كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
8482 - فإذا لاحت النسوة المعتبرات والخارجات عن الاعتبار؛ فالطَّلِبة وراء ذلك بتعليل هذا، فنقول: الصفة الغالبة في العرف الجاري في مقدار المهر النسبُ، فإن المنتسبات إلى شجرة واحدة يجرين على مقدار من المهر، وإن فرض النقص منه عُدّ حطيطةً ووكيسة، والأبضاع لا تتقوم تقوم الأموال، وإنما يُرجع فيها إلى أمثال هذه الخصال التي ذكرناها.
ثم قال الأئمة: إن كانت هذه المرأة التي تبغي مقدار مهرها مساوية لنساء العصبات فذاك، وإن كانت مخالفة لهن في بعض الخصال الحميدة أو الذميمة، فقد يزيد وينقص على ما تقتضيه الصفات، فلو اختصت بصراحةٍ في النسب، وصباحة في الوجه، وسلامة في الخَلْق، وعفة [ويسارٍ] 1، ومزية في العقل، ومَسْحةٍ من الجمال ظاهرةٍ، فيزاد لها بهذه الصفات، فكأن القطب الذي عليه المدار النسبُ، ثم الاقتصار عليه.
ومن لطيف القول في هذا أن الجمال غير معتبر في الكفاءة، والنسب مرعي فيه، وهو الأصل، والجمال مرعي في مهر المثل باتفاق الأصحاب؛ وذلك لأنا وإن اعتبرنا النسب في الباب، فطلب مهر المثل طلب قيمة، والقيم ترتبط بالرغبات، والرغبات تتفاوت بهذه الصفات، والكفاءة ليست من هذا القبيل، والمجتنب ثَمَّ العارُ، كما بينا قاعدة الكفاءة، فإذا لم يكن ضرار ولا عار، فالكفاءة كافية، وهذا مبني على الرغبات.
وقطع أئمتنا باعتبار اليسار في مهر المثل، وإن لم يكن اليسار صفتَها، ولا حق للزوج في مالها، ولكن يسارها يستجر الرغبات إليها، وقد ذكرنا أن التعويل في قيم المتقومات على الرغبات.
8483 - ثم مهر المثل حيث ثبت ويُقضى به يكون من النقد الغالب؛ فإنه قيمة،
والقيم تناط بالنقد الغالب، ولو فرض نقدان عامان، فلا يختلف التقويم بهما، وليس هذا كتقويمنا عروض التجارة؛ فإن الغرض قد يختلف بسبب انتقاص النصاب، وهذا لا يعقل في المتقومات.
ولو سامحت واحدة من نساء العشيرة بحيث تعد بذلك [ندْرة] 1 محمولة على مسامحة، فلا اعتبار بها في حق هذه [التي] 2 تطلب كمال مهر مثلها، وإن عمّ ذلك في نساء العشيرة بعد أن لم يكن، حُمل هذا على انحطاط [السعر] 3، واستبان انتقاص الرغبات فيهن، فكانت المعتبرة محمولةً على هذا التخفيف.
ولكل صورة من الصور التي نذكرها نظير في القيم لا يخفى مُدركه.
ولو جرت عادتهن من المهر ولكن كن يؤجّلنه فإثبات مهر المثل مؤجلاً محال؛ فإنه قيمة في مقابلة إتلاف أو فيما يحل محل الإتلاف، والقيم لا تتأجل، ولكن إذا كان مهر العشيرة ألفاً مؤجلاً إلى سنة، فيثبت حالاًّ ما يساوي ألفاً مؤجلاً، فيُحَطّ من المقدار، ويُقضى بالحلول.
ولو قالت: أوجبوا الجميع وأنا أمهله، لم يلتفت إليها؛ فإن الأجل إذا كان لا يلزم، فلا حكم لوعدها.
8484 - ومما ذكره الأئمة: أنه لو جرت عادة العشيرة بحط شيء من المهر إذا كان الخاطب منهم، وطلب مزيد إذا كان الخاطب أجنبياً، قالوا: إذا كان المطالَب واحداً من العشيرة، فيعتبر في حقه تلك الحطيطة، وكان شيخي أبو محمد يأبى هذا ويقطع بخلافه؛ فإن قيم المتلفات لا تختلف باختلاف المُتْلِفين.
وفي هذا فضل نظر عندنا، فيجوز أن يقال: إن كنا نعتبر مهراً في نكاح، فتلك الحطيطة مرعية، فإن مسامحة العشيرة سببها طلب التداني في التواصل، وذلك في حكم العرف الغالب يستحث على الحطّ.
وأما إذا جرى وطء بشبهة؛ فيجب أن لا [يفرق] 1 بين القريب والبعيد، فإن الحطيطة التي ذكرناها تُحْتَمَلُ في النكاح رغبة في المواصلة مع تداني القرابة.
والذي عليه الفقه في الباب أن لا نقطع نظره عن قصد المواصلات، ولا نظر إلى الأبعاض تتمحض أموالاً.
وعندنا أنا أوضحنا قاعدة الباب ولم نُبق كلاًّ على الطالب.
ولو أُحوجنا إلى معرفة مهر امرأة لا نعرف لها عشيرة، فليس إلا رد النظر إلى الرغبة المحضة في أمثالها على ما هي عليها، وإنما لم نقتصر على هذا في [النسيبة] 2؛ لأن الخاطب قد يجهل نسبها، فنذكرها له، وما ذكرناه جار، فالرجوع إلى الرغبة في النسيبة وغير النسيبة، وإنما خُص هذا الباب بالعقد لبُعْد الأبضاع عن المالية المحضة، مع أنها منزّلة على قيم الأموال، غير أنها [تمتاز] 3 عن الأموال بالصفات المرعية فيها اللائقة بها، فالأموال قد تختلف أسباب الرغبات فيها، وإن شملتها المالية، والله أعلم.
...
باب الاختلاف في المهر
إذا اختلف الزوجان في المقدار المسمى في النكاح، فقال الزوج: " نكحتك بألف " فقالت: بل بألفين، أو اختلف في جنس الصداق، أو في صفته، كما صورنا ذلك في اختلاف المتبايعين، فالزوجان يتحالفان، ثم تحالفهما لا يفضي إلى انفساخ النكاح، ولكن التسمية ترتد وتزول، والرجوع إلى مهر المثل؛ فإنه إذا عسر المسمى بسبب جهالةٍ، فلا وجه إلا الرجوع إلى مهر المثل، والجهالة متحققة ثابتة بالتحالف.
ثم الذي ذهب إليه الأصحاب بأجمعهم: أنا لا ننظر إلى المقدار الذي ادعته منسوباً إلى مهر المثل، ولا نفرق بين أن يكون مثلَه أو أقلَّ [أو] 1 أكثر.
وحكى العراقيون بعد اختيارهم ما ذكرناه وجها بعيداً عن ابن خَيْران، أنه كان يقول: إن كان ما ادعته أقلَّ من مهر المثل، فليس لها إلا ما ادعته، مثل أن يقول الزوج: " نكحتك بخمسمائة "، وتقول الزوجة: " بل نكحتني بألف "، وكان مهر مثلها ألفاً وخمسمائة؛ فالذي ذهب إليه الأصحاب: أنا نوجب لها ألفاً وخمسمائة، وقال ابن خَيْران: ليس [لها] 2 إلا الألفُ؛ فإنها لم تدّع أكثر منه.
وهذا ضعيف مزيف؛ فإنها ادعت الألف عن جهة التسمية، وقد حكمنا بانقطاع التسمية، ورددناها إلى مهر المثل عن جهة أخرى، لم تدع منها شيئاً، ثم يقال له: إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن، فادعى البائع أكثر مما اعترف به المشتري، ولكن كان ما ادعاه البائع أقل من قيمة المبيع، فماذا تقول؟ فإن قال: يرجع البائع إلى قيمة المبيع التالف في يد المشتري، فكيف يفرق بين هذا وبين ما ذكره في المهر؟ وإن طرد خلافه في مسألة البيع، كان على نهاية البعد.
ثم قال ابن خَيْران: إذا أصدق امرأته ألفاً، ولم يختلفا فيه، ولكن فسد الصداق بشرطٍ، ولزم الرجوعُ إلى مهر المثل، وكان الألف أقلَّ من مهر المثل، فليس لها إلا الألف من جهة رضاها به، كما ذكره في التحالف، وهذا قول فاسد، لم يرتضه أحد من الأصحاب.
ولو فرض الاختلاف بين الزوجين بعد ارتفاع النكاح، فهو كما لو فرض في حالة قيام النكاح إذا كان المتداعي بالمهر قائماً، وبيان ذلك: أنه إذا طلقها بعد المسيس، وما كان أقبضها المهر، فاختلفا بعد البينونة؛ يتحالفان، والرجوعُ إلى مهر المثل.
وإذا كان الطلاق قبل المسيس فيتحالفان، والرجوع إلى نصف مهر المثل.
8485 - وذكر الأصحاب صورة في الاختلاف، نحكيها ونذكر [ما] 1 فيها، فإذا ادعت المرأة أن الزوج أصدقها ألفَ درهم، وقال الزوج: جرى النكاح خالياً عن ذكر المهر، ولم يدّع التفويض، وقد ذكرنا فى صورة التفويض، وبيان ما ليس منها أن المرأة إذا لم تصرح بالرضا بترك المهر، واتفق جريان العقد من الولي خالياً عن ذكر المهر؛ فالرجوع إلى مهر المثل.
فإذا تبين هذا، فكأن الزوج ادعى مهر المثل، وادعت المرأة ألفاً من جهة التسمية، وإنما يحسن وقع هذه المسألة إذا كان الألف أكثرَ من مهر المثل.
قال القاضي: يتحالفان، وينزل هذا منزلةَ ما لو ادعت المرأة ألفاً، وادعى الزوج ثمانمائة من جهة التسمية.
وهذه المسألة محتملة، تردد فيها المحققون.
ووجه الاحتمال فيها يظهر بالتوجيه.
أما وجه ما ذكره القاضي، فبيّنٌ؛ فإن الزوج ادعى صيغةً في العقد متضمنها إثباتُ مهر المثل، وهو دون ما ادعت المرأة، هذا وجه.
ويجوز أن يقال: هذا اختلافٌ راجع إلى النفي والإثبات، فالمرأة ادعت التسمية، والزوج أباها أصلاً، فيتجه أن نقول: القول قول النافي مع يمينه، فإذا ثبت النفي، ولم تحلف الزوجة، رجعنا إلى مهر المثل.
وفائدة هذا ألا يجري التحالف من الجانبين.
8486 - ثم قال الشافعي في تحالف الزوجين: " أبدأ في الزوج بالتحليف، وقال في البيع: أبدأ بجانب البائع "، والزوجُ في مقام المشتري؛ فالنصان مختلفان، والتصرف فيهما نقلاً وتخريجاً وفرقاً جرى مستقصى في باب التحالف من كتاب البيع.
8486/م- ولو اختلف الزوجان بعد انفساخ النكاح بسبب يقتضي ارتداد جملة الصداق، فلا يتصور التحالف؛ فإن فائدة التحالف التنازع في مقدارٍ من المهر، وقد ارتد كله، وهذا إذا تفاسخا، وما كان أقبضها الزوج الصداق.
فلو تنازعا في المقدار، فقال الزوج: " أصدقتك ألفين، وسقتهما إليك، فردَدتِ ألفاً لمّا انفسخ النكاح قبل المسيس ". وقالت المرأة: " ما أصدقتني إلا ألفاً، فقبضتُه، ورددتُه "، فهذا ليس من الاختلاف الذي نحن فيه؛ فإن الاختلاف بين الزوجين إنما يفضي إلى التحالف إذا كنا نرجع إلى مهر المثل، ونترك التسمية، وهذا المعنى لا يتحقق في هذه المسألة، وقد سبق انفساخ النكاح.
وحاصل قول الزوج يرجع إلى إقباضها ألفين، وهي تنكره، فالقول قولها.
ولو كان الاختلاف على هذا الوجه مذكوراً في النكاح، لما كان اختلافاً يوجب التحالف، فإن الزوج ادّعى إلزام أكثر مما تدعيه المرأة.
هذا بيان القول في التحالف.
فصل
قال: " وهكذا الزوج وأبو الصبية البكر ... إلى آخره " 1.
8487 - ذكر الشافعي اختلاف الزوجين وتحالفهما، ثم عطف عليه اختلاف الزوج مع أبي الصبية، فاقتضى ترتيبُ الكلام تنزيلَ الأب مع الزوج منزلةَ الزوجة مع الزوج في التحالف، وموجبَ ذلك تحليفُ الأب، فنذكر ترتيب المذهب وطريق الأصحاب، ثم نرجع إلى [السواد] 2.
8488 - فمن أصحابنا من ذكر وجهين في أن الأب هل يحلف عن طفله الموليِّ عليه فيما يتعلق بتصرف الولاية؟
ثم حاصل ما ذكره الأئمة ينحصر في مسلكين: أحدهما - طرْد الوجهين في كل ما يتعلق بحظ الطفل، ويندرج تحت ولاية الولي، من غير فرق بين أن تكون الخصومة متعلقة بتصرف أنشأه الولي، وبين ألاّ تكون كذلك.
وبيان القسمين: أن من أتلف مالاً من أموال الطفل، ثم أنكر، فللولي أن يحلّفه إن لم يجد بيِّنةً، فإن نكل عن اليمين، ففي رد اليمين على الأب وجهان.
وكذلك القول في كل ما يضاهي ذلك.
وسبب طَرْد الخلاف يتبين بالتوجيه، فمن أبى ذلك، احتج بأن الأيْمان لا يتطرق إليها إمكان النيابة، وسبب ذلك أن الحالف متعرض [للحِنث] 1 والمأثم لو كذب، ولا يليق بمناصب النيابة قيامُ الغير مقام الغير في التعرض للحرج، بل حكمة الشرع في اختصاص صاحب الواقعة بهذا المأثم.
وهذا في مسلكه يضاهي العبادات البدنية؛ فإنها امتحان الأبدان بالمشاق، حتى تتهذب وتتعرض لثوابها، ولهذا لم يُحلَّف الوكيل بالخصومة، وإذا انتهت الخصومة [إلى توجيه اليمين عليه] 2 رُد الأمر إلى تحليف الموكِّل.
ومن جوّز للأب أن يحلف، احتج بأنه في تصرفه مستبدٌّ غيرُ مستناب، فهو في حكم المالك المتصرف في حكم نفسه.
وهذا فيه بعد؛ فإن الأب مستناب شرعاً، وإن كانت استنابته لا تتعلق بإذنٍ من آذن، وإذا كان يتصرف لغيره، فقد اتجه الفقه الذي ذكرناه في منع الحلف.
التفريع على الوجهين:
8489 - إن حكمنا بأن الأب لا يحلف -وهو القياس- فالوجه: وقف الخصومة إلى أن يبلغ الصبي، فيتعرضَ لليمين حينئذ، وكان شيخي يقول على هذا: لا معنى
لعرض اليمين على الخصم؛ فإن منتهى الخصومة قد يفضي إلى نكوله، ثم لا يُقضَى بنكوله.
وذهب كثير من أئمتنا إلى أنه يحلّف الخصم؛ فإنه إذا رغب في اليمين، فلا امتناع في القضاء بيمينِ مَنْ خصمُه طفل، وإنما الامتناع في تحليفِ أو في إنابةِ غيره منابه، وهذا هو الذي لا يجوز غيره.
فإن حلف، فذاك، وإن نكل عن اليمين، توقفنا حينئذ.
وإن قلنا: يحلف الأب، فإن نكل الخصم، رددنا اليمين على الأب، فإن حلف، ثبت حق الطفل، وإن نكل، ففي المسألة وجهان: أصحهما - أنا نقف الأمر إلى أن يبلغ الصبي، ولعله يحلف، ثم إن حلف استحق.
ومنهم من قال: تنفصل الخصومة بنكول الأب عن يمين الرد؛ فإنا لم نقمه في مقام الحالفين إلا على تقدير تنزيله منزلةَ من هو صاحب الواقعة، حتى كأنه المالك، وإليه الانتهاء، ولهذا نظير من طريق اللفظ، وهو أن الوارث إذا لم يحلف مع الشاهد الواحد في ادعاء دَيْنٍ أو عينٍ للمتوفى، فلو كان للميت غريم، فأراد أن يحلف إذا نكل الوارث؛ ففيه قولان، وترتيبٌ سيأتي مستقصى في كتاب القسامة، إن شاء الله عز وجل.
ولكن ليس ما نحن فيه مثلَ ما أردناه؛ فإن الوارث مالك التركة على الحقيقة، فلا يمتنع أن يؤثر نكولُه، والغريم له حق التعلّق بالتركة لو ثبتت، وفي مسألتنا الملك على الحقيقة للطفل.
فإن قيل: كيف يجري تحليف الأب لطفله، وشهادته له مردودة؟ قلنا: اليمين لا تؤخذ من مأخذ الشهادة؛ فإن الإنسان لا يشهد لنفسه، ويحلف فيما يتعلق به جلْباً ودفعاً، وهذا كله بيان طريقة واحدة.
8490 - ومن أصحابنا من قال: [إن كانت] 1 الخصومة متعلقةً بشيء ما أنشأه 2 الوليُّ، فلا يحلف فيه الولي أصلاً، وإن تعلق بما أنشاه الولي، ففي تحليفه وجهان.
وهذا بمثابة ما لو باع الولي مال الطفل، أو زوّج الصغيرة، ثم وقع النزاع في صفة العقد، فيجري الخلاف في ذلك؛ فإن العقد وإن كان متعلقاً بحق الطفل، فمتعلق الدعوى من الأب أنه قيل له: " عقدت على الوجه المخصوص " وهذا صادر منه، فترتبط الخصومة [به] 1 من هذا الوجه، فينفي أو يثبت، ويتجه التحليف في هذا المقام.
وقد ذهب كثير من الأئمة -أئمة العراق- إلى القطع بأنه يحلف، ومجرى التحالف بينه وبين الخصم فيما يتعلق بإنشاء الولي، ولم يذكروا في ذلك خلافاً، ووجه الطريقة: أن الأب لو أقر بعقدٍ عقده في استمرار الولاية قُبِل إقرارُه، وإذا كان مقبول الإقرار، لم يبعد أن يُحلَّف؛ فإن الحلف على الإنكار حريٌّ بالقبول ممن يُقبل منه الإقرار.
ثم هؤلاء طردوا الطريقة في القيّم والوصيّ والوكيلِ بالعقد، فإن كل واحد من هؤلاء لو أقر بأنه أنشأ العقد قُبِل إقراره، إذا كان إقراره في وقتٍ لو أنشأ ما أقرّ به، نفذ.
وقد ذكرنا أن الإنكار يعاقب الإقرار.
فإذا كان من أهل الإقرار، وجب أن يكون إقراره ثابتاً، حتى يتعلق به ما يتعلق بالإنكار الصحيح.
والوكيل بالخصومة لا يحلف؛ من جهة أنه لو حلف، لكانت يمينه راجعة إلى حق غيره، وليس يُثبت أو ينفي شيئاً مضافاً إلى إنشائه، ولو تعلقت الدعوى بالوكيل فيما هو مطالب به [بالعهدة] 2، فلا شك أنه يحلف؛ من جهة أنه فيما يطالَب به مجيب عما يتعلق بخاصته.
فاعتماد هؤلاء في هذه الطريقة على ما ذكرناه من رجوع النزاع إلى ما ينشئه الولي، واعتماد الأولين في الطريقة الأولى على ما يتعلق بتصرف الولي واستبداده.
والطريقتان متباينتان.
8491 - وذكر [شيخي] 1 أخرى، وهي: أن الأبَ لا يُحلّف [في شيء مما] 2 يتعلق بحق طفله، ولا فرق بين ما ينشئه الأب وبين ما لا يتعلق بإنشائه.
وإنما تردد الأصحاب في تحليفه في النكاح خاصة، واختلافهم مبنيٌّ على أنه هل يملك إسقاطَ المهر والعفو عنه؟ فإن قلنا: إنه يملك العفوَ، فاليمين معروضة عليه، فإنه على رتبة المالكين، و [إن] 3 لم ننفّذ عفوه، فلا نحلفه، هذا بيان طرق الأصحاب.
8492 - ثم إن قلنا: الأب لا يحلف فيما له الإنشاء فيه، فيقف الأمر حتى تبلغ الصبية، ثم نُدير النزاع بينها وبين الزوج، ونفرض الكلام في التنازع في مقدار المهر، فإذا قال الزوج: " نكحتك بألف " والزوجة تزعم أن أباها زوّجها بألفين، فالتحالف يجري الآية بين الزوج والزوجة، ثم المرأة تحلف يميناً تشتمل على الجزم ونفي العلم، إذا رأينا الاقتصار على يمين واحدة -كما- تقدم تفصيل ذلك في كتاب البيع، فتحلف إذاً: " بالله لا تعلم أن أباها زوّجها بألف، ولقد زوّجها بألفين "، ثم يمين نفي العلم إنما تتوجه إذا ادّعى العلم عليها.
8492/م- ولو مات الزوج والزوجة، ووقع الاختلاف بين ورثة الزوجين بعد موتهما، أو وقع الاختلاف بين ورثة أحدهما مع الآخر، فالتحالف يجري على الصورة التي ذكرناها بين الزوج والزوجة، فوارث الزوج يحلف: " لقد نكحها بألف، ولا أعلم أنه نكحها بألفين "، ووارث المرأة يحلف: " لقد نكحتْه بألفين، ولا أعلمها رضيت بألف "؛ فقد اشتمل حلف كل واحد منهما على إثبات أمر من الغير، ونفي أمر منه.
والقاعدة التي إليها الرجوع في أمثال هذا -وعليها تدور المسائل- أن كل يمين كان
مقصودها الإثبات فهي على البتّ، سواء أثبت الحالف من نفسه أو أثبت من غيره، واليمين على النفي [تتفرّع] 1 فإن تضمنت نفيَ شيء من الحالف، فهي على البت، وإن تضمنت نفيَ أمر من الغير، فهي على العلم.
والسبب الكلي فيه أن الإثبات لا يعسر الاطلاع عليه، سواء كان من الحالف أو من غيره، ولا يعسر الاطلاع على النفي الراجع على الحالف؛ فإن الإنسان يعلم ما ينفي عنه كما يعلم ما يُثبت في حقه، فأما النفي عن الغير، فالاطلاع عليه بعيد، والالتزام من غير ثَبَت لا وجه له.
وإذا حصلت اليمين على نفي العلم، ووقع الاكتفاء [بها] 2 في قطع الخصومة، فإن هذا غاية الوسع والإمكان.
[وللخصومات] 3 وقفات في بعض الأطراف دون اليقين المطلوب في غيرها، ولكن إذا اضطررنا، اكتفينا باستفراغ الوسع.
وعلى هذا لو ادعى رجل ديناً على الميت، والوارث ابنه، فالقول قول الوارث، يحلف على [نفي] 4 العلم: " لا يعلم أباه أتلف ما ادعاه، أو استقرضَ " على حسب اتفاق الدعوى في تعيين هذه الجهات، فيكتفى منه بالحلف على نفي العلم.
وإن نكل ردت اليمين على المدّعي، يحلف على البت بأنه متلف.
ولست أضمن الآن تفصيل ذلك، وتحصيلَ ما فيه، فإنه من أقطاب الدعاوى، وسننتهي إليها فنشرحها، إن شاء الله عز وجل.
فإن قال قائل: كيف يتحالف ورثة الزوجين وقد انتهى النكاح نهايته؟ قلنا: أثر التحالف يظهر في الصداق وما ينتهي نهايته، فإنه في حكم عقدٍ منقطعٍ عن عقد النكاح، وتتصور فيه الردود بجهاتها بعد الموت.
8493 - فإذا نجز بيان المذهب، عدنا بعد ذلك إلى الكلام على النص:
ظاهر ما قاله الشافعي أن أب الصبية يحلف كما تحلف الزوجة إذا استقلّت، والخلافُ مفروض في مقدار الصداق، وذلك أنه -رضي الله عنه- ذكر اختلاف الزوجين وتحالفهما، ثم قال: " وهكذا الزوج وأبو الصبية "، فمن قال: نُحلّف الأبَ؛ استمسك بظاهر النص.
ومن قال: لا نحلّف، قال: لم يعطف أبَ الصبية على الزوجة المستقلة لنحلفه، وإنما عطف ليبين أن الاختلاف ممكن، ويتعلق به إقامة البينة كما تُصوِّر ذلك في الزوجين.
فصل
قال: " فالقول قول المرأة ما قبضت مهرها ... إلى آخره " 1.
8494 - إذا اختلف الزوجان في أصل القبض، فقال الزوج: " أقبضتكِ " وأنكرت المرأة؛ فالقول قولها.
فإن الأصل عدم القبض، ودوام إشغال الذمة بالمهر، فإن اتفقا على القبض، واختلفا في صفته؛ فقالت المرأة: " دفعتَ ما دفعتَ هديةً ومنحةً".
وقال الزوج: "بل سلّمتُه مهراً"؛ فالقول قول الزوج مع يمينه.
وهذا الأصل مطّرد في كل موضع يقع الاختلاف فيه في جهة القبض، والرجوع فيه إلى الدافع؛ إذ الغرض في ذلك يختلف بالقصد، ولا اطلاع على القصد إلا من جهة القاصد، وقد ذكرنا هذا وما يتعلق به في المعاملات، وأوضحنا مثل هذا الاختلاف في دَيْنين، وقد اتفق أداء شيء، وثار النزاع في أنه مقبوض من أية جهة؟ وبيّنا القولَ فيه إذا قال الدافع: لم أقصد شيئاً.
8495 - ومما يتعلق بما نحن فيه الكلامُ في أن الأب هل يقبض مهر ابنته؟ فنقول: إن كانت صغيرة، قبض الأب مهرها، فإنّ قبضَ المهر تصرّفٌ في مالٍ، وهي مولّىً عليها من جهة أبيها، فعلى هذا لو كانت الصغيرة ثيباً، فالأب يقبض مهرها؛ فإن الثيابة لا تؤثر في ولاية المال، وإنما تؤثر في ولاية النكاح، وقد ذكرنا أن الأب يزوّج ابنته البالغةَ البكرَ إجباراً، فلو كانت سفيهة، قبض مهرها أيضاً، فإن الحجر مطرد مع السفه على المال.
فأما إذا كانت رشيدة، فهل يقبض الأب مهرها؟ فيه طريقان: من أصحابنا من
قال: في المسألة قولان: أحدهما - أنه يقبض مهرها، كما يجبرها على النكاح؛
فعلى هذا يكون الصداق مستثنًى عن سائر أموالها، لمكان اتصاله له بما هي مجبرة
فيه.
والقول الثاني وهو الأصح - أنه لا يقبض مهرها لما أظهرناه من أن هذا تصرفٌ في المال، والأب لا يلي مال الرشيدة البالغة.
وهذان القولان بناهما المحققون على القولين في أن الأب هل يملك الإبراء عن صداق البكر البالغة؟ وفيه اختلاف سيأتي مرتباً في بابٍ، بعد هذا -إن شاء الله عز وجل-، فهذه طريقة.
ومن أصحابنا من قال: لا يملك قبض صداقها وجهاً واحداً من غير إذنها، كما لو كانت ثيّباً، وهذا هو القياس.
ثم إن قلنا: لا بد من إذنها، فلا يكفي العرْضُ عليها مع سكوتها، ولا اكتفاء بصُماتها، وإن قلنا: قد يكتفى بصمات البكر إذا كان زوّجها من لا يجبرها، كالأخ وغيره.
فصل
يجمع قواعدَ في تداعي الزوجين، واختلافهما، وعلى الناظر صرفُ الاهتمام إلى دَرْكه.
8496 - فنقول: أولاً، إذا أحضرتْ رجلاً مجلس الحكم، وادعت عليه ألف درهم من جهة الصداق، فالقول قوله؛ فيحلف لا يلزمه تسليمه إليها، فإذا لم تعلّق المرأة دعواها قصداً على الزوجية، وإنما تعرضت للصداق، فليس على الزوج التعرض للزوجية، ويقع الاكتفاء منه بنفي ما ادعته من المال.
[ولا] 1 يعرضُ القاضي للسؤال على الزوجية من غير أن تطلب المرأة ذلك، فهذا فضول منه، وللزوج ألا [يجيبه] 2.
ولو سألت المرأة القاضيَ، واستدعت منه أن يسأل الرجل عن النكاح، حتى إن اعترف هو به، لزمه حكم النكاح، وإن أنكر تعلَّق بإنكاره حكمُ إنكار النكاح، فيجب على القاضي أن يبحث.
ثم قال قائلون: إن ادّعت الصداق، وسألت القاضي أن يسأله عن النكاح، سأله، ولزمته إجابته.
وقال طائفة من المحققين: لا يسأله ولا تلزمه الإجابة -إن سأله- حتى تدعي الزوجةُ الزوجية.
فإن ادعتها، فحينئذ يراجع القاضي الزوجَ، وإن لم تدع الزوجية، لم يجب على القاضي أن يتعرض لها، كما لو قال رجل -وقد رفع رجلاً إلى مجلس الحكم- اسأله أيها القاضي، هل لي عليه ألف؟ فهذا ليس بدعوى، ولا مبالاة به، وإنما ذكرنا من وجوب مراجعتها ما ذكرناه لجزمها دعواها في الصداق، ثم إذا جزمت دعوى الزوجية، فقد ذكرنا تفصيل دعوى الزوجية في فروع ابن الحداد في آخر النكاح.
8497 - وقد ذكر القاضي أموراً تتعلق بدعوى الزوجية، نذكرها وننظر ما فيها: فإذا ادعت المرأة الزوجية، فاعترف الزوج بها، وأنكر المهر؛ فقد قال: ثبت لها مهر المثل، ولو أراد الزوج أن يحلف، لم يكن له ذلك، والحاكم يقول: لا فائدة لك في الحلف، فإن النكاح العري عن المهر يثبت فيه مهر المثل.
وهذا أمر ملتبسٌ لابد فيه من التفصيل، فنقول: إن قال الزوج جرى النكاح عرياً عن المهر، ولم يدع تفويضاً محققاً على حكم التصريح بإسقاط المهر؛ فموجب ما ذكره ثبوت مهر المثل.
وإن نفى المهر، ولم يصف العقد بالعرو عن ذكره، ولكن قال: لا مهر لها؛ فالذي ذكره القاضي: أن قول الزوجة مقبول في دعوى مهر المثل.
وهذا مشكل جداً؛ من قِبل أن النكاح يفرض عقده بأقلّ ما يتمول، وليس شرط انعقاد النكاح أن يكون فيه مهرُ المثل، فكيف الوجه في ذلك؟ وما علة الحكم بثبوت مهر المثل؟ فنقول: وجه ما ذكره: أن النكاح في نفسه -إذا لم يثبت فيه مسمى صحيح - بمثابة الوطء المحرم، فإن الوطء المحرم يتعلق به مهر المثل، فصورة النكاح إذا لم يثبت فيه صداق مسمى، تتضمن مهر المثل، والتسمية وإن كانت ممكنة فإذا لم تثبت؛ فالمرأة مستمسكة بما أصله التزام مهر المثل.
هذا تعليل ما ذكره.
وتتمة الكلام فيه أن مهر المثل لا يثبت ما لم تحلف أنها لم ترض بأقل من مهر المثل، ويكفيها أن يغلِّب جانبَها ويحلّفَها، فإنا إذا كنا لا نبعد جريان التسمية، فلا سبيل إلى إثبات مهر المثل بمجرد الاعتراف بالنكاح.
ووراء ما ذكرناه غائلة صعبة سنذكرها بعد نجاز المسائل المترتبة على هذا النسق.
فلو حكمنا مثلاً بمهر المثل، فقال الزوج: ما أصبتها، وطلّقها، فلها نصف مهر المثل، فإن قيل: هلا حملتم الأمر على التفويض، حتى لا يجب لها شيء؟ قلنا: التفويض أمر نادر، فلا يحمل الصداق عليه، وقد بيّنّا أن التفويض لا يثبت ما لم تصرح المرأة بالإسقاط والرضا وبنفي المهر.
8498 - ولو ادعت امرأة على وارث الميت أن أباه نكحها، وأقامت بينة على النكاح، قال: يثبت لها مهر المثل إن ادعته، وحلفت بأنها لم ترض بمسمّىً دون مهر المثل، وإن لم تكن لها بينة على النكاح، وكان الوارث صغيراً، فنقف الخصومةَ إلى أن يبلغ، فإن بلغ وأقر بالنكاح، عاد الأمر إلى ما ذكرناه في المسألة الأولى.
وإن ادعى الوارث قدراً من الصداق دون مهر المثل، فإن أقام بينة على ذلك المقدار، لم يكن لها أكثرُ منه، هذا ما ذكره.
8499 - وقد حان أن ننبّه على الإشكال الذي أشرنا إليه فنقول: إذا ادعت امرأة زوجية على رجل، فاعترف بها، وسكت عن ذكر مقدار المهر، أو قال: لست أدري كم أصدقتها، وزعمت المرأة أنه أصدقها ألفَ درهم، وهو مقدار مهر مثلها؛ فالذي قطع به الأصحاب أولاً: أنها إذا ذكرت مقدار مهر مثلها، وادعت أنه المسمى، وادعى الزوج مسمى دون ذلك، فإنهما يتحالفان، كما قدمناه في صدر الباب.
وقال أبو حنيفة: القول قولها في مهر المثل، فإن ادعت زيادة على مهر المثل، فالقول قول الزوج في نفيها، ولو ادعت المرأة زوجية [ومسمًّى] 1 مساوياً لمهر مثلها، وأنكر الزوج التسمية أصلاً، وذكر أن النكاح جرى عرياً عن المهر؛ فهو
معترِف بما ادعت ثبوتاً، وإن أنكر التسمية؛ فإن موجَبَ إطلاق العقد [من] 1 غير تفويض ثبوتُ مهر المثل.
وإن ادعت المرأة ما ذكرناه، فلم يعارضها الرجل بدعوى تسميةٍ أخرى، ولكنه قال: لست أدري، أو توقف وصمت؛ فظاهر ما ذكره القاضي: أن القول قولها مع يمينها، لما ذكرناه من أن النكاح مطلقُه يُثبت مهر المثل، وهذا موضع الإشكال، وهو على الحقيقة مصيرٌ إلى مذهب أبي حنيفة في النظر إلى مهر المثل.
والذي يقتضيه قياس مذهبنا أن دعواها موجهةٌ بالمقدار الذي ادعته على الزوج، فإن تردد لم تمنع منه بتردده؛ وحلّفناه، فإن نكل عن اليمين المعروضة رددنا اليمين عليها، فتحلف يمين الرد.
وإن كانت المسألة مفروضة في المرأة ووارث الزوج، فالوارث لا يطالَب إلا باليمين على نفي العلم، فإذا ادعت تسميةَ ألف، وهو بمقدار مهر مثلها، فأنكر الوارث العلم به، وحلف على نفي العلم؛ فمذهب القاضي ما ذكرناه، وهو على قياس قولنا مشكلٌ.
والذي يقتضيه القياس الحكمُ بانقطاع الخصومة، والقدر الثابت على قطعٍ: هو أقل ما يُتموّل، وفيه من التردد ما أجريناه في مسائلَ جمّةٍ، وهذا منتهى ما أوردناه في ذلك.
8500 - ومما ذكره القاضي متصلاً: أن الرجل إذا أشار إلى مولود، وقال: هذا ولدي، ولم يقل هذا ولدي من هذه، [فالتي] 2 تزعم أنها والدته لا تستحق المهر بهذا المقدار.
وإن قال: هذا ولدي منها، قُضي لها بمهر المثل، لأن النسب إنما يلحق في نكاح أو وطء شبهة، وأيُّ ذلك كان وجب مهر المثل.
وهذا بناه على أن النكاح المطلق محمول على اقتضاء مهر المثل، [وقد] 3 ذكرنا ما فيه؛ فإنَّ التسمية ممكنة دون مهر المثل، وإنما يجري هذا لو كان الزوجان
لا يتحالفان إذا ادَّعى الزوج تسمية ما هو أقل من مهر المثل.
ثم قال القاضي: لا يحمل استلحاق النسب على استدخالها ماء الزوج " فإنَّ ذلك نادر، والعلوق منه أندر منه؛ فلا يحمل الأمر عليه.
وقد انجلى الفصل مع التنبيه على كل مُشكل.
باب الشرط في المهر
8501 - نقل المزني عن الشافعي مسألتين متشاكلتين في الصورة، وأجاب فيهما بجوابين مختلفين، ونحن ننقل لفظيهما.
قال: قال الشافعي: " وإذا عقدَ النكاحَ بألف على أن لأبيها ألفاً، فالمهر فاسد؛ لأن الألفَ ليس بمهرٍ [لها] 1، ولا بحقٍّ له باشتراطه إياه.
ولو نكحَ امرأةً على ألف، وعلى أن يُعطي أباها ألفاً، كان جائزاً، ولها منعه وأخذها 2 منه، [لأنها هبةٌ لم تقبض،] 3 أو وكالة " 4
هذا لفظ [السواد] 5. وليس يخفى تشاكل 6 المسألتين في التصوير.
وجوابه في الأُولى: إنَّ المهرَ فاسدٌ.
وجوابه في الثانية: إنَّ ذلك جائزٌ.
وقد اختلف أصحابنا مذهباً، فنذكر اضطرابَهم في المذهبِ أولاً، ثم نرجع إلى (السواد).
فمن أصحابنا من قال: إذا عقد النكاح بألف على أنَّ لأبيها ألفاً، فالمهر فاسد، كما نَصَّ عليه.
َ والمسألة مفروضة فيه إذا كان عقدُ النكاح على اللفظ الذي صورناه.
ولو قال: نكحتُها على ألفٍ، وعلى أن أُعطي أباها ألفاً، فالمهر فاسدٌ أيضاً؛ إذ لا فرق أن يقول: على أنَّ لأبيها ألفاً، وبين أن يقول: على أن أعطي أباها ألفاً.
فأما إذا قال: نكحتها على ألفين، على أنْ أُعطي أباها ألفاً، فهذا فيه نظر، فإنْ قال: ذلك بأمرها وإذنها، فلا يبعدُ تصحيحُ المهرِ.
فكأنه أصدقَها مِقْداراً صحيحاً، وضم [إليه] 1 التزام عملٍ لها، قريب المأخذ 2.
ثم هي -كما قال الشافعي-: واهبةٌ، أو واعدة، أو موكِّلة بالهبة، والنظر في ذلك مجتمِع غيرُ منتشر.
ولو شرط الزوجُ عليها أن تهب من أبيها ألفاً، فهذا فاسد مفسد؛ فإنه ملَّكَها وحَجَر عليها.
ثم ما ذكره هذا القائل لا يختص بألف من ألفين يذكرهما، بل لو أصدقها ألفاً على أن تسلمه إلى أبيها على التأويل الذي ذكرناه، فالجواب كما ذكرناه.
هذه طريقة.
ومن أصحابنا من قال: في المسألة قولان.
وقد نقلهما المزني في مسألتين متشاكلتين، بين لفظيهما أدنى تفاوت، وقد مضت صورةُ المسألتين.
فأحد القولين: إنَّ المهرَ يفسدُ، وتوجيهه بَيِّنٌ، فإنه شَرَطَ شيئاً في العِوض لغير المستحِق في العقد، فكان كما لو اشترى شيئاً وشَرَطَ شيئاً في معرض الثمن لغير البائع.
والقول الثاني -وهو المنصوص عليه في القديم- إنَّ المهرَ يصحُّ، وتستحق المرأةُ الألفين.
وهذا القائل يقول: ذَكَر الزوجُ الألفين في لفظين وأثبتهما لأجلها، وكانا حقَّها، وإن أضاف أحدَهما إلى أبيها.
وهذا بعيد جداً لا اتجاه له في وجه من الرأي.
8502 - فإذا ثبت ترتيب المذهب؛ فالذي ذكره المزني مشكلٌ في المسلكين.
أما على الطريقة الأولى، فلا شك في اضطراب المسألة الثانية؛ فإنه لم يقل فيها: أصدقتك ألفين، بل أضاف إليها ألفاً، وأضاف الألف الآخر إلى أبيها.
ولا فرق بين
أن يضيفه بقوله: على أن أعطي أباها ألفاًً، [وبين قوله: على أن لأبيها ألفاً] 1.
والنصان أيضاً على الطريقة الثانية مضطربان؛ فإنه لم ينبه فيهما على القولين، وأعجب من ذلك كله أنه 2 لم يتعرض للكلام على النصين، ولو استرسل في الاعتراض بخيال يتخيله على بعد 3.
[وأما الطريقة الثالثة] 4: طريقة القولين، [فمسلك] 5 التصحيح على غاية البسط 6 [؛ لأن] 7 الزوج لا يضيف إلى أبيها ما يضيف إلاَّ تشبيهاً، وهذا يتضمن إثبات الألفين جميعاً لأجلها، فكان هذا بمثابة إضافة الألفين إليها.
وهذا القياس يقتضي أن نُجري القولين في البيع لو تصور بالصورة التي ذكرناها في النكاح.
وسمعت شيخي يحاول تقرير المسألتين، ويتكلف الفرق بينهما، ويقول: لفظ العقد في المسألة الأولى: " أن يقول: نكحتها بألف على أنَّ لأبيها ألفاًً "، يتضمن 8 تمليك الأب الألف في وضع العقد؛ فكان ذلك فاسداً.
وإذا قال: أصدقتكِ ألفاً على أن أُعطي أباكِ ألفاًً، فمن حمل الإعطاء على التسليمْ، والملك في المعطَى للمرأة، فليس لفظ العقد تمليكَ الألف للأب.
وهذا تكلف لا نتحصل منه على طائل؛ فإنَّ الألف الثاني إذا لم يضف إليها، فقد تخبط اللفظ فيه، ثم " أُعطي " 9 المقرون بـ " على " للتمليك، وستأتي -إن شاء الله تعالى- مسائلُ الخلع شاهدة على ذلك.
ولو قال: اشتريت منك هذا العبد على أن أعطيكَ ألفاًً، كان ذلك بمثابة ما لو قال: اشتريت منك هذا العبد بالألف.
فلا وجه عندنا إلا الجري على الطريقة الأولى 1، وحمل الخلل على النقل؛ فإنه على كل وجه مختل.
فصل
قال: " ولو أصدقها ألفاًً على أنَّ لها أن تخرج، أو على ألاَّ يخرجها من بلدها ... إلى آخره " 2.
8503 - قال الأئمة: الشرائطُ في النكاح قسمان: شرطٌ يقتضيه مُطلقُ العقدِ، وذلك أن يتزوجَها على أن يُنفقَ عليها، أو يَقْسمَ لها، أو ما أشبهَ ذلك، فالذي ذكره صحيح، والشرطُ متضمّنُ العقد.
فأما إذا كان الشرطُ بحيث لا يقتضيه العقد، فإنْ أثَّرَ في مقصودِ النكاحِ أثراً بيِّناً، أفسد النكاح، وذلك مثل أنْ [يؤقِّت] 3 النكاح أو يشترطَ ألاَّ يطأها.
وإن اشترط أن يطلقها؛ فالمذهب: فساد النكاح، لتأثير الشرط في مقصود العقد.
وذكر بعضُ أصحابنا قولاً: أن الشرطَ يَفْسُد والنكاح يصح، وهذا غير مُعتدّ به.
فلو شرط شرطاً فاسداً لا يعظم أثرُه في مقصود النكاح، مثل أن يشترط ألاَّ يتزوج ولا يتسرى عليها، وأنها تخرج من الدار متى شاءت، وأنه لا يطلقها، فهذه الشرائط تفيدها فوائدَ، وهي فاسدة.
وقد تكون الشرائطُ عليها، مثل أن يشترطَ ألاَّ ينفق عليها ولا يَقْسم لها، ويجمعَ بينها وبين ضرَّاتها في مسكن واحد.
فهذه الشرائطُ لا تُفسد النكاح، ولكنها تُفسد الصداقَ، فإنَّ الصداقَ يَفسُدُ بما
تفسد به أعواضُ العقودِ؛ من جهةِ أنَّ العِوضَ إذا لم يتجرّد، وانضمَّ إليه شرطٌ، صار عوضاً وشيئاً مجهولاً، ومساق ذلك يتضمن إفساد الصداق.
ثم الفساد من جهةِ الجهالة يوجبُ الرجوعَ إلى مهر المثل، كما مهدناه.
8504 - وقال محمد بنُ الحسن: إن زاد المسمى على مهر المثل [وزادها] 1 بالشرط، لغا الشرطُ، وصحت التسمية، وإن نقص عن مهر المثل، وكان الشرطُ ينقُصُها؛ فيلغو الشرطُ وتصحُ التسمية أيضاًً.
وإن زاد في المهر ونقص في الشرط، أو زاد في الشرط ونقص في المهر، فسدت التسمية؛ لأنه زاد في المهر زيادة هي في مقابلة الشرط، فجَعَل الباقي مجهولاً، وإذا نقص المهرُ وزاد في الشرط، جعل الشرط في مقابلة ما نقص من المهر، فصار المهرُ مجهولاً.
وهذا الذي ذكره غيرُ بعيد عن مسلك الفقه، وكنا نَوَدُّ لو كان مذهباً لبعض الأصحاب، حتى كنا نقول: الشرط الزائد مع المهر الزائد أو المنطبق على قدر مهر المثل ليس يعكس جهالةً على المهر، ولكن المعتمد عند الأصحاب أن المشروطَ فاسدٌ مضمومٌ إلى الصداق، والعوض يفسد تارةً بما ينعكس عليه من الجهالة، وتارةً باقترانه بفاسد.
وهذا يتطرق إليه كلام- هو منتهى النظر في المسألة، وهو: أنَّ ما ذكره محمد من أنَّ المهر الزائد أو المنطبق على القدر، لا يصير مجهولاً بالشرط الزائد، فلو كان صحيحاً، لكان يجبُ أن يُقال: إنْ زاد المهرُ ونقصَ الشرط، فالرجوع إلى مهر المثل، وكذلك إن نقص المهرُ وزاد الشرط، أو زادا ونقصا، فسد المهرُ بالاقتران، ولكن لا يقطع القول بأن الرجوع إلى مهر المثل.
ويجوز أن يقال: [لو] 2 أثبت العوض دراهم وشرطاً، وذلك الشرطُ مجهولُ الأثر، وهما جميعاً مهر، فكان الرجوعُ إلى مهر المثل لذلك.
فهذا منتهى البحث، وقد ناقض محمد ما قاله في الصداقِ في البيع، فقال: لو باع ما يساوي ألفاًً بألفين وزقِّ خمر، وقبض المبيع، وتلف في يده؛ فإنه يغرم القيمة، وليس للبائعِ أن يقول: اطرحْ الزقَّ من ألفين ليصح العقدُ بالألفين.
فصل
قال: " ولو أصدقها داراً، فاشترط له، أو لها، أو لهما الخيار ... إلى آخره" 1.
8505 - نصّ الشافعي هاهنا على أن شرطَ الخيارِ يُفسدُ الصداقَ ولا يُفسدُ النكاحَ.
ونصَّ في القديم على أنَّ شرط الخيار في الصداق يُفسد النكاح.
فمن أصحابنا من حمل ما قاله في القديمِ على ما إذا شرط الخيار في النكاح نفسِه، حتى يثبت التخيير في رفعه على حكم الرؤية، فأما إذا خصَّص الصداق بالخيار، فلا يفسد النكاح، قولاً واحداً.
ومن أصحابنا من قال: إذا خصّص الصداق بالخيار، ففي المسألة قولان: أحدهما - إنه يبطلُ النكاحُ به، كما لو شرط في النكاح.
والثاني - لا يبطل، كسائر الشروط الفاسدة في الصداق.
ثم إن قلنا: يبطل النكاحُ بشرط الخيار في الصداق، اختلف أصحابنا، فمنهم من عدّى هذا إلى كل شرطٍ فاسدٍ في الصداق، فطرد قولاً مثلَ مذهب مالك 2 في النكاح يفسد بفساد الصداق، ولا خلاف أن النكاح لا يفسد بالتعرية عن العوض، ولا خلاف أن النكاح لا يرتد برد الصداقِ بالعيب.
ومن أصحابنا من خصَّص القولين بفساد الصداقِ بجهة الخيار، وفرّق [بأن] 3 الخيار في [صيغته،] 4 وإن خُصّ بالصداق يتضمن الارتباط بالعقد الذي الصداق عوضٌ فيه، وشَرْطُ الخيار في أحد العوضين في البيع يتعدى إلى العوض الثاني، فإن كان الخيارُ في وضعه قابلاً للتخصيص؛ إذ لو خصّ بأحد المتعاقدين، لاختصّ به، فمع هذا لم يختص بأحد العوضين.
8506 - ووراء ما ذكرناه طريقة أخرى مبنية مناسبة 1، ذكرها الصيدلاني في كتاب البيع، وهو أنَّ شرط الخيار صحيح [في الصداق وفي خيار المجلس في ذلك قولان] 2 ووجه خروج ذلك على القياس أن الصداقَ يتطرقُ إليه الردود والنكاحُ قائم بحاله.
8507 - فإذا تمهَّد ما ذكرناه انتظمَ بعد ذلك الترتيبُ، فنقول 3: في صحة الخيار في الصداق قولان.
ولا خلاف أنَّ الخيارَ في النكاحِ نفسِهِ يُفسده، فإن صحَّحنا الخيارَ في الصداق، فلا كلام، وأثر الرد والإجازة يختص بالصداق.
وإن أفسدنا الخيارَ في الصداق، فهل يفسد النكاحُ به؟ فعلى قولين أصحهما: إنه لا يفسد.
وإن أفسدنا النكاح به، فهل يفسد النكاحُ بسائر وجوه فساد الصداق سوى الخيار؟ فعلى وجهين.
8508 - ثم قال الشافعي: " ولو ضمن أبُ الزوجِ نفقتَهَا عشر سنين ... إلى آخره " 4.
فرض الشافعي المسألة في ضمان الأب، ولا اختصاص به، فلو فُرِض الضمانُ
على هذا الوجه من أجنبي، لكان كذلك.
وعرض المسألة أنَّ من ضمن النفقةَ في أيامٍ معدودة في الاستقبال وأعلَمَها، فهذا ضمان ما لم يجب بعدُ ووُجد سببُ وجوبه، وفيه الخلاف المعروف، والترتيب في الجديد والقديم، وقد ذكرناه في أول كتاب الضمان، وفي معناه إبراؤها عن نفقة أيام معدودة، ولسنا لإعادةِ تلك الفصول، وقد جرت على أكمل وجه في البيان في موضعها.
...
باب عفو المهر
8509 - وقد تقدم أنَّ الزوجَ إذا طلق امرأتَه قبل المسيس، وقد جرى مُسمًّى صحيح، فإنه يتشطر.
والمعتمد في ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]. وقد تكلموا في قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]؛ فإنها استحقت الجميع بالعقد، ثم عاد النصف بالطلاق، قيل 1: التقدير فنصف ما فرضتم لهن، ثم إذا اختص الاستحقاقُ في جانبها بالنصف، ارتدّ النصفُ الآخرُ إلى الزوج.
وقيل: المذكور النصف [لكن بغرض التثنية] 2 على النصفين، والمعنى: فنصف ما فرضتم لكم والنصف لهن.
8510 - ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237] أراد به الزوجاتِ يعفون عن المهر، فيخلص الكل للأزواج، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]. وقد اختلف القولُ في الذي بيده عُقدة النكاح: فقال في القديم: هو الولي، وبه قال ابنُ عباس، ورجَّح الشافعي هذا القولَ في القديم من أوجه: أحدها - أنَّ قول ابنِ عباس مقدم [في] 3 التفسير؛ لأنه ترجمان القرآن وقد قال صلى الله عليه وسلم وهو يمسحُ
رأسَهُ بيده -وكان إذ ذاكَ صبياً-: " اللهم فَقِّههُ في الدين، وعَلمهُ التأويل " 1.
ومما ذَكَرهُ أنه تعالى قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فكان ذلك راجعاً إلى عفو يخلص به الصداق للزوج ليكون المعفوّ واحداً، وأيضاًً فإنَّ قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فإنَّ 2 ذِكْرَ الزوج جرى على صيغةِ المخاطبة، وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ على صيغة المُغايبة، ولا يحسن عطفُ المغيابة على المخاطبة في حق شخص واحد.
والقول الثاني -وهو المنصوص عليه في الجديد- إنَّ الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وروى الشافعي هذا عن علي، وابنِ جريج 3، وابنِ المسيب، وغيرهم.
وأيضاًً فإنَّ الله تعالى ذَكَرَ خلوص الصداق له بعفوها، ثم عطف هذا عليه، فظهر أنَّ المرادَ عفوٌ يخلصُ به الصداق لها.
اشتملت الآية على ذكر الخلوص من الجانبين، وذكر التشطر والانقسام على الجانبين، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ والأقرب للتقوى عفوُ الزوجِ، فأما عفوُ الأب عن حقِّ ضعيفةٍ، فلا يتَّصف بهذه الصفة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ خطاب لهما.
8511 - فهذا ذكرٌ للقولين على صيغة التردد في التفسير، وثمرتهما اختلافُ القول في أنَّ الولي هل يملك الإبراء عن صداقِ ولِيَّتِهِ؟ وفيه قولان: الجديد -إنه
لا يَملك.
وهو مذهب أبي حنيفة 1. ووجهه في القياس لائح؛ فإن الصداقَ مالٌ من أموالها، فلم يملك الأبُ إسقاطَه كسائرِ أموالِها.
والقول القديم: إنه يملك الإسقاط؛ لأنه أكسبها هذا المال في مقابلة البضع، ثم رجع البضعُ إليها، وهو على كمالٍ من الشفقة، ولا يُنكَر في جهات الاستصواب إسقاط المهر، فإذا صدر ممن كملت شفقته، كان محالاً على النظر.
التفريع 2:
8512 - إنْ منعنا العفوَ، فلا كلام.
وإنْ جوزناه، فنفوذه مشروط بخمسة أشياء، أحدها - أن يكونَ الولي أباً أو جَدَّاً؛ إذْ لا مُجبر غيرهما.
والثاني - أن يفرض العفوُ قبل الدخول؛ فإنَّ المهر إذا تأكد بالدخول، فقد تحقق فواتُ البضع، ولأجله استقر العوض.
فإنْ كُنا نتلقى إسقاطَ المهرِ من حملِ قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ على الولي، فالعفوُ واردٌ في شطرِ الصداق، إذا فُرض وقوع الطلاق قبل الدخول.
والشرط الثالث - أن يكون العفوُ بعد الطلاق، أو يقعُ الاختلاعُ به؛ والسبب فيه اختصاص الآية أولاً بما بعد الطلاق، ومعتمد هذا القول الاتباع، وأيضاًً فإنها تبقى في أسر النكاح، فلو سقط مهرُها وهي [باقية] 3 في الزوجية، والزوج ربما يستمتع بها- فيفوت بضعها مجاناً.
والشرط الرابع - أن يكون الصداقُ دَيناً، فلو كانَ عيناً، لم يجز للولي هبته من الزوج.
هذا ما صار إليه معظم أئمة المذهب، وتمسكوا بظاهر العفو؛ فإنه مُشعِرٌ بالإبراء، وأيضاًً فإنَّ الملكَ لا يستقر في الدين استقراره في العين.
وكان شيخي أبو محمد يرى للولي على هذا القولِ هبةَ العين؛ اعتباراً بالإبراء عن الدين، وهو
متجهٌ لا بأس به، وكان يُجَوِّزُ [الاختلاعَ] 1 على عين الصداق؛ اعتباراً بالدين.
والصحيحُ ما صار إليه الجماهير.
والشرط الخامس - أن تكون صغيرةً عاقلةً بحيث يُرْغَبُ في مثلها، فإن كانت مجنونةً، فحكمها حكم الصغيرة العاقلة، وقالت المراوزةُ: لا ينفذ الإبراء عن مهر المجنونة؛ لأنه لا يُرغب فيها، وكأنَّا إنما نُجوّز اختلاعَ الصغيرة بمهرها، والإبراءَ بعد الطلاق؛ حتى يُرغب فيها، وهذا المعنى مفقود في المجنونة التي لا يتشَوَّفُ الخُطَّابُ إليها.
8513 - ولو كانت ثَيِّبا بالغةً، فلا شك أن الأب لا يبرىء عن مهرها.
وإنْ كانت بكراً بالغة -والتفريع على تنفيذ إبراء الولي- هل ينفذ إبراؤه عن مهر البكر العاقلة؟ فعلى قولين: أحدهما - ينفذ، لملكه عُقدةَ النكاح؛ فإنه يملك إجبار البكر بالغة.
والثاني - لا ينفذ إبراؤه؛ فإنَّ الولاية إن كانت مستمرة على البضع، فلا ولايةَ للأب على مالها، وصداقُها من مالها.
وهذا يقرب مما قدمناه قبلُ من أن الأب هل يملك الانفراد بقبض مهر البكر البالغة السفيهة كالبكر الصغيرة، لثبوت الولايتين عليها؟
والصغيرةُ إذا ثابت بوطء شبهة، وإنما صورنا وطء الشبهة حتى لا يتقرر المهر بفرض المسيس من الزوج، فإذا ثابت الصغيرة تحت زوجها كما ذكرناه، فقد صارت إلى حالة لا يملك الأبُ تزويجَها فيها قهراً حتى تبلغ، فتأذن.
فقال أئمةُ المذهب: إذا كانت كذلك، لم يملك الولي إسقاطَ مهرها؛ فإنه لا يملك إجبارَها، وليس بيده عقدةُ نكاحها.
وأبعدَ بعضُ أصحابنا بأن جوّز للأبِ أو الجدِّ العفوَ عند الطلاق أو بعده إذا كانت صغيرةً؛ نظراً إلى نفاذ ولايته في مالها، وهذا ضعيف، غيرُ معدود من المذهب؛ فإن ولايةَ المالِ لا تسلِّط على العفو والإسقاط، وإنما المتبع ما يُشعر به ظاهرُ القرآن، وهو يشير إلى ملك عقدة النكاح، والثيب الصغيرة في حق الأب بمثابة الثيب البالغة في التزويج.
فصل
قال: " وأي الزوجين عفا عما في يده، فله الرجوع ... إلى آخره " 1.
8514 - هذا الفصل وفصول بعده تشتمل على مُكرَّرات، ونحن [نوفّر] 2 لها جهدَنا والتنبيهَ عليها من غير بسط.
وهذا الفصل مفروض في وقوع الطلاق قبل المسيس وتشطّرِ الصداق، ثم إذا تشطر الصداق، عيناً كان أو ديناً، يترتب عليه حكم الهبة والإبراء، فإن كان عيناً فالنصف له والنصف لها، فإن وهبت ما هو لها من زوجها، لم يخف تفريعُ الهبات، فإن كان في يدها سلَّمَته، وإن كان في يده، نُفرّع فيه ما إذا وهب مالكُ الوديعة من المودَع، وعاد التفصيل وإعادة القبض، وفيه اختلافُ قولٍ وتفصيلٌ طويلٌ تقصَّيناه في موضعه.
وإن وهب الزوجُ ما ارتدّ إليه منها، فالأمر كذلك.
وإن كان الصداقُ ديناً وسقط شطرُه، وبقي لها الشطرُ فأبرأت، فلا يخفى حكم الإبراء، والظاهر أنه لا يفتقر إلى القبول وفيه وجه بعيد ذكرناه.
8515 - والذي نذكره في هذا الفصل أنَّ الهبةَ مستعملة في الأعيان، ولفظ الإبراء لا يستعمل في تمليك الأعيان، والعفو مختلف فيه، فالذي ذكره معظم المحققين: أن الهبة في الأعيان لا تصح بلفظ العفو؛ فإنه في معنى الإبراء.
وذكر القاضي أن العفو يجوز استعماله في الهبة، وظاهر قوله [فيما] 3 نقل عنه يدل على أن استعمال العفو في الهبة يختص بالصداق فيما يدور بين الزوج والزوجة، أو يصدرُ من الولي، على أحد القولين، فاستدلّ في هذا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فذكر الله تعالى لفظ العفو مع انقسام الصداق
إلى العين والدين، والألفاظ قد يأخذ بها صاحبُ المذهب من الشرع، وعليه بناء صرائح الطلاق.
وهذا الذي ذكره لم يرتضه غيره، وقالوا: ليس المرادُ بذكر العفو في القرآن [التنبيه] 1 على اللفظ الذي يستعمله الزوجان، وإنما المراد أنْ يتركَ كلُّ واحد منهما حقَّه، ثم طريق الترك فيه موكول إلى بيان الشرع.
ثم لو صح ما ذكره في الصداق، للزم طرده في سائر الهبات.
8516 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنا إذا لم نر الإبراء والعفو من ألفاظ الهبات في الأعيان، فهل يلتحقان بالكنايات؟
وقد قدمنا تفصيلاً في أنَّ عقودَ التمليك هل تنعقدُ بالكنايات إذا كانت مفتقرة إلى الإيجاب والقبول؟
قال شيخي: الإبراء ليس كنايةً أيضاًً في هبة الأعيان، فإنه لا يتضمن تمليك الغير، وإنما معناه إسقاط المُبرِىء في حقَّ نفسه، وعماد الهبة تمليك المتّهب، وهذا متجه حسنٌ، لا يجوز غيره، وفي كلام القاضي ما يدل عليه أيضاًً.
وإذا كان الصداق ديناً، فاستعمل الإبراءَ، فهل يشترط القبول في الإبراء؟ وهل يشترط القبول إذا جرى الإبراءُ بلفظ الهبة؟ ففي المسألة وجهان.
وهذا منتهى المراد في هذا الفصل.
فصل
قال: " ولو وهبت له صداقَهَا، ثم طلقها [قبل أن يمسّها] 2 ففيها قولان ... إلى آخره " 3.
8517 - إذا أصدقَ الرجلُ امرأته عيناً من الأعيان وسلّمها، ثم إنها وهبت عين الصداق من الزوج، وسلّمته إليه، ثم طلقها الزوج قبل المسيس، والصداق قد عاد
إليه بهبتها، فهل يرجع عليها بنصف قيمة الصداق؟ فعلى قولين منصوصين: أحدهما - يرجع [عليها] 1؛ لأن الصداق عاد إليه بتمليكٍ منها، فصار كما لو [باعته منه] 2 ثم طلقها.
والثاني - لا يرجع عليها؛ لأنها عجّلت ما كان يستحقه عليها مؤجَّلاً بالطلاق، والمستحَق في المال إذا عُجّل، لم يبعد وقوعه الموقعَ عند دخول وقت الاستحقاق، كالزكاة إذا عُجّلت.
والأقْيس القول الأول؛ فإن العَوْد إلى الزوج، لم يكن عن جهة تعجيل حق الزوج 3 في الشطر.
ولو قدمت إليه الصداق زاعمة أنَّ نصفَه هبةٌ ونصفَه تعجُّلٌ لما يجب للزوج عند الطلاق، فلا يصح من الزوج التصرف في الشطر المعجل، ولا يصح التمليك فيه؛ فإنه على الحقيقة تعليق تمليك بما سيكون، ولا يقبل التمليكُ التعليقَ على أمرٍ منتظر.
وإذا رجع الصداقُ إلى الزوج ببيعِ محاباة، [فإنه] 4 يرجع عليها بنصف قيمة الصداق عند الطلاق؛ [فإنّ] 5 المحاباة في معنى الهبة، في كونها تبرعاً، على ما كان يذكره شيخنا، ولم أرَ في الطرق ما يخالفه؛ والسبب فيه أنا وإن كنا نعد بيع المحاباة من التبرعات، فالمبيع مقابَلٌ بالثمن وإن قلّ، وإذا كان مقابلاً به، استحال انصرافه إلى جهة استحقاق الزوج شطر الصداق عند الطلاق.
8518 - ثم قال الأئمة: ما ذكرناه من القولين لا يختصان بالطلاق، بل إذا وهبت الصداق، ثم جرى ما يوجب ارتداد جميع الصداق إلى الزوج، كالردة، ففي رجوع الزوج عليها بتمام القيمة القولان.
فلو باع رجلٌ عبداً بجارية، ثم وهب قابضُ الجاريةِ الجاريةَ من قابض العبد، ثم
اطلع [قابض] 1 العبد على عيب قديم به، فردَّه، فهل يرجع على بائع العبد بقيمة الجارية؟ فعلى القولين، والمسائل متناظرة في جريان القولين فيها.
ثم رأيت في مرامز كلام الأصحاب تردداً لطيفاً في أنَّا إذا قلنا: لا يملك رادّ العبد الرجوعَ بقيمة الجارية، فهل يملك رده؟ وإن ردّ، فهل ينفذ ردُّه أم لا؟ وهذا محتمل حسن، وهذا من جهة أن [الغرض] 2 من الرد استرداد العوض، فإذا لم يثبت له حقُ الاسترداد، ففي رده بُعْدٌ، وليس هذا كالطلاق؛ فإنه لا مرد له، والفسوخ التي أُثبتت في النكاح ليس مقصودُها استردادَ الصداق، [فما] 3 ذكرناه من التردد في الرد بالعيب في المبيع.
8519 - وما ذكرناه فيه [إذا كان الصداق عيناً، أما] 4 إذا كان الصداق ديناً، فأبرأت زوجها، ثم طلقها الزوج قبل المسيس، فهل يرجع عليها بنصف الصداق؟
في المسألة طريقان: من أئمتنا من جعل فيها قولين كما في العين، ومنهم من منع الرجوع عليها عند الطلاق قولاً واحداً، وفرَّق بين العين والدين بأنها إذا أبرأت، لم تستوف الصداق، ولم يستقر ملكها فيه، بل أسقطته، وفي العين استقر ملكها.
وكان شيخنا يقرب الطريقين في القطع وطرد القولين من اختلاف الأصحاب في أنَّ الإبراء: هل يفتقر إلى القبول أم لا؟
ولو كان الصداق ديناً، فأبرأت زوجها بلفظ الهبة، وحكمنا بأنه يفتقر إلى القبول، فهذا مرتب على الإبراء.
والفرق اقتضاء الهبةِ التمليكَ، فكأنها ملّكت زوجها ما عليه.
فإنْ قيل، كيف سبيل الهبة في الدين، وركن الهبة القبض [وأين القبض] 5 في
الديون؟ قلنا: إذا وهب مستحقُّ الدين [الدينَ] 1 ممن عليه، فلا حاجة إلى تقدير القبض في هذه الحالة، ونحن قد نُبرم هبات من طريق آخر، كتقديرٍ من غير إجراء قبضٍ حسي، وكما أن القبض ركن التمليك في الهبة، فإنه يتعلق به حكم نقل الضمان، ثم إذا كان لرجل على رجل دين، فاعتاض عنه عيناً، فحكم الدين أن يسقط، ويكون كالعوض المقبوض المتلف في يد مستحقه.
ولو أصدق الرجل امرأته ديناً، ثم نقد ووفّى، فلما قبضت وهبت من زوجها، ثم طلقها قبل المسيس، ففي هذه المسألة طريقان على العكس: إحداهما - القطع بأن الزوج يرجع عليها.
والأخرى - طرد القولين.
8520 - فيترتب مما ذكرناه ثلاثة أحوال: إحداها- فيه إذا كان الصداق عيناً، فجرت الهبة، ثم الطلاق، وفيها القولان.
والثانية - أن يكون الصداق ديناً، فتبرىءَ عنه، ثم يجري الطلاق قبل المسيس، وفيها طريقان، إحداهما - القطع بأنه لا رجوع عليها.
والحالة الثالثة - أن يكون الصداق ديناً، فيوفرَه الزوج، ثم إنها تهب ما تقبض، ففي المسألة طريقان: أحدهما - القطع بأنه يرجع عليها إذا طلقها.
ثم إذا كان الصداق في الذمة، ففُرض النقدُ، والهبة، والطلاق؛ فلا فرق بين أن يكون من ذوات الأمثال، وبين أن يكون من ذوات القيم.
هذا كله إذا عاد جميع الصداق إلى يد الزوج، ثم فرض الطلاق قبل المسيس.
8521 - فأما إذا أصدقها عيناً وسلّم إليها، ثم إنها وهبت نصف ذلك الصداق من زوجها، ثم طلقها قبل المسيس، فهذا يترتب على ما إذا عاد جميعُ الصداق إليه، ثم طلقها:
فإنْ قلنا: إذا رجع الجميع إليه، فإنه يرجع عليها بنصف القيمة إذا طلقها، فهاهنا نُثبت له حقَّ الرجوع في النصف لا محالة.
ثم في كيفية الرجوع أقوال: أحدها - إن حق الزوج ينحصر في النصف الباقي في يدها، ويتعين الموهوب من حقها، وهذا كما قال الشافعي في الزكاة: إذا أصدقها أربعين شاة، وأخذ الساعي منها واحدة، ثم طلقها قبل المسيس، رجع عليها بمقدار عشرين شاة مما بقيت في يدها، ويتعين ما أخرجته من حقها.
وكما قال في التفليس: إذا اشترى عبدين بمائتين، وقضى مائةً، وتلف أحد العبدين، ثم فُلّس، [وكانت] 1 قيمتاهما متساويتين، فإذا رجع البائع، انحصر حقه في العبد القائم، وهذا القول يعرف بقول الحصر.
والقول الثاني - إنه يرجع في نصف الباقي وربع قيمة الجملة، فيشيع ما أخرجته وما [أثبتته] 2 فيحصل للزوج مقدار النصف عيناً وقيمةً.
و [هذا] 3 القول يُشْهر بقول الشيوع.
والقول الثالث - إنه بالخيار بين ما ذكرناه في القول الثاني، وبين أن يرجع في نصف 4 العين كلها.
وقد نصَّ الشافعي على القولين الآخرين في مسألةٍ في الصداق، وهي إذا أصدقها إناءين، فكسرت أحدَهما، ثم طلقها، نص على قولين: أحدهما - إنه يرجع في نصف الإناء الصحيح ونصف قيمة المنكسر، والثاني - إنه بالخيار بين هذا وبين أن يرجع في نصف قيمة الإناءين.
والقولان المذكوران في مسألة الإناءين إذا انكسر أحدهما يمكن بناؤهما على تفريق الصفقة في الرد بالعيب إذا اشتملت الصفقة على عينين، ثم اطلع على عيب بأحدهما.
ثم الأقوال الثلاثة تجري في مسألة إصداق أربعين شاة، وفي كل ما يناظر ذلك.
وفي المسألة بحث سنذكره عند نجاز المنقول.
8522 - قال الأئمة: لو وهبت المرأةُ النصفَ من أجنبي، ثم طلقها الزوج قبل
المسيس؛ فإنه يرجع في النصف، ثم في كيفية التوزيع والحصر والشيوع والتخيير الأقوال الثلاثة.
8523 - وكل ما ذكرناه تفريع على قولنا: جميع [] 1 الصداق إذا عاد إليه، ثم طلقها، فإنه يرجع عليها بالنصف.
فأما إذا قلنا: لو رجع جميع الصداق إلى الزوج من جهتها، لم يرجع عليها عند الطلاق بشيء، فإذا وهبت منه النصف، ثم طلقها، ففي المسألة جوابان على الحصر والشيوع: أحدهما 2 - إنه لا يرجع، فكأنها عجلت يوم الهبة جميع ما كان يستحقه يوم الطلاق.
والوجه الثاني - إنه يملك الرجوع، ثم في قدر ما يرجع فيه جوابان: أحدهما - إنه يرجع في نصف ما بقي في يديها، وهو ربع الجملة، ونجعل الفائت بالهبة من الحقين النصف من حقه والنصفُ من حقها، وكأنها عجلت نصف ما كان يستحق عليها؛ لأن الحق شائع.
وهذا اختيار المزني.
والثاني - إنه يرجع في تمام النصف، ويتعين حقها فيما وهبت، فتحصَّل أجوبةٌ: أحدها - إنه لا يرجع بشيء، وما قبضه من النصف هبة محسوب عليه.
والثاني - إنه يرجع بنصف الباقي فحسب، وهذا على الإشاعة.
والثالث - إنه يرجع بتمام النصف، وهذا على الحصر.
وتحقيق ذلك: أنَّا في قولٍ نحصر حق الزوج فيما قبض، وفي قولٍ نحصر حقها فيما وهبت، وفي قول نُشيع، فاستكمال الحصر من وجهين يقتضي جوابين: أحدهما - إنه لا يرجع بشيء، والثاني - إنه يرجع بتمام حقه، والإشاعة توجب التبعيض لا محالة.
ثم إذا قلنا إنه يرجع بتمام حقه، ففي كيفية الرجوع الأقوال الثلاثة التي قدمناها:
أحدها - إنه يرجع في النصف الباقي.
والثاني - إنه يرجع في نصف الباقي وربع قيمة الكل.
والثالث - إنه يتخيّر.
هكذا ذكر الأصحاب.
وهذا فيه وهمٌ؛ من جهة أنَّا نفرّع على منع الرجوع لو وهبت الكل، وعلى هذا إذا وهبت النصف، لم ينقدح الرجوع بتمام الحق عند الطلاق إلا على الحصر، وقول الحصر يوجب حصرَ حقه فيما بقي، فإعادة الأقوال الثلاثة لا معنى له.
هذا ما ذكره الأئمة نقلناه على وجهه.
8524 - ونحن نقول بعد ذلك: إذا [وهبت] 1 المرأة جميع الصداق من الزوج، ثم طلقها، فقد مضى أصل القولين فيه.
فإذا وهبت النصف، فقد ذكرنا ثلاثة أقوال، وكلها بينة، فإن حصرنا حق الزوج فيما بقي، فلا كلام، وإن أثبتنا له الرجوع إلى نصف ما بقي وإلى ربع قيمة الكل، فإنَّ أكثر أصحابنا لم يذكروا على هذا القول تخيراً، وإن تبعض الحق عليه، وذكروا التخير في القول الثالث.
وهذا فيه غموض؛ من جهة أن التبعيض يُثبت الخيار في أمثال هذه المسائل؛ فكان يجب أن نقطع بالخيار، وهذا فيه وقفة على الناظر؛ من قِبَل أنَّا قطعنا بإثبات الخيار، ففي المسألة قولان إذاً: أحدهما - إنه ينحصر حقه في النصف الباقي، فيخلص له العبد هبة ورجوعاً، والثاني - إنه بالخيار، إن شاء، رجع إلى نصف ما بقي، وإلى ربع قيمة الكل، وإن شاء، رجع إلى نصف قيمة الكل.
وإن أثبتنا التبعيض بلا خيار، كان ذلك مناقضاً لأصلٍ بَيِّنٍ في المعاملات، وهو: أن التبعيض عيب.
8524/م- وإذا طلق الرج [امرأته، فصادف الصداق معيباً في يدها بعيب حادث
قبل الطلاق، فللزوج الخيار، إن شاء، رضي بشطر الصداق معيباً، وإن شاء، رجع
بنصف القيمة سليماً.
فإذا كان التبعيض عيباً، وحُكم العيب في الصداق تخيير
الزوج، فرفْعُ التخيير بعيدٌ جداً]
فإن قال قائل: مبنى الصداق على التبعيض إذا فرض الطلاق، واحتمل ذلك على قول من الأقوال، لم 1 يكن لهذا الكلام تحصيل؛ فإن الطلاق يقتضي التشطير، وهذا 2 تربيعٌ.
وإذا قلّ الجزء، قلّت القيمة على قدره، [فإذا] 3 كانت الجملة تساوي ألفين وكان نصفها عند فرض الإفراد يساوي أربعمائة، فالربع قد يساوي مائة وخمسين؛ فإن الرغبة في الجزء الكثير أكثر من الرغبة في الجزء القليل.
فإن قال قائل: إذا رجع النصف إلى الزوج بالهبة، ثم فرض الرجوع في ربع آخر إليه، فلا تبعيض في حقه.
قيل: هذا أيضاًً لا حاصل له، من قِبَل أن الهبة غيرُ محسوبةٍ عليه، فينبغي أن يكون النظر محصوراً على هذا النصف الآخر، وقد تحقق التبعيض فيه، كما ذكرناه.
فهذا منتهى البحث سؤالاً وجواباً.
8525 - /والحق المستقيم على القياس: ردُّ الخلاف إلى قولين، ووجه قول من لا يُثبت الخيار -على بعده- أن التبرع على قول الإشاعة مَلَّك الزوجَ ربعَ العين وربعَ القيمة، مع أن في يدها النصف الكامل، [و] 4 إذا ملَّك الشرعُ الزوجَ المُطَلّق شيئاً، فإثباتُ الخيارِ -مع أن الشرعَ ملّكه كذلك- بعيدٌ.
فإذاً؛ وجه نفي الخيار أن الإشاعة تقتضي التمليك على هذا الوجه، ولا خيار فيما اقتضاه الشرع.
هذا هو الممكن، والوجه ما قدمناه.
فهذه مباحثة في هذه الطرق.
8526 - مباحثة أخرى: إذا طلق الرجلُ امرأته، وصادف الصداقَ معيباً في يدها، فقد ذكرنا أنه إن أراد، رجع بنصف القيمة، وكذلك لو تلف الصداقُ في يدها ثم طلقها.
وهذا كلام أطلقه الفقهاء وتساهلوا في إطلاقه، والغرض منه يبين بسؤال.
فإن قال قائل: يرجع الزوج بنصف قيمة الكل، أو بقيمة نصف الكل، وبينهما
تفاوت؟ قلنا: يرجع بقيمة نصف الكل؛ فإنه لم يفته إلاَّ نصف الكل، وهذا مما يجب إجراؤه في المسألة التي نحن فيها؛ فإنا أطلقنا ربع قيمة الكل، والمراد قيمة ربع الكل.
8527 - ومن المباحثات في المسألة: التعرض لانكسار أحد الإناءين، وفي معناه: لو أصدقها عبدين، فعاب أحدهما، وقد حكينا قولين: أحدهما - إن الزوج يرجع بنصف الإناء الصحيح، ونصف قيمة المنكسر، والثاني - إنه يتخير بين ما ذكرناه، وبين الرجوع بنصف قيمة الإناءين.
وقد ذكرنا أن هذا يخرج على تفريق الصفقة في الرد بالعيب.
وتصوير ذلك في التفريق: أن من اشترى عبدين، فوجد بأحدهما عيباً، فأراد ردّ المعيب منهما وإمساكَ الصحيح، ففيه قولان، وإن أراد، ردَّهما، كما تقرر هذا في كتاب البيع.
وهذا فيه نظر؛ فإنَّا في مسألة الإناءين ألزمناه -في أحد القولين- الرجوعَ إلى نصف الصحيح ونصف قيمة المنكسر، وفي القول الثاني خيرناه، فكيف ينطبق هذا الذي ذكرناه على ما جئنا به مثلاً في شراء العبدين، مع الاطلاع على عيب بأحدهما؟ وصورة القولين ثَمَّ: أنه يرد المعيب في قولٍ، ولا يرده وحده في قول؛ بل يردهما ويسترد الثمن، ثم على هذا القول طريق استدراكه للظُّلامة، [ردُّ] 1 الصحيح والمعيب.
فإن لم يرد ذلك، فليقنع بالمعيب، وليمسكه مع الصحيح.
ونظير هذا من الصداق لو قلنا: طريق استدراكه أن يرد الإناءين ويطالبها بقيمة نصفهما، فإن أبى ذلك، فليقنع بنصف الإناء المنكسر مع [نصف] 2 الإناء الصحيح، وليس الأمر كذلك؛ فإنَّا نقول في مسألة الإناءين في أحد القولين: يتعين إمساك نصف الصحيح، وطلب نصف قيمة المنكسر، وهذا في التحقيق إلزام التبعيض إذا أراد الاستدراك.
وفي القول الثاني - نخيّره بين التبعيض -وهو الأصل- وبين ردهما.
وكان الأصل في البيع ردّهما.
وإذا جوّزنا التبعيض، فهو دخيل، والأصل هاهنا التبعيض، وإذا أراد ردهما، فهو دخيل.
8528 - ولن يحيط الناظر بحقيقة هذا ما لم يفهم فرقاً كلياً بين القاعدتين، وهو أن البيع مفسوخ [بالرد] 1، وهو متَّحد لا يتعدد بتعدد المعقود، فبعُد عند بعض العلماء إيراد الفسخ على بعضه، فينشأ منه منع التفريق.
وأما رجوع الصداق إلى الزوج، فليس في حكم عقد يعقد، ولكنه رجوع قهري شرعي، غير أنا قد لا نرد إليه ما في رده إليه إضرار به، وينتظم من هذا أن استمساكه بنصف الصحيح على القاعدة؛ فإنه لا ضرار فيه.
بقي طريقٌ للاستدراك في نصف المنكسر، فله الرجوع إلى نصف قيمته، فهذا [بَتٌّ] 2 لا كلام فيه، فإن أراد رد الصحيح مع المنكسر، فهذا خروج منه عن قاعدة الصداق؛ فإنَّ من اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيباً؛ فإنه يردهما باتحاد العقد، وهذا المعنى لا يتحقق هاهنا.
فقال قائلون: لا سبيل إلى ردهما في الصداق؛ لافتراق الأصلين، وتباعد القاعدتين، ونظر ناظرون نظراً ظاهراً من غير بحث عن تباعد القاعدتين، وقالوا: يملك الزوج ردهما.
ولم يترك هذا القائل التمسك بجواز التبعيض، وكذا وقع لهذا الإنسان هذا، من حيث ظن أنَّ إفراد العين مشابه للعيب، وأن المشتري إنما يرد العبدين لذلك.
ثم قد وجد في الصداق الردّ بالعيب مع إمكان دفع الضرر دونه؛ فإنَّ الزوج إذا صادف الصداق معيباً في يدها، رجع إلى نصف القيمة، ولو قالت: أجبرُ النقصَ لم يُبالَ بها.
وهذا وهم؛ فإنَّ تميّز أحد العبدين عن الثاني ليس عيباً، وإنما سببه ما ذكرناه من اتحاد العقد.
[بان] 3 تحقيق القول في الأصلين، وانتظم منه أنَّا في البيع نقول في قول: يجمع ولا يُفرِّق.
وفي قول: إن شاء فرَّق وإن شاء جمع.
فإن أراد الزوج ألا يستدرك
الظلامة، استمسك بنصف الصحيح ونصف المنكسر.
وتلك المناقشات فيه إذا كان يبغي استدراك الظلامة.
فهذا تمام المباحثة في الانعطاف على أطراف الكلام في المسألة.
وقد انتظم قبلها النقلُ على وجهه.
فصل
قال الشافعي: "ولو خالعته بشيء مما عليه من المهر، فما بقي، فعليه نصفه ... إلى آخره" 1.
8529 - أورده المزني من الخلع، وغرضه إنما هو الاستشهاد بنص الشافعي على ما يدل على قول الشيوع؛ فإنا لما ذكرنا الهبة في بعض الصداق، أجرينا نصوصاً للشافعي دالَّةً على الحصر، فاختار المزني قولَ الشيوع - وهو الأصح والأَقْيَسُ.
وتمسك بنص الشافعي في المسألة التى سنذكرها وهي قليلة النَّزَل 2، ومدارها على أصول سابقة، ومن معه رشد من الفقه يُخرّج المسألة، ونحن نذكرها ولا نغادر شيئاً منها، فنحرص على الاختصار جُهدنا.
8530 - فنقول: إذا اختلعت المرأة نفسها من زوجها نُظر: فإن كان بعد الدخول، فلا يخلو، إما أن كان إلى غير جنس الصداق، [أو على جنس الصداق] 3، فإن كان على غير جنس الصداق، مَلَك الزوج عليها العوض، ثم الخلع مفروض قبل المسيس، فيتشطر الصداق، فله عليها عوض الخلع، ولها عليه نصف الصداق.