نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 325-364
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 325-364
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وعندي أن جميع ذلك غيرُ معدود من مذهب الشافعي؛ فإنه ينشأ من قول قديم له في الشمس، وقد ذكرنا أن القول القديم مرجوع عنه، غيرُ معدود من المذهب.
والذي يحقق ذلك أنا لو فتحنا هذا الباب في النجاسات، فليت شعري ماذا نقول في صخرة صماء أصابتها قطرة من بول، ثم صب عليها دُفعُ الخلِّ الرقيق الثقيف 1 في حدورٍ وصبب! فنعلم قطعاً أن تلك القطرة قد زالت، ولم يبق منها أثر، فإن كنا نرعى زوال عين النجاسة، فينبغي أن نحكم بطهارة تلك الصخرة [على هذه الصورة، ولا يسمح بها أحد ينتحل مذهب الشافعي،] 2 وهذا لازم قطعاً على هذا القياس.
فرع: 1105 - إذا فرعنا على القديم، وقلنا: الشمس تطهّر الأرض، وكذلك النار، فلو أصابت النجاسةُ ثوباً، ثم أثرت الشمس فيها، فانقلعت آثار النجاسة، فقد قال أبو حنيفة: لا يطهر الثوب بهذا، وإنما تطهر الأرض؛ فإن في أجزاء.
التراب قوة محيلةً تحيل الأشياءَ إلى صفة نفسها، وهذا لا يتحقق في الثياب.
وأصحابنا نزلوا الثوب منزلة الأرض، وما ذكره أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه غيرُ بعيد، فليخرج الثوب على وجهين -إن قلنا الشمس تطفَر الأرض- لما ذكرته من الفرق بينهما 3. ثم ذكر بعض المصنفين: أنا إذا حكمنا بأن الثوب يطهر بالشمس، فهل يطهر بالجفاف في الظل؟ فعلى وجهين.
وهذا في نهاية البعد، ثم لا شك أن نفس الجفاف لا يكفي في شيء من هذه الصور؛ فإن الأرض تجف بالشمس على قرب، ولم تنقلع بعدُ آثار النجاسة، والمرعي انقلاع الآثار على طول الزمان 4 بلا خلاف، وكذلك القول في الثياب.
فرع: 1106 - الآجُرُ الذي كان عُجن بالماء النجس في طهارته كلام، فإن قلنا: إنه نجس -وهو المذهب والقول الجديد- فلو نقع في الماء زماناً، لم يطهر باطنه، فقد

استحجر، ولا يتغلغل الماء إلى أجزائه الباطنة، بخلاف اللَّبِن الذي عجن بماء نجس، ثم صُب عليه الماء، فنفذ؛ فإن هذا ينزل منزلة الأرض النجسة يُصبُّ عليها الماء كما تقدم، فإذا تبين أن باطن الآجُر لا يطهر، حيث انتهى التفريع إليه، فهل يطهر ظاهره إذا أفيض الماء عليه حتى تصح الصلاة عليه؟ قال القفال: يطهر ظاهره؛ فإن الماء يصل إليه، وقال الشيخ أبو حامد: لا يطهر؛ فإنه صار بتأثير النار مستحجراً، فلا يؤثر صب الماء في قلع شيء منه، فلا تزول نجاسة ظاهره بجريان الماء عليه.
والأمر في ذلك مفصل عندي: فإن كانت نجاسة الآجر بسبب أنه عُجن ببول أو ماء نجس، فالوجه القطع بأنه يطهر من ظاهره؛ فإن النار قد سلبت الماء، وطيرته قطعاً، ولكنا في التفريع على الجديد لا نحكم بطهارته تعبُّداً، حتى يستعملَ الماء، فإذا جرى الماءُ على ظاهره، فلا يبقى بعد ذلك عذر.
فأما إن كان سببُ نجاسة الآجر أنه كان خُلط ترابه بالزبل أو الرماد النجس -على الجديد- فلا يطهر ظاهرُه بصب الماء عليه؛ فإن تلك الأعيان مستحجرة لا يزيلها الماء من ظاهر الآجر.
وهذا التفصيل لا بد منه، فإن كان أبو حامد يخالف في طهارة ظاهر الآجرّ وسببُ نجاسته ماءٌ نجس، فلا وجه لخلافه، وإن كان القفال يقول في الآجر الذي سبب نجاسته الزبل والرماد النجس: إنه يطهر ظاهره، فلا وجه لقوله.
وإن كانا يُفصِّلان، فلا خلاف بينهما إذاً.
هذا تفصيل القول في الأسباب التي تُزيل حكمَ النجاسة، على الوفاق والخلاف.
فصل قال: "والبساط كالأرض ... إلى آخره" الفصل 1 1107 - ذكرنا فيما تقدم تقاسيمَ القول في النجاسات، ثم ذكرنا بعدها ما يزيلها، ومضمون هذا الفصل ما يجب التوقي عنه في البدن، والثوب، والمصلَّى.

1108 - فإن كان على بدنه نجاسة لا يُعفى عنها، لا تصح صلاته، وإن كان حاملاً نجاسة، لا تصح صلاته، فإن حمل حيواناً طاهر العين، جاز، ولا حكم للنجاسات التي يحتوي عليها جوفُه.
نعم منفذ ذلك الطائر قد لاقته النجاسة البارزة منه، وذلك جزء ظاهر نجس.
فمن أئمتنا من قال: يُعفى عن هذا القدر إذا لم تكن النجاسة باديةً.
ومنهم من جرى على القياس، ومنع صحة الصلاة.
فعلى هذا قالوا: إذا اقتصر الرجل على الأحجار في الاستنجاء، فالأثر اللاصق بمحل النجو نجس، ولكنه نجس معفوٌّ عنه في حق المستنجي، فلو حمل مصل هذا الشخصَ في صلاته، ففي صحة صلاته وجهان: أحدهما - الصحة؛ فإن الأثر معفو عنه، ولا حكم له.
والثاني - أنه لا يصح؛ فإن العفو مختص بالمستنجي، فلا يتعدى إلى الحامل، والخلاف في المقتصر على الأحجار أظهر، من جهة أن الشرع طهَّر أثرَه بالعفو عما به، ولم يُطَهِّر ذلك في الحيوانات المحمولة، فالوجه القطع فيها بالمنع.
1109 - ولو حمل المصلي بيضة مَذِرةً، حشوها دمٌ، فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: النجاسة المستترة بالقيض 1 لا حكم لها؛ فإنها مستترة استتار خلقة، فأشبه النجاسات الكائنة في جوف الحيوان المحمول.
ومنهم من قال: حكمها حكم النجاسة البادية؛ فإن نجاسة الحيوان تدرأ حكمها حياةُ ذي الروح، وللحياة أثر في دفع النجاسات، والبيضة جماد.
وهذا الخلاف يجري فيمن حمل عنقوداً، قد استحال باطن حباته خمراً، ولكنها مستترة بالقشور من غير رشحٍ.
ولو حمل المصلي قارورة مُصَمَّمَة الرأس فيها نجاسةٌ، فظاهر المذهب أن صلاته تبطل؛ فإن هذا الاستتار ليس من جهة الخلقة، وخرّج ابن أبي هريرة 2 ذلك على

وجهين كالبيضة المذرة، وهذا مردود عليه.
ولو حمل نجاسةً ملفوفة في خرقة أو قرطاسٍ، أو ما أشبههما، فلا أتخيل في ذلك خلافاً، وإنما ذكر ابن أبي هريرة الخلاف فيما يضاهي سترُه للنجاسات سترَ البيض، بحيث لا يتوقع بروزها وظهورها بوجه.
فإذا قد ظهر أنا نشترط طهارةَ بدنِ المصلي وثيابِه، التي هو لابسها، وكل ما يلقاه عضو من أعضائه في الصلاة، فلا بد من طهارة موطىء قدميه وموضع أعضاء سجوده؛ فإن الثوب الذي هو لابسه منسوب إليه في الصلاة ملبوساً، والذي يلقاه منسوب إليه ممسوساً، وإذا تحققت الملاقاة بين المصلي والنجاسة، فاختلاف السبب بعد ذلك لا أثر له، ولا بد للمصلي من مكانٍ يصلي عليه، كما لا بد من ثوب يلبسه.
1110 - ولو كان يحاذي بدنَ المصلِّي في سجوده نجس [وكان لا يلاقيه بدنُه ولا ثوبُه، مثل أن يكون على حيال صدره في السجود نجس،] 1 ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الصلاة صحيحة لانتفاء الملاقاة.
والثاني - أنها باطلة؛ فإن القدرَ الذي يوازي الساجد ويسامته منسوب إليه (2 مختص به، كما أن قميصه الفوقاني الذي لا يلقَى بدنَه منسوب إليه 2) على الاختصاص باشتراط طهارته، وإن كان لا يلقاه، فهذه الأصول التي تشترط فيها الطهارة.
1111 - وإذا كان يصلي على بساط، وكان يلاقي أعضاؤه في السجود، ويسامتُ بدنُه وثيابُه طاهراً 3، وكان طرف ذلك البساط نجساً، فلا يضرّ نجاسةُ ذلك الطرف، ولا فرق بين أن يكون ذلك الطرف بحيث يتحرك بحركة المصلي أو لا يتحرك، ولا حاجة إلى تعليل البينات.2
= 11/ 304، تاريخ بغداد 7/ 298 وشذرات الذهب: 2/ 370، وطبقات الشيرازي: 112).

1112 - ولو كان يصلي على بساطٍ صفيق، وكان الوجه الذي يلي الأرض نجساً، ولا نجاسة على الوجه الذي يلي المصلي، صحت الصلاة، ولا يضر نجاسةُ الوجه الذي لا يلي المصلي، وهو بمثابة ما لو كان يصلي المصلي على طبقة طاهرة من أرض، وكان وراءها نجاسة مستترة، بالطبقة العالية، فلا أثر لها، فالصلاة صحيحة.
1113 - ولو كان المرء يصلّي، وكان يحتك في قيامه بجدار نجس، فصلاته باطلة، لملاقاة النجاسة.
ولو كان على رأسه طرف عمامة وكان طاهراً، وكان الطرف الآخر من العمامة نجساً، وكان ملقى على الأرض متضمخاً بالنجاسة، فالصلاة باطلة، فاتفق 1 أصحابنا عليه؛ فإن تلك العمامة تعد من ملبوساته، وإن كان ذلك الطرف بعيداً عنه، ولا فرق بين أن يتحرك ذلك الطرف بحركته وبين أن يكون بحيث لا يتحرك بحركته.
وهو كما 2 لبس قميصاً طويلاً عليه، وكان بحيث لا يرتفع طرف ذيله بارتفاعه، (3 وكان نجساً، فالصلاة باطلة.
ولو كان بيد المصلي طرف طاهر من حبل والطرف الآخر نجس، وهو بحيث لا يتحرك بارتفاعه 3) وانخفاضه، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا تصح صلاته، كطرف العمامة.
والثاني - تصح؛ فإن العمامة منسوبة إليه لبساً؛ إذ أحد طرفيه مُكوّر على رأسه، والملبوس وإن طال، فالمصلي مأخوذ بطهارته كالقميص وإن كان مستمسكاً بطرف الحبل؛ فليس الحبلُ ملبوسَه، وليس الطرف النجس محمولَه، فإنه لا يرتفع بارتفاعه.
ولو استمسك بطرف عمامة على هذه الصورة، لكانت المسألة مختلفاً فيها كالحبل.3

ولو كان شد الطرف الطاهر من الحبل على حبله 1، أو وسطه، والطرف النجس مُلقىً على الأرض، لا يتحرك، فقد ذكر العراقيون وغيرهم في هذه الصورة وجهين أيضاً؛ فإنه ليس للحبل إليه انتسابٌ، إلا من جهة التمسك، وإن شده على يده 2 أو وسطه، فهو استيثاق للإمساك، وليس بلُبس.
ولو كان طرف الحبل بيده والطرف الآخر ملقى على نجاسة يابسةٍ، فهو كما لو كان ذلك الطرف البعيد نجساَّ، فيخرّج على الخلاف المقدم، فلا فرق بين نجاسة الشيء وبين وقوعه على الشيء النجس.
1114 - ولو تمسك بطرف حبل، والطرف الآخر مشدود في عنق كلب، فهو كما لو كان ملقى على نجاسة يابسة، ولو كان الطرف المشدود على الكلب غيرَ بعيد من المصلي، وكان بحيث لو مشى الكلب به، لكان المصلي حامله، فهذه الصورة مرتبة على ما إذا كانت بعيدة، وهي أولى باقتضاء البطلان، وفيها احتمال من جهة أن المصلي ليس حاملَه، ولو كان الطرف الآخر متعلقاً بساجور 3، والساجور في عنق كلب، ففي هذه الصورة وجهان مرتبان على الوجهين، فيه، إذا كان الحبل يلقى جِرم الكلب، وصورة [الساجور] 4 أولى بالصحة؛ فإن بين الكلب وبين طرف الحبل واسطة وهي الساجور.
ولو كان طرف الحبل في عنق حمار، وعلى الحمار نجاسة، فهذه الصورة مختلف فيها، وهي أولى بالصحة من صورة الساجور؛ فإن الساجور لا يبعد أن يعد

جزءاً من الحبل، والحمار ليس جزءاً من الحبل أصلاً.
ولو كان طرف الحبل متعلقاً بسفينة فيها نجاسة، فإن كانت بحيث تنجرّ بالحبل لو جُرّت، فهذه الصورة كصورة الشد على عنق حمار، وإن كانت السفينة بحيث لا تنجر بالحبل لكبرها، فالوجه القطع بصحة الصلاة، فإن الحبل يتعلق بطاهرٍ، ووراء متعلَّقه النجاسة، وليست السفينة جزءاً من الحبل، ولا بحيث تنجر بحركة الحبل، فكان ذلك كما لو كان الحبل متعلقاً بباب بيت، وفي البيت نجاسة.
وذكر العراقيون اختلافاً في السفينة الثقيلة والحبل؛ فإن السفينة على حالٍ تجر بالحبال، وهذا بعيد جداً.
وقد زيف العراقيون الخلاف فيه، وإن حَكوه، والوجه القطع بالصحة.
ولو كان أحد طرفي الحبل متعلّقاً [بالكلب] 1 من غير واسطة، والطرف الآخر تحت قدم المصلي، فتصح صلاته وجهاً واحداً، فإن هذا الطرف في حكم البساط، ولو كان الطرف الذي يصلي عليه المصلي طاهراً، وكان الطرف الذي لا يلاقي المصلّي ولا يسامته نجساً، لم يضر ذلك، وقد قطعنا به فيما تقدم.
1115 - فخرج مما قدمناه أن كل ما ينتسب إلى المصلي ملبوساً، فهو مؤاخذ بطهارة جميعه، فلو كان طرفٌ منه نجساً أو ملقى على نجاسة، لم تصح الصلاة، طال أو قصر.
وإن كان ينتسب إلى المصلي انتساب البساط بأن كان تحت قدمه، فإنما يؤاخذ المصلي بطهارة ما يلاقيه أو يوازيه.
وإن كان ينتسب إليه من جهة الحمل، فمن ضرورة ذلك أن يكون المصلي رافعه وشايله 2، وإن انتسب إليه بتمسكه به، والطرف الآخر نجس، وما كان المصلي شايله، ففي هذا الاختلافُ [والتفصيل] 3، والفرقُ بين أن يكون واسطة أو لم يكن،

ثم الفصل بين أن تكون الواسطة الطاهرة ساجوراً، أو حيواناً، أو صفيحةً طاهرة في سفينة، وحشوها نجس.
فصل 1 1116 - إذا كان المصلي على بساطٍ نجسٍ، وكان فرشَ إزاراً سخيفاً 2 مهلهل النسج، ذكر الأئمة فيه خلافاً، من حيث إنه يُعد حائلاً، والظاهر المنع؛ لأن المصلي وثوبَه الذي هو لابسه يلقى البساط النجس من خلال الفُرَج في أثناء النسج السخيف، والمسألة مصورة في البساط النجس الجاف.
1117 - وإذا منعنا الرجل من الجلوس على الحرير، فبَسَطَ فوقه إزاراً صفيقاً، فجلس عليه، جاز.
فلو بسط إزاراً سخيفاً، كما ذكرناه، ففي جواز الجلوس عليه التردد الذي ذكرناه في البساط النجس في حق المصلي.
فصل 1118 - المحدِث يدخل المسجد عابراً وواقفاً، والجنب يدخل المسجد عابراً، ويحرم عليه اللُّبث فيه، والحائض إن كان يُخشى منها تلويث المسجد، فهي ممنوعة من الدخول، وليس ذلك من خصائص أحكام الحيض؛ فإنَ من به سلسُ البول، واسترخاء الأسفل، أو جراحة نضاحة بالدم، بحيث يُخشى منه التلويث، يُمنع من دخول المسجد.
وإن كان لا يخشى منها التلويث، فهي ممنوعة من المكث، وهل تمنع من العبور؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنها تمنع؛ لأن حكم الحيض أغلظ من حكم الجنابة.
والثاني - وهو الذي اختاره الصيدلاني وقطع به، أنها كالجنب في جواز العبور،

وإنما اختار هذا؛ لأن إثبات حكم [جزئي] 1 لاعتقاد افتراق كلي لا يتجه.
وهو بمثابة قولنا: لا يحرم على الجنب ذكر الله، ولا يحرم أيضاً على الحائض، ولا يجب من افتراقهما في أحكامٍ لا تعلق لها على الاختصاص بما نطلبُه أن يفترقا فيما نحن فيه.
ويمكن أن يقال: المسلمون مستوون في المسجد؛ فإنه بيت الله، والمؤمنون عباد الله على إضافة التخصيص والتشريف، والمُحْدِث يصحُّ اعتكافه، ولا يحرم عليه اللُّبث، والجنب يحرم عليه الاعتكاف، فلم يكن من أهل اللُّبث؛ إذ لو كان من أهله، لكان من أهل الاعتكاف، والعبور لا يحرم عليه؛ فإنه ليس فيه ما يقتضي تحريم العبور، فلتكن الحائض التي لا يخشى عليها 2 التلويث كذلك.
ثم العبور الذي يتّجه هو على الاعتياد والاقتصاد؛ فلا نأمره بالإسراع في المشي، ولعل الضبطَ فيه ألا يعرج في موضع بخط تعريجاً يقضي بأن مثله يكون أقلَّ ما يجزىء في الاعتكاف، إذا جرينا على أن الاعتكاف شرطه اللّبث.
ثم لا نؤاخذ العابر بسلوك أقصد الطرق، وكيف يُظن هذا، وله أن يدخل المسجد ابتداءً عابراً، وإنما يتخيل هذا الفرق على مذهب أبي حنيفة 3، فإنه لا يرى للجنب أن يدخل المسجد، لكن لو كان فيه، فاحتلم، فيخرج.
ثم قال: إنه بالخيار إن شاء انتحى أبعد الأبواب، وإن شاء خرج من السبيل الأقرب.
ولكن لا ينبغي للعابر عندنا أن يتردد في أكناف المسجد، معتقداً أن له أن يمشي؛ فإن التردد في غير جهة الخروج في حكم المكث.
وهذا بيّن.
1119 - وأما الكافر؛ فإن لم يكن جنباً، فله أن يدخل المسجد بإذن واحدِ من المسلمين، وهل له أن يدخل من غير إذن؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يدخل؛ فإن الكافر ليس من أهل من يقيم في المسجد، فكأن المسجدَ يختص بالمسلمين اختصاصَ دار الرجل به.

والثاني - أنه يدخل؛ فإنه بالجزية، صار من أهل دار الإسلام، (1 والمسجد من المواضع العامة في دار الإسلام 1)، فشابه الشوارع التي يطرقها الكافة.
وإن كان الكافر جنباً، فهل يجوز تمكينه من المكث في المسجد؟ اختلف أئمتنا فيه، فمنهم من منع من ذلك؛ فإنه إذا كان يُمنع المسلم الجنب رعايةً لحق المسجد وحرمته، فلأن يمنع الكافر أولى.
ومنهم من قال: لا يمنع؛ فإنه ليس معتقداً لاحترام المسجد، ولا تتعلق تفاصيل التكليف به مادام كافراً، وكان الكافرون يدخلون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم -مع القطع بأنهم يجنبون- ويجلسون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطوّلون مجالسهم، وربط رسول الله صلى الله عليه وسلم ثُمامةَ على ساريةٍ في المسجد في القصة المشهورة 2. فصل 1120 - صح نهيُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في سبعة مواطن: "المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، وبطن الوادي، والحمّام، وظهر الكعبة، وأعطان الأبل" 3، وقد سبق الكلام على بعض ما اشتمل عليه الحديث.
1121 - والذي نبغيه الآن الحمَّامُ وأعطان الإبل، فأما نهيُه عن الصلاة في الحمّام، فنهيُ كراهية، وذكر الفقهاء معنيين: أحدهما - أنه لا يخلو عن رشاش وبَدْوِ عورات، والثاني أنه بيت الشياطين، وخرَّجوا على ذلك الصلاة في المسلخ، وإن علَّلنا النهي1

بالترشش وبدْو العورات، فهذا لا يثبت في المسلخ، وإن عُلّل بأنه بيت الشياطين، فقد يعم ذلك المسلخ.
ومما نتكلم فيه الصلاة في أعطان الإبل -نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها- وليس المراد بالأعطان المرابط التي يكثر البول والبعر فيها؛ فإنه عليه السلام نهى عن الصلاة في الأعطان، وسوغّ الصلاة في مرابض الغنم، ولو كان النهي للنجاسة، استوى الغنم والإبل.
والمراد بالأعطان أن الإبل قد تزدحم على المنهل، فتفرَّق أذواداً 1 كلما شرب ذود نُحِّي، حتى إذا توافت [استيقت] 2، فلا يكثر فيها الأبوال والأرواث، ومُراح الغنم يصور حسب تصوير أعطان الإبل، ثم سبب الفرق بينهما مذكور في الحديث، والإبل لا يؤمن نفرتها.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الإبل: "إنها جن خلقت من جن، ألا تراها إذا نفرت كيف تشمخ بآنافها، وقال في الغنم: إنها خلقت من السكينة؟ فإنها من دواب الجنة" 3. ...

باب الساعات التي تكره الصلاة فيها

1122 - قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهيُ عن الصلاة في خمسة أوقات، روى أبو ذر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة بعد الصبح، حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" 1، وروى عبد الله الصُّنَابحي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت، فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت، فارقها، فإذا دنت للغروب، قارنها، فإذا غربت، فارقها" 2، ونهى عن الصلاة في هذه الأوقات.
فإذاً الساعات التي تكره فيها الصلوات بلا سبب خمس: ثلاث منها تتعلق بالزمان من غير تأثير فعلى: أحدها - إذا دنا طلوع الشمس، فاختلف في ذلك، فقال قائلون: إذا بدت بوادي الإشراق، دخل وقت الكراهية إلى طلوع القرصة بتمامها، وقيل:

يمتد وقت الكراهية إلى استيلاء سلطان الشمس، فإن الشعاع يكون ضعيفاً في الابتداء، ثم يظهر ويُبهر، كما أنها إذا تطفلت 1 للغروب يضعف نورها، وظاهر الخبر يدلى على الوجه الآخر؛ إذ فيه: "فإذا ارتفعت فارقها"، وهذا يظهر الشعاع.
وأما الساعة الثانية، فوقت الاستواء إلى أن تزول.
وأما الساعة الثالثة، فوقت الغروب، وهذا إذا اصفرت الشمس، وقد ورد في النهي عن تأخير الصلاة إلى اصفرار الشمس أخبار تُحقِّقُ ما ذكرناه.
فأما الساعتان الباقيتان المتعلقتان بالفعل، فمن فرغ من فريضة الصبح، كرهنا بعدها كل نافلةٍ، لا أصل لها، ولا سبب، حتى تطلع الشمس.
ومن فرغ من فريضة العصر، كرهنا له إقامة ما لا سبب له (2 من النوافل حتى تغرب الشمس.
ووجه تعلقها بالفعل أن من غلس بصلاة الصبح، طال وقت الكراهية 2)، وإن أسفر بأداء الفريضة، قصر وقت الكراهية، وكذلك صلاة العصر.
1123 - ثم نتكلم بعد ذلك في الصلاة التي تكره في هذه الأوقات والتي لا تكره، ونتكلم في استثناء زمان واستثناء مكان.
فأما القول في الصلوات، فاعلموا أن الصلوات التي لها أسباب كالفوائت المفروضة، (3 وكذلك السنن الراتبة، إن قضيت في هذه الأوقات، لم تكره.
ونذكر أولاً قاعدةَ المذهب من الأخبار 3)، ثم نذكر التفصيل.
فقد وردت ألفاظٌ تدل على تعميم النهي من غير تفصيل، منها ما روى أبو ذر وابن الصنابحي، وقد وردت أخبار تدل على رفع الحرج على العموم من غير تفصيل، منها ما روى جبير بن مطعم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاًً، فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت، أية ساعة شاء من ليل أو نهار" 4.23

وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم إقامة صلاة في وقت مكروه، روت أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها بعد العصر فصلى ركعتين، قالت: فقلت لجاريتي تقدمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولي أَلستَ كنتَ نهيتنا عن الصلاة في هذا الوقت؟ فإن أشار إليك فاستأخري، فقالت الجارية ما رسمتُ، فأشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ، قال: "هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر، فشغلني عنها الوفد" 1 وروي أنها قالت: "أنقضيها نحن إذا فاتتنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا" 2 فقيل في ذلك: كان رسول الله إذا أقام نافلة، صارت وظيفة محتومة عليه، فقوله: لا.
معناه لا يفترض عليكم كما يفترض عليّ.
وسئل أبو سعيد الخدري عن حديث أم سلمة، فقال: كان صلى الله عليه وسلم يفعل ما يؤمر، ونحن نفعل ما نؤمر، وأشار إلى أن ذلك كان من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحديث الدال على التفصيل في النهي ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى قيس بن [قهد] 3 يصلّي بعد الصبح ركعتين، فقال: ما هاتان الركعتان؟ فقال: هما ركعتا الفجر، فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم 4 وقد روي = حبان، والدارقطني، والحاكم، وصححه الترمذي (ر.
التلخيص: 1/ 190 ح 276، والأم: 1/ 148، والمسند: 4/ 80، وأبو داود: ح 894 في المناسك، باب الطواف بعد العصر، والترمذي: الحج، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف، ح 868، والنسائي: مناسك الحج، باب إباحة الطواف في كل الأوقات، ح 2924، وابن ماجة: إقامة الصلاة، باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت، ح 1254، والإحسان: ح 1552، 1553).

عنه عليه السلام في الحديث الصحيح أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتُها لا وقت لها غيره" 1. 1124 - فمذهب الشافعي أنه لا يكره في هذه الأوقات إقامةُ الصلاة التي لها أسباب متقدمة، فالفوائت تقضى في هذه الأوقات والجنازة إذا حضرت لم تؤخر الصلاة.
وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا علي لا تؤخّر أربعاً وذكر من جملتها الجنازة إذا حضرت" 2، ولو اتفق دخول المسجد في وقت من هذه الأوقات، فالذي ذهب إليه الأئمة أنه يقيم تحية المسجد، و 3 هي صلاة لها سبب، وسببها الحصول في المسجد، وهو مقترن بالوقت.
وحكى الصيدلاني عن أبي عبد الله الزبيري أنه كان يكره إقامة التحية في هذه الأوقات، ويصير إلى أنها ليست صلاة مقصودة؛ إذ تقوم إقامة فائتة مقامها، وهذا متروك عليه.
وإذا جريتُ على طريقة الأصحاب، فلو قصد الحصول في هذه الأوقات لا عَنْ وفاق، فيقيم التحية من غير كراهية، كما لو قصد تأخير الفائتة إلى هذا الوقت، والزبيري يكره التحية، وإن كان دخول المسجد وفاقيّاً.
وركعتا الإحرام صلاةٌ وردَ الشرعُ بها، وقد رأيت الطرق متفقة على أنه يكره الإتيان = وترتيب مسند الشافعي: 1/ 57 ح 169، والسنن الكبرى: 2/ 456).

بها في الأوقات المكروهة، وعللوا ذلك بأن سبب هذه الصلاة متأخر عنها، وهو الإحرام، وحصوله غيبٌ، فلا يجوز الإقدام عليها لتوقع السبب بعدها، فالصلاة التي لها سبب في غرض الفصل هي التي يتقدمها السبب أو يقارنها.
وسجود التلاوة يقام في الأوقات المكروهة لتعلقها بسبب القراءة، وهذا متفقٌ لا كلام فيه.
ومما تردد الأئمة فيه صلاة الاستسقاء، وذهب الأكثرون إلى أنها تقام في الأوقات المكروهة، فإن سببها مقترن بها، ومن أئمتنا من لا يرى إقامتها فيها؛ فإنها لا تفوت، ولا يمتنع تأخيرها، فإيقاعها قصداً في الأوقات المكروهة ممنوعٌ، وهذا عند الأوّلين منقوضٌ بالفائتة؛ فإن قضاءها على التراخي، ثم لا يكره إيقاعها في هذه الأوقات، وقد يقول الفقيه في تأخير الفائتة خطرٌ؛ فإنها فريضة.
فهذا بيان مواضع الوفاق والخلاف فيما ليس له سبب.
1125 - فأما التنفل الذي يبتديه الإنسان، وليس فيه شرع على التخصيص، فهذا الذي نعنيه بالصلاة التي لا سبب لها، فهذا بيان ما يتعلق بالصلوات.
1126 - فأما استثناء الزمان، فقد روى أبو سعيد الخدري: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار، حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة" 1، فاختلف أئمتنا في ذلك فقال قائلون: هذا مختص بمن راح يوم الجمعة مهجراً 2، وحضر الجامع، وكان يغشاه النعاس في وقت الاستواء، فيصلي ركعتين لطرد النعاس، ولا كراهية، ولا يجوز في حق غير هذا الشخص للحالة المخصوصة التي ذكرناها.
وحكى الصيدلاني وجهاً آخر: أنه لا كراهية في يوم الجمعة [في شيء من الصلوات

والأوقات، فقد روي أن الجحيم لا تسعر يوم الجمعة 1] 2 فهذا مختص من بين سائر الأيام، وهذا ضعيف عندي.
1127 - فأما استثناء المكان، فقد روي أن أبا ذر أخذ بعضادتي الكعبة وقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا جُندب، [صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم] سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، إلاّ بمكة" 3. وقد اختلف أئمتنا في ذلك، فذهب الأكثرون، إلى استثناء مكة في جميع الصلوات والأوقات، لما روى أبو ذر، وذهب آخرون إلى أن المراد بالاستثناء ركعتا الطواف دون غيرهما من الصلوات.
وهذا فيه نظر؛ فإن صلاة الطواف تقع بعد الطواف، فيصير تقدم الطواف سبباً في اقتضائها، فهي صلاة لها سبب، ولا يظهر بها تخصيص، وأجمع الأئمة على أن إقامة الطواف المتطوع به في الأوقات المكروهة لا كراهية فيه، وقد روينا الخبر الصحيح فيه، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاًً، فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت في آية ساعة من ليل أو نهار" 4 فهذا تمام القول في ذلك.

1128 - ثم إذا أوقع المرءُ صلاة لا سبب لها في ساعة من الساعات المكروهة، حيث يمنع ذلك وينهى عنه، ففي صحة الصلاة وجهان مشهوران: أحدهما - تصح، فإنَّ الوقت على الجملة قابلٌ لجنس الصلاة، فالنهي عند هذا القائل كراهية في الباب.
والثاني - أن الصلاة لا تصح؛ فإن الصلاة لو صحت، لكانت عبادة، والعبادة مأمور بها، والأمر بالشيء والنهي عنه مقصوداً يتناقضان؛ وليس هذا كالصلاة في الدار المغصوبة؛ فإن النهي عنها مقصود في نفسه، ولهذا تعلقٌ بقاعدةٍ في الأصول وقررناها في موضعها.
1129 - ولو نذر الرجل صلاة في هذه الأوقات، فهو خارج على الخلاف، فمن أصحابنا من أبطل النذر، ونزله منزلة نذر صوم يوم العيد، ومنهم من صححه.
ثم الوقت لا يتعين بالنذر في الصلوات.
فإن قيل: فهل يجوز إيقاع هذه المِنذورة في الأوقات المكروهة؟ قلنا: لا شك على هذا الوجه في جوازها، فإنها صلاة مفروضة، فضاهت الفائتة وقضاءها.
وفي هذا بقية، ستأتي مشروحة، إن شاء الله عز وجل، في صوم يوم الشك والعيد.
فصل يتعلق بما نحن فيه 1130 - وهو أن المسبوق إذا دخل المسجد وصادف الإمام في فريضة الصبح، فلا ينبغي أن يشتغل بالسنة، بل يبادر الاقتداء بالإمام في الفريضة، ثم إذا فرغ منها، فليتدارك السنة.
وقال أبو حنيفة: إن علم أنه لو فرغ من السنة، أدرك ركعة من فريضة الصبح، فإنه يشتغل بالسنة.
وإن علم أن الجماعة في الفريضة تفوته، فإنه يقتدي حينئذ 1.

وقد استدل الشافعي على مذهبه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة" 1. ثم إذا فرغ من الفريضة، فالسنة مقضية، أو مؤداة؟ سيأتي القول في ذلك في التطوع، على إثر هذا إن شاء الله.
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة سوى المكتوبة، فالحديث صحيح مسندٌ، والمزني رواه موقوفاً على أبي هريرة.
فصل في قضاء النوافل 1131 - فنقول: النوافل تنقسم: فمنها ما علقت بأوقات مفردة كصلاة العيد، ومنها ما شرعت تابعة للفريضة كالنوافل التي تتأقت بأوقات الفرائض، ثم منها ما يقدُمُ الفرائض، ومنها ما يعقبها.
فأما ما انفرد منها بأوقات لها، كصلاة العيد، فالأصح أنه يقضى، وللشافعي قول آخر: "أنها لا تُقضى"، وقد ذكره شيخي، وحكاه صاحب التقريب، ولفظ الشافعي فيما حكاه صاحب التقريب عنه: "أن القياسَ والأصلَ أن لا تقضى فائتةٌ أصلاً".
ثم ما يتأقت من النوافل، ولا يتبع فريضة أولى بالقضاء عند الشافعي من النوافل التي تتبع الفرائض.
فتحصل في المؤقتات بأنفسها، وفي توابع الفرائض ثلاثة أقوال: أحدها - أنه

لا يقضى شيء منها أصلاً؛ فإن الأصل أن الوظيفة المؤقتة إذا فات وقتها، فقد فاتت، لأن صيغة التأقيت تقتضي اشتراط الوقت في الاعتداد بالمؤقت، فإذا انقضى الوقت، فليس الأمر 1 بالأداء أمراً بالقضاء، فإن ثبت في الصلاة المفروضة القضاءُ فبأمر مجدّد عند الشافعي، ثم الفرائض ديون، فإذا أثبت الشرعُ فيها عند الفوات مستدركاً فسببه 2 أنها لوازم، ولا يتحقق ذلك في النوافل.
والقول الثاني - أنها تُقضى؛ فإنها مؤقتة، فلتقض كالفرائض.
والقول الثالث - أن ما اختص منها بوقت، ولم يكن تابعاً لغيره، قُضي، وما هو تابع لا يقضى.
وكان شيخي يلحق صلاة الضحى بصلاة العيد في الترتيب، من حيث إنها مفردة بوقت، وليست تابعة لفريضة.
وأبو حنيفة 3 يقول في النوافل التابعة: إن فاتت الفرائض معها، قضيت مع الفرائض، كما كانت تؤدى مع الفرائض، وإن كانت فاتت وحدها، لم تقض، وليس في هذا التفصيل أثر ولا قياس.
التفريع: 1132 - إن حكمنا بأن النوافل لا تقضى، فلا كلام، وإن حكمنا بأنها تقضى، (4 فهل تتأقت أم تقضى 4) أبداً؟ فعلى قولين: [أحدهما -وهو اختيار المزني- أنها تقضى أبداً، وهو القياس، قال الصيدلاني: هذا أصح القولين] 5. والأمر على ما ذكره؛ فإن ما فات وقتُ أدائه، وثبت وجوبُ قضائه، فلا وقت أولى بالقضاء من وقت كالفرائض.
ْوالثاني - أنها إذا قُضيت تُقضى إلى أمد معلوم لا يتعدى.
ثم على هذا القول قولان في النوافل التابعة للفرائض: أحدهما - أن كل نافلة من التوابع فاتت، فإنها تقضى4

ما لم يؤدّ المرءُ الفريضة الأخرى المستقبلة، فإذا دخل وقتُها وأدَّاها، فقد انقطع وقت إمكان قضاء الفائتة.
وبيان ذلك أن من فاته الوتر، فطلع الفجر، قضاه 1، فإن هو صلى فريضة الصبح، فلا قضاء بعد ذلك.
وهذا القول يجري في التوابع كلها على هذا النسق، ووجهه أن الفريضة الآتية في الوقت المستقبل إذا أُديت، فقد انقطعت التبعية بالكلية باستفتاح الفريضة الآتية 2، والتوابع ما أثبتت مستقلة، وإنما أثبتت تابعة.
والقول الثاني - أن النظر إلى طلوع الشمس وغروبها في ذلك، فمن فاتته سنة ليلية، فإنه يتداركها، ما لم تطلع الشمس، ومن فاتته سنة نهارية كركعتي الفجر، فإنه يتدارك ما لم تغرب الشمس، واعتبار طلوع الشمس مع العلم بأن النهار الشرعي ابتداؤه طلوع الفجر محال.
فالقول السديد في ذلك أن الأصل أن لا تقضى النوافل، فإن قضيت، تقضى أبداً، كما ذكرناه.
وفي قضاء صلاة العيد، بقيّة ستأتي في كتاب صلاة العيد.
وصلاة الخسوف لا تقضى بعد الانجلاء بلا خلاف؛ فإنها في التحقيق ليست بمؤقتة، وهذا يؤكد 3 نفي القضاء في المؤقتات.
فأما صلاة الاستسقاء (4 فلا معنى لقضائها، فإن الناس وإن سقوا، فإنهم يأتون بصورة صلاة الاستسقاء 4) ويضمنونها الشكر 5. فهذا تفصيل القول في قضاء النوافل، وقد روى أبو سعيد الخدري قضاء الوتر عن4

النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "قال رسول الله: من نام عن صلاة الوتر أو نسيه فليقضه إذا أصبح" 1 وإذا صح خبر في نوع من النوافل، اتجه قياس الباقي عليه.
فرع: 1133 - كان شيخي يقول: من صادف الإمامَ في صلاة الصبح وابتدأ الاقتداء به، فإذا فرغ من الفريضة، استدرك ركعتي الفجر، ونوى الأداء؛ فإن الوقتَ باقٍ، وتقديم ركعتي الفجر أدب ورعايةُ ترتيب، والوجه ما قاله، ولو كانت مقضية، لاختلف القول في إمكان تداركها، والعلماء متفقون على أنها تستدرك في الصورة التي ذكرناها.
فصل في ترتيب النوافل في المناصب والمراتب، وبيان الأفضل فالأفضل منها: 1134 - فنقول: اتفق أئمتنا على أن أفضلها صلاةُ العيدين، والخسوفين، والاستسقاء، وهذه مُقدَّمةٌ على السنن التابعة للفرائض.
ثم أفضلها صلاةُ العيد، فإنها جمعت التأقيتَ وفيه مشابهة الفرائض، وشرعت الجماعة فيها، وهو أيضاً وجه بيّن في مضاهات المفروضات، ثم يليها صلاة الخسوف؛ فإن الجماعة مشروعة فيها، وفيها معنى التأقيت من جهة أنها تفوت كما تفوت المؤقتات بانقضاء الأوقات، وآخرها صلاة الاستسقاء، فالمرعي فيها التأقيت وشَرع الجماعة.
1135 - وهذه الصلوات الخمس مقدَّمة على أتباع الفرائض، ثم أفضلها ركعتا الفجر والوتر، وقد اختلف القول فيهما، فأحد القولين: إن الوتر أفضل من ركعتي الفجر؛ فإن وجوبه مختلفٌ فيه، وتركه على خطر.

والثاني: أن ركعتي الفجر آكد وأفضل، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا بما فيها" 1، وقال في صلاة الوتر: "إن الله تعالى زادكم صلاةً هي خير من حمر النَّعَم" 2، فالصلاة التي قدمت على الدنيا بما فيها آكد وأفضل.
وقالت عائشة: "ما كان يتسرع رسول الله إلى شيء تسرعه إلى ركعتي الفجر، ولا إلى غنيمة ينتهزها" 3. وكان شيخي يؤثر أن يقدم صلاة الضحى -من حيث إنها مؤقتة بنفسها- على النوافل الراتبة.
وليس الأمر على ما ذكره؛ فإن السلف ما كانوا يواظبون عليها، حسب مواظبتهم على النوافل الراتبة، فالذي أراه أنها مؤخرة عن جميع النوافل الراتبة التابعة للفرائض.
وقد قال الشافعي في الوتر: يشبه أن تكون صلاة التهجد، وهذا معناه عند المحققين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالتهجد، وقيل: كان فرضاً عليه، فقال الشافعي: المعنيّ بالتهجد في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: 79] صلاةُ الوتر، وهي التي كانت محتومة عليه، لا يتركها في حضر ولا سفر، وقد ورد في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "كتب علي ثلاثٌ، لم تكتب ْعليكم، وذكر من جملتها الوتر" 4، فإن قيل: قد سمى الله التهجد نافلة في حقه،

فقال: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79]، فقد قال المفسرون: زيادة لك؛ فإن نوافل غيره تقع جبراناً لنقصان الفرائض، وكانت فرائضه مبرأة من النقصان، فيقع تهجده زيادة طاعةٍ.
... = الضحى" رواه أحمد (واللفظ له) والدارقطني، والحاكم، والبيهقي.
وفي كل منها مقال.
(ر.
التلخيص: 2/ 18 ح 530، والمسند: 1/ 231، والدارقطني: 2/ 21، والبيهقي: 9/ 264، والحاكم: 1/ 300).

باب صلاة التطوع وقيام شهر رمضان

1136 - السنن الراتبة التابعة للفرائض قد اختلف فيها الأئمة وفي عددها، فقال قائلون: هي إحدى عشرة ركعة، ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، والوتر ركعة.
وزاد بعضهم ركعتين أخريين قبل الظهر، فيصير العدد ثلاث عشرة ركعة، ويقع قبل الظهر أربع ركعات.
وزاد بعضهم أربع ركعات قبل العصر، فمجموع الركعات سبع عشرة على حسب عدد الركعات المفروضات، وعلى الجملة المتفق عليه آكد مما تطرق الخلاف إليه، ولم يصح عن رسول الله المواظبة على صلاة قبل فريضة العصر حسب ما كان يواظب على سنة الظهر قبله وبعده.
وذهب بعض أصحابنا إلى استحباب ركعتين قبل فرض المغرب.
وقال أبو عبد الله الخِضْري: ليس لصلاة العشاء سنة ثابتة.
فهذا مجموع ما ذكر الأصحاب في السنن الراتبة.
فصل 1137 - السنن الراتبة كلها مثنى مثنى إلا الوتر على ما سيأتي التفصيل فيه، وإذا أراد الإنسان أن يتطوع بالصلاة ابتداء، فالأولى أن يأتي بها مثنى مثنى، أيضاً ليلاً ونهاراً، هذا مذهبنا.
وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة الليل 1

مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة يوتر بها ما قد صلى" 1. ثم لا خلاف أن الخِيَرة في التطوع الذي يبتديه المرء إليه في عدد الركعات، فلو أراد أن يصلي مائة ركعة بتسليمة واحدة، جاز، ولو صلى ركعة فَرْدةً، جاز عندنا، وإن كان نهاراً.
ثم إن صلى ركعات بتشهد واحد، جاز، وإن كان يقعد على أثر كل ركعتين، ثم يقوم، جاز، فإن تشهدين في أربع ركعات مفروضة موجودة.
فإذا كان عدد الركعات إلى المتطوّع، فكل أربع ركعات من جملة صلاته كأربع ركعات مفروضة.
وإن كان يجلس للتشهد في إثر كل ركعة، فهذا فيه احتمال؛ من جهة أنا لا نَلْقَى صلاة على هذه الصورة في الفرائض، والأظهر عندي جواز ذلك؛ فإن له أن يصلي ركعة فردة متطوعاً ويتحلل عنها، فإذا جاز له ذلك، جاز له القيام عنها، وزيادة ركعة أخرى.
والجملة فيه أن كل ما يجوز الاقتصار عليه والإتيان بتشهد التحلل في آخره، جاز الإتيانُ بالتشهد فيه مع القيام عنها، ولا يشترط أن تكون صورة الصلاة المتطوَّعِ بها مضاهيةً لصورة الصلاة المفروضة.
فعلى هذا لو كان يصلي ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة، وكان يقعد للتشهد في كل ثلاث ركعات، جاز ذلك.
1138 - ولكن وراء هذا إشكال سأبديه في آخر الفصل.
فأقول: إذا نوى أن يصلي ركعتين ويتشهد، ثم بدا له أن يزيد ركعتين، فليزد ما شاء، وليقم قاصداً إلى الزيادة على حكم الاستدامة، وهذا في التحقيق نيةٌ في أثناء الصلاة.
ولو كان نوى ركعتين، ثم قام إلى الركعة الثالثة ساهياً، ثم تذكر ولم يُرد الزيادة، فليرجع ويسجد للسهو، كما يفعل ذلك في الصلاة المفروضة.
ولو أراد أن يتمادى ويزيد، فله ذلك، ولكن هل يعود جالساً؟، ثم يقوم عن

قعود قاصداً زيادة أم لا يعود بل يتمادى؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يعود؛ فإن انتهاضه كان على حكم السهو، فلا يعتد به، ثم يلزم على هذا أن يسجد للسهو؛ لأن القيام الذي جاء به فقطعه صورة ركن زادها، وليس معتداً بها، وإن قلنا يمرّ ويتمادى ولا يرجع، فكأنا لا نرى انتهاضه سهواً فيتمادى ولا يسجد للسهو.
1139 - وقد ذكرت في باب سجود السهو أن المأموم إذا رفع رأسه قبل الإمام، ظاناً أن الإمام قد رفع، ثم علم أن الإمام في الركوع، فهل يرجع؟ فيه خلاف: من أصحابنا من قال: لا يجوز أن يرجع، ومنهم من قال: يجوز أن يرجع، ولم يوجب الرجوعَ أحد من أئمتنا، والسبب فيه أن تقدمه على الإمام قصداً جائز، كما فرَّعناه.
وهذه المسألة التي نحن فيها من التطوع فيها مشابهةٌ لتلك، ولكنْ بينهما فرق؛ فإن قيام المتطوع قصداً إلى ركعة زائدة من غير نية الزيادة في الصلاة، مبطل للصلاة، وقيام المقتدي قصداً قبل الإمام مع استدامة القدوة جائر، فإذا كان ساهياً حمل [عنه] 1، وكان في رجوعه تعديد صورة الركوع في ركعة واحدة، وفي رجوع المتطوع في الصورة التي نحن فيها قطع لقيام لو تعمده من غير قصد [الزيادة] 2، لأبطل صلاتَه، فإذا حصل سهواً، يجوز أن يؤمر به ليقطعه، فانتظم الخلاف في التطوع على وجهين، وهو أنه يرجع على وجهٍ لا محالة، ولو لم يرجع، بطلت صلاتُه، وفيه وجهين أنه لا يجوز أن يرجع، والخلاف في مسألة باب سجود السهو أنه في وجهٍ يجوز أن يرجع، وفي وجه لا يجوز أن يرجع، فأما إيجاب الرجوع ثَمَّ، فلا يجري أصلاً، وهذا بيّن لمن تثبت.
1140 - ولو نوى ركعتين ثم قام إلى الركعة الثالثة من غير سهو، ولم يقصد أن يزيد في أعداد ركعاته، فتبطل صلاته لا محالة.
ولو نوى أن يصلي أربع ركعات بتسليمة واحدة، ثم بدا له أن يقتصر على ركعتين، فليتشهد، وليسلم.

[ولو سلم ساهياً، لم يتحلل، فإذا تذكر، فإن أراد أن يكمل ما نوى أكمل، وسجد للسهو.
وإن أراد أن يقتصر، جاز، ولكن لا يكون سلامه تحلّلاً وجهاً واحداً، فإنه جاء بها غالطاً، فليسجد للسهو، وليسلّم عمداً] 1 ولو سلم عمداً، وما قصد الاقتصار على الركعتين، فتصوير هذا عسر، فإن لم يقصد به التحلل، فكأنه يقصد خطاباً وتكليماً عمداً، فتبطل صلاتُه، كما لو خاطب في جهةٍ أخرى عمداً.
1141 - وفي هذا الفصل دقيقة، وهي أن من سلم في آخر صلاته، فالأصح أنه لا يشترط نية الخروج من الصلاة، وإذا سلم المتطوع في أثناء صلاته قصداً، فإن قصد التحلل، فقد قصد الاقتصار على بعض ما نوى، وإن سلم عمداً، ولم يقصد التحلل، فقد حمله الأئمة على كلامٍ عمدٍ مبطل، فكأنهم يقولون: لا بد من قصد التحلل في حق المتنفل الذي يريد الاقتصار.
وفي إيجاب قصد التحلل عند السلام في آخر صلاةٍ انتهت نهايتها خلاف، والأصح أنه لا يجب، والفرق ظاهر؛ فإن المتنفل المسلم في أثناء صلاته يأتي بما لم تشتمل عليه نية عقده ولا بد من قصدٍ فيه، فافْهم.
1142 - ومما يتعلق ببقية هذا الفصل ما أحلنا عليه من بقية كلامٍ في التشهد.
فنقول: إن نوى أن يصلّي ركعتين بتشهد واحد، ثم بدا له أن يتشهد مرتين على إثر كل ركعة مرة، ولو عقد الصلاة على هذه الهيئة، فالذي أراه أن ذلك لا يمتنع، وإن عقدها على تشهد واحد، وتشهد عقيب الركعة الأولى، فالذي أراه أنه ساهٍ، يسجد للسهو، وإن خطر له أن يتشهد عمداً على إثر الركعة الأولى، فليفعل، وهو كما لو أراد أن يزيد أو ينقص في صلاته، في أثناء النافلة، فليس تغيير الهيئة قصداً بأعظم من التغيير بالزيادة والاقتصار.
1143 - ولو نوى ركعتين مطلقاً، ولم يخطر له تشهدان، ولا تشهد واحد، فالذي أراه أن الصلاة تنعقد على تشهد واحد؛ فإنه المعتاد الغالب.
وإن نوى عشر ركعات بتسليمة، ولم يخطر له في التشهد شيء، ولسنا نعهد صلاة

على هذه الصفة حتى ينزل مطلق العقد عليها، فيظهر عندي أن يجلس على إثر كل ركعتين، وإن أراد مزيداً، فيقصد.
1144 - ومن تمام الكلام في هذا: أنه إذا كان يصلي المكلف صلاةً مفروضة رباعية، فالتشهد الأول من الأبعاض، فلو تركه، سجد للسهو، ولو نوى المتنفل أربع ركعات مطلقاً، فله أن يتشهد في أثناء الصلاة؛ تنزيلاً على الصلاة المفروضة، ولو ترك التشهد الأول، فالذي أراه أنه لا يسجد للسهو في النافلة؛ فإن التشهد في الفريضة مشروع (1 مؤكد، ولا يتحقق هذا التأكيد في النافلة، ولا يبلغ مبلغ الأبعاض المشروعة.
ولو نوى أن يصلي أربع ركعات ويتشهد مرتين 1) فلو ترك التشهد الأول قصداً، [فالذي أراه أنه لا يسجد للسهو، ولو ترك المفترض التشهد الأول قصداً] 2، فالمذهب الظاهر أنه يسجد للسهو؛ فإن التشهد الأول مشروع في الفرض شرعاً، وليس إلى المصلي رفعه، والتشهد في صلاة التطوع إلى قصده، وإن أراد أن يرفعه، كان له رفعه؛ فإنّ رفعه لا يزيد على رفع ركعات، كان نواها.
ولو قصد تشهدين، ثم ترك التشهد الأول ساهياً، ففي سجود السهو احتمال، والظاهر أنه لا يسجد، والسبب فيه أن سجود السهو يتعلق من السنن بآكدها الذي يسمى الأبعاض، ولا يتحقق التأكد في حق المتنفل مع أن الأمرَ إلى خيرته في تغيير الصلاة وتبديل هيئاته.
1145 - فهذا تمام القول في ذلك.
وما ذكرته من الزيادة والنقصان، فهو في التطوع الذي بيّناه.
فأمّا السنة التي حدَّها الشرع وأثبت هيئاتها، فليس إلى المكلف تغييرها، فلو زاد ركعةً ثالثةً في ركعتي الفجر، بطلت تلك الصلاة؛ فإنه خالف وضع الشرع فيها، ولكن يجوز أن يقال: تنقلب تطوعاً أو تبطل؟ فعلى خلاف، سبق في مواضع، وسيعود مشروحاً.1

فصل 1146 - للمتنفل أن يصلي قاعداً مع القدرة على القيام، ولو أراد أن يتنفل مومياً مستلقياً أو على جنب، فقد اختلف أئمتنا فيه: والذي اختاره الصيدلاني جواز ذلك، وكان شيخي يحكي هذا ويزيفه، ويقول: إنما ثبت الاقتصار على القعود رخصة في النافلة مع الإتيان بكمال الأركان، فإن أراد أن يسقط جميع الأركان قياساً على القيام الذي أُبدل بالقعود، فقد أبعد، والذي ذكره شيخي حسنٌ متجه، وهذا يلتفت إلى إقامة النافلة على الراحلة في الحضر، وقد قدمت التفصيل فيه في باب استقبال القبلة.
فصل 1147 - من نذر صلاة، لزمه الوفاء بها، وهل له أن يقعد فيها مع القدرة على القيام؟ فيه قولان مأخوذان من أصلٍ سنوضحه في النذور، وهو أن الملتزم بالنذر هل يحمل على واجب الشرع، أو يحمل على حكم الاسم المطلق؟ وفيه قولان سيأتي ذكرهما في موضعهما إن شاء الله.
ولو نذر أن يقوم في كل نافلة ولا يقعد، فقد قال الصيدلاني: لا نأمره بالوفاء بهذا النذر؛ فإن القعود في النافلة رخصة، ومن أراد أن ينفي الرخصة بنذره، لم يجد إليه سبيلاً، وهو بمثابة ما لو نذر أن يتمم الصلاة في كل سفر، أو يصوم ولا يفطر، وهذا الذي ذكره في نهاية الحسن.
ولو نذر أن يصلي أربع ركعات قائماً، لزمه القيام قولاً واحداً؛ لأنه صرح بالتزامه، وهذا كما لو قال: لله علي أن أعتق عبداً سليماً عن العيوب والآفات.
لزمه الوفاء، ولو أطلق، ففي إجزاء معيب عنه قولان، ولست أسترسل في مسائل النذور؛ فإنها صعبة المرام، لا يتأتى الخوض فيها إلا بتمهيد أصولها.

فصل قال: "وأما قيام شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إليّ منه ... إلى آخره" 1. 1148 - أراد بقيام شهر رمضان التراويح، ولست أطيل [ذِكْرَ] 2 ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جرى لعمر رضي الله عنه: أما ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه صلى بأصحابه جماعةً ثلاثَ ليال، ثم ترك الجماعة، فروجع فيها، فقال: خشيت أن تُكتب عليكم، فلا تطيقون" 3 ثم رأى عمر أن يجمع الناس على إمامٍ، لما علم أن الشرع لا يتغير بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم 4. 1149 - وقد اختلف أئمتنا في أن الانفراد بها أفضل أم الجماعة؟ وحاصل ما ذكروه أوجه: أحدها - أن الجماعة أفضل تأسياً بسيرة عمر، وما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً.
والثاني - أن الانفراد بها أفضل؛ فإنها صلاة الليل، فالاستخلاء بصلاة الليل أولى، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فضلُ صلاة الرجل تطوعاً في بيته، على صلاته في المسجد كفضل صلاته المكتوبة في المسجد، على صلاته في بيته" 5 وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من مائة

صلاة في غيره من المساجد، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجدي، وأفضل من ذلك كله رجل يصلي في زاوية ركعتين، لا يعلمها إلا الله تعالى" 1. والوجه الثالث - أنه إن كان حافظاً للقرآن عالماً بأنه لو خلا بنفسه، لما منعه الكسل والفشل 2 عن الصلاة على حقها، فالانفراد أولى، وإن كان لا يحسن ما يصلي به، ولم يأمن أن يثبطه الكسل لو خلا، وإذا كان يصلي في جماعة، أقام الصلاة مقتدياً، فالاقتداء أولى به.
1150 - ثم إن لم تشرع الجماعة فيها، فالسنن الراتبة التابعة للصلوات المفروضات أفضل وأولى منها.
وإن قلنا الجماعة مشروعة فيها، فالأصح أيضاً تفضيل السنن الراتبة عليها؛ فإنها لا تتأصل في وظائف المكلف تأصل الرواتب.
ومن أئمتنا من شبب بتفضيلها على قولنا باستحباب الجماعة فيها؛ لأن الجماعة أقوى معتبر في التفضيل، كما تقدم ذكرها.
1151 - ثم ذكر الشافعي 3 أن أهل المدينة يقومون بتسع وثلاثين ركعةَ، وأصل هذه الصلاة عشرون ركعة، وسبب زيادته أن أهل مكة يقومون بين كل ترويحتين إلى البيت، فيطوفون سبعة أشواط، ويصلون ركعتين للطواف، فزاد أهل حرم رسول الله = الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (اللؤلؤ والمرجان: 1/ 149 ح 447).

صلى الله عليه وسلم في صلاتهم في مقابلة ما يأتي به أهل مكة من الأشواط في خلال التراويح.
1152 - واختلف أئمتنا في معنى قول الشافعي، "وأما شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إليّ منه": منهم من قال: معناه [أن الانفراد بها أفضل من إقامتها في الجماعة، ومنهم من قال معناه] 1 أن الراتبة التي لا يشرع فيها الجماعة أحب إليّ من التراويح التي شرعت الجماعة فيها.
فصل 1153 - صلاة الوتر لا تجب عندنا، ولا واجب شرعاً إلا الصلوات الخمس، والخلاف مشهور في ذلك.
1154 - ثم لو أوتر الرجل بركعةٍ واحدةٍ، جاز، ولو أوتر بثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسعٍ، أو إحدى عشرة ركعة بتسليمة واحدة، جاز.
وقد نُقل جميع ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي بعض التصانيف: أو ثلاث عشرة.
ولا ينبغي أن يعتمد ذلك.
وهذا التردد في أن الإتيان بثلاث عشرة، هل نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا؟ ومن أوتر بما يزيد على الحد المنقول عن المصطفى، مثل أن يوتر بخمس عشرة ركعة فصاعداً، فهل يصح إيتاره؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يصح وتره؛ فإن الوتر من أفضل السنن الراتبة المشروعة، فلا يجوز تعديتها عن مراسم الشرع، كركعتي الفجر؛ فإنَ من أقام سنة الصبح أربع ركعات، لم يكن مقيماً لهذه السنة، فكذلك من زاد الوتر على ما يصح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني - يجزىء في الوتر الزيادة؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ورد بإقامته

على أنحاء ووجوه، ففصَل بينهما وبين السنن التي كان لا يقيمها قط -سفراً أو حضراً- إلا على عِدة واحدة.
1155 - ثم من كان يوتر بخمس، أو سبع، أو غيرها من العدد، فكم يتشهد في الصلاة الكثيرة الركعات؟ اختلفت الروايات في ذلك، فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بخمس لا يتشهد إلا في الرابعة والخامسة، وبسبع لا يجلس إلا في السادسة والسابعة، وبتسع لا يجلس إلا في الثامنة، والتاسعة، وبإحدى عشرة لا يجلس إلا في العاشرة والحادية عشرة.
فهذه الروايات تدل على أنه كان يتشهد مرتين.
وروي أنه كان يوتر بثلاث لا يجلس إلا في آخرهن [وبخمس لا يجلس إلا في آخرهن] 1. وقد روت عائشة رضي الله عنها الروايتين 2. وما ذكرناه تردد في الأوْلى على حسب اختلاف الرواية، فلو [آثر] 3 الموتر بإحدى عشرة مثلاً أن يجلس للتشهد في إثر كل ركعتين ثم يقوم، ولا يتحلل، لم يكن له ذلك؛ فإنا نتبع الرواية في هذه الصلاة الراتبة العظيمة القدر، وليس كما إذا أراد الرجل أن يتطوع بعشر ركعات أو أكثر بتسليمة واحدة، وأراد أن يجلس للتشهد على إثر كل ركعتين؛ فإنا قد ذكرنا هذا فيما سبق، والفرق أن التطوعات لا ضبط لها في عدد الركعات، وأقدار التشهدات، وصلاة الوتر حقها أن تُضبط وتحصر على ما يرد في الأخبار.
ثم تردُّدُ الأئمة في جواز الزيادة على ما نقل من عدد الركعات؛ من جهة أنا ظننا أن إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها على جهاتها ممهداً للأئمة جواز الزيادة.

وأما التشهد، فالمنقول فيه يشير إلى اتباع ضبط: فأما الاقتصار على تشهد واحد (1 فمحمول على محاولة الفرق بينها وبين صلاة المغرب، وأما الإتيان بتشهدين 1)، فمحمول على تشبيهها بصلاة المغرب، وليس فيها ما يتضمن الخروج عن الضبط بخلاف أعداد الركعات.
ثم اختلف أئمتنا: فالذي ذكره المعتمدون أن ما ذكرناه من التشهدين، والتشهد الواحد كلاهما سائغان؛ لصحة الرواية فيهما جميعاًً عن عائشة رضي الله عنها.
وفي بعض التصانيف أن من أصحابنا من لم ير [غير] 2 الاقتصار على تشهد واحد في [الآخر] 3، واعتقدَ أن ما روي عن التشهدين إنما جرى على التفصيل، فكان يصلي أربعاً بتسليمة، ثم ركعة بتسليمة، فيقع تشهدان، وكذلك ما كان يزيد في1

الركعات.
وهذا رديء، لا تعويل عليه، والمذهب طريقة الأصحاب.
1156 - ومن أهم ما يذكر في الوتر أن الأفضل في عِدَّة ركعاتها ماذا؟ فذهب بعض أصحابنا إلى أن الإتيان بثلاث موصولة أفضل، فإن ذلك صحيح وفاقاً، والإيتار بركعة واحدة مختلف فيه، وارتياد ما يصح وفاقاً أولى؛ فإن الصلاة خطيرة عظيمة الموقع، وهذا اختيار أبي زيد المروزي.
ومن أصحابنا من قال: الأفضل الإيتار بركعة فردة، وغلا هذا القائل بها، فقال: لو أوتر بإحدى عشرة، وأوتر بركعة فردة، فالركعة الفردة أفضل من إحدى عشرة، وتعلق هذا القائل بما روي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بركعة واحدة في آخر الليل، يوتر به ما قد صلى" والزيادة على الواحدة ما كان يواظب عليها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين الجواز بما يندر من أحواله، ويوضح الأفضل بما يواظب.
وذكر القفال وجهاً ثالثاً، فاقتصد وأنصف فيه، فقال: لو صلى ثلاثاً في تسليمة، وصلى ركعتين وسلّم، ثم أوتر بركعة، فالثلاث الموصولة تقابل بالثلاث المفصولة، فيقال: الفصل أفضل، فأما إذا قوبل ثلاث بواحدة، فلا شك أن الثلاث أفضل من الواحدة.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً رابعاً فقال: إن كان ينفرد بالوتر، فالفصل والإيتار بركعة واحدة أفضل، وإن كان يصلي بالناس، فثلاث ركعات موصولة أولى؛ فإن الجماعة تجمع طبقات الناس على مذاهب، فالإيتار بما يجتمع عليه أصحاب المذاهب أولى.
وكل هذا التردد بين الثلاث الموصولة، والركعة الفردة، والثلاث المفصولة، فأما الزيادة على الثلاث، فلا يؤثره من طريق الفضيلة أحد من الأئمة، وإنما يحمل فعل الشارع على الجواز، لا على الأوْلى.
1157 - ومما يتعلق بالوتر أن الصدِّيق رضي الله عنه كان يوتر، ثم ينام، ثم يقوم ويصلي [من التهجد ما وُفِّق له، ووتره سابق، وكان عمر ينام ولا يوتر، ثم يقوم

ويصلي] 1 ما اتفق له، ثم يوتر في آخر الأمر، وكان ابن عمر يوتر وينام، ثم يقوم ويصلي ركعة فردة، يصير بها ما يتقدم شفعاً، ثم يصلّي متهجداً، ثم يوتر بركعة فردة، "وكان يسمي ذلك نقض الوتر" 2. فأما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فإنهما راجعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم وأشار إلى أبي بكر: "أما هذا فأخذ بالحزم، وأما هذا -وأشار إلى عمر الفاروق- فأخذ بالقوة" 3. وميل الشافعي إلى حزم أبي بكر؛ فإن إقامة الصلاة أولى من النوم عليها على خطر الانتباه.
وأما نقض الوتر، كما روي عن ابن عمر، فلم يره أحدٌ ممّن يُعتمد من أئمة المذهب.
وذكر بعض المصنفين أن الأولى عندنا ما فعله ابن عمر رضي الله عنه.
وهذا خطأ، غير معدود من المذهب.
والتمسك بسيرة الشيخين أولى، ولم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقضُ الوتر.
فصل 1158 - لو صلى العشاء أربع ركعات، وصلى بعدها ركعة واحدة وتراً، ولم يزد، فهل يجزيه الوتر؟ تردد أئمتنا فيه، فمنهم من قال: يصح وتره، وهو القياس، ومنهم

من قال: ما جاء به تطوع وليس الوترَ المشروعَ؛ فإن من صفة الوتر أن يوتر ما تقدم عليه من السنن الواقعة بعد فريضة العشاء، فإذا لم يوجد غيرُها، لم يكن وتراً، وفي كلام الشافعي إشارة إلى الوجهين جميعاًً، وميله إلى أن ما يأتي وتر.
وإن قصر في ترك السنن قبله.
فرع: 1159 - ظاهر المذهب أنه لو أتى بصلاة الوتر قبل فريضة العشاء، لم يعتد بما جاء به وتراً أصلاً.
وقال أبو حنيفة 1، هو وتر.
وهو مذهب بعض أصحابنا، والأصح الوجه الأول، ولم يحك بعض أصحابنا غيره؛ لأنها على كل حال مترتبة على سابق.
والصحيح من مذهب أبي حنيفة أنه لو اعتقد ذلك عن قصد، لم يعتد بما جاء به، ولو سها ولم يتعمده، فيعتد به، ومن أبعد من أئمتنا في الاعتداد به لم يفصل بين أن يكون ذلك عن نسيان، وبين أن يكون عن قصد وتعمدٍ.
فصل 1160 - القنوت لا يشرع في الوتر عندنا إلا في النصف الأخير من رمضان، وهذا مذهب عمر رضي الله عنه، وروى بعض من يعتمد في روايته: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه التراويح عشرين ليلة، ولم يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من الشهر" 2 والرواية غريبة؛ فإن المشهور أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل التراويح في جماعة إلا ثلاث ليال.
1161 - ثم موضع القنوت [عندنا إذا رفع رأسه] 3 من الركوع، [وأبو حنيفة يرى القنوت قبل الركوع] 4.

وقد رَوَوْا عن علي وابن مسعود وابن عباس مثل مذهبهم 1، ولكن الراوي عن علي الحارث الأعور.
قال الشعبي؛ هو من جملة الكذابين 2. وقد صح عن علي أنه قنت بعد الركوع، وحديث ابن مسعود رواه ابن أبي عياش، وقد كذَّبه شعبة، وحديث ابن عباس رواه عطاء بن مسلم الحلبي وكان يروي المناكير عن الثقات.
فرع: 1162 - قد اشتهر من فعل الخاص والعام في الفصل والوصل قراءة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الركعتين الأوليين، وقراءة المعوّذتين وسورة الإخلاص في الثالثة، وقد رأيت في كتاب معتمد أن عائشة رضي الله عنها روت ذلك 3. ...

باب فضل الجماعة والعذر بتركها

1163 - إقامة الجماعة في الصلوات من شعائر الإسلام، وما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الجماعة مادام بمكة، فلما هاجر إلى المدينة، شرع الجماعات، واستحث المسلمين عليها.
1164 - واختلف أئمتنا فيها: فقال بعضهم: إقامة الجماعة سنة مؤكدة.
وقال آخرون هي من فروض الكفايات.
وقد ذكرنا تردد الأئمة في الأذان في هذا المعنى، ولم ينسب الصيدلاني المصير إلى أن الأذان فرضٌ على الكفاية إلى أئمتنا، وصرح في هذا الباب بحكاية هذا في الجماعة.
ثم من قال: إقامة الجماعات فرض كفاية، فلا شك أنه يقول إذا قام بها قوم، سقط الفرض عن الباقين.
وقد ذكرنا في الأذان تفصيلاً، وذلك التفصيل على وجهه لا ينتظم ولا يطرد هاهنا، وذكر بعض المصنفين أن الجماعة ينبغي أن تقام في كل مَحِلَّة.
وقال الصيدلاني: إذا فعل قوم، سقط الفرض عن الباقين.
1165 - وأنا أقول: أما الجماعة في صلاة الجمعة، ففرض على الأعيان الذين يلتزمون الجمعة، كما سيأتي في كتابها، وإنما الكلام في الجماعة في سائر الصلوات، أما أحمد بن حنبل 1، وداود 2، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة 3،

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل