي اجتماع المعنيين، وكذلك القول في كل لفظ مشترك سبيل صلاحه للمعاني أن يصلح لكل واحد منهما على البدل، فأما أن تكون مجتمعة اجتماع المسميات تحت صيغة الجمع، أو تحت لفظٍ عام، فلا.
فإذا تعين إجراء اللفظ صريحاً، امتنع إجراؤه في معنى آخر، فإذا استعمل الطلاق في العتاق، فليس الطلاق صريحاً واجداً محلّه حتى ينفذ، وكذلك العتاق، إذا استعمل في الطلاق.
8987 - ولو قال لعبده: اعتدَّ واستبرِ رحمك، وزعم أنه نوى العتق، لم ينفذ؛ فإن هذا اللفظ في حكم المستحيل في حقه، وقد ذكرنا أن الكنايات لا بد وأن تكون مشعرةً بالمعنى المقصود.
وإذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: اعتدي واستبرئي رحمك، وزعم.
أنه نوى الطلاق، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: لا يقع الطلاق؛ لأنها إذا لم تكن ممسوسة، فليست من أهل العدّة.
والأظهر - وقوع الطلاق؛ فإنها محل العدة على الجملة، إذا توافت شرائطها، والإشعار كافٍ، وهو بيّنٌ.

ولو قال لأمته: اعتدي واستبرئي رحمك، فلا [شك] 1 أنه إذا نوى العتق، عَتَقت.
ولو قال لأَمَته: أنت عليّ كظهر أمي، ونوى العتق، فالظاهر أنها تَعتِق، وذكر القاضي وجهاً - أنها لا تعتق؛ فإن هذا اللفظ بعيد عن الإشعار بالعتق.
وهذا لا أصل له، والوجه القطع بوقوع العتق؛ تعويلاً على الأصول التي مهدناها.
8988 - وقد يعترض على مضمون هذا الفصل أن الرجل إذا قال لأمته: أنت علي حرام، فمطلق هذا صريح في اقتضاء كفارة اليمين، كما سيأتي التفصيل فيه، إن شاء الله تعالى، ثم لو نوى به العتق، نفذ العتقُ، وهذا يَرِدُ على قولنا: الصريحُ إذا وَجَد نفاذاً، لم ينتقل عنه، وسأقرّر هذا على وجهه في فصل التحريم، إن شاء الله تعالى، وهو بين 2 أيدينا.
فصل قال: "ولو قال: أنت طالق واحدةً بائناً ... إلى آخره" 3. 8989 - مضمون هذا الفصل أن البينونة الباتّة لملك النكاح منوطةٌ عندنا بوقوع الطلاق مع انتفاء العدة 4، أو بوقوع الطلاق مع العوض، وإذا فرض استيفاء العَدد، انضم إلى زوال ملك النكاح تحريم عقد النكاح، حتى يجري التحليل، فأما وقوع الطلاق مع قيام العدة من غير عوض، ولا استيفاء عَددٍ؛ فإنه يستعقب سلطان الرجعة لا محالة، ولو أراد الزوج أن ينفي الرجعة من غير عوض ولا استيفاء عدد، لم يكن لذلك معنى مع قيام العدة، وكان كمن يريد تحريم عقد النكاح من غير استيفاء عدد، وما ذكرناه مكرراً من العدة إشارة إلى شيئين: أحدهما - أن الطلاق إذا لحق التي ليست مدخولاً بها، فلا عِدَّةَ، فلا جرم كان الطلاق مُبيناً، وكذلك إذا صادف الطلاقُ

ممسوسة، وجرت في العدة، فهي رجعية، فإذا لم يرتجعها زوجها حتى انقضت العدة، بانت، والسبب فيه انتفاء 1 العدّة والرجعة مع بقاء الطلاق.
وأبو حنيفة 2 ينفي الرجعة بمسلكين: أحدهما - أن يطلّق الزوج ممسوسة من غير عوض، ويشترط قطع الرجعة، فالرجعة تنقطع عنده بشرط القطع.
والمسلك الثاني - أن يقع الطلاق بكناية من الكنايات تُشعر بالبينونة، فإذا نوى الطلاق بها، كان الطلاق مُبيناً لا محالة، وإن لم يقصد الزوجُ قطعَ الرجعة.
فانتظم من مذهبنا أن الرجعة لا تنقطع بالقطع، ولا بلفظة، وإنما تنقطع بالعوض، وعدم العدة، واستيفاء العَدد.
فصل 8990 - المرأة إذا ادّعت على الزوج أصلَ الطلاق، فأنكره أو ادّعت عليه نية الطلاق، فدعواها مسموعة واليمين معروضة، ومردودة 3، ولو لم تدّع، فشهد شاهدان حسبةً على الطلاق، سُمعت شهادتهما؛ فإن حق الله تعالى غالب في الطلاق، وآيةُ غلبته أن الواقع لا ينتفي بتراضي الزوجين.
فلو ادعى واحدٌ من الناس على رجل أنه طلق امرأته، فهذا ليس بدعوى، فإن كانت عنده شهادةٌ، فليقمها من غير دعوى، والمرأة لو أرادت أن تَشهد على طلاق الزوج، لم تجد إلى ذلك سبيلاً؛ فإن الحظ يرجع إليها من الخلاص، ولها مقام الدعوى.

ْولو طلقها زوجُها طلقةً رجعيةً، ثم زعمت المرأة أنه طلقها طلقة أخرى، فإن راجعها، فلها أن تدعي حينئذٍ، وإن أرادت أن تدعي وهي جارية في عدة الرجعة، فظاهر المذهب أن دعواها مسموعة؛ فإن الرجعية زوجة، ومن أصحابنا من قال: لا تسمع دعواها؛ فإنه ليس لها غرض صحيح في الحال؛ إذ الحيلولة ناجزة، والرجعة لا تنقطع بالطلقة الثانية.
والأصحُّ الأول.
فصل قال: "ولو كتب بطلاقها، فلا يكون طلاقاً إلا أن ينويه ... إلى آخره" 1. 8991 - نقول في صدر الفصل: الأخرس يقيم إشاراته المُفْهمة مقام عبارات الناطق، فيقع بإشارته طلاقُه وعتاقه، ويصح بيعُه وشراؤه وسائرُ عقوده، وحلوله وردوده، ثم يقع طلاقه بإشارةٍ لها رتبة الصّريح، ويقع بإشارة ونيّة لها رتبة الكناية، وتصح أقاريره ودعاويه، ولا تطويل؛ فإشارة الأخرس كعبارة الناطق.
ولم يختلف أصحابنا إلا في الشهادة، فمنهم من صحح شهادة الأخرس، ومنهم من أباها، ولعله الأصحُّ.
وممّا يتعلق بتحقيق ذلك أن الأخرس إذا أبلغ في الإشارة، فالصّريح منها ما يفهم منها الطلاق، ولا يختص بفهمه أصحاب الفطنة والدرْك، بل يعمّ دركُ المقصود منه، فهذا يُلحق إشارته بالصريح الذي يفهم منه الطلاق على شيوع، فإن ترددت إشارته، وكانت صالحةً للطلاق ولغيره، أو كان يختص بدَرْكه الفطن، فهذا يلحق بالكناية.
وإذا أبلغ الأخرس في الإشارة، ثم زعم أنه لم ينو الطلاق، فالذي يظهر عندي أن هذا يلتحق بالقسم المتوسط بين الصريح والكناية حتى يتردّد فيه، [كما لو استعمل اللفظ الشائع في الطلاق، وقال:] 2 قصدت غير الطلاق، وليس كلفظ الطلاق في

حق الناطق 1، فهذا، غائصٌ فقيه، فليتأمله الناظر.
8992 - ومما وقع في الوقائع أن الأخرس إذا أشار في الصلاة بالطلاق أو بغيره من العقود [والحلول] 2، فلا شك أنا نُنفّذ منه مقتضى إشاراته، وإذا [نفَّذناها] 3، ففي القضاء ببطلان الصلاة تردّد، والظاهر أنها لا تبطل، وقد قدمنا ذكر ذلك فيما تقدّم.
وإذا كتب الأخرس بالطلاق، نفذ الطلاق [منه] 4؛ فإن الكِتْبة 5 أوقع في البيان من الإشارة، ولو قدر على الكِتْبة، فأشار، نفذت إشارته؛ فإن الكتابة في مرتبة الإشارة، فليفهم الناظر هذا، وإن كانت الكتابة منتظمة والإشارات لا نظم لها.
8993 - فإذا ثبتت هذه المقدمات، استفتحنا بعدها القول في كتابة الناطق، فنقول: القادر على النطق إذا كتب الصّيغة الجازمة بالطلاق، قال الأئمة: إن كتب، وقرأ، ونوى، وقع الطلاق.
فإن قيل: إذا قرأ، فقد صرّح ونطق، فأيّ حاجةٍ إلى النيّة؟ قلت: نعم، هو كذلك، ولكن القراءة مع النظر في المكتوبات يتأتى حملها على محمل الحكاية، فيتنزل هذا عندنا -وإن كان اللفظ صريحاً- منزلة ما لو قال: في حالِ حَلّ قيدها: أنت طالق، ثم زعم أنه أراد تطليقها عن وثاق، وفيه التردد الذي قدمناه.
وإن صرح وقال: إنما أريد أن أحكي، فهذا كما لو قال: أنت طالق عن وِثاق.
= الإمام: هو كما لو فسّر اللفظة الشائعة في الطلاق بغير الطلاق " (ر.
الشرح الكبير: 8/ 536).

وإن كتب ولم يقرأ، ونوى الطلاق، فقد نص هاهنا [على] 1 الوقوع 2، ونصَّ في الإملاء على أنه إذا كتب بطلاق زوجته ونوى، لم يقع طلاقه، وقال في كتاب الرجعة: ولا يكون رجعة إلا بكلام، كما لا يكون نكاح ولا طلاق إلا بكلام 3. فاختلف أصحابنا: فمنهم من قال: في المسألة قولان: أحدهما - أن الطلاق لا يقع؛ فإن الكاتب قادر على العبارة، فليعبر عن غرضه؛ فإن العبارة أصل البيان، والكتابةُ فعلٌ.
والقول الثاني - أن الطلاق يقع؛ فإن الكتابة مما يتفاهم بها العقلاء، وهي أحد البيانين.
ومن أصحابنا من قال: يقع الطلاق بالكتابة مع النية قولاً واحداً، وما ذكره في الرجعة قصد به الردَّ على أبي حنيفة 4 في مصيره إلى أن الوطء رجعة، ثم استمر في كلامه كما وصفناه، ونصُّ الإملاء عند هذا القائل محمول على الأخرس، أو على الغائب، كما سنبين التفصيل فيه.
ثم فرّع الأئمة الحاضر وجعلوه أولى بأن لا يقع طلاقه بالكتابة؛ من جهة اقتداره على الإفهام بالنطق والكلام، والغُيَّبُ يعسر عليهم المناطقة، فتصير الكتابة في حقهم بمثابتها في حق الأخرس.
والذي تحصّل من كلام الأصحاب طريقان في الحاضر، وطريقان في الغائب على العكس، فأما الطريقان في الغائب، فمن أصحابنا من قطع بوقوع الطلاق، ومنهم من ذكر قولين.

[وفي] الحاضر طريقان على العكس: منهم من قطع بأن طلاقه لا يقع بالكتابة، ومنهم من قال: قولان.
وينتظم من الغائب والحاضر ثلاثة أقوال.
8994 - ثم إذا تمهد الأصل، فالكلام وراء ذلك في أمور: منها تفصيل القول فيما يتعلق بالكِتْبة من الأحكام سوى الطلاق، ومنها ما يكتب عليه، ومنها اتباع الألفاظ [المُثْبتة] 1 في الكتب وبيان صيغتها.
فأما القول فيما يتعلق بالكتابة، فترتيب المذهب فيه أن الأحكام المتعلقة بالألفاظ تنقسم إلى ما لا يفتقر إلى القبول، وإلى ما يفتقر إلى القبول، فأما ما لا يفتقر إلى القبول، فهو كالطلاق والعتاق والإبراء والعفو عن الدّم، فهذه الأشياء هل تحصل بالكِتبة؟ فيها التفاصيل التي قدمناها في الطلاق، ثم المذهب المقطوع به أن الكِتْبة بمجردها، لا تتضمن وقوع الطلاق، حتى تنضم إليها النية، ولا يحصل بها الإبراء والعفو والعتق كذلك، حتى يقترن بها نيات هذه الأشياء، وحكى الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهاً غريباً أن صيغة الكِتبة إذا كانت صريحاً لو فرض النطق بها، وقع الطلاق من غير نيّة، وهذا بعيد، لم أره لغيره.
8995 - والتحق بهذا المنتهى أن الناطق لو أشار إشارة الأخرس، فهل يقع الطلاق بإشارته، قال شيخي: كان القفال يُجري إشارة الناطق بمثابة كتابته، وكان ميله إلى أن الإشارة من الناطق أولى بالإحباط من الكتابة؛ فإن الكتابة مألوفة من الناطقين على اطراد، سيما في حالة الغيبة بخلاف الإشارة، فإنها لا تصدر على قصد الإفهام إلا على ندورٍ، أو في حالة هزء، ثم إذا صدر من الناطق -على قولنا بإعمال إشارته- ما لو صدر من الأخرس، لكان صريحاً، فكيف سبيلها؟ الوجه القطع بأنها كناية عن الناطق كالكتابة، وإن كانت صريحاً من الأخرس.
وكان شيخي يقطع بأن الكتابة صريحٌ من الأخرس.
ولي في هذا نظر؛ فإن كتابة الكاتب، قد تقع لنظم حروف وامتحان قلم، ومحاكاة خط، فإن انضمّ إلى الكِتبة

قصدُ الإفهام بها، فلا ريب حينئذ في أن الكتابة مع مخايل قصد الافهام كالإشارة لو أبلغ فيها.
فهذا قولنا فيما لا يفتقر إلى القبول.
8996 - فأما ما يفتقر إلى القبول، فينقسم إلى النكاح وغيرِه: فأما غير النكاح.
كالبيع والإجارة والهبة وما في معناها، نفرضها 1 مع الغَيْبة، ثم نذكر حكمَها مع الحضور: فأما إذا جرت الكتابة بالبيع في الغيبة، فمن ضرورة ذلك انقطاع كتابة من يبتدىء عن قبول من يَرِدُ الكتابُ عليه، فيجتمع في ذلك إقامة الكتابة مقام اللفظ، وفيه التردد الذي ذكرناه في الطلاق والعتاق وما في معناهما مما لا يشترط القبول فيه، وتأخُّرُ 2 أحد شقي العقد عن الثاني، وهذا لا يقتضي تأكيداً في المنع لا محالة، فينتظم منه ترتيب القولين في البيع على القولين في الطلاق، والبيعُ أولى بالمنع.
فإن قيل: ما وجه الجواز، وقد انفصل أحد الشقين عن الثاني؟ قلنا: في ذلك وجهان: أحدهما - أن نجعل ورود الكتاب بمثابة افتتاح الإيجاب، ويتبعه القبول على الاتصال.
والوجه الثاني - أن القبول إنما يشترط اتصاله بالإيجاب لأن الموجِب أنشأ كلامه على وجه يقتضي جواباً متصلاً، وإذا كتب الكاتب، فكتابته تقتضي الموافقة على حسب ما يليق بالعرف في مثل ذلك، وهذا حسن، ولكن يلزم على مساقه أن يقال: إذا أوجب في الحضور إيجاباً مقترناً بجواز تأخّر القبول، وجب تجويزه، ولا صائر إلى هذا إلا أبو حنيفة 3، فإنه جعل مدّة المجلس وإن [طالت فُسحةً] 4 في ذلك، ونحن لا نقول به، فينضم إلى ما ذكرناه مسيسُ الحاجة في التكاتب، وهذا لا يتحقق في التخاطب.
ويتصل بذلك أنه إذا ورد الكتاب، فهل يشترط اتصال القبول بالاطلاع على الكتاب أم لا؟ الوجه القطع باشتراطه على المعنيين؛ إذ لا حاجة بعد الاطلاع، وقد جعلنا الاطلاع كإنشاء الإيجاب.

ولو قال الغائب: بعت داري هذه من فلان، وأُشهد عليه، فإذا بلغ الخبر مَنْ هو في مقام المشتري، فهي كالكتابة، بل هذا أولى بالصحة لوجود اللفظ.
هذا بيان البيع وما في معناه.
8997 - فأما النكاح، فهو أولاً يترتب على البيع إذا فرض بالكتابة في حالة الغيبة، فليرتب على البيع، والفرقُ ما في النكاح من التعبد والتضييق في العبارات، ثم يتفرع على النكاح افتقاره إلى الشهادة.
فإن صححنا النكاح وقد جرى من الغائب لفظُه، وشهد عليه عدلان، وشهدا على قبول من يبلغه الخبر، فقد ثبت ركن الشهادة، وإن شهد على قول الزوج عدلان، وشهد على قبول القابل عدلان آخران، ففي المسألة وجهان: أصحهما - أن النكاح لا ينعقد؛ لأن واحداً منهم لم يشهد على عقد تامٍ.
ومن أصحابنا من قال: يصح النكاح؛ لأن العقد لو جُحد أمكن إثباته بهم، وهو المقصود.
وهذا فيه إذا لَفَظَ الموجِب والقابلُ بالإيجاب والقبول.
فأما إذا كتب، ولم يتلفظ، فالإشهاد على الكتابة ممكن، ولكن الكتابة كناية، ولا اطلاع على نية الكاتب، وإن زعم أنه نوى بعد الكتابة، فهذا إشهاد على الإقرار، ولا يقع الاكتفاء بالإشهاد على الإقرار، فالذي يقتضيه قياس الشافعي القطعُ بأن هذا لا يصح.
ولكن أجرى كثير من الأصحاب القولين في الكتابة في النكاح، ولعلهم رأَوْا هذا محتملاً لضرورة الغيبة، وهذا بمثابة احتمال انقطاع الإيجاب عن القبول بسبب حاجة الغيبة.
هذا منتهى الكلام في هذه القاعدة.
8998 - ويتفرع عليه الكتابة في الحضور، وقد قدمنا أن الكتابة في الحضور أبعد عن الجواز؛ لانتفاء حاجة الغيبة، فإن منعنا، فلا كلام.
وإن جوزنا، فقد يمكن فرض اتصال الكتابة بالقبول في الشهود والحضور، فإن كان كذلك، لم يبق إلا إقامة الكتابة من غير حاجةٍ مقام العبارة.
وإن انقطع الإيجاب عن القبول في الشهود والحضور، فنقطع بالمنع، وهو بيّن.
8999 - ثم يتفرع على هذه القواعد مسائل سهلة المأخذ، فإذا كتب إلى إنسان بأنّي وكلتك في بيع مالي وعتْقِ عبدي، فهذا يترتب على أنه لو شافهه بهذا هل يفتقر إلى

القبول؟ فإن قلنا: لا حاجة إلى القبول مع المشافهة، فالقول في ذلك كالقول في الكتابة في الطلاق والعتاق.
وإن شرطنا القبول في ذلك، التحق بالقسم الذي يفتقر إلى الإيجاب والقبول، وقد ذكرنا حكم الكتابة في هذا القسم.
وهذا نجاز الكلام في حكم الكتابة في هذه الأقسام.
9000 - فأما القول فيما يُكتب عليه، فالكتابة على الرَّق، والقرطاس، والألواح، والنقر في الأحجار والخشب، كلها بمثابة واحدة.
ولو خط على الأرض خطوطاً وأفهم، فالجواب كما ذكرناه.
وإذا فهم الفاهم [ما كتبه] 1 وبلّغه 2، كان كما لو بلّغ كتابه.
ولو رسم الأسطر على الماء أو على الهواء، فلا حكم لهذه الكتابة؛ فإن الكتابة حقها أن تقع بياناً، ولا انتظام لها على الهواء أو الماء.
نعم، لا يمتنع أن يلتحق هذا بالإشارات؛ فإن هذه الحركات قد يُفهم منها شكلُ الحروف، فتتنزل منزلة الإشارات المفهمة.
9001 - فأما الكلام في صيغ الكتابة ومقتضياتها، وما يطرأ على الكُتب من التغايير، فهذا خاصية الفصل وينبسط فيه الكلام بعض الانبساط، فإذا كان في الكتاب: "أما بعد فأنت طالق".
فإذا وقع الحكم بالكتابة تبيّنا وقوع الطلاق من وقت الكتابة؛ فإنه لم يعلّق الطلاق ببلوغ الكتاب ووصوله، بل نجّزه؛ إذ قال: "أما بعد، فأنت طالق".
وإذا قال: إذا بلغك كتابي، فأنتِ طالق، فلا يقع الطلاق ما لم يبلغها، وإذا قال: إذا قرأتِ كتابي فأنت طالق، فلا يقع الطلاق بنفس البلوغ ما لم تقرأ أو يُقرأ عليها، كما سنفصل هذا في آخر الفصل، إن شاء الله.

9002 - وإذا انمحى الكتاب، فإن بقيت [رقوم] 1 يُفهم منها الغرض، وقع الطلاق المعلق ببلوغ الكتاب، وإن انمحى ودرس، ولم يبق ما يُفهم منه مضمون الكتاب، فالذي قطع به الأصحاب أن الطلاق لا يقع إذا كان معلقاً ببلوغ الكتاب؛ فإن هذا خرج عن كونه كتاباً بالانمحاء، والدّليل عليه أن الكاتب لو كان كتب: إن بلغك كتابي، ثم محا بنفسه، فاتفق بلوغ ذلك القرطاس، فلا إشكال في أن الطلاق لا يقع، فإذا انمحى كان كما لو محاه الكاتب بنفسه.
وذكر صاحب التقريب وجهاً آخر أن الطلاق يقع؛ فإن هذا وإن انمحى يسمى كتاباً، ويقال: "أتاني كتاب فلان"، وإن انمحى.
وهذا الذي ذكره بعيدٌ؛ فإنه إنما يسمى كتاباً بتأويل أنه كان كتاباً، ووضوح ذلك مغْنٍ عن بسطه.
9002/م- والكلام يتعلق [بعد ذلك] 2 بسقوط بعض الكتاب ووصول بعضه، ونحن نتكلم فيه إذا وصل أسطرُ الطلاق وسقط غيرها، ثم نتكلم في سقوط الأسطر التي فيها الطلاق.
والتقسيمُ الجاري في ذلك أن نقول: الكلام في أربع مسائل: إحداها - في سقوط أسطر الطلاق من الكتاب.
والثانية - في سقوط الأسطر التي هي من مقاصد الكتاب، لكنها غير الطلاق.
والثالثة - في سقوط أسطر فيها التسمية والتصدير، أو الحمد والصلاة في آخر الكتاب.
والرابعة - في سقوط البياض من طرفي الكتاب أو حواشيه.
فأما إذا سقطت أسطر الطلاق، وكان في الكتاب: إذا بلغك كتابي، فأنت طالق، فحاصل ما ذكره الأصحاب في هذه الصورة ثلاثة أوجه: أحدها - أن الطلاق لا يقع؛ فإنه علّقه ببلوغ الكتاب، والكتاب عبارة عن مجموعِه، وقد سقط مقصود الكتاب، فكأن الكتاب لم يصل.

والوجه الثاني - أن الطلاق يقع؛ إذ يقال: وصل الكتاب، [وإن] 1 كان سقط منه شيء.
والوجه الثالث - أنه يفصّل: فيقال: إن قال: إن جاءكِ كتابي هذا، لم يقع؛ لأن الإشارة تحوي جميعَ الأجزاء.
وإن كتب: إن جاءكِ كتابي، ولم يشر، وقع؛ لأنه جاءها ما ينطلق عليه اسم الكتاب.
المسألة الثانية - إذا سقط غير الطلاق، ولكن كان من متضمنات الكتاب، كعُذرٍ مُقدَّمٍ على الطلاق، أو ذكرِ حالٍ منها يتضمن توبيخاً، وهو معقَّبٌ بالطلاق، فإذا سقط ما يشتمل على هذه الفنون، وكانت الأسطر المحتوية على الطلاق باقية، فتعود الأوجه، ولكن هذه الصورة أولى بوقوع الطلاق؛ فإنه فصّل الطلاق، وهو الغرض والمنتهى.
المسألة الثالثة- إذا سقط من الكتاب محلّ التصدير والحمد، ففيه الخلاف، والأظهر وقوع الطلاق؛ فإن الساقط لم يَفُت بسقوطه شيء من مقاصد الكتاب، وإنما سقطت مراسم ليست معنيّة.
والمسألة الرابعة - في سقوط البياض، فالذي قطع به أئمة المذهب أن الطلاق يقع؛ لأن الكتاب محل الأسطر، والحواشي متصلةٌ وليست مقصودة أصلاً.
وأشار بعض الأصحاب إلى إبداء احتمال في هذا؛ فإنّ حواشي الكتاب تُعدُّ من الكتاب، ويحرم على المحدث مس حواشي المصحف، كما يحرم عليه مس الأسطر.
وكنت أحب لو أجرينا في هذه المسائل -أعني المسائل الثلاث الأُوَل- الفرقَ بين أن يبقى معظم الكتاب، أو يسقط معظمه؛ فإن للمعظم أثراً ظاهراً في بقاء الاسم.
ولو قال: إذا بلغك طلاق، فانت طالق، فبلغ الكتاب إلا الأسطر التي فيها ذكر الطلاق، لم يقع وفاقاً، وكذلك إذا بلغ تلك الأسطر التي فيها ذكر الطلاق من غير تفصيل.
وإذا بنينا على أن الانمحاء يُخرج الكتاب عن كونه كتاباً، فالانمحاء بمثابة السقوط في البعض.
فهذا تفصيل القول فيما يلحق الكتاب من التغايير.

9003 - وإذا قال: إذا قرأتِ كتابي، فأنت طالق، فلم تقرأ، ولم يُقرأ عليها، لم يقع الطلاق، ولو قال: إذا قرأتِ كتابي، فأنت طالق، فكانت قارئةً، فقرىء عليها، ففي المسألة وجهان: أصحهما - أن الطلاق لا يقع؛ فإنها لم تقرأ.
والثاني - يقع؛ لأن هذا يراد به الاطلاع على مضمون الكتاب، لا صورة القراءة.
وهذا يحصل بأن يُقرأ عليها، كما يحصل بأن تقرأ بنفسها.
ولم يختلف علماؤنا في أنها لو طالعت الكتاب، وفهمت ما فيه، ولم تلفظ بكلمةٍ، وقع الطلاق وإن لم يوجد قراءة؛ وهذا يؤكّد أن قراءة الكتاب محمولة على الاطلاع على ما فيه.
ولو كانت أُمِّيَّة، فالذي قطع به الأصحاب أن الطلاق يقع إذا قرىء الكتاب عليها؛ فإن القراءة في حقها محمولة على الاطلاع لا غير.
وأبعد بعض من لا احتفال به، فجعل تعليق الطلاق بالقراءة في حق الأمية بمثابة تعليق الطلاق على محال، وهو كما لو قال: إن صعدت السماء، فأنت طالق، فالطلاق لا يقع، لعدم الصعود، وإن كان محالاً.
وإذا قال لامرأته: إذا رأيت الهلال، فأنت طالق، فلم تره، ورأى غيرها، فسنذكر أن الطلاق يقع، وإن كانت الرؤية ممكنة منها، بخلاف ما لو قال: إذا قرأت كتابي وكانت قارئة، فلم تقرأ، وقُرىء عليها، والفرق أن قراءة غيرها ليست قراءتها، والرؤية قد يراد بها العلم، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان:45] معناه: ألم تعلم ربك، وسيأتي هذا الفرع بما فيه، إن شاء الله.
ومما فرعه صاحب التقريب: أنه إذا قال: إذا بلغك نصف كتابي، فأنت طالق، فبلغها الكتاب كله، فهل نقضي بوقوع الطلاق؟ فعلى وجهين: أحدهما- يقع؛ فإن الكتاب يشتمل على نصفين، ففي بلوغه بلوغ نصفه.
والثاني - لا يقع؛ فإنّ النصف في هذا المقام إنما يُطلق لغرض التبعيض، فإذا لم يتحقق التبعيض، لم تتحقق الصفة.
وقد انتهى ما يتعلق بفصل الكتاب؛ فقهاً، وإيضاحاً لموجب صيغ الألفاظ.

فصل قال: "ولو قال لامرأته: اختاري، أو أمرك بيدك ... إلى آخره" 1. 9004 - مقصود الفصل الكلام فيه إذا فوّض الزوج الطلاق إلى زوجته، ونحن نقول: تفويض الطلاق إلى أجنبي توكيلٌ على التحقيق، ثم الأصحاب ربما يفصلون بين التوكيل وبين الأمر كما تقدم استقصاؤه في كتاب الوكالة، وبيانه أن الرجل إذا قال لصاحبٍ له: وكلتك ببيع عبدي أو إعتاقه، أو طلاق زوجتي، فهذا توكيل على الحقيقة.
واختلف الأصحاب في أنه هل يشترط القبول فيه أم لا؟ كما مضى.
وإن قال: بع عبدي، من أئمتنا من قال: هذا أمرٌ غيرُ مفتقر إلى القبول وجهاً واحداً، وإنما المطلوب [عنده] 2 الامتثال والارتسام فحسب، ومنهم من قال: هو توكيل على صيغة الأمر، ويجري فيه الخلاف في القبول، كما يجري فيه إذا قال: وكلتك.
ثم إن لم نشترط القبول، لم يتقيد إيقاع المطلوب بزمانٍ إذا لم يكن التوكيل مقيداً بمراعاة زمان، بل إن امتثل الوكيل أو المأمور على الفور أو بعد زمان، جاز ونفذ.
وإن قضينا بأن القبول لا بدّ منه، فالاتصال مرعيٌ في القبول لا محالة، ثم الكلام في تنفيذ المقصود لا يشترط فيه تعجيلٌ ولا اتصالٌ إذا لم يشترط الآمر والموكّل تعجيلاً.
9005 - فأمّا إذا فوض الزوج الطلاق إلى زوجه، فقال لها: طلقي نفسك، فقد اختلف قول الشافعي بأن هذا تمليك، أو توكيل بالطلاق، فأحد القولين أنه توكيل، أو أمرٌ كما قدمته، والقول الثاني أنه تمليك.
التوجيه: من جعله توكيلاً، اعتبر المرأة بالأجنبي، فإن مالك الطلاق الزوج،

ومن يطلّق بأمره مأمور من جهته، فلا فرق بين أن يتصل الأمر بالزوجة أو بأجنبي.
ومن قال بالقول الثاني، احتجّ بأن التفويض إليها يتضمن تمكينها من أن تملك نفسها، وهذا الأثر يرجع إليها، ويتصل بها، فكان قوله طلقي نفسك خارجاً عن محض التوكيل.
التفريع: 9006 - إن جعلنا التفويض إليها توكيلاً، فلا فور عليها، فإن طلقت على الاتصال نفسَها، فذاك.
وإن طلقت نفسَها بعد زمان متطاول، وبعد مفارقة ذلك المجلس، جاز، وهل يشترط قبولها أم لا؟ فعلى ما ذكرناه من تردد الأصحاب في أن الآمر هل يفتقر إلى القبول.
والمسألة فيه إذا قال لها: طلقي نفسك.
وإن حكمنا بأن التفويض تمليك، فالجواب يقتضي الفورَ، وهو بمثابة قبول العَقْد مع إيجابه، فإن خلّلت زماناً متطاولاً ينقطع بمثله الإيجاب عن القبول، فلا تملك أن تطلق نفسها بحكم التفويض الأوّل، كما لا يملك المخاطب بالإيجاب القبول بعد تطاول الزمان.
هذا مسلكُ الأصحاب في التفريع.
ومما فرَّعوه على قول التمليك أن الزوج لو رجع عن تفويضه على الفور قبل أن تطلّق نفسها، انقطع ملْكها التطليق، ولم ينفذ الطلاق إن طلّقت نفسها؛ لأنا إذا جعلناها مملكة [فهي] 1 بمثابة القابلة للخلع إذا خاطبها الزوج بالإيجاب فيه، وهذا يقبل الرجوع.
وقال ابن خيران: "إذا فرعنا على قول التمليك، فليس للزوج الرجوع بعد التفويض، ولو رجع، لغا رجوعه، ونفذ تطليقها نفسَها، على الاتصال".
واعتل بأن قال: كأن الزوج قال لها: إذا تلفظت بتطليق نفسك، فأنت طالق.
وهذا وجه مردود لا أصل له، والعجب أن شيخي كان لا يحكي في التفريع على قول التمليك غيرَه، وكان يعبر عنه، ويقول: "هو تمليك مضمّن بتعليق" مشيراً إلى أن الرجوع غير ممكن بتضمّن 2 التمليك التعليق.

هذا نظم المذهب.
9007 - وسلك القاضي مسلكاً آخر، فقال: نرسم القولين في أن التفويض تمليك أو توكيل، ونقول: الأصح [أنه] 1 تمليك، وهو المنصوص عليه في معظم الكتب.
والقول الثاني - أنه توكيل، ولا يُرى للشافعي منصوصاً إلا في الأمالي المتفرقة.
فإن حكمنا بأنه تمليك، فالفور لا بد منه.
ثم غلط هاهنا بعض أصحابنا، فقال: يمتد جوابها امتداد المجلس، كخيار المكان، وهذا غلط غير معتدّ به، وإنما غلطُ هذا القائل من قول الشافعي "ولا أعلم خلافاً، أنها إن طلقت نفسها قبل أن يتفرقا من المجلس أو تُحدثَ قطعاً لذلك أن الطلاق يقع عليها" 2. والشافعي كثيراً ما يطلق المجلس ويريد به مجلس الإيجاب والقبول، والمعنى رعاية التواصل الزماني، كما قدّمنا ذكره.
وقد يطلق مثل هذا في الخلع، ولم يجسر أحدٌ من أصحابنا [على] 3 حمل ذلك على المجلس الذي يناط بمنتهاه انقطاع خيار المجلس.
قال 4: وإذا فرعنا على أن هذا توكيل، فيحتمل أن نقول: تطليقها ينبغي أن يكون على الفور أيضاً؛ فإن توكيل الزوج المرأة يشعر بتمليكها لفظاً، والتمليك اللفظي يقتضي جواباً عاجلاً، ولهذا قلنا: إذا قال لزوجته: "أنت طالق إن شئتِ"، اقتضى ذلك فوراً في المشيئة، بخلاف ما لو قال: أنت طالق إن شاء زيد، فيتضمن قوله طلِّقي نفسك جواباً عاجلاً والتماسَ تنفيذٍ أو إعراضٍ، ثم قال: وهذا إذا قال لها: طلقي نفسك.
ولو قال: وكلتك أن تطلقي نفسكِ، وصرّح بلفظ التوكيل، قال القاضي: يحتمل أن يقال أيضاً في هذه المسألة: يختص بالمجلس، كما وصفناه، وإن صرّح

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل