كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فهو 1 أن نهاية التواضع لا يتأتى إلا بتمكين الجبهة من الأرض، والإمساسُ المجرد في حكم الإلمام 2 بافتتاح التواضع، وتمامُه التمكن، ثم التمكين عندنا فيه نظر؛ فإن ظاهره يشعر بأن الساجد متعبد بأن يتحامل على موضع سجوده، بحيث يظهر أثر تحامله.
وأنا أقول فيه: إن لم يكن موضع سجوده وثيراً محشواً، فيكفي أن يُرخيَ رأسَه ولا يُقلَّ ثِقْله، والسر فيه أن الغرض منه إبداء هيئة التواضع، والاسترسال في المصلّي كالشيء الملقَى، وهو 3 أليق بالتواضع من تصنّع التحامل على موضع السجود، والأصل في طلب نهاية التواضع أن الذي يكتفي بإمساس جبهته، الأرضَ، وهو يقلّ ثِقْلَ رأسه، كأنه يتقزّز 4 بإقلاله، كالضنين به، والذي يتكلف تحاملاً ليس يحصل بما يأتي به إظهار تواضع، فالأقرب إرخاء الجبهة، قالت عائشة رضي الله عنها: "رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في سجودِه كالخِرقة البالية" 5.
وإن كان الموضع الذي يسجد عليه محشواً بقطن أو غيره، فكان شيخي يوجب التحامل في مثل هذه الصورة، فيقول: ينبغي أن يتحامل تحاملاً يتبين أثره على يدٍ لو فرضت تحت ذلك المحشو، ولست أرى الأمر كذلك، بل يكفي إرخاء الرأس كيف = في الكبير ح 13566، والبيهقي في دلائل النبوة: 293، التلخيص: 1/ 251 ح 374). هذا.
وقد أورده إمام الحرمين موقوفاً على علي كرم الله وجهه، في الدرة المضية - مسألة رقم 75.
فرض محل السجود، فهذا منتهى القول في معنى الوضع والتمكين.
857 - فأما الكشف، فيجب كشف شيء من الجبهة، ثم قال الأئمة: لا يجب وضع جميعها، بل يكفي وضع ما ينطلق عليه الاسم منها، ويجب أن يكشف شيئاًً وإن قلّ من جبهته، وليكن ذلك الموضوع مكشوفاً، ولو كشف شيئاًً ولم يضعه، لم يعتد به، ولو كان بعض ما وضعه مكشوفاً، كفى؛ فإن الفرض يسقط بذلك المقدار المكشوف الموضوع، والباقي لا أثر له.
ثم لو سجد على كَوْر 1 عمامته، ولم يضع بشرة جبهته على محل سجوده، لم يجز.
وكذلك لو كان على جبهته طرة 2 ولم يُبعدها وإنما مسها الأرض، لم يسقط الفرض حتى يُنَحِّيها ويمس بشرة جبهته المصلّى.
ولو سجد على طرف كم نفسه أو ذيله، فإن كان يتحرك ما يسجد عليه إذا ارتفع وانخفض؛ فإنه لا يجوز؛ فإنه منسوب إليه.
وإن طوّل طرفَ كمه، وكان بحيث لا يرتفع بارتفاعه، فإذا سجد على ذلك الطرف أجزأه؛ فإن ذلك الطرف في حكم المنفصل عنه في هذا .. وسيأتي في أحكام النجاسات أمر يخالف هذا في ظاهره، وإذ ذاك نُوضّح الفرقَ.
ولو سجد على ذيل غيره، لم يضرّ؛ فإن ذلك الشيء غير منسوب إليه، وكذلك لو سجد على ظهر إنسان واقف في منخفض من المكان، بحيث لا يُفسد هيئة السجود، فيجوز لما ذكرناه، ثم قد نص الشافعي عليه كما تقدم ذكره.
وإذا أوجبنا وضع اليدين وكشفهما، فيكشف من كلّ يد شيئاًً، ويكفي الشيء القليل من كل واحدة منهما، وليكن المكشوف موضوعاً، كما ذكرناه في الجبهة.
فهذا بيان الوضع والكشف.
ثم لا يقوم غيرُ الجبهة مقامها، فلو وضع الأنف، ورفع الجبهة، ولم يضعها، لم يجز عندنا.
858 - ومما بقي في ذلك الكلامُ في هيئة الساجد، فيما يتعلق بالأقلّ: وكان شيخي يقول: إن تنكس المرء في سجوده، فتسفَّلَتْ أعاليه، واستعلت أسافله، فهذه الهيئة هي المطلوبة.
وإن وضع جبهته على شيء مرتفع، وكان موقع رأسه أعلى من حَقْوه، لم يكن ساجداً، ولم يكن ما جاء به معتداً به، ولو كان مستوياً منبطحاً بحيث يساوي موضع رأسه حَقْوه، فهذا كان يتردد فيه، وهو موضع التردّد.
وأنا أقول: إن تقبض وانخنس، ووضع رأسه بالقرب من ركبته، فهذا ليس هيئةَ السجود، ولا يُشعر أيضاً بالتواضع المطلوب، وإن بعد رأسه عن موضع ركبته، فإن موضع جبهته ينخفض عن كتفه لا محالة، فلا يخلو الساجد في المكان المستوي عن هذا الضرب من الانخفاض.
والظاهر عندي هاهنا الإجزاء؛ فإن الانخفاض والتواضع ظاهر.
وإن كان موضع الرأس مرتفعاً قليلاً، بحيث يساوي الرأس الكتف واليدين، وسببَ الاستواء ما ذكرناه من الارتفاع، فالظاهر المنع هاهنا، وإن لم يكن موضع الرأس أعلى مما وراءه.
وكان شيخي يذكر التردد مطلقاً في صورة الاستواء، ويعتبر التسوية بين الحقو وموضع الرأس.
ومما يتعلق بهذا أنه لو سجد على وسادة، فإن كان متنكساً مع ذلك، جاز، ولا شك فيه.
وإن ارتفع الرأس لهذا السبب، لم يجز أصلاً، وإن كان هذا سببَ الاستواء، ففيه التردد الذي ذكرته.
ولو كان في مرض يمنعه من التنكس، وكان لا يتأتى منه هيئة الاستواء أيضاً، ولكن لو وضعت وسادة، لَوَضَع جبهتَه عليها، ولو لم يكن، لانتهى الرأس إلى ذلك الحد من غير وضعٍ على شيء، فهل يجب الوضع على وسادة، أو يدني الرأس جهده
ولا يلزمه الوضع؟ تردد أئمتنا في ذلك، فمنهم من لم يوجب الوضع؛ فإنه وإن وضع فليس منتهياً إلى الحد المطلوب في السجود، ومنهم من أوجب، وقال: على الساجد وضع وهيئة، فإن تعذرت الهيئة، وجب عليه الوضع.
وهذا كله كلام في هيئة الساجد في بيان الأقل.
فأما الطمأنينة، فلا بد منها في السجود [كما ذكرناه في الركوع.
وقد تم بذكرها بيان الأقل المقصود من السجود] 1.
859 - فأما بيان الأكمل، فيتعلق بالهيئة والذكر: أمّا الهيئة، فإن كان الساجد رجلاً، فينبغي أن يخوي 2 في سجوده، فيفرق ركبتيه ويجافي مرفقيه عن جنبيه، بحيث يُرى عُفْرَة 3 إبطيه لو كان مكتفياً برداء، ويُقلّ بطنَه عن فخذيه، ويضع يديه منشورة الأصابع على موضعهما في رفع اليدين، وأصابعه مستطيلة في جهة القبلة مضمومة غير مفتوحة، بخلاف حالة العقد والرفع، وعند الركوع، فلا موضع يؤمر فيه بضمّ الأصابع مع نشرها طولاً إلا في السجود.
هكذا ذكره بعض المصنفين وهو سماعي عن شيخي، ولم أعثر في هذا على خبر، ولا يثبت مثله بطريق المعنى والله أعلم.
وقد روي عن البراء بن عازب أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى في سجوده" 4 و [تفسير] 5 التخوية ما ذكرناه، ومنه يقال: خوى
البعير؛ إذا برك على وفاز 1 ولم يسترح، ومعناه في اللسان ترك خواً بين الأعضاء.
860 - ومما يتعلق بالهيئة، أن ظاهر النص أنه يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض في السجود، ونقل المزني أنه يضع أصابعه بحيث تكون مستقبلة للقبلة، وهذا يتضمن أن يتحامل عليها، ويوجه رؤوسها إلى قُبالة القبلة.
والذي صححه الأئمة أنه لا يفعل ذلك بل يضع أصابعه من غير تحامل عليها.
والمرأة لا تؤمر بالتخوية، بل تؤمر بضدها، فلتضم رجليها وتلصق بطنها بفخذيها؛ فإن ذلك أستر لها، ورعاية الستر أهم الأشياء لها.
ومما نذكره في الأكمل ألا يقتصر على وضع الجبهة، بل يضع الأنف مع الجبهة.
وأما الذكر، فيقول في سجوده ثلاثاً: سبحان ربي الأعلى، إن كان إماماً، ولا يزيد، ليخفف على من خلفه، فهذا بيان السجود في الأقل والأكمل.
فصل
861 - الاعتدال من السجود فرض، كما يجب الاعتدال من الركوع، ووجوب الطمأنينة في الجلوس كوجوبها في الاعتدال من الركوع، وقد سبق القول فيه.
ثم تكون هيئة الجالس بين السجدتين في يديه ورجليه كهيئة الجالس في التشهد الأول، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، ويضع يديه منشورتي الأصابع على ما يتصل بركبتيه من فخذيه، ولو انعطف أطراف الأصابع على الركبة، فلا بأس، فليس في ذلك ثَبت.
أمّا أصل وضع اليدين على الفخذين محبوبٌ 2، ولو ترك يديه على الأرض من جانبي فخذيه، فهو بمثابة من يرسل يديه في القيام.
862 - ثم يستحب أن يذكر الله تعالى في الجلوس بين السجدتين.
وقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين:
"اللهم اغفر لي واجبرني وعافني وارزقني، واعف عني" 1.
ثم يسجد سجدة أخرى مثل السجدة الأولى، ثم يرتفع.
فإن كانت الركعة تستعقب تشهداً، جلس للتشهد كما سنصفه، وإن كانت تستعقب قياماً، فينبغي أن يجلس على إثر السجدة الثانية جلسةً خفيفةً، ثم ينتهض منها قائماً، وهذه الجلسة تسمى جلسةَ الاستراحة، وهي مسنونة عندنا.
والأصل فيه ما رواه مالك بن الحويرث، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في الركعة الأولى [والثالثة] 2 لم ينتهض حتى يستوي قاعداً" 3.
ولا يسن في هذه الجلسة ذكر مخصوصٌ.
863 - ولكن اختلف أئمتنا في وقت افتتاح التكبيرة التي ينتقل بها، فمن أصحابنا من قال: يبتدىء التكبيرة محذوفة أو ممدودة مبسوطة مع رفعه الرأس من السجود، وينتهي -وإن مدّت- مع انتهاء الجلسة، ثم يقوم غير مكبر.
ومن أئمتنا من قال: يعتدل جالساً من غير تكبير، ثم ينتهض في جلوسه مكبراً إلى القيام.
ونصُّ الشافعي رضي الله عنه يدلُّ على هذا في كتاب صلاة العيد، كما سنذكره ثَم إن شاء الله تعالى 4.
864 - ثم إذا أراد الانتهاض من الجلوس قائماً، فالأحسن أن يعتمد على الأرض بيده؛ فإن ذلك أحزم وأقرب إلى الخضوع، وروي عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام في صلاته وضع يديه على الأرض كما يضع العاجز" 1.
فصل
865 - إذا هوى ليسجد، فسقطَ، نُظر: فإن سقط على وجهه على الهيئة المطلوبة في السجود، فقد نصّ الشافعي رضي الله عنه أن السجود معتدّ به، وإن لم يوجد فيه وفي الطريق إليه حركات اختيارية من المصلّي، واتفق أئمتنا على ذلك.
ولو سقط على جنب، ثم استدّ، واعتمد على جبهته، قال رضي الله عنه: إن قصد باستداده واعتماده أن يأتي بالسجود، وقع ما جاء به سجوداً معتداً به، ولا نظر إلى وقوع الهوي ضرورياً 2 لمَّا سقط وخرّ، وإن قصد باستداده أن يستوي ويستقيم، ولم يخطر له السجود، بل جرد قصده إلى الاستقامة، فلا يعتد بما وقع منه عن السجود.
وهذا الذي ذكره الشافعي رضي الله عنه يناظر ما إذا أفاض الناسك، ودخل وقت طواف الزيارة، فلو أفلت منه إنسان، فأخذ يتبعه طائفاً حول الكعبة، فما يقع من ترداده على قصد اتباع غريمه لا يعتد به عن الطواف.
وقد ذكرت نظير هذا في كتاب الطهارة، فيمن تعزُب عنه النية، فيغسل رجليه مجرِّداً قصدَه إلى التنظيف، وهو ذاهل عن النية.
ذكرت أن من أئمتنا من صحح = الوجه الثالث هو الصحيح عند جماهير الأصحاب.
(التنقيح - بهامش الوسيط: 2/ 142).
الوضوء، وهؤلاء طردوا ذلك في الطائف أيضاً، وطردوه في الذي ينتهض من سقطته.
وهذا الخلاف على بعده يجري في صورة مخصوصة، وهي أن تجري صورة ركن مع القصد إلى صرفه عن غير جهة العبادة، بسبب الذهول عن العبادة، فلو لم يكن ذاهلاً عنها، بل كان ذاكراً لها، وقصد مع ذلك صرفَ ما جاء به إلى غير جهة العبادة، كأنه يستثنيها عن سَنَن العبادة، ويستخرجها من حكم نظامها.
فإذا كان كذلك، فالوجه القطع بأنه لا يقع ركناً معتداً به، وذلك الوجه البعيد مخصوص بالذاهل -في وقت وقوع صورة الركن منه- عن أمر العبادة.
فلو استدّ الساقط، ولم يخطر له الانتهاض ولا السجود، فالذي جاء به معتد به وفاقاً.
866 - فقد ترتب مما ذكرناه صورٌ ثلاث: إحداها - أن يقصد الركن، فيقع ركناً، وإن لم تقع حركات هُويه اختيارية.
والثانية - ألا يقصد شيئاًً، بل يقع منه صورة السجود، فيعتد بها أيضاً قطعاً.
والثالثة - أن يجرد قصده إلى الانتهاض، وهذا ينقسم، فإذا كان ذاكراً للعبادة، وقصد استثناء هذا عن نظامها، فلا يعتد بما يأتي به ركناً، وإن كان ذاهلاً، فالنص أنه لا يعتد به، وفيه وجه مخرَّج، كما ذكرته وطردته، أنه يعتد به، ثم إذا كان ذاهلاً، فلا تبطل الصلاة بما يأتي به، وإن استثنى وهو ذاكر للعبادة، فهذا رجل أتى بصورة ركن عمداً، وسنذكر أن ذلك يبطل الصلاة.
867 - وقد بقي الآن في إتمام ما نحاول شيئان: أحدهما - أن الذي سقط على جنبٍ إذا استوى ساجداً، وقصد الاستقامة، وجرينا على النص في أنه لا يعتد بما جاء به، فإن أراد أن يسجد، لم تنقطع صلاته، فلو أراد أن يديم صورة السجود عن السجود الذي عليه الآن باستدامة تلك الحالة، لا يسقط عنه فرض السجود؛ فإن هذا سجود لم يحتسب أوّله، ولا بدّ من ابتداء سجود معتد به، فكيف السبيل إلى الإتيان به؟
هذا يتعارض فيه أمران: أحدهما - أن يقال: يقوم، ثم يهوي.
ساجداً من قيام،
ووجه ذلك أنه كما صرف صورة السجود عن الصلاة، فيصرف الهوي عن الصلاة، فَلْيَعُدْ إلى ما كان، فكأنه لمْ يهوِ، وليبتدىء الهوي، فهذا وجه في الاحتمال.
والأظهر عندي أن يعتدل جالساً، ثم يسجد، وعلة ذلك أن الجلسة كافية في الفصل بين السجدتين، فليقع الاكتفاء بها الآن، والذي يسجد السجدة الثانية، يسند سجدته الثانية إلى فاصل يبني عليه ابتداء السجود الثاني.
وكان من الممكن أن يؤمر بالقيام والهوي منه إلى السجدة الثانية، فلما لم يرد الشرع بهذا دلّ أن القعود كافٍ، فعلى هذا لو قام -ونحن نكتفي بالقعود- فهذا زاد قياماً في صلاته من غير حاجةٍ، وسأقرر هذا إن شاء الله تعالى عند ذكري زيادة الأركان قصداً في أدراج ذكر الأفعال الكثيرة والقليلة إذا جرت.
فهذا أحد الأمرين في تتمة الفصل.
الثاني - أنه قد يتخالج في نفس الفقيه أن المصلي مأمور بأفعاله، فإذا جرت حركات الهوي ضرورية، فيستحيل أن تقع مأموراً بها؛ فإن المأمور به يجب قطعاً أن يكون فعلاً للمكلّف.
فالوجه في التفصِّي 1 عن هذا، أن هذه الحركات غير مقصودة، وإنما الغرض الإتيان بالسجود، ثم يقال عند ذلك: فالسجود لم يقع أيضاً مقصوداً، وهو مقصود قطعاً.
وقد مضى في صدر الكلام أن استدامة السجود لا يقع موقع ابتدائه.
فالذي أراه -وإن نقلت ما ذكره الأصحاب- أنه لا يعتد بهذا السجود، ولا يكفي، فليعتدل قائماً، ويسجد 2 سجدةً عن الاعتدال.
والشافعي رحمه الله فرض المسألة فيه إذا سقط على جنب، ثم استقام واستدَّ، فقد حكيت ما ذكره الأئمة، ثم اختتمت الكلام بما عندي فيه.
والله المستعان.
فصل
868 - قد ذكرنا تفصيل القول في صفة ركعة واحدة، ولم يبق في كيفية الصلاة 1 إلا التشهد والسّلام.
أمَّا التشهد، فنذكر أولاً كيفية الجلوس، وهيئة اليدين فيه، ثم نذكر التشهد وما يتصل به، فنقول: ذهب مالك 2 إلى أن المصلي يتورك في القعودين جميعاًً.
وقال أبو حنيفة 3: يفترش في القعودين.
وقال الشافعي رحمه الله: يفترش في التشهد الأول، ويتورك في التشهد الثاني.
واعتمد مالك خبراً مطلقاً عنده في التورك، واعتمد أبو حنيفة خبراً بلغه في الافتراش.
واعتمد الشافعي رحمه الله في الفصل ما روي أن أبا حميد الساعدي قال: "رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الركعتين، جلس على رجله اليسرى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة، قدم رجله اليسرى، وجلس على مَقْعَدَتِه" 4.
وإذا ورد في النفي والإثبات خبران مطلقان في واقعة، وورد فيها خبرٌ مفصل، فالمطلقان محمولان على المفصل، لا محالة.
869 - فإذا ثبت أصل المذهب فنذكر الآن كيفية الافتراش والتورك.
أما المفترش، فهو الذي يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، والقدم من الرجل اليسرى مضجعة، وظهر القدم إلى القبلة، والرجل اليمنى منصوبة، وأطراف الأصابع على الأرض منتصبة [والعقب منتصبة] 1. هذه صفة الافتراش.
وأما التورك، فصفته أن يضع رجليه على هذه الصفة، ثم يخرجهما من جهة يمينه، فرجله اليسرى مضجعة، واليمنى منصوبة، ثم يمكّن وركه ومقعدته من الأرض.
ثم الذي يلوح في الفصل بين الجلستين من جهة المعنى أن المفترش في الجلسة الأولى سيقوم، والقيام عن الافتراش هيّنٌ، وهو عن التورك عسر، فأمَّا الجلسة الأخيرة فليس بعدها عمل، فيليق بها التورك، والركون إلى هيئة السكون.
870 - فإذا بان كيفية الجلوس، فنذكر صفة اليدين وموضعهما من الفخذين.
أما اليد اليسرى، فينشر أصابعها مع التفريج المقتصد، وتكون أطراف الأصابع مسامتةً للركبة.
وأما اليد اليمنى، فإنه يقبض أصابعه على ما نفصله، فيقبض الخنصر والبنصر والوسطى ويطلق المسبِّحة.
ثم اختلف الأئمة وراء ذلك: فقال قائل: يضمّ الإبهام إلى الوسطى المقبوضة كالعاقد ثلاثاً وعشرين.
وقال آخرون: يضم الإبهام كالعاقد ثلاثاً وخمسين.
[ومنهم من قال: يطلق الإبهام والمسبحة كالعاقد ثلاثة] 2. ومنهم من قال: [يحلق] 3 الإبهامَ والوسطى، والخنصر والبنصر مقبوضتان، والمسبحة مطلقة.
وهذا الاختلاف الذي ذكره الأئمة لم يبلغني فيه اختلاف روايات عن الذين نقلوا
كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان صَدَرُ 1 ذلك عن روايات، فذاك، وإن لم تكن روايات، فلعلهم تحققوا صحة إطلاق المسبحة، ولم يتحققوا هيئة الإبهام، فينشأ هذا الاختلاف منه.
وأثبت كلّ أمراً قريباً عنده.
871 - ثم يؤثر للمصلّي أن يرفع مسبحته عند انتهائه إلى قول: لا إله إلا الله، فيرفعها مع الهمزة في "إلا"، وهل يستحب أن يحركها عند الرفع؛ فعلى وجهين: وهذا الاختلاف متلقى من الرواية، فروي أنه عليه السلام لم يحرّكها، وروي أنه حركها، فقال الكفار: إنه يسحر بها 2.
ثم يقرب يده اليمنى من ركبته.
فهذا بيان هيئة اليدين.
فرع:
872 - المسبوقُ إذا جلس مع الإمام في تشهده الأخير، فالمسبوق سيقوم إلى استدراك ما فاته إذا سلّم الإمامُ، والإمام متورّك، فالمسبوق يفترش؛ فإن هذا ليس آخر صلاته؛ فالافتراش هو الذي يليق بحاله 3.
وذكر شيخي: أن من أئمتنا من قال: إنه يتورك متابعةً للإمام.
وهذا عندي غلط غير معدود في المذهب، فلا أثرَ لتفاوت الهيئة في القدوة.
فصل
873 - إذا انتهى الإمام إلى التشهد الأخير، وكان قد جرى ما يقتضي سجودَ السهو، فالذي قطع به الأئمة أن الإمام يفترش؛ لأن عليه شغلاً بعد السهو، والسجود عن هيئة التورك أيسر من القيام.
وقال قائلون: يتورك؛ فإن الذي نقله الرواة التورك في الجلسة الثانية مطلقاً، والتعويل الأعظم في العبادات على الاتباع، ومجال الاستنباط ضيق جداً.
874 - وقد حان الآن أن نذكر التشهد والقولَ في ذلك:
فالتشهد الأخير مفروض عندنا، خلافاً لأبي حنيفة 1.
والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركن أيضاً في الجلسة الأخيرة.
وفي الصّلاة على الآل قولان: أحدهما - أنها ركن، والثاني - أنها سنة تابعة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مؤكد.
والتشهد الأول سنة مؤكدة وهو من الأبعاض، وهل تُشرع الصلاة في التشهد الأول؟ فعلى قولين: أحدهما - بلى 2؛ فإن ما يقع فرضاً في التشهد الأخير، فهو مشروع في الجلسة الأولى كالتشهد، والثاني: لا يشرع؛ فإن الجلسة الأولى مبنية على رعاية التخفيف.
ثم إن أوجبنا الصلاة على الآل في التشهد الأخير، ففي شرعها في الجلسة الأولى ما ذكرناه من القولين: إن قلنا إنها لا تجب في الثانية، فلا تشرع في الأولى.
ثم نذكر ما رآه الشافعي رضي الله عنه الأفضلَ والأكملَ في التشهد، ونذكر بعده الأقل.
875 - فأما الأكمل، فما رواه ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وصلم يُعلِّمنا التشهدَ، كما يعلّمنا السورة من القرآن: "التحيّاتُ المباركات، الصّلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" 3.
واختار أبو حنيفة 1 روايةَ ابنِ مسعود 2. والروايتان صحيحتان، وقد ذكرنا في مسائل الخلاف ما نرجح به رواية ابن عباس 3، فهذا هو الأفضل.
وذكر العراقيون في الأفضل عند الشافعي رضي الله عنه طريقين: أحدهما - التحيات المباركات، الصّلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين 4 أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسولُ الله.
والطريقة الثانية في الأفضل - التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله.
فأثبتوا الألف واللام في الطريقة الأخيرة، وحذفوا " وأشهد " عند قوله: "وأن محمداً رسول الله".
والطريقان جميعاًً مردودان عند المراوزة.
والصّحيح ما ذكرناه قبل حكاية طريقي العراقيين، وهو الذي نقله الصيدلاني وشيخي، فهذا بيان الأفضل.
876 - فأما الأقل، فقد ذكر الشافعي الأقل على وجه، وذكره ابن سريج على وجه: فأما ما ذكره الشافعي، فهو: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
هذا ما ذكره الصيدلاني.
وذكر العراقيون [في] 5 طريقة الشافعي هذا، ونقصوا كلمة واحدة وهي " وأشهد " في الكرَّة الثانية، فقالوا "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله".
والذي ذكروه من إسقاط " وأشهد " فإنها أمثلُ وأليقُ بذكر الأقل، فهذه طريقة الشافعي.
وأما ابن سريج فإنه قال: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فقال الأئمة كأن الشافعي اعتبر في ذكر الأقل ما اتفقت الأخبار عليه، ولم يخلُ عنه حديث، وجعل ما انفرد به الأحاديث غير معدود من الأقل، ولكنه اتبع مع هذا الخبر دون المعنى.
وكان ابن سريج راعى الأقل بطريق المعنى بعض المراعَاة، وحذف من الألفاظ ما رأى الباقي مشعراً به، فحذف قوله: "رحمة الله" واكتفىَ بقوله: "سلام عليك أيها النبي" فإن السلام يدل على الرحمة لا محالة، ولم يذكر "علينا"، واقتصر على قوله: "سلام على عباد الله الصالحين".
وفي بعض التصانيف: "سلام على عباد الله" من غير ذكر " الصالحين " في طريقة ابن سريج.
وهذا غلط لا يعتد به.
فهذا تفصيل الأكمل والأقل في طريق أئمتنا والله أعلم.
877 - أما الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الآل، ففيما ذكرناه قبلُ مقنع.
ثم قال الصيدلاني: يستحب الإتيان بالصّلاة كما ورد في الحديث، وقد روي: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 56] قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: "اللهمّ صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" 1.
هذا هو الذي ورد في الحديث، ثم قال 1: وما يزيده الناس من قولهم: "وارحم محمداً، وآل محمد كما رحمت على إبراهيم"، فليس له ثبت في الحديث، ثم الذي يتلفظ به الناس ركيك في اللغة؛ فإن من الناس من يقول: كما رحمتَ على إبراهيم، وهذا ركيك؛ فإن العرب تقول: رحمته، ولا تقول: رحمت عليه، ومن الناس من علم، فقال: كما ترحمت على إبراهيم إلى آخره، وهذا فيه خلل آخر، وهو أن الترحم يدل على تكلّف في الرحمة وتصنع، وهذا مستحيل في نعت الإله تعالى، وليس له ذكر في الأحاديث 2.
878 - ثم قال الصيدلاني: الإمام ينبغي ألا يزيد علي التشهد والصلاة، بل يقتصر، وأراد الصلاة التامة مع ذكر الآل وذكر إبراهيم، وزعم أن الأوْلى ألا يذكر دعوة بعد الصلاة، بل يبادر السلام رعاية للتخفيف على من خلفه، ثم قال: فإن أراد الدعاءَ، فينبغي أن يكون ذلك الدعاء في مقدار أقلَّ من التشهد.
والذي ذكره من الاقتصار على التشهد والصلاة في حق الإمام، لم أره لغيره، فأمَّا إذا كان منفرداً، فيأتي بالدعاء بعد الصّلاة، وإن أراد أن يزيد على مقدار أقل 3 التشهد، فلا معترض عليه، ولم يصح دعاء معين بعد الصلاة، بل روي أنه صلى الله عليه وسلم ذكر التشهد والصّلاة، ثم قال: "لِيتخيَّرْ أحَدُكم من الدعاء أحبّه، أعجبه إليه" 4. كذلك رواه الصيدلاني.
فهذا تفصيل القول في التشهد وما يتبعه.
فصل
هذا الفصل يشمل السلام والتحلل وما يتعلق به.
فنقول:
879 - التحلل عن الصلاة بالتسليم، ولا يقوم غير التسليم مقامه، والخلاف فيه مشهور، والمعتمد فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم" 1.
ثم الكلام في أقل السلام وأكمله.
فأما الأقل، فهو أن يقول: "السلام عليكم".
فهذا المقدار لا بد منه، ولا يجب إلا مرةً واحدةً، فإن التحلل يقع بواحدة، ولو قال: "سلامٌ عليكم" ففي المسألة وجهان: أحدهما - لا يجزىء، ولا يقع التحلل على الصحة به؛ فإن الأصل الاتباع، ولم ينقل التسليم إلاّ مع الألف واللام، فلزم الإتيان به على وجهه.
ومن أئمتنا من قال: يُجزيه؛ فإنّ التنوين في قول القائل: "سلامٌ" يقوم مقام الألف واللام، وليس ذلك مخالفة وخروجاً بالكليّة عن الاتباع.
ولو قال: "عليكم السلام" فمن أئمتنا من قطع بالإجزاء، ومنهم من خرّج ذلك على الخلاف، من حيث إنه بالتقديم والتأخير خرج عن حكم الاتباع.
وقد ذكرنا أنه إذا قال فى عقد الصلاة: "الأكبر الله" أو "أكبر الله"، فهل تنعقد صلاته أم لا؟ فظاهر نص الشافعي يشير إلى الفرق بين التسليم والتكبير في التقديم والتأخير، فإنه لو قال: "عليكم السلام" كان مُسَلماً، ومن قال: "أكبر الله" لم يكن مُكَبراً.
وقد جمع الأئمة بين التكبير والتسليم إذا فرض التقديم والتأخير فيهما، فقالوا: فيهما أوجه: أحدها - أنهما لا يجزيان، والثاني - أنهما يجزيان، والثالث - يجزىء التسليم ولا يجزىء التكبير.
880 - وممّا يتعلق ببيان الأقل في التحفل نية الخروج عن الصّلاة، وقد ظهر اختلاف أئمتنا في اشتراطها، فقال الأكثرون: لا يجب ولا يلزم، اعتباراً بسائر العبادات، والنيات تعنى للإقدام على عبادة الله، فأمّا نجازها وانقضاؤها، فإنما هو انكفاف عن العبادة، والنية تليق بالإقدام لا بالتّرك.
وقال قائلون: لا بدّ من نية الخروج؛ فإن السّلام في وضعه مناقض للصّلاة؛ فإنه خطاب للآدميين، ولو جرى في أثناء الصلاة قصداً، لأبطلَ الصلاة، فإذا لم يقترن بالتسليم نية تصرفه إلى قصد التحلل، وقع مناقضاً مفسداً.
وسائر العبادات تنقسم، فأمّا الصّوم، فينقضي بانقضاء زمانٍ، والحجّ لا يقع التحلّل عنه بما هو من قبيل المفسدات.
ثم إن لم نشترط النية ولم نوجبها، فلا كلامَ.
وإن أوجبنا، فنشترط اقترانها بالتسليم، فلو تقدمت عليه على جزم وبت، بطلت الصلاة؛ فإنّا قدمنا أن نية الخروج عن الصلاة تقطعها، ولو نوى قبل السّلام الخروجَ عند السلام، لم تنقطع الصلاة بهذا، ولكن لا يكفي هذا، فَلْيَأْتِ بالنية مع السلام.
ثم قال علماؤنا: لا يشترط في نية الخروج تعيين السلام، وإنما يشترط التعيين حالة العقد، فإن الغرض من هذه النية صرف السلام إلى قصد الخروج [ولا يخرج المرء إلا عن الصلاة التي شرع فيها، فوقعت نية الخروج] 1 بناء على ما تقدم، ونيةُ العقد ابتداء، فيجب تعيين المنوي.
881 - ومما يدور في النفس من هذا، أن المناقض للصّلاة قول المُسَلِّم: "عليكم"، فينبغي أن يقع الاعتناء بجمع النية مع هذه الكلمة، ويجوز أن يقال: " السلام " وإن لم يكن خطاباً، فإنه بنفسه لا يستقل مفيداً، والكلام الذي لا يفيد لو
جرى في أثناء الصلاة، أبطل الصلاة، فإذاً هو كلام لا يستقل، وإتمامه خطابٌ، فكان الجميع في حكم الخطاب.
882 - وقد تردد الأئمة في تقديم نية العقد وقَرْنها بالتكبير، وأجمعوا في نية الخروج على أنها تُقرن ولا تقدم؛ فإن نية الخروج إذا تقدمت، فهي مناقضة مفسدة، وهذا فيه نظر، فإني قد ذكرت في تحقيق نية العقد، أن الذي يتقدم ليس بنية، وإنما هو إحضار علومٍ بصفات المنوي، فعلى هذا لو جرى ذكر الصلاة قُبيل السلام، ثم قرن القصد إلى الخروج بالسلام، فما أرى ذلك ممتنعاً.
وفيما مهدته من حقائق النيات ما يوضح هذا.
883 - وممّا يليق بتمام القول في هذا أن الأئمة قالوا: السلام من الصلاة، كما أن التكبير العاقد من الصلاة.
وأنا أقول: إن لم نشترط نية الخروج، فالسلام في موضعه من الصلاة.
وإن قلنا: لا بدّ من نية الخروج، فيبعد عندي أن يكون قصد الخروج مع خطابٍ هو مناقض للصلاة من الصلاة.
والعلم عند الله.
فهذا تفصيل القول في الأقل.
884 - فأما القول في الأفضل والأكمل، فأول ما نذكر فيه الكلام في [عدد السلام] 1 فالّذي نصّ عليه الشافعي رحمه الله في القديم، أن المصلي يقتصر على تسليمة واحدة.
ونقل الربيع: أن الإمام إن كان في مسجد صغير وجَمْعٍ قليلٍ، اقتصر على تسليمة واحدة، وإن كثر الجمْعُ، فيُسلّم تسليمتين.
والنص الظاهر أنه يسلّم تسليمتين أبداً من غير تفصيل.
فحصل من مجموع النصوص ثلاثة أقوال: أحدها -وهو الذي عليه العمل- أنه يسلم تسليمتين، وهذا [هو] 2 الّذي تناقله على التواتر الخلف عن السلف.
والقول الثاني: وهو المنصوص عليه في القديم، أنه يقتصر على تسليمة واحدة من غير تفصيلٍ.
ومعتمد هذا القول ما روي عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم تسليمةً واحدة تلقاء وجهه 1.
فأمّا التفصيل، فالتعويل فيه على إبلاغ الحاضرين، قلّوا أو كثروا، فإن قلنا: يقتصر على تسليمة واحدة، فلتكن تلقاء وجه المسلّم من غير التفات.
وإن قلنا يسلم مرتين، فيلتفت في أولاهما عن يمينه، وفي الثانية عن يساره.
ثم قال الشافعي: فيلتفت حتى يُرى خداه، فاختلف أصحابنا في معناه، فمنهم من قال: يرى خداه من كل جانب، وهذا بعيد، فإنه إسراف في الانحراف.
والصحيح أن المعنيَّ به أن يرى خداه من الجانبين، من كل جانب خد.
ثم ذكر العلماء: أنه ينوي السلام على من عن يمينه ويساره من أجناس المؤمنين: من الجنّ، والإنس، والملائكة، ثم مَنْ على اليمين واليسار يقصدون الرد عليه عند الإقبال عليه.
وإن فرعنا على قول التفصيل، فالمنفرد والمأموم يقتصران على تسليمة واحدة.
ثم يقول المسلّم في كل تسليمة: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم التسليمة الثانية تقع وراء الصلاة، وقد تم التحلل بالأولى، ولو فرض حدث مع التسليمة الثانية، لم تبطل الصلاة، ولكن شرط الاعتداد بالتسليمة الثانية إذا ندَبنا إليها دوامُ الطهارة؛ فإنها وإن كانت تقع بعد التحلل عن الصلاة، فهي من أتباع الصلاة.
فالظاهر عندي أن شرط الاعتداد بها الطهارةُ، والله أعلم.
885 - ثم إن كان المصلي إماماً، فإذا تحلّل، فلا ينبغي أن يلبث على مكانه، بل
يثب ساعةَ يسلم؛ وفي الحديث: "إذا لم يقم إمامُكم فانخسوه" 1 وهذا يدلّ على أن الجمع محتبسون إلى أن يقوم الإمام، ولولا ذاك، لَما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخسه.
ثم إذا وثب أقبل على الناس بوجهه، واختلف أئمتنا في أنه من أي قُطْرَيْه يميل، فمنهم من قال: يولي الناس شقه الأيسر، والقبلةَ شقه الأيمن في التفاته، ومنهم من يعكس ذلك، وإن لم يصح في هذا تعبّد، فلست أرى في ذلك إلاّ التخيير.
ثم ينصرف من أي جهة شاء، ولو استوى في حقه الأمران، فالتيامن محبوب في كلّ شيء.
فهذا منتهى القول في ذلك.
وإن كان في المقتدين بالإمام نسوة، فينبغي أن يلبث ويحتبس الرّجال معه، والنسوة يبتدرن وينصرفن؛ حتى لا يختلطن بالرجال.
فصل
في القنوت
886 - ذهب الشافعي إلى أن القنوت مأمورٌ به في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعد الركوع، والأصل في ذلك، ما روي عن أنس بن مالك قال: "قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو عليهم، ثم ترك، وأما في الصّبح، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا" 2.
فإذا ثبت أصلُ القنوت في صلاة الصبح، فالمقدار الثابت فيه ما نقله المزني في المختصر 1 وهو: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيتَ، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذِلّ من واليتَ، تباركت ربّنا وتعاليت" 2.
ثم الذي يجب القطع به أن تتعين هذه الأذكار، ولا يقوم غيرُها مقامَها، وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلّمنا القنوت كما يُعلّمنا السورة من القرآن.
وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس في التشهد.
ثم القنوت شديد الشبه بالتشهد الأول؛ فإنهما جميعاًً من أبعاض الصلاة التي يتعلق بها السجود.
ووقته إذا رفع المصلّي رأسه من الركوع.
= قبيلتان من سُلَيْم، لما قتلوا القراء.
وهذا الجزء من الحديث متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه (ر.
اللؤلؤ والمرجان: 1/ 133 ح 393). أما الحديث بتمامه على نحو ما ساقه إمام الحرمين، فقد رواه الدارقطني: 2/ 39 ح 10، 11، والبيهقي: 2/ 201، ورواه أحمد في مسنده.
(ر.
تلخيص الحبير: 1/ 244 ح 370).
887 - ثم قال العراقيون: إذا نزل بالمسلمين نازلةٌ وأرادوا أن يقنتوا في الصلوات الخمس، ساغ، وإن لم يكن، وأرادوا القنوت من غير سبب، قالوا: قال الشافعي رحمه الله في الأم: لا يقنت.
وقال في الأملاء: إن شاء قنت، وإن شاء، لم يقنت.
ثم جعلوا المسألة على قولين.
(1 وكان شيخي يقلب الترتيب ويقول: إن لم تكن نازلة، فلا قنوتَ إلا في صلاة الصبح، وإن كانت نازلة، فعلى قولين 1).
ثم ما نقله العراقيون من الإملاء، يشعر بأنه يتخير: إن شاء، قنت، وإن شاء، لم يقنت، وهذا يتضمن أن ترك القنوت في غير صلاة الصبح ليس من الأبعاض، والتخيير مصرح بهذا.
وإن كانت نازلة، فقد رأوا القنوت عندها من غير تخيير.
ولست أرى مع ذلك القنوت 2 من الأبعاض، التي يتعلق بتركها سجود السهو.
888 - وممّا يتعلق بأمر القنوت الجهر والإسرار، وقد ذكر أئمتنا في هذا وجهين: أحدهما - أن الجهر به مشروع 3 وهو الظاهر.
والثاني - لا يجهر به، اعتباراً بالتشهد وغيره من أذكار الصلاة.
ثم إن لم نر الجهر به أصلاً، قنت المأموم، كما يقنت الإمام، قياساً على سائر الأذكار.
وإن رأينا الجهر بالقنوت، فالمأموم إن كان يسمع صوت الإمام أمَّنَ، ولم يقنت، وإن كان موقفه بعيداً وكان لا يسمع، ففي قنوته وتأمينه من الخلاف ما ذكرناه في قراءة السورة.
والخلاف في قراءة المأموم جارٍ في الصلاة السرية.
وإن رأينا الإسرار بالقنوت، فالمأموم يقنت وجهاً واحداً، والسبب فيه أن القنوت إذا رأينا الإسرار به، يلتحق بسائر الأذكار.
والسورة وإن كان الجهر بها في بعض1
الصّلوات، فأمرها على الانقسام على الجملة، فينزل منزلة انقسام المأموم في القرب والبعد في الصلاة الجهرية.
889 - ومما يتعلق بالقنوت ما أصفه: كان شيخي يرفع يديه في القنوت، ثم كان يمسح بهما وجهه (1 عند الختم، وفي بعض التصانيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه شاهراً ثم يمسح بهما وجهه 1).
وقد امتنع كثير من أئمتنا من هذا، فإن دعوات الصلاة ليس فيها رفع اليدين مثل التشهد.
وقد راجعت بعضَ أئمة الحديث، فلم يثبت رفعَ اليدين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 2.
وكان شيخي يصلّي 3 في آخر القنوت، ولم أر لهذا ثَبَتاً، وفيه الإتيان بما هو ركن في الصلاة منقولاً عن محله، وفيه كلام سيأتي في باب سجود السهو، إن شاء الله تعالى.
فهذا منتهى الكلام في القنوت.
فصل
قال: "ومن ذكر صلاة وهو في أخرَى ... إلى آخره" 4
890 - من فاتته صلوات، فلا ترتيب عليه في قضائها، خلافاً لأبي حنيفة 51
ومن فاتته صلاة الظهر، فدخل وقت العصر، فإن قضى ما فاته أوّلاً، ثم أقام فرضَ الوقت، جاز، وإن أدّى فرض الوقت أوّلاً ثم قضى جاز، ولكن الأَوْلَى إنِ اتَّسَعَ الوقتُ أن يقضي ما فات أولاً، ثم يؤدي فرض الوقت.
وقد روي في ذلك أخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإذاً رعايةُ الترتيب بين صلاة مقضية وأخرى مؤداة محبوب، والسبب فيه من طريق المعنى -والعلم عند الله في ذلك- أن الأمر برعاية الترتيب يستحث على إقامة القضاء، ولو ابتدر الرجل فرض الوقت، فقد يؤخر القضاء، وتبقى ذمته مشغولة به، وهذا إذا اتسع الوقت، فأما إذا ضاق الوقت، ولو اشتغل بقضاء ما فاته، لفاتت صلاة الوقت، فلا شك أنّا نوجب تقديم الأداء في هذه الصورة.
فصل
"وصلاة المرأة كصلاة الرجل ... إلى آخره" 1.
891 - لما نَجَز الشافعيُّ صفةَ الصلاة قال: والمرأة في كيفية الصلاة كالرجل، إلا أنّا لا نأمرها بالتخوية في السجود كما سبق؛ وكلّ ذلك للستر.
وفي الحديث:
"صلاة المرأة في قعر بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها" 2.
وممّا ذكره الشافعي في سياق ذلك، أن الرجل إذا كان مقتدياً بالإمام، فناب إمامَه = العلماء: 1/ 285 مسألة 242، حاشية ابن عابدين: 1/ 487.
شيءٌ، فينبغي أن يسبِّح لينَبِّه الإمام، والمرأة لا تسبح، فإن ذلك يَشْهَرها، بل تصفق، والأصل فيه، ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليصلح بين فئتين، فأبطأ مجيئه، فقال بلال لأبي بكر: قد استأخر مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقيم لتصلّي بالناس، فقال أبو بكر: ما شئتَ، فأقام وتقدم أبو بكر، فلما تحرّم بالصلاة حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل الناس يصفقون، وكانت الصفوف تخرق وأبو بكر لا يلتفت، فلمّا علم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الصفوف لا تُخرق إلا له، استأخر، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة مشهورة.
فلما تحلّل عن صلاته قال: "مالي أراكم تصفقون؟ من نابه شيء، فليسبح، فإن التسبيح للرّجال، والتصفيق للنساء" 1.
ثم قال القفال: لا ينبغي للمرأة أن تضرب الراحة بالراحة، فإن هذا تصفيق اللهو، ولكن تضرب كفها على ظهر كفها الأخرى.
فصل
قال: "وعلى المرأة أن تستر جميع بدنِها ... إلى آخره" 2.
892 - نذكر ما يجب ستره، وهو الذي يسمى عورة، ثم نذكر كيفية الستر.
فنقول: أما القول فيما يجوز النظر إليه وما لا يجوز النظر إليه، فنذكره مستقصى في أول كتاب النكاح إن شاء الله عز وجل، وإنما غرض هذا الفصل ذِكر ما يستر في الصلاة.
فنقول: أمّا الحرة فجملة بدنها في حكم الصلاة عورة من قرنها إلى قدمها، إلا الوجه والكفان، أما الوجه فواضح، وأمّا الكف، فلسنا نعني به الراحة فحسب، ولكنا نعني به اليدين إلى الكوع ظهراً وبطناً، فأما أَخْمَص قدمها، ففيه وجهان، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] قال
المفسرون: الوجه والكفّان، وما سوى ما ذكرناه من الحرة، فهو عورة، فلو بدت شعرة من غير 1 ما استثنياه، لم تصح صلاتها.
893 - فأما الرجل، فالعورة منه ما بين السرة والركبة، والمذهب أن السرة والركبة ليستا من العورة للرجل.
وحكى العراقيون وجهاً غريباً عن بعض الأصحاب: أن السرة والركبة من العورة، وزيفوا ما حكَوْه.
وهو لعمري بعيد غير معدود من المذهب.
894 - وأما الأمَة، فما بين سرتها وركبتها عورة، كالرجل، وما يظهر منها في المهنة، كالرقبة والساعد وأطراف الساق والرأس، فهذه الأشياء ليست بعورة منها، فأمّا ما وراء ذلك مما فوق السرة وتحت الركبة، وهو ممّا لا يظهر في الامتهان والخدمة ففيه وجهان مشهوران.
فهذا تفصيل القول فيما يجب ستره.
895 - ونحن نذكر الآن الستر ومعناه، فنقول أولاً: وجوب الستر لا يختص بالصلاة، بل يجب إدامة الستر عموماً، ولو استخلى بنفسه، وتكشف في الخلوة حيث يعلم أنه لا يطلع عليه أحد، فقد ذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: أنه يحرم التكشف في الخلوة من غير حاجة، وزعم أنه يجب الستر عن الجن والملائكة، كما يجب الستر عن الإنس.
وكان شيخي لا يحرم التكشف في الخلوة، ويقول: إذا كان يجوز التكشف بسبب استحداد، أو لقضاء حاجة من غير إرهاق وضرورة، فإيجاب التستر في الخلوة لا معنى له، هذا في غير الصلاة.
فأما الستر في الصلاة، فواجب، سواء كان المصلّي في خلوة، أو إذا كان بمرأى من النّاس.
896 - ثم التستر بما يحول بين الناظر وبين لون البشرة، ومن لبس ثوباً صفيقاً، فقد يتراءَى حجمُ أعضائه في الشمس من ورائه، فلا يضر ذلك، فالمرعي باتفاق الأصحاب ألا يبدو السواد أو البياض من وراء الثوب.
ولو وقف المصلّي في ماءٍ صافٍ يبدو منه لون بشرته، فليس بمستورٍ.
وإن كان الماء كدِراً، فهو مستور، ولو طلى على عورته طيناً، فهو ستر باتفاق أصحابنا، وهو كافٍ مع القدرة على الستر بالثياب.
ولو لم يكن معه ثوب، وكان متمكناً من التسبب إلى تحصيل طين ينطلي به، فهل يجب عليه ذلك؟ فعلى وجهين، ذكرهما العراقيون: أحدهما - يجب؛ فإنه ستر، والثاني - لا يجب؛ لأنه لو وجب، لدام الوجوب في الصلاة وغيرها، وتكليف ذلك عظيمٌ منتهٍ إلى مشقة ظاهرة.
897 - ثم الستر يراعى من الجوانب ومن فوق، ولا يراعى الستر من أسفل الذيل والإزار.
ونص أئمتنا أن من كان يصلي في قميص واحد، على طرف السطح، فإدراك سوأته هين على من هو تحت السطح، وصلاته صحيحة.
وهذا عندي فيه للفكر مجال؛ فإن من وقف هكذا فوق مكانٍ مطروق، وكان الريح تعبث بثوبه، فلستُ أستجيز إطلاق القول بأنه يحلّ له ذلك، وهو مُعرَّض للنظر.
فإن قال قائل: العرفُ هو المرعي في الستر، والناس يستترون من فوق ومن الجوانب، قيل: هذا كلام عري عن التحصيل؛ فإن العرف لا يطرد بين العقلاء هزلاً في شيء، وأهل العرف إنما لم يراعوا الستر من أسفل من جهة أن التطلع من تحت القميص والإزار غيرُ ممكن إلا بمعاناة وتكلّف، فإذا فرض الموقف على شخص 1، والأعين تبتدر إدراك السوأة، فهذا لا يُعد في العرف ستراً أصلاً، إلا أن يكون الذيلُ ملتفاً بالساق.
فرع:
898 - إذا كان في الثوب الساتر خرق، فوضع يده عليه وكان يصلي، فقد ظهر الاختلاف في ذلك.
والمذهب عندي تجويز الصلاة، فإن الرجل لو لم يكن في الصّلاة، وفعل
ما ذكره، فلست أرى تعصيته، وإلحاقَه بمن يبدو للناس متكشفاً، وإذا ظهر ذلك خَارجَ الصلاة، فالستر لا يختلف بالصلاة والخروج منها.
ولو كان يصلي في قميص ساتر [ذي طوق واسع وهو] 1 مشدود الإزار، جاز.
ولو كان مفتوحَ الإزار، وكان إذا ركع أو سجد تبدو عورتُه، فإذا بدت، بطلت صلاته، فإن كانت لحيته الكثيفة تسد موضع فتح الإزار، ففيه الخلاف المذكور؛ فإنه سَترَ ما يجب ستره بشيء من بدنه.
والصحيح ما ذكرناه.
ولو كان بحيث تبدو منه العورة، ولكنه في قيامه وانتصابه لا يبدو منه شيء، فهل تنعقد صلاته؛ ثم إن انحنى وتكشف، بطلت صلاته؟ هذا ملتحق بما ذكرناه؛ فإن سبب الستر وعدم التكشف التصاق صدره في قيامه بموضع إزاره، ففيه ما ذكرناه، والمذهب الحكم بالستر في جميع ذلك.
فرع:
899 - إذا وجد خرقة لا تستوعب جميعَ ما يجب ستره، فيجب استعمالها.
ثم قال العراقيون: من أصحابنا من قال: يستر بها القبل؛ فإن السوأة الأخرى مستترة بانضمام الإليتين.
ومنهم من قال: يستر بها السوأة الأخرى؛ فإنها أفحش في الركوع والسجود.
ولا يتجه التخيير في ذلك.
ثم الفخذ وما دون السرة من العورة، ولا فرق عندنا في وجوب الستر بين السوأة وبين غيرها.
899/م- وأبو حنيفة 2 يفصّل ويزعم أن الربع معفوٌّ عنه في التكشف في كل عضو، ويرعى في السوأة تكشف مقدار درهم.
ونحن لا نرعى هذا.
وإذا كان كذلك، فلا يمتنع أن نقول: ما ذكره الأصحاب في الخرقة وترديد القول في السوأتين في حكم الأوْلى.
ولو ستر واجدُ الخرقة بها جزءاً من فخذه، لم يبعد.
جواز ذلك.
وفي كلام الأصحاب ما يدل على تحتم ستر السوأتين أو إحداهما، وله وجه؛ فإن المرعي هو العرف، وما الناس عليه في ذلك، وليس يخفى أن من ستر شيئاًً من فخذه وترك السوأة بادية، يعد متكشفاً.
فرع:
900 - ذكر العراقيون نصين في العراة لو أرادوا عقد جماعة: أحدهما - أنهم إن انفردوا، فعذرهم تمهد في ترك الجماعة، وإن صلّوا جماعة، وغضوا أبصارهم، فجائز.
والثاني - وهو الذي نص عليه في القديم أنهم يصلون فُرادى؛ فإنّ حفظَ العيون فرضٌ، والجماعة نفلٌ، وجعلوا المسألة على قولين في الأوْلى، ولا خلاف أنهم لو عقدوا جماعة، صح ذلك منهم.
ثم إمام العراة ينبغي أن يقف وسطهم، كما سنذكر في صلاة النسوة إذا عقدن جماعة.
فرع 1:
901 - إذا أراد رجل أن يبذُلَ ثوباً، وقد حضر رجل وامرأة على العري، فالمرأة أولى من الرجل وفاقاً، ولو حضر رجلان ولو قسم الخرقة وشقها يحصل في كل واحد بعضُ الستر، ولو خصَّ أحدهما، يحصل له الستر الكامل، فهذه المسألة محتملة، ولعلّ الأظهرَ أن يستر أحدهما، وإن أراد الإنصاف، أقرع بينهما.
فرع:
902 - إذا كان يصلي في إزار ساترٍ، فكشف الريح طرف إزاره عن عورته، فإن أمكنه أن يردّه على القرب، لم يضره ما بدا، وإن عسر الردّ وطيرت الريح الإزار، فهذا يفسد الصلاة، وإن تعاطى بنفسه الكشف عمداً، ثم ردّه على الفور، بطلت صلاته.
وهذا يطّرد في الانحراف عن القبلة، وإصابةِ نجاسةٍ يابسةٍ الثوبَ، [فإن كان عن قصد، فالفساد]، 2 وإن كان عن غير قصد وقرب الزمان، فلا بأس، وإن طال الفصل، بطل.
وإن انحل عقدُ الإزار وانسلّ، فردّه، فهو كما لو انكشف طرف منه وأعيد، فلا فرق.
فإن قيل: ما المعتبر عندكم في قرب الزمان وبعده؟ وهل ترون ضبطَ هذا تحقيقاً
أو تقريباً؟ قلنا: لعلّ الأقربَ فيه ألا يظهر بين الانكشاف وبين ابتداء الردّ مُكْث محسوس على حكم التكشف.
فرع:
903 - الأَمةُ إذا كانت تصلي مكشوفة الرأس، فعَتَقت في أثناء الصلاة فإن كان بالقرب منها خمارٌ، فابتدرته وسترت رأسها، استمرت وبَنَتْ، وكان ما يجري بمثابة تكشف من غير قصد، [تداركه] 1 المصلي على الفور.
وإن كان الخمار بعيداً عنها، وكانت تحتاج أن تمشي إليه خطوات كثيرة، فهذا عند المحققين ينزل منزلة ما لو سبق الحدث في الصلاة، وسيأتي ذلك على القرب.
فإن جرينا على الأصحّ، حكمنا ببطلان الصلاة، وإن فرعنا على القديم فَلْتَمْشِ هذه إلى الخمار وتستتر، ولتبْن على صلاتها، وإن لم تمش، ولكن وقفت حتى أتاها آتٍ بالخمار، ففي بعض التصانيف أن ذلك بمثابة ما إذا أطال الرجل السكوت في صلاته، فإن في بطلان الصلاة وجهين، كذلك هاهنا، وهذا كلام ملتبس.
والوجه أن نقول: إن أتاها الخمار في مدة لو مشت فيها، لنالت فيها الخمار، فلا تبطل الصلاة؛ فإن السكون أولى في الصلاة من المشي والعمل، فإن زادت مدة سكونها على مدة مشيها إلى الخمار لو مشت، فإن لم تبن أمرَها على أن تؤتَى بالخمار، ولكن بقيت كذلك، ثم طالت المدة، وزادت على مدة المشي، فالوجه القطع ببطلان الصلاة، وإن بنت أمرها على أن تؤتَى بالخمار بإشارتها إلى إنسان، فأتى بالخمار، فإن زادت المدة وطالت، فهذا سكون طويل، وتركٌ للساتر، وفي معارضته أنها تركت عملاً كثيراً، وفيه احتمال ظاهر، إذا كان كذلك، ولعل الظاهر الحكم بالبطلان، فإنا إذا ألحقنا هذه الصورة بسبق الحدث، وقد ثبت أنه يُسرع المشي في تدارك ما وقع في القول الذي عليه التفريع، فوجود المشي وعدمه بمثابة، فالوجه النظر إلى التسرّع إلى التدارك من غير مبالاة بالأفعال.
فصل
904 - المصقي إذا سبقه الحدث في الصلاة من غير قصد، فالمنصوص عليه في الجديد أن الصلاة تبطل، ووجهه بيّن من القياس.
وقال أبو حنيفة 1: لا تبطل الصلاة.
وهو قول للشافعي في القديم، وقد بان أن القولَ القديم ليس معدوداً من المذهب؛ فإن الشافعي رحمه الله لما نص عليه في الجديد على جزم، رجع عمّا صار إليه في القديم، ولكن أئمة المذهب يعتادون توجيه الأقوال القديمة على أقصى الإمكان، ثم يفرعون عليه.
توجيه القديم: الحديثُ المدون في الصحاح، وهو ما رواه ابن أبي مُلَيكة عن عائشة أنه عليه السلام قال: "من قاء أو رعفَ، أو أمذى في صلاته، فلينصرِفْ، وليتوضأ وليَبْنِ على صلاته ما لم يتكلم" 2 وإنما لم يعمل الشافعي به في الجديد لإرسال ابن أبي مُلَيكة؛ فإنه لم يلق عائشةَ ولا حجةَ في المراسيل عنده.
وقد روى إسماعيل بن عياش في طريقه عن ابن أبي مليكة، عن عروة عن عائشة، فأسند.
وإسماعيل هذا سيء الحفظ، كثير الغلط فيما يرويه عن غير الشاميين.
وابن أبي مُلَيكة ليس من الشاميين، فإن جرينا على القول القديم، فكل ما يطرأ على الصلاة مما ينقض طهارة الحدث، أو ينجس ما يجب رعاية طهارته، فالمصلي يسعى في إزالة
ذلك على أقرب وجه يقتدر عليه، وإن كثرت الأفعال، ومست الحاجة إلى استدبار القبلة ومشى فرسخاً مثلاً، فإنه يبني على صلاته، ولو أمنى أو أمذى، فالكل على وتيرة واحدة.
فإن قيل: فَلِمَ خصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر أشياء معدودة؛ وإذا كان المذهب مبنياً على الخبر بعيداً عن القياس، فهلا اختص بما اشتمل عليه الحديث؟ قلنا: إنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجري في الصلاة وِفاقاً؛ فإن الرعاف وذراع 1 القيء مما يفرض جريانه في الصلاة إذا تعسر التماسك منهما، وكذلك الرجل المذاء قد يبتلى بالمذي في أثناء الصلاة، فعلمنا قطعاً أن الحديث لو صح، فإنما اختص بهذه الأشياء؛ لأنها الجارية في العرف غالباً، وأبو حنيفة 2 حكم بانقطاع الصلاة بخروج المني، ونزَّل الإمذاء منزلة الإمناء، وإن كان منصوصاً في الخبر، وألحقَ سبق البول بالرعاف والقيء.
905 - ولو تحرّم الماسح على خفه بالصلاة، على طهارة المسح، ثم انقضت مدة المسح أثناء الصلاة، بطلت الصلاة وفاقاً -وإن فرعنا على القديم في سبق الحدث- والسبب فيه أنه قصر، حيث لم يرع قدْر المدة وانقضائها، وكان كالذي يتعمد إلى الحدث 3.
ولو تخرّق خفُّه في الصلاة وبرز القدم، ففي المسالة وجهان: أحدهما - تبطل الصلاة، كانقضاء المدة؛ فإنه مقصر من حيث لم يرع ضعف الخف، وكان كتقصيره في أمر المدة.
والثاني - أن التخرق كسبق الحدث؛ فإن التقصير لا يظهر فيه.
906 - ولو رأى المتيمم الماءَ، فالمنصوص عليه في الجديد أن الصلاة لا تبطل، وليس ذلك كسبق الحدث؛ فإن رؤية الماء في نفسها ليست مبطلة للوضوء حتى يتمكن
الرائي من استعمال الماء [على يسر، والصلاة عاصمة شرعاً مانعة من استعمال الماء،] 1 فهذا -مع ما فيه من الغموض- معتمد المذهب الجديد.
907 - ثم قال أبو حنيفة 2: من سبقه الحدث في المسجد، فخرج وتوضأ، لزمه أن يعود إلى مكانه من المسجد، وفيه يبني، فلو بنى في بيته على صلاته، لم يجز، وهذا ممّا انفرد به أبو حنيفة، وليس له فيه معتصم.
ونحن نقول: إذا رفع المانعَ الطارىء، وهو في منزله، تعيّن عليه البناءُ حيث انتهى إليه، فلو رجع إلى المسجد، بطلت صلاته؛ فإن هذه الأفعال تجرى بعد ارتفاع المانع، فتقع قادحةً في الصلاة، لا محالة، ثم نأمر الساعي في رفع المانع بأن يقتصر من أفعاله على قدر الحاجة، ولا نكلّفه أمراً يخرج به عن مألوف اعتياده من [عَدْوٍ] 3 وبدار إلى رفع الحدث، ولكنه يقتصد، وكما يرعى تقليل الأفعال وتنزيلها على حكم العادة، فكذلك يرعى تقريب الزمان؛ فإن دوام المانع مع التمكن من رفعه استصحابٌ لما يناقض الصلاة.
908 - ولو سبق الحدث، ثم استكمل الذي هو صاحب الواقعة الحدثَ، بطلت صلاتُه.
وقد ذكر صاحب التقريب أنه لو قطر منه بولٌ سبقاً، فله أن يستتم ذلك البول، ثم يتوضأ، وهذا عندي خطأ إذا كان يمكنه أن يتماسك؛ فإن الذي أتى به حدث على اختيار.
ونحن نقول: لو زاد فعلاً من غير حاجة، وبلغ مبلغ الكثرة، بطلت صلاته؛ فالحدث أولى بالتأثير في الصلاة، إذا جرى على حكم الاختيار.
909 - ومما يتعلق بغوامض المذهب أن الأئمة قالوا: لو انكشفت العورة، ثم رد الساتر على قرب، لم تبطل صلاته قولاً واحداً، وطردوا ذلك في نظائر سبقت،
وما جرى 1 مناقض للصلاة، وإن قلّ الزمان وقصر، وكان القياس يقتضي أن ينزل ما ذكرناه منزلة سبق الحدث 2. ولكن الأئمة قاطعون بما ذكرته.
فلْيتأَمل طالبُ الحقائق ما ذكرناه.
ولو كان ذلك محطوطاً عن المصلي لقرب الزمان فيه، للزم أن يقال: لو تعمد المصلي كشف إزاره وردّه على القرب، لا تبطل صلاته.
وقد قالوا: إذا تعمد، بطلت صلاته.
ولو طيرت الريحُ الإزار وأبعدته، وكان لا يلحق إلا بأفعال كثيرة، فهذا ألحقوه بسبق الحدث، وخرجوه على القولين.
910 - ومما فرعه أبو حنيفة 3 على مذهبه في سبق الحدث، أن المصلي إذا سبقه الحدث، وكان ملابساً ركناً من الأركان، مثل أن كان في الركوع أو السجود، قال: بطل ذلك الركن، فإذا أراد البناء، لزمه العود إلى ذلك الركن.
وهذا فيه عندي تفصيل في مذهبنا المفرع على القديم، فأقول: إن سبق الحدث قبل حصول الطمأنينة، فمضى إلى التدارك، فيعود إلى الركوع، وإن كان ركع واطمأن ثم أحدث، فإذا أراد البناء ففي إلزامه العود إلى الركوع احتمال.
والظاهر أنه لا يعود؛ فإن موجب هذا القول، أن الحدث لا يبطل شيئاًً مضى، وأن من سبقه الحدث يبني، ولا يعيد شيئاًً قد تم على موجب الشرع.
[فصل] 4:
قال: "ولو تكلم أو سلم ناسياً ... إلى آخره" 5.
911 - الكلام على عمدٍ مبطل للصلاة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها من كلام الآدميين شيء" 6 ولا فرقَ بين أن يكون في مصلحة
الصلاة، وبين ألا يكون كذلك، خلافاً لمالك 1، ولو جاز الكلام في مصلحة الصلاة، لما أمر الرجل بالتسبيح والمرأة بالتصفيق إذا ناب الإمامَ شيءٌ.
ثم مضمون هذا الفصل يوضحه أمران: أحدهما - في كلام من ليس معذوراً، والثاني - في المعذور وتفاصيل العذر.
فأما غير المعذور، فمهما 2 عمد المصلّي مع ذكر الصلاة وعلمه بتحريم الكلام كلاماً 3 خارجاً عن مراسم الشرع، في القراءة والتسبيح والدعاء، بطلت صلاته.
ثم ما يأتي به، ينقسم إلى كلام مفهوم، وإلى حروف لا تفهم: فأما ما يفهم، فإنه على الشرائط التي ذكرناها، تبطل الصلاة وإن كان حرفا واحداً، فإذا قال: (عِ) أو (قِ) أو (شِ) من وعى ووقى ووشى، بطلت صلاته.
وإن كان أتى بحرف لا يُفهِم معنى، فالحرف الواحد لا يبطل الصلاة، وإن والى بين حرفين، بطلت صلاته؛ فإن أقل مباني الكلام في أصل اللسان حرفان.
ولو استرسل منه صوت غُفْل لا تقطّع فيه، ولا يسمى حرفاً، فسماعي عن شيخي فيه أنه لا يبطل الصلاة، ولو ذكر حرفاً ووصله بصوت غُفل؛ فإنه كان يتردد فيه، وهو لعمري محتمل؛ فإن الكلام حروف، والأصوات المرسلة من مباني الكلام.
والأظهر عندي أنه مع الحرف كحرف مع حرف؛ فإن الصوت الغُفل مَدّة، والمدّات تقع ألفاً أو واواً أو ياءً، وهي -وإن كانت إشباعاً لحركات- معدودةٌ حرفاً، وعندي أن شيخي ما تردد فيها، وإنما تردد في صوت غُفل مع حرف إذا لم يكن ذلك الصوت مَدّة، وإشباعاً لإحدى الحركات الثلاث.
912 - ومما يتعلق بهذا الكلامِ القولُ في التنحنح، فمن تنحنح فاتحاً فاه مغلوباً = العاطس في الصلاة، ح 930، والنسائي: السهو، باب الكلام في الصلاة، ح 1218، التلخيص: 1/ 281 ح 449).
فيه، وما أتى به لحاجة، فالذي قطع به الأئمة أنه إذا أتى بحرفين، بطلت صلاته.
وحكى ابن أبي هريرة نصاً عن الشافعي: أن التنحنح لا يبطل الصلاة أصلاً؛ فإن الذي يأتي به -على ما يُعهد- ليس آتيا بحروف محققةٍ؛ فهو كصوت غُفل.
قال القفال: بحثت عن النصوص، فلم أر ما ذكره، وأنا سأعود في أثناء الكلام إلى هذا.
وأقول الآن: إذا صار المصلي بحيث لا يتأتى منه القراءة المفروضة ما لم يتنحنح، فكأن 1 اختنق أو اغتص بلقمة؛ فإنه يتنحنح ولا يضره ذلك، مع مسيس الحاجة التي وصفناها.
ولو كان في صلاة جهرية، وقد عسر عليه الجهر لو لم يتنحنح، وما عسرت القراءة سراً، فهل له أن يتنحنح ليجهر ويقيم شعار الجهر وكان إماماً؟ فيه وجهان مشهوران: أقيسهما: المنع؛ فإن الجهر أدب وهيئة، وترك ما هو من قبيل الكلام حتم، ولا يتجه وجه الجواز إلا بشيء، وهو أن التنحنح في أثناء القراءة يُعد من توابع القراءة، ومن ترديد الصوت بها، ولا يُعد كلاماً منقطعاً عن القراءة.
ولعل ابن أبي هريرة نقل ذلك القول في أثناء القراءة، فينقدح توجيهه، وإن لم تكن حاجة ماسة كما ذكرته، وإن كان بعيداً.
فأما التنحنح لا في حالة استياق 2 القراءة، فيبعد المصير إلى أنه لا يُبطل، فكان مأخذ الكلام في التنحنح الجاري في القراءة [أنه يُبطل في ظاهر المذهب، إذا لم يتعذّر أصل القراءة] 3، فإن تعذر رفعُ الصوت، ففيه الخلاف المعروف، ووجهه أنه مع الحاجة في القراءة كأنه تابع، وعن هذا قد يتجه أنه إذا لم تكن حاجة أيضاً، لا يُبطل، إذا كان في خلال القراءة.
وحكى شيخي عن القفال أنه كان يقول: لو طبق شفتيه وتنحنح، لم تبطل صلاته، وإنما التفصيل فيه إذا كان يتنحنح فاتحاً فَاه.
وهذا ممّا انفرد به القفال، وصار إلى أن
التنحنح مع التطبيق كجرجرة في الحلق، أو قرقرة في التجاويف.
ولست أرى الأمر كذلك؛ فإن هذه الأصوات لا تختلف في السمع بالتطبيق والفتح، ومن تنحنح لا يأتي بالحروف الحلقية صريحاً، وإنما هي أصوات تداني الحروف الحلقية، لا يصفها الكتبة ويعرفها من يتأمل.
وإذا كان كذلك، فلا فرق بين حالة التطبيق وحالة الفتح.
913 - ولو قرأ المصلي آيةً أو بعضاً من آية، فأفهم بها كلاماً، مثل أن يقول: "خذها بقوة"، أو يقول -وقد حضر جمع فاستأذنوا-: "ادخلوها بسلام"، فإن لم يخطر له قراءة القرآن، ولكن جرد قصدَه إلى الخطاب، بطلت صلاته.
وإن قصد القراءة، ولم يخطر له إفهامَ أحد، بحيث لو دخلوا لم يُرد دخلوهم من معنى قوله، [فلا شك أن صلاته لا تبطل، وإن قصد قراءة القرآن وقصد إفهامهم] 1، فالذي قطع به الأئمة أن الصلاة لا تبطل؛ فإنه لا يُجدّ متكلماً، والحالة هذه.
وقال أبو حنيفة 2: تبطل الصلاة بهذا.
914 - ولو دعا بالفارسية، بطلت صلاته، وكذلك لو أتى بترجمة القرآن.
وقد ذكرنا أن ترجمة القرآن لا تقوم مقام القراءة، وخلاف أبي حنيفة مشهور فيه 3.
ومعتمدنا في وجوب الرجوع إلى الأذكار عند تعذر القراءة، ما روي عن رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن كان يحسن شيئاًً من القرآن، قرأ، وإن كان لم يحسن شيئاًً، فليحمد الله وليكبر" 4.
فهذا تمهيد المذهب فيما يأتي به المصلي من الكلام من غير عذر.
915 - فأما تفصيل القول في المعذور، فنبدأ بالنسيان أولاً، فإذا نسي الرجل كونَه في الصلاة وتعمد الكلام، وهذا هو المعني بكلام الناسي، فهذا غير مبطل للصلاة، خلافاً لأبي حنيفة 1، والمعتمد فيه من جهة السنة قصة ذي اليدين وهي مذكورة في الخلاف.
ولو كثر الكلام في حالة النسيان، ففي بطلان الصلاة وجهان: أحدهما - وهو القياس أنه لا تبطل الصلاة؛ فإنه لو أبطل الصلاة [كثيرُه، لأبطلها قليلُه، كحالة العمد، والثاني - إذا كثر أبطل الصلاة] 2 لأمرين: أحدهما - أن هيئة الصلاة تزول بكثرة الكلام، وينقطع نظامها، والثاني - أن الناسي يعذر، لأنه قد يبتلى ببادرة، فأما الكثير، فيبعد تصوير النسيان فيه، فإنه يتنبه أو يُنبّه، وما يقع نادراً لا يعتد به، والصائم إذا أكل ناسياً لصومه فإن قل أكله، لم يبطل صومه، وإن كثر، ففي المسألة وجهان مرتبان على الوجهين في الكلام الكثير مع استمرار النسيان، فإن قلنا: لا تبطل الصلاة، فلأن لا يبطل الصوم أولى، وإن قلنا تبطل الصلاة [ففي الصوم وجهان مرتبان على المعنيين المذكورين في التوجيه، فإن قلنا ببطلان الصلاة] 3، لندور النسيان الطويل، فهذا يتحقق في الصوم أيضاً.
وإن اعتمدنا في الصلاة الهيئة وانقطاعَ النظام، فهذا لا يتحقق في الصوم؛ فإنه ليس بعبادة ذات نظام، وإنما هو انكفاف عن أمور معروفة.
916 - ولو تكلّم الرجل جاهلاً بأن الكلام يحرم في الصلاة، وكان قريب عهدٍ بالإسلام، فلا تبطل الصلاة، وجهله يعذره.
والأصل فيه الأخبارُ، وقد رويناها في الخلاف 4.
ولو علم أن الكلام محرّم في الصلاة، ولكن لم يعلم كونَه مفسداً، فتفسد صلاته وفاقاً، وهذا يطرد في الصوم وغيره، وهو يناظر مسألة من كتاب الحدود، وهي أن من شرب الخمر، ولم يعلم تحريمَها لم يحدّ، وإن علم تحريمها، ولم يعلم أنه يُحد شاربُها، حُد، ولم يصر جهله بالحدود دارئاً له.
ولو علم أن الكلام على الجملة يحرم، ولكن لم يدْرِ أن الذي جاء به محرم، فقد ذكر بعض المصنفين أن الصلاة تبطل في هذه الصورة، وهذا محتمل عندي، ويظهر المصير إلى أنها لا تبطل الصلاة.
فهذا بيان تمهيد عذر الناسي والجاهل.
917 - ومما يلتحق بالنسيان والجهل وهو أولى منها، وهو أنه لو التف لسان الذاكر والقارىء، فجرى بكلام جنسه مبطل للصلاة، فلا تبطل صلاته أصلاً، وعندي أن أبا حنيفة يوافق في هذا، مع مصيره إلى أن الناسي لا يعذر؛ فإن سبق اللسان إلى هذا لا يزيد على سبق الحدث، ومن سبقه الحدث، لا تبطل صلاته.
918 - ومما نذكر في المعاذير أن المصلي لو أكره على أن يتكلم في الصلاة، فتكلم مكرهاً، فهذا كما لو أكره الصائم على الأكل مع ذكره للصوم، وفيه قولان، سأذكر حقيقتهما في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى، والغرض الآن تنزيل المصلي منزلة الصائم.
919 - ومما نذكره متصلاً بالكلام السكوت، فإذا أطال الرجل سكوته، وهو لا يؤمر باستماع وإصغاء، فإن تعمد ذلك في ركن طويل، فقد ذكر القفال وجهين في بطلان الصلاة، أصحهما 1 أنه لا تبطل؛ فإن السكوت ليس خارماً لهيئة الصلاة وما فيها من رعاية الخضوع والاستكانة.
والثاني - أنه تبطل الصلاة؛ فإن اللائق بالمصلي الذكر والقراءة، والسكوتُ في حكم الإضراب عن وظائف الصلاة وما شرعت الصلاة لأجله.
والدليل عليه أنَّ من رأى رجلاً على البعد يتكلم، يسبق إلى اعتقاده أنه ليس في