نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 365-404
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 365-404
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فإنهم أوجبوا الجماعة (1 على كل من يلتزم الصلاة، وشرطوا في صحة الصلاة المفروضة الجماعة 1) كما تشترط في صحة الجمعة.
واحتج الشافعي بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، وروي بخمس وعشرين درجة" 2، وهذا يدل على أن صلاة الفرد صحيحة، والصلاة في الجماعة أفضل.
وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: "صلاة الرجل مع الواحد أفضل من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أفضل من صلاته مع واحد، وحيثما كثرت الجماعة فهو أفضل" 3 وهذا يدل على صحة صلاة المنفرد.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار مشتملة على الوعيد في ترك الجماعة؛ وسببُها أن المنافقين كانوا يتخلفون، ولا يصلون في منازلهم، فكان المقصود من الوعيد حملهم على الصلاة على الرغم منهم.
1166 - فإذا ثبت هذا، فلم نضبط فيما قدمناه قولاً في الجماعة التي يسقط بإقامتها [الحرج] 4 عن الذين لم يحضروها، فنقول: الغرض ظهور الشعار، فلتقم الجماعة في البلدة الكبيرة في مواضعَ بحيث يظهر بمثلها في مثل تلك البلدة الشعار.
ولا يخفى أنه لو فرض إقامة الجماعة في طرفِ أو في أطراف، فقد لا يشعر بها أهلُ1 = الأربعة من أصحاب الشافعي الذين بلغوا رتبة الاجتهاد، كما قال السبكي في طبقاته.
ت 311 هـ (طبقات السبكي: 3/ 109 - 119).

البلدة، ويكون جريان ذلك من جهة التمثيل بمثابة عمل من الأعمال لا يُشاع مثله في العرف إذا جرى من شخص أو أشخاص، وقد لا يشعر به معظم أهل البلدة، فَلْيَقِس الناظر ذلك الذي نحن فيه بهذا، ولْيعلم أن الغرض ظهور الشعار.
وهذا هو الأصل.
فإذاً قد لا يحصل ذلك إلا بأن تقام في كل مَحِلَّة، وقد تصغر القرية فيقع الاكتفاء بجماعة واحدة.
1167 - ومما ينبغي أن ينبه عليه أن الناظر قد يقول: إذا كبرت البلدة، وكثر أهلها وكان معظمهم لا يقيمون الجماعة، وكان الشعار يظهر بالذين يقيمونها، ولكن كان يظهر من أهل البلدة الاستهانة بالجماعة؛ من حيث يتقاعد عنها معظمهم، فإنهم يعصون.
وهذا الظن خطأ؛ فإنه ظهر الشعار، وسقط الفرض عن الباقين، وإن كانوا جماهير أهل البلدة.
والذي يحقق ذلك أن الصلاة على الموتى من فروض الكفايات، فلو كان لا يصلي عليهم إلا شراذم والباقون يعبُرون ولا يبالون، فالفرض يسقط عن الباقين، فإذاً النظر إلى ظهور الجماعة.
وقد يتجه أن نقول: لو كان حضر في [كل] 1 مسجد اثنان - ثلاثة، بحيث لا يبدون للمارين، فلا يحصل ظهور الشعار بهذا.
والجملة في ذلك أن كل واحد في نفسه لم يفرض عليه لأجل صلاته جماعة، وإنما الغرض أن يحصل إظهار شعائر الإسلام على الجملة.
ولا يمتنع أن يقال: لا يعتبر في القرى الصغيرة القريبة من البلاد إظهار ذلك، إذا استقلت البلاد بإظهار ذلك، فلهذا المعنى اختص وجوب الجمعة بالبلاد والقرى الكبيرة.
وفي أهل البوادي إذا كثروا عندي نظر فيما نتكلم فيه، فيجوز أن يقال: لا يتعرضون لهذا الفرض، ويجوز أن يقال: يتعرضون له إذا كانوا ساكنين، ولا شك أن المسافرين لا يتعرضون لهذا الفرض، وكذلك إذا قل عدد ساكنين 2 في بلدة؛

فإنهم وإن أظهروا الجماعة، لا يحصل بهم ظهور الشعار، وقد ذكرنا أن الإنسان في نفسه لصلاته لا يتعرض لهذا الفرض، وإنما المرعيّ فيه أمرٌ كليٌ عائد إلى شعائر الإسلام، فهذا ما أردناه في ذلك.
1168 - ثم كثرة الجَمْع مرغوب فيها، وقد روينا الخبر الدّالّ عليه، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى مع واحد كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، ومن صلى مع اثنين، فإنه له مثل أجرهما من غير أن ينقص من أجرهما شيء" 1، وحيثما كثرت الجماعة فهو أفضل.
ولو كان بالقرب من منزل الإنسان مسجد ولو تعداه، لتعطّل، ولو أقام فيه الشعار، لقامت الجماعة بسببه، فهو أولى من قصد الجماعة الكثيرة، وإن كان المسجد لا يتعطل بسبب تعديه عنه ومجاوزته، فالمذهب أن فضل الجماعة الكثيرة أولى.
وذكر بعض أصحابنا أن رعاية حق الجوار لذلك المسجد أولى، وذلك غير سديد؛ فإن صح النقل فيه، فسببه أنه قد يخطر قصد الجماعة الكثيرة لغيره، فيؤدي ذلك إلى تعطيل المسجد، ولعل ذلك في مسجد السكة، فأما إذا كان على طريقه، وكان أقرب من المسجد المشهود، فلا ينقدح الوجه الضعيف في هذه الصورة.
فصل 1169 - يجوز ترك الجماعة بالمعاذير، وهي تنقسم إلى أعذار عامة، وإلى أعذار خاصة.
فالعامة: كالمطر وما في معناه، وذكر بعض المصنفين في الوحل خلافاً؛ من حيث إنه يتأتى الاستعداد له.
والأظهر أنه عذر؛ فإن في التخطي فيه عسراً ظاهراً، وهذا إذا لم يتفاحش.
والرياحُ الشديدة أعذار بالليل، وليست أعذاراً بالنهار.

1170 - والأعذار الخاصة: كالمرض، وتمريضِ مريض يعتني به الإنسان، وفي تركه إضرار.
ومنها قيام الإنسان على مالٍ، لو تُرك، لضاع، أو خيف في تركه ضَياعُه.
وذكر بعض الأئمة من الأعذار أن يكون مديوناً معسراً، وقد لا يصدقه مستحق الدين فيحبسه، فله أن يتخلف لذلك.
ومنها أن يكون قد استوجب القصاص، ولو ظفر به مستحقه، لقتله، ولو غيّب وجهه، رجا أن يعفوَ عنه إذا سكن غليلُه، فقد جوز الشافعي التخلف بهذا.
1171 - وهذا فيه إشكال عندي؛ من حيث إن سبب التزام القصاص أكبر الكبائر بعد الردة، فكيف يستحق أن يخفف عنه، ويجوَّز له تغييب الوجه عن مستحق القصاص؟ وهذا غامض، وإن لم يتخلف عن الجماعة.
ولعل السبب فيه تعرّض القصاص للشبهة؛ فإن مستحق القصاص مندوب إلى العفو في نص كتاب الله عز وجل، فلا يبعد أن يسوغ لمن عليه القصاص أن يُغيِّب وجهَه إذا كان يرتجي عفواً، ولسنا نلتزم الآن في كتاب الصلاة البحثَ عن هذه [المعاصات] 1. وقد سمعت شيخي يذكر فصل القصاص كذلك في كتاب الجمعة، وكان يحكي عن نص الشافعي جوازَ التخلف عن الجمعة لمن عليه القصاص، كما ذكرناه، ولم أر في هذا خلافاً، والذي ذكرتُه الآن نَقَله بعض المصنفين.
ومنشأ هذا الإشكال جواز الامتناع من مستحِق الدم، فإن ثبت هذا، لم يخفَ بعده جوازُ ترك الجماعة والجمعة.
وأنا بعون الله تعالى أعود في كتاب الجمعة إلى تفصيل المعاذير، ولعلّي ثَمّ أذكر ما فيه شفاء الغليل.
1172 - ثم مما قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مُناديه في الليلة

المطيرة، والليلة ذات الريح [يقول] 1 "ألا صلوا في رحالكم" 2. ثم ذكر الصيدلاني استحبابَ هذا النداء، وأن المؤذن يقوله عند فراغه من قوله: حي على الفلاح، وهذا مشكل؛ فإنه لم يصح فيه ثَبت عن النبي صلى الله عليه وسلم 3، وتغيير الأذان بشيء يثبت في أثنائه من غير نقلٍ فيه صحيع بعيد عندي، وليس في ذكره بعد الأذان ما يفوّت مقصود النداء.
فصل قال: "وإذا وجد أحدُكم الغائطَ ... إلى آخره" 4 1173 - إذا أرهق الرجلَ حاجةُ الإنسان، وحضرت الصلاة، فينبغي أن يبدأ بقضاء حاجته؛ فإنه إن استدام ما به، امتنع عليه الخضوع، وهو مقصود الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يصلّين أحدكم وهو يدافع أخبثيه" 5، وقال: "لا يصلين

أحدكم وهو ضام وركيه"، وروي أنه قال: "لا تقبل صلاة امرىءً لا يحضر فيها قلبه".
(1 ولو حضرت الصلاة وبالرَّجُل جوع مفرط، فليكسر ما به من سَوْرةِ الجوع وكَلَبه بلقم 1) وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أقيمت العِشاء وحضَر العَشاء، فابدؤوا بالعَشاء" 2 ولم يُرِد الجلوس للأطعمة وترديد الألوان، وإنما أراد تعاطي لقم، كما قدمته.
وقد بُلغت عن القاضي حسين أنه قال: "لو صلى وقد ضاق عليه الأمر في مدافعة البول والغائط، وخرج عن أن يأتي منه الخشوع أصلاً لو أراده، فلا تصح صلاته؛ فإن ما هو عليه لا يوافق هيئة المصلين، بل هو في التحقيق هازىء بنفسه مستوعَبُ الفكر بالكلية فيما هو مدفوع إليه، ومن أنكر أن المقصود من الصلاة الخشوع والاستكانة، فليس عالماً بسر الصلاة".
وهذا إن صح عنه، فهو بعيد عن التحقيق، ولكنه هجوم على أمر لم يُسبق إليه، ولست أعرف خلافاً أن الساهي اللاهي النازق الذي يلتفت من جانبيه، وإنما يقتصر على قراءة الفاتحة والتشهد، ولا يأتي بذكر غيرهما بعيد عن هيئة المصلين، ثم لم نحكم في ظاهر الأمر ببطلان صلاته.
...1 = عائشة، ومسلم وأبو داود عن عائشة أيضاً بلفظ: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان" (ر.
مسلم: المساجد، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، ح 560، وأبو داود: الطهارة، باب أيصلي الرجل وهو حاقن، ح 89، وانظر المسند: 6/ 43، 54، 73، وابن حبان: ح 2071، التلخيص: 2/ 32 ح 567).

باب صلاة الإمام قائماً بقعود أو قاعداً بقيام

1174 - إذا عجز الرجل عن القيام في الصلاة صلى قاعداً، والأَوْلى به أن يستخلف في الإمامة، فإن صلى بالناس قاعداً، صح، وهم يصلون خلفه قياماً إذا كانوا قادرين.
وقال أحمد: يصلون خلف الإمام قعوداً متابعة للإمام 1. وقد صحت أخبار تقتضي ذلك؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صلى الإمام قاعداً فصلّوا قعوداً خلفه أجمعين" 2. والشافعي رأى ذلك منسوخاً بما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر أمره، إذ تقدم وقعد، وكان يصلي قاعداً، وأبو بكر يصلي قائماً خلفه، مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس قيام 3، فرأى الأخذ بتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر والناسَ على قيامهم مع قعود إمامهم، ثم ذكر في الباب أحكاماً من صلاة القاعد يقدر على القيام، أو القائم يعجز عن القيام، وقد استقصيت ما يتعلق بذلك في باب صفة الصلاة على أبلغ وجه وأحسنه.
1175 - ثم قال الشافعي: على الآباء والأمهات أن يعلّموا صبيانهم الصلاة.
وهذا بيّن، ثم الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع،

واضربوهم عليها وهم أبناء عشر" 1: قيل: أمر بضربهم على العشر؛ لأنهم يحتملون الضرب، وقيل: السبب فيه أن العشر سن احتمال البلوغ، فلا نأمن أن الصبي العرم بلغ ولا يصدقنا.
...

باب اختلاف نية الإمام والمأموم

1176 - اختلاف نية الإمام والمأموم في الصلاة لا يمنع القدوة عندنا، فيجوز أن يقتدي قاضٍ بمؤد، ومؤد بقاضٍ، ومتنفلٌ بمفترض، ومفترضٌ بمتنفل، والخلاف مشهور مع أبي حنيفة 1، ومعتمد المذهب أن الاقتداء متابعةٌ في ظاهر الأفعال، والغرض منه أن يربط المقتدي فعلَه بفعل إمامه، حتى لا يتكاسل ولا يتجوَّز في صلاته، وإلا، فكل مصل لنفسه، والنيات ضمائر القلوب، فلا يتصوّر الاطلاع عليها؛ حتى يفرض اقتداءٌ بها.
واختلف قول الشافعي في أن إمام الجمعة لو كان متنفلاً، فهل يصح من القوم أداء الجمعة خلفه أم لا؟ وكذلك اختلف قوله في إقامة الجمعة خلف الصبي، وسيأتي ذلك مستقصىً في كتاب الجمعة إن شاء الله تعالى.
وسبب اختلاف القول في الجمعة أن الجماعة واجبة فيها، فجرى الأمر فيها على نسق آخر.
1177 - ثم نحن وإن لم نراعِ في صحة القدوة في سائر الصلوات اتفاقَ النيّات، فلا بد من رعاية كيفية الصلاة في ظاهر الأفعال، والقول في ذلك ينقسم: فإن كانت صلاة 2 الإمام في وضعها مخالفة لصلاة المأموم، مثل أن يكون الإمام في صلاة الجنازة، أو الخسوف، والمأموم في صلاة من الصلوات المعهودة، فالأصح أن الاقتداء باطلٌ؛ لأن المتابعة لا بد منها في الأفعال ظاهراً، وذلك متعذر غير ممكن، وأبعد بعض أصحابنا، فجوز الاقتداء.
فإن منعنا، فلا كلام.

وإن جوّزنا، فتفريعه أن نقول: إذا اقتدى بإمام في صلاة الجنازة، فيبقى قائماً مادام إمامه في الصلاة، فإذا سلم، انفرد المقتدي بنفسه، فيركع ويجري على ترتيب صلاته، ولا يوافق الإمامَ في تكبيرات صلاة الجنازة، والأذكارِ المتخللة بينها، ولا يقدح ذلك في القدوة المعتبرة في ظاهر الأفعال؛ فإن المقتدي بالإمام في صلاة العيد لو لم يكبر التكبيرات الزائدة، وكان الإمام يأتي بها، فلا تنقطع القدوة بهذا السبب.
وإذا اقتدى في صلاة معهودة بمن يصلي صلاة الخسوف -والتفريع على الوجه الضعيف في تصحيح القدوة- فإذا ركع الإمام، ركع المقتدي، ثم الإمام يرفع رأسه، ويركع ركوعاً آخر، والمقتدي يستقر في الركوع الأول حتى يعود إليه الإمام، ثم يرتفع معه، إذا رفع رأسه من الركوع الثاني، ولا يرتفع عن الركوع الأول، ثم ينتظره واقفاً حتى يركع ركوعاً آخر، ويرتفع؛ لأنه لو فعل كان مطوّلاً ركناً قصيراً، وإذا انتظر راكعاً، فالركوع ركن طويل يقبل التطويل، ولم يصر أحد من أصحابنا إلى أنه يوافق إمامه فيركع ركوعين، وإن كان المأموم قد يأتي بأفعال لا تحسب له بسبب الاقتداء، كما سنذكر طرفاً منه الآن.
والسبب في ذلك 1 في صلاة الخسوف، أن نظم صلاة الخسوف يخالف نظم الصلاة التي تَلَبَّس المقتدي بها، وإن كان المقتدي يوافق إمامه إذا كان مسبوقاً في أفعالٍ لا تحسب؛ فتلك الأفعال موجودة في صلاة المقتدي على الجملة.
فهذا إذا كانت صلاة الإمام مخالفة في وصفها لصلاة المأموم.
1178 - فأما إذا لم تكن الصلاتان مختلفتين في الوضع، ولكن كانتا مختلفتين في عدد الركعات، نُظر: فإن كان عدد ركعات صلاة المقتدي أكثر، فالقدوة تصح بلا خلاف، كمن يقتدي في قضاء صلاة العشاء بمن يصلّي الصبح 2 فهذا صحيح، فيصلي مع الإمام ركعتين، فإذا سلم الإمام، قام المقتدي إلى بقية صلاته، وإنما صح

ذلك؛ لأن من سبقه إمامُه في [صلاة رباعية بركعتين، فاقتدى به في بقية صلاته، فصورة] 1 صلاته تكون بمثابة اقتداء من يصلي العشاء بمن يصلي الصبح.
1179 - فأما إذا كان عدد ركعات صلاة المأموم أقل، ففي صحة القدوة على ظاهر المذهب قولان في هذه الصورة: أحدهما - الصحة، وهو الظاهر الذي قطع به الصيدلاني، ووجهُه اعتبارُه بالصورة قبيل هذه.
فإذا توافقت الصلاتان في النظم، فينبغي ألا يؤثر تفاوت عدد الركعات، كما لو كان عدد ركعات صلاة المأموم أكثر.
والقول الثاني - أنه لا تصح القدوة بخلاف الصورة الأولى؛ فإن في الصورة الأولى لا يفارق إمامه، والإمام متمادٍ في صلاته، بل الإمام يفارقه، وهو يقوم إلى بقية صلاته، كفعل المسبوق.
بخلاف صورة القولين على ما سنبين في التفريع.
فإن صححنا القدوة -على الأصح- فنفرع صوراً، فنقول: إن كان المقتدي في الصبح قضاء أم أداء، والإمام في صلاة رباعية، فيصلي ركعتين مع الإمام، ويجلس معه للتشهد، ثم الإمام يقوم إلى الثالثة، والمقتدي لا يقوم معه أصلاً، وهو بالخيار: إن شاء تحلل عن صلاته، وفارق إمامه، ولا يضره ذلك؛ لأنه معذور بمفارقته، وإن شاء بقي جالساً، وانتظر الإمام، حتى يصلي ركعتين، ويجلس، ويسلم، فيسلم معه.
[و] 2 في هذا الانتظار، وفي بقاء المقتدي على حكم القدوة في سهو يقع 3، كلامٌ [مُفصّل] 4 يأتي في صلاة الخَوْف 5 إن شاء الله تعالى.

1180 - فإن قيل: هلاّ تابع الإمامَ في ركعتيه الباقيتين، ثم لا تحسبان [له] 1 كالمسبوق يدرك الإمام رافعاً رأسه عن الركوع، فإنه يتابعه في بقية الركعة، ثم لا تحسب له؟ قلنا: هذا محال؛ فإن المتابعة في ركعة تامة، غير محسوبة، محال، فأما بعض الركعة، فقد لا يحتسب.
ثم ذلك في حق المسبوق يقع في صدر الصلاة، فلا وجه إذاً لما قاله السائل.
فلو اقتدى في صلاة المغرب بمن يصلي أربع ركعات، فإذا رفع الإمام رأسه من سجود الركعة الثالثة، وقام إلى الرابعة، جلس المقتدي للتشهد، ولم يتابع إمامه أصلاً، [ويسلم] 2. ولو أراد أن ينتظر إمامَه في هذه الجلسة حتى يعود إليه ويسلم معه، لم يكن له ذلك على ظاهر المذهب، فإنه فارقه لمّا جلس للتشهد، فلا ينتظره بعدما فارقه.
وليس كما لو كان المقتدي في صلاة الصبح والإمام في الظهر، فإنه يجلس مع إمامه، ثم يقوم الإمام إلى الثالثة، وله أن ينتظره؛ لأنه ما أحدث تشهداً، بل وافق إمامه فيه، فإذا انتظره، كان في حكم المطوِّل المستديم لتشهده، وفي صلاة المغرب تشهد، حيث لم يتشهد إمامه أصلاً، فكل ذلك مفارقة للإمام.
1181 - ومما يليق بتمام التفريع أن المأموم لو كان في قضاء الظهر والإمام في صلاة المغرب، فإذا جلس الإمام عقيب الركعة الثالثة للتشهد، يجلس المقتدي معه للمتابعة، ثم لا تحتسب له هذه الجلسة، فإذا سلم إمامه، قام إلى الركعة الرابعة، ولا يبعد أن يوافق في تشهدٍ لا يحسب له، فأما ركعة تامة، فيستحيل أن يوافق فيها، ثم لا تحتسب له، كما قدمناه في تفريع الصورة المتقدمة.

فصل 1182 - إذا أحس الإمام بداخل، فهل ينتظره حتى يدركه؟ أما إذا كان في القيام، فلا ينتظره، فإنه لا يتوقف إدراكه على أن يدركه قائماً؛ إذ لو أدركه راكعاً، لصار مدركاً، ولا ينتظر في السجود أحداً؛ لأن المأموم لا يصير مدركاً بإدراك السجود، فالانتظار إن كان يفيد، فإنما يفيد في الركوع.
فإذا أحس الإمام في الركوع بداخل، فهل ينتظره؟ فعلى قولين: أحدهما - لا ينتظره، وهو الأصح، لأنه بانتظاره يطوّل الصلاةَ على نفسه، وعلى السابقين بسبب المسبوق وهذا لا سبيل إليه.
والقول الثاني - إنه لا بأس لو انتظر، قال الإمام 1: [وقد] 2 رأيت طردَ القولين لبعض الأئمة في الانتظار في القيام والسجود، لإفادة الداخل بركةَ الجماعة.
وهذا لا أعتمده.
ثم اختلف أئمتنا في محلّ القولين في الانتظار في الركوع، فمنهم من قال: القولان في بطلان الصلاة، وهذا فيه بعد، ولكن في كلام الشافعي ما يدل عليه، كما سنذكره في كتاب صلاة الخوف إذا زاد الإمامُ انتظاراً في الصلاة.
والذي يمكن أن يوجّه البطلان به، أن الذي ينتظر يُعلِّق صلاتَه بغيره، ولا يجوز أن تعلق الصلاةُ إلا بإمامٍ يُقتدى به، وسنذكر في أحكام القدوة والإمامة أن من اقتدى بمقتدٍ، فصلاته باطلة؛ لأنه علق بمن لا يصلح للإمامة، وإذا كانت الصلاة تبطل بهذا، فلا يبعد أن تبطل إذا عُلقت بانتظار من ليس في الصلاة.
ومن أئمتنا من قال: القولان في الكراهية.
وهذا هو الظاهر، فإن توجيه البطلان تكلف.

1183 - ثم إن قلنا: إن الانتظار لا يُبطل ولا يكره، فقد تردد جواب شيخي في أنه هل يُستحب إذا انتهى التفريع إلى هذا؟ والوجه عندي القطع بأنه لا يستحب، بل يعارض توقِّي التطويلَ على الأولين السعيُ في تحصيل ركعةٍ في الجماعة للداخل، فيقتضي تعارضهما جوازَ الانتظار من غير كراهية.
ثم ذكر الصيدلاني: "أن الاختلاف فيه إذا كان لا يطوّل على السابقين، وهذا موضع التأمل؛ فإنه لو لم يطوّل الركوعَ الذي هو فيه، لم يحصل للانتظار تصوّر، حتى يفرض التردد فيه، وإن طول الركوع، وزاد على المعتاد فيه، فقد حصل التطويل".
فالذي أراه في ذلك أنه إذا طوّل ركوعاً واحداً تطويلاً لو فُضَّ 1 ووزعِّ على جميع الصلاة، لما ظهر في كل الصلاة أثرٌ في التطويل محسوس، ولكن كان يظهر في الركن الذي فرض فيه الانتظار، فهذا موضع القولين.
وإن كان التطويل بحيث يظهر على كل الصلاة.
ظهوراً محسوساً، فهذا يمتنع عند الصيدلاني قولاً واحداً، وهذا حسن بالغ، ولا وجه إلا ما ذكره.
1184 - والذي يليق بتحقيق هذا: أنا إذا كنا نقول: الانتظار لا يبطل الصلاة على أحد القولين، ويُبطل على القول الثاني، فقطعُنا القولَ بمنع التطويل في الصورة التي ذكرناها لا يوجب قطعاً بالبطلان؛ فإن سبب القطع بالمنع ألا يُطَوِّل على السابقين، وهذا أدبٌ، وليس من مبطلات الصلاة، والذي يقتضيه ما ذكره أنه لو انتظر مرة، أو مرتين، فقد يخرج على القولين إذا كان لا يظهر أثر التطويل في جميع الصلاة، وإن كان ينتظر في كل ركعة، فقد يجر ذلك القطعَ بالمنع، لإفضائه إلى التطويل إذا جمع، ونزّل ذلك منزلة الإفراط في تطويل ركوع واحد.

فصل فيمن يصح الاقتداء به 1185 - القياس الظاهر يقتضي أن يقال: من تصح صلاتُه في نفسه، يصح اقتداء الغير به، ولا يقع الاكتفاء بأن يكون المصلِّي مأموراً بصلاته؛ فإنه إذا كان يقضيها، فلا يصح اقتداء من تصح صلاته من غير أمر بالقضاء به، وهذا القياس يجري مطرداً على مذهب الشافعي إلا في موضعين، فنذكر طرد القياس أولاً بالأمثلة، فنقول: يصح اقتداء المتوضىء بالمتيمم الذي لا يقضي الصلاة، ويجوز اقتداء الكاسي بالعاري، إذا كان لا يجب القضاء على العاري، فإن لم يجد المرء ماءً ولا تراباً، وقلنا: إنه يصلي في الوقت ويقضي، فلا يصح اقتداء المتوضىء به، ولا اقتداء المتيمم الذي لا يقضي.
1186 - فأما ما هو مستثنى عن القياس الذي طردناه، فشخصان أحدهما - المرأة.
لا يجوز اقتداء الرجل بها أصلاً، وإن كانت صلاتها صحيحةً، وهذا تعليله مشكل، ولكنه متفق عليه، لا نعرف فيه خلافاً، ولو قيل: الإمام يحتاج إلى تبرج وبروز، ولا يليق بمنصب النساء، لم يكن بعيداً، ولكن لا يقتدي الرجلُ بزوجته، وبأخته في داره، فلعل المرعيَّ في الإمامة كمال، وليست المرأة أهلاً له.
ولا خلاف أن المرأة يجوز أن تكون إمامةً، لامرأة أو نسوة، فهي إذاً على الجملة من أهل الإمامة، وإنما يمتنع على الرجال الاقتداء بالنساء.
ويمتنع اقتداء الرجل بالخنثى المشكل، ولو اقتدى، لزمه القضاء، ولو لم يتفق منه القضاء حتى بان الخنثى رجلاً، ففي وجوب القضاء قولان: أحدهما - لا يجب؛ لأنه قد تبين أنه اقتدى برجل.
والثاني - يجب؛ فإنه فى عقد صلاته خالف الأمر، وقد ألزمناه القضاء ظاهراً لذلك، فلا ينقض ما مضى؛ لأن التحرم والعقد كان على ظاهر البطلان.
والخنثى لا يقتدي بامرأة؛ لجواز أن يكون رجلاً، فلو اقتدى بامرأة، فألزمناه

القضاء، فلم يقض حتى تبين أنه امرأة، ففي وجوب القضاء القولان المقدمان، كما ذكرناه.
فهذا أحد ما استثنيناه.
1187 - والثاني - اقتداء القارىء بالأمي، فنصوّر الأمي ونصفه أولاً، ثم نذكر ترتيب المذاهب.
والمعنيُّ بالأمي الذي لا يحسن قراءة الفاتحة، أو كان لا يطاوعه لسانُه على القراءة السديدة، بل كان يُحيل معنى كلمة منها، وإن كان قادراً على التعلم مقصراً فيه، فلا تصح صلاتُه في نفسه، وليس ذلك صورة مسألتنا، وإن كان لا ينطلق لسانه بالصواب، فصلاته في نفسه صحيحة، وهو الأمي الذي نريد تفصيل الاقتداء به.
وإن كان يحسن الفاتحة، وكان يلحن في غيرها، فقد قال الأئمة: لا يضرُّ لحنُه في غير الفاتحة، إذا كان عاجزاً عن تسديد اللسان؛ فإنّ صلاته صحيحة، والمقدار الذي هو ركن القراءة هو فيه ليس بأمي.
وفي هذا نظر؛ من جهة أنه لو قيل: ليس له في نفسه أن يقرأ بعد الفاتحة ما يلحن هو فيه؛ فإن تلك القراءة ليست واجبة، والتوقي من الكلام واجب، والكلمة التي يلحنها ليست من القرآن، فكأنه يتكلم في صلاته، لما 1 كان ذلك بعيداً عن القياس، فلينظر الناظر في ذلك.
وإن كان يردد حرفاً، ثم ينطلق كالذي يردد التاء ثم يجري -وهو التمتام- فليس بأمي، وكذلك الفأفاء، وهو الذي يردد الفاء، فإنه إذا كان يأتي بحرف، وهو معذور فيما يزيد، كالذي يتكلم ناسياً، فالقراءة صحيحة، والزائد محطوط عنه.
فإذا تُصوّر الأمي، فالذي نص عليه الشافعي في الجديد أنه لا يصح اقتداء القارىء به، ونص في القديم على جواز الاقتداء به.
ونقل بعض الأئمة قولاً ثالثاً: وهو أنه إن كانت الصلاة سرية، جاز الاقتداء به، وإن كانت جهرية، لم يجز الاقتداء به مطلقاً.

1188 - احتج للقديم بأن صلاته صحيحة، وهو من أهل التبرج 1، احترازاً عن المرأة، فأشبه القارىء، واحتج المزني لما اختار هذا القول بأن اقتداء القائم بالقاعد العاجز عن القيام صحيح، وكذلك اقتداؤه بالمريض المومىء، وكذلك اقتداء المتوضىء بالمتيمم، فإذا كانت القدوة تصح إذا صحت صلاةُ الإمام، سواء كان نقْصُ صلاته راجعاً إلى ركنٍ أو شرط، فليكن العجز عن القراءة السديدة بهذه المثابة، ولا شك في [اتجاه] 2 القياس في نُصرة هذا القول.
ثم لا خلاف أنه يجوز اقتداء الأمي بالأمي.
ومن قال بالجديد، فليس ينقدح لتوجيهه عندي وجه إلا أن الإمام يتحمل على الجملة القراءة عن المأموم؛ فإنه يتحمل عنه القراءة إذا أدركه المسبوق في ركوعه قولاً واحداً، ولا يجري ذلك في شيء من الأركان، وهذا لا يعارضه سقوط المكث في القيام عن المسبوق؛ فإن القيام تبع للقراءة من جهة أنه محلها، فإذا سقطت، سقط المحل، فإذا وضح ذلك في القراءة، فينبغي أن يكون الإمام على كمالٍ في هذا الركن، حتى يصلح للإمامة لكاملٍ فيه 3. وتحقيق ذلك أنا نقول: كأن قراءة الإمام منقولة إلى المقتدي، ولو قرأ المقتدي ما يقرؤه الأمي، وهو في نفسه قارىء، لم تصح صلاته، ويخرّج عليه جواز اقتداء الأمي بالأمي.
وأما وجه القول الثالث 4، فلا يتبين إلا بتخريج ذلك القول على القول الذي حكيناه في أن القراءة تسقط عن المقتدي في الصلاة الجهرية، ولا تسقط في السرية، فحيث تسقط كأنها وقعت محتملة عن المأموم، فلا بد من اشتراط كمال من يتحمل، وفي السرية تجب القراءة على المقتدي، فلا أثر لعجز الإمام، كما ذكره المزني من

التعلق باقتداء القائم بالعاجز عن القيام.
فهذا بيان الأقوال في الاقتداء.
1189 - ثم إن قلنا: يجوز الاقتداء بالأمي، فلا كلام.
ولو لم يجز الاقتداء به، فلو كان الرجل يلحن في النصف الأول من الفاتحة، وكان المقتدي يلحن في النصف الأخير منها، فلا يجوز الاقتداء به، وإن كانا أميين، لأن المقتدي في هذه الصورة ليس بأمي في النصف الأول، وإمامه أمّي فيه، فإذا اقتدى به، فقد تحقق اقتداء قارىء في النصف الأول بأمي فيه، ولو فرض اقتداء الإمام في هذه الصورة بمن قدرناه مقتدياً، لم يجز أيضاً لمثل ما ذكرناه، فإذن هما شخصان، لا يجوز اقتداء أحدهما بالثاني.
وهذه من صور المعاياة 1 والمغالطة في السؤال، فإن السائل يعرضها ويقول: أيهما أولى بالإمامة؟ والجواب عنها، أن واحداً منهما لا يجوز أن يكون إماماً لصاحبه، لما قدمنا على القول الذي نفرع عليه.
1190 - ومما نفرعه على هذا القول: أن من اقتدى بإمام في صلاة سرية، والمقتدي قارىء، فقد أجمع الأئمة على أنه لا يجب على المقتدي البحثُ عن قراءة إمامه، فإن الغالب أنه قارىء، فيجوز حمل الأمر عليه، كما يجوز حمل الأمر على أنه متطهر، وإن كنا نشترط في القدوة صحة طهارة الإمام.
ثم يخرج من ذلك أنه لو بحث، فتبين أنه لم يكن قارئاً، فهو في التفريع كما لو تبين أن الإمام كان جنباً، ولو ظهر ذلك، لم يجب على المأموم إعادة الصلاة.
ولو كانت الصلاة جهرية، فتبين فيها كونَه أُميّاً أو قارئاً؛ فإنه يقع الحكم على حسب ما يظهر.
ولو كان يُسر بالقراءة في صلاة جهرية، فقد ذهب كثير من أئمتنا إلى أنه يجب الآن بحثه عن حاله؛ فإن إسراره والصلاة جهرية يُخيل مكاتمة نقصه في القراءة.
وقال آخرون: لا يجب البحث في هذه الصورة أيضاً، فإن الجهر الذي تركه هيئة

من هيئات الصلاة، [فلا أثر له، وللإسرار محمل آخر سوى جهله بالقراءة، وهو أنه نسي أن الصلاة] 1 جهرية؛ فأسر بها، فهذا تفريع القول.
فرع: 1191 - في [بعض] 2 الأئمة: ما كان يقطع به شيخي وهو مذهب نَقَلَةِ المذهب، أن اقتداء الطاهرة بالمستحاضة صحيح، طرداً للقياس المقدم في رعاية الصلاة 3، وصلاة المستحاضة صحيحة.
وذكر بعض أئمة العراق وجهاً، أنه لا يجوز الاقتداء بها؛ فإن في صلاتها خللاً غيرَ مجبور ببدل، وليست كالمتيمم يقتدي به المتوضىء؛ فإن الإمام، وإن لم يتوضأ، فقد أتى بما هو بدل عن الوضوء.
وهو ركيك لا أصل له.
فرع: 1192 - من لم يجد ماء ولا تراباً هل يقتدي بمن هو في مثل حاله، ثم يقضيان جميعاًً؟ كان شيخي يتردد في هذه الصورة، من جهة أن صلاة الإمام إن كانت مقضية، فصلاة المأموم كذلك، فيشبه بما لو صحت صلاتهما جميعاًً.
ويمكن أن يقال: لا يصح الاقتداء نظراً إلى فساد صلاة الإمام، والعلم عند الله.
فهذا مجموع ما يمنع القدوة وما لا يمنعها، وبيان طرد القياس مع الاستثناء منه.
فصل 1193 - إذا اجتمعت نسوة في دار فحسن عندنا أن تصلي بهن واحدة منهن؛ فإن اقتداء النسوة بالمرأة جائز، وإذا لم يبرزن في مسجد، فليس في عقدهن الجماعة ما يناقض الستر المأمور به.
ثم الجماعة على الصورة التي ذكرناها مسنونة لهن عندنا، خلافاً لأبي حنيفة 4،

وقد روي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر أم ورقة حتى تصلي بالنسوة في دارها" 1. وروي أن عائشة وأمَّ سلمة أمَّتا بنسوة ووقفتا وسطهن 2. وهذا هو المستحب للتي تكون إمامة؛ فإنها لو تنصلت عن الصف كدأب الرجل الإمام، كان ذلك مناقضاً للستر المأمور به.
1194 - فإن قيل: هلا خرجتم استحباب الجماعة على ما قدمتموه في باب الأذان من الاختلاف في أذانهن وإقامتهن؟ قلنا: في الأذان إظهارٌ وتركٌ للستر، وليس في إقامة الجماعة ذلك، ولو خفضت المرأة صوتها، كان ذلك تركاً لمقصود الأذان، فقد بان مفارقة الأذان والإقامة للإمامة، ولما كانت الإقامة لا يشترط فيها رفع الصوت، كان إثباتها في [حقهن] 3 أولى في ترتيب المذهب من الأذان.
1195 - والنسوة لو شهدن المسجد، واقتدين بالرجال، فإن كنّ شوابّ، فلا يستحب ذلك لهن، والستر ولزوم البيت أولى بهن، ولو حضرن، صح اقتداؤهن، ثم لا يشترط في تصحيح الاقتداء [لهن] 4 أن يقتدين وينوي الإمام إمامتهن.
وشرط أبو حنيفة 5 في صحة قدوتهن ذلك، وهذا غير صحيح؛ فإنه يجوز عندنا للرجل أن يقتدي بالمنفرد في صلاته، وإن لم ينو إمامة أحد.

والعجوز إذا خرجت إلى جمع الرجال، ووقفت في أخريات المسجد 1، واقتدت، صح ذلك منها، وهل يستحب [ذلك أو يكره؟ أما الكراهية، فلسنا نكره، خلافاً لأبي حنيفة، فإنه كره] 2 ذلك [إلا] 3 في صلاة الفجر والعشاء، ونحن نعتمد ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كره للنساء الخروج للجماعة إلا أن تكون عجوزاً تخرج في مِنْقَليها" 4.، والمنقل الخف الخلَق، أراد صلى الله عليه وسلم خروجها للعبادة مبتَذِلة 5، فإنها لو تشبهت بالشوابّ، فلا شك أنه يكره ذلك لها.
ثم إذا نفينا الكراهية، فالذي رأيته للأئمة أنا لا نرجح خروجَها على لزومها بيتها؛ فإنه يتعارض في حقها رعايةُ الستر وإقامةُ الجماعة مع الرجال، فيخرج من تعارض الأمرين نفي الكراهية في الحضور واستواء الأمرين.
ولو حضرت شابّة، ووقفت بجنب الإمام واقتدت، فقد أساءت من وجوه، ولكن تصح صلاتها، وصلاةُ الإمام، خلافاً لأبي حنيفة 6، وخبط مذهبه معروف في ذلك.
فصل 1196 - ذكر الشافعي أن الأعمى يجوز أن يكون إماماً للبصير، وهذا خارج على القياس الممهد، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف للإمامة في بعض غزواته ابن أم مكتوم في المسجد 7، ثم مذهب الشافعي أنا لا نجعل البصير أولى من

الضرير، ولا الضرير أولى من البصير؛ [إذ في كل واحد منهما أمر يعارض ما في صاحبه، أما البصير] 1 فقد يفرق فكرَه في الصلاة بصرُه، ولكنه مستقل بنفسه في استقباله، والضرير في الأمرين على مناقضته، فاقتضى ذلك أن يستويا.
فصل 1197 - يجوز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة وكان منفرداً؛ فإن معنى الاقتداء أن يربط الإنسان صلاته بصلاة غيره، وهذا المعنى يحصل وإن كان الإمام منفرداً؛ وقد روي: "أن عمر كان يدخل فيصادف أبا بكر في صلاة فيقتدي به" وكذلك يفعل أبو بكر إذا دخل فصادف عمر في الصلاة 2. 1198 - وأجمع أئمتنا أن من اقتدى بمأموم لم يجز؛ وتبطل الصلاة، والسبب فيه أن منصب الإمامة يقتضي الاستقلال وكونَ [الإمام متبوعاً قائماً بنفسه، وليس المقتدي كذلك، والذي يحقق ذلك أن سهو] 3 الإمام يلحق المأموم، وسهو المأموم يحمله الإمام، والمقتدي سهوه محمول، ويلحقه سهو إمامه، وهو يُخرجه عن حكم الإمامة، فإن قيل: أليس أبو بكر كان مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته، والناس كانوا مقتدين بأبي بكر؟ قلنا: إنما كانوا مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً في المحراب، وكان أبو بكر كالمترجم الذي يبيّن للقوم أحوالَ الإمام وانتقالاته في صلاته.
1199 - ولو اقتدى برجل هو شاكٌ لا يدري أن إمامه مقتد بغيره أم لا، فلا تصح = صحيحه، وأبو يعلى والطبراني عن عائشة، والطبراني أيضاً عن ابن عباس (ر.
أبو داود: الصلاة، باب إمامة الأعمى، ح 595، والمسند: 3/ 192، وابن حبان: 2131، 2132 وأبو يعلى: 7/ 434 ح 4456، التلخيص: 2/ 34 ح 575).

قدوته مع هذا التردد، كما لو اقتدى بخنثى مشكل.
ولو استمر على القدوة ثم بان أن إمامه لم يكن مقتدياً، هل يجب على المقتدي قضاء الصلاة والحالة هذه؟ فعلى قولين كالقولين فيه إذا اقتدى بخنثى، ثم لم يقض الصلاة حتى يتبين أن الخنثى رجل.
1200 - ولو كان يصلي مع رجل وأشكل على كل واحد منهما حالُه، فلم يدر أنه مقتدٍ بصاحبه أو إمامٍ له، فلا تصح صلاة واحدٍ منهما على هذا التردد؛ فإنه لا يدري أيتابع أم يستقل؟ ولو كان يظن كل واحد منهما أنه إمام صاحبه، فتصح صلاته؛ فإنه يمضي في صلاته باختياره ولا ينتظر حكم المتابعة.
1201 - ومما يليق بما نحن فيه أن من اقتدى بإمام، فالأولى ألا يعيّنَه في نيته، بل ينوي الاقتداءَ بالإمام الحاضر، وليس عليه أن يعرفَه بلا شك فيه؛ فإن نوى الاقتداء بزيد، فإن أصاب، فذاك، وإن أخطأ، فالذي ذكره الأئمة أنه لا يصح اقتداؤه، ولا تصح صلاته، وعدوا هذا مما لا يجب التعيين فيه.
ولو عينه المرء، فعليه خطر في الخطأ، فإن أخطأ، لم تصح صلاته، وكذلك لو نوى الصلاة على زيد، ثم تبين أن الميت غيرُ من عينه، فلا تصح صلاته، وهذا فيه إشكال من جهة أن من ربط نيته بمن حضر، واعتقده زيداً، فإذا المعيَّنُ غيرُه، فقد اجتمع في نيته تعيين وخطأ في المعيَّن، فيظهر أن يقال: المحكَّم 1 تعيينه وإشارته إلى شخصه، ويسقط أثر خطئه في اسمه.
وقد يعنّ للناظر أن يخرّج هذا على مسألةٍ في البيع، وهي أن يقول الرجل: بعتك هذا الفرس، وأشار إلى حمار، ففي صحة البيع وجهان مشهوران سيأتي ذكرهما، فربْطُ الاقتداء بمن في المحراب مع اعتقاده أنه زيد بهذه المثابة.
وإن تكلّف متكلّف تصويرَ عقد الاقتداء بزيد مطلقاً من غير ربط بمن في المحراب، فهذا في تصويره عُسْر مع العلم بأنه يعني من خضه، ومن سيركع بركوعه ويسجد بسجوده، والعلم عند الله عز وجل.

فصل يشتمل على ذكر من يقتدي بعد الانفراد، وينفرد بعد الاقتداء.
1202 - فلتقع البداية بمن يعقد الصلاة على حكم الانفراد، ثم يتفق عقد جماعة، فيريد ربطَ الصلاة بالقدوة، وقد اختلف نصوص الشافعي (2 في ذلك: والذي نقله الصيدلاني عن الجديد منعُ ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة 1، وقال الشافعي 2) في الكبير: "قد كان في ابتداء الإسلام، ثم نسخ، وذكر فيه قصة معاذ، وهي أن المسبوق كان يحضر ويسائل من في الصلاة عما فاته، فيشيرون بالأصابع إلى أعداد الركعات التي فاتت، فكان يبتدر إلى ما فاته، ثم يصلي بصلاة الإمام فيما يصادفه من بقية صلاته، فدخل معاذ يوماً وكان مسبوقاً، فاقتدى، وصلّى ما وجد، ثم قام لمّا سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى ما فاته، ثم لما تحلل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاته قال: إن معاذاً سن لكم سنة حسنة فاتبعوها" 3. وحكى قولاً في القديم: إن الاقتداء بعد حصول العقد على حكم الانفراد جائز، ووجهه أن القدوة معناها ربط الصلاة بصلاة الغير، وليس ذلك من أركان الصلاة قط؛ فإنه ليس تغييراً لأمر يتعلق بركن أو شرط.
1203 - ثم الظاهر من مذهب الشافعي في الجديد جواز الاستخلاف في الصلاة، على ما سنذكر ذلك مشروحاً إن شاء الله تعالى في صلاة الجمعة، وهو في الحقيقة ابتداء اقتداء، لم يكن حالة العقد؛ فإن القوم يعقدون صلاتهم بزيد، ثم يربطونها في الأثناء بعمرو المستخلَف، وسيأتي شرح الاستخلاف في موضعه.
ثم يشهد لجواز الاقتداء أثناء الصلاة خبران، أحدهما - ما روي: "أن رسول الله2

صلى الله عليه وسلم أمَّ بأصحابه 1، ثم تذكر في أثناء الصلاة أنه جنب.
فأشار إلى أصحابه: أي كما أنتم قفوا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه يقطر فتحرم، واستمر الأصحاب على حكم الاقتداء" 2 ومعلوم أنهم أنشؤوا [اقتداء جديداً، فإن] 3 اقتداءهم الأول لم يكن صحيحاً، والثاني - أن أبا بكر في صلاة المرض اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الصلاة، كما مضت القصة.
1204 - ثم إذا ظهر القولان، فقد اختلف أئمتنا في محلّهما، فمنهم من قال: إنهما يجريان في الركعة الأولى، فإذا عقد المنفرد الصلاةَ، ثم اتفقت جماعة وهو في الركعة الأولى، فقولان، فأما إذا صلى ركعة على الانفراد، ثم أراد بعدها الاقتداء، فلا يجوز؛ لأنه يختلف ترتيب الصلاة ويتفاوت.
ومنهم من طرد القولين في الصورتين.
وإذا جمع الجامع الكلام في ذلك، كان الخارج منه ثلاثة أقوال، أحدها - المنع، والثاني - الجواز، والثالث - الفصل بين أن يقع في الركعة الأولى قبل الركوع أو بعده.
فهذا كلامٌ في أحد مقصودي الفصل.
1205 - فأما إذا كان مقتدياً، ثم أراد الانفراد ببقية الصلاة؛ حتى يسبق الإمام، فقد ترددت النصوص فيه، وحاصل المذهب فيه ثلاثة أقوال: أحدها - المنع؛ فإنه التزم الاقتداء، وانعقدت الصلاة على حكم المتابعة، فلزم الوفاء.
والقول الثاني - له الانفراد؛ فإن إقامة الجماعة كانت مسنونة، [فإذا خاض فيها، لم تلزم] 4 بالشروع؛ فإن من مذهبنا أن السنن لا تلزم بالشروع.
والقول الثالث - أنه يفصل بين المعذور وغيره، ويشهد لهذا قصة معاذ: "وقراءتُه

سورةَ البقرة في صلاة العشاء، وكان اقتدى به رجل كان يعمل طول نهاره، وكان عقل بعيراً كان معه، فانحلّ عقاله، فقام فقطع القدوة، وتجوّز في صلاته، وخرج، فرفعت قصته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر على معاذ تطويلَه، ولم ينكر على من قطع القدوة، ولم يأمره بالقضاء" 1. ثم الأعذار التي تقطع القدوة لأجلها كثيرة، ولا ينتهي إلى حد الضرورة عندي، وأقرب معتبر فيها أن يقال: كل عذر يجوز ترك الجماعة بسببه، كما سبق في باب الجماعة، وسنعود في كتاب الجمعة، فهو المعتبر في الذي نحن فيه أو ما في معناه.
فصل في المسبوق: إذا أدرك الإمام وقد فاته من الصلاة شيء.
1206 - فنقول: إذا أدرك الإمامَ راكعاً، فكبر في قيامه وركع، وصادف الإمام راكعاً، فقد أدرك الركعة، ولو كان الإمام هاماً بالارتفاع، متحركاً في جهته، فأدرك المأمومُ -وهو بعدُ غيرُ مترقٍّ عن أقل حد الركوع- فقد أدرك الركعة.
ولو لم يدر هل كان جاوز حد الراكعين أم لا، فالأصل بقاؤه في حد الركوع إلى أن يزول عنه قطعاً.
ولكن الأصل أنه لم يصر مدركاً للركوع، فهو على تردد من أمره كما ترى.
وقد ألحق أئمتنا هذا بتقابل الأصلين، فذكروا وجهين، ولعلنا نجمع في ضبط ذلك قولاً بالغاً - إن شاء الله تعالى.
1207 - ولو أدرك الإمامَ بعد الارتفاع عن حد الركوع، فلا يكون مدركاً للركعة أصلاً، ويتابع الإمامَ فيما يصادفه فيه، ولا يعتد به له من أصل صلاته.

1208 - ولو أدرك الإمامَ قائماً بعدُ، فإن أمكنه أن يتمم قراءة الفاتحة، ثم يدرك ركوعَ الإمام، فهو المراد، ولو علم أنه لو تمم الفاتحة، لفاته الركوع، فماذا يفعل؟ فيه خلاف معروف، فذهب بعض الأئمة إلى أنه يقطع القراءة، ويبادر الركوع.
وسقوطُ بعض القراءة عنده، ليس بأبعد من سقوط تمام القراءة إذا صادف الإمام راكعاً، لمّا كبر وتحرم بالصلاة.
ومنهم من يقول: عليه أن يتمم القراءة ولا يقطعها؛ فإنه خاض فيها، فيلزمه إتمامها.
وذكر الشيخ أبو زيد في ذلك تفصيلاً حسناً، فقال: إن تحرم بالصلاة وبادر بالقراءة ولم يقدّم عليها دعاء الاستفتاح، ولا التعوذ، ولكنه لمّا تفطَّن لضيق الوقت، اشتغل بالأهم، فإذا ركع الإمام، فهو معذور الآن، فنجعله مدركاً، وإن قدم على القراءة الذكرَ المسنون والتعوذَ، فقد تعرض لخطر الفوات.
1209 - ووجه هذا التفصيل بيّن، ولكنا نوضّحه، ونوضح الوجهين المرسَلَيْن قبله بالتفريع.
فأما من لم يفصل فيقول: ليس على المسبوق مبادرة القراءة بل يجري على هيئته وسجيته، والدليل عليه أنه لو قدر على أن يتسرع قبل الشروع، فلم يفعل، لم يختلف حكم إدراكه، فليكن الأمر كذلك بعد التحرم.
والأصح ما ذكره أبو زيد من التفصيل؛ فإنه بعد الشروع صار ملتزماً لحكم القدوة، مطالباً بموجبها، فليجر على الأصوب فيما نرسم له.
ولا شك، أن الاشتغال بإقامة الأركان أولى، ومن لم يتحرم بالصلاة فهو على خِيَرته في أمر الجماعة.
فهذا بيان الاختلاف في هذه الجهة.
ولا ينبغي أن يُعتقدَ خلافٌ فيه، إذا تحرّم وسبَّح، وتعوذ، ثم سكت سكوتاً طويلاً، ولم يشتغل بالفاتحة أنه يكون مقصراً، وإنما الخلاف المذكور فيه إذا اشتغل قبل القراءة بالسنن المشروعة في الصلاة، ثم إن أمرناه بالركوع، فاستتم القراءة، وبادر، فأدرك الإمامَ راكعاً، فهو المطلب، وهو مدرِكٌ.

وإذا رفع الإمام رأسه من الركوع، فلا شك أنا لا نجعله مدركاً للركعة، ولكن هل تبطل صلاة المسبوق بمخالفته إياه وترك ما رسم له؟ سنذكر على إثر هذا تفصيلَ المذهب في تقدم الإمام على المأموم بركن أو ركنين.
فإن سبقه الإمامُ بركنين في هذه الصورة التي نحن فيها، فتبطل صلاة المأموم، وإن سبقه الإمام بالركوع، ولكنه أدركه عند اعتداله -ونحن قد نقول: إن هذا المقدارَ من التقدم لا يضر (1 في أثناء الصلاة 1) في حق غير المسبوق- فهاهنا إذا خالف المسبوقُ، فسبقه الإمام إلى الاعتدال، أما الركعة، فقد فاتت، وفي بطلان الصلاة وجهان: أحدهما - لا تبطل؛ فإن هذا المقدارَ من التقدم غيرُ ضائر.
والثاني - أن الصلاة تبطل؛ فإنه ترك متابعة الإمام فيما فاتت الركعة لأجله، فكأن الإمام سبقه بركعة، وليس كما لو جرى مثل ذلك في أثناء الصلاة، في حق من ليس بمسبوق.
فإن قلنا: تبطل صلاته، فلا كلام.
وإن قلنا: لا تبطل، فلا ينبغي أن يركع؛ فإنه لو ركع لم يكن الركوع محسوباً له، ولكن ينبغي أن يتابعَ الإمامَ الآن، فيما يأتي به من هُويه إلى السجود، ويقدر كأنه أدركه الآن، ثم لا تحتسب له هذه الركعة.
فأما إذا قلنا: إنه يتمم القراءة، فإن تممها وأدرك الإمام راكعاً، فقد حصل تمامُ الغرض، وإن رفع الإمامُ رأسه من الركوع واعتدل، فالمأموم يركع ويرفع وهو مدرك للركعة، معذورٌ في تخلفه، ولو تجاوز الإمامَ، وسبقه بأركان، فلا يضر ذلك.
واستقصاء القول في هذا يتعلق بمسألة الزحام على ما سيأتي إن شاء الله.
1210 - ومن تمام البيان في ذلك أن أبا زيد إذا فصل بين أن يُقصِّر وبين أن يبتدِر، فمن تمام كلامه في ذلك أنه لو لم يقصر، فإذا ركع 2 الإمام، ففي المسألة وجهان: في أنه يتم القراءة، أو يقطعها، كما تقدم ذكرهما، والتفريع عليهما.
وإن كان مقصراً، فليقرأ من الفاتحة بقدر تقصيره، فإن رفع الإمام رأسه من1

الركوع، فالتفريع الآن كالتفريع فيه إذا أمرناه بالركوع، فخالف أمرنا، وقرأ حتى فاته الركوع، وقد مضى بيان ذلك.
فرع: 1211 - في إدراك التكبيرة الأولى من صلاة الإمام رغائبُ وأخبار مأثورة، وقد اختلف أئمتنا في أنه متى يصير مدركاً لفضيلة التكبير؟ فمنهم من قال: إذا أدرك الركعة الأولى ولو بإدراك الركوع، فقد أدرك الفضيلة، فإدراكها مربوط بإدراك الركعة الأولى، وهذا سرفٌ ومجاوزة حدّ.
ومنهم من قال: إذا أدرك شيئاًً من قيام الركعة الأولى، فقد أدرك الفضيلة، وإن لم يدرك الإمامَ إلا راكعاً، فهذا قد أدرك الركعة، وفاتته الفضيلة في التكبيرة.
ومنهم من قال: المدرك من يكبّر الإمام في [شهوده] 1 وحضوره، ثم يتعقبه في عقد الصلاة، على العقد المرعي المرضي في الاتصال.
وهذا هو الأظهر عندي؛ فإن من جرى التكبير في غيبته لا يسمى مدركاً لتكبير العقد، ولا شك أن [من] 2 يجعله مدركاً لها بإدراك القيام؛ فإنه يجعل 3 الاتصال في العقد.
والشهود أفضل وأكمل.
وذكر بعض مشايخنا في ذلك تفصيلاً، فقال: إن شغله عن الصلاة أمرٌ من أمور الدنيا حتى ركع الإمام، فهو غير مدرك للفضيلة، وإن أقعده عذرٌ، ثم أدرك الركعة الأولى، فهو مدرك.
1212 - وهاهنا دقيقة لا بد من الاهتمام بها، وهو أن من قصر، ولم يكبر حتى ركع الإمام، فكبّر وركع، فهو مدرك وفاقاً، ولا أثر لتقصيره بغيبته أو تأخيره في حضوره؛ فإنه إنما يلحقه حكم الجماعة إذا تحرم، فأما دَرْك الفضيلة، فلا يبعد أن نفصل فيها بين المقصر والمبتدر؛ فإن الغرض من الحث على التكبيرة الأولى الدعاء إلى ترك الملهيات، والبدارُ إلى الصلاة، فليفهم الناظر ذلك.

فصل في تأخُّر المأموم عن الإمام، وفي تقدمه عليه: 1213 - فنقول: أما تكبيرة العقد، فيجب أن يتقدم الإمام بها 1، ويقع ابتداء تكبيرة المأموم بعد فراغ الإمام من التكبير، فلو ساوقه المأموم، لم يجز أصلاً، وجوز أبو حنيفة 2 ذلك.
فأما ما عداها من الأركان، فيقتضي أدب الشرع فيها أن يتقدم الإمام بالركن، ثم يتلوه المقتدي قبل أن يفارق ذلك الركن، فإذا ركع، ركع بعده، بحيث يدركه في الركوع، فلو ساوقه، وجاراه في سائر الأركان، جاز ذلك، والأولى ما قدمناه.
ولو ساوقه في التسليم، [جاز قياساً على سائر الأركان، وكان شيخي قال مرة: التسليم] 3 كالتحريم، فلا تجوز المساوقة فيه، وهذا زلل، غير معدود من المذهب.
فإذا وضح ذلك فيه، فنذكر تقدم الإمام، ثم نذكر تقدم المأموم.
1214 - (4 فإذا تقدم الإمام على المأموم 4) من غير عذرٍ بركنٍ، فالذي أطلقه الأصحاب اختلافٌ في ذلك، فقالوا: من أصحابنا من قال: إن تقدم بركنين، ولابس الثالث، بطلت القدوة والصلاة، وإن تقدم بركن واحد ولابس الثاني، لم يضر.
ومنهم من عدّ التقدم بركنٍ واحد وملابسة الثاني مبطلاً، وإنما يتم هذا بفرض القول في الركوع مثلاً.
فنقول: إذا ركع الإمام، وتخلّف المأموم قائماً من غير عذر، حتى رفع الإمام رأسه، واعتدل، ثم هوى، فسجد، فكما 5 لابس الإمام السجود، حكمنا ببطلان4

صلاة المأموم؛ فإن الإمام قد سبق بالركوع، والاعتدال، وهو قائم، ولابس الركن الثالث، ولا يتوقف بطلانُ الصلاة على أن يرفع رأسه من السجود، والمأموم بعدُ قائم وفاقاً.
ولو رفع الإمام رأسه من الركوع، والمأموم بعدُ قائم، فهل تبطل بهذا المقدار صلاة المقتدي؟ فعلى وجهين مشهورين.
ثم ذهب بعض الأصحاب إلى أخذ هذا الخلاف من التردد في أن الاعتدال عن الركوع ركن مقصودٌ أم لا؟ فإن قلنا: إنه ركن مقصود، فقد فارق الإمامُ ركناً، ولابس آخر مقصوداً، فتبطل صلاة المتخلف، وإن لم نجعل الاعتدال ركناً مقصوداً، توقف الحكم بالبطلان على ملابسة السجود.
1215 - وهذه الطريقة وإن كانت مشهورة، فلست أرضاها؛ فإن الاعتدال من الأركان التي لا بد منها، ولو لم يكن مقصوداً وكان الغرض منه الفصل بين الركوع والسجود، للزم منه أن يقال: إذا فارق حدَّ الراكعين في انتصابه كفى، وإن لم يعتدل قائماً؛ لحصول الفصل، فلا تعويل على هذا عندي.
والوجه رد الخلاف إلى شيء [آخر] 1، وهو أن من أصحابنا من يقول: لا تبطل الصلاة ما لم يسبق بركنين، والمأموم بعدُ في قيامه، ومنهم من يقول: إذا اعتدل، فقد تحقق السبق بركن تام وهو الركوع، فكفى ذلك في الحكم بإبطال الصلاة، فإن اسم المسبوق قد حصل، فإذا تقدم الإمام، فركع، فتلاه المأموم، وأدركه في الركوع، فما سبق الإمام بركنٍ، بل سبق إلى الركن، وتابعه المقتدي.
وهو صورة المتابعة.
وإذا بقي قائماً حتى يرفع الإمام، فقد سبقه بركن على التحقيق.
1216 - ومن تمام التفريع في ذلك أنا إذا شرطنا سبقَ الإمام بركنين، فإذا رفع الإمام رأسه وهوى، ولم ينته بعدُ إلى السجود، فيظهر عندي أن نحكم ببطلان القدوة، وإن لم يلابس السجود، وإن كنا نشترط التقدّم بركنين؛ فإن التقدم يحصل بمفارقة الاعتدال، ولا يرفع ذلك ظن من يظن أن الاعتدال غيرُ مقصود، فلْيلابس السجودَ،

فإن ذلك باطل، كما تقدم، وأيضاً: فالإمام إذا لابس ركناً، لا يكون سابقاً به ما لم يفارقه، فلو صح ذلك، للزم ألا تنقطع القدوة، حتى يرفع الإمام رأسه من السجدة، والمقتدي بعدُ قائم.
فهذا تمام البيان في ذلك.
1217 - ولو فرض السبق في السجود ابتداء، لانتظم ما ذكرناه، فلو رفع الإمام رأسه من الركوع، والمأموم معه، فسجد الإمام ورفع، والمأموم في اعتداله، فهو كما لو بقي في القيام حتى ركع ورفع الإمام، وملابسة السجدة الثانية كملابسة السجدة الأولى، والتفريع كالتفريع.
غير أن من أصحابنا من يقول: الجلوس بين السجدتين من الأركان الطويلة؛ فيجعلها مقصودة، ومنهم من يجعلها قصيرة، فهي كالاعتدال من الركوع.
1218 - ومما يليق بتمام البيان في ذلك أن المأموم لو لم ينتسب إلى تقصير في تخلفه، ولكن الإمام أفرط في السرعة، وخالف عادته، فسبق بركن أو بركنين، فمن أئمتنا من يحكم ببطلان صلاة المقتدي، لوجود صورة السبق، ومنهم من قال: لا تبطل صلاة المقتدي لتمهد عذره.
وسيأتي شرح هذا في مسألة الزحام.
فهذا كله إذا سبق الإمامُ، وتخلف المأموم.
1219 - وأما إذا تقدم المقتدي، فركع قبل الإمام، أو رفع رأسه قبل الإمام، فالذي صار إليه الأئمة أن تقدُّمه مقيسٌ على تقدم الإمام عليه في الوفاق والخلاف حرفاً حرفاً.
1220 - وكان شيخي يقول: تقدم المأموم قصداً يُبطل صلاتَه.
حتى إذا ركع والإمام قائم، بطلت صلاتُه، وإن أدركه الإمام في الركوع.
وكان يوجّه هذا بأن التخلف صورةُ المتابعة.
فإن وجد فيه سرفٌ، ففيه خلاف، فأما التقدم على الإمام فمناقض لصورة الاقتداء، فكما 1 وقع أبطل، وكان يمثل بموقف الإمام والمأموم،

ويقول: تقدمُ المقتدي على الإمام في موقفه بأقل القليل يُبطل القدوة، وتأخره بالمسافة الكثيرة قد لا يبطل صلاته، وتعلق بأخبار فيها وعيد، منها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار" 1 وما ذكره وإن كان يتجه، فإني لم أره لغيره، فلا أراه من المذهب، والوجه ما قطع به الأئمة 2. ...

باب (1) موقف صلاة الإمام والمأموم

1221 - الباب يشتمل على نوعين: أحدهما - الكلام في رعاية أفضل المواقف وذكر الأَوْلى، والثاني - ما يجب رعايتُه في المواقف في الأماكن المختلفة.
فأما الأول فنقول فيه: إذا كان يصلي الإمام مع رجل واحد، فينبغي أن يقف ذلك الرجل عن يمينه، ولا يقف عن يساره، ولا وراءه، ولو وقف خلفه أو وراءه، صح.
والأصل فيه حديثُ ابن عباس: "فإنه ذكر أنه اقتدى برسول الله وحده في بيت خالته ميمونة، فوقف عن يساره فاقتدى، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرّه من ورائه حتى أوقفه على يمينه" 2، فدلّ ذلك على الأولى، والصبي الواحد كالرجل في هذا، فكان ابن عباس صبياً إذ ذاك.
ولو كان يصلي مع الرجل امرأة واحدة، فتقف وراء الإمام وتتستر به.
ولو كان يصلي مع خنثى وحده، فهو كالمرأة فيما ذكرناه.
ولو كان يصلّي مع الإمام رجلان، أو صبي ورجل، فإنهما يقفان ويصطفان وراءه.
وروي عن علقمة: "أنه دخل على ابن مسعود مع صاحب له، فدخل وقت الصلاة، فأقام أحدهما عن يمينه، والثاني عن شماله، وصلى بهما، ثم قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم" 3، والشافعي رأى هذا منسوخاً، واعتمد في1

الباب ما روى أنس أنه قال: "وقفت أنا ويتيم كان في البيت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم سليم خلفنا، فصلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" 1 فرأى الشافعي هذا ناسخاً لحديث ابن مسعود، وثبت عنده تأخر هذا الفعل، والله أعلم.
وفي بعض كلامه تقديم رواية أنس بأنه كان بحجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك، فرأى روايته أثبت، وما رُئي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد يصلي باثنين، وهذا أسلم من دعوى النسخ.
1222 - وإن كان يصلي برجل وامرأة، فليقف الرجل عن يمينه، وتقف المرأة خلف الرجل المقتدي، فتكون مستترة به عن الإمام، بعيدة عن المقتدي والتفاته.
وإن كان رجل وخنثى مع الإمام، فهو كالرجل والمرأة.
وإذا كان رجل وخنثى وامرأة، وقف الرجل عن يمينه، والخنثى وراءه، والمرأة وراء الخنثى، وتعليل ذلك بين.
وروى الشافعي بإسناده: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّ أنساً وعجوزاً منفردة خلف أنس" 2، وإن كان مع الإمام خنثى وامرأة، وقف الخنثى وراء الإمام، والمرأة خلف الخنثى، فهذا بيان ما يرعى في فضيلة الموقف.
1223 - ولو دخل المأموم المسجد، فلا ينبغي أن يقف وحده؛ فإن النبي صلى الله = في شرح النسائي: حملوا هذا الحديث على أنه لعلّه صلى الله عليه وسلم فعله لضيق المكان أحياناً، أو على النسخ.
وانظر أبو داود: 1/ 408، باب إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون، ح 613).

عليه وسلم نهى عن ذلك، فلو وقف وحده، صحت الصلاة مع الكراهية، والأولى لمن لا يجد موقفاً في الصف أن يجرّ أحداً من الصف، والأولى لذلك الواحد المجرور أن يساعده؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، فهذا مما يتعلق بغرضنا في هذا النوع.
1224 - فأما النوع الثاني، فنصدّره بأن نقول: المنصوص عليه في الجديد أن موقف المأموم إذا تقدم على موقف الإمام، لم يصح اقتداؤه.
وقال مالك: يصح اقتداؤه إذا كان يَشعر بصلاة الإمام 1. وهذا قولٌ للشافعي في القديم.
ولو كان موقف المأموم مساوياً لموقف الإمام، ولم يكن متقدماً ولا متأخّراً، جازَ، والأدب أن يتأخر عن موقف الإمام قليلاً.
ثم الاعتبار في الموقف بموقف العقبين من الأرض، فإن شخص المقتدي قد يكون أطول فيتقدم موقع رأسه، وإن تأخر ساوى موقع قدمه.
وذكرتُ العقب؛ فإنّ قدمَ أحدهما قد يكون أكبر من قدم الثاني، فالعبرة بما ذكرته بلا خلاف.
ومما يتعلق بهذا أن الناس يصلون في المسجد الحرام مستديرين حول الكعبة، والإمام الراتب وراء مقام إبراهيم في جهة الباب، فالذين يستديرون من وراء البيت وجوههم إلى وجه الإمام، وتصح الصلاة بلا خلاف، هكذا عُهد الناسُ في العُصُر الخالية، حتى كأن الكعبة هي الإمام، ولعل الحاجة أحوجت إلى تسويغ ذلك؛ فإن الناس يكثرون في المواسم، ولو كلفوا الوقوف في جهة واحدة، لتعذّر ذلك.
وقال الأئمة: إذا دخل الناس البيت، فالجهات كلها قبلة، فلا يمتنع أن يقف الإمام والمأموم متقابلين، كما ذكرناه في الاستدارة حول الكعبة.
1225 - واختلف أئمتنا في صورة وهي أنه إذا كان بين الإمام في جهة وقوفه، وبين

الكعبة عشرةُ أذرع، وكان موقفُ المأمومين في جهة أخرى من البيت أقربُ إلى البيت من هذا، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يجوز كما لو تقدم واحد في جهته، وكان أقرب إلى البيت.
والثاني - يجوز؛ فإن الجهة إذا اختلفت، فلا معنى لاعتبار المقايسة في المسافة؛ فإن اختلاف الجهة أعظم في الاختلاف من الاختلاف في القرب والبعد، (1 فإذا لم نمنع القدوة مع الاختلاف في الجهة والوقوف على هيئة التقابل، فلا معنى وراء ذلك في النظر إلى القرب والبعد 1).
وأما إذا اتّحدت الجهة، فيظهر أثر التقدم والتأخر.
فهذا بيان ذلك.
1226 - ثم نتكلم بعد هذا في المواقف في الأمكنة المختلفة: والوجه في الترتيب أن نذكر أفرادها والاجتماع فيها، أي في أفرادها، ثم نذكر وقوف القوم في أماكن مختلفة منها.
فأما القول في أفرادها، فيتعلق بالمسجد، والملك، والمواضع المشتركة.
1227 - فأما المسجد، فإذا تقدم الإمام وتأخر المقتدي، لم يضر بُعد المسافة -وإن أفرط- إذا كان المسجد واحداً.
وكذلك لا يضر اختلافُ المواقف ارتفاعاً وانخفاضاً، حتى لو وقف الإمام في المحراب والمقتدي على منارةٍ من المسجد، أو بئر، وكان لا يخفى عليه انتقالات الإمام، فالقدوة صحيحة؛ وذلك أن المكان مبنيٌّ لجمع الجماعات، فالمجتمعون فيه مجتمعون لإقامة الصلاة، فلا يؤثر البعد في المسافة.
وهذا متفق عليه.
ولو كان مسجدان باب أحدهما لافظٌ 2 في الثاني كالجوامع، فإن كانت الأبواب1

مفتوحة، فهما كالمسجد الواحد، ولا أثر لانفصال أحد المسجدين عن الثاني بالجدار، وإن كان الباب مردوداً، وكان صوت المترجم يبلغ في المسجد الثاني، وهما معدودان كالمسجد الواحد، فالمذهب الظاهر صحة الاقتداء، فإنهما كالمسجد الواحد.
وأبعد بعض أصحابنا، فمنع إذا لم يكن حالة الاقتداء منفذٌ؛ لأن أحدهما يعدّ عند رد الأبواب منفصلاً عن الثاني، ولا يعدّان مجتمعين عرفاً.
ثم من منع الاقتداء والباب مردود قالوا: لو كان الجدار الحائل بين المسجدين المانع من الاستطراق مشبكاً، لا يمنع من رؤية مَن هو واقف في المسجد الذي فيه الإمام، فعلى الوجه البعيد وجهان.
وما ذكر من رد الأبواب فالمراد إغلاقها، فأما إذا لم تكن مغلقة الأبواب، فهي كالمفتوحة قطعاً، والذي أرى القطعَ به جوازُ القدوة، وإن كانت الأبواب مغلقة، والجدارُ غيرَ نافذ إذا كان المسجدان في حكم المسجد الواحد، وباب أحدهما لافظٌ في الثاني، وهو المذهب، ولست أعد غيره من متن المذهب.
1228 - فأما إذا كان الاقتداء في مواتٍ مشترك في الصحراء، فقد قال الشافعي: "إذا كان بين موقف الإمام وبين موقف المأموم مائتا ذراع، أو ثلاثمائة ذراع، فيجوز الاقتداء، وإن زاد، لم يجز" 1. والذي يجب ضبطه قبل الخوض في التفاصيل، أن الشافعي لم يكتف في جواز الاقتداء بأن يكون المأموم بحيث يقف على حالات الإمام وانتقالاته، وقد نَقَلَ عن عطاء 2 أنه اكتفى بهذا في الأماكن كلها.
وبُلِّغت عن مالك 3 أنه صار إلى ذلك، ولم

يفصل بين بقعة وبقعة، وهذا قياس بيّن، ليس يخفى على المتأمل.
ولكن الشافعي راعى مع إمكان الوقوف على حالات الإمام أن يكون الإمام والمأموم بحيث يعدان مجتمعين في بقعة، وقال: من مقاصد الاقتداء حضور جَمْعٍ، واجتماعُ طائفةٍ على مكان عند الصلاة في الجماعة.
1229 - ولا يعد من الجماعة أن يقف الإنسان في منزله المملوك، وهو يسمع أصوات المترجمين في المسجد، ويصلي بصلاة الإمام، ثم معتمد الشافعي في الشعائر المتعلقة بالصلاة رعاية الاتباع؛ فإن [مبنى] 1 العبادات عليها وهذا حسن.
1230 - فإذا تبين ذلك، فالمسجد إن كان جامعاً للإمام والمقتدي، لم يضر إفراط البعد؛ فإن المسجد لهذا الشأن، فيحمل الأمر على أن المجتمعين فيه للصلاة متواصلان، فأما الصحراء الموات، فمحطوط عن المسجد، من جهة أنه ليس مكاناً مهيّأً لجمع الجماعات، وهي مشابهة من وجهٍ للمسجد؛ فإن الناس مشتركون فيه اشتراكهم في المسجد، فقال رضي الله عنه: لذلك: "لا يشترط في الموقف اتصال الصفوف"، ثم ضبَطَ القربَ المعتبر بثلاثمائة ذراع.
والأصح أن هذا تقريب منه، وليس بتحديد، وكيف يطمع الفقيه في التحديد، ونحن في إثبات التقريب على عُلالة؟ وقد قيل: اعتبر الشافعي في ذلك المسافة التي تنحى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفةٍ من أصحابه عن موضع القتال.
وقد قيل: إنها كانت قريبةً مما ذكرناه، فإنه تباعد تباعداً لا ينال المصلي فيه سهمُ الأعداء غلوة 2. ونبال العرب لا تنتهي إلى مثل هذه المسافة، وإنما تعلق الشافعي بذلك؛ لأن في بعض الروايات أن الذين كانوا في الصف في بعض الأحوال كانوا على حكم الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الرواية وإن كانت في صلاة ذات الرقاع، ولا يختار الشافعي العملَ بها، فهي صحيحة، وإذا عدمنا في محاولة الضبط [تقريباً] 3، اكتفينا بمثل هذا، وعددنا هذا نوعاً من التواصل.

1231 - وكنت أود لو قال قائل من أئمة المذهب: يُرعى في التواصل مسافةٌ يبلغ فيها صوتُ الإمام المقتدي، لو رفع صوتَه قاصداً تبليغاً على الحد المعهود في مثله، وهذا قريب مما ذكره الشافعي، وهو نوع من تواصل الجماعات في الصلاة، ولما لم ير الشافعي الاكتفاء بالاطلاع على حالات الإمام وانتقالاته، ولم يجد توقيفاً شرعياً يقف عنده، [أخذ يتمسك بالتقريب، فجز ذلك اختلافاً] 1 في بعض الصور على الأصحاب.
1232 - ومما يتصل على القرب بما نحن فيه أن الأمام لو كان وحده، والمأموم بعيدٌ عن 2 الحد الذي راعيناه في التقريب، فالكلام على ما مضى.
ولو قرب من الإمام صف أو واحد، فقُرْب هذا الثاني يقاس بالمقتدي بالإمام [لا بالإمام] 3، وإنما يرعى ثلاثمائة ذراع بينه، وبين آخر واقف في الصف الذي صح اقتداؤهم.
1233 - وفي بعض التصانيف أنا نرعى المسافة بين المأموم البعيد وبين الإمام، وهذا مزيف لا تعويل عليه، ولكن لا بد من ذكر معناه مع بعده، لأني وجدت رمزاً إليه لبعض أئمة العراق.
فأقول في بيانه: إن تواصلت الصفوف على المعهود من تواصلها، فقد يكون بين الواقف الأخير وبين الإمام ميل، أو أكثر، والقدوة صحيحة، والتواصل ثابت، فأما إذا لم يحصل التواصل المألوف، ولكن وقف الإمام، ووقف صفٌ، وبعُد الواقف الذي نتكلم فيه، فالمذهب المبتوت المقطوع به، أنا نرعى المسافة بينه وبين آخر واقف صح اقتداؤه في جهته.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل