كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وذكر بعض من لا يعتمد [نقله] 1 وجهاً أن الصفوف إذا لم تكن متصلة على الاعتياد، فالذي بعُد موقفه، يراعى قربه من الإمام، وهو غير مقتد 2؛ إذ ليس الصف على القرب المعتاد منه.
فهذا بيان هذا الوجه، وتصويره وإن لم يكن معدوداً من المذهب.
1234 - ولو كان بين المقتدي في الصحراء وبين الإمام نهر جار، فإن كان يُخيض الخائض فيه من غير احتياج إلى سباحة، فلا أثر له، وليس بحائل.
وإن كان لا يخيض، فهو يمنع القدوة به.
وذكر أئمتنا فيه خلافاً.
ثم قال المحققون: المذهب صحة القدوة، وإن عسر من المقتدي التوصّل إلى الإمام، إذا كانت المسافة على النحو الذي ذكرناه؛ فإنه لا حاجة في قضية الصلاة إلى وصول المأموم إلى الإمام.
ومن منع، تمسك بأن مثل هذا النهر يعدّ حائلاً، ولا يعد الإمام والمأموم مجتمعين في بقعة جامعة لهما، وظاهر نص الشافعي يشير إلى الجواز؛ فإنه قال: لو اقتدى رجل في سفينة بإمام في سفينة أخرى، صح، كما سنذكر ذلك، وإن كان بين السفينتين قطعة من البحر.
وقد ينقدح في ذلك فصل في البعد؛ فإن وصولَ السفينة إلى السفينة ممكن؛ فالبحر في حق السفن كأرض ممتدة، في حق أقدام المشاة عليه، والله أعلم.
ولو كان على النهر الكبير جسر ممدود، فالتواصل حاصل وفاقاً.
ولو كان بين الواقف والإمام شارع، فظاهر المذهب أن ذلك غير ضائر، وذكر بعض الأصحاب أنه قاطع، وهذا مزيف لا أرى له وجهاً، إلا أن الصائر إليه -فيما
أظن- اعتقد أن الشارع قد يطرقه رفاق 1 في أثناء الصلاة، وينتهي الأمر إلى حالةٍ يعسرُ فيها -لوقوع الحيلولة- الاطّلاع على أحوال الإمام، فتهيؤ الشارع المطروق لهذا ينتهض حائلاً.
وهذا لا أصل له.
ثم إن لم يكن من ذكر ذلك بد على بعده وضعفه، فهو في شارع يغلب طروقه.
1235 - ومما يتصل بما نحن فيه أن الإمام والمأموم لو وقفا على ساحةٍ مملوكة هي على صورة الصحراء الموات، فظاهر المذهب أنها كالموات؛ لأنها على صورته في العِيان وإمكان الاطلاع.
وذكر شيخي وغيرُه: أنا نراعي فيها اتصال الصفوف، كما سنصفه بعدُ إن شاء الله تعالى؛ فإنّ الموات في حكم الاشتراك مضاه مساوٍ للمساجد، وهذا لا يتحقق في الأملاك.
ثم إن جرينا على الصحيح، ونزلناه منزلة الموات في القدوة، فلو وقف الإمام في ملك زيد، ووقف المأموم في ملك عمرو، والموقفان في العِيان على امتداد ساحة واحدة، فقد ذكر الصيدلاني فيه وجهين: أحدهما - المنع وإن قربت المسافة المعتبرة، وهذا ضعيف جداً، ولست أرى له وجهاً يناسب ما عليه بناء الباب.
ولا خلاف أنه لو كان في مسجدٍ نهر عظيم، فلا أثر له في قطع القدوة.
فهذا حكم المسجد والموات إذا أفرد كل واحد منهما في التفريع.
1236 - فأما الوقوف في الأملاك على تصوير التفريد بأن يقف الإمام والمأموم جميعاًً في الملك، فنقول: إن لم تكن فيه أبنيةٌ، ولكن كان أرضاً ممتدة، فقد تقدم التفصيل فيه، وكذلك إذا اجتمعا في عَرْصة فيحاء من دارٍ.
فأما إذا وقفا في دارٍ وفيها أبنية مختلفة، فنقول: إن اجتمع الإمام والمأموم في بناء واحد، فهو كاجتماعهما في عَرْصة الدار كما سبق، فإن اتصلت الصفوف، قطعنا بالصحة، وأما إن لم تتواصل، فالمذهب تنزيله تنزيل الموات، وعندي أن هذا أقرب
إلى اقتضاء التصحيح من الساحة المملوكة الممتدة؛ فإن البناء الواحد -وإن اتسعت خِطتُه- يُعد مجلساً جامعاً في العرف.
وإن وقف الإمام في بناء، ووقف المأموم في غيره، مثل أن يقف الإمام في صدر صُفّة والمقتدي في العرصة، أو في بناء آخر، فقد أجمع أئمتنا على اعتبار اتصال الصفوف في أبنية الأملاك، واختلاف الأبنية غير معتبر في المسجد وفاقاً؛ فإن الإمام لو وقف في المقصورة، ووقف المقتدي خارجاً منها، فلا أثر لاختلاف الأبنية في المسجد قطعاً؛ فإنه بقعة واحدة مهيأة لجمع الجماعة، ثم إذا اعتبرنا في الدار -عند اختلاف الأبنية- اتصالَ الصفوف، فليعلم الطالب أنا نطلق الاتصال في الصف على صورتين: إحداهما - اتصال الصف طولاً على معنى تواصل المناكب، وهذا يعد صفاً واحداً.
والثانية - أن يقف صفٌ، ويقف وراءه صف آخر قريبٌ منه بحيث يكون ما بين الصفين قريباً من ثلاثة أذرع، وهي مكانُ متوسعٍ في سجوده وانتقالاته، فهذا اتصال الصفوف المتعدّدة.
فأما إذا أطلقنا اتصال الصفوف عنينا هذه الصورة الأخيرة، وإذا قلنا اتصل صف واحد عنينا تواصلَ المناكب.
فنقول الآن: إذا كان الإمام في صُفَّة والمأموم الذي نتكلم فيه في بيت، على جانبٍ من الصفة، بابه لافظٌ 1 في الصُّفة، فإذا دخل صف من الصفة البيتَ، وتواصلت المناكب، فمن يقف في الصف الذي وصفناه، فصلاته صحيحة؛ فإن هذا نهاية الاتصال، ولا يبقى مع هذا لاختلاف الأبنية وقعٌ وأثر أصلاً.
1237 - ثم قال الأئمة: الواقفُ في هذا الصف تصح قدوته.
ولو كان بين آخرِ واقف في الصف المحاذي لباب البيت وبين الواقف في البيت موقف رجل، فالصف غير متصل، وقدوة من في البيت باطلة، لاختلاف الأبنية وعدم الاتصال، والبقعة غير مبنية لجمع الجماعات، وكل كائن في بناءٍ من الدار يعد منقطعاً عن الواقف في غيره، فإذا لم يفرض اتصالٌ تام محسوس، فلا اجتماع ولا قدوة.
وإن كان بين آخر واقف في الصف المسامت للباب فرجة تسع واقفاً، فقد ذكروا في
ذلك وجهين، وخرّجوا على ذلك العتبة إذا كانت خالية عن واقف، فقالوا: إن اتسعت لواقف، فلا يصح اقتداء من في البيت، وإن كانت أقل من موقف، والذي في البيت اتصل موقفه بالعتبة - ففيه الخلاف.
وعندي أن هذا التدقيق مجاوزةُ حد، ولا ينتهي الأمر في أمثال ما نحن فيه إليه؛ فإنه ليس معنا توقيفٌ شرعي في المواقف، وإنما نبني تفريعات الباب على أمر مرسل في التواصل.
1238 - وإذا دخل صف البيتَ طولاً بحيث يعد ذلك صفاً واحداً عرفاً، فلا يضر خلوّ موقف واقف واحدٍ إذا عد ذلك صفاً.
ثم هذا التدقيق فيه إذا خلا موقفُ واقفٍ حسّاً، فأما إذا كان لا يتبين في الصف موقفٌ بين واقفين، ولكن كان الصف بحيث لو تكلف الواقفون فيه تضامّاً، لتهيأ موقفٌ، وكان لا يبين في الصف فرجة محسوسة، فهذا الذي ذكرناه محتمل سائغ؛ فإن ذلك يعدُّ اتصالاً عرفاً، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف.
والذي يكشف الغطاء في ذلك أنه لو وقف في الصّفة على باب البيت [واقف، واتصل به موقفُ من في البيت، كفى هذا، ولا حاجة إلى فرض سوى الواحد الواقف على باب البيت] 1 وإذا كان كذلك، فالاتصال مرعي بين هذا الواحد على الباب، وبين من يقف في البيت.
قال الأئمة: إذا دخل صف في البيت، واتصل بواحد من الصفة كما قدمناه، فصلاةُ من في هذا الصف في البيت صحيحة، ومن يقف وراء هذا الصف في هذا البيت، فصلاته صحيحة على قياس صلاة الواقفين في الصف، ولو تقدم متقدم على هذا الصف، لم تصح صلاته مقتدياً، وهذا الصف كالإمام، فمن وراءه متصل به، ومن تقدم، فلا يثبت له اتصالٌ بالإمام، ولا بالصف الذي وراءه؛ فإن الاتصال له صورتان: أقربهما - التواصل في صف واحد طولاً، والثاني - وقوف صف وراء صف.
فهذا إذا كان البيت على جانب من الصفة.
1239 - فأما إذا كان الإمام واقفاً في الصفة، والمأموم في العَرْصة، أو في بناءٍ وارء الصفة، فالذي ذكره الأئمة أنه إن اتصلت الصفوف على ما قدمنا تفسيره، ففي صحة اقتداء هؤلاء الذين وقفوا في بناء آخر وجهان: أصحهما - الصحة لاتصال الصفوف، قياساً على اتصال صفٍّ واحد طولاً، مع تواصل المناكب، إذا دخل في بيت على أحد جانبي الصفة كما سبق.
والثاني - لا يصح؛ لاختلاف الأبنية، وعدم تواصل المناكب.
وهذا القائل يقول: ما يسمى اتصال الصفوف ليس باتصالٍ حقيقي، وكلُّ بناء مجلس على حياله، والبقعة ما بنيت لتجمع الجماعات، ولم يوجد التواصل بين المناكب، ولو لم يكن بين الواقف في البناء الواقع وراء الصف وبين من في الصفة تواصل الصفوف على قدر ثلاثة أذرع، بل زاد الانفصال على ذلك زيادة بيّنة في الحس، فصلاة من في البناء الواقع وراء الصفة باطلة؛ فإن البناء مختلف والصفوف غير متصلة.
1240 - والضبط فيه أنه إذا اتحد البناء، واتصلت فيه الصفوف، صحت القدوة، وإن اختلف البناء، ولم يكن اتصالُ صفوف، لم تصح قدوة من في بناء غير البناء الذي فيه الإمام.
وإن اتصلت الصفوف، واختلف البناء، فإن اتصل صف واحد طولاً، صح.
وإن كان اتصل الصفوف وراء الإمام، فوجهان.
وإن اتحد بناء، ولم تتصل الصفوف، على الحد الذي ذكرناه، بل وقف الإمام في صدر الصفة، والمأموم على عشرة أذرع مثلاً، فقد ذكر الأئمة فيه الخلافَ المقدم في الملك إذا امتد في العرصة والساحة.
والذي أراه القطع بالصحة عند اتحاد البناء؛ فإن البناء جامع.
وهذا أجمع من ساحة منبسطة لا تُعدُّ مجلساً واحداً.
1241 - ومما يبقى في النفس [أنا] 1 ذكرنا خلافاً فيه إذا اختلف البناء وراء الصفة، واتصلت الصفوف عرضاً على قدر ثلاثة أذرع.
فلو قال قائل: لو كان البيت على جانب من الصفة، ووقف واقفٌ ممن في الصفة على باب البيت، ووقف واقف في البيت على قدر ثلاثة أذرع من الواقف على الباب، فهلا خرجتم ذلك على الخلاف المذكور في تواصل الصفوف عرضاً، مع اختلاف الأبنية؛ فإن المسافة في الطول كالمسافة في العرض؟ قلنا: لم يختلف الأصحاب في منع ذلك طولاً؛ فإن ذلك لا يعد اتصالاً في الصفوف.
ووقوف الصف وراء الصف يعد اتصالاً، فأما الطول، فالاتصال فيه بتواصل المناكب.
1242 - ومما يتصل بحكم الدور في المواقف أن صفاً لو وقفوا على مرتفع من الأرض، فهل يعدّون متصلين بالواقفين دونهم؟ قال شيخي: إن كان الواقف المنخفض بحيث ينال رأسُه ركبةَ الواقف المستعلي، فهذا اتصال.
وقال صاحب التقريب إن كان رأسه يلاقي قدمَ من علا موقفُه، كان ذلك اتصالاً.
وهذا هو المقطوع به.
ولست أرى لذكر الركبة وجهاً.
والمرعي أن يلاقي شيء من بدن المنخفض شيئاًً من بدن العالي، وهذا قريب في الارتفاع والانخفاض من المسافة بين الصفين، ولو كان الواقف أسفل صبياً لا ينال رأسه مسامتة العالي، لقصر قامته، فلعل ذلك مما يتساهل فيه، وكذلك لو فرض ذلك بين الصفين، فلا يعتد بعدِّ الثلاثة الأذرع، فإن زاد شيء لا يبين في الحس ما لم يذرع، فهو أيضاً غير محتفَلٍ به.
1243 - ثم الرباطات والمدارس، إذا لم تكن مساجد -في المواقف- كالدور المملوكة بلا خلاف، والسبب فيه أن الدور المملوكة إنما ضاق فيها أمر المواقف، من جهة أنها ما بنيت لإقامة الجماعات فيها، وهذا المعنى يتحقق في المدارس والرباطات والدور الموقوفة.
وقد تنجَّز القول في المواقف في المواضع الفردة.
1244 - ونحن نذكر الآن ما لو اختلف موقف الإمام والمأموم في البقاع التي ذكرنا تباين حكم المواقف فيها.
فلو كان موقف الإمام في المسجد، وموقف المقتدي في مِلكٍ، فهو كما لو كان
موقفهما في بناءين مملوكين؛ فإن كان البيت المملوك على جانب المسجد، وكان بابه لافظاً فيه، فهو كما لو كان الإمام في الصفة والمأموم في بيتٍ بابه نافذ في أحد جانبي الصفة، فيعود كل ما ذكرناه في اتصال الصف طولاً.
وإن كان البيت المملوك الذي هو موقف المقتدي وراء المسجد، وكان بابه لافظاً فيه، فهو كبيت وراء صفة فيها موقف الإمام، فيقع التفصيل في اتصال الصفوف عرضاً، ولا أثر لكون أحد الموقفين مسجداً؛ فإن ذلك لا يغير الحكم، ولا يرفع الاختلاف، وما 1 ذكرناه من أن المملوك غير مبني للصلاة، وجمع الجماعات.
1245 - فأما إذا كان الإمام في مسجد والمقتدي في موات، أو شارع يستوي فيه الكافة، فهذا يخرج على القاعدة التي نبهنا عليها الآن، فالأصل أن نجعل كأن الإمام والمأموم في موات، كما قدمنا في الملك والمسجد، حيث قلنا: هو كما لو كانا في ملكين، ولا نقول: نجعل كما لو كانا في المسجد، نظراً إلى كون أحدهما في المسجد، فالحكم يجري على موجب البقعة التي يقتضي الشرعُ فيها ضرباً من التضييق، لا على المسجد الذي يتسع فيه أمر المواقف.
فإذا تمهد ذلك، قلنا: إذا كان [الإمام في مسجد والمأموم في مواتٍ أو الشارع، فالقرب المرعي ثلاثمائة ذراع أولا، ثم إذا كان] 2 الموقف وراء المسجد، فيعتبر أول هذه المسافة في حق أول واقف في الموات من أي موضع في المسجد؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يعتبر من آخر الصف في المسجد، والثاني - أنه يعتبر من آخر جزء من المسجد، في الجهة التي تلاقي المقتدي، حتى كأنَ جِرْمَ 3 المسجد إمامُه.
والصحيح النظر إلى الواقفين في المسجد، كما ذكرناه أولاً.
وإذا قلنا بالوجه الثاني، فكأنا جعلنا لكون الإمام والجماعة في المسجد مزيدَ أثرٍ
في توسيع أمر المواقف؛ فإنه ربما يكون بين آخر صفٍ، وبين آخر المسجد ألفُ ذراع، فلا تعتبر تلك المسافة، ويعتبر ابتداءُ الثلاثمائة من آخر المسجد في صوب المقتدي.
ثم تمام البيان في ذلك، أن المقتدي لو كان وراء المسجد على محاذاة جدار المسجد، ولم يكن على 1 باب في جهة المقتدي، بل كان الجدار حاجزاً بينه وبين الصفوف، فمن أصحابنا من جعل الجدار قاطعا مانعاً من الاقتداء، إذا كان ذلك الجدار الحائل مانعاً من الاستطراق، وهذا الذي صححه العراقيون.
والثاني يصح، وهذا يخرج بناء على قولنا: إن إمامَ المقتدي الواقف خارجَ المسجد جِرمُ المسجد.
ثم قال العراقيون: إذا منعنا القدوة والجدار مانعٌ من الاستطراف والنظر، فلو كان الجدارُ مشبكاً، غيرَ مانع من النظر وإن منع الاستطراق، فعلى هذا الوجه وجهان: من جهة أن نفوذ النظر ضربٌ من الاتصال، وهذا كله في موقف المقتدي وراء المسجد.
فأما إذا كان وقوفه في أحد جانبي المسجد، فهو كما مضى، فيعتبر القرب والبعد، كما تقدم في الصحاري، ثم لا فرق بين أن يكون باب المسجد مفتوحاً، وبين أن يكون مغلقاً.
وذكر صاحب التقريب وجهاً، ومال إليه واختاره: أن الباب إذا كان مغلقاً، لم يصح اقتداء الواقف خارج المسجد، وهذا يطرد في كل واقف خارج المسجد أين وقف.
وهذا قريب مما صححه العراقيون، من كون الجدار حائلاً مانعاً.
والصحيح عندنا: أن الجدارَ المانع من الاستطراق، وبابَ المسجد المغلق، لا أثر له.
ثم حكى الصيدلاني عن صاحب التقريب في تفريع الوجه المحكي عنه أنه قال: إذا كان الباب مفتوحاً، فينبغي أن يقف صف بحذاء الباب، ثم يقف من يقف وراء الصف على حدّ القرب المعتبر في الصحاري، حتى لو وقف واقف قدام الصف المحاذي
للباب المفتوح، لم يجز.
وهذا حكاه الأصحاب عنه، ولم أره في كتابه.
أما اعتبار فتح الباب، فمنصوص له.
هذا بيان اختلاف الأماكن في المواقف.
1246 - ولو كان الإمام في مواتٍ، والمأموم في مسجد، لم يختلف شيء من التفاصيل المقدمة.
ثم إن كان الإمام متقدماً عن المسجد، والمقتدي واقفاً في آخر المسجد، فهل يعتبر ما بين مقدمة المسجد في جهة الإمام، وما بين موقف المقتدي من طول المسجد في الثلاثمائة الذراع، أم لا نعتبر مسافة المسجد ونرفعها من البين؟ فعلى الخلاف المقدم فيه إذا كان الإمام في المسجد، حيث قلنا: نعتبر ابتداء المسافة من آخر واقف في جهة المقتدي الخارج، أم نعتبر أولَ المسافة من آخر جزء من المسجد في جهة الواقف؟ وهذا بيّن.
ولو وقف المقتدي الواقف في ملك في سطحِ داره، متصلاً بسطح المسجد، فهذا الآن يضاهي اتصال ملكِ منبسطِ لا بناء فيه بالمسجد، أو بأرضٍ مباحة، ثم اعتمد الشافعي أثراً عن عائشة، وهو لعمري معتصم عند ضيق القياس، وهو ما روي: "أن نسوة في حجرة عائشة، أردن أن يصلين فيها، مقتديات بالإمام في المسجد، فنهتهن عائشة، وقالت: إنكن دون الإمام في حجاب" 1.
فرع:
1247 - إذا وقف الإمام والمأموم في سفينة واحدة، والسفينة مكشوفة، فالذي قطع به أئمتنا: أن النظر إلى البحر الذي عليه السفينة، فنُجريه مجرى الأرض المباحة في المواقف، والسفينة تحت الأقدام كصفائح منصوبة في الصحراء، وقد وقف عليها القوم، فلا أثر لتلك الصفائح.
ولو كانت السفينة مسقفة، والركاب تحت السقف، فنجعل السفينة الآن بمثابة دار مملوكة، وقد تقدم التفصيل فيه.
ولو كان الإمام في سفينة أخرى، والسفينتان مكشوفتان، فالذي صار إليه أئمة المذهب جواز الاقتداء، واعتبار القرب والبعد المذكور في الصحاري.
وقال أبو صعيد الإصطخري: إن كانت سفينة المأموم مشدودة بسفينة الإمام، بحيث نأمن أنها لا تتقدم على سفينة الإمام، فالقدوة صحيحة على قرب الصحاري، وإن كانتا مطلقتين، قال: لا يصح الاقتداء؛ فإنا لا نأمن أن تتقدم السفينة التي فيها المقتدي في أثناء الصلاة، على السفينة التي فيها الإمام.
وهذا متروك على أبي صعيد.
والوجه تصحيح القدوة، وعدم المبالاة بما يتوقع من تقدّم، على أن تقدّم السفينة المتأخرة على السفينة المتقدمة بعيد.
ثم قال شيخنا أبو بكر 1: وما ذكرناه في سفينتين مكشوفتين، فأما إذا كانتا مسقفتين، وكان الإمام والمأموم تحت السقوف، فالقدوة فاسدة، فإنَّ كلَّ واحدٍ منفردٌ عن الثاني ببيت على حياله، فهو كما لو فرض بيتٌ في بنيان في الصحراء، والإمام في أحدهما، والمقتدي في الثاني.
فهذا تمام ما عندنا في المواقف.
والله المستعان.
...
باب صفة الأئمة
1248 - قد ذكرنا فيما تقدم من يصح الاقتداء به ومن لا يصح الاقتداء 1. وهذا الباب معقودٌ لبيان من هو أولى بالإمامة عند فرض اجتماع قوم يصلح كل واحد للإمامة، ولكن الغرض بيان الصفات المرعية في تقديم من هو أولى بالتقديم والإمامة.
والأصل أولاً في الباب ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعُصبة وفدوا عليه: "يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله، فإن لم يكن، فأعلمكم بسنة رسول الله، فإن لم يكن، فأقدمكم سِناً.
أو قال: أكبركم سِناً" 2، فصار الحديث أصلاً في التقديم بالفضائل.
ثم مذهب الشافعي أن الأفقه الذي يحسن قراءة الفاتحة، مقدَّم على الأقرأ الماهر بالقراءة 3، إذا كان في الفقه غير مواز لصاحبه، والسبب فيه أن الصلاة إلى الفقه أحوج منها إلى قراءة السورة؛ فإن ما يتوقع وقوعه من الوقائع لا نهاية له، ولا يغني فيها إلا الفقه والعلم، ويجوز الاكتفاء بقراءة الفاتحة.
وظاهر الحديث الذي رويناه مشعر بتقديم الأقرأ، ولكن الشافعي أوّل الحديث، ونزّله على الوجه الحق، فقال: فإن الأغلب في الصحابة أن من كان أقرأ، كان أفقه.
وقد روي أنهم كانوا يتلقنون خمساً من القرآن، ثم لا يجاوزونها حتى يعلموا ما فيهن، ويعملوا بما فيهن، فكان القراء فقهاء في ذلك الزمان.
وقد قال بعض جلة الصحابة: "نحن في زمان قل قراؤه، وكثر علماؤه، وسيأتي زمان يقل علماؤه، ويكثر قراؤه"، وقيل: كان يستقلّ بحفظ جميع القرآن ستة نفر: أبو بكر، وعثمان، وعلي، وزيد، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود.
ثم لحقهم من بعدهم، عبد الله بن عباس، فاستظهر القرآن.
وللكلام على الحديث سرٌّ به يتم الغرض وهو: إن عمر كان مفضَّلاً على عثمانَ، وعليّ، والثلاثة الذين ذكرناهم بعدهم، وكان أعلم وأفقه منهم، ولكن كان يعسر عليه حفظ القرآن، وقد جرى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأعم الأغلب لما قال: يؤمكم أقرؤكم.
فهذا ما أردناه.
فالقراءة والفقه، مقدمان على جملة الصفات المرعية.
والفقه مقدّم على المهارة في القراءة.
1249 - وكان شيخي يقول: الورع مقدم على الفقه؛ فإن المتورع موثوق به، ولا يعدل المحقَقُ بالديانة والورع شيئاًً، وهذا فيه نظر.
والوجه عندي أن نقول: الورِع العارفُ بمقدار الكفاية، مقدم على الفقيه [القارىء] 1 الفاسق؛ فإنا لا نأمن ألا يحتفل الفاسق برعاية الشرائط.
فأما إذا كان الفقيه ورعاً أيضاً، ولكن فضَلَه في الورع صاحبُه، فالفقه مقدم عندي على مزيّة الورع.
1250 - ثم نتعرض بعد الفقه والقراءة للسن والنسب، فلا يوازيهما في مقصود الباب بعد الفقه والمهارة في القراءة شيء، ثم إذا اجتمع سن ونسب، والمعني بالنسب المعزي 2 إلى قريش، فقد ذكر الشيخ أبو بكر وجهين، وفي بعض التصانيف قولان:
القديم - أن القرشي مقدم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قدموا قريشاً ولا تتقدموها" 1.
والمنصوص في الجديد: أن السن مقدّم، لما رويناه في صدر الباب، أنه صلى الله عليه وسلم: ذكر بعد الفقه والقراءة السنَّ، فقال: "وإن لم يكن، فأقدمكم سناً " أو قال: "أكبركم سناً"، قال العراقيون: إنما يؤثر كبرُ السن إذا كان في الإسلام، فلو أسلم شيخ من الكفار، فلا نقدمه لسن أتى عليه في الكفر.
وهذا حسن بالغ.
ثم كان شيخي يشير إلى الشيخوخة وروى فيها أخباراً، مثلَ قوله صلى الله عليه وسلم: "من إجلالِ الله إجلالُ ذي الشيبة المسلم" 2، وهذا قد يُخَيِّل أن ابنَ الثلاثين مع ابن العشرين إذا اجتمعا، وابنُ العشرين قرشي، فالقرشيُّ مقدّم، من حيث إن صاحبه ليس شيخاً، ولكن أجمع أئمتُنا على أنا لا نعتبر الشيخوخة، بل يكفي كبرُ السن.
والحديث الذي رويناه دال عليه، فإنه قال: "أقدمكم سناً".
والذي ذكره شيخنا في حكم من يخصص طرفاً من المسألة بنَصْبِ دليلِ فيه، ومما نجريه في ذلك، أنا قدَّمنا أن الورِع النازل في الفقه، والفقيه الذي ليس بالفاسق إذا اجتمعا، فالفقيه مقدم.
ولو اجتمع مرموق في الورع، ورجل مستور فقيه، فالفقيه مقدّم.
ولو اجتمع مشهور بالزهد والورع، ورجل مستور أقدم منه سناً، أو قرشي، فهذا فيه احتمال.
والذي يقتضيه قياسُ المذهب، تقديمَ النسب والسن.
والله أعلم.
1251 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن المعتبر نسبُ قريش.
على ما ذكرناه.
وقد يفرض نسب شريف وهو الانتساب إلى العلماء والصالحين، وقد رأيت في كتب أئمتنا تردداً في ذلك، والظاهر أنه لا يختص بالانتساب إلى قريش، بل كل نسب معتبر في كفاءة النكاح، فهو مرعي هاهنا.
ولا ينبغي أن يَغْتَرَّ الناظر باستدلال الأصحاب بقوله: "قدموا قريشاً"؛ فإنه من جنس تعلق من يقدم السن بأخبار الشَّيب وتعظيمه.
وهذا منتهى القول.
1252 - وقد يعرض للفطن سؤال في السن والنسب، وهو أن نقول: تقابلُ الأخبار هلاَّ دلَّ على استواء السن والنسب؟ وهذا موضع تخيل مثل ذلك؛ فإن الكلام في التقديم، وفي الأَوْلى، والنظر في الصفات، يتقارب مأخذه.
ولا يتناقض 1 في هذا المقام الحكمُ بالاستواء، ونحن قد [نَجْبرُ] 2 في كفاءة النكاح بعضَ المناقب ببعض 3؟.
قلنا: لا سبيل إلى ذلك؛ فإن ما تعلق به ناصر كل قولٍ، يشير إلى التقديم، كقوله صلى الله عليه وسلم: "قدموا قريشاً"، وقوله: "فأقدمكم سناً"، فكأنا نفهم على القطع إذا نظرنا في مأخذ ذلك، أن المسألة على التفصيل والتقديم، ودلالة الشريعة أين وجدت دالّة على ذلك، فنعتقد وجوب التقديم، ثم ننظر في الأَوْلى، وهذا من دقيق النظر.
فليفهم الناظر.
1253 - ثم ممّا يراعى في الباب النظافة، والنزاهة، في الثياب، والطهارة.4
1254 - ولو اجتمع في دار إنسان طائفة، فالإمامة إلى مالك الدار، وإلى من يأذن له المالك.
ولو اجتمع في الدار مالك الدار ومكتريها منه، فالمكتري أَولى؛ لأنه مستحق المنافع.
ولو اجتمع مستعيرُ الدار وأجانب، فالمستعير أولى.
وإن اجتمع المعير والمستعير، فإن رجع في العارية، فهو أولى، وإن لم يرجع، فقد اختلف جواب القفال في ذلك، فقال مرة: المعير أولى، وهو المالك، وليس للمستعير استحقاق، وقال مرة: المستعير أولى؛ فإنه صاحب السكنى إلى أن يُصرف ويُمنع.
ولو اجتمع في الدار مالك الدار والسلطان، فالسلطان أولى بالإمامة، وبتقديم من يرى؛ فإن الأئمة رضي الله عنهم كانوا يرون الإمامة للصلوات من أحكام الولايات، وقد وجدت كتب الأصحاب متفقة، ونصَّ الشافعيُّ عليه في المختصر 1، وعلّتُه أن التقدُّمَ على السلطان، والتقديم بحضرته خروج من موجب المتابعة، وبذل الطاعة.
وإذا كان المالك راضياً بإقامة الصلاة في داره، فتعيينه متقدَّماً ومقدَّماً 2، ليس من تصرفات الملاك، ولا يختلف انتفاع الكائنين في داره بذلك، فهو بالولاية العامة أليق.
فإن لم يكن والي، فالمالك أولى من غيره.
ولو كان السيد أسكن عبده داراً، فحضر قوم، فالعبد الذي هو ساكنُ الدار أولى بالتقدّم والتقديم، كما ذكرناه في المستعير، ولكن لو كان السيد حاضراً، فهو أولى بذلك، وفي حضور المعير مع المستعير الخلاف المقدَّم.
والفرق أن العبد في سكونه 3 ممتثل أمرَ مولاه، وسكون العبد من غرض السيد؛
فإنه ملكه، فإذا حضر السيد، فهو المالك، وإليه ترجع فائدة السكون، وفائدة السكون في حق المستعير آيل إليه، فإذا لم يرجع المعيرُ في العارية، فيجوز أن يقدر دوام الحق للمستعير.
1255 - ومما يتعلق بهذا الفصل أن السلطان لو حضر، وفي المجلس من هو أقرأ أو أفقه منه، فهو المقدَّم، كما يتقدم على صاحب الملك في الدار.
1256 - فرجع ضبط الكلام إلى أن السلطنة مقدمة، ثم يليها الملك للمالك في الموضع المملوك، فإن لم يكن ولاية ولا ملك، فالذي يختص بالصلاة القراءة والفقه، فكانا مقدمين؛ لأنهما مختصان بالصلاة، ثم الفقه مقدّم على القراءة، كما تقدم.
وفي الورع سرٌّ؛ فإنه وإن لم يكن شرطاً في الصلاة، فله تعلق عظيم بثقة المقتدي وحسن ظنه في رعاية الإمام شرائط الصلاة.
وتفصيل المذهب فيه ما ذكرته.
ثم السن والنسب لا تعلق لهما بالصلاة، ولكنهما من موجبات التقديم 1، والإمامة تقدمٌ؛ فجرى فيهما من التردد ما ذكرناه.
1257 - ومما يتعلق بالباب أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقبل الله صلاة من يؤم قوماً وهم له كارهون" 2، فإذا كره قوم إمامةَ إنسان، فلا يستحب له أن يصلي بهم، وإن كان فيهم كارهون، فالنظر إلى الأكثر، وهذه الكراهية فيمن لم يقدّمه سلطان، فإن كان 3 منصوباً من جهة السلطان، فلا نظر إلى كراهية القوم إمامته.
= سكوناً" وهو استعمال غير مألوف، ولكنه وارد في لسان الفقهاء ومستخدمٌ في ذاك العصر، وسيرد في كتابنا هذا في ربع المعاملات أكثر من مرة بهذا المعنى.
وروى الشافعي في الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يؤمن أحدُكم في بيت رجل إلا بإذنه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" 1، والتكرمة طنفسة، أو مصلى، أو بساط في موضع مخصوص يُجلس عليه مالك الدار من يريد إكرامه، فلا ينبغي لمن يدخل دار إنسان أن يجلس على تلك التكرمة من غير إذن مالك الدار 2. ...
باب إمامة النساء
روت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تقوم إمامة النساء وسطهن"، وروي أن عائشة "صلت بنسوةٍ العصرَ، فقامت وَسْطهن" 1، وقد تقدم ذلك فيما مضى، وسبق في باب الأركان حكمُ أذانهن وإقامتهن.
...
باب صلاة المسافر
1258 - القصرُ من السنن المتعلقة بالسفر الطويل، ويستوي فيه حالةُ الخوف والأمن، وخلاف داود مشهور.
ثم السفر الطويل عند الشافعي مرحلتان، والمرحلة الفاصلة بين الطول والقصر ثمانية فراسخ، والمرحلتان ثمانية وأربعون ميلاً، كل ثلاثة أميال فرسخ، وألفاظ الشافعي، وإن اختلفت، فإنها راجعة إلى هذا قطعاً، فلسنا نطوّل بذكرها.
1259 - ثم قال الشافعي: "وأكره تركَ القصر رغبة عن السنة" 1.
القصر عند الشافعي رخصة، وليس بعزيمة، خلافاً لأبي حنيفة 2. والإفطارُ في رمضان من الرّخص، ثم الصوم عند الإمكان أفضل من الفطر، ولا احتفال بقول من يقول من أصحاب الظاهر: إن الصوم في السفر لا يصح.
والمحققون من علماء الشريعة لا يقيمون لمذهب أصحاب الظاهر وزناً.
واختلف قول الشافعي في أن القصرَ أفضل من الإتمام، وسبب اختلاف القول، أن الصلاة المقصورة صحيحة وفاقاً، وفي صحة الصلاة التامة، خلاف، والمقصورة المتفق على صحتها أولى من التامة المختلف فيها أيضاً؛ فإن القصر غالب من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يواظب إلاّ على الأفضل والأولى.
ورأيت في نسخٍ من مذاهب الصيدلاني أن القصر أفضلُ من الإتمام قولاً واحداً، وفي الفطر قولان: أحدهما - أنه أفضل.
والثاني - أن الصوم أفضل، وهذا خطأ من النساخ قطعاً، فلا يعتد به.
ثم قال الشافعي: "أما أنا، فلا أقصر في أقل من ثلاث مراحل" 1، [وإنما آثر هذا] 2 للخروج من الخلاف، وإلا فمذهبُه واحد في أقل السفر الطويل، ثم أشعر نصُّه هذا بأن الإتمام في مسيرة يومين أفضل؛ لأن جواز القصر مختلفٌ فيه، والإتمامُ سائغ وفاقاً، فأما إذا بلغ السفر ثلاثَ مراحل، ففي القصر القولان المذكوران.
فصل
قال: "وإذا نوى السفرَ، فلا يقصر حتى يفارق المنازل" 3
1260 - إذا هم الرجل بالسفر، لم يقصر حتى يخوض في السفر، وإنما يصيرُ خائضاً في السفر إذا فارق دارَ الإقامة، وهذا نُفصِّله في الخارج من بلد، أو قرية، ثم نذكر في 4 أهل الخيام إذا أقاموا في البادية، ثم رحل راحل منهم.
فأما الخارج من البلدة، فلا شك أنه، وإن رحل، وشمّر، وفارق منزلَه، لم يصر مسافراً، حتى يفارق خِطةَ البلدة، وهذا يستدعي تفصيلاً: فإن كانت البلدة مسوّرةً، عليها دروب، فإذا خرج من الدروب، فهذا أول سفره، فيستبيح رخصَ المسافرين.
وإن لم يكن البلد مسوراً، ونهض في صوب سفره، فلا بد من مفارقة عمران البلدة.
وإن كان وراء العامر خرابٌ، ففي هذا وقوف وتردد، فالذي أشعر به فحوى كلام الصيدلاني، وكلامُ بعض المصنفين: أن مجاوزة العمران كافٍ، والخراب لا حكم له، وظاهر النص دال على ذلك؛ فإنه رضي الله عنه قال: "فلا يقصر حتى
يفارق المنازل"، واسم المنازل يختص بالعامر، الذي يمكن أن يسكن، وهذا يظهر تعليله؛ فإن المسافر هو البارز من مكان الإقامة، والخراب ليس مكان إقامة، فهذا وجهٌ.
وهو سديد وتعليله بيّن.
ولكن شرط ذلك ألاّ يكون وراء الخراب عمارةٌ معدودة من البلد، فإن كان، فلا شك أن الخراب من البلدة، ولا بد من مجاوزة منتهى العمارة.
1261 - وأما شيخنا فإنه كان يفصل القول في الخراب الواقع على طرف الخِطة، ويقول: إن كانت آثار الأبنية باقية، فلا بد من مجاوزتها؛ فإنها تُعدّ من البلدة، وقد ثبت أن مجاوزة البلدة لا بد منها، ثم كان يقول: يتصور فيها أحوال، نخرّجها على حكم البلدة، ونحن واصفوها، منها: أن يتخذها الناس مزارع، فإذا انقلبت مزارع، فليست الآن من البلدة وفاقاً؛ فإنها خرجت عن أن تكون مساكنَ قصداً.
وكان يقول: إن سُوِّرَ العامرُ، وأخرج الخراب، فيكفي مجاوزةُ السور المحوط على العمران؛ فإن سكان البلدة اعتمدوا إخراجَ الخراب، وكان يقول في هذه الصورة: لو سوّروا على العامر، وحوطوا سوراً آخر على الخراب، فلا بد من مجاوزة السورين.
ومما يطرأ على الخراب أن يندرس بالكلية، ولا يبقى له أثر.
كان يقول: هذا يُخرجها عن خِطة البلدة؛ فإن آثار البنيان يَظهر عدُّها من البلد، فأما الدارس المنطمس، فلا.
ومما يذكر في الخراب أنه لو اتخذ منها بساتين، وكانت منازلَ ودوراً، فإن كان ملاكها لا يسكنونها ولا يخرجون إليها إلا متنزهين، أو لنقل الثمار، وإنما يأوي إليها الأكَرَة 1 والنواطير، فهي كالمزارع، فتخرج عن الخطة، وإن كان ملاكها يسكنونها، فهي من البلدة، ولكنها سكنت قديماً دوراً، وهي الآن مسكونة على هيئة أخرى.
وكذلك إذا كان ملاكها يأوون إليها منتقلين إليها في بعض فصول السنة، فهي مَحِلة نَزِهة من البلد، فلا بد من مجاوزتها.
والذين لا يعدّون الخراب من البلد في الطريقة الأولى يوافقون على هذا التفصيل في البساتين.
فهذه طريقة شيخي في الخراب وما يطرأ عليه من التغايير.
1262 - ولو كان الرجل ساكناً قريةً، فالقول في مجاوزة خِطتها وأبنيتها، كما ذكرناه، وبساتين القرى تعد منها قطعاً؛ فإنها تُعدّ من القرى، وإنما التفصيل في بساتين البلاد.
فإذا جاوز البنيانَ، وانتهى إلى مزرعة القرية، فقد فارق القريهَ وفاقاً؛ فإنها ليست موضع سكون 1، ولو كانت بساتينها، وكرومُها غيرَ محوطة على هيئة المزارع، أو مزارعها محوطة، فلا يشترط عندي مجاوزتها؛ لأنها ليست من مساكن القرية، وقد يتردد الناظر في ذلك.
والوجه القطع بما ذكرته.
فرع:
1263 - قال العراقيون: لو فرضت قريتان أبنية إحداهما متصلة بأبنية الأخرى، فمن خرج من إحدى القريتين في صوب الأخرى، فلا بد من مجاوزتهما جميعاًً؛ فإنهما بمثابة محلَّتين، والذي ذكروه ممكن ظاهر، وقد حكَوْه من نص الشافعي.
ولكن للاحتمال فيه مجال بيّن؛ فإن المحال تعزى إلى بلدة، وخِطتُها شاملةٌ لها، أما هاهنا القرية 2 منفصلة عن القرية باسمها وحدودها، والدليل عليه أنه لو فرضت قرى كثيرة متصلة تمتد خطتها مراحل، فيلزم على قياسهم ألا يستبيح الخارج من أقصاها الرخصَ، ما لم يخرج عن جميعها.
وهذا بعيدٌ جداً.
ثم قالوا: لو انفصلت أبنية إحداهما عن أبنية الأخرى، ولكن كانتا مع ذلك متقاربتين، فمن خرج من إحداهما، كفاه مفارقة أبنيتها، وحَكَوْا عن ابن سُريج أنه قال: لا بد من مفارقتهما جميعاًً، كما لو اتصلت الأبنية، ثم زيفوا هذا، وهو لعمري مزيف، غيرُ منضبط؛ فإن القرب الذي ذكروه لا ضبط له، ولعل الوجهَ في تقريبه أن يكون مثلَ ما يقع بين محلتين متواليتين في بلدة، وهذا باطلٌ، لا أصل له.
والوجه في اتصال أبنية القريتين ما ذكرناه من أنّ مجاوزةَ أبنية القرية التي خرج عنها كافية.
فهذا في الخروج عن الأبنية.
1264 - فأما المقيم في البريّة، إذا نهض مسافراً من مقامه، فينبغي أن يجاوزَ الخيامَ والأخبيةَ، ومطارحَ التراب، والمواضع الذي يتردد أهل الخيام إليها، وكذلك مجلسهم الذي يشتورون فيه، وهو الذي يسمونه النادي، فهذه المواضع إذا وقعت في صوب خروجه، فلا بد من مجاوزتها.
فإن قيل: لم تذكر محتطَبَْ القوم، والموضعَ الذي يستقون منه.
قلنا: ذلك يختلف، فإن كانوا يغدون نازلين على الماء أو على الحطب، فهو معتبر، وإن كانوا يحتطبون من بُعد أو يستقون، فلا يعتبر مجاوزة ذلك؛ فإنه غيرُ معدود من مخيّم القوم، ومحل إقامتهم.
وقد نص الشافعي أنهم إن نزلوا في بطن وادٍ، وكان السفر في عُرض الوادي، فلا بد من قطعه، وهذا محمول على الغالب؛ فإن الأغلب أن عُرض الوادي يكون منسوباً إلى مخيم النازلين، فإن اتسع عُرض الوادي، وقلّت الخيام، فلا يعتبر جَزْع 1 عُرض الوادي.
فإن قيل: هل في اعتبار مجاوزة مطارح التراب والدِّمَن في هذه الصورة، ما يشهد لاشتراط مجاوزة الخراب في البلدة؟ قلنا: هذه الأشياء من مرافق الخيام، ولا بد لها منها، ولا يتحقق مثل هذا في الخراب.
فهذا منتهى التفصيل في المواضع التي يعتبر مجاوزتها، وما فصّلتُه غايةُ الإمكان فيه، وأشدُّ ما أعانيه في هذا المجموع أمثالُ هذه الفصول؛ فإنها في الكتب منتشرة لا ضبط لها، ولست أرى فيها اعتناء من الأولين لمحاولة الضبط.
والله ولي الإعانة والتوفيق، بمنّه ولطفه.
فرع:
1265 - إذا فارق الهامُّ بالسفر العمرانَ كما ذكرنا، وصار خائضاً في السفر، ثم كان خلّف شيئاًً من أمتعته، فعاد إلى البلدة ليحمله، فأراد أن يقصر في البلدة، فهل له ذلك؟ قال الأئمة: إن كانت البلدة وطنَه، وقد أنشأ السفر منه، فإذا عاد إليه
مستوفزاً، فلا يقصر، وإن كان غريباً في تلك البلدة، وكان قد أقام فيها مدة، ثم فارقها وعاد إليها كما ذكرناه، فهل يقصر؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يقصر؛ فإنه لم تكن البلدة وطنَه، ولكن أقام بها، ثم تقلع عنها، فصارت البلدة في حقه كسائر المنازل، ومن أصحابنا من جعله كالمتوطّن، يسافر ثم يعود.
فرع:
1266 - إذا أقام قوم في طرفٍ من البادية، وكانت خيامُهم متبددة متفرقة، فقد ذكر الصيدلاني في ذلك ضبطاً، فقال: إن كانوا بحيث يجتمعون للسمر في نادٍ، وكان يستعير 1 بعضهم من بعض، فهم مجتمعون، فلا بد من مفارقة الخيام.
وإن أفرط التباعد بحيث لا يجتمعون، ولا يستعين بعضهم ببعض، فأهل كل خيمة ينبغي أن يفارق خيمته وحريمَها، كما ذكرنا في الخيام.
فصل
1267 - إذا خرج مسافراً، يقصر من وقت خروجه ومفارقته الوطن، بشرط أن تكون نيتُه مربوطة بسفر طويل، فأما إذا لم يرتبط قصده بسفر طويل أو قصير، ولم يخطر له مقصد، ولكنه خرج هائماً على وجهه، فهذا لا يقصر ولا يترخص رُخَصَ المسافرين، وإن سافر على هذه السجية ألف فرسخ؛ فإنه لما خرج، كان لا يدري أنه في سفر طويل أو قصير، ثم هذا يجري في كل حالاته، والذي طواه قبلُ من المسافة لا أثر له، وإنما النظر في حاله، وفيما بين يديه.
1268 - ولو أنه خرج لردِّ عبد آبق، أو طلب غريم، وكان لا يدري أنه يُدرك على القرب أو على البعد خصمَه، فحكمه حكم الهائم في بعض السفر، لأنه ليس له مقصد معيّن، ولا نحكم عليه بأنه في سفر طويل أو قصير، والقصرُ الذي نحن فيه مختص بالسفر الطويل.
1269 - ولو خرج مسافراً رابطاً قصده بطيّ مسافةٍ تبلغ مرحلتين، فصاعداً، ثم طرأ عليه بعد خروجه نيةٌ، فعزم أنه مهما 2 لقي فلاناً، انصرف، وإن لم يلقه، تمادى إلى
مقصده الأول، فظاهر المذهب في هذه الصورة أنه يقصر؛ من جهة أنه خرج ملابساً سفراً طويلاً، وكان ذلك مبتدأ حاله إلى أن يطرأ قاطع، وتوقع الالتقاء بمن عينه لا يقطع حكم سفرِه؛ فإن ذلك أمرٌ مظنون، وملابسته السفرَ الطويل كان مقطوعاً به، فلا ينقطع، ما لم يلق فلاناً، فإذا لقيه، خرج عن كونه مسافراً، وحكمه الآن حكم المقيم، جرياً على حكم نيته، وقد حقَّت وتنجزت، فانقطع سفرُه.
فإن ابتدأ وراء هذا سفراً، نظرنا فيه وفي صفته كما تقدم.
ومن أصحابنا من يقول: إذا خرج رابطاً نيته بسفر طويل، ثم نوى أنه لو لقيه فلان، لرجع، فقد خرج عن كونه مسافراً سفراً طويلاً، وبطلت النية الأولى، فصار كما لو خرج في الابتداء ونيته الأولى على هذا الوجه.
1270 - وحكى الأئمة عن نص الشافعي مسألة تداني ما ذكرناه، وهي أن الرجل لو خرج عازماً على أن يخرج إلى بلدة عيَّنها في نيته، ويقيم بها أربعة أيام، ثم يخرج منها إلى بلدة أخرى عيَّنها، فإن لم يكن بين منشأ سفره وبين البلدة الأولى مرحلتان، فإنه لا يقصر؛ فإن سفره سينقطع على موجب نيته بإقامته في البلدة الأولى، فهذه سفرةٌ في نفسها، وليست طويلة، فإنْ فرض خروجه إلى البلدة الثانية، فهذه سفرة أخرى جديدة، فإن لم تبلغ المسافة بين البلدتين مرحلتين، فإذا خرج، أخذ في القصر، وكذلك القول في السفرة الثانية.
فلو أنه ربط نيته في أول خروجه بالمصير إلى البلدة الثانية من موضع خروجه، وكان جميع المسافة بالغاً مرحلتين، فصاعداً، فإنه يقصر، فلو خرج على هذه الجملة 1 التي وصفناها، ثم بدا له بعد الخروج أن يقيم ببلدة في وسط الطريق أربعة أيام، وليست المسافة الآن بينه وبين البلدة التي ربط النية بها مرحلتين، فإن الشافعي يقصر في هذه الصورة؛ فإن سفره الأول ثبت على وجه يتعلق به القصر، ثم طرأ بعد ذلك نيةٌ أخرى، فلا معوّل على النية الثانية، وحكم النية الأولى قائم، إلى أن ينتهي إلى البلدة التي ربط السفر بها في الكَرة الثانية، فإذا انتهى إليها وقصد الإقامة، بطل الآن السفر، فإذا خرج من البلدة الأولى، فهذا سفر
جديد، فينظر في المسافة من مكان الخروج من هذه البلدة، إلى حيث تعلق به قصد هذا الخروج.
فهذا نص الشافعي.
1271 - وذكر بعض أصحابنا وجهاً آخر لما حكيناه من النص، وقال: مهما قصر سفره على الإقامة في البلدة التي عينها ثانياً، ولم تبلغ المسافةُ إليها مرحلتين من أول الخروج، فطريان النية كذلك بمثابة ما لو كانت النية كذلك في ابتداء الخروج، فإذا لم تبلغ المسافة بين منشأ السفر وبين البلدة التي نواها وعينها مرحلتين، انكف عن القصر.
فهذا بيان ما أردناه نصاً وتخريجاً.
فصل
1272 - إذا انتهى المسافر إلى بلدةٍ أو قرية دون مقصده، ولم يكن له بها حاجة يرتقب نجازها، فإن أقام بها ثلاثة أيام بلياليها، فهو مسافر فيها، وإن أبرم عزمه على مقام أربعة أيام، أو على مقام ثلاثة أيام وزيادة، ولم يكن له حاجة يرقبها، فهو مقيم، ثم لا تتوقف إقامته على مضي ثلاثة أيام، بل كما 1 نوى إقامة أربع صار في الحال خارجاً عن حكم المسافرين في الرخص، فلا يترخص بشيء من رخص المسافرين.
وكان شيخي أبو محمد يقول: الثلاثة الأيام التي ذكرناها في مقام المسافر، لا يعد منها يومُ دخوله، ولا يوم خروجه، فلتكن ثلاثاً 2 سوى يوم الدخول ويوم الخروج، وفي كلام الصيدلاني إشار ظاهرة إلى ما ذكره شيخي، وتعليله، أنه في شغل يوم الدخول ليحط ويمهد، وينضد الأمتعة.
وهو يومَ الخروج في شغل الارتحال،
فألحقنا يوم دخوله وخروجه بأوقات تردّدِه في طي المراحل.
ومما يتعلق بتحقيق ذلك أنا إذا قلنا: لا يحتسب يوم دخوله، أردنا النهار، فحسب، إن دخل نهاراً، ولم نُرد اليوم بليلته، ولو دخل ليلاً، لم نحتسب عليه بقيةَ الليل، فأما أن نقول: لا نحتسب بقية الليل ولا نحتسب الغد أيضاً، فلا.
وتعليلُ ما ذكرناه من ذلك واضح، فإن لم نحتسب عليه يوم الدخول لما عليه من الشغل فيه، فهذا لا يدوم يوماً وليلة.
وما ذكرناه من مقام المسافر ثلاثة أيام، فهي ثلاثة أيام بلياليها قطعاً، والذي يغمض أنه لو انتهى المسافر إلى المنزل في بقيةٍ من النهار قريبة، مثل أن كان انتهى إلى المنزل بعد وقت العصر قبل الغروب، وكان يقع شيء من شغله في الليل لا محالة، فالذي أراه أن بقية النهار، والليلَ كلَّه غيرُ محسوب من المدة، في هذه الصورة، نظراً إلى الشغل ووقوعه في الليل، فهذا إذا نوى مُقام ثلاثة أيام.
وإن نوى مُقام أربعة أيام، أو مُقام ثلاثة أيام ولحظة، ولم تكن إقامته لشغل، كأن يرتقب تجارة، ولكنه جرَّد نية الإقامة في هذه المدة من غير شغل، صار مقيماً، وانقطعت عنه الرخص المشروطة بالسفر وفاقاً.
1273 - فخرج من ذلك أن المكث ثلاثة أيام من غير شغل تَودّع 1 محتمل في حق المسافر، إذ لا يشترط أن يكون المسافر دائباً في حركاته، وذلك غير ممكن، ولا يتصور احتمال مشاق السفر إلا بتودع في البين 2 يُجمّ 3 المسافرَ ودوابَّه، وإذا أفرط السكون، كان ذلك مناقضاً لحال المسافر، وكأن الثلاث فيما قيل آخر حدّ القلة، وأول حد الكثرة، وبها تحدد الخيار في البيع، وأمدُ استتابة المرتد، وغيرُهما، فكان ذلك قصداً وسطاً.
ثم لم نكتف في ذلك بما أشرنا إليه، حتى عضده الخبر والأثر، أما الخبر، فقد روي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حرّم على المهاجرين الإقامة بمكة، ثم رخص لهم إذا قدموا أن يمكثوا بعد قضاء النسك ثلاثاً" 1، وهذا ظاهر في أن هذا المقدار لا يُلحِق الماكثَ بالمقيم.
وحرّم عمر على أهل الذمّة الإقامةَ في أرض الحجاز، ثم أجاز لمجتازيهم المكث بها ثلاثة أيام 2.
ومذهب أبي حنيفة 3 أن أكثر مدة مُقام المسافر خمسةَ عشر يوماً، وقد روَوْا عن أنس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة في حجة الوداع عشراً وهو يقصر فيها" 4، ولم ير الشافعي التعلق برواية أنس في سَفْرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه، وآثر على روايته روايةَ جابر 5؛ فإنه كان أحسن الرواة سوقاً لتفصيل أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي رواه أنس من العشر صحيح، ولكن جابراً روى تفصيله، وقد قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة صبيحة رابعة مضت من
الحجة، فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح بالأبطح في الثامن، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، ثم أقام ليلةً بمنى، وليلة بمزدلفة، وثلاثَ ليالٍ بمنى، فكانت إقامته ببقاع متفرقة.
وسيأتي في ذلك أمر عظيم يجب الاعتناء به في الخبر ومعناه، وعقد المذهب.
ثم إذا حكمنا على من نوى الإقامة أكثر من ثلاثة أيام بأنه مقيم، لم يتوقف انقطاع الرخص منه على مُضيِّ مدة المسافرين، بل كما 1 نوى انكف عن الرخص، فإنه صار مقيماً شرعاً.
وكل ما ذكرناه فيه إذا نوى الإقامة في مدةٍ، ولم يعلِّق إقامته بحاجة وشغل.
1274 - فأما إذا سنح له شغل في قرية أو بلدة على طريقه، واحتاج لأجلها إلى الإقامة، فقد ذكر صاحب التقريب فيه أحسن ترتيب، فنسوقه على وجهه، ثم نأتي فيه ببدائع وآيات، قال رضي الله عنه: إن كانت الإقامة من الغُزاة في محاصرةٍ، أو قتال دائمٍ، فالمنصوص عليه للشافعي أنه لو أقام يرقب الفتح، وكان ذلك ممكناً في اليوم مثلاً، ويمكن استئخاره، فإنه يقصر على هذه الحالة ثمانية عشر يوماً بلياليها، قطع بذلك نصُّه.
ولو زاد المُقام على هذه المدة، فهل يقصر؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يقصر.
والثاني - أنه يقصر أبداً ما استمرت هذه الحال.
توجيه القولين: من قال: لا يزيد، فإنما حمله على ذلك أنه صح عنده إقامةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حربٍ في مثلها 2، وكان يقصر، فأثبت ما ورد،
ولم يتهجم على الزيادة؛ فإن الرخص لا تثبت إلا بالنص.
ومن قال: يزيد ما استمرت الحال، احتج بأن قال: عرفنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر منتظراً للفتح، فاتفق المقام في هذه المدة، والظاهر أنه لو تمادى انتظار الفتح، لكان يتمادى على سجيته، وهذا يقرب من القطعيات في مأخذ الكلام على الوقائع، وبمثله أثبتنا استرسال الأقيسة، ووجوه النظر في الوقائع من غير نهايةٍ؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاسوا في مددٍ قياسَ من لا يقول ما يقول عن حصر.
فهذا قول الشافعي في الغزاة إذا عَرَّجوا 1 للقتال.
1275 - فأما إذا كانت الإقامة لغرض آخر من تجارة أو غيرها، وكان صاحب الواقعة يُجوّز نجازَها في مدةٍ قريبة، ويجوّز استئخارها، كما سبق تصويره، فإنه يقصر في ثلاثة أيام، وهل يقصر إلى تمام ثمانيةَ عشرَ، كما يفعله الغازي؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يقصر كالغازي.
والثاني - لا يقصر فيما يزيد على الثلاث؛ فإن الرخص لا يعدى بها مواضعها، وقد نُقل القصرُ ثمانيةَ عشرَ يوماً في الغزو، فهذه قاعدة النص في الموضعين.
1276 - ثم خرّج الأصحاب في الغازي قولاً من التاجر: أنه لا يقصر وراء ثلاثة أيام، وخرجوا قولاً من الغازي في التاجر: أنه يقصر أبداً، وإن زاد على ثمانيةَ عشرَ يوماً، كما ذكرنا ذلك قولاً في الغازي.
فإن قيل: ما وجه تخريج منع القصر في الزيادة على الثلاث في حق الغازي؟ وقد نُقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر في هذه المدة؟ قلنا: وجهه أن هذا المخرج يدَّعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنقل من بقعة إلى بقعة، ومن قلعة إلى قلعة، ومَن سماه عاكفاً أراد به عكوفه على ذلك الشغل في تلك الناحية، = ما جاء في التقصير، ح 1080، أبو داود: الصلاة، باب متى يتم المسافر، ح 1229، 1230، الترمذي: الصلاة، باب ما جاء في التقصير في السفر، ح 545، أحمد: 1/ 223، البيهقي: 3/ 151، ابن حبان: 2739، التلخيص: 2/ 45 ح 607، نيل الأوطار: 3/ 256، نصب الراية: 2/ 86).
وعلى هذا حمل حاملون ما روي: "أن ابن عمر أقام على القتال بأذربيجان ستة أشهر، وكان يقصر الصلاة فيها" 1.
ثم إذا قلنا: يقصر الغازي ثمانيةَ عشرَ يوماً، أو قلنا: ذلك في التاجر، فلو نوى أن يقيم ثمانية عشر يوماً، وجزم قصده فيه، فهل يقصر؟ فعلى قولين: أحدهما - يقصر، كما لو أقام على التردد؛ فإن هذه المدة في حق هؤلاء، كثلاثة أيام في حق المسافر الذي لا شغل له، ثم لو نوى المسافر ثلاثة أيام، قصر فيها، وهذا لا يبين إلا بذكر صورة أخرى: وهي أن المحتاج إذا علم أن شغله لا ينتجز إلا في ثمانيةَ عشرَ يوماً، فهل يقصر على قولنا: إنه يقصر لو كان على ارتقاب من النجاز على القرب، أو على الاستئخار؟ فعلى قولين على هذا القول: أحدهما - أنه يقصر كما لو كان على تردد.
والثاني - لا يقصر؛ فإن المتردد لا يكون مطمئناً إلى السكون، والقاطع في الصورة الأخيرة ساكن مطمئن إلى إقامته، فيعدّ من مضاهاة المسافرين.
1277 - فإذا ثبتت هذه الصورة، عدنا إلى البحث عن الصورة المذكورة قبل هذا، وهي أنه إذا جزم عزمه على الإقامة ثمانيةَ عشرَ يوماً، فنقول: إن علم أن الشغل يتمادى إلى مثل هذه المدة، فإذا جزم النية، فهو الخلاف الذي ذكرناه أخيراً.
فأما إذا كان على تردد في أمره، وجزم نية الإقامة مع ذلك، فهذا في تصويره عسر؛ فإنا نقول: إن جزم على تقدير بقاء الشغل في هذه المدة، فهو لا يدري أيبقى أم لا؟ فهذا تردد وليس بجزمٍ للقصد، وإن كان معنى قصده جزمَه أن يقيم في هذه المدة قاصداً، وإن انتجز الشغل قبلها، فلا معنى لذكر الخلاف في هذه الصورة؛ فإن هذا رجل جزم نية الإقامة من غير تقدير قتال وشغل، فالوجه أن تقطع الرخص عنه قطعاً، وإن كان القتال دائماً، أو غير ذلك من الحاجات، على التفصيل المقدّم؛ فإنه لم يربط قصدَ إقامته بالشغل، بل جزمه وإن لم يكن شغل، ولا يجوز خلافُ هذا الذي ذكرناه، فهذا ما أردناه في ذلك.
1278 - فإن قيل: الثمانيةَ عشرَ في أي خبر صح؟ وكيف وجه النقل فيه؟ قلنا: هذا الذي سبب بإشكاله في النقل، وها أنا ذاكره فأقول: كنت أظن قديماً أن الإقامة التي اختلفت الرواية في مدتها كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في محاصرة خيبر، وهكذا سماعي عن شيخي، ثم تبين لي أن اختلاف الروايات في سفرةٍ أخرى، وقد روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشراً، وقد قدمتُ ذكرَ روايته، وقد روى عمران بن حصين أنه أقام سبعة عشر يوماً، وروى ابن عباس ثمانية عشر يوماً، وروى جابر عشرين يوماً، فاجتمع وجوهٌ من الإشكال، منها أن الأصل في هذه المدة الغزو، والظاهر أن الروايات لم تكن في غزاة؛ فإنها جرت بمكة، فوجه حل الإشكال أنه جرى من الفقهاء في هذا خبطٌ؛ من جهة أنهم لما سمعوا أنه جرى ما جرى بمكة، حملوه على سفر الحج، والذي رَووْه من رواية أنس كانت في الحج قطعاً، فأثبتوه في هذه القصة، والصحيح أن هذه المدة في الإقامة التي اختلفت الرواية فيها في عام فتح مكة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، أخذ يريد المسير إلى هوازن، وكانت إقامته على تدبير الحرب، فَلْيَفْهَم الفاهم ذلك.
فأما رواية أنس فغلطٌ من الناقل في هذه السفرة، فإنها كانت في الحج.
بقيت رواية عمرانَ، وابنِ عباس، وجابر، فمن أئمتنا من قال: في مدة الغازي ثلاثة أقوال مأخوذة من هذه الروايات، ومنهم من قال: المعتبر ثمانيةَ عشرَ يوماً، وما رواه جابر محمول على موافقة رواية ابن عباس، فكأنه عدَّ يوم الدخول والخروج، ورأى ابن عباس أن ينقل مدة الإقامة، وهي ثمانية عشر، ولا يتعرض ليوم الدخول والخروج، فهذا وجه التصرف في الحديث، وبيان ما وقع من ظن الفقهاء فيه 1.
1279 - وقد بقي وراء ذلك أهمُّ شيء بالاعتناء به، وهو نظام الفصل وترتيب القول فيه؛ فإنه كبر قدره وانتشرت أطرافه، فنقول: حال المسافر في التقسيم الأول ينقسم إلى مسافر لا شغل له، وإلى ذي شغل يثبطه 2: فأما من لا شغل له يثبطه، فمدته
ثلاثة أيام، فإن زاد، فهو مقيم في حاله، لا خلاف على المذهب فيه؛ إذ لا شغل يَحْمل عليه قصدَ الإقامة، ومقام ذلك مقام عذر 1، وتجريد القصد في الإقامة فوق الثلاث يقطع السفرَ.
وإن كان شغلٌ، انقسم إلى ما لا يدري أنه متى ينتجز، وإلى ما يدري أنه سيتمادى: فأما ما لا يدري مدتَه، فإذا وقع التعريج 2 بسببه، والقصدُ متردد على حسب الشغل، فلا يمتنع القصر في الأيام الثلاثة وفاقاً، والزائد عليه ينقسم إلى الغزو وغيره، وقد مضى النص وتصرف الأصحاب، ونحن نحتاج اليوم إلى فَرْقَين: أحدهما - بين ما لو نوى الإقامة من غير شغل، وبين هذا، وحاصله أن الذي لا شاغل له له قصدٌ مجرد في مناقضة السفر، فلم يُحتمل ذلك في أكثر من الثلاث، والذي عنّ له شغل وُجِد في قصده ضَعْفان: أحدهما - أنه مربوط بسببٍ وعذر، والثاني - أنه مردَّد لا جزم فيه، وفيه سرّ وهو أن الأسفار لا تُعنى لأعيانها، وإنما تحتمل مقاساتها لأوطارٍ وأشغال، وقد يتفق مثل ما ذكرناه كثيراً في الأسفار.
والفرق الثاني - بين القتال وغيره من المهمات، وذلك من طريق المعنى، فنقول: أولاً [القتالُ] 3 يُثبت في الصلاة تخفيفاتٍ ورخصاً، ستأتي مشروحة في صلاة الخوف، كصلاة ذات الرقاع، وصلاة شدة الخوف، وغيرهما، مما سيأتي إن شاء الله.
والآخر 4 أن القتال ينتهي إلى مبلغ لا يجوز الانكفاف، فيسقط فيه أثر قصد الإقامة؛ فإن الشرع جازمٌ أمره بالإقامة، وسائر الحاجات قد لا تكون كذلك.
فهذا إذا كان قصد المسافر متعلقاً بشغله متردداً تردده.
فأما إذا جزم قصده في الإقامة في المدة المذكورة، فهذا آخر ما يصوّر، وقد ظهر قصد الإقامة وقوي وقعه، وقد نبهت على سر ذلك وغائلتِه في أثناء الكلام.
واعلموا أن المسألة التي توشَحَها 1 أقوالٌ ضعيفة وانتشرت أطرافها، فقد يأتي بعض التفاريع على خلاف الإجماع.
وبيانه أنه ينتظم مما ذكرناه، أن التاجر الذي يعلم أن تجارته لا تنتجز إلاّ في سنة، يقيم فيها ويقصر، وهذا بعيد جداً، لا سبيل إلى المصير إليه، وهو نتيجة تفريعاتٍ على أقوال ضعيفة.
وقد نجز ما أردناه في ذلك.
فرع:
1280 - إذا نوى المسافر الإقامة من غير شغل، لم يترخص، ولا فرق بين أن يجري ذلك في قرية أو في بريّة إذا كانت الإقامة ممكنة، وإن كان لو فرضت، لجرت تعذراً أو عسراً، ولو نوى الإقامة في مفازة لا يتصوّر فيها إقامة أصلاً، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يترخص؛ لأنه قطع السفر وتعرض للهلاك.
والثاني - يترخص؛ فإن الوفاء بهذه النية غيرُ ممكن، فهي لاغية، وحكم السفر بناء على القصد الأول مستدام.
فصل
يشتمل على ثلاثة مقاصد:
1282 - أحدها - دخول وقت الصلاة على المقيم في الحضر، ثم اتفاق الخروج.
والثاني - في قصر الصلاة المقضيّة، والثالث - اقتداء المسافر بالمقيم.
فأما الأول، فإذا دخل وقت الصلاة والرجل بعدُ في البلد، ثم خرج مسافراً والوقت باقٍ، وكان الباقي يسع صلاةً تامة، فظاهر النص أنه يقصر في السفر إن أراد، ونص الشافعي على أن المرأة إذا كانت طاهرة، في أول وقت الظهر، فمضى ما يسع أربع
ركعات، ثم حاضت، فيلزمها قضاء هذه الصلاة إذا طهرت، فجعلها مدركة لصلاة الظهر بإدراك ما يسعها من أول الوقت، وقياس ذلك يقتضي أن يقال: إذا كان الرجل مقيماً حتى مضى من أول الوقت ما يسع الصلاة، فقد التزم الإتمام، ثم سافر، فلا يجوز له أن يقصر، فالتزام التمام في حقه كالتزام أصل الصلاة في حق الحائض.
فاضطرب أئمتنا: فذهب القيّاسون منهم إلى تخريج المسألة جميعاًً على قولين: أحدهما - إنَّ إدراك أول الوقت على ما ذكرناه ملزم، فالحائض تقضي، والمسافر يتم تلك الصلاة ولا يقصر، وهذا مخرّج على أصلٍ للشافعي خروجاً واضحاً؛ فإن الصلاة عنده تجب كما 1 دخل الوقت، فقد أدركا وقتَ الوجوب، وقد وجبت الصلاة عليها، ثم حاضت، ووجب الإتمام على الآخر، ثم سافر.
والقول الثاني - إنه يجوز القصر، ولا يصير المسافر في وسط الوقت ملتزماً للإتمام، والمرأة لا تقضي تلك الصلاة.
ووجهه أن الوجوب لا يضاف إلى كل ساعةٍ تسع الصلاة من ساعات الوقت المتَّسع، ولكن إذا مضى الوقت بكماله، فالوجوب مضادت إلى جميعه، فالنظر إلى الآخر، فإذا طرأ الحيض أو السفر، لم نقض بوجوب الصلاة، ولا بوجوب الإتمام.
وهذا الخلاف مأخذه من خلاف الأصحاب في أن من أخر صلاة الظهر من أول الوقت إلى وسطه، ثم مات، فهل يلقى الله عاصياً أم لا؟ وفيه خلاف، والأصح أنه لا يكون عاصياً.
وفي المستطيع إذا مات ولم يحج خلاف، والأصح أنه يعصي؛ فإنا لو لم نُعصِّه، لما انتهى الحج قط إلى حقيقة الوجوب؛ فإن خاصية الوجوب أنه يعصي بتركه، والصلاة المؤقتة يتصور إفضاء الأمر فيها إلى التعصية بأن يبقى المكلّف حتى ينقضي الوقت عليه وهو غير معذور.
1283 - ومن أئمتنا من أقر النصين قرارهما في الحائض والمسافر، وقال: الحائض تلتزم الصلاة بإدراك ما يسع الصلاة من أول الوقت، والمسافر لا يلتزم الإتمام
إذا خرج في وسط الوقت، وحاول هذا فرقاً عظيماً ولكنه عَسِر، وحاصله أن المسافر مرّ عليه الوقت مسافراً، كما مر عليه الوقت في البلد، وإذا استمر الوقت والتكليف بالصلاة، ففرضية الصلاة لا تضاف على التخصيص إلى وقت معين.
والحائض أدركت قبل الحيض وقتاً، ثم استمر المانع، فانحصر الوجوب في وقت الإمكان على التعيين، وهذا لا يتحصل إذا تأمل.
والله أعلم.
1284 - ولو انقضى الوقت بكماله في البلد، وجب إتمام القضاء عند أصحابنا.
وذهب المزني إلى أنه لا يجب الإتمام، وللمسافر أن يقصر الصلاة التي مرّ وقتها في الحضر، فهو ينظر إلى وقت القضاء، قائلاً: إذا كانت المؤداة تقصر، فالمقضية تقصر.
وهذا مما انفرد به دون الأصحاب.
1285 - ولو لم يبق من وقت الصلاة إلا ما يسع ركعة مثلاً، فخرج وهذا المقدار باقٍ، فهل يقصر أم لا؟ والتفريع على أنه يقصر لو خرج في وسط الوقت؟ فعلى وجهين بناهما الأئمة على أن الصلاة لو افتتحت هل تكون قضاء أم أداءً إذا كان المرء مستديماً للإقامة؟ وفيه خلاف قدمناه، فإن قلنا: هي مقضية، فلا تقصر، وإن سافر وقد بقي تكبيرة مثلاً، فإن قلنا: لا يقصر، وقد بقي مقدار ركعة، فهذه الصورة أولى بذلك.
وإن قلنا: يقصر في الأولى، ففي هذه الصورة وجهان: وإنما رتبنا الآن الركعة، وقد يدرك بها القصر كالمسبوق يدرك ركعة من الجمعة، فإنه يصير مدركاً لها، ولو أدرك مقدار تكبيرة، لم يكن مدركاً للجمعة، والجمعة على صورة ظهرٍ مقصورة.
1286 - ومما يتعلق بإتمام البيان أن المسافر لو خرج، وقد بقي مقدار ركعتين، فهو في الترتيب كما لو بقي مقدار ركعة؛ فإن الخلاف ينشأ من تردد الأصحاب في أن الصلاة في مثل هذه الصورة لو قدّر الشروع فيها، فتكون مقضية أو مؤداة؟ وهذا يجري في ركعتين وثلاث ركعات يُفرض إدراكها، ويقع شيء وراء الوقت، كما يفرض في إدراك ركعة واحدة، فإذا صارت الصلاة مقضية في حق المكلف قبل البروز، فلا سبيل إلى القصر.
1287 - وحكى شيخي أن من أصحابنا من قال: إن برز وقد بقي مقدار ركعتين، قصر؛ فإنه صادف في السفر وقت القصر، وإن كان أقل من ذلك لم يقصر، وهذا وإن كان يُخيل شيئاًً، فلا أصل له، وربما كان يجمع وجوهاً.
فنقول: من أصحابنا من شرط أن يبقى مقدارُ أربعَ ركعات إذا برز، ومنهم من لم يشترط إلا مقدارَ ركعتين، ومنهم من اكتفى بمقدار ركعة، وكان يقطع بأن إدراك أقلّ من ركعة لا يسوِّغ القصر، وبهذا قطع [بعض المصنفين] 1. والصحيح الترتيب الذي ذكرته قبل هذا.
1288 - ومما يتعلق بتمام الكلام في ذلك، أن المرأة لو كانت طاهرة في أول الوقت في مقدار ركعة مثلاً، ثم حاضت، فالمذهب أنه لا يلزمها هذه الصلاة.
كما تقدم في أول هذا الكتاب.
ومن يجعل المسافرَ كالحائض في إدراك أول الوقت، فلو أدرك قبل الخروج مقدار ركعة أو أقل، والتفريع على أن القصر يمتنع بإدراك مقدار أربع ركعات، فينبغي أن يمتنع بإدراك ما دونها؛ فإن طريان السفر ليس طريانَ مُناقض للصلاة وإتمامها، وطريانُ الحيض ينافي إمكان إتمام الصلاة، فهذا أحد المقاصد.
1289 - فأما القول في قصر الصلاة المقضية، فنقول: أما الصلاة التي فاتت في الحضر وانقضى تمام وقتها فيه، فإذا أراد المسافر قضاءها، أتمها كما تقدم، إلاّ على مذهب المزني.
فأما إذا فاتت الصلاة في السفر وأراد قضاءها، فللمسألة ثلاث صور، إحداها - أن يقضيها في ذلك السفر بعينه.
والثانية - أن يريد قضاءها في إقامته.
والثالثة - أن تفوت في سفر، فيقيم، ثم يسافر، ويريد قضاءها في السفر الثاني.
فأما الصورة الأولى، ففي جواز القصر فيها قولان: أحدهما - أنه يقصر قياساً
للقضاء على الأداء، وقد فاتت في السفر وقضيت في ذلك السفر.
والثاني - لا يقصر، ورخصة القصر مخصوصة بالأداء، ولهذا لا تُقضى الجمعة إذا انقضى وقتها، والفقه فيه أن القصر لَعَلَّهُ شُرع تخفيفاً ليكون ذلك استحثاثاً على إقامة الصلاة في وقتها، مع ازدحام الأشغال، وإذا أخرجت الصلاة عن وقتها، فقد زال سبب الرخصة.
1290 - فأما الصورة الثانية، فهي إذا فاتت صلاة في السفر، فأراد المرء قضاءها مقصورة في الإقامة، ففي المسألة قولان مرتبان على الصورة الأولى، وهذا أولى بامتناع القصر؛ فإن حكم الحضر يغلب حكمَ السفر، والرخصة المثبتة في السفر يبعد إقامتها في الحضر، وهي لو جازت، بمثابة تجويز الفطر في الحضر، والمسح ثلاثة أيام.
1291 - والصورة الثالثة -وهي إذا تخللت إقامة- مردَّدة 1 بين الصورتين: إن رتبت على الأولى، فامتناع القصر فيها أولى، وإن رتبت على الثانية، فهي أولى بالجواز، وقد جمع أئمتنا هذه [الصور] 2 وطردوا فيها أقوالاً: أحدها - أن الفائتة لا تقصر قط.
والثاني - أنها تقصر أبداً، ولو في الإقامة.
والثالث - أنها تقصر في السفر، ولا تقصر في الإقامة، ولا يضر تخلل الإقامة بعد وقوع القضاء والفوات جميعاًً في السفر.
والرابع - أنه إذا تخللت إقامة، امتنع القصر في سفرٍ آخر أيضاً؛ لأنه كان في مدة الإقامة المتخللة مأموراً بالقضاء والإتمام، فلزم الجريان عليه، وهذا يلتفت إلى أصل في الغصوب، وهو أن من غصب عبداً قيمته مائة، ثم ارتفعت قيمته بالسوق، فصارت مائتين، ثم تلف، وجب على الغاصب المائتان؛ فإنه كان في وقت ارتفاع القيمة مخاطباً بالرد، فإذا لم يرد، التزم قيمة تلك الحال بالغة ما بلغت.
1292 - فأما 1 تفصيل القول في اقتداء المسافر بالمقيم، وفي الفصل عقارب 2، فليتأنَّ الناظر فيها.
فنقول: أولاً - إذا اقتدى مسافر بمقيم، لزمه الإتمام؛ فإنه تابعٌ في صلاةٍ تامة، والأصل الإتمام.
ولو اقتدى بمقيمٍ يصلّي الظهرَ أربعاً، وقد بقيت ركعتان من صلاته، فإذا اقتدى المسافر، لزمه الإتمام، وإن كان الباقي من صلاته على صورة صلاة مقصورة؛ فإنه وإن كان كذلك، فالصلاة تامة في نفسها، فقد تابع في صلاةٍ تامة.
ولو كان المسافر يقصر الظهرَ، فصادف إماماً كان يقضي صلاة الصبح، فأراد المسافر أن يقصر مقتدياً به، بناء على أن اختلاف نية الإمام والمأموم لا يؤثر في القدوة، فإن المقتدي يُتم، فإن صلاة الصبح تامة.
[وهكذا الجواب لو كان الإمام في صلاة الصبح مسافراً؛ فإن صلاة الصبح تامة] 3
من المسافر والمقيم، ولو اقتدى مسافرٌ بمقيم، أتم، ولو اقتدى بمسافرٍ يتم، أتم أيضاً؛ فالإمام إذن مسافر متم.
1293 - ولو اقتدى مسافر دخل البلدة مجتازاً بمن يصلي الجمعة في الإقامة، ونوى المسافر الظهرَ المقصورة، ولم ينو الجمعة، فهل يصح قصرُه؟ في بعض التصانيف وجهان - أحدهما - أنه يُتم؛ لأنه خلف مقيم، وصلاة الجمعة في حقه كصلاة الصبح.
والثاني - أنه يقصر، لأن الجمعة ظهرٌ مقصورة عند بعض الأصحاب.
وتمام البيان في هذا يأتي في كتاب الجمعة عند ذكرنا نيّةَ صلاة الجمعة.
والمسألة التي ذكرنا الآن مفروضة فيه إذا لم ينوِ المسافر الجمعة، وإنما نوى قصر الظهر، كما كان ينويه كل يومٍ في سفره.
ولو نوى المقيم في الجمعة ظهراً مقصوراً، فهذا هو الذي أحلته على الجمعة، وسيأتي إن شاء الله.
1294 - ولو اقتدى مسافرٌ يبغي القصرَ بمسافرٍ متم، لزمه الإتمام، ثم لو أفسد هذه الصلاة على نفسه والوقت قائمٌ بعدُ، فأراد القصرَ، لم يكن له ذلك؛ فإنه التزم الإتمام بالحالة التي جرت له، فلزمه الوفاء به.
ولو تحرم الرجل بالصلاة في البلد، ثم أفسدها على نفسه، وخرج مسافراً والوقت باقٍ، فأراد القصر، لم يكن له ذلك؛ فإنه بالشروع فيها التزم الإتمام.
ولو شرع فيها مقيماً، ثم تبين له أنه محدث، وأن صلاته لم تنعقد، فخرج مسافراً والوقت باقٍ، فإنه يقصر إن أراد؛ فإنه ما شرع في الصلاة مقيماً، بل ظن ذلك ظناً، فلم يوجد منه إلا عزْمٌ على الإقدام من غير خوض فيه على الصّحة.
وكذلك لو اقتدى مسافرٌ بمقيم، وتبين أن المسافر كان محدثاً، فله أن يقصر؛ فإنه ما خاض في الصلاة تحقيقاً.
1295 - ولو اقتدى مسافر بمن ظنه مسافراً، ثم تبين له أنه مقيمٌ محدِث، وبان له الأمران معاً، فإنه يقصر الصلاة؛ فإنه ما التزم الإتمام، ولم يلزمه ذلك من جهة قدوةٍ صحيحة؛ فإنه قد تبين أن القدوة باطلة، وهذه المسألة أوردها صاحب التلخيص في كتابه، وتابعه عليها المحققون، والتعليل بيّن.
وحكى الشيخ أبو علي في الشرح وجهاً أنه يلزمه الإتمام؛ فإنه قد أقتدى بمقيم، وبان ذلك، فإن كانت صلاةُ الإمام باطلة، فصلاة المأموم صحيحة، وجنابة الإمام لا تمنع صحةَ القدوة مع الجهل، ولو منعت، لبطلت صلاة المقتدي، كما لو بان الإمام كافراً، وهذا عزاه إلى محمد، وكثيراً ما يحكي في الشرح عنه، ولست أدري