كتاب الشفعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
نعم، لو اعترف صاحب اليد بالشراء، ثم أراد أن يبيع ما ادعى شراءه، ففي بيعه، وهبته، ورهنه، وتصرفاته المستدعية حقيقة ملكه التردُّدُ الذي ذكره ابن سريج.
والوجه القطع بإثبات حق الشفعة بناء على ظاهر اليد في الحال، ورفعاً للخيال الذي أبداه.
ثم فرع الأصحاب على ما ذكره ابن سريج، فقالوا: إن قلنا: يأخذ الشفيع الشقص، قهراً، فلا كلام، وإن قلنا: لا يأخذه قهراً، فلو سلم صاحب اليد إلى الشفيع طوعاً، ففيه جوابان: أحدهما - وهو الذي قطع به صاحب التقريب أنا لا نتعرض لهذا إن جرى، وإنما ثبوت التردد في فرض الطلب القهري.
والثاني- وهو الذي قطع به العراقيون أنه لا يجوز للشفيع أخذه أصلاً، على هذا القول لابن سريج، وإن طاوعه صاحب اليد، ولم يمتنع عليه.
وبالجملة إن كان لهذا القول ثبات، فلا معنى للفصل بين الطوع وبين 1 القهر، فإن المرعي حق ذلك الغائب، وهذا لا يختلف، بأن يتطابق الشفيع والمشتري، أو يتمانعا.
فرع:
4831 - قال صاحب التقريب: إذا اشترى الرجل شقصاً رآه، ولكن الشفيع لم يره، فيثبت حق الشفعة للشفيع، وإن منعنا بيعَ ما لم يره المشتري؛ فإن حق الشفعة يثبت قهراً.
والحقوق القهرية لا تستدعي ما يستدعيه إنشاء العقد، كالإرث وغيره.
ثم إذا منعنا بيعَ الغائب، فالشفيع لا يأخذ الشقص حتى يراه.
ولو بذل الثمن، لم يملكه؛ إذ هو مختار في التملك، وإنّما حظ القهر في أصل حق الشفعة، فقد ثبت حق الشفعة لما قدمناه، ولكن لا يجري الملك إلا على شرط العقد الذي ينشأ، وليس للمشتري أن يمنعه من الرؤية؛ فإنه قد ثبت له حق الشفعة.
هذا إذا قلنا: لا يصح بيع الغائب.
فأما إذا قلنا: يصح بيع الغائب، فإنه يملك الشقص ببذل الثمن، ثم يكون على خيار الرؤية، على هذا القول، أم كيف السبيل؟ خرّج أصحابنا هذا على الخلاف المقدم في خيار المكان، وهذا غير سديدٍ، والوجه القطع بثبوت خيار الرؤية للشفيع، إذا ملكناه قبل الرؤية؛ فإن المانع من إثبات خيار المجلس له عند بعض الأصحاب بُعْدُ ثبوتِ خيار المجلس من أحد الجانبين دون الثاني.
وهذا المعنى غير مرعي في خيار الرؤية.
ويجوز أن يقال: يملك الشفيع الشقص قبل الرؤية، وإن منعنا بيع الغائب، حتى نقول: إذا بذل الثمنَ، ملك، قولاً واحداً؛ فإن ملكه يستند إلى قهرٍ، وليس فيه عقدٌ منشأ.
وهذا يقرب من الخلاف في أن بيع الشفيع بعد بذل الثمن للشقص القائم في يد المشتري هل ينفذ أم يمتنع ذلك، امتناعَ بيع المبيع قبل القبض؟ وفي هذا اختلافٌ قدمناه.
ثم ذكر صاحب التقريب أن المشتري لو قال: لا أمكنك من قبض المبيع من غير رؤيةٍ، وإن جاز بيع الغائب؛ فإنك لو قبضته كنتَ على خيار الرؤية، ولم أكن واثقاً بالثمن الذي تبذله.
قال: إنه يجاب إلى هذا، ويسوغ له أن يمتنع من إقباض الشفيع حتى يراه.
هكذا قال، وفيه احتمال ظاهر.
ولو فرض في الشقص عيب وكان المشتري يمنع من تسليمه حتى يطّلع الشفيع عليه، فلا معنى لهذا؛ فإن ذكر العيب كافٍ في ذلك، ولا يسد مسدَّ الرؤية المرعيّة ذكرٌ وإعلام.
فرع:
4832 - إذا ثبتت الشفعة للشفيع، وعلم به، ثم إنه باع الشقص الذي به استحق الشفعة، قبل أن يستقر ملكه في الشقص المشفوع، فلا شك أن حقه يبطل من الشفعة.
وهذا يحسن تصويره على قولنا: ليس حق الشفعة على الفور، وهذا يناظر ما لو
علمت الأمة بأنها عَتَقت تحت زوجها القِنّ، وعلمت ثبوتَ الخيار لها، وقلنا: إن حقها في الفسخ على التراخي، فأخرت حتى عَتَق الزوج، فلا خيار لها.
ولو باع الشفيع الشقص ولم يشعر بثبوت الشفعة، ثم علم أن الشفعةَ كانت ثابتةً وقت بيعه ملكَه، ففي ثبوت الشفعة قولان مشهوران.
وحيث قلنا: تبطل الشفعة لو باع جميع الشقص، فلو باع بعضه، فكيف حكمه؟ ذكر الشيخ أبو علي والعراقيون وجهين: أحدهما - أن الشفعة تبطل، وتكون كما لو عفا عن بعض الشفعة، وظاهر المذهب البطلان في الجميع لو فعل ذلك، فبيع البعض إذاً بمثابة العفو عن بعض الشفعة عند هذا القائل.
والثاني- لا تبطل شفعته أصلاً؛ فإنه قد بقي من ملكه القدرُ الذي لو لم يملك في الابتداء غيرَه [لاستحق] 1 الشقص بكمالهِ.
فرع:
4833 - إذا وهب لعبده شقصاً من دارٍ، وقلنا: إن [العبد] 2 يملك بالتمليك، فإذا باع الشقص الثاني، قال شيخي: تثبت الشفعة على الجملة.
وهذا فيه احتمال ظاهر؛ من قبل أن ملك العبد ضعيف، والشفعة لا تستحق بالملك الضعيف عند كثيرٍ من أصحابنا.
ثم قال رضي الله عنه: إذا ثبتت الشفعة هل يحتاج العبد في أخذ الشفعة إلى إذن جديدٍ من جهة السيد؟ فعلى وجهين حكاهما: أحدهما - لا بد من إذن، وهو القياس؛ فإن العبد، وإن قلنا: إنه يملك، فإنه لا يستبد بالتصرف، فيما ملّكه مولاه.
فرع:
4834 - قال شيخي رضي الله عنه: إذا شهد سيد المكاتب على شقصٍ فيه شفعة لمكاتَبه، تُقبل شهادته.
وهذا أراه هفوةً غيرَ معتد بها؛ فإن شهادة السيد لمكاتَبه لا تُقبل.
ولكن لعله أراد إذا ادعى المشتري الشراء، فجُحد، فأقام سيدَ المكاتب شاهداً، والغرض إثبات
الشراء، وليس الشراء في المرتبة الأولى حق المكاتب، ففي ثبوت الشراء على هذا الوجه احتمال.
ثم إن أثبتناه، لم يمتنع ترتب الشفعة عليه تبعاًً، ولا ينبغي أن يشك أنه أراد رحمة الله عليهِ غيرَ هذا.
ثم إن ثبتت الشفعة على طريق التبعية، كان ذلك شبيهاً بقضائنا بعيدِ شوَّال عند بعض الأصحاب، بناء على شهادة شاهدٍ واحدٍ على هلال رمضان -إذا رأينا قبول شهادة الشاهد الواحد- ثم استكملنا بعد ذلك العدة ثلاثين، فأصل الشراء يظهر فيه قبول شهادة السيد لمن يدعي الشراء.
وفيه احتمال.
وإن أثبتنا 1، فيظهر انتفاء الشفعة للمكاتب.
فأما إذا ادعى المكاتب شراءً في شقصٍ هو فيه شفيع، وغرضه إثبات الشفعة، فالسيد لا يشهد في مثل هذه الخصومة قط، وما ذكرناه في السيد والمكاتب، يجري في الوالد والولد، على الترتيب الذي طردناه.
فرع:
4835 - المقارض إذا اشترى شقصاً بمال القراض، ولم يظهر بعدُ في المال ربحٌ، ولرب المال شقصٌ في تلك الدار، ليس من مال القراض.
قال ابن سريج فيما نقله القفال عنه: لرب المال أخذ الشقص بالشفعة، قال القفال: هذا غلط؛ فإن الملك في المشترى لرب المال، وإذا وقع الشقص ملكاًً، فيستحيل، أن يأخذه بالشفعة لنفسه عن نفسه.
وهذا لم أره محكياً عن ابن سريج في التقريب وغيره من مبسوطات المذهب، وإنما كان يحكيه شيخي عن شيخه.
ولعل الذي حمل ابنَ سريج على ما قاله أن مال القراض مستحَق البيع؛ إذ للمقارض أن ينضَّه بالبيع، على ما سيأتي تمهيد ذلك في كتاب القراض، إن شاء الله عز وجل.
فرب المال يُثبت ملكَ 2 نفسه بحق الشفعة، ويقطع حق العامل في التسلط على البيع.
وهذا يضاهي ما لو اشترى أحدُ الشركاء نصيبَ شريكه، فللذي لم يشترِ حقٌّ
الشفعة، ثم المشتري يقول له: أنا أُثبت بشرْكي القديم الملكَ في قسطٍ مما اشتريتُه، كما تأخذ أنت قسطاً منه.
وإذا كانت الشفعة تقوى على جلب ملك؛ فإنه لا يبعد أن تقوى على إثباتِ الملك وتقريره.
وهذا تكلّف.
والصحيح نفي الشفعة.
ثم إذا نفيناها، كان الشقص كسائر أموال القراض.
فرع:
4836 - إذا اشترى شقصاً من أرضٍ، فزرعها.
وتصوير الزراعة كتصوير البناء، فإذا أراد الشفيع أخذ الشفعة، فله ذلك.
قال صاحب التقريب: للشفيع تأخير الشفعة -وإن فرعنا على الفور- حتى يُحصدَ الزرع؛ فإنه لا ينتفع بالأرض مزروعة، ولا سبيل إلى قلع الزرع، فلو وفر الثمن، لكان باذلاً عوضاً في مقابلة ما لا ينتفع به.
فأمّا إذا كان بالشقص أشجار مثمرة، وكانت المسألة مصورة حيث لا يستحق الشفيع الثمار، فلو أخّر الأخذ بالشفعة إلى قطاف الثمار، فهل يبطل حقه على قولِ الفور؟ فعلى وجهين: أحدهما- لا يبطل حقه بالتأخير، كما تقدم في الأرض المزروعة.
والثاني- يبطل حقه بالتأخير؛ لأن الثمار لا تحجزه من الانتفاع بخلاف الزرع، والقائل الأول يقول: صاحب الثمار يدخل البستان لتعهد الثمار، فيتبعض الانتفاع.
هذا كلام صاحب التقريب.
والوجه في مسألة الزرع أن يعجِّل طلبَ الشفعة، ثم يُعذر في تأخير توفير الثمن.
هذا منقدح.
ويجوز أن يقال: يتعين تعجيل الطلب، وتوفير الثمن، وإن لم يفعل، بطل حقه.
كما فصلناه.
ولا نظر إلى استئخار منفعته إذا كان يجري ملكه في رقبة الشقص.
والدليل عليه أن الشقص المشفوع لو فرض بيعه وسط الشتاء 1، حيث لا يفرض الانتفاع به، لفوات وقت الانتفاع، فلا يسوغ تأخير طلب الشفعة إلى أوان إمكان الانتفاع؛ فإن منع مانع هذا، على طريق صاحب التقريب، كان بعيداً.
فرع:
4837 - مشتري الشقص لو أراد بيعه، نفذ منه بيعُه، لا نعرف في ذلك خلافاًً بين الأصحاب.
ثم الذي ذهب إليه جمهور الأصحاب أن من اشترى شقصاً مشفوعاً وباعه، فالشفيع بالخيار إن أحب نقض بيع المشتري، وردّ الشقص إلى حكم البيع الأول، وأخذه بالثمن المسمى فيه.
هذا إذا لم يكن عفا عن حق الشفعة في العقد الأول.
فإن كان عفا أو قصر، فبطل حقه، فيتجدد له حق الشفعة بسبب البيع الذي أنشأه المشتري.
هذا مذهب الجمهور.
وحكى طوائف عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: لا سبيل إلى نقض بيع المشتري؛ فإن الأخذ بالشفعة ممكن بناءً على العقد الثاني، فلا معنى لإبطال تصرف المشتري، وجعل أبو إسحاق المنعَ من نقض بيعه بمثابة المنع من نقض بنائه مجاناً 1.
وهذا مزيف غيرُ سديدٍ؛ فإن في إلزام بيعه إبطالَ حق الشفعة في العقد الأول، وقد يظهر الغرض في الأخذ بموجَب العقد الأول.
ولو وهب المشتري الشقص، وأقبض، أو وقفه وقفاً حَقُّ مثله أن يلزم، فالذي ذهب إليه الجمهور أن الشفيع له أن 2 يبطل هبته ووقفه، ليأخذ بموجب العقد الأول؛ فإن الهبة لا تُثبت حقَّ الشفعة، وكذلك الوقف 3.
وإذا فرعنا على مذهب المروزي، فقد اختلف أصحابنا على قياس مذهبه على وجهين: فمنهم من قال: تبطل الشفعة بالهبة، ولا سبيل إلى نقضها، (4 فيصير هذا النوع من التصرف، قاطعاً لحق الشفعة 4).
ومنهم من قال: للشفيع إبطال هذا النوع بخلاف البيع؛ فإن البيع ليس قطعاً4
للشفعة، فإذا أمكن الجمع بين تقرير التصرف وإثبات الشفعة، تعيّن [ذلك] 1.
وليس كذلك الهبة، وما في معناها.
هذه هي الطريقة المشهورة التي رتبها الأئمة، في الطرق.
وذكر الشيخ أبو علي مسلكاً غريباً عن أبي إسحاق المروزي، لم أره لغيره، وهو أنه قال: إذا باع المشتري الشقص، نفذ البيع، وبطل حق الشفعة، ولا يتجدد للشفيع أخْذ الشفعة بالعقد الثاني.
وهذا لست أدري له وجهاً قريباً، ولا بعيداً؛ فإن البيع الثاني لو لم يجر غيرُه، لكان مثبتاً للشفعة، فلا معنى لإبطال الشفعة، والذي شبب به الشيخ أبو علي في توجيه ما نقله عن المروزي أن عقد المشتري إذا وجب تنفيذه وإلزامه، وامتنع نقضه، كان مبطلاً للشفعة، ويستحيل أن يثبت الشفعةَ ما يبطلها، وهذا كما أن من تحرم بالصلاة، ثم شك في صحة النيّة، فأتى بتكبيرةٍ تامةٍ مع النية، لم تنعقد الصلاة بها؛ لأن من ضرورة العقد الحل، وما يصلح للعقد لا يصلح للحل، ولا ثبات لمثل هذا الكلام، ولا تُتلقى حقوقُ الأملاك من أحكام النيات في العبادات.
فرع:
4838 - إذا اشترى الرجل شقصاً، دونه 2 شفيعان، فقد قدمنا أن ظاهر المذهب أنه إذا عفا أحدهما، أخذ الشفيع الثاني تمامَ الشقص، فإذا تجدد العهد بهذا، قال ابن الحداد بعده: لو ادعى المشتري على الشفيعين عفوهما عن الشفعة، فإن حلفا على نفي العفو، فهما على حقهما، وإن نكلا، رددنا اليمين على المشتري.
وإن حلف أحدهما، ونكل الثاني، فلا يرد اليمين على المشتري، فإنه لا يستفيد بيمين الرد شيئاً؛ إذ لو صح عفوُ أحد الشفيعين، لأخذ الثاني تمام الشقص.
وهذا الذي ذكره لطيف حسن، وهو من لطائف أحكام الخصومات؛ فإن دعواه تعلق بشخصين، ثم يتوقف رد اليمين على نكول الثاني، والسبب فيه ما نبهنا عليه.
ولو ادعى على أحدهما العفوَ، وصاحبه غائب، فأنكر، وِنكل عن اليمين، ففي
رد اليمين على المشتري في هذه الحالة ترددٌ للأصحاب.
فمنهم من قال: لا ترد اليمين، كما لو كانا حاضرين؛ فإن الرد يتوقف على نكولهما جميعاً.
وهذا هو القياس، ومنهم من قال: ترد اليمين؛ فيثبت بها عفو الحاضر، ثم لا يمتنع أن يلحق الخصومات تغاييرُ من جهاتٍ.
وإنما امتنعنا من الرد بنكول أحدهما عند حضورهما للتمكن من اختصار الخصومة، والوصول إلى الغرض منها.
وإذا نكل أحدهما من اليمين، وحلّفنا الثاني، فلو أراد الحالف أن يستبد بالشقص، لم يكن له ذلك؛ فإن العفو لم يثبت من صاحبه.
ولو أثبتناه، لكان ذلك قضاءً بالنكول المجرّد.
نعم، بين الشفيعين خصومة، فإن لم يتخاصما، فهما مشتركان في طلب الحق، وقسمة الشقص.
وإن ادعى من حلف على الناكل العفوَ، فإنا نحلفه الآن، ونكوله مع المشتري لا يمنعه من الحلف مع الشفيع، فإن حلف، فذاك.
وإن نكل، ردت اليمين على الشفيع المدعي، فإن حلف، استبد بحق الشفعة، وأخذ الشقص بتمامه.
وفي كلام ابن الحداد اختلال في اللفظ، حمله الأصحاب على الغلط في المعنى، ونحن ننقله على وجهه.
لمَّا فرض دعوى المشتري على الشفيعين، وصوَّر نكول أحدهما عن اليمين، وقال: لا يحلف المشتري، بل يحلف [الحاضر] 1 من الشفيعين، أن صاحبه عفا، ويأخذ جميع الشقص 2، وهذا في ظاهره يدل على أنه يملك أن يحلف من غير استفتاح دعوى وابتداء خصومة مع الناكل.
هذا ظاهر الكلام، وعليه حمل الأصحاب مذهب ابنِ الحداد، ثم غلطوه، وقالوا: كيف يحلف على العفو، وهو لم يدّع على صاحبه العفو، ولا يظن بابن الحداد أنه يثبت الحلف في حق الشفيع من غير دعوى واستئنافِ خصومة، وإنما أراد بتحليف الشفيع أن يحلف في أوان التحليف، ومن ضرورة ذلك أن يدعي ما ينبغي أن
يحلف عليه، ثم لا يخفى حكم ابتداء الدعوى، وعرض اليمين مرة أخرى، كما ذكرناه.
ولست أشك أن ابن الحداد لم يُرد إلا ما قاله الأصحاب، ولكنه أوجز الكلام فيما لم يكن مقصوداً له.
وقدْرُ غرضه ما ذكره من أن اليمين لا ترد على المشتري إذا نكل أحدهما، ثم جرى في كلامه أن الشفيع الثاني يأخذ، فقال: نعم، جميع الشقص إذا حلف.
ولم يتعرض لتفصيل القول في وقت حلفه.
فرع:
4839 - إذا مات رجل، وخلف داراً وابناً، وخلَّف من الدين مثلَ نصف قيمة الدار، فإذا بيع نصف الدار في الدَّيْن، فهل للابن أخْذ ما بيع بالملك الذي بقي في الدار؟ ترتيب المذهب فيه أن هذا يخرّج على أن الدَّيْن في التركة هل يمنع ثبوت الملك للوارث في عين التركة؟ فعلى قولين، سنذكرهما في الوصايا، إن شاء الله.
أصحهما -وهو الجديد- أن الملك يثبت للورثة، وإن كانت التركة مرتهنة بالدين.
والمنصوص عليه في القديم أن الملك لا يثبت للورثة في جزءٍ من التركة، مع بقاء جزءٍ من الدين.
فإن قلنا: التركة ملك الورثة، فإذا بيع بعض الدار في الدين، فلا شفعة للابن الوارث.
فإن الذي بيع من الدار كان ملكَه، ومَن بِيع جزءٌ من ملكه بحقٍّ، لم يملك استرجاعه بالشفعة.
وإنما وضْعُ الشفعة على جلبِ ملك الغير.
وإن حكمنا بأن التركة ليست مملوكة للورثة مع الدين، وإنما هي مبقاة على ملك الميت، فالبيع يصادف ملك الميت.
فهل تثبت الشفعة للوارث؟ هذا يترتب على أمرٍ، وهو أن الدين إذا كان ألفاً وقيمة الدار ألفان، فنقول: الباقي على ملك الميت مقدار الدين، أم جميع التركة، من غير نظر إلى مقدار الدين؟ وهذا مما اختلف الأصحاب فيه، وله أصل سيأتي إيضاحه، إن شاء الله في التركات، من كتاب الوصايا.
فإن قلنا: لا يملك الوارث شيئاًً من التركة؛ فلا شفعة في هذه الصورة أيضاً؛ فإن النصف الذي يبقى للورثة إنما يخلص له مع نفوذ البيع في النصف المبيع، وحق الشفعة إنما يستحق بملكٍ يتقدم على البيع الذي هو محل استحقاق الشفعة.
وإن قلنا: يبقى 1 على ملك الميت من التركة مقدارُ الدين، ويثبت الإرث في الزائد عليه، فتثبت الشفعة للابن الوارث بسبب النصف الذي بقي له.
ولو كان للابن في هذه الدار شركٌ قديم، مثل أن كان الأب يملك فيها ثلثا، وكان للابن ثلثاها، وقيمة الثلثين ألفان، والدين ألف، فإذا فرض بيعُ بعض الدار في الدين، والتفريع على الجديد، فلا شفعة للوارث، فإن الذي بيع كان ملكاً للوارث على الجديد.
وإن فرعنا على القديم، فيثبت حق الشفعة للابن بملكه القديم، من غير حاجة إلى تفصيل.
هذا هو المذهب.
وفي نقل الأصحاب كلامَ ابن الحداد خبطٌ وتخليط، لم أوثر ذكرَه؛ فإن الحق الذي لا محيد عنه ما ذكرناه، فما وافق ما قدمناه، فهو سديد، وما خالفه، فهو غلط غيرُ معتدٍّ به.
فرع:
4840 - الوصي إذا باع شقصاً من دارٍ للطفل، وراعى شرطَ الغبطة، والمصلحةِ في بيع العقار، كما قدمناه في كتاب البيع.
وكان للوصي شِرْكٌ في تلك الدار، فلو أراد أخْذَ ما باعه من ملك الطفل بحق الشفعة، قال الشيخ أبو علي: ليس للوصي ذلك.
بإجماع الأصحاب، والسبب فيه أنه قد يتهم، فيقال: إنما باع ليأخذ، وهذا الباب محسوم، سواءٌ وافق الغبطة الظاهرة، أو لم يوافقها.
وإنما منعنا الوصي من بيع مال الطفل من نفسه، وتولِّي طرفي العقد؛ لأنه ليس متعلقاً بما يدل على الشفقة التامة، وتولي طرفي العقد يُشعر بالتهمة، فالمعنى الذي لأجله امتنع عليه بيعُ مال الطفل من نفسه، امتنع عليه أخذ ما يبيعه بالشفعة.
والأب لما تولى طرفي العقد، وملك أن يبيع مال الطفل من نفسه، فلا جرم لو باع الشقص من مال الطفل، وله شركٌ قديم، فله أخذه بالشفعة.
هذا ما حكاه الشيخ أبو علي.
وقال: لو اشترى للطفل شقصاً من دارٍ، وكان له شرك قديم فيها، فله أخذ ما اشتراه بالشفعة، فإن هذا لا تهمة فيه؛ إذ هو المشتري
له، وهو الآخذ، وكان يمكنه أن يشتري لنفسه، وكان لا يتمكن من بيع مال الطفل من نفسه.
وفي القلب شيء من إثبات الشفعة للوصيِّ في المسألة الأولى إذا تحققت الغبطة للطفل.
وليس يكاد يخفى وجه الغبطة على أهل البصائر وامتناع تولّي طرفي العقد ليس مما يعلل.
وممَّا نقطع به أنه ليس معللاً في حق الأب بالشفقة فإن الوصي إذا نزل منزلة الأب في بيع أموال الطفل، فلا يبقى بعد ذلك مضطرب.
4841 - ومما ذكره الشيخ أبو علي أن الرجل إذا وكل شريكه حتى باع شقصه من الدار، فهل لهذا الوكيل إذا نفذ البيع أن يأخذ بالشفعة ما باعه؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي: أحدهما - ليس له أن يأخذه، كما ليس للوصي أخذ ما باعه من مال اليتيم.
والوجه الثاني- أن له أن يأخذه بملكه القديم؛ لأن الوصي هو الناظر في حق الطفل، ولا استقلال للطفل، فكان الوصي متهماً فيما يأخذه.
والوكيل ليس ناظراً للموكل، وإنما يمتثل أمره، والموكل ينظر لنفسه، فلا موقع للتهمة هاهنا.
فرع:
4842 - إذا ارتد أحد شركاء الدار، وقلنا الرّدّة تزيل ملكه حقيقة، ثم باع شريكه حصة نفسه في زمان ردته، فلا شفعة للمرتد؛ إذ لا ملك له، فلو عاد مسلماً، فلا شفعة له، وإن عاد ملكه؛ فإنه لم يكن له عند البيع ملك.
وبمثله لو ثبتت الشفعة للشريك أولاً، ثم ارتد، وقلنا: زال ملكه، فلو عاد هل تعود شفعته؟ قال الشيخ أبو علي: المسألة محتملة، والظاهر أن لا شفعة؛ فإنه لا يُعذر فيما جرى منه، من سبب زوال الملك.
فالوجه انقطاع شفعته.
ووجه الاحتمال أنه لم يعتمد إزالة ملك نفسه، وإنما جرت عليهِ شقوتُه، فارتد.
وليس كالذي يزيل ملك نفسه بعد ثبوت الشفعة قصداً.
والعلم عند الله تعالى.
فرع:
4843 - لا يجوز أخذ العوض عن حق الشفعة في ظاهر المذهب.
وقال الشيخ أبو إسحاق المروزي ثلاث مسائل أخالف فيها أصحابي: المصالحة عن حق
الشفعة، وحدُّ القذف، ومقاعد الأسواق، منع أصحابي أخذَ العوض عن هذه الأشياء، وأنا أجوّز أخذ العوض عنها.
فإذا فرعنا على ظاهر المذهب وقلنا: لا يحل أخذ العوض عن حق الشفعة، فلو أخذه، ثم تبين لهْ، واستُرِدَّ العوض، وكان أخذه على ظن أنه يحل، فهل يبطل حقه من الشفعة؟ أم هو على حقه؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون، وليس يخفى نظائرهما وتوجيههما.
فرع:
4844 - [إذا جاء] 1 الشفيع على قول الفور، وقال: لقد اشتريتَه رخيصاً، وأنا أطلب الشفعة، قال الأصحاب: يجب أن تبطل الشفعة على قول الفور؛ لأن الذي جاء به فصول 2، وهذا متجه.
ولو قال: بكم اشتريتَ؟ قال الأصحاب: بطل حقه؛ لأنه لم يبادر الطلب.
قال القاضي: الذي عندي أنه لا يبطل حقه بالبحث عن مقدار الثمن؛ لأن الجهل به يمنعه من الأخذ، والبحث عن المقدار إزالة للجهل المانع من الأخذ.
وقد ذكرت هذا التردد فيما تقدم، وإنما أعدته لمصير القاضي إليه.
فصل
4845 - يجمع مسالك تُعسِّر الشفعةَ على الشفيع، وقد ذكر الأصحاب منها جملاً: أحدها - أن يبيع الشقصَ بأضعاف ثمنه دنانير مثلاً، ثم يأخذ عَرْضاً قيمته مثل ثمن الشقص، أو أقل عن الثمن المسمى، فلا يرغب الشفيع في الشفعة؛ لأنه لو رغب فيها، لأخذ الشقص بالثمن المسمى أوّلاً.
وهذا وإن كان يعسّر الشفعة، ففيه تغرير؛ لأن البائع إذا التزم له المشتري الثمن ربما لا يرضى بالعَرْض الذي قيمته دون ذلك المبلغ.
ومن الحيل أن يقع بيع الشقص بأضعاف الثمن، ثم يحط البائع بعد لزوم العقد عن المشتري ما يزيد على ثمن المثل، فالشفيع لو أخذ بالثمن الأول؛ فإن الحط لا يلحق الشفيع.
وفيه أيضاً تغرير؛ فإن المشتري إذا التزم للبائع الثمن العظيم، فربما لا يحط البائع بعد اللزوم.
ومن هذا القبيل أن يشتري عرْضاً قيمته مائة بمائتين، ثم يعطيه عن المائتين الشقص الذي قيمته مائة.
وفيه غرر؛ لأنه ربما لا يرضى بالشقص بدلاً عن المائتين.
ومن الحيل أن يهب تسعة أعشار الشقص مثلاً من إنسان، ويبرم الهبة، ثم يبيع العشر بثمن الشقص، فلا يرغب الشفيع؛ لأن الموهوب لا شفعة فيه، والمبيع منه ثمنه مضعّف، ويشارك فيه المتهب، لتقدم ملكه في التسعة الأعشار، وليس يخلو هذا عن الغرر من الجانبين، مع أن الهبة مفصلة، كما سيأتي ذكرها، فمنها ما يقتضي الثواب، وهذا سهل المُدْرك، فإن تعريتها عن الثواب ممكن.
ومن أسباب التعسير اعتماد جعل الثمن مجهول المقدار، مشاراً إليه، وقد أوضحنا أن الأخذ بالشفعة مع جهالة الثمن غير ممكن، فهذا وما في معناه يتضمن تعقيد الأمر على الشفيع 1.
...