كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ذهب إليه المحققون من أئمة المراوزة أن النصف الراجع إلى الزوج أمانة في يدها، ولا يلحقها بسبب ما يطرأ من العيب بعد الطلاق من غير عدوانها عهدة وضمان.
ولو تلف الصداق في يدها بعد الطلاق، ولم تنتسب إلى الاعتداء، لم تضمن [النصفَ] 1 الراجع إلى زوجها.
هذا ما ذكره القاضي والصيدلاني وجماعة المراوزة.
وقطع العراقيون قولهم بأنَّ النصف الراجع إلى الزوج مضمون عليها في يدها؛ فلو تلف ضمنته من غير تقصير.
وشبهوا هذا النصف في يدها بما لو باع عبداًً بجارية، ثم رُدت الجارية بالعيب ولزم رد العبد، فما لم يرده على صاحبه يكون مضموناً عليه، حتى لو تلف العبد في يده، ضمنه.
فهذا مسلكهم، وهو مخالف لطريق المراوزة.
وقد فرقوا بين النصف الراجع إلى الزوج، وبين المسألة التي استشهد بها العراقيون من بيع الجارية بالعبد، فقالوا: العبد عوض الجارية المردودة، فإذا رُدَّت، فمن حكم المعاوضة إثبات الضمان في العوض حتى يُردَّ، والنصف من الصداق لا يرتد في مقابلة عوض " فإنَّ النكاح لا ينفسخ بالطلاق، فالمسألة محتملة جداً؛ فإنَّ رجوع نصف الصداق في مقابلة انقلاب منفعة البضع إليها من غير استيفاء، ولولا هذا، لكان يجب ألاَّ [يرتد] 2 من الصداق شيء.
8399 - ولو كانت قبضت الصداق، ثم فسخ الزوج النكاح بسببٍ يتضمن استرداد جميع الصداق، فالذي يقتضيه قياس الطرق كلها: أنَّ الصداق يكون مضموناً [عليها] 3 حتى تردّه؛ فإنه في هذا المقام يرتد ارتداد الأعواض في الفسوخ.
وإذا ارتد الزوج قبل المسيس، وحكمنا بأنَّ ردته بمنزلة الطلاق في تشطير الصداق، فالعراقيون إذا ضمّنوها نصف الصداق عند الطلاق، فلا شك أنهم يطردون مذهبهم في هذه الصورة.
والذي يقتضيه قياس المراوزة أنَّ نصف الصداق لا يكون مضموناً على المرأة قياساً [على] 1 نصفه وقد طُلِّقت قبل المسيس، ولا نظر إلى الانفساخ؛ فإنَّ الصداق في ذمة الزوج لا يرتد ارتداد الأعواض في الفسوخ؛ إذ لو [كان] 2 يرتد ارتدادها، لارتد جميع الصداق.
ومما يتعلق ببيان الوجهين، أنَّا [إن] 3 جعلنا الطلاق بنفسه مشطِّراً، فلا خِيَرة.
8400 - ولو قال الزوج: طلقتك على أنَّ جميع الصداق متروك عليكِ، فلا حكم للفظهِ، وإن أراد ترك الصداق، فليهب منها النصفَ المرتد إليه، وإن حكمنا بأنَّ الارتداد يتوقف على اختيار التملك، فسبيل اختيارِهِ كسبيل الرجوع في الهبة.
وسيأتي شرح ما يكون رجوعاً فيها، إن شاء الله تعالى.
8401 - والذي ترددت فيه مرامز كلام الأئمة: أنَّ المرأة بعد الطلاق هل تملك التصرف في النصف الذي يستحق الزوج تملكه قبل أن يختار التملك؟ يجوز أن يُقال: تملك التصرف فيه ملكَ المتهب، أو كما تملك قبل الطلاق التصرفَ في جميع الصداق، مع قدرة الزوج على أن يطلقها متى شاء.
وهذا هو القياس.
ويجوز أن يُقال: لا تتصرف، بخلاف المتهب؛ فإنَّ الهبة معقودة للإفضاء إلى تمليك التصرف.
وكذلك القول فيما قبل الطلاق إذا طلقها الزوج، فالطلاق سبب متجدد يقتضي التسلط على [تشطير] 4 الصداق، فينبغي أنْ نُلْحقها بالملك في زمان الخيار.
ثم على هذا يطول النظر في العتق والبيع، وما يقبل التعليق وما لا يقبله، وقد مضى تفصيل ذلك في أول كتاب البيع.
والظاهر تنزيلها -على اشتراط اختيار التملك- منزلةَ المتهب، ومنزلةَ المرأة قبل الطلاق، حتى تتسلط على التصرف.
ولا حاصل لقول من يقول: المتهب إذا تصرف في العين بإزالة الملك عنها، لم
يغرمْ للواهب شيئاً إذا رجع.
والمرأة إذا أتلفت الصداق قبل اختيار التملك، ثم اختار الزوج الرجوع إلى نصف الصداق، فإنه يرجع عليها بشطر القيمة؛ وذلك أنَّ هذا المعنى يتحقق قبل الطلاق، ثم تصرفها نافذ، وإن كانت لو أخرجت العين، رجع الزوج عليها بنصف قيمتها إذا طلقها.
8402 - ومن تمام القول في ذلك أن الزوج إذا طلق قبل المسيس، ولم يصادف عين [الصداق] 1، والتفريع على اختيار التمليك، فهذا فيه عُسر في هذه الحالة، ولكن وجهه أن يثبت له اختيار الرجوع إلى شطر الصداق، فإذا اختاره، رجع عليها بنصف القيمة.
ولا عود بعد ذلك إلى هذا الوجه الضعيف، والتفريع على أنَّ الطلاق بنفسه يشطّر الصداق.
8403 - وقد ذكر الشافعي في فصول (السواد) لفظةً أشكلت على المراوزة، فنذكرها ونذكر ما قيل فيها.
قال: " وهذا كله ما لم يقضِ له القاضي بنصفه، فتكون ضامنةً لما أصابه في يدها ... إلخ " 2، فتقييد الشافعي الكلام بقضاء القاضي لا يليق بظاهر المذهب؛ فإنَّا أوضحنا أنَّ الظاهر تشطير الصداق بنفس الطلاق.
فقال الأئمة: معنى قوله: " هذا كله ما لم يقض له القاضي ". أي: لم يدخل وقت يقضي القاضي فيه بارتداد شطر الصداق إلى الزوج، وكأن المراد أنَّ ذلك إذا لم يطلق الزوج، فإذا طلق، فقد حان وقت القضاء للزوج بنصف الصداق إذا التمس ذلك من القاضي.
وقد ذكر شيخي في دروسه أنَّ من أصحابنا من قال: يتوقف تشطّر الصداق على قضاء القاضي، وكان لا يحكي اختيار التملك كما ذكره الأصحاب، بل كان يذكر المذهب الظاهر في التشطر، ثم يقول: مِن أصحابنا من قال: لا يتشطر حتى يقضي القاضي بالتماس الزوج.
وهذا وإن كان يعتضد بظاهر النص، فهو وهمٌ وغلطٌ لا شك فيه، ولا يليقُ بمذهب الشافعي ألبتة.
ومما أشكل على المراوزة من هذا اللفظ أنَّ الشافعي قال: " فتكون حينئذ ضامنة ". وهذا تصريح بأنَّ النصف الراجع إلى الزوج مضمون عليها في يدها، وهذا يطابق مذهب العراقيين.
وقد ذكر المراوزة فيه تأويلاً مستكرهاً، وقالوا: هذا مفروض فيه إذا امتنعت من رد الشطر مع طلب الزوج، فتصير متعدية.
وهذا التأويل فيه بعد، والممكن في التوجيه أنَّ الشافعي ذكر قضاء القاضي تحقيقاً للامتناع، وتصويراً لمسيس الحاجة إلى الرفع إلى الحكام، فإذ ذاك ذَكر الضمان، وهذا يَقْوَى مع مصير الأصحاب إلى أنَّ قضاء القاضي لا أثر له، فحصل بالحمل على ما ذكرناه من الامتناع صرفُ قضاء القاضي إلى الحاجة عند تقدير الحاجة.
8404 - فإذا تبين ذلك، عدنا بعده إلى التفريع على ظاهر المذهب، وهو أن الطلاق يُشطّر بنفسه، فنقول: الصداق لا يخلو، إما أن يكون عيناً، أو ديناً.
فإن كان عيناً، فلا يخلو: إما أن يكون قد تغير أو لم يتغير، فإن لم يتغير، فلا إشكال أنَّ الشطر راجع إلى الزوج، وإن كان قد تغير، فلا يخلو: إمَّا أن تغير بالزيادة، أو بالنقصان، أو بما هو نقصان من وجه، وزيادة من وجه.
فإن تغير بالزيادة: فالزيادة لا تخلو: إمَّا أن تكون متصلة أو منفصلة، فإن كانت منفصلة؛ فهي خالصة لها إذا حصلت قبل الطلاق، ويرجع الزوج في نصف العين سواء حصلت في يده أو يدها.
وإن كانت الزيادة متصلة، فالمرأة بالخيار بين أن تسمح بالزيادة على الزوج، وإذا هي سمحت، رجع الزوج في نصف العين زائداً، وليس له أن يكلفها القيمة- ذاهباً إلى الامتناع من قبول [مِنّتهَا] 1؛ فإنَّ الزيادة المتصلة ليست مما يُفرد بمنْحه، وهي تجري على أقضية التبعية.
ويتصل بهذا المكان أنها إذا رضيت، كفى رضاها، ولا حاجة إلى قبولٍ من جهة
الزوج 1، ولابد من تصريحها بالرضا، ولا حاجة إلى منحةٍ وهبة في تلك الزيادة 2.
وإن لم ترضَ رَدَّ [نصفِ] 3 العين زائداً، [استمسكت] 4 بها، وللزوج نصفُ قيمة العين.
وهاهنا نبحث عن وقت القيمة.
قال الأئمة: نعتبر أقل قيمة من يوم الإصداق إلى يوم التسليم إلى المرأة، ولا نعتبر زيادة -إن كانت- بين الإصداق وبين التسليم، ولا نعتبر زيادة بعد التسليم، واعتل الأصحاب بأنَّ قيمة وقت الإصداق إن كانت أقل، فما فرض من زيادة، فهو في ملكها وحقها، فلا تؤاخذ به.
وإن فرض نقصان القيمة بعد الإصداق وقبل التسليم، فهذا من ضمان الزوج، فلا تؤاخذ المرأة به.
وكنت أود لو قيل: إذا لم يطرأ عيب، وإنما وجد تفاوت القيمة بارتفاع السعر، فالاعتبار بقيمة يوم الطلاق؛ فإنَّ الشطر إنما يرتد إلى الزوج يومئذ والعين قائمة، ولكنه لا تردها لمكان الزيادة، فالوجه أن نقول: ما قيمة هذه العين لو لم تكن زائدة، فنعتبرها.
نعم، لو تلفت العين قبل الطلاق، فيتجه إذ ذاك اعتبار أقل قيمة من وقت الإصداق، إلى وقت التسليم، كما سنشرحها، إن شاء الله عز وجل.
8405 - ولو ازداد المبيع زيادة متصلة، ففُلِّس المشتري قبل توفر الثمن، فالبائع يرجع في المبيع، وإن كان زائداً، ولا تصير الزيادة سبباً لإبطال حق الرجوع في العين.
ولأصحابنا مسألتان في محاولة الفرق بين الصداق وبين المبيع في حق المفلس.
فالذي حكاه العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه قال في الفرق: لو أبطلنا حق
الرجوع للبائع في المبيع، فهذا يُثبت للغرماء حق المضاربة، وليس في قطع حق الزوج [عن] 1 عين الصداق ما يُحبط حقه في المالية؛ فإنه إن لم يرجع في نصف العين، يرجع في نصف قيمة العين، حتى لو فرض الطلاق وهي مفلسة والحجر مطّرد، فللزوج الاستبداد بنصف الصداق وإن كان زائداً؛ فإنه لو لم يرجع بالعين 2، لضارب بالقيمة.
وهذه الطريقة غير مرضية، والوجه أن يقال في الفرق: البائع يرجع إلى المبيع بسبب فسخ البيع، وهذا يستند إلى استحقاق متعلق بالعقد، وإن كان الفسخ قطعاً للعقد في الحال، وذلك أنَّ العوضية تقضي ألا يُسلَّمَ عوضٌ من أحد الجانبين ما لم يسلَّمْ مقابله في الجانب الثاني، فلما كان حق فسخ البائع مستنداً إلى حالة العقد، والزيادة حدثت بعد العقد، يجوز أن يقال: لا اعتبار بها وتقع تابعة.
وأما رجوع نصف الصداق إلى الزوج بالطلاق، فليس يستند إلى أصل العقد استنادَ استحقاق يوجبه مقتضى العقد، وإنما هو أمر جديد لا ارتباط له بالاستحقاق السابق.
فعلى هذا إذا كانت المرأة محجوراً عليها، نظر، فإن تقدم الطلاق على الحجر، فنصف الصداق قد ارتد إلى الزوج، فطَرَيان الحجر لا يسقط ملك الزوج.
وإن جرى الحجر ثم طرأ الطلاق، فظاهر كلام الأصحاب أنَّ الزوج لا يكون أولى بنصف الصداق، [فإنَّ سبب استحقاقه تَجَدَّدَ بعد تعلّق حقوق الغرماء بعين الصداق] 3. فهذا ما نقوله ولا زيادة.
فحاصل المذهب إذاً أنَّ البائع يرجع بالعين المبيعة وإن زادت زيادةً متصلةً.
والزوج هل يرجع [إذا جرى الطلاق] 4 بعد الحجر؟ فيه ترددٌ ظاهر للأصحاب، منهم من قال: لا يرجع، وإن لم تزد العين.
ومنهم من قال: يرجع.
ثم الذين أثبتوا حق الرجوع اختلفوا في أن الصداق لو كان زائداً زيادة متصلة والمرأةُ محجور عليها، فهل يمتنع رجوعه بسبب الزيادة؟ فيه اختلاف بين الأصحاب، منهم من قال: يمتنع رجوعه إلا أن ترضى ويرضى الغرماء، ومنهم من قال: لا يمتنع رجوعه بسبب الزيادة، كما لا يمتنع رجوع البائع في البيع وإن كان زائداً.
8406 - ولو زاد الصداق في يد المرأة زيادة متصلة، ففسخ الزوج النكاح بعيب بها، فالزيادة في هذا المقام لا تمنع الرجوع إلى العين، ولا أثر لها، كما لا أثر لها في الرد بالعيب والرجوع بسبب الإفلاس إلى المبيع؛ والسبب فيه أن فسخ النكاح يستند إلى استحقاق السلامة، وهو مستند إلى أصل العقد.
ولو زاد الصداق في يدها، فارتد، فقد ذكرنا أن الارتداد يوجب تشطير الصداق كالطلاق، فإذا كان كذلك؛ فالزيادة المتصلة تُثبت للمرأة الخيار كما يثبت لها الخيار إذا كانت مطلقة.
وإذا ارتدت المرأة، فردتها قبل المسيس توجب سقوط جميع المهر بطريق الانفساخ، وفي كلام العراقيين تردد في أن الزيادة المتصلة في هذه الصورة هل تمنع الزوج من الرجوع إلى العين؟ والمسألة محتملة؛ من حيث إن النكاح ينفسخ [بالرّدّة] 1، ولكن هذا الانفساخ لا استناد له إلى العقد، بخلاف الفسخ الذي يجري بتخلف [السلامة] 2 المستحقة بالعقد، فيجوز أن يقال: الزيادة المتصلة تُثبت لها الخيار في الاستمساك بالعين، كما تقدم ذكره في ردة الزوج، ويجوز أن يقال: لا خِيَرة لها؛ فإنها منتسبة إلى ما يوجب قطع النكاح؛ فنَبتُّ حقَّها عن التعلق بالزيادة، كما [بتتناه] 3 عن أصل الصداق، والمسألة محتملة مما يليق بأسرار الفقه.
8407 - ولا إيضاح لمقصود المسألة ما دام يختلج ما ذكرناه في الصدر؛ وذلك أنا
إذا أثبتنا الخِيَرة للمرأة، فيمتنع ارتدادُ شطر الصداق ما دامت المرأة مستمرة على خِيَرَتها، وبمثل هذا المعنى يعسر من الزوج مطالبتها بنصف القيمة؛ فإن التخير من جانبها يوجب تفويض الأمر إلى رأيها، ورأيُها ليس على الفور، فكيف السبيل، وما الوجه؟ وبأي طريق ينفصل الفقه في هذه المسألة؟ فنقول:
إن أعرضا جميعاً عن الطلب والرد؛ فالأمر موقوف في حق الزوج، متردد بين القيمة وبين العين وإن وجّه الزوج الطَّلِبة، فحق عليها أن ترد نصف العين مع الزيادة أو تغرَمَ نصفَ القيمة، وليس لها التسويف والمدافعة، فإن دافعت رُفعت إلى القاضي، ثم لا يَجزم الزوج دعواه في القيمة ولا في العين؛ فإن إثبات الخِيَرةِ لها يمنع الجزم في كل واحد من الوجهين، والقاضي لا يقتضي منها على أن يحبسها لتبذل القيمة أو العين إذا كانت العين عتيدة 1؛ فإنّ تعلُّق الزوج بالعين يزيد على تعلّق المرتهن بالرهن، وتعلق الغرماء بالتركة التي أحاطت الديون بها، فنقول لها: إن كان شطر القيمة أقلَّ من نصف العين، فيُصرف إلى الزوج نصف القيمة، ويُدفع الفاضل إليها، وإن كانت العين لا تزيد على القيمة؛ ففي هذا احتمال، يجوز أن يقال: لا يسلّم القاضي نصف العين إلى الزوج، بل يبيعُه رجاءَ أن يجد زَبوناً فيشتريه بما يساوي، ويتجه في هذا أن يقال: يسلم العين إليه إذا لم يكن فضل في القيمة؛ لأن حق الزوج متأكد في مالية العين، فالطلاق على المذهب الظاهر يملّكه شطر الصداق من غير اختيار.
هذا منتهى القول فيه.
8408 - ومن بدائع الأشياء اضطراب الأصحاب في معنى قول الشافعي: " وذلك كله ما لم يقض له القاضي "، وكلامه متصل بذكر زيادة الصداق، ويتعين عندي حملُ كلام الشافعي في أن القضاء على امتناعها عن [التسليم] 2 قد يقضي القاضي بتسليم العين في الصورة التي ذكرناها، وظاهر كلام الشافعي دليل على أنه لا يسلم العين إلى
الزوج مطلقاً؛ فإنه جعلها ضامنة إذا تلفت العين.
هذا كله تفصيل القول فيه إذا تغير الصداق بالزيادة.
8409 - فأما إذا تغير بالنقصان، فلا يخلو، إما أن يكون في يده، أو يدها، فإن اتفق تعيب الصداق في يده، ثم طلقها، فحق الزوج في نصف العين، فإن النقصان محسوب [عليه] 1 وقد حدث في ضمانه لها، والحق ردُّ العين، كما فصلناه في تغير الصداق في يد الزوج بالتعيب.
ومما يتصل بهذا أن الصداق لو تعيب في يد الزوج بسبب جناية أجنبي فغرّمت [الأجنبي] 2 الأرشَ، ثم طلقها الزوج قبل المسيس، فلو كان هذا التعيب بآفة سماوية، لم يكن للزوج إلا نصف الصداق، وهو معيب، والآية العيب الكائن بالصداق على صورة العيب بالآفة السماوية ولكنها فازت بالأرش، وغرّمت الأجنبي، فهل يرجع إلى الزوج نصف ذلك الأرش؟
هذا مما روجع القاضي فيه، فلم يُحر جواباً جازماً، ووجه التردد في المسألة نبهنا عليه في أن هذا العيب جرى والصداق في ضمان الزوج، وهي أخذت الأرش بحق ملكها، كما تأخذ الزوائد، والرأي الظاهر أن الزوج يرجع بنصفٍ من ذلك الأرش؛ فإن النقصان استخلف الأرش، وقيمة الشيء في الماليات تنزل منزلته، فكأن العيب لم يقع، فهذا إذا حدث العيب في يد الزوج.
8410 - وإن حدث النقصان في يدها ثم طلّقها الزوج، فهو بالخيار بين أن يرضى بنصف العين ناقصاً، ويرجع فيها مع النقصان ولا يغرّمها الأرش، وبين أن يترك عين الصداق عليها لمكان العيب، ويغرّمها نصف القيمة، وهذا بناه المراوزة على أن ما يرتدّ إلى الزوج أمانة في يدها، فلا تؤاخذ بأرش النقص.
ويجوز أن يقال: وإن حكمنا بأنها مؤاخذة بالتعيب والتلف بعد الطلاق في نصيب الزوج، فلا يلزمها أرشٌ أيضاً؛ فإن التعيب قد جرى والصداق مِلكها، وليس كما إذا
قلنا الصداق مضمون باليد، ثم عاب في يد الزوج؛ فإنا نثبت للمرأة تغريم الزوج الأرشَ، والفرق أن الزوج ممسكٌ ملكَها بيدٍ ضامنةٍ، على القول الذي نفرع عليه، وموجب ذلك أن يغرَم لها أرش النقصان كما يغرَم المستعير والآخذُ على سبيل السوم، والمرأة ليست حافظة للزوج ملكاً قبل الطلاق.
فهذا ما ذكره الأئمة وفيه على حالٍ احتمال، من جهة أن الصداق لو تلف قبل الطلاق، لغرمت له نصفَ القيمة، ومن يغرم القيمة بجهةٍ، لا يبعد أن يغرَم أرشَ النقص بتلك الجهة.
وإذا اشترى الرجل عبداً بجاريةٍ وجرى التقابض، ثم وجد قابض العبد بالعبد عيباً، فرده، فإذا الجارية قد عابت عيباً حادثاً في يد قابضها، فقد جرى العيب في دوام ملك قابض الجارية، كما جرى العيب في الصداق في دوام ملك المرأة، ثم إذا رَدَّ قابضُ العبدِ العبدَ، فقد ظهر مصير الأصحاب إلى أنه يسترد الجارية مع أرش العيب الحادث؛ فإنها لو تلفت، لرد العبد واسترد قيمتها.
وهذا قد ذكرته في أحكام العيوب في البيع، وذكرت مضطرب الأصحاب فيه.
ويجوز أن يقال: ليس الصداق كالمسألة التي استشهدنا بها؛ من قِبل أن من ردّ العبد إنما ردّه لتخلّف سلامةٍ استحقَّها بالعقد، [فعهدةُ] 1 التقابل في العوضين بيّنةٌ، وهذا لا يتحقق في الصداق.
فقد تحصل مما ذكرنا أن الذي ذكره الأصحاب في الطرق أن الزوج بالخيار إن شاء رضي بالنصف من غير أرش، وإن شاء طالب بنصف القيمة، وهذا بمثابة تعيّب المبيع في يد البائع من وجه.
فإنا نقول: إن شاء المشتري ردّ المبيع بالعيب، وفسخ البيع، واسترد الثمن، وإن شاء رضي به معيباً.
فهذا ما رأيته للأصحاب ولم أر غيره، وقد أومأت إلى وجه الاحتمال، والظاهر ما ذكره الأصحاب في المعنى أيضاً، هذا منتهى القول في تغير الصداق بالزيادة، وتغيره بالنقصان.
8411 - فأما إذا تغير بما يكون زيادة من وجه ونقصاناً من وجه، وذلك مثل أن يكون العبد المصدَقُ صغيراً فكبر، وازدادت قوته التي هي مادة العمل، وسببُ تكثير المنفعة، وانتقص من حيث القيمة لمجاوزته نضارةَ المراهقة.
وقد يفرض في هذا القسم زيادةٌ محضة ليست في عينها نقصان مع عيب ليس فيه زيادة، مثل أن يتعلم العبد المصدَقُ صنعة، ولكن اعورّت عينه، فقد اجتمع فيه النقص والزيادة.
ومن صور هذا القسم أن يصدقها [أشجاراً] 1 فتصير [قِحاماً] 2 وتُرقل 3، فكِبرُها زيادة، ولكن يقلّ ثمرها.
والحكم في هذا القسم أن الخيار يثبت من الجانبين جميعاً، فإن رضيت المرأة برد النصف، فللزوج أن يأبى لمكان النقصان، وإن طلب الزوج العين، فللمرأة أن تأبى لمكان الزيادة.
وليس لنا أن نقول: إذا لم ترد القيمة لمكان النقص، ولم تُنْتَقَص القيمة لمكان
الزيادة، فيجعل كأن لا زيادة ولا نقصان، هذا لا سبيل إليه ولا قائل به؛ فإن الزيادة قد تُعنى لعينها، وإن فرض نقصان، فالنقصان قد يُجتنب، وإن كانت زيادة، فلا طريق إلا إثبات الخيار من الجانبين لوجود العلتين، فالنقص علّة خيار الزوج، والزيادة علةُ 1 خيار المرأة، فإن اتفقا على الرجوع في نصف العين، فذاك، وإن أبى أحدهما، فالرجوع إلى نصف القيمة، ثم لا تكفي الزيادة في صورتها؛ فإن الزيادة التي لا تُطلب ليست زيادة كالسِّلْعة 2 تطلع واللحية تنبت.
8412 - وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الصداق عيناً، فإن كان ديناً؛ فإذا طلقها، فلا يخلو: إما أن كان سلم الصداق إليها [أو] 3 لم يسلم، فإن لم يسلم الصداق إليها، وطلقها قبل المسيس، فتبرأ ذمته عن نصف الصداق، وهو مطالب من جهتها بالنصف الباقي، وإذا فرّعنا على الوجه الضعيف في أن رجوع الشطر إلى الزوج موقوف على اختياره، فيجب طرد هذا في الدين أيضاً، حتى يتوقف سقوط النصف عن ذمته على اختياره، والعلم عند الله تعالى.
ولو أصدقها ديناً -كما صورناه- وسلم إليها ما التزم لها على الصفة المذكورة، فإن طلقها قبل المسيس، فله الرجوع بالنصف، فإن كانت تلك الأعيان المقبوضة فائتة، غرِمت للزوج نصف البدل، وإن كانت تيك الأعيان باقية فهل يتعين حق الزوج في المقبوض، [أم] 4 لها أن تغرم حقّ الزوج من مال آخر؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يتعين حقه، لأن العقد لم يتعلق بهذه العين ابتداءً وإنما اعتمد الوصف.
والثاني - أن حقّه يتعيّن؛ لأنه تعين بالقبض، وهذا يكون سبيل كل دين يوفَّى على مستحقه.
وكان شيخي يطرد هذين الوجهين في الثمن الواقع في الذمة إذا وُفِّر ووُفّي، ثم طرأ
فسخ يوجب استرداد الثمن، ورأيته مرة يطلب الفرق بين ما ذكرناه في الصداق وبين ما أشرنا إليه في الفسوخ، ويقول: الفسخ وإن كان قطعاً في الحال، فهو مستأصل للعقد، بخلاف ما يقتضيه الطلاق من التشطير، وقد أجرينا في أجزاء الكلام ما يشير إلى قريب من هذا فيما نفيناه وأثبتناه.
فرع:
8413 - إذا أصدق الرجل امرأته جارية، فبقيت في يد الزوج، وعلقت بولد حادث وولدته، ثم ماتت الجارية قبل القبض، وطلقها قبل المسيس، قال العراقيون: هذا يُخرّج على القولين في أن الصداق مضمون بالعقد أم باليد؟ وأنه بماذا يرجع؟ فإن قلنا: إنه يرجع بنصف القيمة فالولد بتمامه لها؛ فإنه حدث في ملكها، وجرى الطلاق بعد انفصاله واستقلاله، ونحن على قول القيمة لا نحكم بانفساخ الصداق بالتلف، بل نقضي ببقاء العقد، قالوا: وإن قلنا: الصداق مضمون بالعقد وهي ترجع عليه بنصف مهر المثل، نقلوا عن الشافعي أنه قال: الولد للزوج، ولا حظ لها فيه، فإنا إذا أوجبنا نصف مهر المثل، فقد أوجبناه قبل العقد ونقضْنا الملك استئصالاً.
وفي المسألة قول مخرّج على أن الولد يكون لها؛ فإن الفسخ والانفساخ لا يستند إلى زمان متقدم، بل يقطع الملك في الحال، وقد تقدم حصول المولود على سبب الانفساخ، وقد ذكرنا مثل هذا الاختلاف فيه إذا اشترى الرجل جارية، فولدت أولاداً في يد البائع، ثم ماتت في يده وحكمنا بانفساخ العقد، فالأولاد للبائع أو للمشتري؟ فيه خلاف قدمته، وقياس المذهب أن الأولاد للمشتري، لما نبهنا عليه.
فرع:
8414 - قال العراقيون إذا أصدق الرجل جاريةً حبلى، ثم ولدت، وقلنا: إن الولد يثبت في حكم المعاوضة، ولو كان في البيع، لقوبل بقسط من الثمن، فإذا ولدت، وطلقها قبل المسيس، ورضيت برد عين الصداق، فهل للزوج حظُّ في الولد؟ وما حكمه؟ ذكروا فيه وجهين: أحدهما - له حظ فيه، ولكن زاد الولد بعد الولادة، فتغرم له قيمة نصف الولد يوم الولادة.
ووجه هذا بيّن في القياس.
والوجه الثاني - أنه لا حظّ للزوج في الولد؛ فإنه كان حملاً يوم العقد، ولا يمكن معرفة قيمته وهو حمل، ولما انفصل، فهو زيادة في ملكها بعد الإصداق، ولا يمكننا
أن نضبط ما بين الحمل والولادة، ولا طريق إلا أن يسقط حظ الزوج من الولد بالكلّية.
وإن فرّعنا على أنه مقابَلٌ بقسطٍ من العوض؛ فإن الصداق ليس يتمحض عوضاً.
وهذا الذي ذكروه، فيه اضطراب، وحاصله: أن الزيادة المتصلة لا حكم لها في البيع، فإذا قلنا: الولد يقابله قسط من الثمن، فانفصل، لم تُغير تلك الزيادة التي حصلت بالولادة حكمَه، والزيادة المتصلة لها حكم في الصداق، ثم عَسُر اعتبارها بين احتساب الحمل وبين انفصاله، فكان ترددهم لذلك.
وإذا قلنا: الحمل لا يقابله قسط من الثمن، فالوجه: القطع بأنه لا حظّ للزوج في الولد، وهو بمثابة ما لو حدث العلوق به بعد العقد.
فصل
قال الشافعي: " والنخل مُطْلِعة ... الفصل " 1.
8415 - ذكر الشافعي تفصيل القول فيه إذا أصدق امرأته نخيلاً، فأطلعت، ثم طلقها قبل المسيس، وهذه المسألة كثيرة الأقسام منتشرة الأحكام، والرأيُ أن نمهد في أولها ما يدخل تحت التمهيد، ثم نرسل المسائل ونذكر في كل مسألة ما يليق بها، ونطلب الاستيعاب جهدنا، ثم نتُبع المسائل بما يضبطها، والله ولي التوفيق.
فنقول: أولاً الطلع قبل التأبير زيادةٌ محضة لا نقصان فيها، وحمل الجارية زيادة من وجه، نقصان من وجه، لما فيه من الإفضاء إلى الغرر، والحمل في البهائم، فيه وجهان ذكرهما العراقيون: أحدهما - زيادة من كل وجه؛ فإنه لا يفضي إلى الخطر في غالب الأمر.
والثاني - أنه زيادة ونقصان، كما ذكرنا في الحبالى، فإن كل حامل تلد، فلا بد من أن يدخلها نقص في البنية.
8416 - فهذه مقدمة ذكرناها، ونعود بعدها إلى رسم المسائل على أقرب ترتيب،
فنقول: إذا أصدقها نخيلاً، فأطلعت، وأُبّرت، ثمّ [طلقها] 1، فالثمار بعد التأبير في حكم زيادة منفصلة، فلو أراد الزوج أن يكلّف المرأة قطع الثمار، لم يكن له ذلك، فإنها ظهرت، والملكُ ملكها، فلا سبيل إلى إجبارها على قطع ثمارها، ولو قال: أرجع في نصف النخيل ونصف الثمار، لم يكن له ذلك؛ فإن جميع الثمار لها؛ من أجل أنها ظهرت وملكُها كامل في الصداق.
ولو قال الزوج: أرجع في نصف النخيل وأترك ثمارك إلى الجداد، فلا ينفصل الأمر بهذا المقدار؛ فإنها تحتاج إلى تتمة ثمارها بالسقي، ثم فائدة السقي لا تنحصر على الثمار، بل يرجع الحظ الأوفر إلى النخيل؛ فلا سبيل إلى تكليفها السقي، وفائدته ترجع إلى ما يُقدّر راجعاً إلى الزوج بحكم التشطر.
ولو قالت المرأة للزوج المطلق: اصبر حتى آخذ ثماري، ثم ارجع، لم يكن لها أن تكلف الزوج ذلك؛ فإن فيه إلزامَه تأخير حقه وهذا لا سبيل إليه.
ولو [قالت] 2: ارجع في نصف النخيل وبقِّ ثماري إلى الجِداد، واسق ما رجع إليك، لم يكن لها ذلك؛ فإن سقيه يرجع فائدته إلى ثمارها، فتكليف الرجل تنمية ثمارها لا وجه له.
فهذه مسائل اتفق الأصحاب عليها.
وعلى الناظر في المسألة أن يفهمها ويودعها حفظه مفصلة.
ولو قالت: ارجِع في نصف النخيل، وقد تركتُ عليك نصف الثمار، نُظر، فإن كانت الثمار مؤبّرة؛ فهل يلزم الزوج ذلك؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - لا يلزمه قبول الثمار؛ فإنها زوائد في حكم المنفصلة؛ فإلزامه قبولها وتقلُّد مِنَّتِها بعيدٌ.
والثاني - يلزمه؛ فإن الثمار وإن كان لها حكم الانفصال؛ فهي كالمتصلة في هذه المسائل.
لعسر الأمر، وتعذر إمضائه مع رعاية الجانبين، فصار تعذر الأمر بمثابة تعذر فصل الزوائد المتصلة.
وإن كانت الثمار بعد طلعها غيرَ مؤبّرة، فالذي ذهب إليه جماهير الأصحاب: أنها قبل التأبير بمثابة السِّمن، وسائر الزوائد المتصلة، حتى لو تركت على زوجها نصف الطلع، لزمه قبوله.
وذكر العراقيون وصاحب التقريب طريقة أخرى من تنزيل الثمار قبل التأبير منزلتها إذا هي أُبِّرت، حتى تُخرَّجَ المسألةُ على وجهين في أن الزوج هل يُجبر على قبولها إذا سمحت بها؟ وسبب ذلك أن الثمار قبل التأبير تقبل الإفراد بالبيع على رأيٍ ظاهر، خلاف السِّمَنِ وغيرِه من الزوائد المتصلة.
8417 - ومما يتعلق بذلك أن الزوج لو قال: أرجع في نصف النخيل وألتزم السقي، فهل يجاب إلى ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - يجاب؛ [فإنه] 1 كفاها مؤونة السقي وهذا هو الذي كنا نحاذره في إلزامها بسقي نخيل الغير، والثاني - لا يلزمها إجابته؛ فإنه لا يجد بداً من مداخلة [البستان] 2 في سقي النخيل وتعهدها، وقد لا ترضى المرأة به، فإن لم نوجب إجابته إلى ما يلتمس من ذلك، فلا كلام، وإن [أوجبنا] 3 إجابته، فالتزامه السقي وعْدٌ منه، إن وفى به، استقر الأمر، وإن بدا له، فلا معترض، ولكن يبين أن رجوعه في نصف النخيل باطل.
فتبين مما ذكرناه أن هذا الرجوعَ في حكم الموقوف على ما يتبين من الوفاء بالسقي أو الإخلاف في الموعد.
وألحق الأئمة بهذه الصورة ما لو أصدقها جارية، فولدت في يدها ولداً مملوكاً، واقتضى الحكم أن يكون الولد لها، فقال الزوج: أرجع بالجارية، وأمنعها من إرضاع المولود، فليس له ذلك؛ فإن فيه إضراراً عَظيماً بالولد.
و [لو] 4 قال: أرجع في
نصف الجارية وأرضى أن تُرضع الولد؛ فهل يجب إسعافه؟ فعلى الوجهين المذكورين في النخيل والتزام سقيها، ونصُّ الشافعي في مسألة الولد يدل على [أن] 1 الرجل لا يجاب [بما يعد] 2؛ فإنه لا يلزمه الوفاء بالموعود.
8418 - ومما نذكره مرسلاً، أن الزوج والزوجة لو تراضيا في النخيل على أن يؤخر الزوج حقَّه ولا يتعرض له إلى أوان الجِداد، ثم إذ ذاك يطلب حقه من نصف النخيل، فإذا وقع التراضي على هذا الوجه، لم نعترض عليهما، ولم نتعرض لهما، ولكن ليس يلزمهما الوفاء بما تراضيا عليه، فإن الزوج رضي بتأخر حقه، وتأجيل ما لا يلزم فيه الأجل، فله الرجوع عما قال.
ولو أصر الرجل على موعده، فأرادت المرأة الرجوع، كان لها ذلك؛ لأنها تحتاج إلى السقي والتعهد، ثم يرجع النفع إلى النخيل، ومآل الأمر مصير نصف النخيل إلى الزوج، [فلها] 3 أن ترجع عن رضاها بذلك، فإنهما لم يُذكر بينهما في الصورة التي ذكرناها إلا تواعداً على تأخير الحق غيرَ لازم، كما ذكرنا.
ولو تراضيا على أن يرجع الزوج إلى الملك في نصف النخيل عاجلاً، ويترك الثمار لها إلى وقت الجِداد، فإذا ثبت تراضيهما على هذا الوجه، لزم الوفاء به؛ فإن بدا للزوج، وقال: أحتاج إلى سقي النخيل، والنفعُ يرجع إلى ثمارها، قلنا: قد رضيت، فإن شئت فاترك السقي، ونحن حملنا رضاك على التزام الضرر، إن كان ضرر.
ولو قالت المرأة: رجعت عن رضاي، فإني أحتاج إلى السقي لأجل الثمار،
والنفع يرجع إلى النخيل، قلنا: اتركي السقي، فإن كان يلحقك ضرر، فقد رضيتِ به.
ويخرج منه أن كل واحد منهما لا يرجع عما رضي به، ولا يجب على واحد منهما السقي، فمن أراده، لم يمنع منه.
فهذا بيان هذه المسائل المرسلة، ولم نذكر بعدُ عند تنازعهما ما نحملهما عليه؛ لأن ذلك يبين آخراً.
8419 - ونحن نذكر نوعاً من الضبط، ثم نختم المسألة بما فيه تمام البيان، إن شاء الله عز وجل.
فنقول: هذه المسائل تجرى على ثلاثة أصناف: أحدها- مفروض فيما يقوله الرجل، والمرأة تأباه.
والثاني - فيما تقوله المرأة، والرجل يأباه.
والثالث - فيما يتراضيان عليه.
فأما ما يقوله؛ فمنه أن يقول: اقطعي الثمار، فلا يجاب.
ومنه أن يقول: أرجع إلى نصف النخيل مع نصف الثمار، فلا يجاب.
ومنه أن يقول: أرجع إلى نصف النخيل، ولا ألتزم السقي والتعهد، ففي المسألة وجهان: أظهرهما - أنه لا يجاب إلى ذلك، ولا تكلف المرأة الرضا به، لما قدمنا ذكره من تضررها بمداخلته.
فهذا بيان ما يذكره الزوج مبتدئاً.
فأما ما تذكره المرأة والزوج [يأباه] 1، فمن ذلك أن تقول: أخِّر حقك إلى الجِداد، فلا تجاب؛ فإن حقَّ الزوج معجّل، ولو قالت: ارجِعْ في نصف [الشجر] 2، وثمرتي تبقى، فالرجل لا يجيبها إلى مرادها، فإن الثمار [تمتص] 3 من رطوبات الأشجار، إن لم تُسق، فإن سُقيت، فالنفع يرجع بعضَ الرجوع إلى الثمار، ولو أنها ابتدرت وجدَّت الثمرة عاجلاً، فحق الزوج يثبت في نصف العين إذا لم تُنْتَقَص الأشجار بالثمار 4 ولم تُكسر سَعفها وأغصانها.
ولو قالت: خذ نصف النخيل ونصف الثمار، فهل يجبر الزوج على قبول ذلك؟ فيه وجهان: وذكر تفصيل في المؤبرة وغير المؤبرة، فهذا بيان قسمين.
القسم الثالث: فيما يتراضيان عليه، وفيه مسالتان: إحداهما- أن يتراضيا على أن يسقي الزوج حتى تُجدّ الثمرة، فهذا تواعد، ولا يجب على واحد منهما الوفاء بما وعد.
والمسالة الثانية - أن يتراضيا على أن يختار الزوج نصف النخيل في الحال، وتبقى الثمرة [إلى] 1 الجداد، فعلى كل واحد منهما ضرار من وجه، وقد بيّنا ابتداء كل واحد منهما بذكر هذا القسم، وأوضحنا أنه لا يُجاب إلى مُلْتَمَسِه، فإذا وقع التراضي منهما، فقد رضي كل واحد بما يناله من الضرر في هذا القسم.
وليس ما وقع التراضي به تواعداً على تأخير حق، ولكن مضمون ما تراضيا عليه تعجيل حق لزم.
فهذا بيان تزاحم الأقسام.
وليعلم الناظر أنا لم نغادر من البيان شيئاً ولكن طباع هذا الفصل تقتضي أن يكرره الناظر مراراً.
ثم وراء ذلك المقصودُ؛ فإنا ذكرنا ابتداء كل واحد منهما، وأوضحنا ما يُجاب إليه وما لا يُجاب، ثم ذكرنا تراضيهما.
8420 - والمقصود الأظهر أن نبيّن ما يجب تحصيله إذا ارتفعا إلى مجلس الحكم متنازِعَين، فلم تسمح تيك بالثمار، [وروجعنا] 2 في حق الزوج، فنقول: حقه الناجز نصف القيمة؛ فإن في الرجوع إلى العين من العُسر ما نبّهنا عليه، ولا سبيل إلى تأخير حق الزوج، وإن عادت فرضيت ببدل المهر، ففيه الكلام السابق.
وإن رضيت بمداخلته، ففيه اضطراب السقي.
وإن قال الزوج: رضيت بتأخير حقي، ففيه اضطراب السقي، وإن تراضيا، وقعنا في قسم التراضي [والتزام] 3 نصف القيمة، هذا هو اللائق بمحل التنازع لا غير.
8421 - ثم وراء نجاز هذا أمور مرسلة يجب التنبه لها، منها: أنا وإن كنا نفرّع على أن نفس الطلاق يشطر الصداق من غير احتياج إلى اختيار التملك، فذاك فيه إذا لم يعترض مانعٌ ما.
أما إذا اعترض في الصداق أمثالُ ما ذكرناه من فرض لحوق الضرر بالجانبين، فجريان الملك في عين الصداق أو/الرجوع إلى القيمة يتوقف على ما سبق التواطؤ عليه، أو يُفرض الإرهاقُ إليه عند التنازع.
وهذا وإن كان بيِّناً، فلا يضير التنبيه له.
8422 - ومما نرى ذكره أنا أجرينا ذكر الثمار، وهي طلعٌ حالة الطلاق، ولم تؤبّر، وأدرنا فيه التفاصيل والأقسام، وقد ذكرنا في كتاب التفليس أن النخيل إذا أطلعت في يد المشتري، ثم استمر الحجر -والثمار غير مؤبرة- فقد نرى رجوعها إلى البائع إذا آثر فسخ البيع، وقد يجرى مثل هذا في الحمل أيضاً إذا حدث، وكان الحمل قائماً وقت الرجوع.
وهذا لا يجري في الصداق؛ والسبب فيه أن الطلع والحمل لا ينحطان عن زيادة متصلة، وقد ذكرنا أن الزيادة المتصلة تُثبت للمرأة حق الاستسماك بعين الصداق، والزيادة المتصلة لا أثر لها في المبيع الذي يرجع فيه البائع، [فإنا] 1 جعلنا الطلع والحمل كزيادة متصلة، تعلق بهما رجوع البائع، ولا يتحقق مثل هذا في حق الزوج.
8423 - ومما نذكره في اختتام الفصل: أنه لو أصدق امراته نوعاً آخر من الأشجار سوى النخيل، فانعقد نَوْرُها في يدها، فظهور النَّوْر ينزل منزلة بدوّ الطلع، وانعقادُ الثمار مع تناثر النَّور ينزل منزلة التأبير.
وقد بان الغرضُ في كل واحد من الأصلين، وهذا نجاز الفصل.
فصل
قال الشافعي: " وكذلك الأرض تزرعها أو تغرسها أو تحرثها ... إلى آخره " 1.
رأى المزني هذه الأمور مجتمعة في كلام الشافعي، ونقله على [إثر] 2 مسألة الطلع، وظن أن الشافعي يُجري الغراس والزرع والحراثة مجرى الطلع في كل تفصيل، وأخذ يعترض ويبيّن أن الزراعة في الأرض نقصٌ من جميع الوجوه، في كلام طويل له، وكلامه في بيان تفاوت الزرع والغراس والحراثة صحيح، ولكن [ظنّه أن الشافعي] 3 أجراها مجرى الطلع خطأ، وفي نظم كلام الشافعي تعقيدٌ لا يطلع عليه إلا من جمع إلى فهمه أوفر حظ من اللغة، والشافعي ذكر فيما تقدم من المسائل ما يكون نقصاً محضاً، وذكر ما يكون زيادةً من كل وجه، وأبان الحكم فيما يكون زيادة من وجهٍ ونقصاناً من وجه، ثم ذكر الزراعة والغراسة والحراثة عطفاً على الأقسام المختلفة، ولم يعطفها على الطلع خاصة، ونحن نذكر الآن التفصيل في المسائل التي جمعها المزني في الفصل.
8424 - أما الزرع فنقصانٌ في الأرض من كل وجه، فلا نكلف الزوج الرضا بنصف الأرض مزروعة، وله نصف القيمة والأرض بيضاء، فإن رضي بها مزروعة، لزم إجابته، وليس كما قدمناه في الثمار؛ من جهة أن الزوج إذا رضي بنصف النخيل وتَبْقِيَةِ الثمار للمرأة، فالسقي الذي يُنمِّي الثمار يزيد في الأشجار، والسقي الذي ينمي الزرع لا ينفع الأرض، فإذا رضي الزوج بنصف الأرض، وجبت إجابته؛ فإن الأرض لا تزداد بتعهد الزرع.
فعلى هذا لو تبرعت على الزوج بنصف الزرع -إذا كان لا يرضى بنصف الأرض لمكان الزرع- فقد ذكرنا وجهين في أنها لو تبرعت بنصف الثمار المؤبّرة في مسألة
النخيل، فهل يُجبر الزوج على قبوله، والزرع في حكم الثمار المؤبرة؟ فتخرج المسألة على وجهين في إجبار الزوج على القبول.
وهذا الذي ذكره صاحب التقريب غلط مأخوذ عليه؛ من جهة أن الثمار زيادة لا تنقص النخيل، والزرعُ وإن كان زيادة، فالأرض منتقِصةٌ به، وقد ذكرنا أنه إذا اجتمعت زيادةٌ ونقصانٌ، لم يملك واحد منهما إجبار صاحبه.
ومما يتعلق بالزرع: أن الزوج إذا طلّقها، فابتدرت واقتلعت الزرع؛ فالغالب أن النقص يبقى في الأرض إلى مدة؛ فإن الأرض فيما ذكره الحرّاثون تضعف بالزراعة، ولذلك يعسُر [موالاة] 1 الزراعة في كل سنة، فإن فرض زرع لا يُعقب نقصاً في الأرض، فإذا ابتدرت وقلعت الزرع؛ فحق الزوج [انحَصَر] 2 في نصف الأرض، فإن [أعقب] 3 الزرعُ نقصاناً، فالزوج على خِيَرته، فإن رضي بقبول نصف الأرض مزروعة، فعليه أن يُبقي الزرع فيها بالأجرة؛ [لأنها] 4 زرعت -لما زرعت- ملكَها الخالص.
هذا قولنا في الزرع.
8425 - أما الغراس؛ فإنه بمثابة الزرع في جميع ما ذكرنا؛ فإن الأرض مفردةً ناقصةُ القيمة، والغرس لا يزيدها شيئاً، فإن بذلت نصف الغراس، فهو كما لو بذلت نصف الزرع، فلا معنى للإعادة، فهو كالزرع في كل وجه.
8426 - وأما الحرث فإن كانت الأرض معدّة للزراعة، فهو زيادة متصلة من كل وجه، ثم لا يخفى حكم الزيادة، وإن كانت مهيّأة للبناء، فهو نقصان، لأنه [لا يتأتى] 5 البناء على الأرض المحروثة إلا ببذل مؤونة في تنضيدها، ولا معنى للإطناب بعد وضوح المقصد.
فصل
قال: " ولو ولدت الأمة في يديه أو نُتجت الماشية ... إلى آخره " 1.
8427 - إذا أصدق الرجل امرأته جاريةً حاملاً، أو شاة ماخضاً، فهذا يبنى على أن الحمل هل يقابله قسط من العوض في البيع؟ وفيه اختلاف مذكور في موضعه.
فإن قلنا: للحمل قسط، فهو كما لو أصدقها عَيْنَين، فإذا طلقها قبل الدخول يرجع في نصف الأم، ولا يخلص الولد لها.
ثم يتصل بذلك أن الولد إذا انفصل، فهذا في حكم زيادة متصلة، والجارية قد تُعيّبها الولادة، فيقع التفصيل في عيبٍ بأحد العينين، وزيادة العين الثانية.
وقد تمهّد التفصيل في القاعدتين.
والذي نزيده الآية: أن من أصحابنا من جعل نفس انفصال الولد [زيادة] 2؛ فإنه كذلك؛ إذ التفاوت بين الجنين وبين الولد المنفصل أكثر من التفاوت بين العبد السمين والهزيل، وهذا في ظاهره إخالة وإشعار بالفقه، ولكنه يغمض بالتفريع؛ فإنا إذا جعلنا الولادة زيادة، فيثبت للمرأة حق الاستمساك بالولد، ثم بناؤنا على أن الزوج يرجع في قسط من الولد، فكيف يقدّر رجوعه في نصف قيمة الولد، وهو مجتنٌّ، والجنين لا يتقوَّمُ في البطن؟ فأول إمكان تقويمه، إذا انفصل.
وإذا أثبتنا للزوج نصفَ قيمته منفصلاً، ففيه نَقْضُ المصير إلى أن الولد زيادة، وإذا جاز أن تغرَمَ له نصف قيمة المولود حالة الانفصال، فينبغي أن نُسلِّم إليه نصف المولود.
وإن قال هذا القائل: تُقوم الجارية حاملاً، ونصرف إليه نصفَ قيمتها، وإذا فعلنا ذلك، فقد أشركناه في الحمل، فهذا محال؛ فإن التفريع على أن الحمل يقابله قسط من العوض، كما يقابل أحدَ العبدين قسط من الثمن إذا اشتمل العقد على عبدين.
والذي يوضح ذلك: أنا إذا ألزمنا المغرور بحرية زوجته قيمة الولد، اعتبرنا حالة
الانفصال.
وإن كان تفويت الرق مستنداً إلى حالة الاختيار؛ فالصحيح إذاً أن الولد إذا انفصل، وجرى الطلاق [بعد] 1 انفصاله -والتفريع على أنه يُقابَل بقسطٍ من العوض- فالزوج يرجع في نصف الولد.
نعم، إذا مضت أيام من الانفصال، والصبيّ ينمو فيها، لا محالة، فيتصل الكلام بالزيادة 2.
وكل ما ذكرناه فيه إذا قلنا: للولد قسط.
وإن قلنا [لا] 3 قسط له من العوض، فإذا ولدت، ثم [طَلّق] 4 الزوج، فحكمها [حكم] 5 ما لو كانت [حائلاً] 6 يوم الإصداق، فحبلت في يد الزوج وولدت، فلا حظ للزوج في الولد، ويقع النظر في الأم، وقد [انتقصت] 7 بالولادة.
ثم الفرق بين أن يجري ذلك في يده أو يدها، [قد] 8 مضى مستقصًى، ونحن بنينا كتابنا هذا على رفض المعادات جهدنا، سيّما إذا قرب العهد، ونعيد البسط لمواقع الإشكال.
8428 - وقد يتصل بما انتهينا إليه أن نقصان الولادة في يد الزوج مضمون عليه، كما بيّنا أثر ذلك، وما يحصل من النقص في يدها يُثبت للزوج حق الخيار في الرجوع من العين إلى القيمة.
فلو كانت حاملاً في يد الزوج، ثم ولدت في يد الزوجة، وانتقصت بالولادة، فهذا نقصان حدث في يدها، ولكنه مترتب على سبب كان في يد الزوج؛ فإن لكل جنين اتصال، ولكل حاملةٍ تمام، فيجب بناء هذا على المبيع إذا [جُرح] 9 في يد
البائع، ثم سرت الجراحة في يد المشتري، فقد ظهر الاختلاف في ذلك: من أصحابنا من جعل السراية من ضمان البائع؛ لأن سببها الجراحة، فعلى هذا نقصان الولادة من ضمان الزوج، وإن حدث في يدها؛ لأن الحمل كان موجوداً في يده.
ومن أصحابنا من قال: نقصان السراية من ضمان المشتري؛ لأنه حدث في يده، فعلى هذا نقصان الولادة من ضمانها.
وقد بان حكم ضمانه وضمانها وإبراءُ كل واحد من الضمانين.
8429 - ثم إن المزني اختار من القول في كيفية الضمان، أن الصداق مضمون بالعقد، واحتج بنصوص الشافعي في مسائلَ، وأخذ يُعدّدها، ونحن نتبع ما أورد، ونذكر في كل مسألة ما يليق بها، مع اجتناب التكرير جهدَنا.
فمما استشهد به: مسألة من مسائل الصداق، ذكرها الشافعي في كتاب الخلع - وهي: أن الزوج إذا أصدق امرأته داراً، فاحترقت، قال الشافعي [في] 1 جواب المسألة: المرأةُ بالخيار بين أن تفسخ وترجع بمهر المثل، وبين أن ترضى بالعَرْصَة [وتجيزَها] 2 بحصتها من المهر.
وهذه المسألة لها مقدمة مذكورة في الكتب، ونحن نذكر منها قدر الحاجة، ثم نرمز إلى تخريج المسألة على الأصول وتنزيلها عليها، فنقول: إذا اشترى الرجل عبدين، فتلف أحدهما في يد البائع، فالقول الأصح: أن العقد لا ينفسخ في القائم، وينفسخ في التالف، والقاعدةُ أن العقد إذا ورد على ما يقبل العقد وعلى ما لا يقبله، وبطل فيما لا يقبله، ففي بطلانه فيما يقبله القولان المعروفان.
ثم إن صححنا العقد، فالخيار معروف، فإن اختار المشتري الإجازة؛ فإنه يجيز العقد فيما قَبِل العقدُ بجميع الثمن أو بقسطه؟ فعلى قولين.
وإذا تلف أحد العبدين، فالأظهر أن الانفساخ في التالف لا يوجب الانفساخ في
القائم؛ فإن العقد قد ورد عليهما، وكان سبب ارتفاعه في التالف تلفَه، ثم إذا فُرضت الإجازة، فالمذهب: أن العقد يجاز في الباقي بقسطٍ، بخلاف ما ذكرناه في أول العقد.
والفرق أن الثمن في أول العقد لم يقابل أحدهما، وقد قابل الثمن [العبدين،] 1 ويستحيل إذا تلف أحدهما أن يقابل [بتمامه] 2 الثاني، على مناقضة المقابلة التي جرت، وهذا مذكور في تفريق الصفقة، فهذا أصلٌ جدّدنا العهد به.
ومن الأصول أن أطراف العبد أوصافٌ، ولا يثبت لها حكم الانفراد في المقابلة بالعوض، وإذا اشترى الرجل داراً، فانهدمت، نظر: فإن كان النقضُ قائماً؛ فالذي فات، أوصافٌ لا تقابل بقسطٍ من العوض، وإن فات النقضُ باحتراق أو [جرف] 3 سيل، وبقيت العَرْصَةُ بيضاءَ، فقد ظهر اختلاف أصحابنا في أعيان النقض، فمنهم من أجراها مجرى أطراف العبد، حتى تقدّر أوصافَ العبد، ومنهم من أجراها مجرى عبدٍ مع عبدٍ إذا فرض التلف.
في أحدهما، وقد تقدم تمهيد ذلك في المعاملات.
ونحن نرجع بعد هذا إلى غرض المسألة، فإذا أصدق الرجل امرأته داراً فانهدمت، نُظر: فإن فات النظم والتآلف، والنقضُ قائم؛ فلها الخيار إذا جرى ذلك في يد الزوج.
ثم القول في الفسخ والإجازة، وما يقع الرجوع به [من] 4 مهر المثل والقيمة على ما تفصّل في نقصان الصداق بالآفة السماوية.
وإن فات عين النقض، خرج هذا على أن النقض صفةٌ أو عين مقصودة، فهو كما إذا أصدقها عبداً، فسقطت أطرافه.
ومحل تعلق المزني أنه نقل عن الشافعي رجوعها إلى مهر المثل، وطريق الجواب في مثل هذا بيّن.
فصل
قال: "ولو جعل ثمر النخل في قواريرَ وجعل عليها صَقَراً من صقَر نخلها ... إلى آخره " 1.
الصَّقَر 2 قُطارة الرطب من غير أن يعرض على النار، فإن عُرض على النار، فهو دِبْس، وإنما صور الشافعي هذه المسألة على عادة الحجازيين، فإنهم يجتنون الرطب، ويتركونه في قوارير ويصبّون عليه من القَطْر استبقاءً لرطوبة الرطب، وقد يسمونه كذلك.
فصورة المسألة: أنه إذا أصدقها نخلة [فجعل] 3 على رطبها صقراً، ويفضي الأمر إلى التفصيل في انتهاء التغير إلى التعيّب، وفي نقيض ذلك.
واختلف أصحابنا في وضع المسألة وتصويرها.
فمنهم من قال: صورتها إذا كانت الثمرة صداقاً، وكانت كائنةً حالة الإصداق؛ فإن أصدقها نخلة عليها ثمرةٌ مؤبرة أو غير مؤبرة، ثم فعل بالثمرة وصقْرها ما وصفناه.
وإنما حمل هؤلاء النصَّ على هذه الصورة؛ لأن الشافعي أثبت لها الخيارَ [لما] 4 يلحق الثمرةَ وعصيرها من التغير.
وهذا يتضمن كونها صداقاً، فتفريع هذه المسألة عند هذا القائل أن يقول: إذا كانت الثمرة وصقرها موجودةً حالة العقد [ووقعت] 5 صداقاً، فلا يخلو، إما ألا ينتقص الرطب والصقر، فإن كان ذلك، فلا خيار لها، والزوج كفاها شغل الاجتناء، وتحمل المؤنة.
وإن انتقص، فلا يخلو إما أن يكون ذلك انتقاص صفةٍ أو انتقاص عَيْن.
فإن كان نقصانَ صفةٍ، وذلك بأن كان العصير يساوي ثلاثة دراهم، فعاد إلى درهمين، والمكيلة بحالها لم تنتقص، فلها الخيار.
فإن فسخت، لم يخفَ تفريعُها
على اختلاف الأحوال، فالمسألة مفروضة في نقصٍ ثبت بسبب فعلٍ من الزوج، وهو بمثابة عيب لحق المبيع بجناية البائع، ولسنا لإعادة تلك الفصول.
[فإن] 1 أجازت العقد، فتخريج أرش النقصان على قولي اليد والعقد كما مضى.
8430 - وإن كان النقصان نقصانَ عين- مثل أن كان أخذ من الصقر مكيلتين، فشربت الأرطاب مكيلةً، وبقي مكيلةٌ، فحكم ذلك حكمُ ما لو أصدقها عبدين، ثم أتلف الزوجُ أحدَهما.
ولا يخفى تفريع ذلك.
ثم يتصل الكلام: إذا رأينا -على قول اليد- لها الرجوع إلى بدل الفائت، لا إلى بدل البضع، فالنظر في المِثْل والقيمة، والقول في أن الرطب هل هو من ذوات الأمثال، وكذلك الصقر إذا طبخ ومازجه ماء، أو كان صِرْفاً، كل ذلك مما تقدم.
وهذه المسألة وأمثالها يطولها المتكلّفون بإعادة الأصول، ثم لا يعتنون بالغوص على جليّات المسائل فضلاً عن [مُعوصاتها] 2.
وقد يطرأ في أمثال هذه المسألة ما يجب التنبه له، فقد تزلّ عنه القريحة، وذلك أن الرطب إذا تشرب بعض الصقر، وصار مستهلكاً فيه وزناً، ولكن ازدادت قيمةُ الرطب، [فما] 3 نقص من مكيلة الصقر مضمون، وإن ازدادت قيمة الرطب بسبب ما تشرب من الصقر، وهذا بمثابة ما لو أصدق امرأته قضيماً 4 ودابة، ثم عُلفت الدابةُ القضيمَ، فانتفعت الدابّة وسمنت، فتلك الزيادة حق المرأة، والقضيم مضمون على الزوج.
8431 - ومن أصحابنا من قال صورة المسألة فيه إذا لم تكن 5 للمرأة صداقاً، وما كانت موجودة حالة العقد، بل كان أصدقها نخلة، ثم أثمرت في يده، فالثمرة
تحدث ملكاً لها.
وليست من جملة الصداق.
ونص الشافعي مصرِّحٌ بهذا في الكبير.
فإذا كانت الصورة مفروضة على هذا الوجه، فليست المسألة من مسائل الصداق، ولكنها من مسائل [الغصوب] 1، فهو كما لو غصب رجل رطباً وعصيراً، وصب العصير على الرطب، فالقول في ذلك ينقسم وينفصل، وقد يتعفن الرطب تعفناً سارياً غير متناهي العفن، وقد مضى ذلك مستقصًى في كتاب الغصوب.
فلا معنى للخوض فيه.
وقد يقع الفرْضُ فيه إذا صب على التمر الذي ليس بصداق صقْراً من عند نفسه، فيكون كنظائره في الغصوب، مثل أن يغصب ثوباً فيصبغه بصبغ من عند نفسه، وهو من أصول الغصوب، ولست أوثر أن أذكر في هذه المسائل إلا مراسمها، ولا ينقطع ترتيب فصول [السواد] 2، وإلا فلا معنى لإعادة الأصول.
وقد تمس الحاجة إلى إعادة أطرافٍ منها، والمقصودُ غيرُها، أما إعادتها بأعيانها، فلا يليق بغرضنا.
8432 - ومما ذكره الأصحاب أن الثمرة لو كانت صداقاً، فصب عليها الزوج من صقْر نفسه، وجعلها في قارورة، فإن لم تنتقص، فلا خيار لها، فالزوج ينزع صقره.
وإن انتقص الثمرة، فهذه مسألة نقصان الصداق بجناية الزوج، وقد مضى تفصيله.
وإن كانت الثمرة تنتقص لو نزع الصقْر منها، ولا نقص مع الصقر، أو كانت تنتقص لو أزيلت مع الصقر عن القوارير؛ فقال الزوج: تركت صقري والقوارير على الزوجة، فهذا بمثابة مسألة النَّعل 3، وفيها التفصيل المفرد في البيع، والظاهر أن المرأة تجبر على القبول، وكذلك القول في مسألة [النّعل] 4، ثم لو فُرّغت القارورة وزايل النعلُ، فهل يستردهما من كان مالكهما؟ فيه وجهان.
والخلاف راجع إلى أن
التَّرك تمليكٌ أو 1 ليس بتمليك.
ويمكن أن يقال: إن لم نجعله تمليكاً، فلا يمتنع الإجبار عليه، وإن جعلناه تمليكاً؛ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نُجبرها عليه؛ لأنه تبعٌ، ولا مِنّةَ فيه؛ إذ للزوج غرض ظاهر سوى [الامتنان] 2. والوجه الثاني - أنا لا [نجبرها] 3؛ لأن الإجبار على التمليك -وهي مطلقة- بعيد.
فصل
قال: " وكل ما أصيب في يده بفعله أو فعل غيره ... إلى آخره " 4.
8433 - نصُّ الشافعي في هذا الفصل يدل على أن الصداق مضمون ضمان المغصوب؛ فإنه قال: " فهو كالغاصب ". ثم استثنى مسألة، وهي: إذا كان الصداق [أَمةً] 5 فوطئها، وادعى الجهالة، وقال: كنت أظن أنها لا تَملِك قبل الدخول إلا النصف، فيُصدّق في دعوى الجهالة، وكيف لا وقد صار إلى ذلك مالك 6، ثم لا يخفى حكم ثبوت النسب، أو فرض علوق وحكم الحرية، ولا تثبت [أُميَّة] 7 الولد في الحال، ولو ملكها يوماً من الدهر؛ ففي ثبوت أمومة الولد قولان مشهوران.
ومن غصب جارية، وأصابها، وادّعى الجهالة، لم يصدق.
وقد سبق صدرٌ صالح في دعوى الجهالة حيث تُحتمل وحيث يبعد احتمالها، فلا حاجة إلى شيء مما ذكرناه.
فصل
قال: " ولو أصدقها شقصاً من دارٍ ففيه الشفعة ... إلى آخره " 1.
8434 - هذا من أصول الشفعة، فالشقص المذكور صداقاً، أو بدلاً في الخلع، أو في المصالحة عن دم العمد مستحَقٌ بالشفعة، فيأخذه الشفيع بمهر المثل في النكاح والخلع، وببدل الدم من الصلح عن الدم.
وإذا ذُكر الشقص صداقاً، وفُرض الطلاق، ففي المسألة ثلاث صور: إحداها - أن يأخذ الشفيع، ثم يُفرض الطلاق؛ فهو كما لو باعت الشقص، ثم طلقها الزوج، فالرجوع بنصف القيمة.
وإن طلق الزوج واتصل به طلب الشفيع، فحضرا معاً؛ فهذه المسألة المعروفة بين المروزي وابن الحداد تعارضها مسألة الإفلاس، وتردد الشقص بين رجوع البائع وأخذ الشفيع، فلتطلب هذه المسألة في موضعها.
والمسألة الثالثة: أن يجرى الطلاق والشفيع غائب، ثم يحضر ويبتدىء الطلب، فإن قدمنا الزوج في المسألة الأولى على الشفيع، فلا شك في تقدمه في الأخيرة، وإن قدمنا الشفيع إذا جاء والزوج معاً، ووقع الطلاق، وطلب الشفعة على اجتماع، فإذا تقدم الطلاق على طلب الشفيع؛ ففي المسألة وجهان.
وفصَل بعض أصحابنا بين أن يأخذ الزوج، ثم يجيء الشفيع، وبين ألا يأخذ، وقال: إذا أخذه لم ينقض عليه.
فانتظم في المسألة الأخيرة ثلاثة أوجه بعد الترتيب على الثانية.
والفصلُ بين أن يأخذه قبل مجيء الشفيع وبين ألا يأخذ- التفاتٌ 2 على أصلٍ في الشفعة، وهو أن الشفيع إذا لم يشعر بالشفعة حتى باع الشقص الذي هو شريك به؛ ففي بطلان حقه من الشفعة قولان، والفرق بين أن يأخذ وبين ألا يأخذ لا حاصل له،
إذا كان التفريع على الظاهر في أن نفس الطلاق يشطّر الصداق، فإن كان وجه الفصل تفريعاً على أن ملك الزوج يتوقف على اختيار التملك، فقد يتجه ذلك.
فصل
قال المزني: " اختلف قوله في الرجل يتزوجها بعبد يساوي ألفاً على إن زادته ألفاً ... إلى آخره " 1.
8435 - إذا جمع بين النكاح والبيع مثل أن يقول: " زوجتك ابنتي هذه وبعت منك هذا العبد بألف درهم، وقيمة العبد ألف "، فقال: " تزوجتها واشتريت العبد على هذا ". أو قال 2: " قبلت النكاح والعقدَ في العبد " والغرض ألا يُغفلا لفظ النكاح والتزويج.
وقد يكون العبد من جانب الزوج، فيقول: " تزوجت ابنتك على هذا العبد، على أن تعطيني ألفاً "، ومهر المثل ألف، وقيمة العبد ألف، فنصف العبد المبيعُ والنصف صداق، فهذه صفقة جمعت عقدين مختلفي الحكم، وللشافعي قولان، أظهرهما - الصحة.
والقول الثاني - أن الصفقة لا تصح.
وقد ذكرنا هذا في ترتيب تفريق الصفقة، فنذكر ما يليق من هذا الأصل بالنكاح والصداق.
فإن قلنا: الصفقة صحيحة، فلا يخلو، إما أن يكون العبد من جانبه وردُّ الألف من جانبها، أو يكون الألف من جانبه والعبد من جانبها.
فإن كان العبد من جانبه، فالنصف منه صداق، والنصف مبيع بالألف، فلو اطلعت على عيب به، وفسخت، استردت الألف الذي كان ثمناً لنصف العبد، وترجع بسبب الصداق بمهر المثل في قول، وبنصف قيمة العبد في قول - كما سبق.
ولو أرادت أن ترد النصف بالعبد -إما المبيع وإما الصداق- ففي المسألة قولان، كالقولين في العبدين إذا اشتراهما ووجد بأحدهما عيباً، فأراد ردَّه، وإمساكَ الآخر.
ووجه الشبه أن العقد هناك وإن اتحد،
فقد تعدد المعقود عليه، وهاهنا اتحد العبد وتعددت الجهة والعقد.
ولو جرى فسخ قبل المسيس يوجب رد الصداق، يرتد نصف العبد إلى الزوج، فإنه كل الصداق -والفرض في فسخٍ يوجب رد جميع الصداق- ويبقى النصف الآخر من العبد بحكم الشراء.
ولو طلقها قبل الدخول، رجع ربع العبد إلى الزوج، وبقي ثلاثة أرباعه- الربع منه بحكم الصداق، والنصف بحكم الشراء، ولو فرض التفريق على الوجه الآخر، لم يخف تفريع المسألة، وقصاراها التَّدْوارُ على التفريع وما ترجع المرأة به.
فصل
قال: " ولو أصدقها عبداً فدبّرته ... إلى آخره " 1.
8436 - إذا دبّرت المرأة عبد الصداق، وطلقها زوجها قبل المسيس؛ فالذي نقله المزني: أنه لا يرتد إلى الزوج نصف العبد، وأن رجوعه إلى نصف القيمة، فاقتضى النص كونَ التدبير مانعاً من الرجوع إلى الزوج، واختار المزني أن النصف من العبد يرتد إلى الزوج وينتقض الترتيب فيه.
وفي المسألة طرق للأصحاب، منهم من قال: القول في ذلك على قول الشافعي: إن التدبير وصية، أو تعليق عتق بصفة؟ فإن قلنا: التدبير وصية، يُشَطَّر الملك في العبد بالطلاق، كما لو أوصت بأن يعتق ذلك العبد عنها بعد الموت، ثم طلقها الزوج؛ فالوصية تنتقض في النصف، ويرتد إلى الزوج ملكاً.
وإن قلنا: التدبير تعليق، فالتعليق لا يقبل الرجوع، بخلاف الوصية، فكان مانعاً من الارتداد إلى الزوج بلزومه.
وهذا غير سديد؛ من قبل أن التعليق بالصفة لا يمنع إزالة الملك، وللمعلِّق أن يبيع العبد الذي علق عتقه بالصفة، كما له أن يبيع العبد الموصى بعتقه، فافتراق التعليق والوصية في أنه يتصور الرجوع عن الوصية صريحاً، ولا يصح الرجوع عن
التعليق صريحاً، لا يوجب فرقاً بينهما في جواز البيع والهبة وغيرهما من جهات التصرفات التي تستدعي الملك التام.
ومن أصحابنا من قال: التدبير في عبد الصداق يمنع الارتداد إلى الملك التام.
ومن أصحابنا من قال: التدبير في عبد الصداق يمنع الارتداد إلى الزوج قولاً واحداً، سواء حكمنا بأن التدبير وصية، أو قلنا: إنه تعليق عتق بصفة؛ وذلك لأنها إذا دبّرت وقد قصدت التصرف بعقد عتاقة، وعلّقت ذلك العقدَ بالعبد، فينبغي ألا ينتقض قصدها؟ فإنا إذا كنا نمنع الزوج من الرجوع إلى نصف الصداق إذا زاد أدنى زيادة، مع علمنا بأن الزيادة المتصلة لا أثر لها في الفسوخ والعقود والردود، فتعلُّقُ غرضها بعقد العَتاقة لا ينقص عن الزيادة المتصلة.
ثم من سلك هذه [الطريقة] 1، إذا قيل لهم: لو لم تدبره، ولكنها صرحت بالوصية بعتقه، أو علقت عتق عبد الصداق بصفةٍ، فماذا تقولون؟ فقد اختلف جواب هؤلاء.
فقال قائلون: التصريح بالوصية وتعليق العتق يمنعان مع التدبير.
وقال آخرون: المنع يختص بالتدبير؛ فإنا وإن أحللناه محل الوصية أو محل التعليق، فلسنا [ننكر] 2 أن التدبير عقدُ عتاقة في الشرع، وبه يتحقق تجرّد القصد إلى التقرّب.
وأما التعليق بالصفات؛ فإنه من أحكام المعاملات، والوصية لا يُقْدم عليها الموصي إلا وهو يثبت لنفسه مستدركَ الرجوع.
فإن قيل: فالتدبير مع ذلك [يقبل] 3 الرجوعَ في قولٍ - والإبطالَ بإزالة الملك في قول؟ قلنا: إنما يَقْبله ممن أنشأه، [فأما إبطاله عليها لحق الزوج] 4، فهو بعيد.
ومن اشترى عبداً بثوب، وقبض العبد ودبّره، ثم ردّ صاحبه الثوب عليه بعيب قديم، فالمذهب الأصح: أن العبد يرتد، والتدبير ينتقض، قولاً واحداً، لقوة الفسخ واستيلاء سلطانه.
ولذلك لا تؤثر الزيادة المتصلة في منع الارتداد بالفسخ،
بخلاف الارتداد إلى الزوج بحكم الطلاق، أو بما يحل محل الطلاق مما يوجب التشطير قبل المسيس.
وأبعد بعض الأصحاب فجعل التدبير مانعاً من الارتداد بالفسخ، كما يكون مانعاً من التشطير بالطلاق، وهذا بعيد غير معتد به.
ومن أصحابنا من قطع بأن التدبير في عبد الصداق لا يمنع تشطيره، وهذا هو القياس الظاهر، ولكنه مخالف للنص، ويقبح ترك النص الصريح، والوجه: إثباته قطعا أو قولاً، وتوجيهه بما يمكن، والله أعلم.
8437 - والذي جرى في المسالة بعد طرق الأصحاب سببان: أحدهما - التردد في أن التصريح بالوصية والتعليق هل ينزل منزلة التدبير؟ والثاني - أن التدبير إذا رأيناه مانعاً من التشطير، فقد يمنع من الارتداد في الفسوخ، ومن الرجوع في الهبة، فيه الوجهان المذكوران.
فمن أصحابنا من عمّم المنع في هذه الأبواب، وجعل التدبير بمثابة زوال الملك في جميعها.
ومنهم من خصص المنع بالتشطير؛ لما ذكرناه من تنزيل التدبير منزلة الزيادة المتصلة فاختص بباب التشطر في الصداق.
فهذا حاصل القول في المسألة.
8438 - ثم إن جعلنا التدبير مانعاً من التشطير؛ فلو دبرت عبد الصداق، ثم أبطلت التدبير بالرجوع في التدبير صريحاً، فهل يكون هذا بمثابة ما إذا زال ملكها عن عبد الصداق، ثم عاد إليها ملكاً، ثم طلقها الزوج قبل المسيس؟ فعلى وجهين.
من أصحابنا من جعل طريان التدبير وزواله بمثابة طريان زوال الملك وعوده قبل الطلاق.
ومنهم من قال: ليس كزوال الملك، وإن جعلناه مانعاً من التشطير إذا كان ثابتاً عند الطلاق، قياساً على الزيادة المتصلة؛ فإنها وإن كانت مانعة في ثبوتها عند الطلاق، فلو طرأت وزالت، وعاد الصداق إلى ما كان عليه حالة العقد، فما تقدم من الطريان والزوال لا أثر له في منع التشطير.
وهذا نجاز المسألة.
وسيأتي القول في حقيقة التدبير في كتابه، إن شاء الله تعالى.
8439 - ثم تكلم الأصحاب في زوال ملك المرأة عن الصداق وعوده إلى ملكها، وهذا مما تكرر في كتاب التفليس، والرد بالعيب، والضابط للأبواب أن الملك الزائل فالعائد، بمثابة الملك الذي لم يعد، أم بمثابة الملك الذي لم يزُل؟ فيه قولان.
ثم ينفصل كل باب على حسب ما يليق به.
والقدر الذي يتعلق بهذا الكتاب طرد الخلاف في الشطر من غير فرق بين جهةٍ في العود [وجهةٍ] 1، وإنما تختلف [التفاصيل] 2 في المبيع إذا خرج ثم عاد ببيع، ثم فرض الاطلاع على العيب، فهذا يضطرب الرأي فيه لإمكان الرد في البيع الجديد، [وتحمله] 3 في البيع القديم، على ما مضى مستقصًى في موضعه.
أما في الصداق؛ فإذا تحقق الزوال والعود، فلا نظر إلى تفاصيل الجهات، وبالجملة: زوال الملك أظهرُ أثراً في منع التشطر منه في منع الفسوخ، لما مهدناه من ضعف التشطر، والشاهد فيه منع الزيادة المتصلة [له] 4 وإثبات الخِيَرة لها، ثم حيث جعلنا زوال الملك مؤثراً في المنع، فهو فيه إذا زال زوالاً لازماً، فإن كان الزوال على نعت الجواز، مثل أن يبيع بشرط الخيار -والتفريع على زوال الملك- فإذا انتقض البيع وارتد الصداق إليها؛ ثم طلقت؛ ففي هذا النوع من الزوال وجهان.
وطريان الرهن وزواله لا يؤثر.
وإذا كاتبت عبدَ الصداق، ثم عجَّز المكاتبُ نفسَه، وانقلب رقيقاً؛ فهذا أجراه القاضي مجرى زوال الملك على اللزوم، وطرد الخلاف على ما ذكرناه، وهو مرتب عندنا على زوال الملك؛ فإنّ المكاتب مِلْكُ المولى إلى العتاقة، وإن تضمنت الكتابة حيلولة، فالرهن يتضمنه أيضاً، ثم لا يؤثر طريان الرهن.
8440 - ثم قال الشافعي: " ولو تزوجها على عبد، فَوُجِد حراً، فعليه قيمته ...
إلى آخره " 1. وهذا نص من الشافعي على الرجوع إلى القيمة في اقتران الفساد بالصداق، وقد فصلنا هذا في تمهيد القواعد على أحسن الوجوه، فلا حاجة إلى إعادتها.
فصل
قال: " إذا شاهد الزوجُ الوليَّ والمرأةَ أن المهر كذا ... إلى آخره " 2.
8441 - صورة المسألة: إذا تواطآ على مقدار من المهر سراً، واتفقا على أن يُظهرا أكثر، فإذا جرى العقد علانية بالمبلغ الكثير بعد تقدم التواطؤ، قال المزني: اختلف قوله في ذلك.
فقال في موضعٍ: السرّ، وقال في موضع العلانية.
ثم قال: هذا عندي أولى؛ لأنه إنما ينظر إلى العقود، وما قبلها وعدٌ، هذا نقل المزني واختياره.
وقد اختلف أصحابنا على طريقين، فمنهم من قطع بأن الاعتبار بمهر العلانية، وما جرى من التواطؤ في السرّ لا حكم له، فهو [وعدٌ] 3 كما قاله المزني، والمعوّل على ما جرى العقد به لا غير، وهؤلاء يحملون نص الشافعي على فرض إجراء عقد في السر بالمبلغ الذي وقع التراضي عليه، ويشهد لذلك قوله " إذا شاهد الزوج الولي " فذكر الولي يشعر بجريان العقد، وهذا وإن كان قياساً، فهو مخالف للنص.
ومن أصحابنا من أجرى القولين، كما نقله المزني- ثم هؤلاء اختلفوا على طريقين، فمنهم من قال: القولان مفروضان فيه إذا قالا: المهر ألف، وقد تواضعنا بيننا على أن نجعل ذكر الألفين علانيةً عبارة عن الألف الذي وقع التراضي به، فإذا جرى ذلك كذلك، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن الاعتبار بمهر السرّ؛ فإنهما جعلا الألفين عبارة عن الألف، واللغات اصطلاحات، وليس يبعد عن القياس تحريفها؛ فإنها لا معنى لأعيانها، وإنما المقصود معانيها، وما يقع التفاهم به فيها.
والقول الثاني - أن الواجب مهر العلانية؛ فإنهما أجريا لفظاً صريحاً في العقد، والصرائح لا تحال ولا تُزال عن حقائقها بما يفرض من تواطؤ وتواضع.
وهؤلاء يقولون: لو وقع التراضي سراً على خلاف هذا الوجه، وقالا المهر مهر السر، ولم يتعرضا لتعيين اللغة، كما نصصنا عليه؛ فالذي تقدم وعد، والتعويل على المذكور في العقد، كما ذكره المزني.
ومن أصحابنا من طرد القولين، وإن لم يجر تعرض لتغيير اللغة بطريق المواضعة والاصطلاح، وذلك أنه وإن لم يقع لتغيير اللغة تعرض، فالمراد آيلٌ إلى ذلك.
ثم بنى الأئمة على هذه القاعدة جملةَ الأحكام المتلقاة من الألفاظ، فإذا قال الزوج لزجته: إذا دخلت أنت طالق ثلاثاً، لم أرد به الطلاق، وإنما غرضي أن تقومي أو تقعدي، أو غرضي بالثلاث الواحدة، فظاهر المذهب: أن ذلك لا يقبل منه.
وفي هذه المسألة الوجه البعيد الذي ذكرناه في مهر السر والعلانية، وسنبسط القول في هذا في مسائل الطلاق، عند اعتنائي بذكر الصرائح والكنايات، والأمور الظاهرة والباطنة ومسائل التدبير.
فصل
قال: " وإن عقد عليها النكاح بعشرين يوم الخميس ... إلى آخره " 1.
8442 - إذا ادعت المرأة أنه نكحها يوم الخميس بعشرين، ويوم الجمعة بثلاثين، وطلبت المهرين؛ فدعواها مسموعة.
فإن ثبت العقدان بإقراره وبالبينة، أو نكل عن اليمين، فرُدّت اليمين عليها، فحلفت، ثبت المهران.
فإن ادعى الزوج بعد ثبوت النكاحين أنه لم يصب في النكاح الأول، فالقول في هذا قوله مع يمينه بناءً على الأصول التي مهدناها؛ إذ قلنا: إذا اجتمع النفي والإثبات في تداعي الزوجين في الإصابة، فالقول قول النافي إلا في المسائل التي استثناها.
ثم ما ذكره الأصحاب أن الزوج لو لم يتعرض لنفي الإصابة في النكاح الأول،
فللمرأة طلب المهرين على الكمال، ولا حاجة بها إلى إثبات المسيس في النكاح الأول، وإن كان المهر لا يتقرر إلا به، ونفس النكاح الثاني يدل على ارتفاع النكاح الأول، فكأن النكاح الأول ثبت وارتفع، ولم يثبت فيه المسيس، وطلب جميع المهر من غير مسيس على استمرار النكاح ممكن، فأما إذا ارتفع النكاح، فلا يمكنها طلب المهر على قياس استمرار النكاح، والأصل عدم المسيس، ولكن يعارض هذا أن المهر ثبت بالنكاح على الكمال، فعلى من يدعي سقوط شطر منه أن يتعرض له، ولكن يتطرق إلى هذا أن الزوج لو ادعى نفي الإصابة صُدِّق مع يمين، ولم يطالَب بأمر آخر.
فليتأمل الناظر هذا، وليفهم لطفَ مأخذه، فالأصل ثبوت المهر، وهذا يستمر في سكوت من عليه المهر.
فإن ادعى عدمَ المسيس صُدِّق مع يمينه، وإن لم يدّع طولب بتمام المهر، بناء على ثبوته.
فإذاً على الزوج إثبات مقتضى التشطر بيمينه.
وحجج الخصومات منقسمة، وهذا كما أن المودَع مطالَب بالوديعة، محبوس إذا سكت، فإن ادعى تلفاً أو رداً، صُدّق.
ولو قال الزوج: كان النكاح الثاني تجديداً للإشهاد 1 ولم يكن عقداً جديداً، فلا ينفعه هذا القول، بل إذا قال ذلك، استغنت المرأة عن إقامة البينة، وكان ما صدر منه إقراراً بالعقدين: أما الأول فقد اعترف به، وأما الثاني فقد اعترف بصورته، وادعى فيه الإعادة، وهذا يُشبه إذا ادعى رجل على رجل عيناً، وقال المدعى عليه للمدعي: بعها مني، فالاستباعة تتضمن إقراراً للمدعي بالملك، وليس للمدعى عليه أن يقول: طلبت منه صورة البيع ولم أعترف بصحة بيعه، فإنَّ طلبَ البيع محمول على البيع الصحيح، وكذلك كل من اعترف بعقد، فاعترافه المطلق محمول على الاعتراف بالعقد الصحيح.
فصل
قال: " ولو أصدق أربع نسوة ألفاً ... إلى آخره " 1.
اختلفت نصوص الشافعي في مسائل متناظرة، ونحن ننقل أجوبته فيها، ثم نذكر طرق الأصحاب.
قال: إذا نكح نسوة في عقدة واحدة وأصدقهن مالاً واحداً سمّاه؛ فلا شك في صحة النكاح، وفي صحة الصداق قولان [نص] 2 عليهما.
ونص أيضاً على مثل هذين القولين إذا خالع امرأته، أو نسوة بعوض واحد، فالخلع واقع، والبينونة حاصلة، وفي فساد العوض قولان.
ولو ملك أشخاصٌ عبيداً، فملك كل واحد عبداً أو أكثر، فباعوا عبيدهم بمال يقع [التراضي] 3 عليه من رجل، فقد نص الشافعي على فساد البيع، وقطع قولَه به.
ولو كاتب عبيداً على عوض واحد نجَّمه عليهم، فقد نص على صحة الكتابة، وقطع قولَه بها.
فاختلف أصحابنا على طرق؛ فمنهم من ضرب بعض هذه النصوص ببعض، وجعل في المسائل كلِّها قولين: أحدهما - أن العقد باطل لجهالة العوض؛ فإن كل واحد ليس يدري ما ثبت له بالعقد، ولكل واحد حكمٌ في نفسه، وانضمام غيره إليه لا يغيّر من أمره شيئاً، فلا أثر لكون جملة المسمى معلومة إذا كان كل واحد منهم جاهلاً بما يطالب به، وهذا بمثابة ما لو قال الرجل: " بعتك داري هذه بما باع به فلان عبده "، فالبيع باطل، وإن كان الوصول إلى ما [باع] 4 به فلان عبده ممكناً، وما نحن فيه أولى بالبطلان؛ فإن درك ثمن ذلك العبد ممكن على يقين، وسبيل درك