نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 5-44
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 5-44
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

2265 - الأصل في وجوب الصوم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] قيل: أراد بها أيامَ رمضان، فذكرها على صفةِ التقليل، تهويناً، وتقريباً، وجرى قوله شهر رمضان تفسيراً لها وبياناً، وقيل: المراد بالمعدودات أيامٌ من كل شهر، وعن معاذٍ رضي الله عنه، أنه قال: " فُرض صوم يوم عاشوراء، ثم نسخ وجوبه، وفُرض صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر، وهي الأيام البيض، ثم نسخت فرضيتُها بصوم رمضان " 1. فعلى هذا الأيام المعدودات هي الأيام الثلاثة، وصوم رمضان ناسخٌ لها.
فصل قال: " ولا يجزئ لأحدٍ صيامُ فرضٍ ... الفصل " 2. 2266 - الصومُ قُربةٌ مفتقرةٌ إلى النية، ولا فرق بين نوعٍ ونوعٍ، فصوم رمضان إذاً لا يصح إلا بالنية، خلافاً لزفر 3. وكل صومٍ في يومٍ عبادةٌ على حيالها، مفتقرةٌ إلى النية.
والنية الواحدة في أول الشهر لا اكتفاء بها، خلافاً لمالك 4. ثم لو نوى صوم

أيام الشهر، فهل يحصل له صوم اليوم؟ كان شيخي يتردد فيه.
وفيه إشكال واحتمال.
ومحل النية القلب، ولا أثر للنطق فيها وفاقاً، وإنما التردد في نية الصلاة والحج.
وفي الزكاة خوضٌ أيضاً، فأما الصوم، فعماد النية فيه الضمير، وقد قدمت في كتاب الصلاة ماهية النية، فلا حاجة إلى إعادتها.
والكلام وراء ذلك يتعلق بفصلين: أحدهما - في كيفية النية، والثاني - في وقتها.
[فصل] 1 2267 - فأما كيفية النية، فالتعيين لا بد منه [عندنا] 2 ولو أطلق الصومَ، لم ينعقد صومُه، ولم يحصل فرض رمضان، وإذا أصبح كذلك، كان مفطراً يتعين عليه الإمساك.
وقال أبو حنيفة 3 أداء صوم رمضان لا يفتقر إلى تعيين النية؛ لأنه متعين شرعاً، والقضاء يفتقر إليه، وكذلك المنذور المطلق، والنذر المعيّن عنده كأداء رمضان.
ومعتمدنا في المذهب أن تعيّن الشيء شرعاً غيرُ كافٍ، بل العبد متعبد بتجريد القصد إلى ما عيّنه التكليف عليه، ولو كفى تعيين التكليف، لسقط أصل النية، كما ذهب إليه زفر.
وفي [التعرض] 4 للفرضية وجهان، سبق نظيرهما في كتاب الصلاة، ولا بد من التعرض للأداء، ومن ضرورة التعرض لحقيقة الأداء إخطار فرض هذا الوقت بالقلب، وتكلف بعض المتأخرين، وقال: يجب أن ينوي أداء رمضان هذه السنة،

وهذا عندي غير محتفل به، فإنما هو [تحريف] 1 في الفهم؛ فإن معنى الأداء هو المقصود، ومن ضرورته التعرض للوقت المعين، ولو أجرى الإنسان هذه الألفاظ في ضميره، ولم يلح 2 في فكره معانيها، لم يكن ناوياً؛ فإن النية قصدٌ إلى معنىً، لا إلى كيفية لفظٍ [عنه] 3. [فصل] 4 2268 - فأما وقت النية، فلا يصح عندنا صومٌ مفروض أداء كان، أو قضاء، أو نذراً، أو مفروضاً شرعياً، بنيةٍ تنشأ نهاراً، بعد سبق جزء منه.
ثم المذهب أن وقت نية صوم الغد من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وذكر صاحب التقريب وجهاً آخر بعيداً: أنه يجب إيقاعها في النصف الأخير من الليل، أخذاً من وجهٍ يوافق هذا في الأذان لصلاة الصبح.
وهذا لا أعده من المذهب.
ولو قرن النية بأوّل جزءٍ من النهار، فأتى به مع أول الفجر، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الصوم يصح؛ فإن النية اقترنت بأول العبادة، وهو محلها في العبادات جُمَع.
والثاني - لا يصح، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " 5 والتبييت قصدٌ يُنشأ ليلاً، وأيضاً فليس في القوة البشرية إدراك أول الفجر.
وسيكون لنا إلى ذلك عودة، بعد هذا.

فرع: 2269 - إذا نوى في أول الليل، ثم أقدم على مفطرٍ بعد النية في الليل، لم يقدح ذلك في النية على ظاهر المذهب؛ لأن ما أتى به غيرُ مناقضٍ للنية؛ فإنه نوى صوم غده، ولو وجب الانكفاف عن المفطرات بعد النية، لصار جزء من الليل ملتحقاً بالصوم.
وذهب أبو إسحاق المروزي إلى أن النية تفسد بمفطر بعدها، والسبب فيه أن النية تنفصل عن العبادة بمناقضٍ، وليس ذلك صوماً، فإنه لو جدد نيةً بعد ذلك، أجزأه الصوم نهاراً، إنما المحذور انفصال النية عن أول العبادة.
فإن قيل: نفس الليل فاصلٌ، قلنا: الضرورة سوغت احتمالَ هذا الفصل؛ فإن تكليفه قرْنَ النية بأول الصوم عسر، فاحتمل.
فأما الإقدام على مفطر بعد النية، فمما لا ضرورة 1 فيه.
وقيل رجع أبو إسحاق عن هذا عامَ حجِّه، وأشهد على نفسه.
وذكر العراقيون أمراً آخر، قريباً مما ذكرناه، فقالوا: من أصحابنا من قال: من نوى في الليل، ثم نام كما 2 نوى، ولم ينتبه إلى طلوع الفجر، صح صومه، ولو تنبه، لزمه تجديد النية قبل الصبح، وكأن هذا القائل يبغي تقريبَ النية من أول العبادة جهده، ولكنه يعذر النائم، فإن المنع من النوم وتكليفَ السهر إلى آخر الليل، يجر ضرراً بيناً.
نعم إذا تنبه وتذكر، فلا عذر في تركه تجديدَ النية.
وهذا بعيدٌ، لا أصل له، ولكنهم نقلوه وزيفوه.
وفي كلامهم تردّدٌ في أن الغفلة هل تتنزل منزلة النوم.
والمذهب اطراح هذا الأصل بالكلية.
وكل ما ذكرناه من اشتراط التبييت، فهو في الصوم المفروض.
2270 - فأما صوم التطوع، فيصح بنية تنشأ نهاراً قبل الزوال، ومعتمد المذهب الأحاديث، منها: أنه صلى الله عليه وسلم كان يطوف الغدوات على حُجر نسائه، فإن

وجد طعاماً أكله، وإن لم يجد، قال: إني إذن أصوم 1. والذي يقتضيه القياس تنزيلُ النفل منزلة الفرض، في وقت النية، ولكنا صرنا إلى ما صرنا إليه للخبر.
ولو جرت النية بعد الزوال، ففي المسألة قولان: أحدهما - لا يصح الصوم؛ لمضي معظم النهار خلياً عن النية، وللمعظم أثر في العبادات، على حال.
والقول الثاني- أن الصوم يصح؛ فإنه متطوَّع به، والمتطوِّع بالخيار إن شاء أقل، وإن شاء أكثر.
فإن شرطنا بقاء المعظم، فالذي أطلقه الأصحاب في ذلك الزوالُ، ولا شك أن الزوال منتصفٌ إذا حسب الأول من شروق الشمس، فإذا حسب النهار الشرعي من طلوع الفجر، فالمنتصف يقع ضحوة.
وكان شيخي يتردد في هذا، وقد تردد فيه أصحاب أبي حنيفة 2 إذ اشترطوا إيقاع النية قبل الزوال، ولعل من اعتبر الزوال، اعتبره لأنه بيّن، وضبطُ وسط الوقت مع الاحتساب من طلوع الفجر عسر.
ولا خلاف أن النهي عن السواك منوط بما بعد الزوال؛ فإن المرعي [فيه] 3 ظهور الخُلوف، وهذا في الغالب يختص بما بعد الزوال.
2271 - ثم إذا صححنا صومَ التطوع بنيةٍ تنشا نهاراً، فقد اختلف أصحابنا في أن المتطوع صائمٌ من وقت نيته، أو ينعطف حكم الصوم إلى أول النهار؟ فالذي ذهب إليه القياسون أنه صائم من وقت نيته؛ فإن النية قصدٌ وعزم، ولا انعطاف لواحدٍ منهما، والمنقضي على حكمٍ لا يُتصور تقديرُ انقلابه عنه، بسبب قصدٍ لا أثر له فيه 4.

وذهب طوائف إلى أنه صائمٌ من أول النهار؛ فإن الصوم لا يتبعض في اليوم، وهو في حكم الخصلة الواحدة.
فإن قلنا: إنه صائم من وقت النية، فلو أكل في أول النهار، ثم رام أن ينوي الصومَ بعده، فالذي ذهب إليه الأكثرون أن ذلك غير سائغ، ومن اعتقد أن من أكل غداءه يومَه صائمٌ بعد فراغه عن الأكل، فهو مقتحم على الإجماع.
وفي المسألة وجهٌ بعيد، أن ذلك غير ممتنع، وقد عزاه بعضُ المصنفين إلى ابن سريج وأبي زيد المروزي.
والله أعلم.
وكان شيخي يقول: الأكل في أول النهار يمنع إمكان الصوم بعده.
وإن قلنا: الناوي نهاراً صائم من وقت نيته، لأن معنى الصوم الخَوَى والطَّوَى 1، وإن أكل المرء في نهاره، لم يكن للصوم بعده معنى، فالخوى في أول النهار شرط 2 وقوع الصوم الشرعي بعده.
وكان يذكر وجهين في أن الحيض والكفر في أول النهار إذا زالا، ووقعت النية ضحوة بعدهما، فالصوم هل يصح؛ تفريعاً على أنه صائم من وقت النية؟ وهو لعمري يقرب بعضَ القرب.
فأما تصوير الصوم بعد الأكل في النهار، فهو في حكم الهزء عندنا.
فرع: 2272 - إذا انعقد الصوم، ثم نوى الشارع في الصوم الخروج منه، ففي بطلان الصوم وجهان، ذكرناهما في كتاب الصلاة، وفرقنا بين الصوم والصلاة؛ فإن المصلي لو نوى الخروج على 3 جزم، بطلت صلاته، وجهاً واحداً.
ثم إن قلنا: لا يفسد الصوم، فلو نوى الشارع في صوم القضاء مثلاً، قلبَ الصوم إلى النذر، فلا ينقلب إلى النذر، لا شك فيه.
ولكن إن حكمنا بأن نية الخروج لا تُبطل الصومَ، فهو في الصوم الذي شرع فيه، وقَصْدُ النفل لا أثر له.

وإن حكمنا بأن نية الخروج تُبطل الصوم، فقَصْد الانتقال يتضمن الخروجَ عما كان فيه، فيبطل ذلك الصومَ المفروضَ، وهل يبقى الصوم نفلاً أم لا؟ فعلى وجهين، وقد سبق لهما نظائر في كتاب الصلاة، منها: أن القادر على القيام إذا تحرم بالصلاة المفروضة قاعداً، فصلاته لا تنعقد فرضاً، وهل تبطل [أم] 1 تنعقد نفلاً؟ فعلى قولين 2. وبين ما ذكرناه الآن في الصوم، وبين ما استشهدنا به تخيل فرق؛ فإن الذي تحرم بالصلاة قاعداً ليس في نيته ما يتضمن رفع النفل، والذي يقصد الانتقالَ تُشعر نيتُه بالخروج عن جميع ما اشتملت عليه النية الأولى.
ولكن يجوز أن يقال: الصوم يشتمل المنتقَل إليه والمنتقَل عنه، فالتبديل على الصفات، لا على أصل الصوم.
فصل قال: " ولا يجب [عليه] 3 صوم شهر رمضان حتى يستيقن [أن الهلال قد كان ... إلى آخره " 4. 2273 - اعترض على المزني في قوله: " حتى يستيقن "؛ فإن] 5 درك اليقين ليس شرطاً 6، مع القطع بوجوب الحكم بشهادة شاهدين على رؤية الهلال.
ولفظ الشافعي: " حتى يعلم أن الهلال كان " والعلم يطلق [ويراد] 7 به الظن، والمعتمد في الفصل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين " 8 وروي أنه قال

صلى الله عليه وسلم: " لا تصوموا حتى تروه ". فإن شهد على رؤية هلال رمضان ليلةَ الثلاثين من تاريخ شعبان، شاهدان عدلان، وجب القضاءُ بدخول رمضان، ولا فرق بين أن يتفق ذلك والسماء مصحية، أو يتفقَ وفي موضع الهلال علّة من سحاب، أو ضبابٍ، خلافاً لأبي حنيفة، فإنه اعتبر فيما ذكره أصحابه في الإصحاء عددَ الاستفاضة 1. صائراً إلى أن انفراد معدودين، وقد تراءى الناسُ الهلال محال.
وهذا غير سديد؛ فإن الهلال خفيٌّ على حال، وقد تَبْهَرُه 2 الأشعة، فهلاَّ قدّر ذلك علّةً.
وإن شهد على رؤية هلال رمضان شاهدٌ واحد، ففي ثبوت الهلال بشهادته قولان: أحدهما - الثبوت، لما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: " تراءى الناس الهلالَ، فرأيته وحدي، فشهدت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر الناس بالصيام " 3 وهذا 4 القولُ معتضد بقياس جلي -لو اطرد- وهو أن التعرض لهلال رمضان يتعلق بأوقات العبادات، وقولُ العدل الواحد إذا استند إلى المشاهدة مقبولٌ في العبادات؛ اعتباراً بأوقات الصلوات.
وهذا مع ظهوره يخرمه اشتراطُ العدد في رؤية هلال شوال، والأصحاب في طرقهم متفقون على اشتراط العدد في هلال شوال، إلا شيئاً ذكره صاحب التقريب، فإنه حكى عن أبي ثور مصيرَه إلى أن هلال شوال يثبت بقول العدل الواحد، ثم قال: =بلفظ إمام الحرمين: الصيام، باب قبول شهادة الرجل الواحد، ح 2116، وبنحوه أبو داود: الصوم، باب شهادة رجلين على رؤية هلال شوال، ح 2338، وأحمد: 4/ 321، والدارقطني: 2/ 167.

وهذا لو قلت به، لم يكن بعيداً.
وما ذكروه وإن كان غريباً، فهو متجه جداً في القياس، لما ذكرناه من أن الأخبار عن الهلال تعرض لوقت العبادة، فهلال رمضان به يُستبان دخول وقت العبادة، وهلال شوال به يُستبان خروج وقت العبادة.
فإن اعتقد معتقدٌ ذلك، جرى المعنى سديداً.
وإن جرينا على ظاهر المذهب، فلا يجري توجيه قول الاكتفاء بالشاهد الواحد من طريق المعنى، وإنما مستنده الأثر والخبر، مع التمسك بطرفٍ من الاحتياط للعبادة، وهذا يوجب الفرق بين [الهلالين] 1، وإليه أشار عليٌّ رضوان الله عليه، إذ قال: " لأن أصوم يوماً من شعبان أحبُّ إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان " 2. وإنما قال ذلك لأنه كان يبالغ في الاحتياط في الشهادة، حتى نقل عنه تحليفُ الشهود، وكان لا يحتاط [في هذا لرمضان] 3 ويقول ما روينا عنه.
والشهادة شهادة حِسبة، لا ارتباط لها بالدعاوى.
2274 - وإن قلنا: لا يشترط العدد، فقد اختلف أئمتنا في أنه يُنحى به مع الاكتفاء بالواحد نحو الشهادات، أو ينحى به نحو الروايات: فقال بعضهم: هو رواية على هذا القول، بدليل الاكتفاء بالواحد، وقال آخرون: هو شهادة، والمعتمد في الاكتفاء بالواحد ما قدمناه من الأثر والخبر، وهذا القائل يقول: مراتب الشهادات في العدد، والصفة، متباينة، فقبول الواحد على شرط الشهادة أدنى المراتب، واشتراط الأربعة أعلاها، فإن جعلناه شهادةً، اشترطنا الذكورة، والحرية، ولفظَ الشهادة، والإقامة في مجلس القضاء، وإن جعلناها روايةً [قبلناها] 4 من الأَمَة مع ظهور الثقة، ولم نشترط لفظَ الشهادة، وقلنا: لو أخبر واحدٌ الناسَ بالرؤية، لزم

اتباع قوله، وإن لم يذكره بين يدي قاضٍ، وهذا وإن كان يعضده المعنى فنراه بعيداً عما جرى عليه الأولون في ذلك.
ثم في قبول الصبي المميز الموثوق به على وجه الرواية وجهان، مبنيان على قبول رواية الصبيان.
2275 - وذكر الشيخ أبو علي في شرح الفروع تردّداً للأصحاب، في أن الهلال هل يثبت بالشهادة على الشهادة؟ وقال: الأصح القطعُ بثبوته، ومن الأصحاب من خرّجه على الخلاف المشهور في ثبوت حقوق الله بالشهادة على الشهادة؛ من جهة أن أمر الهلال يتعلق بمحضِ حق الله تعالى.
وهذا بعيدٌ؛ فإن سبب الاختلاف في الحدود كونُ المشهود به عقوبةً لله تعالى، معرضة للسقوط بالشبهات، والأمر في هلال رمضان على نقيض ذلك.
ومما أجراه في هذا أنا إذا قلنا: يُسلك به مسلك الرواية، وحكمنا بأنه يثبت بقول الفرع، مستنداً إلى الأصل، فهل يُشترط في الفرع عددٌ؟ فقال: المذهب أنه لا يشترط؛ جرياً على حكم الرواية، وقياسِها.
وحُكي عن بعض الأصحاب اشتراطُ العدد في الفرع، وزعم هؤلاء أن قولَ الفروع شهادةٌ، وإن لم نجعل قولَ الأصل شهادة، وهذا بعيد، لا اتجاه له.
ثم قال: إذا شرطنا العددَ في [الفرع] 1؛ فهل نشترط صفة الشهود، حتى لا تقبل من العَبْدَيْن؟ ذكر في ذلك وجهين.
وكل ذلك تخليطٌ عندنا.
ثم قال: إذا لم نشترط [العددَ في الفرع، نشترط] 2 لفظَ الشهادة، وإن لم نشترطه في الأصل.
وصار إلى أن قول القائل: حدّثني فلان أن فلاناً قال: رأيت الهلال، فهذا مردود إجماعاً، ولا شك أن القياس قبولُ ذلك، إذا كان التفريع في الفرع والأصل على الاكتفاء بالواحد.

وبالجملة في هذا الأصل اختباطٌ، من جهة أنه لم يَسْلَم المعنى الذي ذكرناه 1 من الإخبار عن أوقات العبادات، لمكان اشتراط العدد في الشهادة على هلال شوال، ولم يستمر إلحاق الخبر عن هلال رمضان بالشهادات للخبر والأثر، فجرّ ذلك اختلاطاً، وتردداً.
وعندنا أن دعوى الإجماع فيما ذكره الشيخ آخراً لا تسلم عن النزاعِ، والاحتمالِ الظاهر 2. فرع: 2276 - إذا شهد عدلان على رؤية هلال رمضان، وجرى القضاء بشهادتهما، وصام الناس ثلاثين يوماً، ثم لم يَرَوْا الهلال ليلةَ الحادي والثلاثين من تاريخ الشهادة، فالذي ذهب إليه الأصحاب أنا نُعَيِّد، ونحكم بانقضاء الشهر، بناء على الشهادة في أوله.
وذكر ابنُ الحداد أنا نصوم يوم الأحد والثلاثين، وهذا فيه إذا لم يكن في موضع الهلال علة.
والذي ذكره مزيّف، غيرُ معدودٍ من المذهب، وهو مذهب أبي حنيفة 3. وإذا شهد على رؤية الهلال شاهد واحد، والتفريع على ثبوت الهلال بقول الواحد، [فإذا بنينا] 4 على ذلك، وصمنا ثلاثين يوماً، وتراءى الناسُ -ولا علة- فلم يرَوْه، فقد ظهر اختلاف الأصحاب في هذه الصورة، فقال بعضهم: لا يثبت هلالُ شوال بناءً على ما تقدم؛ فإن الذي شهد على هلال رمضان لو أنشأ الشهادة على هلال [شوال] 5، لم تُقبل شهادته وحده؛ إذا لم تتقدم منه الشهادة على هلال رمضان، فإذا لم يثبت هلالُ شوال بقوله ابتداء، فلا يثبت أيضاً بناءً.
ومن أصحابنا من قال: يثبت هلال شوال؛ فإن الشيء يثبت مبنياً، وإن كان لا يثبت مبتدأ مقصوداً، والدليل عليه أنه لو شهد على الولادة في الفراش أربع نسوة،

ثبتت الولادة، ويترتب 1 عليها ثبوت النسب، ولو شهدن على النسب، لم يثبت بشهادتهن.
وهذا فيه نظر؛ فإن الولادة إذا ثبتت يلحق النسب الفراشَ 2، [وهو قائم] 3، لا نزاع فيه، ولم يتحقق مثل ذلك فيما نحن فيه.
فرع: 2277 - إذا شرطنا العددَ في هلال رمضان، فالوجه اشتراط العدالة الباطنة، والمعنيّ بها البحث الذي يعتاده القضاةُ بالمباحثة، والرجوعِ إلى أقوال المزكِّين، وإن اكتفينا بقول الواحد، فالعدالة الظاهرة، لا بد منها، فلا يقبل قول فاسقٍ، ولا مريب.
وهل يشترط العدالة الباطنة، فعلى وجهين، مبنيين على أن رواية المستور هل يعمل بها؟ وفيه اختلاف ذكرناه في فن الأصول 4. وفي بعض التصانيف: يُكتفى 5 بالعدالة الظاهرة، وليس فيما ذكره فصلٌ بين [قبول] 6 الشهادة [وقبول] 7 الرواية، وهذا بعيدٌ، لا اتجاه له.
نعم، قد نقول: ينبغي للقاضي أن يأمر الناس بالصيام لظاهر العدالة؛ فإن الأمر يفوت، ثم يبحث بعد ذلك، ولا يبعد أن يقال: إذا أمر استمروا، ولم يبحث.
نعم، إذا استكملنا العدة ثلاثين، فلم يُر هلالُ شوال، فلا بد الآن من البحث عن العدالة الباطنة.
فتأملوا ترشُدوا.
فصل 2278 - إذا رئي الهلال من بلدةٍ، ولم يُرَ في أخرى، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أن حكم الهلال يثبت في خِطة الإسلام؛ فإنه إذا رُئي، لم

يتبعض، والناس مجتمعون في المخاطبة بالصيام، والهلال واحدٌ.
ومن أصحابنا من قال: إذا بعدت المسافة، لم يعمّ الحكمُ، وللرائين حكمهم، وللذين لم يَرَوْا حكمُهم؛ فإن المناظر في الأهلة تختلف باختلاف البقاع اختلافاً بيناً، فقد يبدو الهلال في ناحية، ولا يتصور أن يرى في ناحيةٍ أُخرى، لاختلافِ 1 العروض 2، والأهلةِ فيها، ولا خلاف في اختلاف البقاع في طلوع الصبح، وغروب الشمس، وطول الليل، وقصره، فقد يطلع الفجر في إقليم ونحن في ذلك الوقت في بقية صالحةٍ من الليل.
التفريع على الوجهين: 2279 - إن عممنا الحكمَ، فلا كلام.
وإن لم نعمم، فلا خلافَ في انبساط حكم الهلال على الذين يقعون دون مسافة القصر، من محل الرؤية، وذكر الأصحاب أن البعد الذي ذكرناه، هو 3 مسافة القصر، ولو [اعتبروا] 4 مسافةً يظهر في مثلها تفاوتُ المناظر في الاستهلال، لكان متجهاً في المعنى، ولكن لا قائل به، فإن درك هذا يتعلق بالأرصاد والنموذارات 5 الخفية، وقد تختلف المناظر في المسافة القاصرة عن مسافة القصر؛ للارتفاع والانخفاض، والشرع لم يُبنَ على التزام أمثال هذا، ولا ضبط عندنا وراء مسافة القصر للبعد.
2280 - ومما يتفرع على ذلك أن الإنسان إذا رأى الهلال ليلة الجمعة، وسافر في رمضانَ إلى بلدة بعيدة، وكانوا رأوا الهلال ليلة السبت، فصام المسافر ثلاثين يوماً، من تاريخ الجمعة، فلم ير الناس الهلالَ في المكان الذي انتقل إليه، ليلة الثلاثين من

تاريخ السبت، وأكملوا العدة، فإن قلنا: لكل بقعة حكمُها، فيجب على هذا المسافر المنتقل أن يتابع أهلَ هذه البقعة، ويصومَ أحداً وثلاثين يوماً؛ فإنه صار من أهل هذه البقعة في آخر الشهر.
ولا يخفى على الفقيه أن الحكم لا يختلف في ذلك بقصد الإقامة والسفر.
وإن قلنا: حكم الهلال إذا ثبت في موضعٍ عم جميعَ البلاد، فأهل البلدة الثانية متعبدون بحكم ذلك الهلال، إن ثبت عندهم.
فإن قيل: [التفريع على هذا الوجه الأخير متجهٌ، لا شك فيه، والتفريع على الأول] 1 [هل يتطرق] 2 إليه احتمال؛ من جهة أنه التزم حكمَ البقعة الأولى، فينبغي أن يستمر ذلك الحكمُ عليه.
قلنا: الاحتمال قائم، ولكن ما ذكرناه في التفريع قطع به الأصحاب، لأثرٍ وَرَدَ، اتخذوه متبوعَهم، وهو ما روي أن كُرَيْباً 3 مولى ابن عباس، قال: " بعثتني أم الفضل بنتُ الحارث إلى الشام في حاجة عرضت لها عند معاوية، فرأى الناسُ الهلالَ ليلةَ الجمعة، فصاموا، وصمتُ، فرجعت إلى المدينة، فسألني ابنُ عباس متى رأيت الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة، فقال: أما نحن فرأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم، حتى نرى الهلال، أو نستكمل العدة ثلاثين، فقلت: أوما يكفيك رؤية أمير المؤمنين والناس؟ قال: لا.
هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره ابنُ عباس أن لا يفطر، ويقتدي بأهل المدينة " 4. هكذا وجدته في بعض التصانيف، فهذا ما بلغنا في ذلك.
والمذهب نقلٌ.
وقال شيخي أبو محمد: من رأى هلال شوال، وأصبح معيّداً، وجرت به السفينة، فانتهى إلى بلدة على حدّ البعد، وما كانوا رأَوْا الهلالَ، وصادفهم صائمين، يلزمه أن يمسك عن المفطرات، إذا أثبتنا لكل بقعة حكمَها، وهذا فيه نظر

عندي؛ فإنه ليس فيه أثر، واليوم الواحد يبعد أن يتبعض حكمه.
وقد عاين الهلالَ في ليلته في البقعة الأولى.
فصل 2281 - إذا رأى الناسُ الهلالَ نهاراً، يوم الثلاثين من شعبان، فهو عندنا لليلة المستقبلة، ولا حكم للهلال في ذلك النهار، ولا فرق بين أن يُرى قبل الزوال أو بعده، خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه 1. 2282 - ومما يتعلق برؤية الهلال أن من رآه وحده، فشهد ورُدّت شهادته، لزمه أن يصوم من غده بناء على مشاهدته، ولو 2 أفطر بالوقاع، لزمته الكفارة العظمى، خلافاً لأبي حنيفة 3. ولو رأى هلال شوال وحده، فردت شهادته، أفطر سراً؛ حتى لا تسوء الظنون به.
فصل قال: " ومن أصبح جنباً من جماع، أو احتلامٍ ... إلى آخره " 4. 2282/م- من أصبح وعليه الغسل عن جنابة تقدم سببُها على الفجر، اغتسل، ولا أثر لتأخر الغسل في صومه، وكذلك إذا طهرت المرأة عن الحيض، فنوت الصوم، وأصبحت، واغتسلت، صح صومها.
روت عائشةُ: " أن رسول الله صلى الله عليه

وسلم كان يصبح جنباً من جماع أهله، ثم يتم الصومَ " 1 والمعنى أن الصوم لا يشترط فيه الطهر.
ولو فرض احتلامٌ في أثناء اليوم، لم يُفسد الصومَ، وقد روى أبو هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " من أصبح جنباً، أفطر "، فلما روت عائشةُ الحديثَ قال أبو هريرة: " سمعته من الفضل 2 بن العباس " 3، قال العلماء: الوجه حمل ما رواه على أن الحكم كذلك كان، ثم نسخ 4، واستقر الأمر على ما روته عائشة.
فصل قال الشافعي: "وإن كان يرى الفجر لم يجب، وقد وجب ... إلى آخره" 5. 2283 - من أقدم على مفطرٍ في آخر النهار؛ ظاناً أن الشمس قد غربت، ثم تبين أنها لم تغرب، لزم القضاء، نص عليه الشافعي.
والسبب فيه أنه ظن انقضاء اليوم، ثم تحقق خلافُ ظنه، واليقين مقدم على الظن، ونقل المزني عن الشافعي مثلَ ذلك إذا فرض الغلط في أول النهار، فأكل ظاناً أنه في بقيةٍ من الليل، ثم استبان أنه صادف أكلُه النهارَ، قال: يلزمه القضاء.
واختلف أئمتنا في المسألة: منهم من قال: هذا الذي ذكره غلطٌ على الشافعي.

ومذهبُه أن الغلط إذا فرض في أول النهار، لم يُفسد الصومَ، ولا قضاء، بخلاف ما لو جرى ذلك في آخر النهار.
والفارق أنه إذا أكل في آخر النهار، فالأمر مبنيٌّ على بقاء النهار، فلزم الفطر لذلك، ولم يعذر المخطىء، والأمر في أول النهار مبني على بقاء الليل، فعُذِر المخطىء.
وذهب داود 1 إلى أنه 2 في آخر النهار معذورٌ أيضاً.
2284 - وهذا أوان التنبه لحقيقةٍ وهي أن من نسي الصومَ، فأكل، لم يفطر، وسنعقد في ذلك فصلاً، فالأكل في آخر النهار في معنى أكل الناسي، من حيث إنه جرى خطأً، ولا إثم على صاحبه، ولكنه يفارق الناسي من جهة أن الصوم مذكورٌ [للآكل] 3. فإن قيل: هلا خرج ذلك على قولين في خطأ القِبلة؟ قلنا: المخطئ آخراً لا يكاد يصادف أمارةً ظاهرةً في هجوم الليل، ثم استصحاب النهار في معارضة ما يعنّ له، وكان مع ذلك متمكناً من المكث إلى درك 4 اليقين، فاقتضى اجتماع ما ذكرناه -من ذكر الصوم، وضعف الفطر، ووقوعِه على معارضة استصحاب النهار، والقدرة على دَرك اليقين- الفرقَ 5 بين المخطئ في آخر النهار والناسي.
فأما إذا جرى ذلك في أول النهار، فالمسألة محتملة، وليس ما ذكره المزني بعيداً، ولكنها تتميز عن الأخرى بالاستصحاب، فقد نقول: الاجتهاد أقوى في الأول من حيث لا يناقضه الاستصحاب.
هذا حقيقة القول.
2285 - وتمام البيان في الفصل أن الفطر بالاجتهاد في آخر النهار جائزٌ، وإن كان المصير إلى درك اليقين ممكناً، ويشهد له ما روي: " أن عمر أفطر يوماً، وطائفةٌ

معه، فناداه صاحبُ المواقيت: بأن الشمس لم تغب، فقال رضي الله عنه: بعثناك داعياً، وما بعثناك راعياً " 1. وهذا دليلٌ أولاً على أنه لا يجب التوقفُ في الفطر إلى درك اليقين.
وفي الأثر إشكالٌ، من جهة أن ظاهرَه مشعرٌ بالإنكار على ذلك المخبر، وما نرى الأمرَ كذلك، بل كان حقاً عليه أن يخبر، فلا محمل لكلام عمر إلا شيئان: أحدهما - النهي عن أصل المراعاة، وهذا فيه نظر أيضاً؛ فإنه ليس يتجه منعٌ عن هذا، فالوجه حمل ما كان منه على 2 بادرة اقتضتها قوةٌ غضبية 3. وكان شيخي يحكي عن شيخه أبي إسحاق الإسفرائيني النهيَ عن الاجتهادِ والاعتمادِ عليه في هذا، وفي وقت الصلاة، إذا أمكن الوصولُ إلى درك اليقين.
ولو أفطر الإنسان في آخر النهار مجتهداً، فعليه القضاء، وإن لم يَبِن الخطأ على رأي الأستاذ 4. وعند غيره لا قضاء إذا لم يتحقق الخطأ.
ولو أفطر في آخر النهار، من غير اجتهاد، ولا تحقق، ثم لم يتبين [أنه] 5 كان في نهار أو ليل، فالذي قطع به الأصحاب أنه يلزمه القضاء، فإن وجوب الصوم واستصحاب النهار تجرَّدَا، ولم يعارضهما تعلقٌ باجتهاد، ولا [يقين] 6. ولو فُرض في أول النهار اجتهادٌ، ولم يتبين الخطأ، فالوجه القطع بأن لا قضاء [ولو فرض أكلٌ من غير اجتهاد، ولم يتبين أمرٌ، فالوجه القطع بأن لا قضاء] 7 أيضاً اكتفاء باستصحاب الحال.

فهذا منتهى الغرض في الفصل.
2286 - وقد قال الأئمة: لو شك الناس يوم الجمعة في خروج الوقت، لم يبتدوا عقدَ الجمعة.
قال الصيدلاني: السبب فيه أنهم إذا كانوا كذلك، فسيخرج 1 الوقت وهم في أثناء [الصلاة] 2 غالباً، فلو افتتحوا الصلاةَ، ثم طرأ ذلك في الأثناء، ولم يقطعوا بخروج الوقت، قال: نصَّ الشافعيُّ على صحة الجمعة، مع التردد.
وهذا غريب.
وقد ذكر صاحب التلخيص في مسائله التي استثناها في ترك اليقين بالشك هذه المسألة، والوجه عندي: أنا إن قلنا: الجمعة صلاةٌ على حيالها، فيتجه ما ذكره الصيدلاني، وإن جعلناها ظهراً مقصورة، فالأصل الظهر، فمهما طرأ شك، لم تصح الجمعة؛ رجوعاً إلى الأصل.
فصل قال: " إذا أصبح الرجلُ وفي فيه طعامٌ ... إلى آخره " 3. 2287 - من طلع الفجر عليه وفي فيه طعام، فلفظه، فهو صائم إن كان بيّت النية، ولو أصبح كذلك مخالطاً أهله، نُظر، فإن نزع كما 4 بدا الفجر، وطلع، فصومه صحيح عند الشافعي.
وذهب المزني وزفر إلى فساد الصوم، ووجه قولهما أن النهار صادفه، وهو مخالط أهله، والنزع يقع لا محالة مسبوقاً بأول النهار.
ووجه قول الشافعي أنه لما طلع الفجر قَرَن بأوله النزعَ، وهو تركٌ، وفساد الصوم معلق بالجماع، أو إدامته، فأما التركُ، فلا يقتضي ذلك.

وهذا يتعلق بمسألة في الأصول، لا ينتظم ذكرها هاهنا.
2288 - ولو طلع الفجرُ فاستدام، ولم ينزع، فلا شك في فساد الصوم، وأوجب الشافعيُّ الكفارة.
واختلف الأئمةُ في أنا نحكم بانعقاد الصوم، ثم نحكم بعده بالإفساد، أم نحكم بأن الصوم لم ينعقد.
فالذي ذهب إليه معظم الأئمة في المذهب أن الصوم لم ينعقد، وسبب وجوب الكفارة منعُ عقد الصوم بالجماع، والمنع في معنى القطع.
وذهب شرذمة إلى أنا نحكم بالانعقاد، ثم نقضي بالفساد.
والذي تخيله هؤلاء أنه لو نزع، لانعقد صومه، فنفرض الانعقاد في مثل زمان ابتداء النزع، ثم نحكم بالفساد.
وهذا خيالٌ؛ فإن النزع، لم ينافِ الصومَ، من جهة قصد الترك، فإذا لم يكن قصدٌ في الترك، وجملة الأحوال جاريةٌ على قصد إيقاع الوقاع وإدامته، فتقديرُ موجَب قصد الترك، مع عدمه، محالٌ.
ولو خالط الرجل أهله، ثم لبّى، وأحرم، وقرن تلبيته بالنزع، كما سبق تصويره في الصوم، ففي انعقاد الحج على الصحة وجهان: أحدهما - الصحة، قياساً على الصوم.
والثاني - لا ينعقد الحج صحيحاً؛ من جهة أنه كان قادراً على أن ينكف عن التمام، ثم يبتدئ الإحرام، فلا يثبت له التخفيف المنوط بقصد الترك، وليس كذلك الصائم؛ فإنه في ابتداء مخالطته معذور، ولما ابتدأ الانكفافَ، كان معذوراً في انكفافه، مأموراً به، فعُذر، وإن كان على صورة المخالطين إلى تمام النزع.
وكل ما ذكرناه مفروضٌ فيه إذا جامع، وكان يُطالع الفجرَ، فجرى الأمرُ على بصيرةٍ منه، نزعاً وإدامة.
2289 - ثم وراء ذلك نظرٌ [للفطن] 1، فإن أول الفجر ما أراه مدركاً بالحس، وإذا لاح للمراقب، فالطلوع الحقيقي متقدِّمٌ عليه.

وكان شيخي يذكر في مجالس الإفادة مسلكين في ذلك: أحدهما - أن هذه المسألة موضوعة على التقدير، كدأب الفقهاء في أمثالها، وإلا فلو اطلع على الصبح، والعادات على اطرادها، فلا ينفع النزعُ؛ فإن الصبح سابق على حالته.
هذا مسلك.
والثاني - أنا إنما نتعبد بما نطَّلِع عليه، ولا معنى [للصبح] 1 إلا ظهورُ ضوءٍ [للناظر] 2 المعتدل في حاله، [و] 3 الذي يقدر وراء ذلك لا حكم له.
وهذا بمثابة علمنا [أن] 4 [الفيء] 5 إذا ظهر للحس؛ فالزوال سابق عليه، ثم لا حكم له.
وقد ذكرنا في ذلك كلاماً جامعاً في مواقيت الصلوات.
2290 - ولو خالط أهله، جاهلاً بحقيقة الحال، ثم تبين له أن الصبح كان طلع، فهذا هو الذي تقدم ذكره، في تصوير الأكل على ظن أنه في بقية الليل، ثم يتحقق وقوعه في الصبح، ففي الفطر الخلافُ المقدّم.
ثم إذا لم يحكم بالفطر، فلا كلام، وإذا حكمنا بالفطر، ففي الكفارة كلامٌ، سأذكره في فصل عند ذكر جماع الناسي.
فصل قال: " وإن كان بين أسنانه ما يجري به الريق ... إلى آخره " 6. 2291 - هذا الفصل يشتمل على أطرافِ الكلام في وصول واصلٍ إلى الجوف، مع سقوط الاختيار.
فنقول: إذا وصل إلى داخل حلق الصائم غبارُ الطريق، أو غربلةُ الدقيق، أو طارت ذبابةٌ إلى حلقه، فلا فطر في هذه المواضع وفاقاً، مع ذكر الصوم، وإن كان

من الممكن التحرزُ عن اطّراق الطرق، وعن [القرب من] 1 الموضع الذي يُغربل الدقيق فيه، ولو أطبق الصائم شفتيه، لأَمِن وصولَ الذباب إلى حلقه.
والضابط للمذهب في هذا الفن أن الشرع لم يكلف الصائمَ الامتناعَ من أفعالٍ في العادة يغلب مسيسُ الحاجة إليها، إذا كان الغالب أنه لا يصل الواصل بسببه إلى الجوف.
وما ذكرناه من هذا القبيل، فإنّ 2 وصول واصل على ندور، وليس للصائم فيه قصد، وإنما قصدُه في السبب العام الذي يغلب عدمُ الوصول معه، فليُعتقد أن هذا محطوطٌ وفاقاً.
ولو تمضمض الصائم، فوصل شيء من الماء إلى جوفه، [ففيه] 3 قولان، سيأتي شرحُهما.
وهذا يتميز عما عددناه في محل الوفاق؛ فإن فتح الفم لا يُعدّ مبتدأَ سبب على الاتصال إلى تمام الوصول، والمضمضة سببٌ متواصل، وإن كان يغلب أنه لا يصل.
2292 - فإذاً يتخلص ما نحاوله بذكر ثلاث مراتب: إحداها - أن يغلب عدمُ الوصول، ولا 4 يعد سببُ ما يتفق منه من الأسباب المتواصلة في الإيصال، هذه مرتبة الاتفاق 5 في نفي الفطر.
المرتبة الثانية - أن يكون السبب بحيث لا يغلب منه الوصول، وهو الاقتصاد في المضمضة من غير مبالغة، هذه [مرتبة] 6 القولين.
والمرتبة الثالثة - التسبب إلى سبب يغلب منه وصول الواصل إلى الجوف، مع وقوع الوصول، من غير قصدٍ إلى عينه، كالمبالغة في المضمضة.
وإذا اتفق الوصول مرتباً على مثل هذا السبب، فالأصح حصول الفطر، وأبعد بعضُ أصحابنا، فخرّجه على قولين؛ من حيث لم يكن

الوصول مقصوداً في عينه، وهذا بعيد.
فأما ما يوصل الشيء إلى الجوف لا محالة، فهو مفطر، وإن لم يوجد قصدٌ إلى غير الوصول كفتح الفم في الماء وما في معناه.
2293 - ثم ذكر الشافعي أنه لو بقي شيء في خلَل الأسنان، فجرى به الريق من حيث لم يشعر الصائم، وهذا يخرج على التفصيل المتقدّم.
فإن أكل الصائم، ولم يتعهد تنقيةَ الأسنان، [وكان الغالب] 1 في مثله الوصولُ، فإذا اتفق، فهو ملتحق بقسم المبالغة في المضمضة.
وإن جرى على الاعتياد في تنقية الأسنان، فبقيت بقيةٌ، فهذا يلتحق بغبار الطريق، ولا نكلفه مجاوزةَ الاقتصاد والاعتيادِ في التنقية، كما لا نكلفه تطبيق الفم حذاراً من الغبار والذباب، ولا نفرق بين قدر السمسمة والزائد عليها.
وإن صور مصور قدراً صالحاً، قيل له: اتّئد 2 في التصوير؛ فإن الإفراط فيه يوقع في قسم التفريط في ترك التنقية.
2294 - ولم يختلف المذهب في أن من نسيَ صومه وأكل، لم يُفطر، سواء استقل، أو استكثر، وسواء وُجد ذلك مرة واحدةً، أو تكرر مراراً، وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " من أكل ناسياً، لم يفطر " 3 وروي في مأثور الأخبار أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أنه أكل ناسياً، فلم يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بفطره، فعاد مرة أخرى، أو مرتين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحكم بفطره.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك بعيد العهد بالصوم " 4

2295 - ولو أُوجر 1 الصائم وهو مضبوط، لم يفطر، وكذلك إذا ضبطت 2 امرأة صائمة، ووطئت، ولو أكره الرجل بالسيف حتى أكل بنفسه، ففي المسألة قولان: أحدهما - لا يفطر، لسقوط حكم اختياره، ولكونه مأموراً شرعاً بالأكل، فليس أكله منهياً عنه، فشابه أكلَ الناسي.
والثاني - يفطر، لأنه أتى بما هو ضد الصوم، مع ذكره، وليس فيه خبر من جهة الشارع.
2296 - ومن لطيف الكلام في المذهب: أن الناسي، والمكره، إذا صدر منهما صورةُ الحِنث في يمينهما، ففي تحنيثهما قولان، والناسي مقطوع به في الصوم، وفي المكره القولان، والسبب فيه أن الحالف على الامتناع من الشيء ملتزمٌ للتحفظ عنه، مُتخذ 3 يمينَه سبباً مؤكِّداً للوفاء بالتحفظ، فإذا وقع المحلوفُ عليه، جرى القولان، [و] 4 لا يتحقق في الصوم إلا اتباع ذكر العبادة فإن 5 ذاكرها موردٌ فعلَه طوع أو كرهاً على عبادته، والصوم المنسيّ مُزاحٌ 6 عن ذكر الناسي، وأكلُه في حكم الواقع وراءها 7، على أن الاعتماد في أكل الناسي على الخبر، ولا حاجة إلى هذا [التكلف] 8 بعده.
=موقوفاً على أبي هريرة عند عبد الرزاق في مصنفه: " أن إنساناً جاء أبا هريرة قال: أصبحت صائماً فنسيت فطعمت وشربت، فقال: لا بأس، الله أطعمك وسقاك، قال: ثم دخلت على إنسان آخر، فنسيتُ، فطعمتُ وشربت، قال: لا بأس، الله أطعمك وسقاك، قال: ثم دخلت على إنسان آخر، فنسيت وطعمت وشربت، قال أبو هريرة: أنت إنسان لم تعاود الصيام " (ر.
مصنف عبد الرزاق: 4/ 174، ح 7378).

ولو أغمي على الصائم، فأوجر شيئاً، لا على قصد المعالجة، لم يُفطر، ولو أوجر على قصد المعالجة، ففي حصول الفطر قولان، وإن لم يشعر، وإنما 1 روعي فيه مصلحته، فلحق بما يرعاه من نفسه.
والمغمى عليه المُحرم إذا عولج بدواء فيه طيبٌ خارجٌ على هذا الخلاف، على ما سيأتي مشروحاً في موضعه -إن شاء الله تعالى- فصل قال: " فإن تقيأ عامداً ... إلى آخره " 2. 2297 - رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قاء أفطر، ومن ذرعه القيء، لم يفطر " 3 وأراد بقوله صلى الله عليه وسلم: " من قاء " المتعمِّدَ، الذي يستقيء، وعن ابن عمر نفسه: "من قاء، فلا قضاء عليه، ومن استقاء، فعليه القضاء " 4، وأراد بقوله: (من قاء)، من ذرعه القيء، وقال أبو الدرداء: " قاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفطر ". أراد استقاء، قال ثوبان: " صدق، وأنا صببت له الوضوء " 5.

فمن 1 استقاء عامداً، لم يخلُ من ثلاثة أحوال، إما أن يزدرد قصداً شيئاً مما ردَّه، فلا شك في الإفطار، إذا كان كذلك.
2298 - والحالة الثانية أن يستقيء قصداً، ثم يتحفظ، ويعلم أنه لم يرجع شيء إلى جوفه، فإن كان كذلك، ففي الإفطار وجهان: أحدهما - لا يفطر؛ فإن الفطر في هذا القبيل مما يدخل، لا مما يخرج، وإخراج شيء من هذا المسلك يضاهي إخراجَه من السبيلين.
والوجه الثاني - أنه يفطر لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: " من استقاء عامداً أفطر "، ولم يفصّل بين أن يرجع شيء أو لا يرجع.
والحالة الثالثة - أن يستقيء ويتحفظ جهده، فيغلبه الأمر ويرجع 2 شيء إلى حلقه.
فإن قضينا بأنه يُفطر إذا استقاء، ولم يرجع شيء، فلا شك أنا نحكم بالإفطار هاهنا.
وإن حكمنا بأنه لا يفطر إذا استقاء، ولم يرجع شيء، فهاهنا إذا رجع شيء من غير قصد في الازدراد، خرج المذهب على ما أشرنا إليه في وصول الواصل عند المبالغة.
فإن قيل: الغالب أنه لا يرجع شيء إذا استقاء [المرء] 3 فالرجوع نادر.
قلنا: ليس كذلك، فإنه يمتزج منه بالريق ما يمتزج، ثم يتفق الازدراد، ولعل سبب النهي عن الاستقاء هذا.
فالحكم بالإفطار عند بعض الأصحاب محمول على أن الاستقاء لا يخلو من رجوع شيء.
فإن قيل: الماء المستعمل بالمضمضة يمتزج بالريق أيضاًً، فهلا عددتم نفسَ المضمضة من غير مبالغة من الأسباب التي توصل الشيء إلى الجوف؟ قلنا: الكلام على هذا من وجهين: أحدهما - أن الريق في طباعه لا يمازج الماء، ويمتاز عنه بغلظ ولزوجهَ، والذي يمج الماء من فيه لا يجد للماء أثراً إلا البرد، والذي تردّه الطبيعة =النسائي في الكبرى: ح 3123، الدارقطني: 2/ 181، البيهقي: 4/ 220، الحاكم: 1/ 426، التلخيص: 2/ 364 ح 885).

[يمازج] 1 الريق، للمجانسة في الغلظ واللزوجة، وشتان ما بين وارد على الفم يُمَجّ، وبين خارج من الحلق يتحفظ عن رجوع ما يقل منه.
وإذا قلنا: من استقاء عامداً، أفطر، وإن لم يرجع شيء إلى باطنه، فلو اقتلع نخامة، ولفظها، ففيه وجهان: أحدهما - أنه يفطر، كما لو استقاء.
والثاني - لا يفطر، فإن الحكم بالإفطار بالاستقاءة مأخوذ من الخبر، فلا يتعداه.
فصل قال الشافعي: " فإن أصبح لا يرى أن يومه من رمضان ... الفصل " 2. 2299 - مضمون الفصل الكلامُ في صوم يوم الشك.
وفي النهي عنه بابٌ في آخر الكتاب 3. ولكنا نذكر الآن حظَّ الفقه منه، فنقول: الوجه البداية بتصوير يوم الشك، فلو طبق الغيم موضع الهلال، ليلةَ الثلاثين من شعبان، فنتبَيَّن أن الهلال لم يُر، وأن الغد من شعبان.
فلا 4 أثر لعلمنا، أو ظننا أن الهلال كان يُرى لولا السحاب، لكونه على بُعد من الفرصة 5؛ فإن الذي تُعبّدنا به الاستكمالُ في هذه الحالة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين ". قال الأئمة: إذا كانت السماء مُصْحيةً، ولم يكن في موضع الهلال مانع، وتراءى الناس الهلالَ، فلم ير أحدٌ، فالغد من شعبان، وليس يومَ الشك.
وهذا أقرب إلى أن الغدَ من شعبان من الصورة الأولى.

ولو كانت الرؤية ممكنةً، وقد تحدث الناس بها، [ولم يُسمع] 1 من يثبت الهلال بشهادته أني رأيت الهلال، أو شهد عدل واحدٌ بالرؤية، وقلنا: لا يثبت الهلال بالواحد، أو لهج برؤية الهلال صِبْيةٌ، أو فَسقة، وغلب على الظن صدقُهم، فهذا يوم شك.
وإن كان في محل الهلال قِطعُ سحاب، فكان من الممكن أن يُرى، وأن يَخْفى، ولكن لم يتحدث أحد بالرؤية، فقد قال شيخي: اليومُ يومُ شك، ولم يشترط في تصوير الشك التحدثَ بالرؤية.
وقال غيره: شرط تصوير الشك التحدثُ بالرؤية.
ولا يبعد عندي أن يُفصَّل الأمرُ في ذلك، فيقال: إن كانت الواقعة في بلدة يشتغل أهلها بطلب الهلال، فإذا لم يتحدثوا به، فالوجه أن يكون الغدُ يوم شك.
وفيه احتمالٌ على حال.
وإن كان الإنسان في سفر وجرى ما صوره شيخي، ولم يبعد أن يكون رأى أهلُ القرى الهلال، فيحتمل أن يكون الغدُ يومَ شك.
هذا في التصوير، والغرض وراء ذلك.
2300 - فإذا نوى [الرجل في الليلة [التي] 2 لم يثبت فيها رؤية الهلال أن يصوم غداً، فهذا يتصور] 3 على أوجه: فإن لم يكن معه مستند يثير ظناً، [وردّدَ] 4 النية مع ذلك، وقال: إن كان الغدُ من رمضان، نويت صومَه، فإذا اتفق كونُه من رمضان، وشهدت عليه البينة، فلا يقع صومُه عن رمضان؛ [لأنه لم] 5 يجزم النية، ولم تستند نيتُه إلى أصلٍ، فلم يحصل له العبادة، مع حقيقة التردد في القصد.
ولو جزم النية وعقدها، ونوى أن يصوم غداً من رمضان، ولم تستند نيتُه

[المجزومة] 1 إلى أصلٍ يثير ظنّاً، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين في المسألة: أحدهما - أنه إذا وافق صومُه رمضانَ، صح واعتدَّ به، لجزمه النيةَ.
والثاني - لا يعتد به، كما لو ردّد النية.
والتحقيق فيه أن الجزم غير ممكن مع التردّد، فإن صوّر مصورٌ جزماً، فذاك [إجراءُ] 2 حديث نفس، وليست النية حديثاً، وإنما هي قصدٌ واقع، ولا يتصور تجرّده مع التردد في المقصود.
ولو ثبت عنده أصلٌ يثير غلبة الظن، كشهادة عدلٍ [أو] 3 صِبيةٍ ذوي رشد، فإذا نوى والحالة هذه أن يصوم غداً إن كان من رمضان، وإلا، فهو تطوع، فظاهر النص أنه إذا بان ذلك اليوم من الشهر، لم 4 يعتد بصومه، لمكان التردد.
وذكر طوائف من الأصحاب وجهاً آخر: أن الصوم يصح؛ لاستناده إلى أصل، وهذا لعمري موافقٌ لمذهب المزني.
ولو كان معه أصل، وجزم النية، ثم بان أن اليوم من الشهر، فقد كان شيخي يقطع بالاعتداد، ويقول: إن اجتمع التردد، وانتفاء ما يعتمد [فلا اعتداد، وإن اجتمع ما يعتمد] 5 مع جزم النية، اعتد بالصوم.
وإن وجد الجزم، ولا مستند، أو جرى التردد مع ثبوت المستند 6 فوجهان.
وهذا وإن كان مهذباً، فالذي يقتضيه الفقه في ذلك أنه إن لم يكن أصلُ، لم يعتدّ بالصوم، ردَّدَ أو جزم.
وإن كان أصلٌ، ففي الاعتداد بالصوم الخلاف، ردَّدَ، أو جزم؛ فإن الجزم غيرُ متصوّر، ومصوره يقيم حديث النفس قصداً، وليس الأمر كذلك.

2301 - والمطلوب وراء ذلك كله، فنقول: إن نوى المكلف ليلة الثلاثين من رمضان، أن يصوم غداً إن كان من رمضان، وإن كان عيداً أفطر، فكان من رمضان، صحّ الصوم وفاقاً، نصَّ عليه الشافعي، وقطع به الأصحاب، وبنَوْا ما ذكروه على الاستصحاب.
ولا متعلق من هذه الجهة في أول الشهر؛ فإن المستصحبَ شهر شعبان، فإن لم يكن مع [انتفاء] 1 الاستصحاب متعلَّق، فلا اعتداد بالصوم على قياس المذهب، خلافاً للمزني.
وإن كانت علامةٌ، فهل تقوم مقام الاستصحاب؟ فعلى وجهين، والعلامات في مجال النظر ومسائل الاجتهاد مقدمةٌ على الاستصحاب، غير أنها ضعيفة في هذا المقام، حتى كأنها مفقودة.
فإن قيل: فشهادة العدل الواحد ظاهرةٌ في إثارة الظن، قلنا: ولكن لا متعلق فيها مع حكم الشرع بأنه لا يُعمل بها، والظنون في مسائل الاجتهاد [لها] 2 متعلقات معمول بها إجماعاً، كخبر الواحد، والقياس الفقيه 3، ووجوه التشبيه، والظن في الاجتهاد لا يُغني بعينه 4، ما لم يثبت قاطع في العمل به.
نعم المحبوس في المطامير 5 إذا التبس عليه شهرُ رمضان، يتحرى جهده، فإذا صام ووافق صومُه شهرَ رمضان، اعتُدّ به وفاقاً، للضرورة الداعية إلى ذلك، فوجب العمل بموجب التحرّي، لمكان الضرورة.
وليس على الإنسان في أول الشهر أن ينوي الصومَ، وإن ثبت مستندٌ.
وقد ثبت في الشرع ظنُّ المحبوس معمولاً به لضرورته، فصار ظنه كالأقيسة في ازدحام الوقائع؛ فإنا نضطر إلى العمل، ولا متعلق غيرُ القياس.
2302 - ثم قال الأصحاب إذا سقطت العلامات، أو لم يثبت في الشرع [العمل] 6

بها، فالاستصحاب قانونٌ في الشريعة، كما ذكرناه في آخر الشهر، وله أمثلة نذكر ما يحضرنا منها: فمن استيقن الحدث، وشك في الطهارة بعده، فتطهر على هذا التردد، ثم بان له أنه ما كان تطهر، صح وضوؤُه، بناء على استصحاب الحدث، ولو استيقن الطهرَ وشك في الحدث، فتطهر على التردد، فبان أنه كان محدثاً، لم يصح وضوؤُه؛ بناء على استصحاب الطهر.
وقياس مذهب المزني الصحة.
ومن أخرج زكاة ماله الغائب، وهو على التردد في بقائه، ثم بان بقاؤه أجزأه المخرَج.
ومن أخرج زكاة مال أبيه على تقدير موته، ثم بان موتُه، كما قدّر، لم يعتد بما أخرجه بناءً على بقاء الأب.
فهذا وجه ربط النية بالاستصحاب نفياً وإثباتاً.
قال الأصحاب: لو نوى أن يصوم غداً من شهر رمضان، أو تطوعاً، لم [تصح] 1 نيتُه من غير تنويعٍ، وتقدير حالٍ بدل حال، ففسدت النية.
وليس كما إذا نوى أن يصوم غداً عن رمضان إن كان منه، أو تطوعاً إن لم يكن.
والعجب اشتغال المصنفين بأمثال هذه الترهات مع الذهول عن مقصود الكلام.
فصل قال: " وإن وطئ امرأته، فأولج عامداً، فعليه القضاء والكفارة ... الفصل " 2. 2303 - من أفطر عامداً في نهار رمضان، بجماع تام، لا شبهة [فيه] 3، التزم الكفارةَ العظمى، على ما سنصفها.
فنستقصي في صدر هذا الفصل ما يوجب الكفارة العظمى، ثم نصفها، وننظر ما يقتضيه الترتيب بعدهما.

فموجِب الكفارة الجماعُ [التام] 1 وهو تغييب الحشفة في الفرج، والمذهب أن الكفارة تثبت بالإيلاج في أي فرج كان، فلو أتى امرأةًُ، أو تلوّط، أو أتى بهيمةً، التزم الكفارة.
وذهب بعضُ أصحابنا فيما ذكره بعض المصنفين، وصاحب التقريب إلى إتباع الكفارة الحدَّ، فكل وطء يتعلق الحد بجنسه، تتعلق الكفارة به، وكل وطءٍ اختلف القول في تعلق الحد به، كإتيان البهيمة، ففي وجوب الكفارة به ذلك الخلاف.
وهذا رديء مزيف، ولا خلاف في حصول الفطر بإيلاج الحشفة في أي فرج قُدّر.
ثم لا تجب الكفارة العظمى بجهةٍ من جهات الفطر خلا الوطءَ، وعلّق مالك وجوب الكفارة بكل فطرٍ يأثم المفطر به 2. ولأبي حنيفة تفصيل 3 متناقض، ليس من شرطنا ذكرُه.
2304 - وإذا بان المذهب في الجنس الموجب للكفارة، فالكلام بعد ذلك في الحال المعتبر، فالعامد الذي لا عذر به، هو الملتزم للكفارة، فأما من وطئ ناسياً للصوم، فظاهر ما نقله المزني أنه لا يفطر، كما لو أكل ناسياً.
وذهب بعض أصحابنا إلى تخريج جماع الناسي على قولين: أحدهما - أنه يتضمن الفطر، والثاني - لا يتضمنه.
وأخذ هؤلاء القولين من اختلاف قول الشافعي في المحرم إذا جامع ناسياً.
وهذا غير مرضي؛ فإن محظورات الحج تنقسم إلى استمتاعٍ واستهلاكٍ، فالاستمتاع كالطيب ولُبس المخيط، يفصل فيه بين الناسي والعامد، على الأصح، والجماع متردد في نص الشافعي بين الاستمتاع والاستهلاك، ولا انقسام في محظورات

الصوم، فالوجه إجراؤهما على قضيةٍ واحدة في حكم النسيان.
فإن حكمنا بأن المجامع ناسياً لا يفطر، فلا كلام.
وإن حكمنا بأنه يُفطر، ففي وجوب الكفارة وجهان في بعض التصانيف.
فإذا أوجبنا الكفارة على الناسي حيث انتهى الترتيب إليه، توجه إيجاب الكفارة على من يخالط امرأته ظاناً أنه في بقية من الليل، ثم تبين له مصادفة الوقاع النهارَ، فالمذهب حصول الفطر ثمَّ.
والأصح أن الناسي لا يفطر بالوطء، ثم إذا ألزمنا الناسيَ الكفارةَ عند الحكم بإفطاره، فتلك الصورة بالكفارة أولى.
وهذا لم أقله احتمالاً، بل ذهب إليه طوائف من أصحابنا، فيما عثرت عليه.
2305 - ومما يتعلق بهذا الفصل القولُ في أن المرأة إذا طاوعت، ومكنت، فلا شك أنها تُفطر، وفي وجوب الكفارة عليها ما نُبيّنه.
ظاهر النصوص للشافعي أن الزوج يختص بالتزام الكفارة، وقال أبو حنيفة: تلزمها الكفارة، كما تلزمه 1، ولا تداخل، بل كل واحد يختص بالتزام الكفارة، وهذا قولٌ للشافعي، نص عليه في الإملاء، والقولان يوجّهان في الخلاف.
فإن أوجبنا على كل واحد منهما كفارة، من غير تداخل، ولا تحمّل، فلا كلام.
وإن أوجبنا الكفارة عليه دونها، ففي تنزيل القول في ذلك مسلكان مأخوذان من نصوص الشافعي.
وإن أوجبنا، فَلَنا قولان: أحدهما - أن الوجوب لا يلاقيها، وليس ما يصدر منها من موجبات الكفارة أصلاً.
والقول الثاني - أن الوجوب يلقاها، والزوج يتحمل عنها، ثم نقدِّر اجتماع كفارتين في حقه، ونقضي بالتداخل، قضاءنا [به] 2 في الحدود.
وهذا بعيد عن القياس، وإن كان ظاهرَ المذهب.
ومعتمد الشافعي حديثُ الأعرابي، وسنذكره

لغرضٍ فقهي فيه، على أثر هذه الفصول.
2306 - ثم يتفرع على ما ذكرنا فروعٌ بها تتبين حقيقةُ القولين.
فإن قلنا: لا يلقاها الوجوب قط، فلا إشكال، وإن أثبتنا ملاقاةَ الوجوب، وحكمنا بالتحمل، فلو زنى بامرأة، لزمتها الكفارة؛ إذ ليس بينهما ما يوجب التحمل عنها، ولو كان الواطىء مجنوناً زوجاً، فعليها الكفارة، فإن المجنون ليس من أهل التحمل، ولو كانت المرأة من أهل التكفير بالصوم، أمرناها بصوم الشهرين، فإن التحمل لا يتطرق إلى عبادات الأبدان، وإن كان الزوج من أهل الإعتاق، والمرأة من أهل الإطعام، ففي المسألة وجهان في بعض التصانيف: أحدهما - لا تحمل، ولا تداخل لاختلاف الجنس.
والثاني - يتحمل عنها، ثم يندرج الإطعام تحت العتق للاجتماع في المالية.
والسيد إذا وطئ أمته، فالملك يقتضي من التحمل ما تقتضيه الزوجية، ولكن كفارة الأمة بالصوم، فيمتنع التحمل من هذه الجهة.
فهذا مجموع ما أردناه في ذكر موجِب الكفارة.
2307 - وإذا حصل الإفطار بغير الوقاع، فلا شك أن الكفارةَ العظمى لا تجب عندنا، وهل نوجب مع القضاء مُدّاً على القاضي في الإفطار بالأكل وغيره؟ في المسألة وجهان: أصحهما - أنا لا نوجب؛ فإنه لا ثبت، ولا توقيف فيه، وليس معنا قياسٌ يقتضيه.
2308 - فأما الكلام في صفة الكفارة، فهي مرتبة: عتقٌ، وبعد العجز عنه صيامُ شهرين، فإذا فُرض العجز عنه، فإطعام ستين مسكيناً، وتفصيلها يأتي في كفارة الظهار.
2309 - وهل يجب القضاء مع الكفارة؟ محصول ما ذكره الأئمة ثلاثة أوجه: أحدها - يجب قضاء الإفطار [الحاصل، فإن] 1 الكفارة لا تجبر فساد العبادة.

والثاني - لا يجب القضاء مع الكفارة؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأعرابي بالقضاء، لما أمره بالكفارة.
والوجه الثالث - أن التكفير إن كان بالإعتاق أو الإطعام، وجب القضاء، وإن كان التكفير بالصيام، لم يجب القضاء والأصح وجوب القضاء 1. فإن قيل: أليس روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: " اقضيا يوماً مكانه "؟ 2 قلنا: هذا لم يصححه أهل الحديث.

ولم يختلف الأصحاب أن المرأة يلزمها القضاء، إذا لم بلزمها الكفارة.
ولا نقول يتحمل الزوج؛ فإن الكفارة إذا كانت صوماً، لم يتحمل، فما الظن بالقضاء؟ وهذا لا شك فيه.
2310 - ولو جامع في يوم، فالتزم الكفارة، ثم جامع في يومٍ آخر، قبل التكفير، لزمه كفارة أخرى، ولا تداخل، خلافاً لأبي حنيفة 1. 2311 - والمنفرد برؤية الهلال إذا شهد، فردت شهادته، وألزمناه الصومَ، [فلو] 2 جامع، لزمته الكفارة خلافاً لأبي حنيفة 3. فهذا نجاز القول في موجب الكفارة [وفي تفصيل الكفارة] 4 على قدر غرضنا.
2312 - ومما يتعلق بالفصل حديثُ الأعرابي والكلامُ عليه: روي: أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يضرب نحره، وينتف شعره، ويقول: هلكتُ وأهلكت يا رسول الله، فقال: ماذا صنعت؟ فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال صلى الله عليه وسلم: " أعتق رقبة ". فضرب يده على سالفته 5، وقال: لا أملك رقبة غير هذه فقال: " صم شهرين " فقال: هل اُتيت إلاّ من الصوم، فقال: " أطعم ستين مسكيناً "، فقال: والله ما بين لابتيها أفقر مني، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعَرَقٍ 6 من طعام يسع خمسةَ عشرَ صاعاً، وكال على قَدْره 7، فقال

صلى الله عليه وسلم: " تصدق به "، فقال: على أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي؟ فاحتضن الأعرابي الطعامَ وولى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم " 1. وقد ربط الأئمة أحكاماً بهذه القصة، ونحن نذكرها مرسلة، ثم نتعلق [بالقصة] 2 عند مسيس الحاجة.
2313 - ذكر العراقيون ترتيباً جامعاً حسناً، قد مضى لنا أصله، ولكنا نُعيده لزوائدَ، قالوا: الحق المالي الذي يجب لله تعالى من غير سبب، إذا دخل وقتُ وجوبه، ولم يصادف قدرةً عليه، ولا استمكاناً، فلا يجب الحق، وزوال العجز بعده لا أثر له، وهذا كصدقة الفطر.
وما يجب بسببٍ ينقسم إلى ما يحل محل الأبدال، [وإلى ما لا يحل محله: فأما ما يحل محل الأبدال] 3، فإذا تحقق سببه، وصادف عجزَ صاحب السبب، فيستقر في الذمة، إلى اتفاق اليسار والتمكن، وهو بدل الصيد؛ فإنه يجب بدلاً عن الصيد، والغالب عليه مَشَابِه [الغرم] 4. وأما ما يجب بأسبابٍ، ولا يثبت بدلاً، ولا مشابهاً لبدل، كالكفارات جُمَع، سوى ما ذكرناه، فإذا صادف سببُه العجزَ عن البدل والمبدل، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنها لا تجب، وإن طرأ الاقتدار من بعدُ، قياساً على زكاة الفطر.
والثاني - أنها تثبت في الذمة، ثم الاختلاف في النظر إلى وقت الوجوب والأداء مشهور.
وذكر صاحب التقريب ما ذكروه، ولم يستثن جزاء الصيد، ولا ينبغي أن يعتقد في

جزاء الصيد خلاف، وتَرْكُ استثنائه من صاحب التقريب غفلة.
وذكر الشيخ في شرح التلخيص ما ذكره هؤلاء، وحكى عن صاحب التلخيص أنه استثنى كفارة الظهار، وقال لا يستحل المظاهر الإقدامَ على الوطء، ما لم يكفر.
قال الشيخ أبو علي كفارة الظهار خارجةٌ على الخلاف، ولا معنى لاستثنائها، ثم قصة الأعرابي تعضد إسقاط الكفارة.
2314 - [ومما] 1 تلقاه الأئمة من الحديث التردُّدُ في أن الغُلمة إذا أفرطت هل تكون عُذراً في ترك الصيام؟ أي صيام الكفارة، وسبب هذا -على بعده- قصةُ الأعرابي؛ حيث قال: وهل أُتيت إلاّ من الصوم؟ وترددوا أيضاًً في أن ملتزم الكفارة إذا اتصف بكثرة العيال، وقلة المال، فهل له أن يصرف الطعام إلى أهله؟ وسبب ذلك تلك القصة أيضاً.
2315 - والرأي عندنا إلحاق قصة الأعرابي برخصةٍ خص الشارع بها مُعَيَّناً، وكثيراًً ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم في قصة الأضاحي: " تَجْزِي عنك، ولا تَجْزِي عن أحدٍ بعدك " 2. وجرى مثل ذلك في إرضاع الكبير 3. وهذا وإن كان على بعدٍ، فهو أهون من تشويش أصول الشريعة، لقصةٍ ينقلها آحاد وأفراد.

فصل قال: " والحامل أو المرضع إذا خافتا على ولديهما ... الفصل " 1. 2316 - من أفطر بعذر يخصه، فلا يلزمه إلا القضاء، كالمسافر والمريض، ومن أفطر عاصياً بغير وقاعٍ، لزمه القضاء، وفي لزوم الفدية الخلاف المقدم، والحامل إذا كانت تخاف على جنينها لو صامت، فإنها تفطر، وعليها القضاء، وفي لزوم الفدية، وهو مدٌّ مع كل يوم، قولان: أحدهما - أنها تجب، لما روي عن ابن عباس " أنه قال في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]: إنه منسوخ الحكم إلا في الحامل والمرضع " 2. والقول الثاني - لا يلزمها الفدية؛ لأنها وإن كانت تخاف على ولدها، فالخوف يرجع إليها أيضاًً لو أجهضت، فهي كالمريض.
ومن قال بالأول كفاه التعلقُ بالتفسير، وقد روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه قال في الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على ولديهما، قضتا، وافتدتا بمدّين من طعام " 3. وله أن يقول أيضاًً: الحامل وإن لم تُجْهِض، فلا بد وأن تلد، فلم يتجدد عليها بالإجهاض مزيد خوف، والأمر راجع إلى الولد.
و [المرضع] 4 إذا خافت على ولدها إن صامت، ففيها طريقان: أصحهما القطع بإيجاب الفدية مع القضاء؛ فإنها صحيحة البدن لا عذر بها في نفسها، فهي

[المطيقة] 1 تحقيقاً، والمفطرة بسبب الغير.
وكان شيخي يحكي عن شيخه القفال أن من كان صائماً، فوجد مشرفاً على الهلاك، وتعيّن عليه إنقاذه، وكان لا يتأتى ذلك منه إلا بالإفطار، فإذا أفطر، قضى، وفي التزام الفدية وجهان، فإن هذا إفطارٌ بسبب الغير، وهذا بعيد؛ فإن التعويل في المرضع والحامل على الخبر، ولا مجال للقياس.
فإن قيل: لم ضعَّفتم إيجاب الفدية على العاصي بالأكل؟ قلنا: لأن الفدية جابرة حيث [ثبتت] 2، وما نراها تجبر ما صدر عن العاصي بالفطر، وإن كانت تغليظاً، فليست على قدر ما صدر منه، فالإثم العظيم أليق به.
وهذا يضاهي اختلافَ الأصحاب أن من تعمد ترك التشهد هل يسجد؟ ووجه التقريب أن الساهي بالترك أثبت له الشرع مستدركاً وجابراً، والمتعمد لا يستحق ذلك، [فاسْتَدَّ] 3 نقضُ الصلاة عليه.
فصل [قال] 4 " ومن حركت القُبْلة شهوته ... إلى آخره " 5. 2317 - لا خلاف أن الاستمناء يفطر، ولا تتعلق الكفارة به عندنا، وعند أبي حنيفة.
وإذا قبل الصائم، أو وُجد بينه وبين امرأته التقاء البشرتين، وترتب الإنزال عليه، تعلق الإفطار به.
ولو نظر أو ذكر، وأنزل، لم يُفطر.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل