كتاب الشفعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
صاحب الوجه الثالث من رد الأمر إلى خيرة الشفيع.
وإن كان لا يستحق المشتري المرورَ [فقول] 1 القائل للشفيع: إن منعت، وإن لم تمنع عبارةٌ مضطربة، والعبارة السديدة عن الغرض هي التي ذكرها صاحب التقريب، إذ قال: هل تثبت الشفعة أم لا؟ فعلى وجهين موجهين بما ذكرناه من قياس الأصول، وإلحاق الضرر، ثم قال: إن قلنا: تثبت الشفعة، فهل يستحق مشتري الدار حقَّ الممر في السكة، والملكُ فيها للشفيع؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يستحق، وهو القياس.
والثاني - يستحق، وقد يثبت للإنسان حقُّ الممر في ملك غيره.
ويمكن أن نعبر عن الطريقة، فيقال في المسألة أوجه: أحدها - أن الشفعة لا تثبت.
والثاني - تثبت، وينحسم حق الممر.
والثالث - تثبت ويبقى حق الممر مستحقاً للمشتري.
ومبنى هذه العبارات على تفصيل في [صدر] 2 المسألة بنينا الغرض عليه، وذلك [أنا] 3 قلنا: إن كان يتأتى للمشتري اتخاذُ ممر في غير هذه السكة، وجب عليه أن يستجد ممراً آخر وتؤخذ حصتُه من السكة بثمنها.
وإن كان لا يتأتى منه اتخاذ الممر في جهةٍ أخرى، فإذ ذلك يختلف الأصحاب.
وكان شيخي يقول: إذا كان اتخاذ الممر ممكناً، ولكن لا يتوصل إليه إلا بمعاناة عُسر والتزام مؤنة، فهذا أيضاً داخل تحت الخلاف، وتصوير الضرر لا ينحصر في أن يسقط الإمكان في اتخاذ الممر.
ومن الممكن على هذه الطريقة أن نقابل ما يأخذه تقديراً من ثمن الممر بما يلزمه من المؤنة في استحداث ممرًّ آخر.
فإن تقابلا، فلا ضرر.
وإن قل التفاوت، احتمل.
وإن ظهر، خرج الخلاف.
فإذاً صار هذا أصلاً مختلفاً فيه، في قاعدة الكلام، فليتأمل.
وقد نجز الغرض.
فصل
قال: "ولولي اليتيم، وأب الصبي أن يأخذ بالشفعة ... إلى آخره" 1.
4783 - ولي الطفل إذا كان أباً أوجداً، أو وصياً من جهتهما، أو قيماً مطلقاً من جهة القاضي، إذا بيع شقصٌ، وللطفل فيه الشفعة، فعليه أن يأخذ الشقص المشفوع بالشفعة، إذا كان النظرُ، والغبطة للصبي في الأخذ.
وهذا يُضبط بأن يقال: إذا كان للولي أن يشتري العقارَ للطفل، فعليه في مثل تلك الحالة أن يأخذ له بالشفعة، فإن لم يأخذ، فله الأخذ بعد البلوغ، والاستقلال بالنفس.
وبيان ذلك [أنه] 2 إن كان يفوت للصبي غبطة ظاهرة، فيتعين أخذُ الشفعة له، ولا يجوز إبطالها عليه، وإن كان في أخذها له ما يخالف النظر والغبطة، ووجه الصلاح، فليس للولي أن يأخذه.
وقد يعارض ذلك أمرٌ بذكره يبين المقصود.
وهو أنه إذا تمكن الولي من شراء شيء للطفل ابتداء وكان في الشراء غبطةٌ ظاهرة، فلا شك أن الأوْلى للولي أن يشتري.
ولكن تردد الأئمة في أن ذلك هل يجب على الولي؟ فقال الأكثرون: يجب، ووجه ذلك ما تمهد من وجوب رعاية المصلحة.
وقال آخرون: لا يجب؛ فإن الذي يؤاخذ الولي به ألا يفرط في مال الطفل، فأما أن يحصّل له مالاً عن جهةٍ أخرى، فلا يلزم ذلك.
ولو ألزمناه، لأوجبنا أن يبذل كنه المجهود في سلوك طرق المكاسب والمتاجر، ويبعد أن نوجب ذلك.
ومما ذكره الأئمة أنه لو أراد الولي أن يشتري شيئاً بمال الطفل، وما كان للطفل فيه منفعة، فهذا في حكم العبث، الذي لا يفيد شيئاً، ولا يجدي، وليس هذا النوع مما يفيد مصلحةً، وتصرف الولي في مال الطفل يجب أن يتقيد بالمصلحة الناجزة، أو بتوقعها على ظنٍّ غالب، وكان شيخي يقطع بأن التصرف الذي لا خير، ولا شر فيه ممنوع.
وهذا حسنٌ متجه.
4784 - ونحن نعود بعده إلى القول في الشفعة، فنقول: إن كانت المصلحة في الأخذ بالشفعة، فلا يجوز للولي الترك وجهاً واحداً، وليس على التردد الذي ذكرناه في ابتياع ما فيه مصلحة ظاهرة؛ فإن الأخذَ بالشفعة يُعد من حقوق الطفل، ولا يجوز تضييع حقه، والشراءُ ابتداءً ليس مستنداً إلى حق الطفل، فليفهم الناظر ذلك.
ثم إن أخذ الولي، فذاك، وإن لم يأخذ، فحق الطفل المَوْليِّ عليه لا يبطل، بل إذا بلغ واستقل، فله طلب الشفعة والأخذُ بها، ولو لم يكن في أخذ الشفعة مصلحةٌ، بل كانت المصلحة في تركها، قالوا: لا يأخذ بها، ولو أخذ بها، كان أخذُه مردوداً؛ فإن التصرفات في مال الطفل تنحصر في رعاية المصلحة، فلو بلغ الطفل مستقلاً، وأراد أخْذَ الشفعة، ففي المسألة وجهان: أظهرهما- أنه لا يثبت له ذلك؛ فإن الولي قد تركه مصلحةً ونظراً، فنفذ تركُه نفوذاً لا يستدرك.
والوجه الثاني - أن الصبي يأخذ حق الشفعة إن أراد؛ فإن الولي إن لم يأخذ بها لانحصار تصرفه فيما يجلب منفعة، فلا منفعة للطفل في إبطال حق شفعته.
ومما يتعلق بحقيقة هذا الفصل أن الغبطة إذا كانت في الأخذ، فتأخير الولي وتقصيره لا يبطل شفعةَ الطفل، بل لو صرح بالعفو، لم يظهر لعفوه أثر، والتقصير لا يزيد على العفو الصريح.
ويتصل [بهذا] 1 أن القاضي لو اطّلع على ترك الولي الطلبَ بالشفعة مع أن الغبطةَ في الأخذ بها، فإنه يتعين عليه أن يأخذ للطفل ما يتركه الولي، ولا يمتنع أن يكون على خبرة من مطالعة القوّام والأوصياء، كما سنذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
ولا يلزمه أن يكون على بحثٍ عن أحوال الآباء والأجداد، بل يكل الأمر إليهم، واثقاً بشفقتهم، وسنذكر تفصيل ذلك في كتاب الوصايا، إن شاء الله عز وجل.
فصل
قال: "وإن اشترى شقصاً على أنهما جميعاً بالخيار، فلا شفعة ... إلى آخره" 1.
4785 - غرض الفصل الكلامُ في أن الشفيع هل يأخذ بالشفعة في زمان الخيار؟ وقد قال الأصحاب: إن كان الخيار للمتعاقدَين، أو للبائع وحده، فلا يثبت للشفيع حقُّ الأخذ؛ فإنّ أخذ الشفيع موضوعٌ في الشرع لدفع الضرر، فلو قدرنا له حق الأخذ مع بطلان خيار البائع، كان محالاً، فإن حقه يتعلق بالمشتري، ويستحيل أن يتضمن إبطال حق على غير المشتري.
وإن قلنا: يأخذ الشفيع، ويبقى حق البائع في الخيار، فليس هذا الأخذَ المشروعَ؛ فإن الضرار لا يندفع به، بل هو قائم كما كان، فمهما لم يكن أخذ الشفيع محسمةً للضرر، ومقطعة له، فلا سبيل إلى إثبات حق الأخذ له.
وهذا ظاهر في مقصود الشفعة.
وإن كان الخيار للمشتري وحده، فأحسن ترتيبٍ في ذلك أن نقول: إن حكمنا بأن الملك للمشتري في زمان الخيار، ففي المسألة طريقان: أحدهما - أن أخذ الشفيع ينبني 2 على الخلاف الذي ذكرناه إذا أراد الشفيعُ الأخذ، وأراد المشتري ردَّ الشقص بالعيب القديم، وقد ذكرنا اختلاف القول في ذلك، فليكن الأخذ في زمان الخيار بهذه المثابة، حتى يخرّج على قولين: أحدهما - أنه لا يأخذ استبقاءً لخيار المشتري.
والثاني - أنه يأخذ وينقطع بأخذه خيارُ المشتري، كما ينقطع حقُّ رده بالعيب، ولا أحد يصير إلى إثبات الأخذ للشفيع، مع بقاء الخيرة للمشتري.
هذه طريقة.
ومن أصحابنا من رأى القطعَ بأن الشفيع لا يأخذ في زمان الخيار، بخلاف الأخذ والمشتري يهم بالرد؛ وذلك لأن الأخذ بالشفعة يستدعي إفضاء العقد إلى استقرار الملك، وليس الأمر كذلك في زمان الخيار.
والصحيح في ترتيب المذهب إجراء القولين، ثم إن قلنا: إنه لا يأخذ، فيصبر إلى انقضاء الخيار، وانقطاعه بإلزام المشتري العقد، فإن فسخ، انقطع العقد، وفاتت الشفعة، وإن أجاز، أو انقضى الخيار، ثبتت الشفعة حينئذ.
وإن قلنا: يأخذ الشفيع في زمان الخيار، فيلزم العقد بأخذه، ولا خيرة للمشتري، كما تقدم، ولا خيرة للشفيع أيضاًً.
فإن قيل: هلا أحللتم الشفيع من المشتري محل الوَارِثِ من الموروث، ثم أصلكُمْ أن الوارث يخلف الموروث في خيار الشرط، فاطردوا ذلك في حق الشفيع؟
قلنا: لا سواء؛ فإن الوارث يردُّ على من كان يردّ عليه الموروث، واقتضت خلافة الوارث حلولَ الوارث محل الموروث، فإذاً تبذل المتصرف، والحقُّ بحالِه، لم يتبذل، وهذا حقيقة الوراثة في كل ما يجري الإرث فيه، والشفيع لو أثبتنا له الخيار ليردّ على البائع، كان محالاً؛ فإنه ليس يتلقى 1 الملكَ منه.
وإن أثبتنا له الخيار ليردّ على المشتري، لكان هذا خياراً جديداً، لم يتضمنه العقد، وهذا حسَنٌ لطيف.
فإن قيل: أليس يثبت للشفيع حقُّ الرد بالعيب على المشتري؟ قلنا: أجل.
وسببه استدراك الظلامة، والرد بهذه الجهة أمر يثبت شرعاً، وهو يرد على من يتلقى منه، وهذا الآن ظاهرٌ، لا حاجة إلى المزيد عليه.
وكل ما ذكرناه تفريعٌ على قولنا: إن الملك في زمان الخيار للمشتري.
4786 - فأما إذا فرعنا على أن الملك في زمان الخيار للبائع، وإن انفرد المشتري بالخيار، فهذا القول أوّلاً ضعيفٌ.
(2 والأصح والنص أن الملك للمشتري إذا كان منفرداً بالخيار.
فإن فرعنا على القول الضعيف 2) فالأصح أن الشفيع لا يأخذ بالشفعة؛ فإن أخْذه مبني على ثبوت الملك للمشتري، وإذا كان الملك القديم باقياً، بَعُدَ الأخذُ؛ إذ الشفعة أثبتت شرعاً عند تجدد ملك وحدوثِه، لأجنبي، وهذا ظاهر.2
ومن أصحابنا من ذكر وجهين في أن الشفيع هل يأخذ؟ ذكرهما صاحب التقريب، وأشار إليهما القاضي: أحد الوجهين- أنه يأخذ؛ فإنه لم يبق للبائع سلطان؛ إذ لوْ أراد تداركَ الأمر -ولا خيار له- لم يملك ذلك، فالحق كله للمشتري، [ولهذا] 1 التحقيق ضعُف قولُ بقاء الملك للبائع، وصار إطلاق ذلك في حكم اللفظ الذي لا حاصل له، ثم إن فرّعنا على هذا الوجه على ضعفه، فإذا أخذَ الشفيع، ملكَ؛ فإنه لا يبقى الخيارُ مع أخذه.
وإذا انقطع الخيارُ، ثبت الملكُ، ومن ضرورة ذلك تقديرُ الملك للمشتري متقدّماً، وترتّبُ ملك الشفيع على ملكه.
وهذا يناظر في التفريع ما إذا اشترى رجل شيئاًً، وانفرد بالخيار، فلو باعه، نفذ بيعُه على الأصح، وإن قلنا: لا ملك له في زمان الخيار؛ فإن بيعَه يتضمن قطعَ الخيار أوّلاً تقديراً، ثم ينبني عليه تصحيحُ التصرف، وما تَحصّل ضمناً من هذه الأحكام له قياسٌ بيّن في الشرع.
هذا منتهى الكلام، واستكماله بسؤال وجوابٍ عنه، ينعطف على ما تقدم.
فإن استبعد مستبعد إثباتَنا حق الشفعة في زمان الخيار لما فيه من قطع خيار المشتري.
قلنا له: إذا كان لا يبعد أن يقطع الشفيع ملكَه اللازم قهراً، لم يبعد أن يقطع حقه.
فصل
قال: "ولو كان مع الشفعة عَرْضٌ بثمنٍ واحد ... إلى آخره" 2.
4787 - إذا اشترى الرجل شقصاً ومنقولاً، أخذ الشفيع الشقص بقسطه من الثمن، وتركَ المنقول على المشتري، وهذا ظاهر.
وقصد الشافعي الرد على مالك 3 رحمه الله، في إثباته الشفعةَ في بعض المنقولات، وذلك أنه قال 4: إن كان مع الشقص منقول يتعلق بمصلحته، فلا يأخذه الشفيع، وإن اشتراه المشتري مع
الشقص، وهذا كالغلمان الذين يعملون في العقار، وكالثيران في الضيعة وآلاتِ الحرث، فلا يأخذ [الشفيع] 1 شيئاًً منها.
هذا مقصود الفصل.
ثم الاعتبار في قيمة التوزيع بوقت العقد؛ إذْ فيه يتوزع الثمن على المثمن، لم يختلف الأصحاب في ذلك.
ويتعلق بهذا فائدتان: إحداهما - أن هذا يدل على أن التوزيع مقتضى العقد؛ فإنه لو حمل على الضرورة المُحْوِجَة، لأمكن أن يقال: الاعتبار بحال طلب الشفيع.
والأخرى- أن الأصحاب أطلقوا العقد، فإن حكمنا بأن الملك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد، فهذا متجه، وإن كنا لا نرى أخْذ الشفعة في زمان الخيار؛ فإن المقابل يحصل بتقدير انتقال الملك، وإن لم يكن على اللزوم، وإن حكمنا بأن الملك لا ينتقل ما لم يَنْقَضِ الخيار، أو ينقطع، فالمسألة محتملة احتمالاً ظاهراً، يجوز أن يقال: الاعتبار بقيمة يوم الانتقال؛ إذ فيه يتحقق الملك الحديث، الذي بسببه الشفعة، ويجوز أن يقال: الاعتبار بيوم العقد، وهذا هو الذي أطلقه الأصحاب من غير تفصيل.
ووجهه أن العقد يرسم تقدير المقابلة، وإن كنا نتمارى في نقل الملك، فالاعتبار بما رسمه العقد.
وهذا [فقيه] 2 حسن.
فصل
قال: "وعهدة المشتري على البائع ... إلى آخره" 3.
4788 - هذا الفصل من أصول الكتاب، فينبغي أن يكون للناظر بفهمه وجميع ما فيه فضلُ اعتناء، فنقول في قاعدة الفصل: إن الشفيع يرجع في عهدة ما أخذه على المشتري، لأنه يتلقى الملك منه، ويبني ملكَه على ملكه، فهو في حق المشتري بمثابة المشتري في حق البائع.
هذا أصل المذهب.
ومن موجبات هذا الأصل أن الشفيع يدفع الثمن إلى المشتري في الأحوال كلها، سواء كان الشقصُ في يده، أو في يد البائع، وسواء كان قد أدى المشتري الثمنَ إلى البائع، أوْ لم يُؤدّه، فيدفع الثمنَ إلى المشتري، ويرجع بالعهدة عليه.
ولو قال الشفيع والتفريع على قول الفور، والمبيع [بعدُ] 1 في يد البائع: لستُ أنقدُ الثمنَ، حتى ينقده المشتري.
قلنا: ليس لك ذلك، ولا تعلّق لك بما بين المشتري والبائع.
ولكن يعترض في هذا شيء، وهو أنه [إذا] 2 دفع الثمن إلى المشتري، ولم يدفعه المشتري إلى البائع، والتفريع على أنه يثبت للبائع حق الحبس، ولا يستعقب أداءُ الشفيع الثمنَ إلى المشتري قدرة المشتري على تسليم المبيع، فالوجه في ذلك عندنا، أن يقال: إذا كان البائع حاضراً وكان توفيرُ الثمن عليه، وإلزامُه تسليمَ المبيع ممكناً، فليبذل الشفيعُ الثمنَ للمشتري، ثم إنه يتوصل إلى تسليم المبيع إلى الشفيع بطريقه.
ولو كان البائع حاضراً، والمبيع معه، ويعلم أنه لا يقدر المشتري على التوصل إلى تحصيل المبيع في الحال، فلا يجب على الشفيع توفيرُ الثمن، وإذا أخر توفية الثمن على المشتري للعذر الذي ذكرناه، لم يكن مقصراً، ولم ينزل منزلة الشفيع يعجل الطلب، ويماطل بالثمن، حتى ينتهي الأمرُ إلى تفصيلٍ قدمناه، في أن شفعته تبطل في وجهٍ، ويُبطلها القاضي إذا استدعى المشتري ذلك في وجهٍ.
هذا الذي ذكرناه أصلُ المذهب، وبه الاعتبار، وعليه التعويل.
4789 - وذكر صاحب التقريب وجهاًً بعيداً عن ابن سريج في العهدة، وهو أنه قال: عهدة الشفيع على البائع، وعليه رجوعه، وبه تعلقه، وإذا طالب بالشفعة، وكان قبض البائعُ الثمن من المشتري، رد ما قبض على المشتري، وأخذ من الشفيع ما يبذله، وينزل الشفيع منزلة المشتري، وكأنه المشتري في الحقيقة، ومن كان
مشترياً مرفوعاً من البين، وزعم أن الشفيع لا يدفع الثمن إلى غير البائع.
وهذا بعيدٌ جداً، لم أر أحداً من أصحابنا حكاه كذلك سوى صاحب التقريب، وكيف يستقيم المصيرُ إلى هذا، ولا خلاف أن الملك يحصل للمشتري بالشراء، وسبب ثبوت الشفعة ملك المشتري، فإن كان هذا القائل يسلم أن ملك الشفيع يترتب على ملك المشتري، فيبعد مع هذا تقديرُ رفعه من البين.
وإن كان يزعم أنا نقدر ارتفاع المشتري من البين؛ فإن الملك يرتد إلى البائع، فإذا ارتد إليه، فأي حاجةٍ إلى الشفعة.
ويتطرق إلى هذا [خبالٌ] 1 آخر، لا استقلال به، وهو أن ثمن العقد إذا كان عبداً مثلاً، فإن كُلّف البائع ردّه إلى المشتري، وأُلزم أن يقبل قيمته من الشفيع، فهذا كلام ساقط ليس في أساليب الفقه، وقوانين الشريعة، وإن جوز له أن يستمسك بالعبد، فكيف يسلّم الشفيع الثمنَ إليه، فإذاً لا وجه لعدّ ما نقله ابنُ سريج من متن المذهب.
ولا شك أن قياسه على ما نقله صاحب التقريب، يقتضي ردَّ العبد إلى المشتري، وأخذَ قيمتِه من الشفيع، ومساقه يوجب أن يرد الشفيع الشقصَ بالعيب على البائع، ومن يسلك هذا المسلك الذي حكاه صاحب التقريب، يلتزم جميع ذلك.
ولا عَوْد إلى هذا الوجه بعد هذا، ولا اعتداد به.
4790 - والمقدار الذي حكاه الأئمة من تعلّق الشفيع بالبائع مخصوص بصورةٍ، وهي إذا اعترف الرجل أنه باع الشقص المشفوع من زيد، وأنكر زيدٌ الشراء أصلاً، وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فذهب طوائف إلى أن الشفعة تثبت على ما سنفصلها.
وهذا اختيار المزني، ومذهب أبي حنيفة 2.
وذهب ابن سريج في بعض أجوبته إلى أن الشفعة لا تثبت.
4791 - توجيه الوجهين: من قال: لا تثبت الشفعة احتج بأن الشفيع 3 في قاعدة
المذهب فرع المشتري، فإذا لم يثبت الشراء، وهو الأصل، فكيف تثبت الشفعة، وهي الفرع؟ ومن قال: تثبت الشفعة، احتج بأنَ البائع اعترف بالبيع ومصير الملك في الشقص إلى الشفيع، فإذا اعترف الشريكُ بالبيع وادّعاه من إليه مصير الملك، لزم من موجب القولين.
ثبوتُ الحق لمن يدعي استحقاقَه، وهو الشفيع.
التفريع على الوجهين:
4792 - إن حكمنا بأن الشفعة لا تثبت، فغاية ما نذكره على هذا أن نتوقف إلى ثبوت الشراء، ولا نثبت في الحال للشفيع شيئاً، فإن لم تكن بينة، فالقول قول المشتري مع يمينه، وينقطع الخصام بحلفه.
وإن نكل، لم يخفَ ردُّ اليمين والحكمُ بها.
وإن فرعنا على ثبوت الشفعة، كما ذهب إليه المزني، فالشفيع يسلّم الثمن إلى من؟ ظهر اختلاف الأصحاب في ذلك على هذا الوجه: فقال قائلون: يسلم الثمن إلى البائع، فإنه وإن كان لا يتلقى الملكَ منه، والقياس يقتضي أن يسلم الثمن إلى من يتلقى الملك منه، فإذا قضينا بثبوت حق الشفعة، ولا سبيل إلى أخذ الشقص من غير عوض، والبائع يزعم أنه ما قبض الثمن، والشفيع معترف بالتزام الثمن، فالضرورة تقتضي صرفَ الثمن إلى البائع، كأنّ الشفيع في هذا المقام، هو المشتري المؤدي للثمن.
هذا وجهٌ.
والوجه الثاني- أنه لا يسلم الثمن إلى البائع، ولكن يرفع 1 الأمرَ إلى الحاكم، فينصب الحاكم منصوباً نائباً عن المشتري، ويسلم الشفيعُ الثمنَ إليه، ثم ذلك المنصوب يسلم ما قبضه إلى البائع.
وهذا ضعيفٌ، لا اتجاه لهُ؛ فإن نصب المنصوب عمن لا يدعي لنفسه حقاً، لا حاصل له، والقُضاةُ إنما ينصبون المستنابين عن أصحاب الحقوق، إذا لم يكن لهم استقلال بطلب حقوقهم، لغيبةٍ، أو سقوط عبارةٍ، بجنونٍ، أو صبا، أو موت، فلا وجه إذاً لهذا التقدير، ولا تحقيق له.
=احتج بأن الشفيع فرع المشتري، فإذا ... ، (هـ 3): احتج بأن الشفيع المذهب أنه فرع المشتري، فإذا ...
ومن هذا الوجه يتضح إسقاط الشفعة، وليس للشافعي نص في إثباتها في الصورة التي ذكرناها.
4793 - ومما يتعلق بالتفريع على مذهب المزني أنّ البائع لو اعترف بالبيع، وأنكر المشتري، واعترف البائع بأنه قبض الثمن من المشتري، فهذا فيه مزيد إشكالِ؛ من جهة أن الشفيع ليس يدعي الشقص من غير ثمن يبذله ولا مُدّعيَ للثمن الذي هو معترف به، ففي المسألة ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يدفع الثمن إلى القاضي ليحفظه للمشتري.
والثانن- أنه يأخذ الشقص، ويبقى الثمن في ذمته إلى أن يدّعيه المشتري.
ومن الممكن أن يعترف المشتري باستحقاق الثمن بعد الإنكار، وقد سبق تقرير 1 هذا في كتاب الأقارير.
والوجه الثالث - أنه لا شفعة في هذه الحالة، وإن فرّعنا على مذهب المزني، فإنّ أخذها من غير عوض عَسِر، ولا مدعي للعوض، فلا وجه إلا التوقف في الشفعة إلى بيان الأمر.
فهذا قاعدة المذهب في أصل العهدة.
4794 - ثم استتم الأصحاب التفريعَ على الأصل الذي عليه التعويل، وعادوا إلى فرض الكلام في إقرار المشتري بالشراء مع إقرار البائع بالبيع، وأجرَوْا تفريعاتٍ في تسليم الثمن، لا بد من ذكرها.
فقالوا: إنْ دفع الشفيع الثمنَ إلى البائع، نُظر: فإن دفعه بأمر المشتري، فهو كما لو دفعه إلى المشتري، وهذا فيه إذا قال: ادفع الثمن إليه؛ فإنّ قوله هذا يتضمن احتساب ما يؤديه له.
ولو قال له: اقض [ما عليّ للبائع] 2، فقد ذكرنا أن من عليه الدين إذا قال لأجنبي: اقض دَيْني، ولم يُقيّد الإذنَ بشرط الرجوع، فإذا أدّى المأمورُ الدينَ، فهل يملك الرجوعَ؟ فيه الخلاف المشهور.
وإذا قال المشتري للشفيع: أدّ ما للبائع
عليّ، فيظهر في هذه الصورة الاعتداد بما يؤديه؛ فإن الحالة القائمة بينهما مصرِّحةٌ بما أشرنا إليه.
وقد أشار بعض الأصحاب إلى تخريج هذا على الخلاف المذكور في أمر الأجنبي بأداء الدين، وهذا بعيد.
ثم إذا سلم الشفيع الثمنَ إلى المشتري، فيتحتم عليه أن يسعى في قبض المبيع من البائع وتسليمه إلى الشفيع، وكذلك إذا أدى الثمنَ بإذنه إلى البائع، [فيكلف القبض من البائع، ويسلّمه إلى الشفيع فذلك حقٌّ على المشتري] 1.
وكل ذلك من تحقيق تعلّق عهدة الشفيع به.
4795 - ولو أدّى الشفيع الثمن إلى البائع، دون أمر المشتري، فهذا رجُلٌ قضى ديْنَ الغير، دون أمرِه، فسقط الثمنُ عن المشتري، ولا يستحق الشفيعُ الشقصَ، وإن نقد الثمن، فيسلّم البائعُ المبيعَ إلى المشتري، ثم المشتري لا يلزمه تسليمُ الشقص إلى الشفيع، حتى يؤدي الثمنَ إلى المشتري؛ لأن الذي قدّمه كان تبرعاً منه، ولا يرجع المتبرع بما يتبرع به.
ولو دفع الشفيع الثمن إلى البائع، وقال: خذ هذا لأتملكَ الشقصَ بالشفعة، فهذا إذا قيده بشرط التملّك، فله أن يرجع على البائع بما أدّى؛ لأنه لم يتبرع، بل شرط شرطاً، ولم يحصل له ذلك.
وإذا جوزنا -عند إنكار المشتري- للشفيع أن يدفع الثمن إلى البائع المقرّ، فإذا عاد المشتري، وأقر بالشراء، لم يكن له أن يغرِّم الشفيعَ الثمن؛ فإنا سلطنا الشفيع على تسليم الثمن إلى البائع، فلا نُثبت للمشتري عليه مرجعاً.
4796 - ومما أجراه الأئمة من المسائل المتصلة بأحكام العهدة القولُ في ركنين هما عماد العهدة، ونحن نستقصيهما بعون الله تعالى:
أحد الركنين- يتعلق بالرد بالعيب.
والثاني- يتعلق بظهور الاستحقاق.
فأما القول في الرد بالعيب، فإنه ينقسم إلى ردّ الثمن، وإلى رد الشقص.
فأما رد الثمن، فينقسم إلى رد البائع ثمنَ العقد الذي أخذه من المشتري، إذا اطلع على عيبٍ.
وإلى رد المشتري ما قبضه من الشفيع إذا رآه معيباً.
فأمّا التفصيل في ثمن الشراء، فالوجه أن نصوّر الثمن عيناً معيَّنةً 1، ونقول: إذا اشترى الشقصَ المشفوعَ بعبدٍ معيّن فسلّمه إلى البائع، وأخذ الشفيع الشقصَ بقيمة العبدِ، ثم إن البائع وجد بالعبد عيباً قديماً، فردّه على المشتري، فالذي ذهب إليه الأئمة أن المشتري يغرَم للبائع قيمةَ الشقص؛ إذ لا سبيل إلى ردّه بعدما زال الملك عنه إلى الشفيع، وهو بمثابة ما لو اشترى داراً بعبدٍ، وقبضها، وباعها، ثم اطلع بائع الدار على عيبٍ بالعبد، فإنه يرده ولا يصادف الدارَ في ملك المشتري، فَيُلْزِمُه قيمتَها.
وكأن المبيعَ تالفٌ في حق البائع، فهذا هو المسلك البين والسبيل الممهد في المذهب.
4797 - وذكر صاحب التقريب 2 قولاً بعيداً في المسألة، وهو أن البائع إذا ردّ الثمن بالعيب، فالمشتري يسترد الشقص من الشفيع، ويردّ عليه ما أخذه منه، ويرد الشقص على البائع.
وهذا القائل يقول: ردُّ البائع يتضمن نقضَ ملك الشفيع؛ فإنه بمنزلة المشتري، وإنما أخذ الشقصَ بالعقد الذي جرى بين البائع وبين المشتري، ولم يتجدد عقدٌ بين المشتري والشفيع.
وهذا بمثابة ما لو خرج الثمن المعين مستحقاً؛ فإنا نتبين فساد العقد الأول، ويتبين من فساده فسادُ أخْذ الشفيع.
وهذا قولٌ ضعيف لا اتجاه لهُ؛ فإنَّ أخْذَ الشفيع وملكَه جديد، وإن لم يُحوِج الشرعُ فيه إلى إجراء عقدٍ، فيستحيل أن ينتقض بردٍّ جرى في العقد الأول.
ثم فرع صاحب التقريب على هذا القول الضعيف، فقال: لو وجد البائع المشتري، ردّ عليه الثمنَ على التفصيل الذي ذكرناه، ولو لم يجد المشتري، ووجد الشفيعَ، فما حكمه؟ قال صاحب التقريب: لا يردّ الثمن على الشفيع؛ فإنه لم يتملكه من جهة
الشفيع، وإنما تملكه من جهة المشتري، ولكن يرفع الأمرَ إلى القاضي، فيقبض القاضي الثمن وهو العبد، ثم إن القاضي يبيع ذلك العبد، ويرد على الشفيع ما بذله من الثمن، فإن وفى قيمةُ العبد بما بذله الشفيع، فلا كلام، وإن لم يفِ ثمنُ العبد بما بذله الشفيع، فيقول الحاكم للبائع: إن تبرعت بتكميل ما بذله الشفيع أسترِدُّ منه الشقصَ، وأرده عليك، وإن لم تتبرع بالتميل، لم أسترد الشقص.
وهذا الذي ذكره خبطٌ عظيم، وخروج عن سبيل الفقه.
فأما إذا قلنا بالصحيح: وهو أن الشقص لا يسترد من الشفيع، ولكن يغرَم المشتري قيمةَ الشقص، فإن كانت قيمةُ الشقص مثلَ ما بذله الشفيع من غير زيادة، ولا نقصان، فلا كلام.
وإن كان ما بذله المشتري من قيمة الشقص أكثر مما بذله الشفيع، فالمذهب أنه لا يرجع على الشفيع بتلك الزيادة أصلاً.
وذكر صاحب التقريب في المسألة قولاً آخر: إن المشتري يرجع على الشفيع بتلك الزيادة التي بذلها، وذكر العراقيون هذا القول، وله على ضعفه وجهٌ؛ فإن المشتري يقول للشفيع: ينبغي أن تاخذ الشقص بما قام عليّ الشقصُ به، وقد قام عليّ بهذا المبلغ الذي بذلتُه آخراً.
هذا إذا كانت قيمةُ الشقص أكثر مما بذله الشفيع.
فأما إذا كانت قيمةُ الشقص أقلَّ مما بذله الشفيع، فقد ذكر العراقيون في هذا الطرف وجهين أيضاًً: أحدهما - أن الشفيع لا يجد بتلك الزيادة مرجعاً.
والوجه الثاني - أنه يرجع بتلك الزيادة على المشتري، وتوجيه الوجهين في صورة النقصان كتوجيه القولين 1 في صورة الزيادة.
ثم قال العراقيون: إذا قلنا: المشتري يغرَم قيمةَ الشقص فغرِمها، ثم رجع الشقص إلى المشتري بوجهٍ من الوجوه إما بهبةٍ أو ابتياعٍ، أو إرث، فإن أراد أن يرد الشقصَ ويستردَّ القيمة، إذ تمكن من ردّه الآن؛ أو أراد البائع أن يجبره على رد الشقص، فليس يثبت ذلك من الجانبين.
وبمثله لو غصب عبداً فأبق من يده، وغرِم قيمته [لمالكه] 1 ثم ظفر بالعبد، فيرد العبد ويسترد القيمةَ، والفرق أن ملك المالك لم يزُل بإباق العبد، فيُرَد عليه ملكُه إذا عاد، وقد زال ملك المشتري عن الشقص، ونفذ الردُّ على القيمة، فلا مرد لذلك الرد، ولا تغيير له.
هذا كله تفصيل القول في رد البائع ثمنَ [العبد] 2 على المشتري.
4798 - فأما الركن الثاني فيما إذا بذل الشفيع العوضَ للمشتري، وأخذ الشقصَ، فخرج ما بذله مستَحقاً، فالمشتري يُطالب الشفيع بالثمن الآن، وقد تبين أنه لم يوفِّ الثمن الذي كان عليه، ولا يتصور ردٌّ ينقض الشفعة؛ فإن ما يلتزمه الشفيع أبداً يكون واقعاً في ذمته، والعوض الثابت في الذمة لا يطرأ عليه ردٌّ يفسخ الأصل، والاستحقاق فيه غير قادحٍ في أصل التملك.
فإن قال المشتري: قد قصرتَ إذْ أديتَ ما لم يكن لك، فيبطل حقُّك بتقصيرك، وتأخيرِك أدَاءَ ما عليك، فلا يخلو: إما أن يقول الشفيع: لم أدر أن ما أديتُه مستحَق، وإما أن يعترف بأنه كان عالماً بكونه مستحقاً إذْ أداه، فإن قال: لم أكن عالماً؛ فالقول قوله مع يمينه، إن مست الحاجة إلى التحليف، ولا تبطل الشفعة.
ولكن إن كان يملك بجهةِ توفيةِ الثمن؟ فهل نقول الآن تبيُّناً: إنه لم يملك الشقص، فعليه إن أراد التملك أن يوفي الثمن؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نتبين أنه لم يملك؛ فإن عماد الملك من هذه الجهة التوفية وأداء الثمن، وقد بان أنه لم يؤد الثمن.
والوجه الثاني- أن ملكَه ثابت في الشقص، لجريان القبض حسّاً وصورة، والقبض
من جهات تملك الشقص المشفوع، فيبقى الشقص ملكاً للشفيع، وهو مُطالب بالثمن.
هذا إذا قال: لم أعلم أن ما أديتُه مستحَقاً.
فأما إذا اعترف بكونه مستحَقاً، وبعلمه ذلك حالة التسليم، فهل نقول: يبطل حقه من الشفعة، لما صدر من تقصيره وتأخيره؟ فعلى وجهين.
وهذا الخلاف قد قدمتُه بعينه، إذ قلتُ: لو ماطل بعد طلب الشفعة فهل نحكم بأن حقه يبطل أم يتوقف بطلان حقّه على أن يُبطلَه القاضي؟ فإن قلنا: يبطل حقه من الشفعة، فلا كلام.
وإن قلنا:
لا يبطل حقه من الشفعة، فهل نحكم بأنه ملَك الشقصَ بقبضه أم لا نحكم له بالملك؟ فعلى وجهين، مرتبين على ما إذا كان جاهلاً بأن ما أدّاه مستحق.
وهذه الصورة الأخيرة أولى بأن نقول فيها: لا يحصل الملك.
فهذا تحصيل القول.
وما ذكرناه فيه إذا خرج ما أدّاه مستحقاً، أو خرج زيوفاً.
4799 - فلو لم يكن مستحَقاً، ولكن كان معيباً، وكان من الممكن أن يرضى المشتري به فإذا لم يرض، وردّ، أما الشفعة، فلا تبطل؛ فإنه إن كان جاهلاً، فهو معذور، وإن كان عالماً، لم يبعد أن يقدِّر أنه يُسامَح ويساهَل في قبول ما أدّاه.
فإن أبى المشتري إلا الاستبدالَ، فليفعل.
والأصح أن ملك الشفيع لا يزول عن الشقص في هذه الصورة.
وفيه وجه آخر ضعيف: أن ملكه يزول، ولعل هذا القائل لا يحكم بثبوت الملك، ثم بزواله، بل يقول: كان الملك موقوفاً على ما يبين 1.
وذكر القاضي صورةً بديعة في سياق هذه المسائل، فقال: لو قال الشفيع حالة تسليم الثمن: تملكتُ الشقص بهذه الدنانير، ثم خرجت مستحَقة، أو رديئة الجنس، فرُدّت.
قال: في المسألة وجهان: أحدهما - أنه تبطل شفعته؛ لأنه أعطى ما لا يملكه، وعلّق الاستحقاق به.
والثاني - لا تبطل.
وخصص الخلافَ بالتعيين، وأطلق القول بأن الشفيع إذا لم يقل: تملكتُ الشقصَ بهذه الدنانير، ولكن جرى الإقباضُ والقبضُ مطلقاً، لم ينتقض الملك، ولم تبطل الشفعة.
أمّا ذكر الوفاق عند الإطلاق، فإخلالٌ بذكر خلاف الأصحاب، ولكنه متجه في المعنى.
والتفصيل البالغ ما ذكرناه.
[وأمّا ما ذكره في صورة التعيين] 2، فوجه الخلاف لم يأخذه من اعتقاد تعيين
الدنانير، وإنما أخذه من لفظ الشفيع؛ إذ قال: تملكتُ بهذه، والترتيب أنا إن قلنا: المطلق مع العلم يتضمن الملك، فإذا لفظ بربط الملك بما يسلمه 1، فالمسألة محتملة.
ويظهر أن لا يملك، ووجه تمليكه أن تعيينه باطل، فإن التعيين لا أصل له، وإنما ملك الشقص بقبضه.
هذا منتهى الغرض في هذا الركن من العهدة.
4800 - ويلتحق به بعد نجازه أن الشفيع لو لم يكن قبض الشقص بعدُ، واطلع البائع على عيب بالعبد المسمى ثمناً، فإن أراد البائع الردَّ ليسترد الشقصَ، وأراد الشفيع أن يأخذ الشقص، فقد ذكرنا فيما تقدم أن المشتري لو أرادَ ردّ الشقص بالعيب، وأراد الشفيع أخذه، وبذْلَ الثمن فمن الذي يجابُ منهما إلى ملتمسه؟ في المسألة قولان، قدمنا ذكرهما.
والرد في هذه الصورة التي ذكرناها الآن من جهة البائع.
وحاصل المذهب في هذا يحصره طريقان: من أصحابنا من أجرى القولين في هذه الصورة إجراءهما فيه إذا كان المشتري هو الذي يرد الشقص.
وسبيل التسوية بينهما أن في كل صورة من الصورتين ردّاً يتضمن نقضَ العقد الذي هو محل الشفعة، والشفيع يبغي بقاء العقد، ليدوم حقُّه، فينتظم القولان، مهما تعارض غرض الراد، وغرض الشفيع.
ثم المشتري مدعوٌّ إلى أن يسترد من الشفيع مثلَ ما بذله أو قيمتَه، إن كان من ذوات القيم، والمشتري يبغي أن يسترد عين ماله، والبائع إذا كان هو الراد مدعوٌّ إلى أن يقنع بقيمة الشقص، وهو يبغي أن يسترد عينَه، فلا فرق، والتسوية اختيار القاضي.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان الرّاد هو البائع والشفيع لم يملك الشقص بعدُ، فرأْيُ البائع متبعٌ؛ فإنّ رده نافذ، ولا ملك للشفيع بعدُ في الشقص، فتقديم غرض البائع أولى، وليس كرد المشتري؛ فإنه ينشىء الرد في [عين] 2 محل الشفعة، والبائع ينشىء الرد في غير محل الشفعة، وهو العبد.
وفي المسألة احتمال ظاهر، والتسوية أقيس.
4801 - ومما نرى إلحاقه بأعقاب هذا الفصل أن المشتري لو وجد بالشقص عيباً قديماً، وقد امتنع عليه الرد به لعيب حدث في يده، فرجع على البائع بأرش العيب القديم، فذلك القدر يُحط عن الشفيع بلا خلافٍ؛ فإنه وإن جرى بعدَ العقد، فهو مستحَق بالعقد، ولو تمكن المشتري من الرد بالعيب القديم، ولكن اتفق البائع والمشتري على الرجوع إلى الأرش والمصالحة عليه، ففي صحة ذلك وجهان مشهوران.
فإن قلنا: لا يصح، فلا كلام.
وإن قلنا: يصح، فهل يُحط في هذه الصورة عن الشفيع ما حُط عن المشتري؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي: أحدهما - يُحط، كما لو امتنع الرّد؛ فإنه في مقابلة عيبٍ بالشقص.
والثاني- لا يحط؛ فإن هذه مصالحة عن حق الرد، لا عن [عين] 1 العيب.
وممَّا ذكره صاحب التقريب أن من اشترى شقصاً بعبدٍ، وكان العبدُ معيباً، فلما رآه البائع، رضي بعيبه، ولم يردّه، فإذا أراد الشفيع الشفعة أخذها بقيمة العبد معيباً، وليس للمشتري أن يُلزمه قيمةَ العبد سليماً، ويقول: تبرع البائع عليَّ إذْ رضي بعيب العبد، وجوّزه تجويزَ السليم، فاغرم أنت أيها الشفيع قيمته سليماً، فيقال له: ليس على الشفيع إلا قيمةُ ما عيَّنته، إن كان سليماً، التزم قيمةَ السليم، وإن كان معيباً، التزم قيمةَ المعيب؛ فإنّ حكم الشَّرع أن يلتزم الشفيع قيمةَ المعيّن ثمناً على ما هو عليه من صفاته.
وغلط بعضُ المصنفين، وصار إلى أن الشفيع يغرَم قيمة العبدِ سليماً.
وهذا غلط صريح لا يشك فيه ذو تحصيل.
فصل
ذكره الأئمة في أثناء فصول العهدة، فرأينا إفراده
4802 - ومضمونه مسائلُ، منها: أن الشفيع لو ضمن العهدة للمشتري في الثمن، لو فرض دَرَك 2، قال الأئمة: هذا لا يمنعه من طلب الشفعة إذا استقر العقد.
وكذلك قالوا: لو ضمن للمشتري سلامة المبيع، أو ضمن الثمنَ للبائع، فلا يبطل حقُّ طلبه بهذه الجهات.
فإن قيل: [ما ذكرتموه] 1 في هذه الوجُوه يُشعر بتقرير المشتري على ما اشتراه، فهلا كان هذا رِضاً منه بأن يبقى الملك للمشتري، ويسقط حقُّه؟ قلنا: يُحمل ما يأتي في ذلك على قصدِ تمهيد سبب استحقاق الشفعة، والسعي في تحصيله؛ فإن الشفعة لا تثبت ما لم يثبت البيع.
4803 - ولو وكل أجنبيٌّ شريكاً في الدار حتى يشتري له نصيبَ صاحبه، فإذا توكَّل، واشترى لموكله، فهل تبطل شفعته؟ ذكر الأصحاب وجهين: أحدهما - لا تبطل، لما قدمناهُ من حَمْل ما صدر منه على تحصيل سبب الشفعة، فأشبه ما تقدم من ضمان العهدة، وضمان الثمن.
والثاني - يبطل حقه من الشفعة؛ لأنه تعاطى بنفسه تحصيلَ الملك للمشتري، فكان ذلك رضاً منه بدوام الملك.
وكان شيخي في غالب ظني يطرد الخلاف في الصورة المقدّمة.
وهي ضمان العهدة، وضمان الثمن، والفرق على حالٍ بيّن.
ولكن احتمالَ الخلاف في تلك الأسباب غيرُ بعيد.
فإن طردنا خلافاًً، رتبنا تعاطي الشراء للموكِّل على الأسباب.
والذي ذكرته إن كان ينقدح في ضمان العهدة، فليس له ظهور في ضمان الثمن؛ فإن الشفيع ضامنٌ للثمن، ملتزم غير أنه يؤديه إلى المشتري، فإذا أضافه إلى البائع، فقد يُخيل ذلك شيئاًً على بعد.
وهذه التفريعات على قول الفور.
4804 - ولو قال أحد الشريكين لصاحبه: بع نصيبي من فلان، فباعه منه، ففي بطلان الشفعة الوجهان المذكوران فيه إذا كان وكيلاً لذلك الأجنبي، [في الشراء] 2. =مستحقاً، أو معيباً، أو ناقصاً، بعد قبضى الثمن.
(الموسوعة الفقهية: 28/ 237 مادة ضمان.
فقرة: 30).
ولو عرض الشريك نصيبه على شريكه تأسياً بأمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، والحديث وارد في العرض على الجار، فاستنبط الأصحاب استحباب العرض على الشريك، واستدل الشافعي بحديث العرض على الجار على أن الجار لا شفعة له، وأن العرض غليه من مكارم الأخلاق؛ إذ لو كان يستحق الشفعة، لما كان في البيع من الغير تفويت عليه.
ثم إذا اتفق العرض [على الشريك] 1، فرغب عن الابتياع وأبدى زهداً فيه، فإذا اتفق البيع، فله الشفعة، لم يختلف الأصحاب فيه؛ بناءً على أن إسقاط الشفعة قبل ثبوتها باطلٌ، غيرُ مؤثر.
وليس ما ذكرناه بمثابة ما لو كان الشريك وكيلاً في البيع من الأجنبي، وفي الشراء له؛ فإن ذلك خوض منه في عين إزالة الملك إلى الأجنبي، فانتظم فيه الخلاف، وليس في العرض هذا المعنى.
فرع يتعلق بعلائق العهدة:
4805 - إذا أخذ الشفيع الشقص وبنى فيه أو غرس، فاستُحق الشقصُ، وقلعَ المستحِقُّ غراسه وبناءه، فلا شك أن الشفيع يرجع بالثمن على المشتري إذا كان وفر الثمن عليه.
ثم التفصيل فيما عدا الثمن كالتفصيل المقرر في المشتري من الغاصب، وقد أوضحنا مواضع الخلاف والوفاق فيما يرجع به على البائع الغاصب، فنزل الأئمةُ الشفيعَ من المشتري، منزلة المشتري من الغاصب البائع، في كل ما تقدم.
ومما أثبت القاضي للشفيع الرجوعَ به قاطعاً قولَه، التفاوتُ الواقع بين قيمة الغراس والبناء قائماً ومقلوعاً، وهذه طريقة في المشتري من الغاصب على جهل.
وكان شيخي يفتي بهذا.
والوجه عندنا إلحاقُ هذا بأحكام الغرور؛ فإنه هو الذي تعاطى البناء والغراس، ولكن اتصل فعله بتغرير من جهة غيره، فخرج 2 على قولي تقديم الطعام المغصوب إلى الضيف.
وكان شيخي يذكر الخلاف ويميل إلى إثبات الرجوع، رعايةً للمصلحة.
4806 - والذي يدور في خلد الفقيه مما ذكرناه أن المشتري لم يعاقد الشفيع اختياراً، وإنما أخذ الشفيع الشقص قهراً، فالضمان الذي يتعلق بسبب الغرور، كيف يتعلق به، وهو ما غرّ أحداً.
وهذا فيه إشكال لا ننكره، ولم يتعرض له أحد من الأصحاب، ويمكن أن يُفصَّلَ القولُ فيه، فيقال: إن قبض المشتري الثمن أو طالب به، أو لم يُبدِ كراهيةً، وجرى مع الشفيع على صفة المطاوعة، فقد يقال: هذا منه بمثابة البيع.
فأما إذا وقع الفرض في أَخْذ الشقص منه، وهو ممتنع محمول على تسليم الشقص بالقهر، فلا يكون مغرّراً، ولكن الفقه فيما 1 ذكره الأصحاب: أنه في شرائه مختارٌ، وأخْذ الشفيع موجَبُ شرائه، فارتبط هذا بما يختاره وينشئه، وهذا متجه حسن.
فإن تعرض متعرض لفرض جهل المشتري بكون المشترَى مغصوباً، أشعر ذلك بعروه عن التحصيل؛ فإن أحكام الضمان في الغصوب لا تختلف بالعلم والجهل، وإنما يفارق العالمُ الجاهلَ في المأثم.
نعم، شرط المغرور أن يكون جاهلاً؛ فإنه لو كان عالماً بحقيقة الحالة، لم يقع الغرور تصوُّراً، حتى يناط به حكم.
فأما الواقف موقف من يغرِّر، فلا يختلف حكمه بعلمه وجهله، إذا اغتر المغرور بقوله أو بفعله.
فصل 2
ثم إن المزني جمع مسائل [تحرَّى] 3 فيها مذهب الشافعي.
قال المزني: "وإذا تبرّأ البائع من عيوب الشفعة ... إلى آخره" 4.
4807 - جمع المزني مسائل قليلة النَّزَل 5، وأجراها على قواعد المذهب، ونحن
نَجري على ترتيبه فيها، فمن ذلك هذه المسألة 1، واختلف الأصحاب في صورتها، فمنهم من قال: صورة المسألة: إذا اشترى بشرط البراءة من العيوب -وقد استقصينا القولَ في ذلك في بابٍ من كتاب البيع- ففي صحة الشراء خلاف، ثم إن صح، ففي صحة الشرط قولان، فإن صح الشرط، لم يملك المشتري الرد بالعيب؛ لأنه [يبرأ] 2 البائع بحكم الشرط عن الرد بالعيب.
ولكن هذا يختص به فإذا اطلع الشفيع على عيبٍ بالشقص المشفوع، ردّه على المشتري، ولم يكن للمشتري أن يقول: إنما أخذتُ الشفعة 3 بصفقةٍ متضمنُها البراءةُ من العيوب، فالتزمْها؛ فإن الشفيع مع المشتري بمثابة المشتري من المشتري، في هذه القضايا.
والبراءة وإن صحت، فهي مختصة بالمشتري، ولا تتعدّاه.
وإذا أخذ الشفيع، لم يفرق بين أن يكون عالماً بسقوط حق المشتري، وبين أن يكون جاهلاً؛ فإن حقه في استدراك الظلامة لا يختلف بإسقاط المشتري حقَّ نفسه.
4808 - ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة أن يطّلع المشتري على عيبٍ 4، والمراد بحصول البراءة هذا؛ فإن المزني لو أراد فرض الكلام في شرط البراءة، لذكر الخلاف، وما قيل فيه رمزاً أو تصريحاً؛ فإنه يتسرع إلى ذكر مثل ذلك، وإلى إعادة اختياراته في صور الخلاف، فالمسألة مصورة في سقوط حق المشتري من الرّد بسبب اطلاعه على العيب.
وهذا مُسقط لحق الرد وفاقاً.
ثم الترتيب فيه أن الشفيع إن اطلع كما اطلع المشتري، ثم أخذ الشفعة، لم يملك الرد، وإن لم يطلع المشتري، ولا الشفيع رد الشفيع على المشتري، ثم يرد المشتري على البائع على الترتيب البيّن فيه، إذا اشترى رجل شيئاًً من مشترٍ، ثم اطلع على عيبٍ.
ولو لم يطلع المشتري واطلع الشفيع، وأخذ، لم يملك الردّ على المشتري، والمشتري لا يرجع بأرش العيب على البائع منه؛ فإن الذي لحقه من النقصان قد روّجه
على غيره.
[وكل] 1 هذا مما سبق في البيع.
وإذا قلنا: الشفيع مع المشتري كالمشتري من المشتري في مضمون هذا الفصل، فما غادرنا من البيان شيئاً، إذا لم يكن في الفصل استثناء.
ثم ذكر المزني بعد هذا فصلاً في خروج الثمن الذي عينه المشتري مستحقاً، وقد أدرجنا هذا في فصول [العهدة] 2 مبيناً، فلا نعيده.
فصل
قال: "ولو حط البائع ... إلى آخره" 3.
4809 - مقصود الفصل يتعلق بشيئين: أحدهما - فيه إذا تبرع البائع، وحطّ عن المشتري شيئاًً من الثمن.
والثاني- فيه إذا حط عن المشتري أرش العيب.
وهذا الأخير أجريناه مستقصىً في فصل العهدة.
فأما إذا تبرعّ البائع بحط شيء من الثمن، فلا يخلو إمّا أن يتفق ذلك بعد لزوم العقد، وإما أن يجري والعقدُ جائز في مكان الخيار، أو زمان الخيار، فإن جرى الحط بعد اللزوم، فهو [منحة] 4 تختص بالمشتري، فلا تلحق الشفيع، وهذا فرع أصلٍ، قد أوضحناه في البيع، وهو أن الزوائد، والحط، والتغايير بعد اللزوم، لا تلحق العقد عندنا، خلافاً لأبي حنيفة 5، وقد خالف هاهنا في الحط، وصار إلى أن ما حُط عن المشتري محطوطٌ عن الشفيع، إذا بقي من الثمن شيء، ووافق أنه لو حُط عن المشتري تمامُ الثمن، لم يؤثر ذلك في حق الشفيع، وكان مُطالباً من جهة المشتري بتمام الثمن، ووافق أيضاًً أن البائع والمشتري لو ألحقا زيادة بالثمن، لزمت المشتري، ولم تلحق الشفيع.
هذا في الحط بعد اللزوم.
4810 - فأما إذا جرى الحط في زمان الخيار، لم يخل: إما أن يُحط البعضُ أو يُحط الكل.
فإن حُط البعضُ، فأحسن ترتيب فيه أن نقول: ينبغي أن يُبنى هذا على الأقوال في أن الخيار هل يمنع نقل الملك؟ فإن قلنا: إنه لا يمنع نقل الملك، فكما يملك المشتري المبيعَ، فكذلك يملك البائع الثمن، فإذا جرى الإبراء من البائع، فهو مصافٌ ملكَه؛ فإن الثمن ملكُه، فيصح الإبراء لمصادفته ملكَ البائع.
هكذا ذكره الأئمة.
وفي صحة الإبراء عندي احتمال خارج على تردد الأصحاب في إعتاق المشتري: هل ينفذ في العبد المشترَى في زمان الخيار على قولنا: إن الملك للمشتري؟ فإذا ترددوا في العتق [مع] 1 سلطانه، لم يبعد التردد في الإبراء؛ فإن المبيع متعلَّق خيار البائع، فامتنع لذلك نفوذ تصرفات المشتري عند طوائفَ من الأصحاب.
كذلك الثمن متعلق خيار المشتري، فلا يبعد أن يمتنع تصرفُ البائع فيه، سيّما إذا منعنا الإبراء عما لم يجب، وإن وجد سببُ وجُوبه.
فإن فرعنا على ما ذكره الأصحاب من نفوذ الإبراء، فلا شك أنه على معنى الوقف، حتى لو اختار المشتري الفسخ، وارتد المبيعُ، فلا أثر لما تقدم من الإبراء، إلا على قول ضعيفٍ في أن المرأة إذا أبرأت زوجها عن الصداق الواقع في ذمته، ثم إنه طلقها قبل المسيس، فالمذهب أنه لا يطالبها بنصف الصداق، وفيه قول غريب، وهو يخرّج على ما إذا وهبت عين الصداق من زوجها، ثم طلقها قبل المسيس.
فإذا حكمنا بنفوذ الإبراء، فهل يلحق هذا الحطُّ المشتري على هذا القول الذي نفرع عليه؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يلحقه، بل لا يلحق العقد، وإنما هو تغيير بعد العقد، فشابه التغيير بعد اللزوم، ومعتمد المذهب في امتناع التحاق التغايير بالعقد أن العقد إذا عقد على صيغة، فلا حاصل للإلحاق بها، إلا أن ترفع تلك الصيغة، وتستفتحَ أخرى.
والوجه الثاني- أن الحط يلحق العقد؛ فإن العقد في زمان الجواز يضاهي حالة تواجب المتعاقدين بالإيجاب والقبول، فيقبل من التغيير ما لا يقبله إذا لزم.
هذا كله إذا فرعنا على أن الخيار لا يمنع نقل الملك.
4811 - فأما إذا قلنا: يمنع نقل الملك، فكما لا يملك المشتري المبيع، لا يملك البائع الثمن.
فإذا أبرأ البائعُ عن بعض الثمن، فقد ذكر القاضي وجهين في صحة الحط: أحدهما - أنه لا يصح؛ لأنه تصرفٌ من البائع فيما ليس بمملوك له، فلغا.
والثاني - يصح، ويلحق أصلَ العقد، وهذا يعتضد بتعامل الخلق في الأعصار، المنقضية.
فإن قلنا: لا يصح الحط، فلا كلام.
وإن حكمنا بصحة الحط، فالأصح أن الحط على هذا القول يلحق بالعقد؛ فإنه في حكم توطئة العقد وتقريره، وما يجري من ذلك قبل اللزوم وانتقال الملك، فهو بمثابة ما يجري بين المتساومَيْن، قبل التواجب.
ومن أصحابنا من قال: في لحوق هذا الحط العقدَ وجهان.
وهذا وإن كان يبعدُ بعض البعد، فله خروج على ما قدمناه، من أن تغيير العقد برفعه وابتدائه، ولا يختلف في ذلك حُكم الجواز واللزوم.
هذا بيان التفصيل في الحط في زمان الخيار.
والقفال كان لا يزيد في دروسه على أن يقول: الصحيح نفوذ الحط ملتحقاً بالعقد.
وما ذكرناه من التخريج على أقوال 1 الملك أورده العراقيون، وهو حسن لا بد منه.
ثم إن ألحقنا حط البعض بالعقد، أثبتنا الحط في حق الشفيع، وإن جعلناه طارئاً على العقد، غيرَ ملتحق، فهو بمثابة الحط بعد الانبرام، فحكمه الاختصاص بالمشتري.
4812 - ولو حط البائع جملة الثمن، تفرع هذا على ما ذكرناه، فإن جعلنا حط البعض في زمان الخيار، كحطه بعد الانبرام، فحط الجميع بهذه المثابة، والشفيع
مُطالب بتمام الثمن، وإن ألحقنا حطَّ البعض بالعقد، وجعلنا كان الثمن المسمى ما بقي بعد الحط، فحط الجميع يُفسد العقد لا محالة؛ من حيث يتضمن تعريتَه عن الثمن، غنَيْنا بالفساد أن البيع لا يثبت.
ووراء ذلك نظرٌ آخر، وهو أن الرجل إذا قال لإنسان: بعت منك عبدي هذا بلا ثمن، فلا شك أن ما أجراه ليس بيعاًً، ولكنه هبةٌ مملِّكةٌ صحيحة، أم ليست هبةً؟ في ذلك وجهان ذكرهما القاضي وغيره: أحدهما - أنه هبة؛ لإشعار اللفظ بالتمليك، مع التنصيص على نفي العوض، وهذا معنى الهبة.
والثاني - أنه ليس هبةً؛ فإن البيع في وضعه صريح في اقتضاء العوض، فإذا قرن بنفي العوض: كان جمعاً بين النقيضين.
والعقود الصحيحة لا تنتظم من العبارات الفاسدة.
وعبر المحققون عن الوجهين بأن الاعتبار بمعنى اللفظ ومقصود اللافظ، أو بصيغة اللفظ، فإن اعتبرنا مقصود اللافظ، اقتضى ذلك تصحيحَ الهبة، وإن اعتبرنا صيغة اللفظ، فهي فاسدة، ومعتمد العقود الألفاظ.
التفريع على الوجهين:
4813 - إن حكمنا بصحة الهبة، لم يخفَ حكمُها، وافتقارُها إلى القبض، وإن لم نصحح من هذا اللفظِ هبةً، فلا شك، أن ما يقبضه ملكُ البائع، ولكن اختلف أصحابنا في أنه أمانة في يده، أو مضمون: فمنهم من قال: هو مضمون؛ لأنه مقبوض عن بيع فاسدٍ.
ومنهم من قال: هو أمانة؛ لأن علائق الضمان نتيجة ما في العقد الفاسد من اقتضاء العوض، وإن كان على الفساد، وإذا قال بعتك بلا ثمنٍ، فليس فيما جاء به ما يتضمن عُهدة، ولا عُلقة، من طريق العوض.
وعن هذا قال الأصحاب: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق على زق خمر، فقبلت، بانت، وعليها مهر المثل.
ولو قال: أنت طالق على الريح، وقع الطلاق رجعياً، ولم يقبض عوضاًً.
هذا حقيقة القول في ذلك.
فإذا فرض الحط في الجميع، وألحقنا ذلك بالعقد، وأخرجناه عن كونه بيعاً، انتظم بعد ذلك تبيُّناً ما لو قال ابتداءً: بعت منك هذا بلا ثمن.
فصل
4814 - إذا ادعى على رجل أنه اشترى شقصاً له فيه شفعة، فأنكر المدعى عليه، فالقول في حكم الاختلاف على هذا الوجه قدمناه مستقصىً في أدراج الفصول، ولكن المزني ذكره في مسائل التحري، فنعيده على الإيجاز، فنقول: للإنكار صيغتان مقبولتان: إحداهما تعرِض لمضادة الدعوى لفظاً ومعنى، مثل أن يقول المدّعي: اشتريتَ شقصاً فيه شفعة، فيقول المدعى عليه: ما اشتريت.
والثانية تعرِض لمضادة مقصود الدعوى، ولا تناقضها لفظاً.
مثل أن يقول في جواب المدعي -والدعوى على ما وصفناه- لا يلزمني تسليم هذا الشقص إليك، فهذا الإنكار يُكتفى به، وسبب الاكتفاء به أن الشفعة ربما كانت تثبت، ثم سقطت بتقصير من الشفيع، أوعفوٍ.
ولو اعترف المدعى عليه بصورة الحال، لكان مؤاخذاً بالإقرار بالشفعة، مدّعياً سقوطها.
والقول قول الشفيع في نفي ما يُدَّعَى عليهِ، فسوَّغَ الشرعُ للمدعى عليه أن يبهم الإنكار.
وهذا من أسرار الخصومات، ولا يمكن التطفل ببسط القول في ذلك هاهنا، ولا اختصاص لهذه الصورة بهذا النوع من الإنكار، فليقع الاكتفاء بنقل الوفاق في صحة هذا الإنكار، ثم يحلف على حسب إنكاره.
فإن أتى بالصيغة المصرحة بنفي الشراء، ولما عرضنا اليمين أراد أن يحلف: لا يلزمه تسليم الشقص، فهل يُقبل اليمين كذلك؟ فعلى وجهين مشهورين جاريين في نظائر هذه الصورة، وموضع استقصائهما الدعاوى.
ولو أقام المدعي بينة على الشراء، لما أنكر المشتري، وحكمنا بالشفعة، فيأخذ الشقصَ، والمدَّعى عليه لا يخلو إما أن يعترف الآن، أو يصر على إنكاره، فإن اعترف، صرفنا الثمن إليه، وإن أصر على إنكاره، ففي المسألة الأوجه الثلاثة الجارية في أمثال هذه المسألة: أحدها - أنه يجبر المدعى عليه على القبول، أو الإبراء، حتى تبرأ ذمة الشفيع؛ فإن الإنكار والإقرار لا يبرئان الذمم.
والوجه الثاني - أنه يترك الثمن في [ذمة] 1 الشفيع إلى أن يعترف به المدعى عليه.
والوجه الثالث - أنه يؤخذ الثمن
منه ويوضع حيث توضع الأموال المشكلة، ثم يرى السلطان رأيه فيها.
وشفاء الغليل في ذلك يتعلق بالإيالة الكبيرة 1، ولكنا لا نخلي هذا المذهب 2 عن شفاء الغليل إذا رأينا الانتهاء إلى ذكره.
فصل
قال: "ولو أن رجلين باعا من رجلٍ شقصاً ... إلى آخره" 3.
4815 - إذا اشترى رجلان من واحدٍ شقصاً، فللشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما، ويترك نصيب الثاني، لم يختلف أصحابنا فيه.
فإن قيل: أليس حكيتم قولاً في كتاب البيع أن أحد المشتريين لا ينفرد برد ما اشتراه على البائع، وجعلتم اتحاد البائع مقتضياً اتحاد الصفقة، فهلا خرّجتم هذا القولَ في منع تبعيض الشفعة؟ قلنا: ذلك القول على ضعفه له خروج؛ من قبل أن المبيع خرج جملة واحدة، من ملك البائع، فلو رجع إليه بعضه، لتضرر لا محالة، فكان سببُ منع الرد في ذلك القولِ القديم هذا، والشفعة لا تؤخذ من مأخذ الرد؛ فإنّ الشفيع يأخذ من المشتري، فينبغي ألا يتبعض على من يأخذ منه، فقلنا: إذا اشترى رجلان من رجلٍ، فللشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما، ويترك نصيب الآخر؛ إذ لا تعلق لأحد المشتريين بالثاني، فلا تبعيض على المأخوذ منه.
ولو اشترى رجل من رجلين شقصاً، قال المزني: للشفيع أن يأخذ نصيب أحد البائعين، وقاس ذلك على الرد بالعيب؛ فإنه لو اطلع على عيبٍ بما اشتراه، كان له أن يردّ على أحد البائعين، ويُمسك ما اشتراه من الثاني.
4816 - وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فذهب بعضهم إلى موافقة المزني، وهو القياس؛ فإن تعدد البائع يتضمن تعدد العقد والصفقة، ولو اشترى رجل واحدٌ من رجل واحدٍ شقصاً، في صفقتين، فللشفيع أن يأخذ مضمون إحدى الصفقتين، فليكن
الأمر كذلك فيما نحن فيه؛ فإنهما إذا قالا: بعنا منك، فكل واحد من البائعين متميز 1 عن الثاني، والقبول وإن اتحد من حيث الصيغة، متعدد من حيث المعنى، والمعنى أولى بالاتباع.
ومن أصحابنا من خالف المزني، وقال: ليس للشفيع أن يأخذ بعضاً، ويترك بعضاً، لأن فيه تبعيضَ الشقص على المشتري.
وقد ملَكه دفعة واحدة.
ولو اشترى واحدٌ شقصين من دارين من رجلٍ واحد، وكان 2 شفيعهما واحداً، فالصفقة متَّحدة إذا نظرنا إلى البائع والمشتري، وقد تمهد أن الصفقة لا تتعدد بتعدد المعقود عليهِ، إذا لم يكن في العقد عليهما اختلاف.
فلو أراد الشفيع أخذ الشقصين من الدارين، فله ذلك.
وإن أراد أخذ أحد الشقصين، وتَرْكَ الآخر، ففي المسألة وجهان مشهوران، وسبب الخلاف أنه ليس في أخذ أحدهما وترك الثاني تبعيضُ شقصٍ من دارٍ واحدة.
وهذا بعينه هو الاختلاف المذكور في تفريق الصفقة بما يطرأ عليها آخراً، مثل أن يشتري الرجل عبدين، فيجد بهما أو بأحدهما عيباً، فأراد ردَّ واحد بالعيب، وإمساك الثاني بقسطٍ من الثمن، ففي ذلك قولان.
ولا مأخذ لهما إلا تفريق الصفقة؛ إذْ لا ضرار من جهة التبعيض.
ولو اشترى عبداً، فوجده معيباًً، فأراد ردَّ بعضِه، لم يكن له ذلك، لما فيه من ضرار التبعيض، وهذا يناظر ما لو اشترى شقصاً في صفقة واحدةٍ، فأراد الشفيع أخْذ بعضه، وترك الباقي.
4817 - ولو اشترى شخصان من شخصين شقصين من دارين، شفيعهما واحد، فهذه الصورة يلتف 3 فيها وجوه من التفريق، فانظر كيف تجري فيها، وقد أصبتَ 4، فالشفيع بالخيار بين أن يأخذ الشقصين، وبين أن يأخذ النصف من كل واحد منهما من واحدٍ 5، وبين أن يأخذ نصف أحد الشقصين من أحدهما، ومن
الثاني كلا النصفين، وبين أن يأخذ نصف شقصٍ من واحدٍ، ونصف الثاني من الآخر، إذا جوزنا تفريق الصفقة في الشفعة.
ثم ذكر المزني الاختلاف في مقدار الثمن وقد مضى.
وذكر ما لو كان الثمن [عبداً] 1 معيّناً فخرج مستحقاً، وهذا استقصيناه في أحكام العهدة.
وذكر بعده ما لو ثبت الشقص عِوضاً عن صلح على إنكارٍ، و [بان] 2 فساد الصلح، ثم قال: فلا شفعة إذاً.
ولا حاجة إلى ذكر شيء من هذا.
فصل
قال: "ولو أقام رَجُلان كلُّ واحدٍ منهما بينةً أنه اشترى من هذه الدار شقصاً ... إلى آخره" 3.
4818 - صورة المسألة: دارٌ في يد رجلين، اعترف كل واحدٍ منهما بأنه اشترى نصفَها، ولكنهما تنازعا في التاريخ، فادعى كل واحد منهما أنه اشترى نصيبه قبل صاحبه، وله الشفعة فيما اشتراه صاحبه، فإذا تنازعا كذلك ولا بينة لواحد منهما، فالذي جاءا به خصومتان: إحداهما متميزة عن الأخرى، وليس اختلافهما بمثابة التنازع من المتبايعين، في مقدار ثمن المبيع أو جنسه.
وإذا كان كذلك، فمن ابتدر منهما، وادّعى في مجلس الحكم، فالقاضي يفصل خصومتَه، وإن جاءا وادّعيا معاً، لم يُتركا كذلك، فإن تنازعا في البداية، أقرع بينهما، فمن خرجت قرعتُه، نصبناه مدعياً، وأجرينا خصومته بطريقها.
فإذا قال من تقدم وفاقاً، أو قدمته القرعة: اشتريت نصيبي قبل صاحبي، فالقول قول صاحبه مع يمينه، لا ينبغي أن يحلف على البتِ أن صاحبه ما اشترى قبله، ولكن يحلف أنه
ما اشترى بعده، لتتعلق يمينه برد الدعوى على هذه القضية، فإن نَفْيَ فعل الغير بيمين باتَّة لا وجه له في صيغ الأيْمان.
فإذا حلف على هذا، انتجزت الخصومة وينتصب المدعى عليه مدعياً، فيدعي أنه اشترى نصيبه قبل نصيب صاحبه، والقول قول صاحبه مع يمينه، فإن حلف صاحبه، كما حلف هو، أقررنا الدار بينهما، ونفينا الشفعة، وكلٌّ على ما اشتراه.
وإن نكل الأول لما حلّفناه، حلف صاحبه، واستحق الشفعة، فلو أراد المدعى عليه بعدما نكل، ورُدّت اليمين أن يدعي دعواه، صائراً إلى أن هذه خصومة أخرى، لم نمكنه من ذلك؛ فإن نصيبه قد أخذ بالشفعة، وحلف صاحبه يمين الرد، على أبلغ وجه في التصريح، فكيف نحلفه مرة أخرى على الإبهام؛ فإن يمين المدعى عليه تقع على النفي، كما تقدم، وإذا أخذ الشقصَ بالشفعة، فقد انقطعت الخصومة.
وهذا من لطيف أحكام الخصومات؛ فإن الخصومة متعددة، ثم وقع الاكتفاء بانتهاء إحداهما نهايتها، وأغنت عن الأخرى، لمّا كان متعلّق الخصومتين متحداً، كما ذكرناه.
4819 - هذا كله إذا لم يكن بينهما بيّنة.
فأما إذا كان في الخصومة بينة، لم يخل إما أن يقيم أحدهما بينة، أو يقيم كل واحد منهما بينة، فإن انفرد أحدهما بالبيّنة، فشهدت على تقدم شرائه على شراء صاحبه، قضي له بالشفعة.
وإن أقاما بينتين، فقد تقومان من غير تناقضٍ، فلا فائدة فيهما، وهو أن تشهد كل بينة أن هذا اشترى يوم الجمعة، ولم يتعرضا لتعيين الوقت، فلا أثر للبيّنتين؛ إذ ليس فيما جاءا به بيانٌ.
وإن شهدت كل بينةٍ أن تملك من يقيمها سابق على تملك الثاني، فهذا تناقض في المقصود، والأصح في مثل ذلك التهاترُ والتساقطُ، حتى نجعل كأنْ لا بينة، ونعود إلى فصل الخصومة بينهما من غير بينةٍ.
وللشافعي قول في استعمال بينتين.
ثم في كيفية الاستعمال أقوال: أحدها - القرعة، والثاني- الوقف، والثالث- القسمة.
أما القسمة، فلا معنى لها؛ فإنا لو قسمنا كل شقص بينهما، عاد كلٌّ إلى النصف، وهو [حيث يجري قول ضعيف] 1، أما قول القرعة فجارٍ، وكذلك قول الوقف، وليس هذا وقفَ العقود، وإنما هو وقف حق التملك بالشفعة.
ونحن سنبين أن قول الوقف من أقوال الاستعمال قد لا يجريه بعض الأصحاب، إذا كان المدعى المتنازع بين الخصمين عقداً، بناء على أن العقود لا تحتمل الوقف.
وهذا فيه نظر.
ومما يطرأ علينا في تأليف الكلام اتصال أطرافه بأصول عظيمة، ومبنى الكتاب على طلب البيان، وهو غير ممكن في أطراف أصول 2، لم يجر لها ذكرٌ.
فالوجه في مثل هذا الاقتصارُ على الإحالة على موضع الاستقصاء.
4820 - ولو أقاما بينتين، فنصت كل بينة على وقت واحدٍ، وتبيّن وقوع الشراء منهما في ذلك الوقت، فليس هذا من تعارض البينتين، إنما يتعارضان إذا تعرضت كل واحدة لمقصود مقيمها، ومقصود كل واحدٍ من المدعيين في مسألتنا التقدم، وليس في البينة تعرض لذلك، فلا تهاتر 3، ولا تعارض، وإنما دقيقة الفصل في قبول البينتين، فقد 4 قال الأكثرون: نقبلهما، وتسقط الشفعة من الجانبين؛ فإنه ثبت وقوع الملكين معاً، وإذا كان كذلك، فلا شفعة لواحد منهما.
ومن أصحابنا من قال: لم تقم بينة على وفق مراد مقيمها، فسقطت البينتان، وعاد الأمر إلى الخصومة من غير بيّنة، كما تقدم في صدر الفصل.
ووجه ما ذكره الأكثرون أن كل بينةٍ تنص على وقتٍ ليست فائدتها مأيوساً منها، فإن الأخرى قد يتأخر تاريخها، فإذا لم يتأخر تاريخ الثانية، أفادت دَفْعاً 5، وإن لم تُفد شُفعة.
4821 - ثم ذكر المزني ما لو أقر البائع، وأنكر المشتري، وأخذ يفصل حكمَ الشفعة، وهذا مما مضى على الاستقصاء، فلا معنى لإعادته.
ثم قال: إذا كان في الشقص ثلاثة من الشفعاء، فشهد اثنان منهم أن الثالث عفا عن الشفعة، فإن عفَوَا عن الشفعة أوّلاً، وأظهرا عفوهما، ثم شهدا، قُبلت شهادتهما، وإن لم يقدما العفو، وشهدا على عفو الثالث، ردت شهادتهما؛ فإنّ مقتضى عفوِ الثالث لو ثبت، أن يأخذ نصيبه هذان اللذان شهدا، فهذه شهادة تضمنت جرّاً 1 صريحاً.
ولو شهدا قبل العفو، ثم رددنا شهادتهما، فعفَوَا، فالشهادة المردودة لا تنقلبُ مقبولة، بطريان العفو.
ولو أعادا تلك الشهادة بعد العفو، لم نقبلها؛ فإنا قد رددناها للتهمة، فلا نقبلها بوجهٍ.
وقد مضى هذا في نظائرَ له فيما تقدم.
وممَّا ذكره المزني أنه إذا رأى شقصاً في يد إنسان، فقال: قد اشتريتَه من شريكي الغائب، وأقام عليه بيّنة.
قال: يثبت حق الشفعة، وأبو حنيفة 2 يقول بهذا، وإن منع القضاء على الغائب.
وذكر فصولاً تقدمت على الاستقصاء.
فصل
قال المزني: "ولو شجه مُوضحة عمداً ... إلى آخره" 3.
4822 - إذا شج رجل رجلاً شجة، لم يخل: إما أن تكون موجبةً للقود، وإما ألا تكون مُوجبة له، فإن كان لا توجب القود، وإنما توجب المال، فوقعت مصالحةٌ عن موجَب الشجة على شقصٍ، في مثله الشفعة، نظرنا في أرش الشجة، فإن كان أرشها من أحد النقدين والمقدار بيّنٌ، لا شك فيه، فالمصالحة صحيحة، وإذا صحت المصالحة، ترتب عليها استحقاق الشفعة، فيأخذ الشفيع الشقص بأرش الشجة.
وإن كان أرش الشجة من الإبل، فجرت المصالحة على شقصٍ، فإن لم يكن المتصالحان عالمين بما يعتبر في أرش تلك الجناية، في أسنان الإبل وصفاتها المرعية، في التغليظ والتخفيف، فالصلح باطلٌ.
وإن كانا عالمين بما يقتضيه الشرع من السن والصفة والمقدار، ففي صحة الصلح وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا يصح؛ لأن المذكور في أروش الجناياتِ، وفي الديات الأسنانُ وطرف من رعاية نوع الإبل في كل قبيلة، ولا يقع الاكتفاء بهذا في إعلام الأعواض.
والثاني - يصح الصلح؛ فإن ما اقتضاه الشرع إعلامٌ على الجملة، وليس الأرش في حكم المصالحة واجبَ الاستيفاء، بل الغرض سقوطه إلى البدل المذكور على الإعلام المشروط، وقد تكرر هذا في مواضع.
فإن حكمنا بفساد الصلح، فلا شفعة، وإن حكمنا بصحة الصلح، ففي ثبوت الشفعة وجهان: أحدهما - أن الشفعة تثبت بناءً على صحة الصلح.
والثاني - لا تثبت؛ فإن الأرش ساقط في الصلح مستوفىً من الشفيع، واستيفاء المجهول عسر، وقد ذكرنا أن الشفعة لا تثبت مع جهالة العوض في ظاهر المذهب؛ فإن أسقطنا الشفعة، فلا كلام، وأن أثبتناها، أخذ الشفيع الشقص بقيمة الإبل الثابتة أرشاً، ثم السبيل في قيمتها النزول على قيمة ما يجزىء في الدية، وليس يخفى على الفقيه ما يجزىء في الدية.
وإلى هذه القيمة نصير عند إعواز الإبل.
فإن قيل: أليس ذكرتم قولاً أن البدل عند إعواز الإبل [مقدّر] 1 شرعاً، فهلا رجعتم إليه في حق الشفيع؟ قلنا: تقديرات الشرع في الديات، لا تتبع في أحكام المعاوضات، فليس إلا ما ذكرناه في اعتبار القيمة.
4823 - وكل هذا إذا كانت الشجة أو غيرها من الجناية موجبة للمال، فأما إذا كانت موجبةً للقصاص، وأرش مثلها من الإبل إذا لم يثبت القصاص، فإذا جرت مصالحة، تفرع ذلك على القولين في موجب العمد: فإن قلنا: موجبه المال أو
القود، ففي صحة المصالحة الوجهان المذكوران في الجناية المالية؛ فإن الصلح بمحض المال، فيقع الصلح عن المال.
ثم يعود الترتيب بسبب جهالة الإبل.
فأما إذا قلنا: موجب العمد القودُ 1 المحض، فعلى هذا القول قولان في أن مطلق العفو 2 هل يتضمن ثبوت المال، فإن قلنا: مطلَقه، يثبت المال، فالمصالحة تقع عن المال، ويخرج الوجهان كما تقدم.
وإن قلنا: مطلق العفو لا يتضمن المالَ، فقد ذكر أصحابنا طريقين: منهم من قال: يقطع بصحة الصلح؛ فإن عوض الصلح القصاص، وهو معلوم، ومنهم من خرّج صحة الصلح على الوجهين، واحتج بفقةٍ لا يدفع، وهو أن الصلح على مالٍ عفوٌ عن القصاص على مال، [فلئن كان يظن ظان أن العفو المطلق لا يوجب المال، فالصلح على مالٍ عفوٌ على مال] 3.
ويلزم في ترتيب المذهب ردُّ الأمر إلى الخلاف في صحة الصلح وفساده.
وهذا ينشأ عندي من أصلٍ، وهو أنا إذا قلنا: موجَب العمد القودُ المحضُ، فلو صالح عن القتل على مائتين من الإبل، فقد اختلف الأصحاب في صحة المصالحة، وحقيقة الاختلاف راجع إلى أن هذا بدلُ القصاص أو بدلُ المال الذي يتضمنه سقوطُ القصاص؟ فإن قلنا: إنه بدلُ القصاص، صح بالغاً ما بلغ، وإن قلنا: إنه بدلُ المال، فمقابلة مائةٍ من الإبل بمائتين مع التساوي في الصفة محالٌ.
فنقول: إن جعلنا القصاص بدلاً، فالوجه القطع بصحة المصالحة، وإن جعلنا البدل ما يتضمنه سقوط القصاص، فالصلح واقع على الأرش، فيخرّج على الخلاف.
وإن قلنا: موجب العمد أحدهما، فلا خلاف أن المرعي معنى المال، ثم وإن قطعنا بصحة الصلح، ففي الشفعة خلاف؛ من جهة أن الشفيع يأخذ الشقص، بالأرش لا محالة، وفي الأرش من الجهالة ما قدمناه.
[فصل] 1
ثم قال المزني: "لو اشترى ذمي من ذمي شقصاً بخمرٍ ... إلى آخره" 2.
4824 - الشقص المشترى بالخمر لا يؤخذ بالشفعة؛ فإن الشراء فاسد، ولو فرض دوران العقد بين ذميين، وكان طالب الشفعة مسلماً، فلا شفعة له، ولو كان الطالب ذمياً، وارتفع إلى مجلسنا، ورضي بحكمنا، فلا نحكم له بالشفعة، بل نقضي بسقوطها؛ فإنا لا نحكم إلا بما يوافق الدين.
وإن تبايعوا فيما بين أظهرهم، أعرضنا عنهم، وذلك متاركةً، وليس حكماً بتصحيح العقد، ولو جاءنا الذمي بدراهم ليوفيها في جزية أو معاملة جرت له، وذكر أن تيك الدراهم أخذها من ثمن خمرٍ أو خنزير، وربما يتحقق ذلك، ففي جواز أخذ تلك الدراهم 3 منه وجهان مشهوران: أحدهما - لا نأخذها؛ لأنها ثمن خمر، والثاني لا نبالي بما كان منه، وإنما ننظر إلى الدراهم الحاصلة في أيديهم.
وسيأتي جوامع أحكامهم في كتاب النكاح، إن شاء الله عز وجل.
4825 - ثم قال المزني: "ولا فرق بين المسلم والذمي" أراد بذلك أن المسلم كالذمي في استحقاق الشفعة، إذا استجمع أوصافها، وفي استحقاق الشفعة عليه، وقصد بهذا، قَطْع الوهم، حتى لا يظن ظان أن استحقاق الشفعة يختص به المسلم؛ من حيث إنه ملك قهري، والذمي لا يكون من أهل ذلك، فقطع هذا [الخيال] 4 وأبان التسويةَ، ثم جرى رضي الله عنه على أن ما لا يقبل القسمة، لا تجري فيه الشفعة 5، وقدم عليه 6 أن الشفعة لا تثبت في بيع بعض العبدِ ورام بهذا أن يبيّن أن استحقاق الشفعة لا يتعلق بكل شائع.
وقد نجزت المسائل المنصوصة في الباب، ونحن نرسم بعدها مسائل وفروعاً.
فرع:
4826 - إذا باع المريض في مرض موته شقصاً مشفوعاً بألفٍ 1، وهو يساوي ألفين، والشفيع وارثُ المريض، فهذه المسألة ردد ابن سُريج فيها أجوبتَه، وحاصل ما ذكره أربعة أوجه، وزاد الأصحاب بعده وجهاًً خامساً، ونحن نذكرها على وجوهها بعد أن ننبه على الإشكال فيها.
لو أثبتنا الشفعة للوارث، لكان ذلك محاباة 2 في مرض الموت معه، ولا يُنجي من هذا المصيرُ إلى أن الوارث يتلقى الملك 3 من المشتري؛ فإنه إذا كان يتوصل إلى الأخذ قهراً، فبيع الموروث يُثبت له حقَّ التملك قطعاً، من غير أن يتعلق باختيار متوسط.
هذا وجه.
ولو لم نثبت الشفعةَ، لكان خروجاً عن قاعدة الشفعة، ومذهبنا الخاص، من أن الشفيع يترتب أمرُه على المشتري، فاضطرب الأصحاب لما نبهنا عليه.
وذكر ابن سريج أربعة أوجه نأتي بها وِلاءً: أحدها - أن الشفيع يأخذ نصف الشقص بتمام الثمن، لتنتفي المحاباة والوصيةُ للوارث.
فإن أبعد مبعدٌ هذا؛ من جهة تغيير الثمن عن وضعه، قلنا: نحن نقدر أعواضاً نعتقد أن العقود 4 لا تقتضيها، ولذلك نثبت على الشفيع مهرَ مثل المنكوحة، إذا كان الشقص صداقاً، وبدَلَ الدم إذا كان الشقص عوضاًً عن المصالحة، وقيمةَ العبد المعيّن المسمى ثمناً، فليكن ما ذكرناه من هذا القبيل.
وهذا الوجه بعيدٌ؛ فإن مساقه أن نسلم للمشتري نصف الشقص من غير عوض، ولا محمل لهذا؛ فإن البيع بالمحاباة إن كان يشتمل على تبرع، فهو شائع، في العقد 5، وليس مضمونُ العقد بيعاًً وهبة.
والوجه الثاني - في الأصل- أن الشفيع إذا أراد الشفعة، فيصح البيع في نصف
الشقص بتمام الثمن، ويبطل البيع في النصف الثاني، ثم للمشتري الخيار لتبعض
الصفقة عليه.
فلو قال: أفسخ، وقال الشفيع: آخذ الشفعة، فأيهما أولى؟ فعلى وجهين ذكرنا نظيرهما في الرد بالعيب.
ووجه هذا الوجه أن تقرير البيع على وجهه، غيرُ ممكنٍ لوصول المحاباة إلى الوارث، وتبقية شيء من المبيع موهوباً في يد المشتري بعيدٌ جداً، فلا وجه إلا التغيير الذي ذكرناه، وبناء التخيير عليه.
والوجه الثالث في أصل المسألة- أن البيع باطل، فإنا لو صححناه، لتقابل فيه أحكامٌ متضادة، لا سبيل إلى التزام شيء منها، فالوجه إبطال البيع، لتناقض مضمونه.
والوجه الرابع- أن البيع يصح، ويثبت، ولا شفعة؛ فإنا لو أثبتناها، لزم من إثباتها تصحيحُ الوصية لوارث، وإن غيرنا البيعَ عن مضمونه، كان تحكماً بما يخالف قياسَ الأصول، فأقرب الأمور قطعُ الشفعة.
هذه أجوبة ابن سريج.
والوجه الخامس بعدها- أن البيع يصح، ويأخذ الشفيع الشفعة، مع المحاباة، ولا يكون ذلك وصيةً لوارث؛ فإنه يتلقى الملكَ من المشتري، لا من البائع المحابي، فليأخذ الشقص بكماله بألفٍ.
وهذا قد يبتدره الكيّس، ويراه قياساً، ولكنه حسيكة في صدور الفقهاء، لما نبهنا عليه، من أن هذا إثباتُ محاباةٍ في حق الوارثِ، على قهرٍ، من غير أن يتعلق باختيار المتوسط في البين.
وقول القائل: إنه يتلقَى من المشتري إنما يستقيم لو طلب خيارَ الشراء، وربط الأمر برضاه.
ومع هذا كلِّه أعدلُ الوجوه هذا الخامس، فليس 1 فيه خروج عن قانون إلا ما ذكرناه من وصول المحاباة إليهِ، وسبيل الجواب عنه أن المحاباة تثبت في حق المشتري ثبوتاً معقولاً، ثم ابتنى عليه أخذ الشفيع، فإن لم يكن بد من احتمال شيءٍ في هذه المسألة الحائدة، فما ذكرناهُ أقرب محتمل.
والعلم عند الله.
فرع:
4827 - إذا شهد البائعُ على عفو الشفيع عن الشفعة، قال الأصحاب: إن كان ذلك قبل قبض الثمن، فلا تقبل شهادته؛ فإنه إذا لم يقبض الثمن يبقى له عُلقه في
المبيع، وهو حق الرجوع عند تقدير الإفلاس.
ولو قبض الثمن، وشهد على العفو بعد ذلك، ففي المسألة وجهان: أحدهما - لا تقبل شهادته؛ فإنه يتوقع فيه تراد ورجوع إلى العين، بسببٍ من الأسباب.
والوجه الثاني- أن شهادته مقبولة؛ فإن حكم العقد إذا انتهى إلى تقابل العوضين أنه بلغ غاية المقصود، فلا تعويل بعد ذلك على تقديراتٍ من طريق التوقع، وهذا التفصيل لصاحب التقريب.
فرع:
4828 - إذا شهد شاهدان أن الشفيع أخذ الشقص بالشفعة، وكان الشقص في يد الشفيع، وشهد شاهدان أقامهما المشتري أن الشفيع عفا عن الشفعة، وأبطل حقه منها، فقد ذكر شيخي وجهين: أحدهما - أن بينة الشفيع أولى؛ لمطابقتها ظاهر اليد.
والوجه الثاني - أن بينة المشتري أولى؛ فإنها تُثبت العفوَ، ولم يعارضها في مقصودها شيء، ومعارضتها -لو قدرت- نفيٌ، ولا شهادةَ على النفي، وسبيل امتحان ذلك أن الأخَذ بظاهر الشفعة ممكن مع تقدّم 1 العفو سراً، بحيث اطلع عليهِ شاهدان.
وهذا الوجه، لا وجه غيره، وما سواه غير معتد به.
فرع:
4829 - قال صاحب التقريب: إذا كان في يد العبد المأذونِ له في التجارة شقصٌ، فبيع الشقص الثاني، فأراد المأذون أخْذَه بالشفعة، وكانت التجارة تقتضي أخْذه، فله أن يأخذه، ولا حاجة إلى إذنٍ مجدد؛ إذ يعدُّ ذلك من التجارة.
ولو عفا السيد عن الشفعة، سقطت الشفعة؛ فإن الحق في الحقيقة له، وسواءٌ كان على العبد ديون، أو لم يكن؛ فإن الشفعة تسقط بإسقاط المولى.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن الشفعة حق اعتياض، وللسيد منع عبده من الاعتياض في المستقبل؛ إذ لو نهاه عن التصرف، لصار محجوراً عليهِ، وإن كان عليه ديون، ولو أقدم على التصرف، لاستفاد ربحاً في غالب الظن، ولكن لا نظر إلى هذا.
وليس كذلك لو أراد أن يتبرَّع بشيء ممّا في يد المأذون، وقد أحاطت به الديون؛ فإنه تبرعٌ بعين مالٍ تعلقت به ديون، والشفعة ليست عينَ مالٍ، وإنما هي حيث تثبت استحقاقُ اعتياض.
وقد ذكرنا أن العبد لا يستحق ذلك أبداً، لا لنفسه ولا بسبب غرمائه.
فإن قيل: أليست الشفعة موروثة كحق الرد بالعيب، ثم المولى بعد إحاطة الديون بالعبد، لو أراد الرضا بالعيب، فقد لا يكون له ذلك على الإطلاق.
قلنا: أمّا جريان الإرث في الشفعة، فلا متعلق فيه مع إجرائنا الإرث في خيار الشرط، وغيره من حقوق العقد، وأما الرد بالعيب، فقد فصلنا القول فيه في عهدة المأذون، وبالجملة إن كان عفو السيد متضمناً احتمالَ حطيطةٍ وغبينة، فعفوه مردود، إذا كان لا يبذل للغرماء مثل ما يحط.
وقد مضى في مسائل المأذون.
فرع:
4830 - الشريك إذا وجد الشقص المشفوع الذي كان لشريكه في يد إنسان، فقال صاحب اليد: قد اشتريت هذا الشقص، من فلان الغائب، وسمى شريكه، فذكر صاحب التقريب فيه قولين عن ابن سريج: أحدهما - أن الشفيع يأخذ الشقص بالشفعة، بناء على إقرار صاحب اليد، ثم الغائب إذا رجع، فهو على حجته إن أنكر، وجحد.
والقول الثاني- أنه لا يأخذ الشقص من المُقر؛ فإنه أسند البيع إلى غائبٍ، ولكن القاضي يكتب إلى البلدة التي بها البائع، ويبحث عن إقراره، فإن أقر، وثبت ذلك عنده بطريق ثبوت الأقارير في مجالس القضاة، أثبت الشفعة، وإن لم يثبت، توقف، وقرر الشقص موقوفاً، إلى أن يبين الأمر.
وهذا التردد الذي ذكره ابنُ سريج خصصه بالشفعة، ولم يصر أصلاً إلى إزالة يد من يدعي الشراء، ولا يجوز أن يكون في هذا خلاف؛ فإن الأيدي نراها تتبدل، ولا نتعرض لها، ثم كما لا نتعرض لأصحاب الأيدي كذلك لا نتعرض لانتفاعهم بما في أيديهم.
وهذا أصل لا نصادمه، وهو مجمع عليه، ولا هجوم على مواقع الإجماع.