كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فصل
12205 - شهادة الحسبة مقبولة في حدود الله.
إذ لا مدّعي لها من الآدميين، وليست متعلقة بحظوظهم الخاصة.
والمعني بشهادة الحسبة شهادةٌ من غير تقدم دعوى، والطلاق، والعتاق، وتحريم الرضاع يثبت بشهادة الحسبة، والوقف إن كان على جهة عامة يثبت بشهادة الحسبة، وإن كان على معيّنين، فإن قلنا: الملك في الرقبة لله تعالى - فالذي قطع به الصيدلاني أن شهادة الحسبة تقبل فيه من غير دعوى من الموقوف عليه، والذي ذهب إليه معظم الأصحاب خلاف ذلك؛ فإن الغالب على هذا الوقف حظوظٌ خاصة، متعلقة بأشخاص، فيبعد قبول شهادة الحسبة فيها.
وتقبل شهادة الحسبة في الخلع ليثبت الفراق، لا ليثبت المال، ولا نقول: يثبت المال تبعاً إذا لم يفرض فيه دعوى، ولا يثبت [شراء] 1 الأب من غير دعوى، وإن كان عقَد عَتاقه، لأن المقصود منه التملك 2، ثم العتق يترتب عليه، هكذا ذكره القاضي، وفي القلب منه شيء، وليس يبعد أن نقول: يثبت بشهادة الحسبة.
والأوجه ما ذكره القاضي؛ فإن العوض رُكنٌ في المبيع، فلو أثبتناه، لأثبتنا العوض من غير دعوى، ولو أثبتنا العتق من غير مال، لكان إجحافاً، وليس كالخلع، فإن العوض غيرُ مقصود فيه، ولست أُبعد في الخلع ثبوتَ المال تبعاً، حتى لا يبطل حق الزوج بالكلية، ولا أبعد أن يثبت الطلاق ولا تثبت البينونة، كما لو خالع الرجل المحجورةَ بالسفه.
ولو تقدم عبدان إلى القاضي، وقالا: أعتق السيد أحدنا، وأقاما البينة، قبلت البينة، وذلك لأن الدعوى وإن فسدت بالتردد، فالبينة مسموعة حِسْبةً مستغنية عن الدعوى.
وإذا شهد شاهدان أن المرأة ولدت الولد على فراش زوجها لستة أشهر فصاعداً، والزوج يقول: أتت به لأقل من ستة أشهر، قال الصيدلاني: تقبل البينة -وإن لم تدّع المرأة شيئاً- حسبةً.
وذكر القاضي أن شهادة الحسبة لا تسمع في الأنساب، فإنها متعلقة بالحظوظ، وهذا يخالف ما ذكره الصيدلاني، والمسألة محتملة.
ويخرج من مجموع ما ذكرناه أن ما يضاف إلى حق الله، فشهادة الحسبة فيها سائغة.
وأعلى الدرجات في الحسبة ألا يفرض فيها دعوى.
ومما يلتحق بها ماله تعلق بالحظوظ، ولكن حق الله غالب حتى لا يُدْرأ بالتراضي، كالعتق، وجهات التحريم، وهذه الأقسام من حيث ارتبطت بالحظوظ، اتجهت فيها الدعوى، والأنساب من حيث لا يتصور قطعها، وتأكَّد في الشرع تعظيمُها، ولكن عظمت الحظوظ فيها، فتردد الرأي كما ذكرنا.
فرع:
12206 - إذا شهد للمدعي شاهدٌ على المدعى عليه أنه أخذ منه ثوباً قيمته دينار، وشهد شاهد آخر على أخذ ذلك الثوب، وقال قيمته نصف دينار، فإذا أراد المدعي أن يحلف مع شاهد الدينار، فهل يثبت الدينار؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - أنه يجوز له ذلك، كما لو شهد أحدهما أنه أخذ منه ديناراً، وشهد الثاني أنه أخذ منه نصف دينار، فله أن يحلف مع شاهد الدينار، ويطلبَه كاملاً.
وكذلك إذا اختلفا في القيمة، والثاني ليس له إلا نصف دينار؛ فإن الشاهدين قد اختلفا في القيمة واجتمعا على ثوب واحد، وتناقض قولاهما فضعفت شهادة شاهد الدينار، ولم تصلح لتقوية جنبة المدعي، وليس كذلك إذا شهد أحدهما على أخذ دينار وشهد الثاني على أخذ نصف دينار، فإنه لا تناقض بين القولين.
فرع:
12207 - إذا شهد شاهدان في عتق أو مال، ولم يعدّلا بعدُ، فللقاضي أن يوقع حيلولة إلى اتفاق التعديل، هذا هو المذهب الظاهر.
وفيه شيء بعيد، لم أورده في القانونَ.
ولو شهد شاهد واحد عَدْلٌ، ففي الوقف خلاف مشهور ذكرته؛ ولو كان ذلك
الشاهد مستوراً، ففي الوقف خلاف مرتب، وغرض الفرع أنا إذا وقفنا، والشاهد واحد، فلا نطيل الوقف، ولكن إن أتى بشاهد في مدة ثلاثة أيام، فذاك، وإن لم يأت بالشاهد الثاني في هذه المدة، رفعنا الحيلولة، ودفعنا المشهودَ به إلى المدعى عليه.
فأما إذا شهد مستوران، وأوقعنا الحيلولة، فإنا نطيل الوقف، ولا نرفع الحيلولة، حتى تتحقق العدالة أو الجرح؛ فإن المدعي أتى بما عليه.
والبحث على القاضي؛ فليس من الخصم تفريط؛ نعم على القاضي أن يجدّ ويستحث المزكي.
فرع:
12208 - قال صاحب التقريب: لو اجتمع طائفة، فشهد اثنان منهم لاثنين منهم بوصية في تركة، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين بوصية في تلك التركة بعينها، قال الشافعي: لا تقبل شهادتهما، فإنهم متهمون.
قال صاحب التقريب: كذلك لو كان لرجل ديون على طائفة من الغرماء، ولقوم عليهم ديون أيضاً، فتناوبوا في الشهادة على الصورة التي ذكرناها، فالشهادة مردودة.
وعندي أن ما ذكره مشكل، والقياس القطع بقبول الشهادة، ومن أحكم الأصولَ، لم يخف عليه درك ما ذكرناه، ولم أر ما حكاه صاحب التقريب في شيء من الكتب.
فرع:
12209 - قال صاحب التقريب: لا تقبل شهادة القسّام على القسمة، فإنه إنما يذكرها إذا انقضت.
والقاسم بعد القسمة كالوكيل بعد العزل، وأيضاً فإن شهادته تتعلق بعين [فعله] 1، وليس كشهادة المرضعة؛ فإن المقصود منها وصول اللبن إلى الجوف، لا صدر فعل من جهة المرضعة.
فرع:
12210 - الأب هل يحبس في دين ولده؟
ما صار إليه معظم أئمتنا أنه لا يحبس، وكذلك القول في الجد والجدة والأم؛ فإنه لا يتوجه للابن عقوبة على أبيه، والحبس عقوبة، وهذا مذهب أبي حنيفة 2.
وقال أبو زيد المروزي: من أصحابنا من قال إنه يحبس في دين ولده، قال: وهو
القياس عندي؛ فإن الحبس ليس عقوبة مقصودة في نفسها، وإنما هو توسل إلى استيفاء حقٍّ.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً ثالثاً - وهو اختيار صاحب التلخيص 1، فقال: الأب يحبس في نفقة ولده إذا امتنع من الإنفاق عليه، ولا يحبس في غيره من الديون.
ثم إذا قلنا: لا يحبس الأب، فلا سبيل إلى إبطال حق الولد، فمهما 2 أثبت الابن لأبيه مالاً، أخذه القاضي قهراً، وصرفه إلى دين الابن.
ومما يداني ما نحن فيه، الاختلاف الذي قدمناه في أن العقوبة هل تثبت على الأب بشهادة الابن؟ واضطرب الأصحاب في أن الابن الجلاّد هل يقتل أباه حداً؟ والأصح أنه يقتله.
والحبس من جملة ما ذكرناه أولى بالنفي.
والله أعلم.
...