كتاب الطلاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ومسلك المحققين أن الإكراه هو الذي يسلب الطاقة والإطاقة، ولا يُبقي في غالب الأمر للمرء خِيَرَة التقديم والتأخير، حتى يصير كأنه لا اختيار له، والمخوّف بالقتل والقطع كذلك، [فلا يقع] 1 المطلوب منه لنظره وتخيره 2.
فأما الذي يؤثر الطلاق على الحبس، فإنما هو مفضّلٌ حالةً على حالة، ومرتاد عيشة على عيشةٍ، واختياره صحيح، فلا يتحقق الإكراه والحالة هذه.
والذي فرضه الأولون من الموازنات، والنظر في الأقدار مسلكٌ من مسلك الرأي والاستصواب، فقد يُرهق الزمانُ المرءَ إلى أمثاله، فيستصوب له أن يطلّق أو يبيع، وليس هذا من الإكراه الحقيقيّ في شيء، فينحصر الإكراه على هذا المسلك فيما يكاد يُعدِم الاختيار، حتى لا يبقى إلا ما يؤثره من يفر من الأسد في وطء الأرض المشوكة، فقد يتخطاها الفارّ وهو لا يحس بوخز الشوك.
وبين هذه الطريقة والطريقة الأولى تباين عظيم.
ثم لا نفرّق فيه بين أن يكون الإكراه على إتلاف مالٍ قلّ أو كثر، أو على بيع مال، أو طلاق، أو قتلٍ، ولا يعترض على هذا إلا شيء واحد، وهو أنه لو خُوّف بإيلامٍ عظيم لا يصابَر، وإن لم يكن مما يقصد به القتل، فقد يحصل بمثل هذا قريبٌ من سلب الطاقة، وفيه نظر.
وأنا أقول: التخويف به لا يكون إكراهاً، أما مفاتحته 3 بالإيلام، ففيه [الاختلاف] 4، وليس هذا كالتخويف بالقتل؛ فإن وقوع الخوف أشد من وقوع هذا الإيلام.
هذا بيان تأصيل الطريقين.
9110 - وعلينا بعد هذا أمران: أحدهما - التفصيل والآخر - الإشارة إلى العثرات: أما التفصيل، فتأصيل الطريقة الأخيرة بفصلها 5، ولا يرد عليها إلا الألم
المرهق الذي ذكرنا، ومسألةٌ أخرى وهي أن الأخرق لو خوّف، فما يحسبه مهلكاً ولم يكن كذلك، فقد ينتهي إلى سقوط الاختيار، وهذا يُخرَّج على ما إذا رأى سواداً ظنه عَدُوَّاً، فصلى صلاة الخوف، ثم لم يكن كما ظنّ.
فأما الطريقة الأولى، فمن ضرورتها الفصل بين المطلوب والمطلوب، فالإكراه على القتل فوق الإكراه على الطلاق وإتلافه المال.
ثم الإكراه على القتل يقع بالتخويف بالقتل لا غير في وجهٍ، أو بالتخويف بالقطع الذي يكون مثله عمداً في قتل النفس، فأما ما عداه، فلا يكون إكراهاً على القتل؛ فليس التخويف بإتلاف المال والولد إكراهاً على القتل.
فأما الإكراه على الطلاق، فلا يشترط فيه القتل والقطع، ثم قال الأصحاب: يختلف الإكراه باختلاف درجة المكرَه، كما حكيناه.
وذكروا خلافاً فيما يتعلق بغير بدن المطالَب: كالإكراه بإتلاف المال وقتل الولد ومن في معناه.
فينتظم منه أن ما يتعلق ببدن المطالَب المكرَه، فإن كان عقوبةً وإيلاماً، أو حبساً يهون الطلاق في مقابلته، فهو إكراه، ثم الآلام تختلف بقوّة المكرَه وضعفه، فقد يحتمل القوي الضربَ العنيف، والضعيفُ لا يحتمله، فهذا مما يختلف باختلاف الأبدان لا محالة، وما يرجع إلى حط الجاه، والغضّ من المروءة كالصفع على رؤوس الأشهاد، وتكليف الإحفاء وتحسر الرأس في الأسواق، فهذا مختلف فيه: فمن أصحابنا من لا يراه إكراهاً، ومنهم من يراه إكراهاً في حق من يعظم وقعُه في حقه.
هذا فيما يتعلق بالمُطالَب.
فأما ما يتعلق بغيره، فهو التخويف بإتلاف المال، وقتل الولد، أو الوالد، فهذا فيه اختلاف: فمنهم من يجعله إكراهاً، ومنهم من لا يجعله إكراهاً، ففي كلام العراقيين ما يدل على أن التخويف بالمال في مقابلة المال إكراه، وليس التخويف بإتلاف المال في مقابلة الطلاق إكراهاً.
9111 - هذا مجموع ما ذكروه.
وهو خارج عن الضبط؛ فإن [انتقاص] 1 المروءات والأقدار التي يصعب وقعها أو يهون احتمالها بالإضافة إلى الروح لا تنضبط، ويرجع الأمر فيه إلى النظر في آحاد الأشخاص؛ فإنهم على تفاوتٍ ظاهر، وإن كانوا [يُعدّون] 2 داخلين تحت نوع أو جنسٍ.
وإذا جعلنا الإكراه بإتلاف المال إكراهاً، فالنظر ينتشر في هذا من [وجه] 3 أنا إن سوّينا بين القليل والكثير، كان ذلك مردوداً، فلا خطر في إتلاف الدرهم فما دونه، وإن نظرنا إلى نصاب السرقة، عارضه المقدار الذي تغلظ اليمين فيه، ثم هما جميعاً توقيفان، والذي نحن فيه معنى معقول، وهو الإلجاء الغالب المؤثر في توهين الاختيار، فإحالة هذا على التوقيفات محال، وأخذ هذا الأصل من جواز الدفع عن المال قلّ أو كثر بعيدٌ؛ فإن معنى الإلجاء يبطل بالكلّية، وإن رجعنا إلى عزة المال في النفوس وضِنّتِها بها، عارضه تخرّق الأسخياء، وهذا نَشَرٌ لا مطمع في ضمّه أصلاً، ولا ينقدح فيه إلا النظر إلى حال كل شخصٍ، ثم لا مطلع عليه إلا من جهته، والكلام يخرج عن ضبط الفقه، فيجب ردّ الإكراه إلى التخويف بالقتل، أو التخويف بما يؤدي إلى القتل، كما ذكرناه.
هذا منتهى التفريع.
9112 - فأما العثرات، فعَدُّ القفال الحبسَ إكراهاً على القتل عثرةٌ، ولا سبيل إلى اعتقادها؛ فإن الحبس لا يسلب الاختيار، وهو في مقابلة القتل قليلٌ في كل مسلك، والجمع بين سقوط الطاقة وبين المصير إلى أن الحبس إكراهٌ هفوةٌ.
والقطع بأن التخويف بقتل الولد ليس بإكراه والحبس إكراهٌ هفوةٌ.
وقد انتهى الغرض على أكمل وجه في البيان.
فصل
قال: "ومغلوب على عقله خلا السّكران ... إلى آخره" 1.
9113 - أما المغلوب على عقله بالنوم، أو الجنون، أو الإغماء، فلا يقع طلاقه، وأما السّكران، وهو مقصود الفصل، فنتكلم في حكمه، ثم نتعرض لبيان السكر، فنقول: طلاق السّكران واقع في ظاهر المذهب، ولا يُلفى للشافعي نصّ في أنه لا يقع طلاقه، ولكن نصّ في القديم على قولين في ظهاره، فمن أصحابنا من نقل من الظهار قولاً إلى الطلاق، وخرّج المسألتين على قولين.
ومعظم العلماء صائرون إلى وقوع طلاق السكران، وذهب عثمان وابن عباس وأبو يوسف 2 والمزني وابن سُريج في أتباعٍ لهم إلى أن طلاق السكران لا يقع.
وأما سائر تصرفات السكران، فللأصحاب فيها طرق: منهم من قال: في جميعها قولان: أحدهما - حكمه فيها حكم الصاحي.
والقول الثاني - حكمه فيها حكم المجنون.
والقولان مُجْريان في أقواله وأفعاله فيما له وعليه.
ومن أصحابنا من قال: ما عليه ينفذ، وفيما له قولان.
ومنهم من قال: أفعاله كأفعال الصاحي، وفي أقواله قولان؛ وهذا لمكان قوة الأفعال.
هذه مسالك الأصحاب، وأشهرُها طرد القولين في الجميع، ولا خلاف أنه مأمور بقضاء الصلوات التي تمرّ عليه مواقيتها في حالة السّكر، وإن كان السكر بمثابة الإغماء، على معنى أنه لا يتصور إزالته بالتنبيه، كما يُزال النّوم به.
وكان شيخي يقول: من أُوجر 1 خمراً، وانتهى إلى السكر الطافح، فمرت عليه مواقيت صلوات، لم يلزمه قضاؤها، كالمغمى عليه.
وتردد الأصحاب في أنا إذا جعلنا السّكران كالصاحي، فهل نجعل صورة السكر حَدَثاً ناقضاً للطهارة؛ فإنه على صورة الإغماء، وقد قدّمنا هذا في كتاب الطهارة.
فهذا قولنا في أحكام السكران.
وقد قال الشافعي: إذا ارتد السكران، ثبت حكم الردة، ولكنّه لا يستتاب حتى يُفيق، وعن هذا النص نشأ للأصحاب الفرق بين ما له وعليه، والأَوْلى حمل ذلك على رعاية [مصلحته] 2، وإلا فالإسلام يصح ممن تصحّ منه الردة.
9114 - فأما حدّ السكر، فقد نقل عن الشافعي أنه قال: إذا اختلط كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم، فهو سكران.
وقال قائلون: إذا أخذ يهذي في الكلام ويتمايل في المشي، فقد انتهى إلى السكر.
وقال بعض الأصحاب: السكران من لا يعلم ما يقول، وهذا يعتضد بظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:43].
وهذه العبارات متقاربة، ولكنها ليست على الحدّ الذي أرتضيه في البيان، فأوّل السكر لا يسلب الكلامَ، ولا يُنهي السكران إلى الهذيان الذي يصدر مثله من النائم، ولكن السكران هو الذي يكون في كلامه وخطابه وجوابه وما يقوله ويفعله كالمجنون، وللمجنون مَيْزٌ وفهم، وهو يبني عليه الجوابَ والإصغاء وفهم الخطاب، فإذا انتهى السكران إلى مثل حاله، فهو في حد السكر.
ثم قد ينظم المجنون كلاماً وقد يخبطه، ولا تخفى تاراته في نظمه وخَبْطه، والمعنىُّ بكلام الشافعي إذا اختلط كلامه المنظوم أن يتطرق إلى كلامه الاختلاطُ الذي يتطرق إلى كلام المجانين.
ومن قال: السكران من يهذي ويتمايل، فالذي جاء به لا بيان فيه، والتمايل لا معنى له.
ومن قال: السكران من لا يعلم ما يقول، فعليه مراجعةٌ، لما ذكرنا من أن أصل العلم لا يمكن سلبُه من البهائم، فضلاً عن السكارى والمجانين، ومن أراد الإحاطة بهذا على التحقيق، فليجدّد عَهْده بمجموعاتنا 1 في حقيقة العقل، ثم ليَبْنِ عليه أن السكران من لا يتصف بالعقل، وإن نجّزنا طرفاً منه: فمن لا عقل له، [لا يتصوّر] 2 منه النظر العقلي، وإن ذكر من مباديه شيئاً، فهو عبارات الفقهاء، ولا يخفى عروُّه عن حقيقتها.
9115 - فإذا دبّت الخمرة 3، انتشى الشارب وعَرتْه طَرِبَةٌ وهِزّةٌ، وهذا قد يَحُدّ 4 العقل، فليس من السكر 5.
وبعد ذلك ما 6 وصفناه من السكر، مع بقاء أفعال وأقوال.
ومنتهى 7 السكر الاتصاف بصفة المغشي عليه.
ثم في هذا نظر.
فإن انتهى إلى حالة الإغماء وسقوط الاختيار بالكلية، فالوجه القطع بإلحاقه
بالمغمى عليه، حتى إذا بدرت منه كلمة الطلاق بُدورَها من النائم الهاذي، فلا حكم لها، وكذلك القول في أفعاله، فهي منزّلة منزلة ما يصدر من المغشي عليه.
وإنما التردد والكلامُ فيه إذا كان السكران على [مضاهاة] 1 المجانين.
وأبعدَ بعض أصحابنا فألحق ما يصدر من ذي السكر الطافح بما يصدر منه، وهو يفعل ويقول ويتردد، وهذا إنما أخذه من إيجابنا عليه قضاء الصلوات وإن انتهى السكر إلى رتبة الإغماء 2.
ثم الفقه في الصّلاة يستدعي الإشارة إلى مسائل قدمناها في كتاب الصلاة، منها:
أنّ من ردّى نفسه من شاهقٍ، فانخلعت قدماه، وصلّى قاعداً، فإذا [استبلّ] 1 وبرأ، فالأصح أنه لا يلزمه قضاء الصلوات التي أقامها قاعداً؛ من جهة أن الرخص والتخفيفات وإن كانت لا تثبت للعصاة، فالمعصية قد انقضت بالتَّرْدية، ودوامُ العجز كان بعد انقضائها.
ومن أصحابنا من أوجب القضاء تغليظاً على الذي عصى بترْدية نفسه.
وإذا عاطت 2 المرأة فأَجْهَضَتْ جنيناً، ونُفِست، فالمذهب القطع بأنها لا تقضي الصلوات التي تمر مواقيتها في النفاس، وفيه خلاف.
ثم من يُلزم القضاء في الضروب التي أشرنا إليها يستدل بالسّكران؛ فإن الشّرب هو الذي يتعلق الاختيار به كترْدية النفس، وكالسعي في الاستجهاض، والسكر لا يقع مختاراً.
وفصل المحققون بين السكر وبين الصّنوف التي قدمناها بأن قالوا: مطلوبُ من يشرب السُّكر، وإلا فالسَّكر في نفسه والمشروب مرٌّ بشعٌ، وليس مطلوباً، ومبنى الشرع على التغليظ على من يبغي ما لا يجوز ابتغاؤه، فلما كان السُّكر شوْفَ النفس، التحق عند حصوله بمعصية مختارة، وانخلاع القدم، واسترخاء النفاس ليس مطلوبَ
النفوس، ثم السُّكر في عينه تركٌ للصلاة، أو سببٌ خاصٌّ فيه، فلم يُسقط قضاءَ الصلاة قولاً واحداً.
وأما الحكم بوقوع الطلاق، فمما يقع متفرعاً على السكر، وقد لا يتفرع، وكأن التردد فيه وفي أمثاله لما نبهنا عليه، والسُّكر بالإضافة إلى الصلاة عينُ الترك، أو سببٌ خاصّ في الترك.
9116 - ومن تعاطى شيئاً يزيل العقل من غير حاجة عصى ربّه، ثم قال الأصحاب: حكمه إذ اختلط عقله كحكم السكران.
والذي أراه فيه أنه لا يُلحق بالسَّكران، والتحقيق فيه أن هذا النوع من زوال العقل إذا لم يكن مقصوداً، فهو عندنا في حكم الصّلاة كانخلاع القدم في حق من يردّي نفسه، وكالنفاس في حق المستجهضة.
وإذا كان الفقه المحض يقتضي إسقاط قضاء الصّلاة مع خلافٍ فيه، فالقطع بإلحاقه بالسكران لا وجه له، وكذلك إذا تسبب فجنّن نفسَه، ففي الأصحاب من ألحقه بالسكارى.
وهذا غفلةٌ عن المعنى الذي نبهنا عليه.
ولما أراد المزنيّ نصرة مذهبه في أن طلاق السّكران لا يقع، احتج بالذي جنّن نفسه، ولم ير أنه يخالَف في وقوع طلاقه، وللأصحاب فيه التردد الذي حكيناه، وفي كلام القاضي ما يدل على القطع بإلحاقه بالسكارى، وهذا فيه خلل ظاهر لما نبَّهت عليه.
ولم يختلف أصحابنا في أنّ من أُوجر خمراً، فسكر، وطلّق، لم يقع طلاقه.
ومن تداوى ببَنْجٍ 1، أو غيره، فزال عقله، لم يقع طلاقه.
وإذا حرّمنا التداوي بالخمر، فالمتداوي بها عاصٍ بشربها، ولا يخفى الحكم وراء
ذلك.
...
باب الطلاق بالحساب
قال الشافعي: "ولو قال لها: أنت طالق واحدة في اثنتين ... إلى آخره" 1.
9117 - إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق واحدة في اثنتين، فإن قال: نويت واحدةً مع اثنتين -والمرأة مدخول بها- وقعت الثلاث، لأن ما قاله محتمل، ونحن نوقع الطلاق بأدنى احتمال يبديه، وإن كنّا لا ندفع الطلاق بمثله، وكلمةُ (في) قد تستعمل بمعنى (مع) قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾ [الأعراف: 38] أي (مع) أمم.
وإن أراد جعل الطلقتين ظرفاً، ورأى الواقع واحداً هو المقصود بالوقوع، فهذا مقبول منه؛ فإن (في) معناه الظاهر إفادة الظرف، والإشعار به، ثم الذي في الظرف يخالف الظرف.
وإن أراد به الحساب -وكان عالماً به- حُمل لفظه على الحساب، ووقع ثنتان.
وإن أطلق لفظه، وزعم أنه لم يرد شيئاً، فقد ذكر القاضي وغيرُه من المحققين قولين: أحدهما - أنه محمول على الحساب، فيقع ثنتان.
والثاني - أنه لا يقع إلا واحدة؛ لأنه يحتمل الحساب، ويحتمل الظرف، ولا مزيد على المستيقن، وهو طلقة واحدة، وما زاد مشكوك فيه، وقرّبوا هذين القولين من قول الزوج لامرأته المدخول بها: أنت طالق طالق طالق، إذا زعم أنه أطلق لفظه، ولم يَعْنِ تأكيداً ولا تجريداً.
وهذا في عالمٍ بعبارة الحساب يزعم أنه أطلق لفظه، ولم يخطُر 1 له معنى.
وفي بعض التصانيف ذِكْرُ قول ثالث، وهو أنه يقع ثلاث طلقات وذكره شيخنا، وهو بعيدٌ، ووجهه على بعده أنه يعرض لثلاث طلقات مع صلةٍ والأصلُ وقوع العدد الذي تلفظ به.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كان عالماً بمراد الحُسّاب بمثل هذه اللفظة.
9118 - فإن كان جاهلاً بمراد الحُسّاب، وقد أطلق اللفظ، فالذي قطع به المحققون أنه لا يقع إلا واحدة إذا زعم أنه لم يكن له قصد.
وينقدح عندنا خروج القول الذي حكيناه عن بعض التصانيف في إيقاع الثلاث، نظراً إلى التلفظ بها، ولكنني لست أثق بهذا القول.
ولو قال مُطلِق هذا اللفظ -وهو جاهل بالحساب وعبارةِ أهله-: أردت بهذا اللفظ ما يعنيه الحُسّاب، ولست عالماً به، ففيما يقع والأمر كذلك وجهان ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنه يقع ما يقتضيه الحساب، فإنه قصد الطلاق، وربط العدد بمقصودهم، فيقع الطلاق ويراجع الحُسّاب في مقصودهم، وهو كما لو قال: إن كان الطائر غراباً، فامرأته طالق، فليس هو على علم بموقع الطلاق في الحال، ولكن إذا تبينا تحقق الصفة، حكمنا بوقوع الطلاق تبيّناً.
والوجه الثاني - أنه لا يقع إلا واحدة؛ فإنه لم يفهم معنى اللفظ، والنياتُ لا تثبت على الإبهام، وإنما تثبت على التحقيق والتفصيل، ولا خلاف أن الأعجمي إذا نطق بالطلاق بلغة العرب، ونوى معناه عند أهله، ولم يفهمه عند إطلاق اللفظ، ثم وضح له معناه، لم يقع الطلاق باتفاق الأصحاب، وليس هذا كما لو علّق الطلاق على صفةٍ هو جاهل [بها] 2 فإن قصده إلى الطلاق ثابت ومتعلّقه مشكل، فيبحث عنه، ومعظم التعليقات كذلك تقع.
ويخرّج عندنا على هذا الخلاف أن يقول القائل: طلقت فلانة مثل ما طلق فلان
زوجته، وكان لا يدري أنه طلق زوجته واحدة أو أكثر، فيقع الواحدة، وفي الزيادة الخلافُ الذي ذكرناه.
9119 - وهذا أصلٌ، فلتسند إليه مسائله، وحاصله أن من لفظ ولم يدر أصلَ معنى الطلاق، ثم بُيّن له أنّ معناه الطلاق، فلا خلاف أنه لا يقع الطلاق، وإن علق الطلاق على مبهمٍ تعّلق به.
وإن قصد أصلَ الطلاق، وأبهم فيما زعم قصدَه في العدد وأحالَه على قول الغير، فهذا موضع التردد.
9120 - ثم قال الشافعي: "ولو قال: أنت طالق واحدة لا تقع [عليك] 1 فهي
واحدة تقع" 2.
والأمر على ما ذَكَر، فإنه أتى بالطلاق، ثم أتى بما يدفعه على وجهٍ لا ينظم ذو الجدّ مثلَه، فكان بمثابة ما لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاًً، وسنعيد هذا في أصل الاستثناء، ونجمع من هذا الجنس محلّ الوفاق والخلاف.
فصل
قال: "وإن قال: واحدة قبلها واحدة، كانت طلقتين ... إلى آخره" 3.
9121 - إذا قال لامرأته التي دخل بها: أنت طالق وطالق، طلقت طلقتين على الترتب، فيلحقها واحدة بقوله الأول، والثانيةُ بقوله الآخر.
ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاًً، فالمذهب المبتوت أن الثلاث تقع عند الفراغ من قوله: ثلاثاً.
ومن أصحابنا من يقول: إذا فرغ عن قوله: ثلاثاًً، تبيّنا وقوعَ الثلاث بقوله: أنت طالق.
وهذا الخلاف مأخوذ [ممّا] 1 إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، فماتت، ثم قال: ثلاثاً، فمن قال ثَمَّ: لا يقع شيء، فيقول في سلامة 2 الحال: يقع الثلاث عند قوله ثلاثاًً.
ومن قال ثَمَّ: يقع الثلاث، يقول في سلامة الحال: يقع الثلاث بفراغه من قوله: أنت طالق.
ومن قال ثَمَّ: إذا ماتت المرأة، وقعت طلقة بقوله: "طالق" في حياتها، فيلزمه على هذا المساق أن يقول: يقع طلقة بقوله طالق، ويتم الثلاث بقوله ثلاثاًً.
هذا مسلكٌ لبعض الأصحاب، وهو ساقط عندنا؛ فالوجه القطع بأن الثلاث تقع مع الفراغ من الكلام؛ إذ لا خلاف أنه إذا قال للتي لم يدخل بها: أنت طالق ثلاثاًً، طلقت ثلاثاً، ولو كانت تطلق واحدة بقوله أنت طالق، لبانت ثم لا يلحقها غير الواحدة.
ومن لطيف الكلام في هذا أنه إذا أنشأ قولَه: أنت طالق، وعزم على أن يقول ثلاثاًً، فهذا ليس يطبِّق قصدَ الثلاث ونيّتَها على قوله طالق؛ فإنه بنى كلامه على أن يصرّح ويعوّل على ذكر الثلاث، فلا معنى للمصير إلى أنه في حكم من يقول: أنت طالق وينوي الثلاث، ولكن إن تمّ اللفظ واتَّسق على ما أراد، فالتعويل على اللفظ.
والوجه القطع بوقوع الثلاث مع الفراغ من اللفظ، وإن طرأ ما يمنع نفوذ الطلاق كالموت في المخاطبة، فيثور الإشكال الآن؛ فإن تعطيل لفظه، وقد أتى بما يستقل ويفيد في حالة الحياة محال، فاضطرب رأي الأصحاب عند طريان ما وصفنا، فمن [طرد] 3 القياس الذي قدمنا صائر إلى أن بعض اللفظ إذا وقع بعد الموت، لغا كلُّه، وهذا وهم، والمصير إلى وقوع الثلاث وهمٌ، والأقرب ألا يعطَّل ويُكتفى بموجب اللفظ المصادف للحياة.
وينتظم من هذا أنه إذا أنشأ الطلاق على أن يفسّره، فالأمر فيه موقوف؛ فإن انتظم اللفظ من غير مانع، قطعنا بوقوع الكل مع آخر اللفظ، وإن طرأ مانع، فعند ذلك يضطرب الرأي، كما نبهنا عليه.
9122 - ولو قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق، فلا يلحقها إلا الطلقة الأولى.
ولو قال: أنت طالق ثنتين، أو قال: أنت طالق ثلاثاًً، فيلحقها العدد المفسِّر إجماعاً.
9123 - ولو قال لامرأته التي دخل بها: أنت طالق طلقةً قبلها طلقةٌ، أو أنت طالق طلقةً بعد طلقةٍ، فيلحقها طلقتان؛ فإنه وإن رتّب لفظه وجاء بالطلقتين في صيغتين، فالمدخول بها تحتمل الطلقات المتتابعات.
9124 - ثم إذا لحقها طلقتان، فلا خلاف أنهما يقعان في زمانين؛ فإنه مصرّح بإيقاعهما كذلك، وذكر العراقيون وجهين في كيفية وقوع الطلقتين بهاتين الصيغتين بعد القطع بوقوعهما في زمانين: أحد الوجهين - أنه يتنجّز طلقةً، ويستبين وقوع طلقة قبلها.
والثاني - أن المُوقَع المنجَّز يتنجّز ويعقبه طلقة أخرى.
وقد ذكر القاضي الوجهين على هذا النسق.
وهذا مضطرب عندي، فإنا ننظر إلى الطلاق المنجَّز، فإن قدّرنا وقوع طلقة قبله على معنى أنها تتقدم على لفظ المطلِّق، فهذا من المحالات؛ فإن الطلاق لا يتقدم وقوعه على لفظ المطلِّق، وإن نظرنا إلى الطلاق الموقَع، وقلنا: يقع [بعد] 1 طلاق آخر، فهذا أحد الوجهين الذي لا يفهم غيره في الإمكان والوقوع.
ولكن يسوغ للقائل الأول أن يقول: إذا قال: أنت طالق طلقة قبلها طلقة، فلا يقع ما في ضمن قوله: أنت طالق طلقة، حتى يقدُمه طلاق، وهذا الطلاق الذي يتقدّم يقع أيضاًً بعد اللفظ، وكأن المعنى: أنت طالق طلقة من قبلها طلقة تقع، فهذا يزيل الخبط والاضطراب، ويقطع توهم الغلط.
فإذا انتظم الوجهان، فتمام المراد أنه لو أراد بقوله: قبلها طلقة إسناد الطلاق إلى ما قبل تلفّظه، فيكون ذلك بمثابة قوله: أنت طالق الشهر الماضي، وقد قدمنا ما فيه من الأقسام، ويعترض في أقسام تلك المسألة أنه لو أراد الإيقاع في زمانٍ مضى، فهل يُحكم بالوقوع؟ فعلى وجهين.
وفي هذه المسألة إن أراد بقوله: قبلها طلقة ما ذكرناه، فالكلام كالكلام المقدّم في الشهر الماضي، وإنما قطع الأصحاب بوقوع الطلقتين من غير إعادة تلك الأقسام، لبنائهم المسألة على ترتيب الطلقتين بعد اللفظ، ولا ينتظم والمسألة هكذا إلا مع تأخير وقوع مضمون قوله: أنت طالق، فليفهم الناظر ذلك؛ فإنه دقيق المُدرك.
9125 - ونعود بعده إلى إطلاق الوجهين، ونفرّع عليهما أمر التي لم يدخل الزوج بها.
فإذا قال للتي لم يدخل بها: أنت طالق طلقةً قبلها طلقة، أو قال: أنت طالق طلقة بعد طلقة، فكيف الوجه؟ لا خلاف أنه لا يلحقها طلقتان؛ فإن هاتين الطلقتين تقعان على المدخول بها في زمانين، ولا يتصور أن يلحق بها طلاقان في زمانين؛ فإنها تبين بأولهما، ولكن تلحقها طلقة واحدة أم لا يلحقها شيء؟ هذا محل النظر.
قال القاضي: إن حكمنا بأن مضمون قوله: "طلقة" يقع، ثم يتبعه طلقة، فهذه يلحقها طلقة وهي الموقعة وتبين، ولا يلحقها ما بعدها.
وإن قلنا: يتأخّر مضمون قوله طلقة ويقدُمها طلقة بقوله: "قبلها طلقة".
قال القاضي: على هذا لا تطلق هذه أصلاً، واعتلَّ بأن قال: لمَّا قال لها: "أنت طالقة قبلها"، فحاصل كلامه: أنت طالق طلقةً مسبوقة بطلقةٍ، ولا يتصور في غير المدخول بها طلقة مسبوقة بطلقةٍ، وإذا لم يقع الطلقة المعيّنة بقوله: "أنت طالق طلقة" لا تقع الطلقة السابقة تقديراً؛ فإن الأُولى شرطها أن تكون قبل ثانيةٍ، وإذا عسرت الثانية، فالتي يقدرها سابقة لا يقال فيها قبلها، فعسُر إيقاع الطلقتين، ودارت المسألة.
وهذا على نهاية الحسن واللطف.
ثم في المسألة غائلة، وذلك أن القاضي قال: من ذهب مذهب ابن الحداد،
وصار إلى أن الدَّور يمنع وقوع الطلاق، فالجواب ما ذكرناه، من امتناع وقوع الطلاق على التي لم يدخل بها بالعبارة التي ذكرناها.
ومن ذهب مذهب أبي زيد ولم يُدِر المسألة قال: تلحق المرأة طلقة واحدة، فإن القول بالدّور -على أصله- باطلٌ.
9126 - وهذا كلام مختلّ؛ من جهة أن صورة الدّور: أن يقول لامرأته: "إذا طلقتك، فأنت طالق قبل تطليقي إياكِ ثلاثاً".
فإذا نجّز تطليقها، لم يقع شيء على رأي ابن الحداد ومعظم الأصحاب، وسببه أنه لو وقع ما نجز، لوقع قبله ثلاثاًً، ولو وقعت الثلاث، لامتنع وقوع ما نجّز.
ووجه قول أبي زيدٍ أن الشرط لا يقف على المشروط، بل المشروط يقف على الشرط، وما نجّزه شرط، فليقع، ثم ننظر في الجزاء وتيسره وتعسّره.
والمسألة التي نحن فيها ليست من هذا القبيل؛ فإنه ليس في لفظ المطلِّق شرطٌ ولا جزاء، نعم، فيها صفة وموصوف، وارتباط على هذا الحكم؛ فإن كانت الطلقة المقدّمة المعنيّة [بقوله] 1 قبلها موصوفة بكونها سابقة، فلتقع لاحقة، وإن وقعت فردة، فليست سابقة، فهذا من باب تعذّر الصفة، ثم تتعذر المسبوقة تعذراً حقيقياً، إذ ليس من الممكن فرض طلقة مسبوقةٍ في التي لم يدخل بها إذا كان يوقعهما في قَرَن، فليس هذا مأخذ الدور، وإن كان يشابهه من طريق التعذر بالارتباط.
ولو صحّ هذا، لقال أبو زيد: لا يلحقها طلقة، وإن كان الشرط المنجّز عنده يقع في مسألة الدَّور.
9127 - فالوجه وراء هذا أن نقول: إن أوقعنا مضمون قوله: أنت طالق أولاً، فهذه تلحقها طلقة، كما قدمنا، وإن رأينا في المدخول بها أن نوقع أولاً مضمون قوله قبلها، فيحتمل وجهين: أحدهما - ما ذكرناه، وتوجيهه الصفة والموصوف.
ويحتمل - أن نقول: يقع طلقة؛ فإنه قصد توزيع طلقتين على زمانين، ولا يكون طلقة قط صِفة لطلقة، فعلى هذا يلحقها الأولى، وكأن هذه العبارة بمثابة قول
القائل: أنت طالق طلقةً وطلقةً، فإذاً نُجْري الوجهين على أحد الوجهين ونوجههما بهذا، فأما الأخذ من قول ابن الحداد وقول أبي زيد، فلا وجه له.
ولو قال للتي دخل بها: أنت طالق طلقة قبل طلقة، أو قال: أنت طالق طلقة بعدها طلقة، فاللفظان معناهما واحد، ولا حاجة بنا إلى تكلف [بيان] 1 ذلك، فليتأمله الناظر، واستواء هذين اللفظين في معنيهما كاستواء اللفظين الأوّلين في معناهما.
فإذا خاطب بما ذكرناه امرأته المدخولَ بها، وقعت طلقتان.
وإذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة قبل طلقةٍ، أو طلقة بعدها طلقة، فتلحقها طلقةٌ لا محالة؛ فإن الطلقة الموقعة أولى، وإذا كانت أولى؛ فإنها تقع.
وقد يتمسك الفطن بهذا محتجاً لأحد الوجهين في المسألة الأولى، ويقول: إن صح مذهب الوصف والموصوف، وجب أن يقال: لا تقع الطلقة الأولى؛ فإنها لا تقبل الوصف باستعقاب أخرى، وإذا امتنع هذا، فقد زالت الصفة، فيزول الموصوف.
وقد ينقدح عن هذا جواب لا يخفى؛ فإن الرجل إذا قال لأمته: أول ولدٍ تلدينه، فهو حر، فإذا ولدت عن نكاح أو سفاح عَتَق، وإن لم تلد بعده، وستأتي هذه الألفاظ بمعانيها، إن شاء الله.
9128 - ولو قال للتي دخل بها: أنت طالق طلقة [معها طلقة، أو مع طلقة، طلقت طلقتين] 2 واختلف أصحابنا في كيفية وقوعهما، فمنهم من قال: يقعان معاً؛ لأن كلمة مع للاقتران، والوفاءُ بمعنى لفظه، ممكن، فيجب الحكم بالإيقاع على نحو ما ذكره، ومعنى لفظه الجمع.
والوجه الثاني - أنه تقع طلقة وتعقبها طلقة أخرى؛ فإنه أتى بلفظتين ليست واحدة منهما تفسيراً للأخرى، وكل لفظة مستقلة، فليقع الطلاقان بهما في زمانيهما، وقد
صدرا منه في زمانين، فليقع كلّ طلاق عند منقرض كل لفظ، وليس كما لو قال: أنت طالق ثلاثاًً؛ فإن آخر الكلام بيانُ الأول.
ويتّصل ببيان الوجهين أنا إذا قلنا: يقع الطلاقان في وقتين، فلا إشكال أنهما يترتبان، وإن قلنا: يقعان معاً، فلا يقع بقوله: "أنت طالق طلقة" شيء، حتى يتنجّز الفراغ من اللفظ الأخير، ويتنزل اللفظان منزلة قول القائل أنت طالق ثلاثاًً، وقد أوضحنا أنه إذا جرى هذا اللفظ، ولم يطرأ مانع، وقع الثلاث مع الفراغ من آخر الكلام.
9129 - فإذا تبين هذا فرّعنا على الصورة التي ذكرناها مخاطبة المرأة التي لم يدخل بها بما ذكرناه، فإذا قال: أنت طالق طلقة مع طلقة، أو قال: معها طلقة، فإن قلنا: في المدخول بها يلحقها طلاق واحد، ثمّ يعقبه طلاق، [فإذا] 1 لم يكن مدخولاً بها، لحقها طلاق ولم تلحقها أخرى.
وإذا قلنا في المدخول بها: إن الطلاقين [يلحقانها] 2 على جمع واقتران، فنقول: يلحق غيرَ المدخول بها طلاقان، كما لو قال لها: أنت طالق طلقتين.
وقال أبو حنيفة 3: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة قبلها طلقة، أو بعد طلقة، تقع طلقتان.
وهذا يخالف جميعَ مسالكنا، وهو قول من لا يدري ولا يحيط بحقائق الألفاظ، فإن قوله: (قبلها) و (بعد) صريح في الترتيب والنصِّ على الزمانين.
وقال: إذا قال لها: أنت طالق طلقة قبل طلقة، أو بعدها طلقة وهي غير مدخول بها، لم يلحقها إلا طلقة واحدة.
فرع:
9130 - إذا قال: أنت طالق طلقة تحت طلقة، أو قال: تحتها طلقة، أو فوق طلقة، أو فوقها طلقة، أو على طلقة، أو عليها طلقة.
فقد قال الأئمة: هذا
بمثابة ما لو قال: أنت طالق طلقة مع طلقة، أو معها طلقة؛ فإن هذه الصلات تقتضي من الجمع ما يقتضيها (مع) فكان الجواب فيها كالجواب في (مع).
فرع:
9131 - لو قال لغير المدخول بها: إن دخلت الدار، فأنت طالق وطالق، فدخلت الدار، فكم يلحقها من الطلاق؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: لا يلحقها إلا طلقة واحدة؛ لأن المعلَّق بلفظ بمثابة المنجّز عند وجود الصفة، فكأنه قال لها عند الدخول: أنت طالق وطالق، ولو نجّز ذلك على هذا الوجه، لم يلحقها إلا واحدة.
والوجه الثاني - أنه يلحقها الطلاقان، فإن كل واحد منهما معلّق بالدخول، ولو فرضا في حق المدخول بها، لقيل وقعا معاً مع الدخول، أو على الترتيب، كما أشرنا إليه، وليس كما لو نجَّز فقال: أنت طالق وطالق، فإن كل لفظ مستقل بتنجيز الطلاق، ولا تعلّق لأحد اللفظين بالآخر.
ونحن في الطلاق المعلق لا نقدّر تصحيح النطق بالطلاق عند وجود الصّفة؛ فإنه لو قال لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالق، ثم جُنَّ، فدخلت الدار، وقع الطلاق، وإن لم يكن الزوج عند دخول الدار من أهل التطليق، فإذاً الطلاقان يتساوقان في الدخول، ويقعان على جمع 1.
وهذا فيما إذا قدّم الشرط وقال: إن دخلت الدار، فأنت طالق وطالق.
فأما إذا أخّر الشرط، وقال: أنت طالق وطالق إن دخلت الدار، فهذا رتّبه الأصحاب على ما لو قدّم الشرط.
فإن قلنا هناك: يقع طلقتان فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: يقع واحدة، فهاهنا وجهان، والأظهر وقوعهما؛ فإنه قدّم ذكر الطلاق، ثم ذكر الرابط من بعد، فكان مشبهاً بما لو قال: أنت طالق ثلاثاًً.
وهذا الترتيب لا يتحصَّل عندنا والتعليق شرطٌ قدِّم أو أخِّر، والوقوع جزاء قدّم أو أخر، فلا يعتدّ بمثل هذا إلا من لا دُرْبَة له في نظم الكلام والعربيّة.
فصل
قال: "وإن قال: رأسكِ أو شعرك ... إلى آخره" 1.
9132 - إذا أضاف الطلاق إلى جزء يتصل بها اتصال خِلقة مثل أن يقول: رأسُكِ أو يدكِ، أو شعركِ طالق، فيقع الطلاق، ولو أضاف الطلاق إلى جنينها، لم يقع الطلاق، اتفق 2 عليه نقلة المذهب.
ولو أضاف الطلاق إلى فضلات بدنها كالدمع، والريق، والبول، والعرق، وما في معناها، ففي المسألة وجهان: أصحهما - أنه لا يقع؛ لأن هذه الأجزاء لا يلحقها الحلّ والحرمة، [وليست متَّصلة] 3 بها اتصال خلقة؛ فإن قيل: ما الفرق بين هذه الأشياء وبين الجنين، والجنين متكون من فضلة منها؟ قلنا: ولكن له حكم الاستقلال والانفصال.
وإذا قال: روحك طالق، وقع الطلاق؛ فإنه يعبَّر به عن الجملة، وكأنه الأصل المقوِّم، وما عداه فرع.
وإذا قال: دمك طالق، فلأصحابنا طريقان: منهم من قطع بوقوع الطلاق؛ فإن الدم في معنى الروح؛ إذ به قوام البدن، وليس من الفضلات التي تنفضها الطبيعة، كالبول وما في معناه.
ومنهم من قال نُجري الوجهين في الدم؛ لأنه غير متصل اتصال التحام والتئام وليس [الروح] 4 المقوِّم بمثابة الفضلات، ثم البدن لا يخلو عن الفضلات وتنفض الطبيعة بعضها، والدم كذلك.
ولو قال للمرأة: لبنك طالق، أو قال: منيّك طالق، قال الأصحاب: اللبن
كالرجيع والبول، فإنه يُنْتَفَض لا محالة، بخلاف الدّم القارّ في العروق.
وإذا قال: منيك طالق، فهو في معنى اللبن؛ فإن ما يصير [منيّاً] 1 يُنْتَفَض ومادته الدّم، وما دام دماً لا يكون منيّاً.
ولو أضاف الطلاق إلى صفة من الصفات التي ليست من الأجزاء كالحُسن، والقبح، واللون، لم يقع الطلاق.
ولو قال: سِمَنُك طالق، فالسِّمَن جزء من أجزائها ملتحم [بها] 2.
ولو قال: شحمك طالق، والشحم على الثَّرْب 3 كالشيء الجامد، ولا التحام له، ولا روح فيه وإذا اندلقت حشوةُ 4 الإنسان من الجرح فيُبَان الشحم منه ولا يألم، فهذا فيه ضرب من التردد 5، وليس عندنا مذهبٌ ننقله.
ولو قال: حياتك طالق والحياة صفة، فالأشبه أنها بمعنى الروح، ولا يختبطن الفقيه في الروح والحياة، فيقع فيما لا يعنيه.
9133 - ولو أبينت أذنها فالصقتها بحرارة الدم والتحمت -إن أمكن ذلك وتُصوّر- فلو أضاف الطلاق إلى هذه الأذن الملتحمة، ففي وقوع الطلاق وجهان: أحدهما - أنه يقع للاتصال الحقيقي من جهة الخلقة.
والوجه الثاني - أنه لا يقع؛ لأنها مستحقة الإبانة والفصل لأجل الصلاة 6، فكأنها
كالمبانة، وحكمها حكم الجماد والميتة، وهذه المسألة صوّرها الفقهاء وبنَوْا الحكم على اعتقاد تصوّرها، وهي ليست متصوَّرة، فإن ما أبين وفصل لا يلتحم قط في طرد العادة، وقد يبان البعض فيلتحم ما أبين، ومثل هذا لو أضيف الطلاق إليه وبعضه مبانٌ غير ملتحم، فالطلاق يقع مع انقطاع البعض قبل التحامه.
ولو أضاف إلى الأخلاط المنسلكة في البدن كالبلغم والمِرّتين 1 فسبيل الإضافة إليها كسبيل الإضافة إلى فضلات البدن، وليس كالدّم؛ فإن به قوام البدن، وهو مادة خَلَف ما ينحل من الإنسان.
9134 - ومن بقية الكلام في هذا الفصل أنه إذا أضاف الطلاق إلى جزء منفصلٍ أو إلى جزء شائع، وحكمنا بوقوع الطلاق، فللأصحاب اختلاف مشهور في تقدير ذلك، فمنهم من قال: يصادف الطلاق الجزء المعيّن، أو الشائع، ثم يسري منه ويستوعب، كما يسري العتق من النصف.
ومنهم من قال: تقديرُ وقوع الطلاق بتنزيل عضو أو جزء منزلة الكل، فإذا قال: يدك طالق، أو نصفك طالق، كان كما لو قال: أنت طالق، وإذا كان التقدير على هذا الوجه، فلا حاجة إلى تقدير توجيه الطلاق على البعض والتسرية منه إلى الباقي.
توجيه الوجهين:
9135 - من قال يقدّر فيه التَّسرية استدلّ بمقتضى اللفظ أولاً، وبما استشهدنا به من التسرية في العتق.
ومن قال: لا تقدر التسرية احتج بأن الطلاق لا يفرض له ثبات على جزء شائع حتى يُبنى عليه التسرية منه، وليس كذلك العتق المضاف إلى الجزء الشائع وإذا كانت التسرية نتيجة إمكان الثبات على الجزء المذكور، وذلك غير ممكن في الطلاق، فيتصدّى بعد ذلك إبطال اللفظ وإلغاؤه، أو إعمالهُ بتنزيله منزلة مخاطبة الجملة، فإذا لم يمكن الإلغاء، لم يبق إلا الوجه الثاني.
والذي يحقق هذا أنه لو قال: أنتِ طالق نصف طلقةٍ، لم يفرض ثبوتٌ وسريان، بل جعل النصف عبارة عن الكل، فإذاً ثبت الوجهان، وفائدتهما أن الرجل إذا قال لامرأته: "إن دخلت الدار [فيمينك طالق، فقُطعت يمينها، ثم دخلت الدار] 1 فإن جعلنا تنفيذ الطلاق بتقدير التسرية من الجزء المعين، لم يقع الطلاق؛ لأن التسرية تستدعي تمكيناً من أصل، [وذلك] 2 الأصل زائل.
وإن جعلنا العبارة عن الجزء عبارة عن الكل، فالطلاق واقع، وقوله: يمناك بمثابة قوله: أنت طالق.
ولو قال لامرأته التي لا يمنى لها: يمناك طالق، فمن أصحابنا من خرّج هذا على التردد الذي ذكرناه؛ وقال: إن جعلنا ذكر الجزء كالكل، فالطلاق واقع، وإن قدرنا التسرية، لم يقع.
وهذا غير سديد في هذا المحل، والوجه القطع بأن الطلاق لا يقع؛ لأن العبارة لم تصادف معبَّراً، فكان كما لو قال لامرأته: لحيتك طالق، أو قال: ذكرك طالق.
وهذا يجب أن يكون متفقاًعليه.
ولو أضاف العتق إلى عضوٍ معيّن من عبدِه، اختلف الأصحاب فيه أيضاً على حسب ما ذكرناه في الطلاق؛ فإن تقدير تثبيت العتاق في الجزء المعيّن ليبنى عليه التسرية مستحيل، فكان العتاق فيه كالطلاق في الجزء الشائع والمعيّن.
ولو قال مالك العبد: نصفك حرٌّ، فظاهر المذهب تقدير التسرية.
ومن أصحابنا من قال: النصف في العبد الخالص عبارة عن الكل، ولا يسلك فيه مسلك التسرية؛ فإن العتق في المملوك الواحد لا يتبعض، وإنما تفرض التسرية من ملك إلى ملك.
9136 - وما ذكرناه من الإضافة إلى الجزء المعين والشائع لا يجرى إلا فيما يقبل التعليق بالأغرار ويبنى على السّريان والغلبة.
قال القاضي: إضافة الإقالة والفسوخ إلى الجزء المعين فاسد لاغٍ؛ فإن الفسوخ ينحى بها نحو العقود، ولا تُعَلّقُ كما لا تُعَلَّقُ العقود؛ فما لا تصح إضافة العقد إليه لا يصح إضافة الفسخ إليه، والإقالة بين أن تكون بيعاً أو فسخ بيع.
فصل
قال: "ولو قال: أنت طالق بعض تطليقة ... إلى آخره" 1.
9137 - إذا قال لامرأته: أنت طالق بعض تطليقة، طلقت طلقة واحدة، وهذا على مذهب تنزيل العبارة عن البعض منزلة العبارة عن الكل، ولا تتخيل التسرية في ذلك.
ولو قال: أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة، أو أربعة أثلاث، أو خمسة أرباع، أو ما شابه ذلك، فزاد على الأجزاء الطبيعية، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يقع إلا طلقة؛ فإنه أضاف الأجزاء التي ذكرها إلى طلقة واحدة، فكان الاعتبار بالمضاف إليه، فإن زادت الأجزاء، فالزائد ملغى؛ فإن الأضافة من غير مضاف إليه لاغية، لا حقيقة لها.
والوجه الثاني - أنه يقع طلقتان؛ فإنه زاد على أجزاء طلقة، فانصرف نصفان إلى طلقة وتمت بهما، والزائد محتسب من طلقة أخرى والطلاق على الغلبة والسّريان.
وحقيقة الوجهين ترجع إلى أن من الأصحاب من يعتبر المضاف إليه ولا يزيد عليه، ومنهم من ينظر إلى الأجزاء المذكورة، فإن كانت على قدر طلقة أو أقل، نفذت
طلقة، وإن كان في الأجزاء المذكورة زيادة، فهي محتسبة طلقة أخرى.
9138 - ويتفرع على ما ذكرناه مسائل: فإذا قال: أنت طالق أربعة أنصاف طلقة، ففي وجهٍ طلقة، والزيادة لاغية، وفي الوجه الثاني طلقتان.
وإذا قال: خمسة أنصاف طلقة، فهي في وجهٍ طلقة، وفي وجهٍ ثلاث طلقات؛ فإن الطلقتين يكملان بأربعة أنصافٍ، والنصف الخامس يُعتد به من الطلقة الثالثة.
وعلى هذا قياس سائر الأجزاء، إذا زادت على أجزاء واحدة.
9139 - ولو قال: أنت طالق نصف طلقتين، وزعم أنه أراد نصفاً من كل طلقة، وقعت طلقتان، ولو أطلق لفظه، فالأصح أنه لا يقع إلا طلقة، فإنه يظهر حمل نصف الطلقتين على طلقة من غير أخذ جزء من كل طلقة.
ومن أعظم الأصول المعتبرة ألا نوقع الطلاق إلا على استيقان، أو ظهورٍ يلي الاستيقان، والضابط فيه أن يكون تقدير الحَيْد عن ذلك الظهور في حكم المستكره في الكلام المستبعد، وحمل نصف الطلقتين على طلقة لا استكراه فيه.
ومن أصحابنا من قال: يقع طلقتان؛ فإن نصف الطلقتين بمثابة نصف العبدين، ونصف العبدين نصفٌ من كلّ عبدٍ، فليكن الأمر كذلك في نصف الطلقتين.
فإذا حمل هذا على الإشاعة، لزم وقوع طلقتين، وينشأ من هذا أنه لو قال: لفلان نصف هذين العبدين، ثم قال: أردت أن أحد العبدين له، لم يقبل ذلك منه وفاقاً، والسّبب فيه أنهما شخصان، فلا شك لا يتماثلان، فإضافة النصف إليهما تتضمن إضافة النصف إلى كل واحد منهما لا محالة، وليس كذلك إضافة النصف إلى طلقتين؛ فإن الطلقتين تضاهيان عدداً محضاً من غير تمثيل معدودٍ، فإذا أضيف النصف إلى اثنين من العدد، اتّجه فيه الحمل على واحدٍ.
ومن سلك المسلك الآخر جعل الحكم المسمى بالعدد كالشخص الماثل.
هذا إذا قال: أنت طالق نصف طلقتين وأطلق.
[فإن] 1 قال: أردت [بنصف] 2 الطلقتين طلقة، فإن حملنا المطلَق على هذا، فلا شك أنه إذا فسّر به قُبل، وإن لم يحمل المطلق على هذا، فإذا فسّر به، ففيه وجهان.
ولهذا الفنّ أمثلة ومسائل مضى بعضها، وسنكمل الأُنس بذكر باقيها.
9140 - وبالجملة الألفاظ ومعانيها على مراتبَ عندنا، فمنها: ما لا سبيل فيه إلى الإزالة ظاهراً وباطناًً، وهذا يفرض في جهات مخصوصة، وهو ممثل بأن يقول لامرأته: "أنت طالق"، ثم زعم أنه نوى طلاقاً لا يقع، فهذا مردود ظاهراً وباطناً، وضبطه أنه لو صرح به متصلاً، لرُدّ وأُلغي، فلا يزيد منويُّه على ملفوظه.
والرتبة الثانية - ما لا يُقبل فيه تغيير اللفظ ظاهراً، [ويدَيَّن] 3 اللافظ بينه وبين الله تعالى.
وهذا كقول القائل: أنت طالق، مع إضماره التطليق عن الوثاق، وقد ضبطنا قاعدة التديين بما فيه أكملُ مَقْنع، وهذه المرتبة تضبط بأن يضم اللافظ ما لا يعتاد إرادته باللفظ مع اختلاف الأحوال، ثم ينقسم مسلك المذهب: فمن الأصحاب من يضبطه بما يمكن النطق به، ومنهم من يضبطه بذلك ويشترط معه إشعار اللفظ به في وضعه على بُعدٍ كالتطليق عن الوثاق.
والمرتبة الثالثة ظهور اللفظ في غرضٍ مع صرفه بتأويلٍ آخر إلى وجهٍ آخر، والصرفُ إلى ذلك الوجه قد يجري في مجاري الكلام، ولا يبعد بُعْدَ ما ذكرناه في المرتبة الثانية.
وهذا ينقسم ثلاثة أقسام: قد يظهر التأويل حتى يكاد [يكون] 4 اللفظ في حكم المتردّد بين معنيين، فيظهر في هذا المقام ألا نحكم بالوقوع بحكم اللفظ.
وقد يخفى التأويل -وإن كان يفرض جريانه- فيغلب أن مطلِق اللفظ لا يُطلِق اللفظَ إلا على مقتضى ظهور؛ فإن أراد غيره صُرِف بالنية، فما كان كذلك يضطرب الرأي في حكم إطلاقه.
وقد يتناهى ظهور اللفظ، ويخفى التأويل، حتى يقتضي الرأيُ القطعَ بحمل المطلق على الوقوع، ويتردد الرأي في قبول التأويل في حكم الظاهر، فيصير التأويل في نظرٍ مائلاً إلى التديين، وفي نظرٍ يمتاز بتقدير إجرائه في الفرق وإن كان على ندور.
وتُهذَّب هذه الأقسام بأن نقول: إذا تردّد اللفظ بين أن يقع ولا يقع، وظهر التردّد، قطعنا بنفي الوقوع.
وإن تعلّى عن التردّد، وكان الوقوع أظهر، ولم ينته التأويل إلى الخفاء، [قطعنا] 1 بقبول التأويل؛ فترددنا في صورة الإطلاق.
وإن اتصل التأويل برتبة الخفاء، أعملنا اللفظ المطلق، وإن ادعى اللافظ صرفه إلى التأويل، ترددنا فيه.
وهذا الذي نذكره أقصى الإمكان في الضبط.
وميزان هذه الأقسام قريحة الفقيه على شرط الرسوخ في معرفة اللفظ والعادة.
9141 - وما ذكرناه الآن مثال قسم من هذه الأقسام.
فإذا قال: أنت طالق نصف طلقتين، فالذي نراه أن الحمل على طلقة مع الحمل على نصفي طلقتين في رتبة التقاوم واللفظ مردّد بينهما، فكان الأظهر أن المطلق [منه] 2 يحمل على الأقل، ومن أبدى فيه خلافاً؛ فلإلفه بالخلاف في الألفاظ المطلقة وعدم اعتنائه بمعرفة الإقرار 3.
ولو قال: أنت طالق نصفي طلقتين، فاللفظ محمول على طلقتين كيف فرض وقدّر.
ولو قال: أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقتين، فالأجزاء المضافة زائدة على المضاف إليه، فمن راعى المضاف إليه، أوقع طلقتين، وألغى الزيادة، ومن راعى الأجزاء في أنفسها أوقع ثلاث طلقات على القياس المقدم.
ولو قال: أنت طالق خمسة أنصاف طلقتين، فمن راعى المضاف إليه، لم يزد على طلقتين؛ فإنه إذا ألغى الزيادة، لم يكترث بمبلغها، ومن نظر إلى الأجزاء أوقع الثلاث؛ فإنه لم يجد أكثر من الثلاث.
9142 - ولو قال: أنت طالق سدس وثلث وربع طلقة، فالواقع طلقةٌ.
ولو قال: أنت طالق سدس طلقةٍ وربع طلقةٍ وثمن طلقةٍ، فالمذهب الصحيح أنه يقع ثلاث طلقاتٍ؛ فإنه عطف الجزء على الجزء، وأضاف كل جُزءٍ إلى طلقةٍ، فاقتضى ذلك تغاير الطلقات المضاف إليها، وإذا تغايرت، انصرف كل جزءٍ إلى طلقةٍ، وهذا يقتضي التعدّد لا محالة.
ومن أصحابنا من قال: إذا نوى صَرْفَ هذه الأجزاء إلى طلقة واحدة، قُبل ذلك منه، وإن تعددت الألفاظ، ومثَّل هذا القائل المسألةَ بما لو قال: أنت طالق طالق طالق؛ فإن الألفاظ وإن تعدّدت تطرّق إليها إمكان التوحيد والتأكيد، فكذلك الطلقات وإن تعدّدت، فالأمر فيها على التردد، وإذا تردّدت الطلقات بين التأكّد والتجدّد والأجزاء مضافة [إليها] 1، تبع المضافُ المضافَ إليه.
وهذا ساقط لا أصل له، والأصل ما قدّمناه؛ وذلك أنه لو قال: أنت طالق طلقة طلقةً طلقةً، فالتأكيد مقبول، ولو خلل بين الطلقات صلاتٍ متغايرة، فهي على التجدّد، والإتيان بالأجزاء المتغايرة يفيد من التجدد في المضاف إليه ما تفيده الصلات المتغايرة، والمسألة مفروضة فيه إذا قال: أنت طالق سدس طلقةٍ وثمن طلقة.
وقد يجرى ذلك الوجه الضعيف فيه إذا قال: أنت طالق ثلث طلقةٍ وثلث طلقة وثلث طلقةٍ.
9143 - ومن قواعد هذا الفصل إيقاع طلقةٍ بين نسوةٍ، فإن هذا قد يُفضي إلى التبعيض، فكان منتظماً مع تبعيض الطلاق.
فإذا قال لأربع نسوة: أوقعت عليكن طلقة، وقع على كل واحدة منهن طلقة لا محالة، فإنه عمّمهن، وصرّح باشتراكهن، فكأنه طلق كل واحدة ربع طلقة.
ولو قال: أوقعت عليكن طلقتين وقصد قسمة [الطلقتين] 1 عليهن على استواء وتعديل من غير إفراد كل طلقةٍ بالتوزيع على جميعهن، فمقتضى هذه القسمة أن يخص كل واحدة نصف طلقة، فيطلقن واحدة واحدة.
ولو قال: أردت كل طلقةٍ على جميعهن، فيخص كل واحدة منهن جزءان من طلقتين، فتطلق كل واحدة طلقتين.
ولو أطلق، ولم يتعرض لتفصيل القسمة، فلفظه في الإطلاق محمول على استواء القسمة من غير تقدير فضّ 2 كل طلقةٍ على جميعهن؛ فإن تقدير هذا تأويل بعيد، ولا تحمل اللفظة مع إطلاقه على التأويل البعيد.
وإذا قال الرجل لعبده: اقسم درهمين على هؤلاء الأربعة، لم يفهم المأمورُ منه تقسيمَ كل درهم على جميعهم.
9144 - ولو قال: أوقعت بينكن تطليقةً، ثم زعم أنه أراد تطليق واحدة منهن دون الباقيات، والمعنيَّ باللفظ أوقعتُ طلقةً على واحدة منكن، فإذا كانت المطلّقة بينهن، فالطلاق بينهن، وهو كقول القائل وهو يتّهم بالسرقة واحداً من جمع: [المسروق] 3 لا يخرج من بين هؤلاء، فيطلِقُ اللفظ، وإن كان يرى أنه في يدٍ واحد منهم دون غيره من أصحابه.
فإذا فسّر قوله: أوقعت بينكن تطليقة بما ذكرناه، فقد ذكر الأصحاب وجهين: أحدهما - أن ذلك لا يقبل؛ فإن مقتضى اللفظ التشريك وترك هذا المقتضى إزالةٌ للظاهر بتأويل بعيدٍ.
والوجه الثاني - أن هذا مقبولٌ منه، وهذا الوجه صححّه بعض المصنّفين، وزعم أنه الأظهر، وهو غير سديد.
والصحيح حمل اللفظ على الاشتراك؛ لأن الطلاق أضيف إلى جميعهن بصلةٍ اتصلت بضميرهنّ.
وقد زيّف القاضي قبول تخصيص الطلاق بواحدة منهن، ولم يحك الشيخُ أبو عليّ هذا الوجهَ أصلاً، بل قطع بأنّ اللفظ محمول على الاشتراك، ثم الذين يصححون وجوب الحمل على الاشتراك ويضعّفون الوجه الآخر قاطعون بأن اللفظ المطلق من غير إبداء قصد محمول على الاشتراك.
ومن صحح قبول حمل الطلاق على واحدة لا بعينها ذكر في الإطلاق أن الظاهر الحَملُ على الاشتراك، وشبّب بوجهٍ مخالفٍ لهذا واللفظُ مطلق.
وهذا باطل قطعاً، فلا شك في الحمل على الاشتراك في الإطلاق، وإنما التردد فيه إذا قال: أردتُ تطليق واحدة لا بعينها، والأصح أنه لا يقبل.
9145 - ولو قال: أوقعت بينكن ثلاثَ طلقات، وأراد القسمة المستوية، أو أطلق اللفظ، فتطلّق كلّ واحدة طلقة، ويخصها من القسمة ثلاثةُ أرباع طلقةٍ، ثم تُكمّل.
ولو قال: أردت توزيع كل طلقةٍ عليهنّ، طُلقت كل واحدة ثلاثاًً، والمطلَق محمول على القسمة المستوية.
ولو قال: أوقعت بينكن أربعَ طلقاتٍ، وأراد الاستواء، أو أطلق، طلقت كل واحدة طلقةً، وأصابها من حساب القسمة طلقة.
ولو قال: أوقعت بينكن خمسَ طلقات [وهن] 1 أربع، طُلِّقت كل واحدة طلقتين؛ فإن القسمة المستوية توجب أن يخص كلَّ واحدة طلقةٌ وشيء.
ثم هذا جارٍ في الست والسّبع والثمان.
فإن قال: أوقعت بينكن تسعَ طلقات وأراد القسمة المستوية أو أطلق اللفظ، طلقت كلُّ واحدة ثلاثَ طلقات؛ فإن تسوية القسمة على الأربع والمقسوم تسعة يوجب أن يخص كل واحدة [طلقتان وربع] 2، أو جزء [طلقة] 3 فَتُكَمَّلَ.
وإن أراد تقسيط كل طلقة، فقسمة الثلاث عليهنّ يوجب تكميل الطلقات في حق
كل واحدة، فلا معنى لذكر هذا القسم وراء الثلاث 1.
9146 - ولو قال: أوقعت بينكن خمسَ طلقات وكن أربعاً، فإن أطلق لفظه، طلقت كل واحدة طلقتين، كما تقدم، وإن قال: أردت تطليق واحدةٍ ثلاثاًً، وتطليق واحدة اثنتين، وتبرئة اثنتين عن الطلقات، فهذا خارج على الخلاف الذي ذكرناه: فمن أصحابنا من قال: لا يجوز إخراج واحدة منهن عن الطلاق؛ لما يقتضيه اللفظ من التشريك.
ومن أصحابنا من قال: يُقبل ذلك منه، وقد قدمنا هذا الخلاف.
ولو قال: أردتُ تطليق فلانة منهن ثنتين، وفضَّ ثلاث طلقات من الخمس على الباقيات، حتى يطلقن واحدة واحدة، فهذا ليس فيه إخراج واحدة عن أصل الطلاق، ولكن فيه تفاوت بينهنّ في المقدار، فمن قبل منه إخراج بعضهن عن قسمة الطلاق، فلا شك أنه يقبل هذا أيضاً، ومن لم يقبل إخراج بعضهن عن الطلاق، فهل يقبل التفاوت في القسمة؟ هذا فيه تردّد: من أصحابنا من قال: لا بد من تقدير التسوية والقسمة، ثم ننظر إلى ما يقتضيه حكم القسمة في حق كل واحدة.
وقطع الشيخ أبو علي بأن التفاوت في القسمة مقبول من تفسيره؛ فإنه أضاف الطلقات إليهن وأبهم القسمة مردَّدةً بين تخيّر التفاوت وبين التعديل، فإذا لم يأت ما يخالف الاشتراك [والإضافةُ] 2 مبهمة، اتّجه قبول تفسيره.
9147 - ولو قال: بينكن -وهنَّ أربعٌ- عشرُ طلقات، فإن أراد القسمة المستوية قُبل، وطلقت كل واحدة ثلاث طلقات؛ فإنه ينالها طلقتان ونصفٌ.
ولو قال: أردت [فضَّ] 3 العَشْر على أن يكون ثلاث على زينب، وثلاث على عَمْرة، وثلاث على فاطمة، وواحدة على عائشة، فهذا يخرّج على التردد الذي ذكرناه واختيار الشيخ 4 فيه القبول.
ولو قال: أوقعت بينكن طلقتين وهُنّ أربع، ثم ادّعى أنه أراد تطليق اثنتين دُون الأُخريين، ففي المسألة وجهان، وكذلك لو قال: أوقعت بينكن أربعاً، ثم قال: أردت طلقتين على واحدة وطلقتين على واحدة، ففي المسألة الوجهان المذكوران.
ولو ادعى أنه أراد إيقاع الأربع على واحدة منهن، وفرّعنا على أنه يقبل منه تفسير التخصيص، فهاهنا تطلّق المعيّنة ثلاثاًً، وفي الطلقة الرابعة جوابان للقاضي: أحدهما - أنها تلغو، فكأنه قال لواحدة: أنت طالق أربعاً؛ فإنا إذا قبلنا التخصيص في الأصل، فهذا من موجبه.
والجواب الثاني - أن هذه الطلقة الرابعة توزّع على الثلاث الباقيات، حتى لا تضيع؛ فإن تفسير التخصيص إنما يقبل إذا لم يتضمن إحباط طلاقٍ مما جاء به.
والمسألة محتملة حسنة.
9148 - ولو قال وتحته أربع نسوةٍ لثلاث منهن: أوقعت بينكن طلقةً، وحملنا هذا على الاشتراك، فيقع على كل واحدة منهنّ طلقة بحكم اللفظ، فلو قال للرابعة: أشركتك معهنّ -والمسألة لصاحب التلخيص 1 -، قال الأئمة فيها: إن لم ينو بقوله أشركتك طلاقاً، لم يقع شيء؛ فإنه كناية.
وإن قال: أردت بذلك طلقةً واحدةً وعنيت بالإشراك أن تكون كواحدة منهن، فيقبل هذا منه؛ فإن هذا الاحتمال ظاهر.
ولو قال: أردت بالإشراك أن تصير الرابعة شريكة لكل واحدة من الثلاث على التفصيل، فينالها من شركة كل واحدة طلقة، فتطلق ثلاثاً.
ولو قال: نويت الإشراك، ولم يخطر لي لا الواحدة ولا الثلاث، فقد قال القفال فيما حكاه الشيخ أبو علي: إن هذه الرابعة تطلق طلقتين؛ فإنه نال الثلاث ثلاث طلقات، وهن حزِبٌ، وهذه الواحدة في مقابلتهن، وقد لحقهن ثلاث طلقاتٍ طلقة طلقةً، فإشراكها يتضمن أن تكون على النصف من ثلاث طلقات، فينالها طلقة ونصف، وإذا كمّلنا، أصابها طلقتان.
قال الشيخ أبو علي: الصواب عندي أن هذه الرابعة في صورة الإطلاق لا تطلّق إلا واحدة؛ فإن ظاهر التشريك في الطلاق يقتضي أن تكون كواحدة منهن، حتى تنزل منزلة الواحدة، هذا أقرب إلى الفهم، وأقرب إلى الدرك من جمع ثلاث طلقات، وتقدير التشطير [فيها] 1 والأمر على ما ذكره الشيخ، ولا اتجاه لغيره.
9149 - ومما يتعلق بتمام المسألة أنه لو قال لأربع نسوة: أوقعت بينكن ثُلثَ طلقة وسدُس طلقةٍ ونصفَ طلقة.
قالى العراقيون: يقع على كل واحدة ثَلاث طلقات، فإنه فصل الطلقات، وقسم كل جزء من طلقةٍ عليهنّ، وهذا الذي ذكروه ينبني أولاً على ما لو قال لواحدة: أنت طالق سدس طلقةٍ وثلث طلقةٍ ونصف طلقة، وهذه المسألة قدّمناها.
فإن قلنا فيها: الواحدة لا تطلق ثلاثاًً إذا أطلق الزوج هذه الألفاظ، فهذا في القسمة أَوْلى، وإذا قلنا: الواحدة إذا خُوطبت بهذه الألفاظ، طلقت ثلاثاً، فإذا قال لأربع نسوة: أوقعت بينكنّ سدس طلقةٍ، وثلث طلقة، ونصف طلقة، فالمسألة محتملة: يجوز أن يقال: هو كما لو قال: أوقعت بينكنّ ثلاث طلقات، والقسمة المستوية لا توجب في ذلك إلا طلقة.
ويجوز أن يقال: لمّا أفرد ذكرَ كل جزء من طلقة، ظهر من ذلك قصد توزيع كل طلقة على الجميع، والتقديرُ قسمت عليكن طلقة، ثم أخرى، ثم أخرى.
ولو قال على الطريقة التي ارتضاها العراقيون: أوقعت بينكن طلقة وطلقة وطلقة، فهذا محتمل على قياسهم، يجوز أن يقال: تطلّق كل واحدة ثلاثاًً لما في لفظه من التفصيل، ويجوز أن يقال: هذا كما لو قال: أوقعت بينكن ثلاث طلقات، ويجوز أن يقدر فرقٌ بين هذا وبين أن يقول: أوقعت بينكن سدس طلقة، وثلث طلقةٍ، ونصف طلقةٍ؛ فإن في تغاير أجزاء الطلاق مزيد دلالة على تفصيل بعضها عن البعض بالقسمة، وليس في عطف الطلقة على الطلقة هذا.
فصل
قال: "ولو قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا اثنتين، فهي واحدة ... إلى آخره" 1.
9150 - قدمنا في كتاب الأقارير أصل الاستثناء وتفصيلَه، والقولُ في صورة الاستثناء يتسّع في الأقارير؛ فإنّ فرض الأعداد ممكن، فيتوسع المجال في ورود النفي على الإثبات، والإثباتِ على النفي، ولا مزيد على الثلاث في الطلاق، وفيما قدمناه من الأقارير ما يُطْلع على تمام المقصود في الطلاق، ونحن نتوفَّى التكريرَ جهدنا، ولكن لا يمكن إخلاء هذا الفصل مما ذكره الأصحاب، فإن اقتضى الترتيب تكريراً، كان محتملاً، ونحن نحرص ألا نُخلي ما نذكره عن زوائدَ وفوائدَ.
وفي الاستثناء أصلان معتبران: أحدهما - الاتصال، وقد مضى بيانهُ وسببُ اشتراطه.
والآخر - ألا يكون الاستثناء مستغرقاً للمستثنى عنه 2؛ فإن استغرق، كان مردوداً ولا يتوقف الرّد على بعضه، بل يَحبَط كلُّه، وينفُذ المستثنى منه بكماله.
ومن الأصول المرعيّة أن الاستثناء يناقض المستثنى عنه، فإن جرى بعد نفي، كان إثباتاً، وإن جرى بعد إثباتٍ، كان نفياً.
ومن الأصول أن الاستثناء المعطوف على الاستثناء في معناه، فلا يكون استثناء منه، بل يكون مع المعطوف عليه استثناء عما تقدم، وإن جرت صيغة الاستثناء بعد الاستثناء من غير واو عاطفة، فالثاني استثناء من الاستثناء الأول، ويجري على مضادته لا محالة.
9151 - ونحن بعد الإشارة إلى الأصول نذكر المسائل؛ فإن قال: أنت طالق ثلاثاًً إلاّ ثلاثاً، طلقت ثلاثاً، وبطل الاستثناء، وصار كأنه لم يكن.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا واحدة، طلقت ثنتين.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلاّ واحدة، وإلا واحدة، فقد استثنى طلقتين بعبارتين
معناهما واحدٌ، فكان كما لو قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا ثنتين.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا ثنتين إلا واحدة، فاللفظة الأخيرة استثناء من الاستثناء؛ فإنها غير معطوفة، والتقدير: أنت طالق ثلاثاًً تقع، فهو إثباتٌ، إلا ثنتين لا تقعان، وهذا نفي ما أثبته، إلا واحدة تقع، وهذا إثبات ما نفاه.
وإذا عَطَف المستثنى عنه بعضَه على بعض، وأَتى بالعدد في صيغٍ وعَطَف البعض منها على البعض، ثم عَقّبه باستثناءٍ، فهل نجمع المستثنى عنه حتى كأنه في صيغةٍ واحدة أم نتركه على إفراده ونقطعه؟ ذكر القاضي وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي، وتصوير المسألة أن يقول: أنت طالق واحدةً، وواحدة، وواحدة، إلا واحدة.
فقد ذكر ثلاث طلقات في ثلاث صيغ، فمن جمع تلك الصيغ، صحح الاستثناء، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا واحدة، ومن يترك تلك الصيغ على تقطيعها، فالاستثناء عنده باطل، فإنه قال آخراً: وواحدة، ثم قال: إلا واحدة، فانصرف استثناء الواحدة إلى الواحدة، فكان مستغرقاً، والاستثناءُ المستغرق باطل.
ولو قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا ثنتين، فهذا يخرج على الوجهين، فإن جمعنا الصيغ، لم يقع إلا طلقة واحدة، وكان كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين، ولو تركنا الصيغ على تقدّمها وتقطعها، وقع الثلاث وبطل الاستثناء؛ فإنه قال آخراً: وواحدة إلا ثنتين، فاستثنى ثنتين من واحدة والاستثناء زائد على ما يقع به الاستغراق.
ولو قال: أنت طالق واحدة وواحدة [وواحدة] 1 إلا ثلاثاًً، فلا شك في وقوع الثلاث كيفما قدّرنا: ضممنا الصيغَ، أو تركناها مفرّقة.
9152 - ولو عطف الاستثناءات بعضَها على البعض بحرف الواو، فالكل في معنى واحدٍ لما مهدناه من اقتضاء العطف الإشراك، ولكنا هل نجمعها على تقدير أنها كالمذكورة في صيغة واحدة أم نتركها على تقطعها ونفرّق صيغها؟ قال القاضي
وغيره: في المسألة وجهان كالوجهين فيه إذا عطف المستثنى عنه بعضه على البعض بالصيغ المتفرقة.
وبيان الغرض بالصور أنه لو قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا واحدةً، وواحدة، وواحدة، فإن جمعنا هذه الصيغ وجعلناها [كالصيغة] 1 الواحدة، بطلت بجملتها، ووقع الثلاث، وكأنه قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا ثلاثاًً.
ولو تركناها على تقطعها، فيصح الاستثناء في ثنتين وتبطل الصّيغة الأخيرة، فإنها مستغرقة، فيختص الإبطال بها، ويصير كما لو قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا واحدة وواحدة.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا ثنتين وإلا واحدة، فإن جمعنا الصيغ، أوقعنا الثلاث، وصار كما لو قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا ثلاثاًً، وإن فرعنا على التفريق، فاستثناء الثنتين صحيح واستثناء الواحدة باطلٌ مردودٌ.
ولو قلب، فقال: إلا واحدة وثنتين، فالثلاث تقع على أحد الوجهين، ويقع ثنتان على الوجه الثاني، فإن الصّيغة الأولى في الاستثناء مشتملة على واحدة، والصيغة الثانية مستغرقة، وإذا بطل بعض مضمونها بطل الجميع.
9153 - ولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، إلا ثنتين، فالتقدير: أنت طالق ثلاثاًً تقع، إلا ثلاثاًً لا تقع، إلا ثنتين تقع، ففي المسألة أوجه: أحدها - أن الثلاث تقع؛ لأن الاستثناء الأول، كان مستغرقاً فلغا، ولغا الثاني، لأنه استثناء من لاغٍ، وهذا ضعيف.
والوجه الثاني -وهو الأصح- أنا نصحح الاستثناءين، فنجعل الاستثناء الثاني منصرفاً إلى الاستثناء الأول على حكم المضادة، فيخرج الاستثناء الأول من كونه مستغرقاً، فإذا خرج عن كونه مستغرقاً، صحّ، والتقدير على ما قدمناه أنت طالق ثلاثاًً تقع، إلا ثلاثاًً لا تقع إلا ثنتين تقعان فيعود الاستثناء الأول إلى واحدة، فيقع طلقتان، وكأنه قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة.
والوجه الثالث - أن الاستثناء الأول يلغو، ويرفع من البين، فيقدّر كأنه لم يكن، فيبقى الاستثناء الثاني، والطلقات الثلاث، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا ثنتين، ولو قال ذلك، لم يقع إلا طلقة واحدة.
وهذا على نهاية الضعف، ولولا اشتهاره [وتوّلع الأصحاب بحكايته] 1، لما ضمَّنته هذا المجموع، فإنه خارج عن صيغة اللفظ، وعن حكم القصد والمراد، وليس في المصير إليه استمساكٌ بمقتضى فقهيّ.
ولو قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة وواحدة وواحدة، وقع الثلاث إجماعاً؛ لأنا إن جمعنا، لم نخصص بالجمع جانباً، وكان التقدير أنت طالق ثلاثاًً إلا ثلاثاًً، وإن فرقنا، لم نخصّص بالتفريق واحداً من الجانبين، فيؤول الكلام إلى استثناء واحدة عن واحدة، فيقع الثلاث على التقديرين جميعاًً.
وكان شيخي أبو محمد يقول: "كل تفريق يؤدي إلى تصحيح الاستثناء، فهو مختلف فيه؛ ميلاً إلى إيقاع الطلاق".
ولا أصل لهذا؛ فإنا نتبع الألفاظ وصِيغَها، فإن عنّ لفقيهٍ تغليبُ وقوع الطلاق، عارضه أن الأصل عدم وقوعه، ومن الأصول الممهدة أنا إذا ترددنا في وقوع الطلاق، قلنا: الأصل عدم الوقوع.
9154 - ومما يتعلق بتتمة الفصل أمرٌ فرّعه ابن الحدّاد، وتكلم الأصحاب فيه، وذلك أنه قال: إذا زاد المطلّق على العدد الشرعي في الطلاق، فالاستثناء بعده يتردّد كما نصف ونصوّر.
فإذا قال لامرأته: أنت طالق خمساً إلا ثلاثاًً، فقد اختلف أصحابنا في المسألة اختلافاً مشهوراً، فمنهم من قال: يقع الثلاث؛ فإن الخمس التي ذكرها عبارة عن الثلاث، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا ثلاثاًً، ولو قال، لوقعت الثلاث؛ لأن الاستثناء مستغرق.
والوجه الثاني - وهو اختيار ابن الحداد أنه يقع ما استبقاه بعد الاستثناء، والخمسُ إذا استثني منها ثلاث، بقيت ثنتان، فتطلق طلقتين، وسرّ هذا الوجه أنه ذكر الخمس
ليتوسّع في الاستثناء، فليقع ما يلغو في مقابلة ما يستثنى؛ إذ هذا طباع الاستثناء، وليقع ما بقي.
ولو قال: أنت طالق أربعاً إلا ثنتين، فهذا يخرج على الوجهين، فمن قال: الأربع عبارة عن الثلاث، يقول في هذه الصورة: لا يقع إلا طلقة، وكأنه قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا ثنتين، ومن قال: يقع ما أبقى، حَكَم بوقوع طلقتين.
ولو قال: أنت طالق ستاً إلا ثلاثاًً، فيقع الثلاث على المذهبين، وخروجه بيّن، فإن من يعتبر ما يبقى بعد الاستثناء يقول: قد بقي ثلاث، ومن جعل الست عبارةً عن الثلاث، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاًً، وهذا بيّن إذا تأمّلته.
ولو قال: أنت طالق طلقتين ونصفاً إلا واحدة، قال ابن الحداد: يقع الثلاث، وإنما بناه على أصلٍ ذكرناه في تقطيع العبارة، فكأنه قال: أنت طالق ثنتين وواحدة إلا واحدة 1.
9155 - ومما يتعلق بتمام الفصل أن بعض الطلقة في الإيقاع طلقةٌ، كما سبق تمهيده، وإن غالط مغالط وقال: لا يقع طلقةٌ بلفظ النّصف، ولكن إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق نصفَ طلقة، وقع الطلاق بقوله: "أنت طالق"، ولغا قوله: نصف طلقة.
ولو قال: أنت طالق طلاقاً لا يقع، لوقع، فذكر النصف بعد ذكر الطلاق لا معنى له.
وهذا ليس بشيء؛ فإنه لو قال: أنت طالق طلقةً ونصفاً، وقعت طلقتان، ولا حيلة في الطلقة الثانية -وقد استقل الطالق بطلقة- إلا حملُ نصف طلقة على طلقةٍ، وكذلك لو قال: أوقعت عليك نصف طلقة، وقعت طلقة.
فهذا أصلٌ لا مدافعة فيه.
ثم قال الأئمة رضي الله عنهم: إذا قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا نصف طلقة، وقعت الثلاث ولغا استثناء النّصف، هذا ما صار إليه حملة المذهب.
9156 - وذكر الشيخ أبو علي في شرح الفروع ما ذكرناهُ، وحكى وجهاً غريباً أن النصف في الاستثناء بمثابة الطلقة، ونجعل البعض عبارةً عن الكل في الإيقاع والإسقاط، وهذا غريب، لم أرَهُ إلاّ لهُ.
ووجهه -على بعده- أنا نحكم بوقوع الطلقة إذا جرى ذكر بعضها، لا على مذهب السريان، كما تقدّم شرح ذلك، بل لا يتجه فيه إلا إقامة العبارة عن الجزء مقام العبارة عن الواحدة، ولعلّ السر فيه أن ما لا ينقسم فبعضه ككلّه.
وهذا غير صحيح؛ فإن الطلاق يُغَلَّب في وقوعه، والاستثناءُ مناقَضةُ الوقوع، وإذا استثنى من يبغي النفي بنصف طلقة، فقد ألغى نصف طلقةٍ والذي أبقاه يُكمَّل.
ولو كنا نجري على أن الجزء عبارة عن الكل فيما لا ينقسم، للزم أن نقول: ما قاله بعض أصحاب أبي حنيفة 1 في أن الرجل إذا قال: زوَّجْتك نصف ابنتي، كان بمثابة ما لو قال: زوجتك ابنتي، لم يختلف أصحابنا في أن النكاح لا يصح بذكر الجزء من المنكوحة.
فالتفريع إذاً على أن استثناء الجزء باطل، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا طلقةً ونصفاً، بطل استثناء النصف، وصح استثناء الواحدة، ووقعت طلقتان.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا اثنتين ونصفاً، فإن جعلنا النّصف عبارة عن طلقةٍ في الوجه الغريب الذي حكاه الشيخ أبو علي، فالتقدير: أنت طالق ثلاثاًً إلا اثنتين وواحدة، ثم يقع هذا في أنا هل نجمع المفرّق؟ فيه التفصيل المقدّم.
وإن قلنا: إنَّ ذكر الجزء في الاستثناء باطل، فهذا فيه احتمال على هذا المقام: ظاهر القياس أن النصف يبطل، ويبقى استثناء ثنتين، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين، [ولا يتجه فيه إعمال الاستثناء؛ لأن في إعماله إبطاله] 2، إذ لو عمل النصف، لصار الاستثناء مستغرفاً مع التفريع على أن المفرّق كالمجموع، ونحن نغلب وقوع الطلاق في هذه المنازل.
ولو قال -والتفريع على الأصحّ-: أنت طالق ثلاثاًً إلا طلقتين إلا نصفَ طلقة، فهذا الاستثناء الأخير صحيح؛ فإنه إيقاعٌ، والتقدير أنت طالق ثلاثاًً تقعُ إلا ثنتين لا يقعان، إلا نصفاً [يقع] 1.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاًً إلا طلقة ونصف، فإذا فرعنا على الأصح، فذكر النصف باطل؛ لأنه للإسقاط لو صح، فالتعويل على هذا، فمهما 2 كان الاستثناء للإيقاع، صح فيه لفظ الجزء، ومهما كان للإسقاط لم يصح على الأصح.
وفي هذا نجاز مسائل الاستثناء، والله أعلم بالصواب.
فصل
قال: "ولو قال: كلّما ولدت ولداً، فأنت طالق ... إلى آخره" 3.
9157 - هذا الفصل يشتمل على أحكامٍ منوطةٍ بمقتضى الألفاظ، والقولِ في انقضاء العدة بوضع الحمل، وإذا اشترك في المسألة النظرُ في الألفاظ والكلامُ في الأحكام، أحوجت المسألةُ الناظرَ إلى مزيد تدبّر، ومضمون المسألة يتأدّى بمسألتين: إحداهما - مفروضة في لفظةٍ لا تقتضى التكرّر، والأخرى مفروضة [في لفظةٍ] 4 تقتضي التكرر، ثم تتشعب كل مسألة.
ونحن نأتي في كل واحدة بما يليق بها.
9158 - فإذا قال لامرأته: إن ولدت ولداً، فأنت طالق، فولدت ولداً، ثم أتت بولدٍ آخر لأقلّ من ستة أشهرٍ من ولادة الولد الأول، فيلحقها طلاق واحد بالولادة الأولى، وتنقضي عدتها بوضع الولد الثاني، ولا يتكرر الطلاق؛ فإنه علّقه بقوله: (إنْ)، وهو لا يقتضي التكرر، والولد الثاني يلحقه نسبُه، فإن الأول لحقه؛ إذ