كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وإذا انتهى في ممرّه إلى نجاسة ولا يجد عنها معدلاً، فهذا فيه احتمال، ولا شك أنها إذا كانت رطبة، فالمشي فيها يبطل الصلاة، وإن كان من غير قصدٍ؛ فإن المصلي يصير بالمشي فيها حاملاً للنجاسة.
فهذا نجاز ما أردناه في ذلك.
فصل
قال الشافعي: "إذا كان يصلي على راحلته في سفره فدخل بلدة ... إلى آخره" 1.
730 - المتنفل إذا انتهى إلى بلدة أو قرية وهو في أثناء صلاة النافلة على دابته، فإنْ لم يُرد الإقامة بها، وقصد أن ينزل بها ليلةً، أو مدّة لا تزيد على مدّة المسافرين، فله أن يستكمل النافلة على دابته، وإن كان يتردّد لحاجته في النزول 2، فتردّده لذلك بمثابة [استداده] 3 في صوب سفره في كيفية الصلاة وترْك الاستقبال.
وإن كان وقف دابته في انتهائه إلى منزله، ولو نزل وتمم الصلاة، لم ينقطع عن شيءْ من مآربه، فلو بقي على الدابة، فما ذكره الصيدلاني أنه يصلي كما يصلي، مستداً في صوب قصده.
وكذلك إذا ابتدر الركوبَ قبل أن ترحل الرفقة، وكان يصلي راكباً واقفاً، منتظراً انتهاض الرفقة، فيصلي مومياً بالركوع والسجود؛ فإن هذه الرخصة لا تراعى فيها الضرورة الحاقّة، وإنما المرعيُّ مشقةُ السفر على الجملة؛ فإنه مظنّة الحاجة، وعن هذا بُني الرخص في السفر على كونه مظنة للمشاقّ، وإنْ كان قد يفْرض مسافر غيرُ مشقوق عليه.
وهذا الذي ذكره في الاقتصار على الإيماء في الركوع والسجود منقدح، فأما استقبال القبلة، فالوجه اشتراطها في ظاهر المذهب في حق الواقف، فإنّا ذكرنا أنه إن كان زمام ناقته بيده، تعيّن عليه استقبال القبلة عند التحرم، وفيه من الخلاف ما قدمناه.
وقد ذكرنا أن من كان في مرقد وتمكّن من الركوع والسجود، لم يقتصر على الإيماء، وتعيّن عليه الاستقبال في جميع الصلاة؛ فإنّه ليس ملابساً حالةً يعتبر 1 فيها الإيماء، وإذا ركب 2، فهذه الحالة يتعذر فيها الإتمام، ولا ننظر إلى أنه لا ضرورة في الركوب؛ فإن هذا يجرّ إسقاطَ الرخصة في السفر في حق من سفرُهُ مباح، ولا ضرورة عليه في ابتداء السفر، ولا حاجة أيضاً؛ فإن القواعد إذا أسست للحاجة، لم يراع في تفاصيلها الحاجة.
فهذا إذا لم يقصد الإقامة.
731 - فأمّا إذا انتهى إلى بلدته، أو إلى موضع آخر، ونوى الإقامة بها، وهو في أثناء الصلاة النافلة، فلا يتمم الصلاة راكباً -إذا فرّعنا على الأصح في أن المقيم لا يتنفل راكباً- ولكنه ينزل ويبني على صلاته مستقبلاً، ويتمم الأركان في بقية الصلاة، وهذه الحركات 3 تفرض خفيفةً، بحيث لا تبلغ مبلغ الفعل الكثير المبطل للصلاة.
وسنذكر تفصيل ذلك في الصلاة المفروضة في حق الخائف إذا كان يقيمها في حالة الخوف راكباً، ثم أمن في أئناء الصلاة، فنزل فبنى.
وظاهر نصّ الشافعي في حق الخائف أنه لو افتتح الصلاة آمناً، ثم طرأ الخوف، فركب، لم يصح، وفيه تفصيل طويل.
والظاهر عندي أن المتنفل لو أراد الركوب في أثناء الصلاة، فإنه يبني على صلاته،
وفي المسألة احتمال، وسبب ظهور ما اخترته أن النفل لا يلزم بالشروع، وافتتاح الركوب في أثنائه كافتتاح الصلاة النافلة راكباً.
والعلم عند الله.
فصل
قال: "ولا يصلّي في غير هاتين الحالتين إلا إلى القبلة ... إلى آخره" 1.
732 - حاصل القول في بقية الباب أمران: أحدهما - تفصيل القول في استقبال عين الكعبة، أْو في استقبال جهتها، عند إمكان اليقين.
والثاني - طلب القبلة بالاجتهاد عند تعذّر اليقين.
فنبدأ بالصور التي يمكن درك اليقين فيها، ونقول:
733 - من كان بمكة في المسجد الحرام، فليعاين الكعبة، وليستقبلها، ثم إن اقترب منها استقبلها استقبالاً [محسوساً] 2 مقطوعاً به، ولو وقف على حرف ركن من أركان البيت، وكان يحاذي ببعض بدنه الركن، وبعضه خارج عن مسامتة الكعبة، ففي صحة الصلاة وجهان، ذكرهما بعض المصنفين وغيره.
أحدهما - أنه لا تصح الصلاة، وهو الذي قطع به الصيدلاني، فإنه لا يسمى مستقبلاً؛ بل يقال: استقبل بعض الكعبة، والأمر بالاستقبال مضافٌ إلى جميع بدن المصلي.
والثاني - يجزئه وتصحّ صلاته؛ فإنه يسمَّى مستقبلاً.
وعلى هذا النحو اختلف أئمتنا في أن الطائف -في تردده وتطوافه- لو خرج عن محاذاة الكعبة في الجهة المرعية في محاذاة الطائف ببعض بدنه، وكان محاذياً بالبعض 3، فهل يصحّ طوافه أم لا؟ على ما سيأتي شرح ذلك.
ولو اقترب صف من البيت واصطفوا، فقد لا يحاذي الكعبةَ منهم من في جهة
الاستقبال إلا عشرون أو نيف وعشرون، ويخرج طرف الصف إن زادوا، وكانوا على استطالة واستداد 1 عن المُحاذاة، فلا تصح صلاة الخارجين عن المحاذاة في القرب؛ لخروجهم عن الاستقبال، وهذا بيّنٌ.
ولو بعدوا ووقفوا في أخريات المسجد، فقد يبلغ الصف ألفاً، وهم معاينون للكعبة، وصلاتهم صحيحة.
ونحن -على قطعٍ- نعلم أن حقيقة المحاذاة -نفياً وإثباتاً- لا تختلف بالقرب والبعد، ولكن المتبع في ذلك وفي نظائره حكم الإطلاق والتسمية، لا حقيقة المسامتة، وإذا قرب الصف، واستطال، وخرج طرفُه عن المحاذاة، لم يُسمّ الخارجون مستقبلين.
وإذا استأخر الصف وبعُد سمّوا مستقبلين.
734 - وهذه الأحكام مأخوذة في [وضع] 2 الشرع من التسميات والإطلاقات.
وعلى ذلك بنى الشافعي تفصيلَ القول في الصلاة على ظهر الكعبة، فقال: إن لم يكن على طرف السطح شيء شاخص من بناء الكعبة، فلا تصح صلاة الواقف على الظَّهر؛ فإن من علا شيئاً لم يسمَّ مستقبلاً، ولو وقف خارجاً من الكعبة -على أبي قبيس مثلاً- فالكعبة مستقبلة عن موقفه، وصلاته صحيحة؛ فإنه يسمى مستقبلاً، ولا يختلف ما يطلق من ذلك بعلوّ الواقف وتسفّله.
ولو وقف على السطح، وكان على طرف السطح شيء شاخص من البناء بقدر مؤخرة [الرَّحْل] 3 وهو واقف في محاذاته، فصلاته صحيحة؛ فإنه يسمى مستقبلاً لذلك الجزء.
ولو وضع شيئاً بين يديه ودفعه ونضَّده بالقدر الذي ذكرناه، واستقبله،
لم تصحّ؛ فإن ذلك الشيء لم يعدَّ من الكعبة.
ولو غرز خشبة واستقبلها، فقد اشتهر في استقباله خلافُ الأصحاب، فمنهم من منع صحة الصلاة؛ فإنَّ ذلك المغروز لا يعدّ بناءً، ومنهم من صحح، فإن من يبني بناءً، فقد يغرز خشبات عند منتهى البناء، ويعدّ ذلك من جملته، و [الأصحّ] 1 الأول.
ثم لو فرض شخوص خشبة من البناء، فمعلوم أنها في حجمها قد لا تكون على قدر بدن الواقف، وقد ذكرنا خلافاً فيمن وقف على طرف ركن من أركان الكعبة، وخرج بعض بدنه عن المسامتة، وهذه الخشبة الشاخصة، وإن اتصلت اتصال البناء فبدن الواقف خارج عن محاذاتها في الطرفين، فهذا فيه تردّد ظاهر عندي، كما ذكرته.
ومما يجب التنبيه له أن الأئمة اكتفَوْا بأن يكون ذلك الشاخص بقدر مؤخرة [الرحْل] 2، ولعلهم راعَوْا فيه أنه في سجوده يسامت بمعظم بدنه ذلك الشاخص بهذا القدر، وهذا فيه شيء -من جهة أنه في حال قيامه خارج بمعظم بدنه عن مسامتة ذلك ْالشيء- وقد ذكرنا تردد الأصحاب في الخروج ببعض البدن عن المحاذاة، ولكن الأئمة نزلوا هذا منزلة ما لو استعلى الواقف، والكعبةُ أسفلَ منه، وهذا فيه نظر من طريق المعنى، فإن جميع الكعبة إذا تسفّل، فهو القبلة بلا مزيد، فُنزل عليه اسمُ الاستقبال، وهذا الشاخص -في حق الواقف على ظهر الكعبة- جزء من القبلة، وفيه من تبعّض الأمر في المحاذاة ما ذكرته.
وقد حكى العراقيون وجهاً: أن البناء الشاخص ينبغي أن يكون على قدر قامة المصلي؛ تخريجاً على ما ذكرته من الاحتمال، وهذا الذي ذكروه في الطول يجري في العرض قطعاً، ويخرج منه منع الصلاة إلى العتبة والباب مفتوح.
وهذا الذي ذكروه منقاس حسن.
وممّا حكوه عن ابن سُريج أنه جوّز الوقوف في عرصة الكعبة إذا انهدمت، وإن لم يكن بين يدي الواقف شيء شاخص، وهذا تخريج غريب.
ولا شك أنه يجري هذا في ظهر الكعبة أيضاً، وهو مذهب أبي حنيفة 1.
والاحتمال ما قدمته.
735 - ولو وقف المصلي في جوف الكعبة واستقبل جداراً، صحت صلاته وفاقاً؛ وإن كان لا يقال: استقبل الكعبة، بل يقال: استقبل جزءاً منها.
وإن استقبل الباب وهو مردود، فهو كما لو استقبل جداراً.
ولو كان مفتوحاً، والعتبة لاطئة 2 وارتفاعها أقل من مؤخرة [الرَّحْل] 3 -وهي تداني ثلثي ذراع 4 - فلا تصح الصلاة، ولو بلغ ارتفاعها هذا القدر، فالصلاة صحيحة، كما ذكرنا.
736 - ولو انهدمت الكعبة، ووقف الواقف خارجاً من عرصتها، واستقبل العرصة، صحّت الصلاة، ولا يشترط شخوص شيء من الكعبة.
فإن وقف في العرصة نفسها فهو كما لو وقف على السطح في كل تفصيل ذكرناه، من اشتراط شاخص بين يديه [كما مضى.
ولو احتفر في العرصة حفرة بالقدر المقدم، فما بين يديه] 5 من ارتفاع طرف البئر عن موقفه، بمثابة ارتفاع شيء من البناء شاخص، كما تفصّل قبلُ.
ولو فُرض غرز خشبةٍ في العرصة، فقد ذكر فيه الخلاف المقدم، ولو نبتت حشيشة، فعَلَتْ، فلا حكم لها في الاستقبال قطعاً، ولو نبتت شجرة من العرصة، فهي كبَنِيَّةٍ من جدار الكعبة، أو كسارية من سواريها؛ إذا استقبلها من دخل الكعبة.
فهذا ما أردناه في الاستقبال حالة المعاينة.
737 - ومما يتعلق بتمام ذلك أن العراقيين حَكَوْا نصّين ظاهرهما الاختلاف في المكي إذا لم يعاين الكعبة، فنقلوا أنه قال في موضع: "من سهل عليه معاينة الكعبة في صلاته على سهل، أو جبل، تعيّن ذلك عليه".
ونقلوا أنه قال: "من كان في مكة في مكان لا يرى منه البيت، لم يجز له أن يترك الاجتهادَ بكل ما يستدل به على الكعبة" ثم قالوا: والنصّان منزّلان على اختلاف حالين، فمن يكون موقفه بحيث تبدو منه الكعبة على [يُسرٍ] 1 وسهولة، فتتعين معاينة الكعبة.
وحيث يكون بينه وبين الكعبة حائل من جدار، أو جبل، أو غيرهما، فلا نكلفه المعاينة.
فظاهر كلامهم اشتراط العيان عند الإمكان، حتى قالوا: لو بنى حائلاً حاجزاً بين موقفه وبين الكعبة، حتى عسرت عليه المعاينة -من غير ضرورة وحاجة- فلا تصح صلاته؛ لتفريطه في ذلك.
وهذا كلام فيه إخلال، والذي أراه أن الرجل إذا سوَّى محراباً على العيان، ثم أثبت حاجزاً، فلا بأس، فإنه إذا وقف نقطع بأنه وقف موقفاً يسمى فيه مستقبلاً.
وقد ذكرنا أنه لا يعتبر عند الاستئخار من جِرم الكعبة حقيقةُ المحاذاة والمسامتة، وإنما يكتفى بحصول اسم الاستقبال، فالعيان مرعيٌّ ليسوَّى بحسبه محراب عند الإمكان.
فأما إذا وقف في عرصة داره بمكة، فلا بأس، ولكن إن سوى محرابها بناءً على العيان في أول البناء، فهو خارج على ما ذكرناه، وإن بنى المحرابَ في البناء على الأدلة، ولم يعتن بالعيان في ابتداء الأمر، أو وقف واقف في بيتٍ من دارٍ لا محراب فيه، واعتمد فيه الأدلة، فظاهر ما نقله العراقيون جواز ذلك، وأنه لا يكلف الترقي إلى سطح الدار مع إمكان العيان فيه، وأطلقوا جواز الاجتهاد في هذه الصورة، واعتمدوا فيه ما صادفوا عليه أهل مكة وهم يصلون في عرصات الدور، وكذلك استفاض ذلك من الأوّلين.
وهذا فيه نظر عندي؛ فإن اعتماد الاجتهاد بمكة، مع بناء الأمر ابتداءً على عيانٍ، بعيد، فلينظر الناظر في ذلك مستعيناً بالله تعالى.
والذي ذكرناه في قسم انتفاء الاجتهاد، والقدرة على درك اليقين.
738 - ومما يتصل بهذا القسم أن من كان بالمدينة وكان يعاين محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقفه، فلا اجتهاد له، فإنَّ استداد موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم [مقطوع به، ولا اجتهاد مع إمكان درك اليقين، فلو أراد ذو بصيرة أن يتيامن أو يتياسر عن صوب محراب المصطفى صلى الله عليه وسلم] 1، لم يكن له ذلك، والذي تخيله زلل، فلا اجتهاد إذاً جملةً وتفصيلاً.
ولو دخل بلدةً أو قرية مطروقة فيها محراب متفق عليه، لم يشتهر فيه مطعن، فلا اجتهاد له؛ مع وجدان ذلك؛ فإنه فى حكم اليقين، ولو أراد ذو بصيرة أن يتيامن بالاجتهاد قليلاً، أو يتياسر، فظاهر المذهب أنه يسوغ ذلك.
وسمعت شيخي يحكي فيه وجهاً - أنه لا يجوز؛ كما ذكرناه في مبهة والمدينة.
ومن قال: يتيامن أو يتياسر، يلزمه أن يقول: حق على من يرجع إلى بصيرة إذا دخل بلدة أن يجتهد في صوب القبلة، فقد يلوح له أن التيامن وجه الصواب، وهذا 2 إن ارتكبه مرتكب، ففيه بُعد ظاهر، والعلم عند الله.
وتفصيل القول في التيامن والتياسر -مع اعتقاد اتحاد الجهة- يَبين بأمرٍ نذكره بعد ذلك في فصول الاجتهاد.
إن شاء الله تعالى.
وهذا منتهى القول في أحد القسمين.
739 - فأما القسم الثاني - وهو إذا عَسُر دَرَكُ اليقين، ففيه تفصيل القول في الاجتهاد: فإذا كان الرجل في سفره، وتعذر عليه مدرَك اليقين، فأول ما خاض فيه الخائضون ذكرُ أدلة القبلة، ولست أخوض فيه؛ فإن استقصاء القول فيه يطول، وقد ألف ذوو البصائر فيه كتباً، وشرْطُ هذا الكتاب إذا فرض فيه أمر، أن ينتهي إلى غايته، فلتُطلب أدلة القبلة من كتبها.
وذكر الصيدلاني منها مهابّ الرياح، وهذا بعيد عندي جدّاً؛ فإن الرياح لا معوّل عليها، والتفافها في مهابّها أكثر من استدادها، ثم لا يتأتى التمييز فيها.
740 - ومما نذكره في هذا الفصل: أن من يسافر هل يتعين (1 عليه أن يتعلم من أدلة القبلة ما يستقبل به، وهل يلتحق هذا بما يتعين 1) على المكلف تعلمه؟
ذكر بعض المصنفين فيه اختلافاً، وهو لعمري محتمل، فيجوز أن يقال: يجبُ؛ كما يجب تعلم أركان الصلاة وشرائطها، ويجوز أن يقال: لا يجب؛ فإن التباس جهة القبلة مما يندر، وإنما يتعين على كل مكلف تعلم ما يعمّ مسيس الحاجة إليه.
741 - ثم إنما يجتهد البصير، فأما الأعمى، فلا شك أنه لا يتأتى منه الاجتهاد، وليس له إلا التقليد.
ومن لا يعرف الأدلة، ولم نوجب عليه التعلم، فإنه يقلّد أيضاً.
742 - والعالم بالأدلة لا يقلد عالماً؛ إذا كان متمكناً من الاجتهاد.
وإن التبست عليه الأدلة، وعسر عليه الاجتهاد، فقد نقل المزني عن الشافعي أنه قال: "ومن خفيت عليه الدلائل: فهو كالأعمى" 2.
وعلى الجملة: اختلف أئمتنا في أنه إذا تعذر على العالم النظر، ولم يعسر على عالم آخر، فهل يقلّد من خفيت عليه الدلائل من لم يخْفَ عليه؟
فمنهم من قال: يقلّد؛ لأنه في حالته كالأعمى الذي لا يتمكن من النظر.1
ومنهم من قال: لا يقلد.
واختيار المزني أنه يقلد، وقد استدل بنص الشافعي؛ حيث قال: "ومن خفيت عليه الدلائل، فهو كالأعمى" فقد جعل الشافعي فيما ظنه المزني من خفيت عليه الدلائل كالأعمى، والأعمى يقلد، فليقلد من خفيت عليه الدلائل.
فقيل له: لا يمتنع أن يكون المعنى من تشبيهه بالأعمى أن يصلي كيف يتفق، كالأعمى الذي لا يجد من يقلده، فإنه يصلي لحقِّ الوقت كيف يتفق، ثم يقضي إذا وُجد من يسدّده.
ووجه من لا يرى التقليد: أن البصير إذا توقف لحظة، لم يخرج عن كونه عالماً بالأدلة، والفترات قد تطرأ، والقرائح قد تتبلّد، فلو قلّد، لكان عالما مقلداً عالماً.
ثم الاختلاف الذي ذكرناه، في ضيق الوقت، وخشية الفوات، فأما إذا أراد أن يقلد أول الوقت، أو وسطه، فلا سبيل إليه؛ إذ لا حاجة، والتقليد إنما يقام مقام انقطاع النظر عند الحاجة.
فإن قيل: إذا جوّزتم إقامة الصلاة بالتيمم في أول الوقت -مع العلم بأن المسافر قد ينتهي إلى الماء في آخر الوقت- فهلاّ جوّزتم التقليد في أول الوقت؛ لإدراك فضيلة الأولية؟
قلنا: إنما جوزنا التيمم على قولٍ؛ من جهة أن الماء في مكان التيمم مفقود، وأما إذا توقف العالم، فهذا تردُّدٌ من ناظر، فلا نجعل هذا بمثابة عدم العلم والنظر رأساً، وفي المسألة -على الجملة- نوع احتمال.
ثم إذا جوزنا له أن يقلد، فقلَّد وصلى، صحت صلاته، ولا يلزمه القضاء؛ فإنا نزّلناه منزلة الأعمى في تقليده.
وإن قلنا: ليس له أن يقلد، فقد قال شيخي: يصلي على حسب حاله، ثم إذا انجلى الإشكال، يصلي ويقضي 1.
ويحتمل أن يقال: يقلد ويصلي بالتقليد، ثم يقضي إذا زال الإشكال، ويكون هذا بمثابة ما إذا تيمم في الحضر عند عدم الماء فيه، فقد نقول: يلزمه القضاء، ثم
يلزمه أن يتيمم بحق الوقت، فالتيمم بدلٌ عن الوضوء، فنوجب إقامة البدل، وإن أوجبنا القضاء، فكذلك التقليد بدل عن الاجتهاد، فينبغي أن يقلّد، وإن كنّا نوجب القضاء.
وهذا القائل يقول: إذا قلنا: يقلّد ويصلي، فهل يقضي؟ فعلى وجهين مبنيين على القولين فيمن تيمم بعذر نادرٍ لا يدوم، ثم زال العذر، فهل يقضي الصلاة؟ فعلى قولين.
743 - ومما يليق بتحقيق القول في ذلك أن ما ذكرناه من التفريع والخلاف فيه إذا انحسم مسلك النظر على الناظر، فأما إذا لم ينحسم نظره، ولكن كان ينظر ويستمرّ في نظره، وعلم أن وقت الصلاة ينتهي قبل أن ينقضي نظره، فيقلد ويصلي لحق الوقت، أو يتمادى في نظره إلى أن يتم اجتهاده؟ هذا ينزل منزلة ما لو تناوب على بئر جماعة، وعلم واحد أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد انقضاء الوقت.
وهذا أصل قد ذكرناه، ووقع الفراغ منه في باب التيمم.
فهذا تمام ما أردناه.
744 - وإذا جوزنا التقليد، فلا بد من العلم بصفة المقلِّد والمقلَّد، فأما المقلِّد، فهو الذي لا يتصور منه الاجتهاد كالأعمى.
وإن كان عالماً بصيراً، فركن إلى دَعة التقليد مع القدرة على الاجتهاد، لم يجز أصلاً.
وإن تحيّر وانحسم نظره، ولم يضق الوقت، لم يقلد، وإن ضاق الوقت مع الحَيْرة 1، ففيه الخلاف الذي ذكرناه.
وإن لم ينحسم نظره، ولكن علم أنه لا ينتهي نظره في الوقت، فهو كالتناوب على البئر والثوب الذي يصلّي عليه وفيه.
وإن كان الرجل جاهلاً بأدلة القبلة، فهذا يبنى على أنه هل يتعيّن عليه تعلّم أدلة القبلة؟ وقد ذكرنا الخلاف فيه.
فإن قلنا: لا يتعين، فيقلّد ويصلي ولا يقضي، وإن قلنا: كان يتعين عليه
التعلم، فلما لم يتعلم، فقد قصر وفرّط، فيلزمه القضاء، ثم يصلي لحق الوقت من غير تقليد، أو يقلد، ويصلي، ثم يقضي؟ فيه تردد ذكرته.
فهذا تفصيل القول في صفات المقلد.
745 - فأما من يُقلَّد، فينبغي أن يكون عالماً بأدلة القبلة، وينبغي أن يكون مسلماً؛ لأنه لا تقبل أدلة المشرك بحال.
ولو كان فاسقاً، لا يقبل قوله أيضاً.
ولا تقبل دلالة صبي كما لا يقلَّد صبي، وإن بلغ مبلغ المجتهدين.
والقول الضابط في ذلك أنا نرعى في الدالِّ المقلَّد ما نرعاه في المفتي، غير أن العلم المرعي هاهنا ما يتعلق بأدلة القبلة.
746 - ومما نذكره أن العالم وإن منعناه من تقليد عالم، فلو أخبره إنسان بطلوع الشمس من جهة مخصوصة، فهذا إخبار عن المشاهدة، فيجوز التعويل على قوله -إذا كان عدلاً ثقة- وهذا بمثابة رواية الأخبار، وليس هو من التقليد في شيء.
ثم يُشترط في المخبر عن المشاهدات في هذه الأشياء ما يشترط في رواية الأخبار، من: الإسلام، وعدم الفسق، وفي اشتراط البلوغ خلافٌ، مذكور في رواية الأخبار، ومختارُ معظم الأصوليين أنه لا يقبل رواية الصبي، ومَنْ قبلها يشترط أن يكون مميزاً، ولا يكون عرِماً 1 كذاباً.
فهذا تفصيل القول في صفات المقلِّدين والمقلَّدين، ومن يجتهد، ومن يُخبر عن المشاهدة، وينزل منزلة الرواة.
747 - ونحن نذكر الآن تفصيلَ القول في الإصابة والخطأ بعد الاجتهاد، وسبيل رسم التقسيم فيه أن نتكلّم في الجهتين إذا فرض الخطأ فيهما، ثم نذكر فرض الخطأ في الجهة، (2 الواحدة.
فأما إذا قدّرنا الخطأ في الجهتين 2)، فلا يخلو: إما أن يقع ذلك بعد الفراغ من2
الصلاة، أو في أثناء الصلاة؟ فإن قُدّر ذلك بعد الفراغ، فنقول:
748 - إذا اجتهد وصلى إلى جهةٍ وفرغ، ثم تبين أنه أصاب، أو لم يتبين شيء، لا بيقين، ولا بغلبة ظن، بأن جرى ذلك في موضع، فرحل منه وامتد، فلا يجب القضاء أصلاً.
وإن صلى وفرغ، ثم تغير رأيه في تلك الصلاة، فإن تبيّن قطعاً أنه قد أخطأ من جهة إلى جهة، ففي وجوب القضاء قولان مشهوران: أحدهما -وهو مذهب أبي حنيفة 1 والمزني- أنه لا يجب القضاء، والثاني - أنه يجب القضاء، وتوجيه القولين مذكور في (الأساليب) فليتأمّله الناظر.
ثم كان شيخي يقول: إن تبين للمجتهد الخطأ في الصلاة التي أقامها، وتعين له الصواب قطعاً، ففي القضاء القولان المشهوران، وإن تبين الخطأ في الصلاة المؤداة، ولم يتبين الصوابَ وجهتَه، ففي القضاء قولان مرتبان على قولين في الصورة الأولى، وهذه الصورة أولى بألا يجب القضاء فيها؛ فإنه لو قضاها لم يأمن أن يقع له في القضاء مثلُ ما وقع له في الأداء، وهذا سببٌ من أسباب سقوط القضاء، بدليل أن الحجيج إذا وقفوا مخطئين يوم العاشر، لم يلزمهم القضاء، إذْ لم يأمنوا في القضاء مثلَ ما وقع لهم في الأداء.
وهذا الترتيب خطأ عندي لا أصل له؛ فإنه إن كان لا يأمن في قضاء الصلاة مثلَ ما وقع له في الأداء، في حالة الالتباس، فيمكنه أن يصبر حتى ينتهي إلى بقعة يتعيّن له فيها يقين الصواب، وهذا يسير لا عسر فيه، وليس كذلك خطأ الحجيج في وقت الوقوف؛ فإنه يطرد فيه زوال الأمن عن وقوع الخطأ في السنين المستقبلة كلها.
فهذا إذا فرغ المجتهد ثم تيقن أنه أخطأ في تلك الصلاة بعينها.
749 - فأما إذا تغير اجتهاده، وغلب على ظنه أنه أخطأ في تلك الصلاة، فلا يلزمه قضاؤها؛ إذا كان تغيّر الاجتهاد بعد الفراغ من الصلاة، وهذا يبنى على أصلٍ مقرّر في الشرع - وهو أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
750 - ومما نُجريه في ذلك قبل مجاوزة الفصل، أن الفقهاء احتجوا بقول على قول بمسائل، والمذهب فيها مضطرب: فمما استشهد به من نصر وجوبَ القضاء: فرض الخطأ في الوقت؛ فمن اجتهد في وقت الصلاة، وأخطأ وتيقن الخطأ، فتفصيل المذهب فيه، أن هذا إن وقع في التأخير، فالوجه: القطع بإجزاء الصلاة، وإن نوى الأداء فيها، فتقوم نية الأداء مقام نية القضاء في ذلك، وهذا يناظر الخطأ في شهر رمضان في حق المحبوس، الذي التبس عليه عين الشهر، فإذا صام باجتهاده شهراً، فوقع بعد رمضان، أجزأه.
ولو تبين للذي اجتهد في وقت الصلاة أنه أوقع الصلاة قبل الوقت، فإن تبين ذلك ووقت الصلاة باقٍ بعدُ، تجب إعادة الصلاة في الوقت.
وإن لم يتبين ذلك حتى انقضى الوقت، فالذي قطع به الأصحاب وجوب القضاء.
وكان شيخي يخرج ذلك على قولين، كالقولين في نظير ذلك في صوم رمضان؛ فإن المحبوس إذا صام بالاجتهاد، ثم تبين له أنه كان صام شعبان مثلاً، وقد انقضى صومُ رمضان، ففي إجزاء ما جاء به قولان، سيأتي ذكرهما في كتاب الصيام، إن شاء الله تعالى، فلا فرق إذن بين الصلاة والصوم، في فرض الخطأ في الوقت.
والذي أراه في ذلك أن الاجتهاد في الوقت إن كان ممن يتأتى منه الوصول إلى اليقين، بأن يَلْبَث ويصبر ساعةً، فإذا فرض الخطأ في التأخير، لم يضر ذلك، وإن فرض من هذا الشخص الخطأ في التقديم، فالوجه القطع بوجوب القضاء، فإن دَرَك اليقين إذا كان ممكناً، فإن سوغنا الاجتهاد، فيظهر فيه أن الاجتهاد يسوغ بشرط الإصابة.
فأما إذا كان المرء محبوساً في موضع، وكان لا يتأتى منه الوصول إلى دَرْك 1 اليقين، فإذا فرض الخطأ في هذه الصورة، فيظهر حينئذ أن يكون التفصيل فيه، كالتفصيل في شهر رمضان، كما تقدّم.
751 - ومما أجراه الأصحاب في توجيه القولين، الخطأ في الثوب الطَّاهر والنجس إذا فرض الاجتهاد، وهذا إن سلمه أبو حنيفة، فهو عندنا خارج على القولين في الخطأ في القبلة، وقد ذكرنا نظير ذلك في الخطأ في الأواني في كتاب الطهارة، فليتأمله الناظر ثَمَّ.
752 - والقياس المقنع في ذلك، أن ما يتطرق إليه الاجتهاد من شرائط الصلاة، فإذا فرض فيه خطأ بعد الاجتهاد، فالقاعدة تقتضي تخريج القولين؛ فإن حقيقتها تؤول إلى أنّا -في قولٍ- نكلّف إصابة المطلوب، وفي قولٍ نكلَّف بذلَ المجهود في الاجتهاد، وهذا يجري في كل مجتَهد فيه جرياناً ظاهراً، فإن طرأ في بعض المسائل أمر -كما ذكرناه في تفصيل الخطأ في الوقت- فقد يقتضي ذلك مزيد نظر، كما تقدم الآن.
وهذا كله فيما يجري بعد الفراغ من الصلاة.
753 - فأما إذا طرأ ما ذكرناه في أثناء الصلاة، فنذكر يقين الخطأ، ثم نذكر تغيّر الاجتهاد.
فأما إذا [تعيّن] 1 الخطأ في أثناء الصلاة، لم يخل: إما أن يتعين الصواب أيضاً، (2 وإما ألا يتعين الصواب 2).
فإن تعين الصواب والخطأ، فإن قلنا: لو جرى ذلك بعد الفراغ، [لزم قضاء الصلاة، (4 فإذا طرأ في أثناء الصلاة، تبين بطلانها، وإن قلنا لا يجب القضاء إذا بان ذلك بعد الفراغ] 3 فإذا طرأ على الصلاة 4) ففي المسألة قولان: أحدهما - لا تبطل الصلاة، ويستدير إلى جهة الصواب، فتقع الصلاة الواحدة إلى جهتين، تشبيهاً له بصلاة أهل مسجد قباء، لما افتتحوا الصلاة إلى بيت المقدس، ثم بلغهم نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن القبلة قد تحولت، فاستداروا إلى24
الكعبة، وصحت صلاتهم، ولذلك سمي المسجد مسجد القبلتين 1.
هذا إذا تبين الصواب والخطأ في أثناء الصلاة.
754 - فأما إذا بان يقين الخطأ في الصلاة، ولم يتبين الصواب، فإن عسر العثور على الصواب وطلبه، فتبطل الصلاة قطعاً؛ إذ لا سبيل إلى الاستمرار على الخطأ في الصلاة، والتحول إلى الصواب عَسر.
فإن احتاج في الوصول إلى اجتهاد -وقد يطول الزمان فيه- ففي بطلان الصلاة على الجملة في هذه الصورة [قولان، مرتبان على القولين في] 2 الصورة التي قبلَ هذه، وهي إذا تعين الخطأ والصواب معاً.
والصورة الأخيرة أولى بالبطلان؛ والسبب فيه أن في الصورة الأولى تمكَن من الانقلاب إلى جهة الصواب، كما 3 تعين له الخطأ، وليس كذلك الصورة الأخيرة؛ فإنه تعين له الخطأ، ولم يتصل بتعين الخطأ إمكان الصواب.
فإن قلنا ببطلان الصلاة، فلا كلام، وإن حكمنا بأن الصلاة لا تبطل، فهذا عندي يستدعي تفصيلاً.
وأقرب الأصول شبهاً بما انتهى التفريع الآن إليه، ما إذا تحرم المرء بالصلاة، ثم شك في أثناء الصلاة، في صحة نيته، فقال الأئمة: إن مضى ركنٌ، وانتقل المصلي إلى آخر، والشك مستمر، بطلت الصلاة.
وإن زال الشك قبل مضى ركن، فلا تبطل الصلاة.
وهذا من غوامض أحكام الصلاة، وسأذكره في موضعه.
والقدر الذي يتعلق بما نحن فيه أنّه إن استمر طلب الصواب في أثناء الصلاة زماناً، والتفريع على أن الصلاة لا تبطل، فقد كان شيخي يقول: هذا بمنزلة ما ذكرتُه من الشك في النية.
وهذا مشكل عندي؛ فإنه إلى أن يتعين الصواب يكون وجهه منحرفاً عن القبلة.
والوجه عندي: أن يمثَّل هذا بما لو صُرف وجه الرجل عن القبلة؛ فإنه إن دام ذلك زماناً، بطلت الصلاة، وإن لم يمض ركن -وإن قصُر الزمان- ففيه الكلام المستقصى في أول الباب.
ولقد 1 شبهت هذه الصورة بما قدمته؛ لأن الذي صُرف وجهه معذور في نفسه، وكذلك الذي استدبر الكعبة مجتهداً، فهو على القول الذي نفرع عليه معذور، ثم إذا بان الخطأ، فمن وقت بيانه يجعل كالذي يُصرف وجهه عن القبلة، ولا يشك الفقيه أن الأَوْجَه الحكم ببطلان الصلاة؛ لغموض الاستمرار على الخطأ، واستئخار إمكان الصواب.
فهذا كله فيه إذا تيقن الخطأ في جهة استقباله.
755 - فأما إذا لم يتيقن، ولكن تغير اجتهادُه، فأدى ظنّه إلى أن القبلةَ ليست في الجهة التي حسبها أولاً، فقد ذكرنا أن ذلك -إن فُرض بعد الفراغ من الصلاة- فلا يجب قضاء الصلاة؛ بناءَ على أن الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد.
فإذا طرأ ذلك في أثناء الصلاة، فلا سبيل إلى الدوام على موجب الاجتهاد الأول؛ فإن ذلك الاجتهاد قد زال، وحدث ظن يخالفه، ففي بطلان الصلاة قولان: أحدهما - البطلان، لتعذر المضي واختلاف بنائه.
والثاني - لا نحكم على الجملة بالبطلان، ويبني على صلاته إن أمكنه البناء، كما سنفصله في التفريع.
فإن حكمنا ببطلان الصلاة، فإنها تنقطع، ويفتتح الصلاة إلى الجهة الثانية التي أدّى اجتهاده الثاني إليها.
وإن قلنا: لا تبطل صلاته، فينظر: فإن غلب على ظنه بطلان الاجتهاد الأول،
ولم يلح له اجتهاد الصواب، وطال الأمر، فتبطل صلاته قولاً واحداً.
756 - وإن تغير اجتهاده الأول، وغلب على ظنه وجهُ الصواب معاً؛ فإنه يستدير إلى جهة اجتهاده الثاني، ويكون هذا بمثابة ما لو تعيّن له الخطأ والصواب جميعاًً؛ فإنه يستدير إلى جهة الصواب على هذا القول، كذلك القول فيه إذا تبدل الاجتهاد من غير تعين يقين خطأ أو صواب، فأما إذا ظهر له الخطأ في اجتهاده ظنّاً، ولم يغلب على ظنّه وجه الصواب ولم يأيس من الإصابة، لو استتم الاجتهاد، فمصابرة الجهة التي كان عليها محال، والاستمرار على التردد -ولم تَبِن بعدُ جهةٌ يتحول إليها- عَسِر، فالأظهر الحكم بالبطلان، كما تقدم، ومن لم يُبطل، فالقول في الزمان المتطاول الذي لا يحتمل، والقصير المحتمل، وأن الرجوع إلى مضي ركن على حكم اللَّبس أو أقل، أم المعتبر صرف الوجه عن قبالة القبلة؟ كما تقدم حرفاً حرفاً.
757 - والذي [أجدده] 1 في هذا القسم، أنا إذا رأينا تمثيل هذا بما إذا صُرف وجه الإنسان عن القبلة، فلو أخذ يجتهد، وتمادى الزمن في هذه الصورة، وبلغ مبلغاً لا يُرى احتماله على القياس الذي رأيناه، من التشبيه بما إذا صرف وجهُ الإنسان عن القبلة، ثم تبين له في أثناء ذلك أنه كان مصيباً في اجتهاده الأول، فالذي أراه في هذا الآن، أن يلتحق بالقياس الذي ذكره شيخي في مضي ركن في زمان التشكك، في أنه هل نوى أم لا؟ إذا استبان بالأَخَرة أنه كان قد نوى؛ فإنه إذا تبيّن له بعد تغير الاجتهاد أنه كان مصيباً، فهو كما إذا تبين له بعد التشكك في النية أنه كان قد نوى، صحَّ 2. وهذا واضح فيما أردناه إن شاء الله تعالى.
نجز بهذا الفصلُ الذي رسمناه في طريان اليقين في الصواب والخطأ، أو تغير الاجتهاد بعد الفراغ من الصلاة، [وفي أثناء الصلاة] 3.
758 - وبقي الآن الكلامُ في الجهة الواحدة إذا تغير الاجتهاد فيها.
فنقول: في مقدمة ذلك:
ظهر اختلاف أئمتنا في أن مطلوب المجتهد عين الكعبة أو جهتها، وهذا فيه إشكال؛ فإن المجتهد إذا كان على مسافة بعيدة، فكيف يتأتى منه إصابةُ مسامتة عين الكعبة؟ وكيف يقدر ذلك مطلوباً لطالب؟ والطلب إنما يتعلّق بما يمكن الوصول إليه.
وكان شيخي يقول: محل هذا الاختلاف يؤول إلى أن المجتهد يربط فكره في طلبه بجهة الكعبة أو عينها.
وليس ذلك واضحاً عندي، ولعل الغرض في ذلك يتضح بمسلكٍ آخر، ذكره العراقيون، وهو أنهم قالوا: هل يتصور دَرْكُ يقين الخطأ في الجهة الواحدة؟ فعلى وجهين: أحدهما - يتصوّر ذلك، كما يتصور ذلك في الجهتين.
والثاني - لا يتصور درك يقين الخطأ في الجهة الواحدة.
فإن قلنا: يتصور ذلك، فعن هذا عبّر الأولون؛ إذ قالوا: "المطلوب عين الكعبة".
وإن قلنا: لا يتصور درك اليقين فيه، ففي هذا عبر المعبرون، إذ قالوا: " المطلوب جهة الكعبة".
وهذا كلام ملتبس، فيه بعد عندي؛ فإن من ظنّ أن جهات الكعبة، أو جهات شخص المصلي في موقفه أربع، فقد بَعُد عن التحصيل بُعداً عظيماً، وكل مَيْلٍ يفرض في موقف الإنسان، فهو انتقال منه من جهة إلى جهة أخرى، فذكر الجهة الواحدة، وفرْضُ الخلاف فيها، وتقدير ردِّ الطلب إلى الجهة، أو عين البيت، كلام مضطرب؛ لا يشفي غليل الناظر الذي يبغي دَرْك الغايات.
759 - فالوجه في ذلك عندي أن يقال: من اقترب في المسجد الحرام من الكعبة، فإنه يصير منحرفاً عنها بأدنى ميل وانحراف، بحيث يُقطع بأنه ليس مستقبلها، [وإذا وقف في أخريات المسجد، فيختلف اسم الاستقبال اختلافاً بيناً] 1، ولذلك لا يصطف في المطاف ثلاثون إلا ويخرج بعضهم عن مسامتة الكعبة، ويصطف في
مؤخر المسجد ألف، ويسمى كل واحد منهم مستقبلاً.
وقد تمهد أن التعويل على الاسم، فلا يسوغ تخيل غيره؛ فإن الخلق لو كُلِّفوا مُقابلة لو مَشَوْا على خطوط مستقيمة من مواقفهم، لاتصلت أجسادهم بالكعبة، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق.
ثم إذا تجدّد العهد بهذا، فالذي يقف بعيداً في المسجد، لو انحرف أدنى انحراف لا يخرج عن اسم المستقبل، وإن كان لو انحرف كذلك في المطاف، لكان مائلاً عن المسامتة، فإذا لاح ذلك فيمن يبعد في المسجد بعضَ البعد، فهو فيمن يقطن طرفَ الشرق والغرب أظهر وأبين.
760 - فنبتدىء بعد ذلك، ونقول: إذا وقع الفرض في الماهر المتناهي في العلم بأدلة القبلة، فإنه لا يَقطع بسلب اسم الاستقبال عمن يلتفت على البعد بعضَ الالتفات، وإذا ظهر الالتفات والميل، فيقطع إذ ذاك، ولا يتوقف قطعه بأن يُولِّي الواقفُ سمتَ الكعبة، يمينَه أو يسارَه.
[فالصوب] 1 الذي لا يقطع الماهر على المتقلّب فيه بالخروج عن اسم الاستقبال، فهو الذي ينبغي أن يسميه الفقيه جهة الكعبة.
وإذا انتهى الأمر إلى منتهى يقطع البصير على المنحرف إليه بالخروج عن اسم الاستقبال، فهو جهةٌ أخرى، غيرُ جهة القبلة.
ثم حظ الفقيه وراء ذلك أنه يغلب على ظن الماهر أن بعض الوقفات -بين جَرْي الخروج عن اسم الاستقبال- أقرب إلى ابتغاء السداد من بعض، فهل يجب طلب المسلك الأسدّ في الظن؟
فعلى وجهين: أحدهما - لا يجب، كما لا يجب على الواقف في أخريات المسجد أن يتناهى في الاستداد.
والثاني - يجب؛ لأن الذي في المسجد على يقين من أنه بالتفاته القريب غيرُ خارج عن اسم الاستقبال، والبعيد على خطر من ذلك، فيجب عليه طلبُ الأصوب، فهذا هو الوجه.
وما قدمناه للأصحاب لا أراه شافياً.
فإن طلب طالب منا أن [نَحُدَّ] 1 ما يقع من الالتفات مظنوناً، وما يقع مقطوعاً به، دلّ بطلبه على غباوته وعدمِ درايته بمأخذ الكلام، فليس ذلك أمراً يتصوّر أن يصاغ عنه عبارة حادّة ضابطة، وكيف يفرض ذلك؟ والأمر يختلف ويتفاوت بتفاوت المسافات، والقرب والبعد؟ فالأمر محال على معرفة البصير بأدلة القبلة، وقد تناهى وضوح ذلك إن شاء الله تعالى.
فهذه أصول الاجتهاد والتقليد في القبلة.
وأنا أرسم بعدها فروعاً توضح بقايا في نفوس الغوّاصين - إن شاء الله تعالى.
فرع:
761 - إذا اجتهد الرجل وصلى صلاة إلى جهة، فلمّا دخل وقت الصلاة الثانية، تغير اجتهاده من غير قطعٍ بإصابة وخطأ، فلا شك أنه يصلي الصلاة الثانية إلى الجهة التي اقتضاها اجتهاده الثاني، وكذلك لو تغير اجتهاده ثالثاً في صلاة أخرى حتى صلى صلواتٍ باجتهادات إلى جهات، فالذي قطع به الأئمة، ودلّ عليه النص، أنه لا يجب قضاء شيءٍ من تلك الصلوات؛ فإن كل صلاة منها مستندة إلى اجتهاد، ولم يتحقق الخطأ في واحدة منها.
762 - وذكر صاحب التقريب وجهاً مخرجاً: أنه يجب قضاء هذه الصلوات كلِّها، ولا يخرج هذا الوجه إلا على قولنا: إن من اجتهد وأخطأ يقينا يلزمه القضاء، وهذا وإن كان ينقدح ويتّجه، فهو بعيد في الحكاية، وتوجيهه -على بعده- أنه صلى معظم هذه الصلوات إلى غير القبلة، ونحن نفرِّع على أن من استيقن الخطأ في صلاة معينة، يلزمه قضاؤها، والخطأ هاهنا مستيقن، وإن لم يكن معيناً، فينزل صاحب الواقعة منزلةَ من فسدت عليه صلاة من الصلوات الخمس، وأشكل عليه عينها، فإنه يلزمه قضاء الصلوات كلّها، ولا فرق بين الصورة التي ذكرناها في الاجتهادات، وبين ما استشهدنا به إلاّ أن الصلوات هاهنا استندت إلى اجتهادات، ونحن نفرعّ على أن من
اجتهد، وتعيّن له الخطأ يلزمه القضاء.
فهذا وجه.
وفي كلام صاحب التقريب وجه 1 آخر تلقيته من أدراج كلامه وأنا أذكره في صورة، ثم أبني عليها ما ينبغي.
فأقول: إذا صلى صلاتين بالاجتهاد إلى جهتين، فالنص أنهما صحيحتان، لا يجب قضاء واحدة منهما، وإن أوجبنا القضاء على المجتهد إذا تعين له الخطأ في الصلاة.
والتخريج الذي حكاه صاحب التقريب -أنه يجب قضاء الصلاتين جميعاًً، وذكر وجهاً ثالثاً- أنه يقضي الصلاة الأولى، ولا يقضي ما أقامه باجتهاده الأخير، وهذا بعيد، وهو في الحقيقة نقض الاجتهاد الأول باجتهاده الثاني.
فعلى هذا لو صلى أربع صلوات بأربع اجتهادات إلى أربع جهات، فالنص أنه لا يجب قضاء واحدة منها، والتخريج الظاهر أنه يقضي جميعها، والوجه الغريب أنه يقضي ما سوى الصلاة الأخيرة.
والأصح النص وما عليه الجمهور، ثم يليه التخريج على بُعده، والثالث ضعيف جداً.
فرع:
763 - إذا اجتهد، فصلى صلاة الظهر إلى جهة، ثم دخل وقت صلاة العصر، فهل يستمر على اجتهاده الأول؟ أم يلزمه أن يجتهد للصلاة الثانية مرّة أخرى؟ فعلى وجهين: ذكرهما العراقيون، أحدهما - أنه لا يلزمه أن يجتهد للصلاة الثانية مرّة أخرى؛ فإنه لم يتبذل المكان.
والثاني - يلزمه؛ لأن الصلاة الثانية واقعة جديدة تستدعي اجتهاداً مبتدأ، وقد ذكرت نظيراً لذلك في طلب الماء في التيمم.
وهذا له التفات على مسألة من أحكام الفتاوى، وهي أن المفتي إذا استُفتي، فاجتهد وأجاب، ثم استُفْتي مرة أخرى في تلك الواقعة فهل يستمر على نظره الأول؟ أم يجتهد مرة أخرى؟ فيه كلام مستقصىً في الأصول.
فرع:
764 - إذا قلّد الإنسان مجتهداً، وتحرم بالصلاة، فمرَّ به مار، وقال: "قد أخطأ بك فلان، والقبلة في هذه الجهة" وعيّن جهة أخرى، فإن علم المقلِّدُ المتحرِّمُ أن الأول كان أعلم من الثاني، فلا يبالي بقول الثاني، وكذلك إذا رآه مثلَ الأول، وإن رآه أعلمَ، من الأول، فيترجح ظنُّه بهذا، فيتنزّل منزلة ما لو اجتهد الرجل بنفسه وتحرّم، ثم تغيّر اجتهاده في أثناء الصلاة وقد مضى ذلك مفصلاً.
وفيما نذكره دقيقة، وهي: أن المسألة مفروضةٌ فيه إذا قال المارُّ ما قال مجتهداً.
765 - ولو كان المتحرم بالصلاة أعمى، فأخبره مار به يعرفه الأعمى: إنّك مستقبل الشمس.
[وليس يشك الأعمى أن القبلة ليست في صوب مشرق الشمس] 1، فإذا كان المخبر موثوقاً به عند الأعمى، فلا شك أنه يعتمد قوله؛ فإنه في هذه الصورة يُخبر عن أمرٍ محسوس، لا تعلق له بالاجتهاد أصلاً.
ولو أخبره مجتهد بأنك على الخطأ قطعاً، فالذي ذكره الأئمة أنه يأخذ بقوله؛ فإن الأول قال ما قال اجتهاداً، وذكر أنه ظان، فنزل قطْع الثاني منزلة إخباره عن محسوس.
ولو كان قطع الأول بأن الصواب ما ذكره، ثم قطَعَ الثاني، ولم يكن أعلم من الأول، [فلا يبالي بقول الثاني حينئذٍ، وإنّما قدّم قول الثاني هناك؛ لأنّه وإن لم يكن أعلم من الأوّل] 2، فقطْعه أرجح من ظنّ الأول، وهذا بيّن لا شكَّ فيه.
766 - ولو تحرّم المجتهد البصير باجتهاده بالصلاة، ثم عمي في الصلاة، فأخبره مجتهد أنه مخطىء فلا يبالي به، وإن عَلِمَه أعلمَ من نفسه؛ فإنه عقد صلاته باجتهاد، والمجتهد يعمل باجتهاد نفسه، وإن خالفه من هو أعلم منه.
ولو كان أعمى، فقلّد وتحرّم، ثم أبصر في أثناء صلاته، [وكان عالماً قبل أن عمي، فلا يستمر على تقليده، فإن احتاج إلى الاجتهاد في أثناء الصلاة، فهذا يلحق
بما إذا تغيّر اجتهاد البصير في أثناء صلاته] 1 وقد ذكرت ذلك موضحاً فيما تقدم.
وقد نجز ما أردناه في هذه الفنون تأصيلاً وتفريعاً، والله أعلم.
767 - وممّا نذكره في ذلك أنه إذا اجتهد رجلان، واختلفا في الاجتهاد، فرأى كل واحدِ منهما صوبا وجهةً مخالفة لجهة الثاني، فلا يقتدي أحدهما بالثاني، كما ذكرته في مسائل الأواني حرفاً حرفاً.
ولو كان الاختلاف بينهما في تيامن قريب وتياسُر، فإن قلنا: يجب على المجتهد مراعاة ذلك، فالخلاف فيه يمنع القدوة، وإن قلنا: لا يجب مراعاة ذلك، فلا يمنع الخلافُ فيه صحّة الاقتداء.
فصل
قال الشافعي: "ولو دخل غلام في صلاة، فلم يكملها ... إلى آخره" 2
768 - إذا شرع الصبي في صلاة مفروضة، فبلغ باستكمال السن في أثناء الصلاة، [فالذي قطع به الفقهاء القفاليّون أنه يلزمه إتمامُ تلك الصلاة] 3، ولا إعادة عليه، وكذلك لو فرغ من الصلاة في أول الوقت، ثم بلغ، لم تلزمه الإعادة، خلافاً لأبي حنيفة 4 والمزني.
ونحن نذكر طريقتهم طرداً، ثم نذكر طريقة العراقيين.
ولو أصبح الصبي صائماً في يوم من رمضان، فبلغ في أثنائه، فقد وافق أبو حنيفة 1 والمزني أصحابنا في أنه لا يجب قضاء ذلك اليوم.
واعتلَّ أبو حنيفة بأن الصوم لا يجب في هذا اليوم بسبب طريان البلوغ؛ فإن بقية اليوم لا يسع صوم يوم، ولا يتصور إيقاع بعض اليوم في الليل.
وأئمتنا قالوا: لا يلزم القضاء، واختلفوا في العلّة، فمنهم من علل بما ذكرته، ومنهم من قال: سبب سقوط القضاء وقوعُ صوم هذا اليوم عن الفرض؛ قياساً على ما لو بلغ الصبي في أثناء صلاة الظهر، ويظهر أثر هذا التردّد فيه إذا بلغ الصبي مفطراً في يومه، فمن أصحابنا من قال: لا يجب قضاء هذا اليوم؛ فإن البلوغ طرأ عليه، ومنهم من قال: يجب القضاء؛ فإنه لم يقع فيه صوم، وقد صار مكلفاً فيه.
وقرّبوا هذا الخلاف من القولين فيه إذا قال: لله عليَّ أن أصوم يوم [يقدم] 2 فلان فيه، فقدِم نصفَ النهار، فهل يجب على الناذر قضاءُ يوم؟ فيه القولان المشهوران، على ما سيأتي ذكرهما.
ثم ذكر ابن الحداد: أن الصبي إذا صلى يوم الجمعة صلاة الظهر، ثم بلغ -والجمعة لم تفت بعدُ- فعليه أن يقيم صلاة الجمعة، وليس كما لو صلى العبد الظهر، ثم عَتَق، والجمعة بعدُ غير فائتة، فإنه لا يلزمه الجمعة، وكذلك المسافر إذا صلى الظهر، ثم نوى الإقامة والجمعة غير فائتة، وفرق بأن الصبي لم يكن من أهل الفرض، والعبد والمسافر كانا من أهل الفرض، لما صلّيا الظهر.
وقد صار معظم الأئمة إلى تغليطه، ونسبته إلى الوقوع في مذهب أبي حنيفة؛ فإن مذهب الشافعي أن الصبي إذا صلى صلاة الظهر في أول الوقت في غير يوم الجمعة، ثم بلغ في الوقت، فلا إعادة عليه، وإن لم يكن الصبي مكلفاً لما صلى الظهر، فهذا منتهى كلام القفال 3 وأصحابه.
769 - وأما العراقيون 1 فإنهم ذكروا ثلاث طرق: إحداها - ما ذكرناه.
والثاني - وهو اختيار ابن سريج، وتخريجُه: أن الصبيَّ إذا بلغ في أثناء الصلاة وبعدها في الوقت، يلزمه إعادة الصلاة، ولم يفرق بين أن يبقى من الوقت ما يسع القضاء، وبين أن يبقى ما يضيق عن إعادة الصلاة، فأوجب الإعادة مهما حصل البلوغ في الوقت.
وذكروا طريقة ثالثة عن الإصطخري، فقالوا: إنه قال: إذا بقي من الوقت ما يسع الإعادة، لزمه.
وإن كان الباقي من الوقت يضيق عن الصلاة، فلا يجب القضاء، ثم خرّجوا عليه ما إذا بلغ الصبي في أثناء يومٍ من رمضان [وكان] 2 قد أصبح صائماً فيه.
فأما على النص الظاهر، لا 3 يجب القضاء، وكذا مذهب الإصطخريّ، فإنه يعتبر أن يبقى ما يسع العبادة، وبقية اليوم لا يسع صوماً، وحكوا عن ابن سريج أنه أوجب قضاء هذا اليوم؛ فإنه لا ينظر في إيجاب القضاء إلى ضيق الوقت وسعته.
وهذا الذي ذكروه في الصوم بعيد جداً.
ثم حكَوْا لفظ الشافعي في الصلاة، قالوا: قال الشافعي: "إذا بلغ الصبي في أثناء الصلإة أحببت أن يتمها" 4 قال ابن سريج: "هذا يوافق مذهبي" فإنه أحب أن يتم تلك الصلاة، وأوجب الإعادة: أتَمها أو قطعها.
وقال أبو إسحاق 5: معناه أُحِبُّ 6
الإتمام والإعادة، فرجع الاستحباب إليهما، فأما الإتمام، فواجب، ولا تجب الإعادة 1. فأما الذي يجب في ذلك على النص، أن القول في إتمام ما تحرم به ينزل منزلة ما لو تحرم المتيمّم بالصلاة، ثم رأى الماء في أثناء الصلاة، فلا تبطل الصلاة على النص، ثم قد مضى القول في أن الأوْلى أن يتمّها، أو الأوْلى تقليبها 2 نفلاً، ويبتدىء الصلاة بوضوء، وذكرنا وجهاً - أنه يجب الإتمام بلا خِيَرَةٍ، وهذا على الجملة كذلك، وتفصيل المذهب ذكرناه 3.
باب صفة الصلاة
قال الشافعي: "إذا أحرم إماماً، أو وَحْده، نوى صلاتَه في حال التكبيرة، لا قبله، ولا بعده ... إلى آخره" 1.
770 - النية ركن الصلاة وقاعدتها، وهي محتومة باتفاق العلماء، وفي تفصيل القول فيها خَبْط كثير الفقهاء.
والذي جر في ذلك معظمَ الإشكالِ الذهولُ عن ماهية النيّة، وجنسها في الموجودات.
ونحن نذكر الحق في ذلك، ثم نبني عليه الأغراض الفقهيّة على أبين وجهٍ إن شاء الله تعالى.
771 - فالنيّة من قبيل الإرادات والقصود، وتتعلق بما يجري في الحال أو في الاستقبال: فما تعلق بالحال، فهو القصد تحقيقاً، وما يتعلق بالاستقبال فهو الذي يسمى عزماً، ولا يتصوّر تعلّق النيّة [بماض قطعاً.
ثم إن فرض تعلق النيّة] 2 بفعل موصوف بصفة واحدة، سهلت النية، وإن كثرت صفات المنوي، فقد تعسر النية، وسأذكر سبب العسر فيه، وقد يظن الأخرق أن النية لها ابتداء، ووسط، ونهاية، وجريان في الضمير على ترتيب، وهذا زلل، وذهول عن حقيقة النيّة.
وإنما الذي يجري على ترتيبٍ ما نصفه، فنقول:
إحضار علومٍ في الذهن متعلقةٍ بمعلوماتٍ عسر؛ حتى ذهب بعضُ الأئمة في الأصول إلى أن العلْمين المختلفين يتضادان ولا يجتمعان، وهذا خطأ صريح، فإذا كان الفعل موصوفاً بصفات، فالعلوم بها تترتب، وتقع في أزمنة في مطرد العادة.
ثم إذا حضرت العلومُ، واجتمعت في الذكر يُوجه القصد إليها، في لحظة، بلا ترتب
واسترسال.
ثم قد تجري العلوم، فيبقى الذهول في أواخر الأمور عن أوائلها، فلا تتوجّه النية إلى الموصوف كما ينبغي.
فإن انضم إلى ذلك التلفظُ بشيء آخر سوى المنوي -كالتكبير في حال التحرم- تناهى العسر من اجتماع هذه المختلفات.
فقد نصصنا على ماهية النية، وأوضحنا أنها لا تترتب في نفسها، وذكرنا ما يطرأ فيها من عسر 1، وسنبين غرضنا الآن إن شاء الله تعالى.
فنقول بعد ذلك: الكلام في
ثلاثة فصول:
كلام في وقت النية، وكلام في كيفية النية، وكلام في محل النية.
[فصل]
[في وقت النية] 2
772 - فأفا وقت النية، وهو أغمض الفصول، فليعتنِ الناظر به، ونحن ننقل مقالات الأصحاب فيه مرسلاً، ثم ننبه على مُدرك الحق إن شاء الله تعالى:
فمن أئمتنا من قال: ينبغي أن تقترن النية بالتكبير وينبسط عليها، فينطبق أولها على أول التكبير، وآخرها على آخره.
وهذا ما كان يراه شيخنا.
وكان يستدل بظاهر نص الشافعي - قال: "نوى في حال التكبير لا قبلها ولا بعدها".
وذهب بعض أئمتنا إلى أنّه يقدم النية على التكبير.
وإذا تمّت، افتتح همزة التكبير متصلة بآخر النيّة.
ولو قرن النيّة بالتكبير، لم يجز.
وذكر العراقيون والصيدلاني أنه لو قدم كما ذكره المقدِّمون، أو قرن كما ذكره الأوّلون، جاز.
ثم ذكر أصحاب هذه المذاهب وجوهَ مذاهبهم مرسلةً، فنذكرها، ثم ننعطف على إيضاح التحقيق إن شاء الله.
فأما الذين شرطوا الاقتران، اعتلّوا بأن العقد يحصل بالتكبير، فينبغي أن يكون القصد مقروناً به، وإن تقدّم القصد ثم جرى التكبير -عَرِيّاً عن العقد- لم يرتبط القصد
بالمقصود، ولم يتحقق تعلّق أحدِهما بالثاني.
وأما من رأى تقديم النية، اعتلّ بأن النيّة لو بسطت على التكبير، خلا أول التكبير من نيّةٍ تامّة، وإذا قدّمت النيّةُ، ثبت حكمها، فاقترن حكم النيّة التامّة بأول جزء من التكبير.
ومن جوّز الأمرين جميعاًً، بنى توجيه مذهبه على المسامحة في الباب، واستروح إلى أن الأوَّلِين كانوا لا يتعرّضوِن لتضييق الأمر في ذلك على الناس.
773 - وهذه المذاهب ووجوهها مختبطة لا حقيقة لها.
ونحن نقول: قد سبق أن النية لا يتصوّر انبساطها، وإنما الذي يترتب ذكرُ العلوم بصفات المنوي كما سبق، فمن يُقدّم إنما يقدّم إحضار العلوم، فإذا اجتمعت، ولم يقع الذهول عن أوائلها، وقع القصد إلى المعلوم بصفاته مع أول التكبير، فتكون حقيقة النية في لحظة واحدة مقترنة بأول جزءٍ من التكبير، فهذا معنى التقديم، فالمقدّم [إذاً] 1 العلوم 2، والنيّة مع الأول.
ومن يظن أن النية منبسطة، فإنما تنبسط أزمنة العلوم، فيبتديها مع أول التكبير، ثم نقدّر تمام حضورها مع آخر التكبير.
فعند ذلك يجرد القصد إلى ما حضرت العلوم به، فينطبق هذا القصد على آخر التكبير، وآخر التكبير أول العقد، فمن يحاول الاقتران والبسط، فإنّما يحاول إيقاع القصد مع آخر التكبير.
فإذاً سبيل التوجيه -مع ما ذكرناه- أن الأوّل يقول: لو لم تتقدم العلوم على أول التكبير، لم ينطبق القصد على أول التكبير، وإذا خلا أوّل الصلاة عن القصد، لم يجز.
ومن شرط الاقتران يقول: النظر إلى حالة العقد، وإنما يقع العقد مع آخر التكبير، ومن خيَّر بين التقديم والتأخير، آلَ حاصل كلامه إلى التخيير بين إطباق القصد على أول التكبير، وبين إطباق النية على أوّل العقد.
فهذا بيان هذه الطرق.
774 - ولم يتفطّن لحقيقة النيّة أحد من الفقهاء غيرُ القفّال؛ فإنه قال: "النيّة تقع في لحظة واحدة لا يتصور بسطها" وشَرْحُ ما ذكره ما أوردناه.
ولو حضرت العلوم قبل التكبير، ثم وقع القصد قبل أول التكبير، وخلا أول التكبير عن النيّة، فلا يصح ذلك عند أئمتنا.
775 - وأبو حنيفة 1 يصحح هذا.
وحقيقة الخلاف بيننا وبينه يرجع عندي إلى أمر أصولي: وهو أن من يرى تقدّم الاستطاعة على الفعل، فمتعلق القدرة عنده ليس عين الفعل 2، فعلى هذا متعلق القصد يتقدم على وقوع المقصود، كما أن متعلق القدرة متقدم على وقوع المقدور، ثم لا يجوِّز أبو حنيفة أن ينقطع تعلق القصد بغيره عن أول التكبير.
فهذا هو الوفاء ببيان حقيقة المذاهب في التقديم والاقتران.
ثم فرعّ الفقهاء على هذه الطرق تفريعاتٍ مختلطة صادرة عن اختلاط الأصول.
776 - فأمّا من قال بتقديم النيّة قال: يجب أن يكون مستديماً للنيّة جملةً، إلى الفراغ من التكبير.
وهذا أيضاً قول من لم يحط بحقيقة النيّة.
وأنا أقول: من ضرورة تقديم النيّة أن تنطبق النيّة على أوّل التكبير، والمقدم هو المعلوم، ثم إذا حضرت العلوم، وقع القصد، فليس ما يدام نيّةً وإنّما هو ذكر النيّة، وذكْرُ النيّة علمٌ بأنها وقعت، كما وصفنا وقوعها.
فإذاً هل نشترط دوام العلم بجريان النية إلى الفراغ من التكبير؟ فيه تردد للأئمة على هذه الطريقة: فمنهم من يشترط الدوام، ومنهم من لم يشترط، ولم يوجب أحدٌ بسطَ حقيقة النيّة.
وممّا يتم به بيان هذه الطريقة أن من شَرَط التقديم فإنما عَنَى تقديمَ العلوم -كما سبق شرحه- وبنى الأمرَ على مجرى العُرف فيه.
فلو قال قائل: لو هجمت العلوم والقصدُ مع أول التكبير، فلا شك أنه يجوز ذلك، لكن هذا لا يقع في مطرد العرف، فهذا تفريع هذه الطريقة.
777 - فأمّا من قال: ينبغي أن تُبسط النيّة على التكبير، فقالوا: لو افتتح النية مع أول التكبير، وفرغ منها مع تمام.
التكبير، فلا شك أنه يجوز.
ولو تمّت التكبيرة قبل تمام النيّة، فلا تنعقد الصلاة، وهذا صحيح.
ولكن العبارة خطأ؛ فإن النيّة لا تنبسط، وتحصيل هذه الصورة يؤول إلى أن العلوم إذا انبسطت، ولم يجر القصد حتى مضى التكبير، فلا تنعقد الصلاة؛ فإنَّ وقت العقد مقدم على وقت القصد.
والذي انسحب 1 على آخرِ التكبير لم تكن نيّة، وإنما كان علوماً بصفات المنوي، فإذا نجز التكبير قبل النية، فقدَ تقدم وقتُ العقد على النية.
ولو تمَّت النيّة قبل نجاز التكبير، فقد ظهر اختلاف الأصحاب في ذلك.
فنذكر ما ذكروه، ثم نوضح حقيقته: فمنهم من قال: لا تصح الصلاة، ويجب استفتاح التكبير، ومحاولة تطبيق النيّة عليه، بحيث ينطبق الأول على الأول، والآخر على الآخر.
وهذا مزيف غير سديد.
وقال قائلون: يكفي استدامة ذكر النية إلى انقضاء التكبير، ولا يجب إنشاء نيّة أخرى.
وأنا أقول: أما من شرط بسط النية، فليس على حقيقة من معرفة النيّة كما تقدَّم ذكره.
ولكن وجه ذكر الخلاف أن يقال: من أصحابنا من يشترط بسط مقدمات النيّة على التكبير، ليوافقَ القصدُ حالةَ العقد.
وهذا وإن كان معناه ما ذكرناه، فهو رديء في التوجيه.
ومن راعى من أئمتنا استدامةَ ذكر النيّة، فهذا تتوقف الإحاطة به على دَركِ الفصل بين إنشاء القصد وبين ذكره.
أما إنشاؤه فمفهوم، وأما ذكره، فهو استدامة العلم بجريان القصد حتى ينقضي وقت العقد.
778 - والذي يختلج في الصدر أنه لا ينقدح على القاعدة إلا ثلاثة أوجهٍ، أحدها - محاولة تطبيق [القصد] 2 على أول التكبير، والآخر - تطبيق القصد على آخر التكبير، وهو.
وقت العقد، والثالث - التخيير بينهما، فأما البسط، فليس له معنى، ولكن لما
لم تكن النية إلا في خَطْرة، والتكبير يُسمى تكبيرة العقد، وكانت حقيقة النيّة لا تنبسط، ذهب ذاهبون إلى بسط العلم، إلى إنشاء القصد، وذهب آخرون إلى بسط الذكر بعد اتفاق نجاز النية في وسط التكبير.
وعندي أن من يشترط مراعاة حالة العقد، فلا يبعد أن يجوّز [تخلية] 1 أول التكبير عن افتتاح العلوم بالمنوي، إن كان يتأتى تطبيق القصد على وقت العقد.
779 - فهذا منتهى النقل والتحقيق، ووراء ذلك كله عندي كلام: وهو أن الشرع ما أراه مؤاخذاً بهذا التدقيق.
والغرضُ المكتفى به: أن تقع النية، بحيث يعد مقترناً 2 بعقد الصلاة.
ثم تميز الذكر عن الإنشاء، والعلم بالمنوي عنهما، عسر جدّاً، لاسيما على عامة الخلق.
وكان السلف الصالحون لا يرون المؤاخذة بهذه التفاصيل.
والقدر المعتبر ديناً: انتفاءُ الغفلة بذكر النيّة حالة التكبير، مع بذل المجهود في رعاية الوقت، فأما التزام حقيقة مصادفة الوقت الذي يذكره الفقيه، فممّا لا تحويه القدرة البشرية.
فهذا منتهى الغرض في حقيقة النيّة ووقتها.
[فصل]
[في كيفية النية] 3
780 - فأما القول في كيفية النيّة، فنذكر كيفيتها في الفرائض المؤدَّاة في أوقاتها، ثم نذكر بعدها أصنافَ الصلوات.
فأول ما يُعتنَى به: التعيينُ، ولا بد منه في الصلاة، فليميّز الناوي الظهر عن العصر وغيرِه من الصلوات.
وقد ذكرتُ معتمد التعيين في (الأساليب) 4 في كتاب الصيام.
وأمّا التعرض لفرضية الظهر، فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من لم يشترط، واكتفى بالتعيين؛ فإن النيّة إذا تعلقت بالظهر، فالظهر لا يكون إلا فرضاً.
ومنهم من شرط التعرض للفرضيّة؛ فإن المرء قد ينوي الظهر، فيقع نفلاً؛ بأن كان أقامه في انفراده، ثم يدرك جماعةً، فيقيمها مرة أخرى.
وقد ذكر العراقيون في ذلك تقسيماً، فقالوا: من العبادات ما لا يشترط فيه التعرض للفرضيّة وجهاً واحداً، كالزكاة، فإذا نواها من لزمته، ولم يتعرض للفرضيّة في النيّة أجزأته؛ فإن اسم الزكاة لا يطلق إلا على المفروض، وما يتطوع المرء به يسمى صدقة، فإن أجرى ذكرَ الصدقة، فلا بد من تقييدها بالفرضية.
وكذلك الكفارة إن جرت في الذكر، كفت عن الفرضيّة.
وإن نوى الإعتاق، فلا بد من تقييده بالفرضية، التي تحل محلّ الكفارة.
والحجّ والعمرة والطهارة فلا حاجة إلى تقييدها بالفرضية أصلاً.
والصلاة والصوم، إذا عُيِّنا -فجرى ذكر الظهر، أو صوم رمضان- ففي اشتراط ذكر الفرض الخلافُ الذي اذكرناه.
وإذا نوى الناوي الصلاةَ وعيّنها، فهل يُشترط إضافتها إلى المعبود بها، مثل أن يقول: فريضة الله أو لله؟ ذكر صاحب التلخيص أن ذلك لا بدّ منه، وبه تتميز العبادة عن العادة.
ومن أصحابنا من ساعده على اشتراط ذلك، ومنهم من رأى ذلك مستحباً؛ من جهة أن العبادات لا تكون إلا لله، فذِكْرُها يغني عن إضافتها.
781 - ومما يتعلق بكيفية النيّة: تمييز الأداء عن القضاء، وهذا أصل متفق عليه؛ والسبب فيه أن التعيين إنما يجب للتمييز، وللعبادات رُتب ودرجاتٌ عند الله، فليجرِّد العابد قصدَه في كل عبادة معينة؛ ليتحقق تقرّبه بالعبادة المخصوصة.
وإذا كان التعيين لهذا، فرُتْبة إقامةِ الفرض في وقته تخالف رتبةَ تدارك الفائت، فلا بد من التعرض للتمييز.
ثم قال قائلون من أئمتنا: ينبغي أن يجري ذكر فريضة الوقت، وبهذا يقع التمييز.
وكان شيخي يحكي عن القفال أنه يكفي أن يذكر الأداء.
ومن اعتقد مثل هذا في
الاختلاف، فليس على بصيرة في الإحاطة بالغرض 1، فإن الذي يُجريه الناوي معاني الألفاظ، والمقصودُ العلمُ بالصفات، فإذا حصلت العلوم بحقائق صفات المنوي، فهو الغرض، ثم يقع تجريد القصد إلى ما أحاط العلم به.
وإذا لاح أن الغرض هذا، فالتنافس في الصلوات 2 وتخيّل الخلاف فيها لا معنى له.
ومما كان يذكره شيخي أن أصل النية أن يربط الناوي قصده بفعله، ويُخْطِر بباله أني أؤدي الصلاة، أو أقيمها؛ فإنه لو ذكر الصلاة وصفاتها، ولم يعلق قصده بفعله لها، لم يكن ناوياً.
وهذا في حكم اللغو عندي؛ فإنه إذا ثبت أن النية قصده، ومن ضرورة القصد أن يتعلق بالفعل، فإن وُجد القصدُ فمتعلّقه فعل الصلاة لا محالة، ولا ينقسم الأمر فيه -تصوراً- حتى يحتاج فيه إلى تفصيل.
وإن لم يتعلق القصد بالفعل، فالقصد إذن غير واقع، وإذا لم يقع القصد، فلا نيّة.
فهذا بيان كيفية النيَّة.
782 - وذكر بعض المصنفين وجهاً بعيداً: أنه يجب أن تُعلَّق النية باستقبال القبلة، وهذا وجه مزيف مردود؛ فإن الاستقبال إن كان شرطاً، فالتعرض له في نيّة الصلاة لا معنى له، وإن كان ركناً من أركان الصلاة، فليس على الناوي أن يتعرض لتفاصيل الأركان أيضاً.
هذا ذكر كيفية النيّة في الصلاة المفروضة.
783 - فأما السنن الراتبة، فلا بدّ من تعيينها في النيّة، ولا بدّ من ذكر إقامتها في الوقت.
والقول في إضافتها إلى الله تعالى، على ما تقدّم ذكره.
[فصل]
[في محل النيّة] 1
784 - فأما الكلام في محل النيّة، فمحل النيّة القلب، ولا أثر لذكر اللّسانِ فيه.
وما قدمناه من ذكر حقيقة النيّة في صدر هذه الفصول يتبيّن به كل مشكل في التفصيل، فإذا وضح أن النية قصد، فمحل القصد القلبُ.
وذكر العراقيون أن من أصحابنا من أوجب التلفظ بما يؤدّي معنى النيّة قبل التكبير، وأخذ هذا من لفظ الشافعي في كتاب الحج، وذلك أنه قال "ينعقد الإحرام من غير لفظ بالنيّة، وليس كالصلاة التي يفتقر عقدها إلى اللفظ".
ثم قالوا: هذا الذي ذكره هؤلاء خطأ، والشافعي لم يرد باللفظ التلفظ بالنيّة، وإنما أراد باللفظ التكبير الواجب في ابتداء الصلاة، وهذا 2 لا يُعدُّ من المذهب.
وقد نجزت قواعد المذهب في النيّة.
ونحن نذكر بعد هذا فصولاً وفروعاً، تشتمل 3 أطراف الكلام في النية، إن شاء الله عز وجل.
فصل
785 - "المتحرّم بالصلاة إذا نوى الخروج من الصلاة، بطلت صلاته" 4.
قال أبو بكرٍ 5 وغيره من الأئمة: لو تردد المصلّي في الخروج، والاستمرار على الصلاة، بطلت صلاته بالتردد، كما تبطل بجزم قصد الخروج.
ولم نر في هذا خلافاً.
وطريق تعليله أن الصلاة فى حالة العقد تستدعي قصداً مجرداً لا تردّد فيه، ثم اكتفى الشرع بالاستمرار على حكم النيّة، مع عزوبها عن الذكر، ولم يكلف إدامة ذكر
النيّة؛ فإن الوفاء بذلك عسرٌ، ثم شَرَطَ ألاّ يأتي بما يناقض جزمَ النيّة، وإن لم يشترط إدامة ذكر ما جزمه.
والتردّد يناقض الجزم.
وهذا بمثابة الإيمان، فإنا نكلف المرء أن يطلب عقداً مستمرّاً على السداد، ثم لا نكلّفه استدامتَه، بل يطَّردُ عليه حكم الإيمان، غير أنّا نشترط ألا يتشكّك عقدُه.
ثم من الأسرار التي يتعين الوقوف عليها أن الموَسوس قد يجري في نفسه التردّد، وليس هو التردد الذي حكمنا بكونه قاطعاً مبطلاً، ولكن الإنسان قد يصور في نفسه تقدير التردد لو كان كيف كان يكون، وذلك من الفكر والهواجس، ولو أبطل الصلاة، لما سلِمت صلاةُ مفكر موسوس.
والتردد الذي عنيناه هو أن ينشىء الإنسان التردّدَ في الخروج على تحقيقٍ، من غير تقدير، وتكلف تصوير، وقد يطرأ على نفس المبتلَى بالوسواس تقدير الشرك بالله، مع ركونه إلى استقرار المعتقد، ولا مبالاة به.
والعاقل يفصل بين هذه الحالة، وبين أن يعدَم اليقين، ويصادف الشك.
786 - ومما يتعلق بحكم الصلاة في ذلك أن المصلي لو نوى في الركعة الأولى جَزْمَ الخروج في الركعة الثانية، فهو يخرج عن الصلاة في الحال؛ فإنه قطع موجب النية؛ إذ موجبها الاستمرار إلى انتهاء الصلاة، وقد نجز في الحال قطعُ مقتضاها في ذلك.
ولو علق نيّة الخروج على أمر يجوز أن يُفرض طريانه، ويجوز ألا يفرض -مثل أن ينوي الخروج لو دخل فلان- فهل يقتضي بطلانَ الصلاة أم لا؟ وجهان مشهوران، أقْيَسُهما: بطلانُ الصلاة؛ فإن الذي جاء به تردّد فيها يخالف موجب النيّة، ويناقض مقتضى استمرارها.
والوجه الثاني: أن الصلاة لا تبطل؛ فإنه لا يمتنع ألا يدخلَ مَن ذكره، وتتم الصلاة على مقتضى ما أحدثه من التردد، وهذا غير سديد.
فإن حكمنا ببطلان الصلاة في الحال، فلا كلام.
وإن حكمنا بأن الصلاة لا تبطل في الحال، فلو وجدت الصفة التي علق الخروج عليها، وكان ذاهلاً عما قدّمه من تعليق النيّة، فهذا فيه احتمال.
وحفظي عن الإمام 1 أن الصلاة لا تبطل، وإن حدثت
تلك الصفة، وذلك التعليق الذي كان منه، مُحبَط 1 لا وقع له، ووجودُه وعدمه بمثابةٍ، وفي كلام الشيخ أبي علي ما يدل على أنّا إذا فرّعنا على وجه الصحة، ولم نبطل الصلاة بما علّق، فإذا وُجدت الصفة نقضي بالبطلان، فإن مقتضى تغييره، وتعليقه هذا.
والذي أراه في ذلك أنه إن صح الحكم بالبطلان عند وجود الصفة، فيظهر على هذا أن يقال: نتبين 2 عند وجود الصفة أن الصلاة بطلت من وقت تغيير النيّة؛ فإنّا بطريان الصفة نتبين أن ما جرى من التغيير خالف مقتضى النيّة في حكم ما وقع.
وفي كلام الشيخ أبي علي في شرح التلخيص ما يدلّ على أن من علق الخروج بانتصاف الصلاة، أو مضيّ ركعةٍ منها، أن الصلاة لا تبطل في الحال.
ولو رفض 3 المصلي ذلك التردد قبل الانتهاء إلى الغاية التي ضربها، فتصحّ صلاته.
وهذا بعيد جداً.
فهذا حكم الصلاة في التردد ونيّة الخروج.
787 - فأمّا الحج، فلا تُؤثر فيه نيّة الخروج، ولا تنقطع بالإفساد.
وأما الصوم، فقد قال الأئمة: تعليق نيّة الخروج لا تبطله وجهاً واحداً.
وجَزْمُ نية الخروج هل تبطله؟ فعلى وجهين.
والفرق بين الصلاة والصوم أن الصلاة مشتملة على أفعالٍ مقصودة، وإنما تقع عباداتٍ بالنيات، فكانت النياتُ مرعية معيّنةً، فإذا ضعفت بالتردد، يجوز أن تبطل، والصوم إمساك وانكفاف، والنية لا تليق بالتروك، كما تليق بالأفعال، فلا يضر ضعفُ النيّة.
ولا يحتاط الشرع في نيته احتياطَه في الأفعال المقصودة.
وأيضاً، فإن الصلاة مخصوصة من بين العبادات بوجوه من الربط، ولا يتخللها ما ليس منها إلا على قدر الحاجة.
788 - ومما يتعلق بهذا الفصل أن المصلي بعد التحرّم إذا شك، فلم يدرِ أنوى أم
لا، أو تردّد في صحة النيّة؟ فالذي ذكره الأصحاب فيه أنه إن لم يطل التردد، ولم يمض في وقته ركن، وزال الرَّيْب على قربٍ، فالصلاةُ صحيحة.
ولو تردد المسافر في نيّة القصر في أثناء الصلاة لحظة، ثم تذكر أنه كان نواه، يلزمه الإتمام.
والفرق أن تلك اللحظة -وإن قصرت- فهي محسوبة من الصلاة، مع تخلّف نيّة القصر.
وإذا مضى شيء من الصلاة مع تخلف القصر، غُلّب الإتمامُ؛ فإنه الأصل، وإذا كان التردد في أصل النيّة أو في صحّتها، فلا تحسب تلك اللحظة على التردد بل نحفظها، ونقدّر كأن لم تكن، ونعفو عنها، كما نعفو عن الفعل اليسير إذا طرأ في الصلاة.
وإن دام الشك حتى مضى ركنٌ على الشك، بطلت الصلاة وإن تذكّر المصلّي النيّة أو صحتها؛ لأن الركن الذي قارنه التردّد لا يعتدّ به، فكأنّه زاد في صلاته ركناً في غير أوانِه، ولو فعل هذا حُكِم ببطلان الصلاة، كما سنذكره.
وإن طال زمان التردد، ولكن لم ينقضِ فيه ركن، ففيه وجهان.
وهو كما لو طرأ الشك في التشهد الأول وامتدّ.
وهذا الخلاف يقرب ممّا إذا كثر الكلام على حكم النّسيان من المصلي، فهل يتضمن ذلك بطلان الصلاة؟ فيه كلام سيأتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
789 - فهذا ما ذكره الأئمة، وهذا مما يحتاج إلى فضل بيان، فنقول: إن جرى ذلك في الركوع، وزال في ذلك الركوع نفسه، واستمر صاحب الواقعة بعد التذكر ساعة راكعاً، ثم رفع رأسه، فالذي قطع به الأئمّة صحّةُ الصلاة، وإن مضى في حال التردد ما لو قدّر الاقتصار عليه، لكان ركناً، ولكنه لما بقي راكعاً لم يضرّ ما تقدم على هذا.
فإن قيل: هلا قدّرتم صورةَ الركوع في حال التردد، مع الطمأنينة في حكم ركوع [زائد مبطل للصلاة؟ قلنا: الركوع الممتد واحدٌ في الصورة، فلا يجعل بعضه كركوع] 1 منفردٍ زائدٍ غير محسوب.
ولو طرأ ما ذكرناه من التردد، والرجل في القيام، وكان يقرأ الفاتحة مثلاً، فقرأ
مقداراً منها، ثم تذكر، فإن أعاد القراءة بعد التذكر، لم يضرّ ما مضى، وإن لم يُعد، فلا تصحّ الصلاةُ، وإن لم يمض في حال التردد ركن تام؛ فإن المعتبر أن يمضي ما لا بدّ منه، ثم لا تتفق إعادتُه.
والجملة المغنيةُ عن التفصيل أنّا نجعل ما مضى في حال التردد غيرَ محسوب، ولا معتدّاً به في الصلاة، ولو ترك قراءة حرفٍ واحدٍ من الفاتحة، لبطلت صلاته.
ولو تردّد من أول الركوع، ودام التردّد حتى رفع رأسه، ثم تذكّر وأراد أن يعود، ويركع مرةً أخرى في حال الذكر، فالصلاة تبطل في هذه الصورة على ما ذكره الأصحاب؛ فإنه قد تميز الركوع عن الركوع، فيكون صاحب الواقعة بمثابة من يزيد في صلاته ركناً.
فإن قيل: لو زاد في صلاته ركناً ناسياً، ثم تبيّن، لم يُقْضَ ببطلان الصلاة؛ فهلا عَذَرْتُم من ركع متردّداً، ثم استدرك بعد التذكر وركع؟ قلنا: من ركع متردداً، فهو عامد في الركوع في حالة لا يحتسب ركوعه، فلا نجعله كالناسي.
وهذا مفروض فيه إذا كان من نتكلّم فيه عالماً بحقيقة هذه المسألة.
وإذا كان كذلك فالواجب ألا يفارق الركوع ويمُدُّه حتى يزول ما هو فيه من لبسٍ، فإذا لم يفعل ذلك، وارتفع، ثم عاد بعد التذكر، فقد زاد ركناً كان مستغنياً عنه.
وإن جرى ما فرضناه من جاهل، فقد نعذره لجهله، كما سنذكر أحكام الجاهلين في أمثال هذا إن شاء الله تعالى.
[فهذا بيان ما أردنا بيانه] 1.
فصل
790 - قال صاحب التلخيص: إذا كبّر وتحرّم بالصلاة، ثم تردّد في أن النيّة هل كانت على شرطها أم لا، فكبّر ثانيةً، آتياً بالنيّة على صفتها المطلوبة.
قال: إن كانت الصلاة في علم الله منعقدةً بالتكبيرة الأولى، فقد انقطعت بهذه التكبيرة؛ فإنه قصد بها