نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 269-289
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب السبق والرمي

صفحات 269-289
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

على القسي العربية وأمهر فيها، فالوجه حسم ذلك بالكلية.
ولو وقع التناضل من غير 1 تعرضٍ لتعيين نوع من القسي: نُظر، فإن كانت الناحية تشتمل على الأنواع والترامي غيرُ نادرٍ بالجميع، فقد اختلف أصحابنا: فقد ذهب بعضهم إلى أن المناضلة المطلقة فاسدة في مثل هذه البقعة؛ فإنها أنشئت على الجهالة، مع تفاوت الغرض، واختلاف المقصد، وهذا ما مال إليه صاحب التقريب، ووجهه بيّن.
وذهب الأكثرون من الأصحاب في طرق العراق وغيرها إلى تجويز المناضلة المطلقة.
فإن أفسدنا، فلا كلام، وإن حكمنا بالصحة، وهو الذي صار إليه الجمهور، فقد قال العراقيون: لا بُد وأن يقع الترامي على نوع واحد، فإذا أخذ واحدٌ العربية، امتنع على الآخر أَخْذُ الفارسية، ثم قالوا: الخيرة إليهما في تعيين نوعٍ يريدانه.
وهذا كلام مبهم، لا أقنع بمثله، وإشكاله يبين بسؤال، وهو أن قائلاً لو قال: إذا اختار أحدهما العربية، واختار الثاني الفارسية، وتنازعا، فكيف التفاصيل؟ وليس أحدهما أولى من الآخر، وهذا يُفضي إلى تعذر إمضاء العقد.
هذا هو السؤال.
والجواب عنه عسرٌ.
[والوجه] 2 بعد بيانه أن نقول: إن حكمنا بلزوم هذه المعاملة، فالوجه أن نحكم بأن الإطلاق فيه مفسدٌ؛ لإفضائه إلى ما وصفنا، وليس ذلك كفرض اختلاف المتبايعين في الثمن والمثمَّن؛ فإن اختلافهما في حكم النادر الذي يطرأ، وليس من مقتضيات العقد، والمعاملة التي نحن فيها تُفضي لو صحت إلى الخيرة التي ذكرها العراقيون، ثم ينشأ منها التنازع لا محالة، فقد أدت المعاملة بمقتضاها إلى ما يوجب رفعها.
وإن حكمنا بأن هذه المعاملة جائزة، فلا يمتنع على ذلك الحكمُ بانعقاد العقد، ثم إن توافقا على نوع، فذاك، وإن تمانعا، فالمعاملة عرضة الفسخ، وليس جريان الفسخ فيه مناقضاً لوضعه.

فهذا إيضاح الخلاف، وتنزيله على الأصل الذي لا بُد منه.
ومما نقدمه أن الأنواع إذا اختلفت ووقع التراضي من المتناضلين على الترامي على الأنواع المختلفة، فهو جائز.
11692 - وانتظم من مجموع ما قدمناه أنَّ التوافق على نوع يمنع العدول إلى ما هو أعلى منه، وفي العدول إلى ما دونه خلاف.
ولو وقع التوافق على التناضل على نوعين، جاز بلا خلاف، وفي الإطلاق -وفي الناحية نوعان، أو أنواع- خلافٌ منزل على الوجوب والجواز، فلو اتحد النوع في الناحية، فالعقد المطلق منزل عليه، كما أن الدراهم المطلقة منزلة على النقد الغالب.
ولو كان الترامي على نوع معلوم، فتشارطا على ألا يُبدل واحد منهما قوسَه، فنقول: أولاً إن لم يجز في ذلك ذكر، فالإبدال سائغ بلا خلاف، سواء فرض اختلال في القوس أو لم يفرض، وعند ذلك يظهر 1 انفصال النضال عن السباق؛ فإن الفرس المتعين للمسابقة لا يبدل بغيره، والقوس المتعينة تبدل بغيرها من نوعها، والمعتمد في الفرق ما قدمناه، من أنَّ التعويل في المسابقة على الفرس وفي النضال على الرامي.
فإذا وضح هذا في القوس، فلو شُرط تعيين القوس، ومُنع إبدالها، فالأصح أن هذا الشرط فاسدٌ؛ فإن الرامي قد تطرأ عليه أمور خفية، هو أعرف بها، فتُحوجه إلى إبدال القوس، [وفي حسم هذا تضييق] 2 وإرهاق لا فائدة فيه، وهو قريبٌ من تعيين الصاع في السلم.
ومن أصحابنا من قال: يصح الشرط، ويجب الوفاء به، على ما سنصفه في التفريع، إن شاء الله تعالى، ويحتج هذا القائل بأنه قد يظهر غرض بيّن في تعيين القوس؛ فإن إبدال القوس اللينة بالشديدة يتفاوت تفاوتاً قريباً من إبدال العربية بالعجمية.

التفريع: 11693 - إن حكمنا بإفساد الشرط، فهل تَفسد المناضلة أم يُلغى الشرط، ويقدّر كأنه لم يكن؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب ومهد ضبطاً حسناً في ذلك، وقال: كل شرط لو فرض طرُحه لاستقل العقد بإطلاقه، فيجري فيه الوجهان إذا فسد، وكل ما لو طُرح، لم يستقل العقد، فإذا فسد، فلا بُد من فساد العقد، فهذا مثل ألا يذكر في المسابقة غاية، ولا في المناضلة قرعات، فالمعاملة فاسدة، لا وجه إلى تصحيحها مع تقديرها، وسبيل طلب الصحة ابتداء عقد على شرط الشرع.
وإن قلنا يصح تعيين القوس، فتقديره ألا يبدل القوس ما بقيت، فإن انكسرت، فكيف الوجه؟ إن وقع الشرط على أن لا إبدال إلا إذا انكسرت، فيصح العقد وينزل على هذا المقتضى، وإن وقع الشرط على أن لا إبدال، وإذا 1 تكسرت القوس، انقطعت المعاملة، فيجب الحكم بفسادها، فإن هذا إبلاغ في تعيين الآلة، وحقها ألا تتعيّن.
11694 - هذا منتهى الغرض في ذلك، وقد وعدنا أن نذكر مسائل في المسابقة من هذا النمط، فنقول أولاً: إذا تعينت الأفراس في التسابق، فلا إبدال بوجه على ما تمهد من ارتباط المعاملة بالخيل أو الإبل، وهي العمدة والعماد، ولو تعاقدا المسابقة من غير إحضار الأفراس، واعتمدا الوصف فقد قال العراقيون: يجوز ذلك، ثم قالوا إذا كان التعويل على الوصف، فيجب أن يحضرا فرسين من نوع واحد، إما من العتاق أو البراذين، قالوا وهذا إذا [لم يجر لها] 2 ذكر، وجرت المسابقة على الإطلاق، والمسابقة المطلقة مع وجود البراذين والعتاق في الناحية، كالمناضلة المطلقة مع وجود القوس العربية والعجمية في الناحية.
ولو لم يُحضرا فرسين ورضيا بالتسابق على البرذون والعربي، جاز ذلك كما يجوز ذلك في النوعين من القوس إذا وقع التراضي بالتناضل عليهما.

وهذا الذي ذكروه سديد لو صحت المسابقة من غير تعليق بأعيان الخيل.
وكان شيخي يقطع باشتراط تعيين الخيل في المعاملة؛ فإن المعول في المسابقة على أعيانها، وفي هذا احتمال ظاهر، والأوجه ما ذكره العراقيون.
والعلم عند الله تعالى.
واختلاف السهام وإن اتّحد نوعُ القسي 1 كاختلاف نوع القسي 2، وبيانه أن الرمي بنبال الحُسْبان 3 التي تسمى نازك 4 إنما يكون على القوس الفارسية، ولكن لا بُد من إلحاق آلةٍ بالقوس، فيخرج القوس عن طريق الرمي باليد، ويصير مع الآلة المتصلة بها كنوع آخر من القوس وكذلك قوس الجَرْخ مع قوس اليد، والجَرْخ مع النازك 5 مختلفان، وهذا مستبين عند أهل المعرفة، وكان شيخي يُلحق بهذه المسائل المسابقة بين الإبل والخيل، ويقول: هي أقرب من المسابقة بين الخيل والحمر؛ من جهة اجتماع الخيل والإبل في كونهما أصلين في المسابقة.
ومع هذا الخلافُ قائم في جواز المسابقة؛ لمكان اختلاف الجنسين، وليس كاختلاف النوعين، نحو اختلاف البراذين والعتاق، وكان يتردد بين البغال والحمر، وليس يخلو ذلك عن خلاف.
وهو أقرب من الخيل والحمر.
فصل مشتملٌ على إلحاق الزوائد في المسابقة والمناضلة 11695 - ومقصود هذا الفصل يترتب على القولين في أن هذه المعاملة جائزة، أو لازمة؛ فإن حكمنا بلزومها، فلا يلتحق بها الزيادة طرداً لقياس المذهب في أن العقود

اللازمة لا تلحقها الزوائد والتغايير التي تشبه إلحاق الزوائد، كما سنصفها، إن شاء الله تعالى.
ولا فرق بين أن يتراضيا عليه، وبين أن ينفرد بالإلحاق أحدهما، فإن أرادا ثبوت الزيادة، فالوجه فسخ العقد الأول عن تراضٍ، وإعادتُه على حسب المراد، ثم قد قدمنا التفريعَ على قول اللزوم، وحكينا عن القفال: أنا وإن ألزمنا المعاملة، فلا يجب تسليم السبَق؛ فإن استحقاقه موقوف على تمام العمل المشروط، وهذا هو الذي لا يجوز غيره، وفي بعض التصانيف أنه يجب تسليم السبَق إذا قضينا بلزوم المسابقة والمناضلة قياساً على تسليم الأجرة في الإجارة، وهذا غلط بيّن، وذهول عن درك مقصود هذه المعاملة ومغزاها؛ فإن مبناها على الخطر والتوقع، وليس ذلك كتوقع انهدام الدار المستأجرة؛ فإن الأصل بقاؤها، والنفوس مطمئنة إلى استمرار وجودها، وفوز السابق ليس في هذا المعنى.
وقد يعترض وضع سبَقين من شخصين وبينهما محلِّل، فالتسليم إلى من؟ وكيف الحكم إذا فرّعنا على أن مخرج 1 السبَق يستحق السبق؟ ومما يتفرع على هذا القول أن المناضل إذا مات، فالمعاملة تنقطع، وإن حكمنا بلزومها؛ فإن المناضلة تتعلق بعين الرامي، فموته كموت الأجير المعيّن.
ولو مات المسابق والفرس قائم لم يعطَب.
والتفريع على اللزوم، فيتجه إيجاب الوفاء على الورثة؛ لأنَّ التعويل على الفرس، كما تقرر من قبل.
هذا إذا حكمنا بلزوم المعاملة.
11696 - فأما إذا حكمنا بجوازها فلو تراضيا بإلحاق زيادة بالعقد، مثل أن يُلحقا مزيد قرعات، أو أرشاق، أو مزيداً في السبَق، فالمذهب أنَّ الزيادة تلحق، لمكان جواز العقد.
وقد ظهر اختلاف الأصحاب في أنَّ الزيادة هل تلحق الثمن أو المثمن في زمان

الخيار أو مكانه، فخرّج بعض أئمتنا 1 وجهاً على البُعد 2 في إلحاق الزوائد بالمعاملة التي نحن فيها وإن فرعنا على جوازها، وهذا قد يتجه بأن يُعتبر العقد غير معقول 3، ولا بُد في الزيادة من عقد، والعقدُ لا يلحق العقد، ولا عَوْد إلى هذا الوجه البعيد، ويتّضح الفرق بين البيع في زمان الخيار -والعقدُ مبناه على اللزوم- وبين المعاملة التي نحن فيها، ومقصودُها غررٌ مغيّب، ولولا الشرع، لكانت على مضاهاة القمار.
وما ذكرناه فيه إذا تراضيا على الزيادة وإلحاقها.
11697 - فأما إذا انفرد أحدهما بإلحاق الزيادة، فإن قلنا: لو ألحقناها لحقت.
فإذا انفرد أحدهما ولم يقبل الثاني، فحاصل المذهب ثلاثة أوجه: أحدها - أنها لا تلحق وإن لحقت بالتراضي؛ تخريجاً على أن أصل العقد لا بُد فيه من القبول، وإن جعلناها كالجعالة، فإذا اشترطنا القبول في أصل المعاملة، وجب اشتراطها في الزيادة.
والوجه الثاني - أن الزيادة تلحق، وإن لم يقبلها من لم يَزِدْ لجواز العقد وقبولها 4 لفنون التغايير.
والوجه الثالث - أنا ننظر إلى الزائد، فإن كان فاضلاً، أو مساوياً لصاحبه، فالزيادة تصح، وإن كان مفضولاً، فلا يصح منه الانفراد بإلحاق هذه الزيادة من غير رضا صاحبه، فإنه بزيادته يفوّت على صاحبه حقَّه، ولو فتحنا هذا البابَ، لاتّخذه كل مفضول دأْبه مهما 5 أحسَّ بكونه مفضولاً.
والوجهُ الثاني الذي ذكرناه ساقط ضعيف؛ لأنَّ مضمونه التسوية بين الفاضل والمفضول.

11698 - وينشأ من هذا المنتهى سرٌّ في المذهب، وهو أنا إذا فرقنا بين الفاضل والمفضول، فلو أراد المفضول أن يفسخ العقد بعد ما ظهر استيلاء 1 صاحبه عليه، فليس له ذلك؛ فإنا إذا كنا نمنعه من الزيادة لما فيها من تفويت حق المناضل الفاصل، فالفسخ أولى بأن يمتنع، وقد أفضى ما ذكرناه إلى أنا في التفريع على قول التفضيل إنما نحكم بجواز العقد إذا لم ينته الأمر إلى مصير أحدهما مفضولاً، فإذا صار مفضولاً، لزم العقد في حقه، وبقي الجواز في حق الفاضل؛ فإنه إذا كان يجوز للمساوي أن يفسخ، فلأن يجوز ذلك للفاضل أولى.
ومن تمام التفريع أنا إذا قلنا: ينفرد أحدهما بالزيادة، وتلتحق بالعقد، فلا ضرار على الذي لم يرض؛ فإنا نجوز له أن يفسخ العقد، فإن ثقلت الزيادة عليه، فليفسخ.
11699 - ومن بقية الكلام في هذا [المنتهى] 2 الكلام في المفضول، وقد اختلف أصحابنا فيه، فقال بعضهم: إذا زاد صاحبه عليه بسهم واحد، فهو مفضول، والكلام فيه ما سبق.
ومن أصحابنا من قال: القَرْعة والقرعتان قد لا يتحقق كون المفضول بهما متهماً في الزيادة وإنما تظهر التهمة إذا بلغ ما اختص به صاحبه [مبلغاً يعدُّ بذلك] 3 مستعلياً على مناضله، فعند ذلك يصير المفضول متهماً، ثم الحكم ما قدمناه.
ويتصل بهذا المنتهى أن من عقد جعالة على عوض ثم إن الجاعل زاد في العمل، فثبوت تلك الزيادة -وإن كانت الجعالة جائزة في وضعها- بمثابة زيادة المتّهم المفضول، فإنَّ الجاعل يبغي حظ نفسه فيما يزيده من العمل، كما أنَّ المفضول يبغي حظ نفسه، ثم الذي يقتضيه القياس أنَّا إنْ قُلْنا: لا تلحق زيادة العمل في الجعالة، فلا كلام، وإن قُلنا: إنَّها تلحق، وقد عَمِل المجعول له [بعضَ] 4 العمل الأول، فلم

يرض بالزيادة وأراد الفسخ، فالوجه أن يستحق على مقابلة ما عمله أجر المثل، فإنَّه ما تركَ إتمام العمل مختاراً حتى زيد عليه؛ فكان معذوراً في الفسخ، وليس كما لو عمل بعض العمل، حيث لا زيادة، ثم اختار الفسخ بنفسه؛ فإنه لا يستحق على مقابلة ما قدمه من العمل شيئاً.
11700 - ومما يتصل باستكمال الغرض فيما نحن فيه أنَّهما لو تعاقدا عقد المناضلة، ثم بدا لأحدهما أن يترك الرمي ويُعرض عنه، فإن قُلنا العقد لازم، فلا سبيل إلى الإعراض من غير اعتراض عذرٍ مانع من الرمي، وإن قُلنا المعاملةُ جائزة في وضعها، فإن كان المُعرِض غيرَ مفضول على ما سبق تفصيل المفضول، فله أن يُعرض من غير فسخٍ، وله أن يفسخ.
وإن كان المُعرِض مفضولاً متهماً، فهل له الفسخ؟ فعلى قولين مبنيين على ما تقدم ذكره من أن الزيادة على القرعات هل تلحق المعاملة إذا صدرت من المفضول المتهم، وعلى هذا لو شرط في الجعالة جُعلاً لإنسان، فعمل المجعول له بعضَ العمل، وهو مقدم على إتمامه، ولو فسخ العقد الجاعل، لكان أجر مثله بمقدار عمله أقلَّ من حصة ذلك المقدار من المسمى، فانفراد الجاعل بالفسخ يُخرّج على الخلاف الذي قدمناه.
وقد نجز الغرض في الزيادة في مضمون المناضلة.
11701 - فأما إذا أراد المتناضلون النقصان من القرعات أو من الأرشاق، فهذا يخرج لا محالة على التردد الذي ذكرناه في الزيادة؛ فإنَّ سبيل إلحاق النقصان بمقتضى العقد كسبيل إلحاق الزيادة، ولا يخطر للمحصّل تشبيهُ الحط في مسألتنا بإبراء البائع عن بعض الثمن؛ فإن ذلك نافذ بعدَ اللزوم، غيرُ ملتحق بالعقد، بل سبيله سبيل استيفاء الثمن؛ فإن الإبراء تصرفٌ من المستحق في الدَّيْن، وهو يجري في قيم المتلفات والعروض وحيث لا يتوقع إلحاق الزوائد، وحط شيء في هذه المعاملة من القرعات أو الأرشاق ليس في هذا المعنى، نعم لو حط من شُرط السَّبَق له قبل الفوز بالعمل المشروط، كان ذلك إبراء عن شيء قبل وجوبه، وهو في معنى ضمانه قبل وجوبه، وقد ظهر سبب وجوبه.
وقد تم المراد.

فصل 11702 - ذكر المزني مسألة أخطأ فيها حُكماً وتعليلاً؛ فإنه قال: " لو أخرج مُخرج مالاً وقال لرامٍ: ارم عشرة، فإن كانت قرعاتك أكثر، فلك السَّبَق الذي أخرجته " 1. قال المزني: " لا يجوز ذلك؛ لأنه ناضل نفسه "، وهذا الذي نقله عن الشافعي خطأ؛ فإنه نص على أن ذلك جائز؛ إذ لا مانع منه، والمقصود من إخراج السبَق التحريضُ على الرمي، ولا فرق بين أن يفرض صدوره عن رامٍ واحد، وبين أن يفرض عن جماعة.
هذا خطؤه في النقل عن الشافعي.
وأما خطؤه في التعليل، فهو أنه قال: " لأنه ناضل نفسه "، وهذا خطأ لا شك فيه، فإنَّ الغرض أن يجدّ هذا الرامي ويحرص على تكثير القرعات، وهذه العلة التي ذكرها إنما ذكرها الشافعي في صورة أخرى، وهي أنه: لو قال: ارم عشرةً عن نفسك وعشرةً عني، فإن كانت القرعات في عشرتك أكثر، فلك ما أخرجت، فهذا غير جائز؛ فإنه قد يقصر في العشر المشروطة للمُسْبِق، فيكون مناضلاً نفسه، ولا يصح العمل على هذا النسق، فقد ظهر غلطه في الفتوى والتعليل.
وذكر العراقيون في المسألة التي ذكرها المزني وجهاً بعيداً موافقاً لمذهبه وفتواه، وقالوا: من أصحابنا من أفسد المعاملة؛ من جهة أن الكثرة التي ذكرها في القرعات مجهولة، وهذا ليس بشيء؛ فإن قوله: إن كانت قرعاتُك أكثرَ محمول على ما إذا أصاب من العشرة ستة، فتتحقق الكثرة بهذا، واللفظ صريح في اقتضاء الاكتفاء بست قرعات.
والوجه عندنا أنه إن أصاب ست قرعات وِلاءً، فقد بان أنه استحق المال، وإن لم يصب الأربعة الباقية، فلو قال: أقتصر على ما كان مني، فإني استحققت المال، وقال الشارط: استكمل العشرة؛ فإني علقت الاستحقاق بعشرة إصاباتها أكثر، فالظاهر أنا نلزمه استكمال العشرة؛ فإنَّ لفظ الشارط: " ارم عشرة "، فلا استحقاق دون رميها، والخلاف جارٍ في المسألة، على ما مهدنا من الأصول قبل.

فصل 11703 - لو كان يتناضل جمعٌ، فمرّ بهم مارٌّ، وقال لمن انتهت النوبة إليه، وكان على أن يفوّق ويرمي: إن أصبت بهذا السهم، فلك دينار، قال الشافعي نصّاً: " إذا رمى وأصاب استحق الدينار وتلك الإصابة محسوبة له من المعاملة التي هو فيها " وهذه المسألة لا يُؤثر فيها خلاف عن أحد من الأصحاب، وهي دالة على انقطاع هذه المعاملة عن مضاهاة الإجارة؛ من جهة أنها لو كانت بمثابتها، لاستحال أن يستحق بعمل واحدٍ مالين عن جهتين، ووجه الفصل أن سبب استحقاق الأسباق الشرطُ لا رجوع العمل إلى [الشارط] 1 وهذا يؤكد أن المعاملة إذا فسدت، فالرجوع إلى أجر المثل عَسِر، فإنَّ العامل ليس يعمل لغيره، وإنما استحق المالَ المشروط عند عمله على الشارط وفاءً بالشرط.
وقال الأصحاب قياساً على ما ذكره الشافعي: لو كان يناضل رجلاً والمشروط عشر قرعات، فشرط أن يناضل بها رجلاً آخر، ثم ثالثاً إلى غير ضبط، حتى إذا فاز بالقرعات كان ناضلاً لمن يراميه وإن تعددوا، فهذا جائز جرياً على ما مهده الشافعي، وتعليله تنزيله على موجب الشرط، وقطعه عن قياس الأعمال المقابلة بالأعواض.
ثم قال الشافعي: إذا انتهت النوبة إلى رامٍ، فأخذ يُطوّل، وقد تبرد بهذا السبب يدُ الرامي قبله، فإن قضينا بأن المعاملة جائزة، فلا اعتراض، ولا طلب على المطوّل، وإن قضينا بلزوم [المعاملة] 2 على التفصيل المقدم، فهو مطالب بالجريان على موجب العادة في الرمي بلا إرهاق ولا استعجال [في الرمي] 3 يحمله على ترك الحصافة والتأنق، ولا تطويل يخالف العادة، وهذا واضح.

فصل في اختلاف المواقف 11704 - الرماة يقفون صفّاً في قبالة الغرض، ووضع المعاملة على استوائهم في القرب والبعد من الغرض، ولكن لا يخفى عن ذي الفطنة أن مقابل الغرض على المسامتة الحقيقية أقربُ ممن على يمينه ويساره، وبرهان هذا برسم خطوط من طرفي الصف مع رسم خط من موقف المقابل، ولا شك أن الخطوط تتفاوت، ثم ينضم إليه أن الغرض في حق المقابل أكبر، والمنحرف عن المقابلة يضيق الغرض في حقه، ولكن أجمع الفقهاء والرماة على احتمال ذلك، ولم يشترط أحد أن يتناوب الرماة على الموقف المقابل؛ فإن القيام والقعود عسر، ولو فرض تنافس في المقعد، فهو بحق، وسبيله كسبيل التنافس في البداية، بل التنافس في البداية أهون، والغرض فيها أخفى مما ذكرناه، ثم الفقه يُلحق المواقفَ بالبداية، وقد [تفصّل] 1 القول فيها.
ولو وقع التشارط على أن يكون موقف البعض أقرب حتى يتقدم، وموقف البعض أبعد، فلا سبيل إلى ذلك، كما لا سبيل إلى ذلك في المسابقة، ولو لم يشترطا هذا، ولكن أراد أحدهما أن يتقدم، مُنع، وإن رضي بذلك أصحابه، فإن كان قريباً، فلا بأس، وهذا القدر يحتمل بالرضا، لما قدمته من أن المواقف تقع متفاوتة في صف الرماة لا محالة.
ولو أفرط في القُرب ورضي بذلك مناضلوه، فهذا تفاوت لا يحتمل -وإن جوزنا إلحاق النقصان والزيادة بالعقد- لأن هذا تفاوت يخالف وضعَ العقد، وهو بمثابة ما لو وقع الرضا في أول العقد أوفي أثنائه بأن يفوز بعض المناضلين بتسع قرعات، والمشروط على كل واحد غيرِه عَشْرٌ عَشرٌ 2. فهذا غير سائغ.
نعم، لو رضوا بأن يتقدموا جميعاً وينقصوا من المسافة، فهذا تغيير للعقد على معنى النقصان.

ولو كانت المسألة بحالها، فوقعت المناضلة على شرط الصحة، ثم أراد بعضهم أن يتأخر عن الموقف الثابت، فهل له ذلك، وقد زاد على نفسه؟ اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: له ذلك، ولا معترض عليه، ووجهه بيّن؛ فإن سهمه يمر على المسافة المشروطة والزيادة عليها من شأنه.
ومنهم من قال: لا يجوز ذلك، فإن القوس الشديدة قد تتحامل على الرامي فيزهق سهمه في الموقف المشروط، وإذا بعُد انخفض السهم وحبا، فإذا كان هذا الفرض ممكناً، فليس إلا الحسم والمنع.
وعلى هذا الترتيب لو جرت المعاملة 1 على المسابقة صحيحةً، فأراد أحدهما أن يتقدم، مُنع ولو وقع الرضا به، فلا وجه له، ولو أراد أن يتأخر عن الموقف المعيّن، فعلى ما قدمناه، وقد يكون من طباع فرسه إذا تأخر ورأى متقدماً عليه أن يحتدّ يبغي إدراك المتقدم، ثم يتمادى كذلك في حُمُوَّته.
ومن أسرار هذا الفصل أن من تأخر عن الموقف في المسابقة أو المناضلة، فالباقي على الموقف المشروط في حكم المتقدم عليه، وقد ذكرنا أن التقدم ممتنع، ولكن تتميز صورة الوفاق على المنع عن صورة الخلاف بأنَّ الممنوع منه وفاقاً فيه إذا لزم قوم الموقف المشروط، فتقدّم من تقدّم، وصورة الخلاف فيه إذا لزم قوم الموقف، وتأخر باختياره من تأخر، والفرق وإن كان مُخيلاً في الظاهر، فلا فرق في الحقيقة إلا أنَّا نحتمل المقدار اليسير الذي لا يظهر لمثله أثر في الحس الظاهر بناءً على ما جعلناه قاعدة الفصل من تفاوت المواقف لا محالة، وهذا لا يفرق فيه بين التقدم والتأخر.
فصل في المعاقدة على الأمور البعيدة 11705 - إذا وقع التناضل على ما لا يبعد مدركه، حكمنا بالصحة على وفق الشرع 2، وإن جرى شرط لا يُدرك، فالعقد باطل، وهو بمثابة اشتراط مائة رشق مع

الإصابة في جميعها، وهذا يجري من وجوه: قد يكون سبب التعذّر كثرة القرعات، وقد يكون سببه صغر القرطاس، وقد يكون سببه طُول المسافة، فإذا اجتمعت، تناهى التعذر.
وإن كان المشروط أمراً بعيداً، ولكن قد يتفق وقوعه على الندور، ففي جواز المناضلة على هذا الوجه وجهان: أحدهما - أنها تصح لإمكان تحصيل المشروط.
والثاني - أنها لا تصح لبعد الحصول، وإنما جوز الشرع بَذْلَ المال في هذه المعاملة تحريضاً على الرمي، فإذا كان المشروط أمراً بعيد المستدرك، تبرّمت النفوس [وانخنست] 1. ثم تعرض الشافعي لإجراء ذكر المسافة، وقال: " لو تناضلوا على المائتين "، فاختبط العراقيون في هذا على ما نَصِف ما ذكروه، ثم نذكر المسلكَ الحق الذي ذكره المراوزة، إن شاء الله تعالى.
قال العراقيون: إن زادت المسافة على ثلثمائة وخمسين ذراعاً لم يجز، وإن كانت المسافة مائتين وخمسين، فوجهان.
وهذه تحكّمات، لا أصل لها في توقيف، ولا قياس، ولا مصلحة تتعلق بالمعاملة، ولا شك في بطلانها، والمرعيُّ عند أئمتنا أن المسافة إذا كانت بحيث لا يقطعها السهم، فالمناضلة باطلة، وإن كانت بحيث يقطعها السهم، ولكن تندر الإصابة، ففي المسألة الخلاف الذي ذكرناه، وإن كانت الإصابة تقرب، فالقطع بالجواز، فأما تقدير المسافات، فلا أصل له.
11706 - ومما يتعلق بهذا المنتهى أن التناضل لو كان على بعد المسافة من غير إصابة، وهو الغَلْوة 2 واسمها بالفارسية (بَرْتاب) 3، ففي التناضل- والمقصود

الإبعاد- وجهان: أحدهما - الجواز؛ فإنه من الأغراض الظاهرة عند الرماة، ومن يطول أمدُ سهمه يتوصل إلى إيقاع السهم في القلاع، وإيصاله إلى مواقف الكفار وإن بعدت، وهذا ظاهر.
والثاني - المنع؛ فإن التعويل على الإصابة، وإذا كان لا يتجرد إليها قصدٌ، فلا تعويل على السهم بعُد أو قرُب.
ثم إن صححنا المعاملة على هذا الوجه، فالوجه الذي أراه أنه يجب أن يستوي القوسان في الشدة، فإن التفاوت في الشدة في القوس يجر تفاوتاً عظيماً في القُرب والبُعد يخفى معه الخُرق والدراية، ويجب أيضاً اعتبار خفّة السهم ورزانته، وينتهي الأمر عند المضايقة إلى اشتراط الرماة الرمي عن قوس واحدة بسهم واحد، فإنَّ القوسين قد يتساويان في الشدة، وإحداهما تفضل الأخرى في الحدة فضلاً لا ينكر، وبالجملة امتنع من امتنع من تصحيح هذه المعاملة لما يتطرق إليها من الجهالة، ولم يشترط أحد في المناضلة على إصابة الغرض التساوي في شدة القوس.
نعم، إذا أفرطت شدة القوس وجلس صاحبه على مسافة تليق بقوسه، فقد يقع صاحب القوس اللين في مثل هذه المسافة على حد البعد في الفوز، ويتصل إذ ذاك بالخلاف المذكور فيه.
ومما يجب التنبه له في طباع النُّضَّال 1 أنه يتفق فيه أمور [بعيدة] 2 عن التوقع، ولا يجري مثلها في التسابق؛ فإن البرذون البليد لا يسبق الفرس العربي النجيب، إلا عند فرض نكبة في الجواد، وقد يَفْضُل الأخرقُ في الرمي الماهرَ به، فهذا مما يجب أن يكون على الذُّكر والبال.
ومما أنشأه الأئمة من ذلك أنهما لو تناضلا على سهم واحد على أن يرمي كلّ واحد منهما فردة، فالأصح الصحة، وقال بعض أصحابنا: لا يصح ذلك، لما أشرنا إليه =يقال فيه بالعربية: غلا بالسهم غلوة إذا رمى به بقدر ما يقدر عليه " هكذا ضبطها وفسرها ابن الصلاح في مشكل الوسيط، وقال: إنها أشكلت على مَنْ لا يعرف الفارسية، ثم هي تعرّب بالفاء في أولها، فيقال: (الفرتاب) (الوسيط: 7/ 189).

من سجية النضال؛ فإن الأخرق قد يصيب في تلك المرة والحاذق لا يصيب، وإذا تعددت الأرشاق، زال هذا المعنى.
فصل 11707 - هذا الفصل يشتمل على مقدمةٍ لتحزب الرماة، وهي مقصودة في نفسها، بل هي بقية أسرار الكتاب، وقد أجملناها وأحَلْناها 1 وهذا أوان الوفاء بالشرح، فنقول: إذا تسابق رجلان أو تناضلا، وأخرج كل واحد منهما سبَقاً، والتفريع على أن المُسْبق يستحق سبَق صاحبه، وهذا هو الأصح، وعليه تجري مسائل [هذا] 2 الكتاب، وَلا بد من فرض المحلِّل، وإلا 3 كانت المعاملة على صورة القمار، فإذا فرضنا محللاً، وكنا نعلم أن فرسه في المسابقة يتخلف لا محالة، وإن كنا في النِّضال عرفنا أنه لا يُفلح، فهو ليس بمحلل، والمعاملة عريّة عن التحليل.
ونص الحديث والمعنى شاهدان على ذلك، كما تقدم.
ولو أخرج رجلٌ سبَقاً، وكان يسابق أو يناضل رجلاً على أن صاحبه إن فاز، فله السبَق، وإلا أحرز المخرج ما أخرج، ولا شيء على صاحبه، فإن كان ذلك المشروط له بحيث لا يُفلح، فهذه المعاملة لا أصل لها، وهي مسابقة أو مناضلة محضة من غير مال، وإن كان المشروط له بحيث يفوز لا محالة، ففي صحة المعاملة والحالة هذه وجهان: أحدهما - الصحة؛ فإن من أخرج مالاً، وقال لصاحبه: ارمِ كذا، فإن أصبت كذا، فلك هذا المال، فذلك جائز.
وإذا جاز هذا، فأقصى الأمر أن يسبق المشروط له، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنه إذا كان يناضله أو يُسابقه، فهذه الصورة تقتضي أن يكونا (4) على حد المخاطرة، حتى يُحرِز المخرِجُ إن فاز، ويستحق عليه صاحبه إن كان الفوز منه.4

ولو تسابق رجلان، فأخرجا سبَقين، وبينهما محلِّل، وكان المحلل بحيث يسبق، فالخلاف الذي ذكرناه الآن جارٍ، ولا فرقَ، ولو أخرج رجلان سبَقين، وكان أحدهما بحيث يسبق لا محالة ولا محلل بينهما، فالذي يسبق لا محالة على صورة محلل يسبق لا محالة؛ فإن الذي أخرجه لا حكم لإخراجه؛ فإنه لا يستحق عليه، وتسميتُه لاغية، ولو أخرجا سبَقين، وبينهما محلل، وكان المحلل يساوي أحد المُسْبِقَيْن، أو يدنوَ منه، والمُسْبِق الآخر يتفَسْكل لا محالة، فالمسبق السابق والمحلل في حقه محللان، والخلاف المقدم جارٍ.
فانتظم من مجموع ما ذكرناه أن الّذي يقف محللاً إن كان بحيث لا يتخلف لا محالة، فلا معنى للمعاملة، وإن كان بحيث يسبق، فالظاهر تصحيح المعاملة، وفيه خلاف.
فهذا ما أردنا أن نقدمه على فصل التحزب.
فصل في تحزب الرماة 11708 - ومعظم التناضل يقع كذلك، ونحن نصوّره، ثم نندفع في حكمه، فإذا تحرب الرماة حزبين أو أكثر على أن ما يصدر من القرعات من أحد الحزبين يكون بمثابة صدورها من رامٍ واحد، وإذا فازوا 1، فالسبَق بينهم، فهذا صحيح، ولكن لا بد من استواء الحزبين في الأرشاق والقرعات المشروطة، ولا اعتبار بعدد الرماة، فلو كان أحد الحزبين ثلاثة، والحزب الثاني أربعة، والأرشاق مائة على كل حزب، فلا بأس، فلو رامى رجل رجلين، جاز على هذا التنزيل، فيرمي كل واحد من الرجلين سهماً، ويرمي المناضل لهما سهمين، وكذلك لو رامى رجل رجالاً على شرط أن يكون على حد الإطاقة، فإن كان لا يفي، ولو رمى، لتخلف لا محالة، فهذا يقع في النظائر المقدمة في ذلك.

ومما ذكر الأئمة في اعتبار التعديل أنهم إذا كانوا يقتسمون الأعوان، فلا ينبغي أن يحكّموا القرعة؛ فإن القرعة تَعْدِل وتَجُور؛ فقد يجتمع الحذاق في جانب، والخُرْق 1 في جانب، بل الوجه أن يقتسموا على اعتدالٍ، فيُضَمَّ حاذق إلى أخرق، وكذا في الجانب الثاني، حتى إن أرادوا بعد ذلك القرعة، فلا بأس؛ فإن القرعة تستعمل في القَسْم بعد تعديل الحصص والأقساط، وما ذكرناه أمر كلي بَعْدُ، والبيان بين أيدينا.
[فلو] 2 تعاقدوا عقد النضال على التحزب قبل تعيين الأعوان، فالعقد باطل، لا أصل له؛ فإنه لم يرد على مَوْرِد معيّن، ولا وجه لالتزام الرماة في الذمة؛ فإنَّ الرماة هم المقصودون، فيجب أن يتعينوا، وهذا يؤكد ما ذكرناه من الرد على العراقيين في تجويزهم عقدَ المسابقة على الإطلاق، من غير إحضار الفرس.
ومما يجب الاعتناء بدركه، وبَعْدَه المسائل أن رجلين لو أخذا في النضال، وعقدا العقد، ونحن لا ندري أنهما متدانيان في الصنعة أم متفاوتان، فهذا يُبنى على أن أحدهما لو كان بحيث يفوز لا محالة، فهل تصح المعاملة؟ وليقع التفريع على الأصح، وهو الصحة، ثم نقول: التعاقد مع الجهالة بمبلغ الدراية في الرماية لم يمنعه أحد، وهكذا يكون النضال في الغالب، فلم يشترط أحد جريانه بين المعارف، ومسألة الغريب الطارق سنصفها في آخر الفصل، إن شاء الله تعالى، وهي شاهدة لما ذكرناه، ثم إذا تعاقدا وبانا متدانيين، فلا كلام، وإن بانا متفاضلين، لم يخف تفصيله.
ونقول بعد ذلك: لو اجتمع أخرقون في حزب، وحذاق في حزب، فهذا كما لو رامى ناضلٌ أخرقَ، وقد مضى التفصيل فيه، ولأمثالِ هذا قدّمنا المقدمة.
11709 - ونحن الآن ننعطف على ما ذكرناه من فصل القرعة، فنقول: إن اقترعوا ثم أنشؤوا رضاً بما اقتضته القرعة، فلا بأس، ولا منع؛ فإنهم لو تحكموا

بذلك، جاز.
وإن قالوا: رضينا بما اقتضته القرعة، ثم فرض رجوعٌ عن هذا الرضا، جاز.
وإن استمروا على الرضا، ولم يُنشئوا رِضاً بعد انفصال الأمر بالقرعة، فالظاهر أن ذلك الرضا غير صحيح، فإنه في حكم المعلق بما سيكون، وتعليق الرضا باطل، ولا يمتنع أن يُحتمل في معاملة مبناها على الخطر، والأوجه المنعُ، وذلك الاحتمال بعيد؛ فإنّ الخطر في مقصود العقد إن احتمل، فلا ضرورة في غيره.
ووراء ما ذكرناه تأنق في التصوير يُسقط هذا؛ فإن ذلك إن فرض بعد العقد، فالعقد باطل لما قدمناه من اشتراط نزول العقد على معينين، وإن فرض قبل العقد، فالعقد يقع على معينين، فلتكن القرعة إذا كان التراضي يقع بعدها، ومن ضرورة إنشاء العقد الرضا بالذين تقع الإشارة إليهم.
11710 - ومن أغمض ما يجب الاعتناء به في التحزب تصوير المحلِّل، فلو تحزب الرماة حزبين، وأخرج كل واحد سبَقاً، وكان مع الحزبين حزب محللون، فهذا جائز، والأحزاب كالأشخاص، وإن سبق أحد الحزبين، ولم يسبق الحزب الثاني، فجائز، وهو كما لو ترامى رجلان وأحدهما مُسْبِق دون الثاني.
ولو تحزب حزبان، وقال أحد الحزبين لواحد منهم: أنت ترمي وتستحق إن فُزنا 1، وإن فاز أصحابنا، فلا سبَق عليك من بيننا، ونحن نغرم السبَق دونك، فهذا الشخص من هذا الحزب على صورة المحلل، والحزب الثاني أخرجوا أسباقهم، فهل يقع الاكتفاء بما صورناه؟ في المسألة وجهان: أحدهما - أنَّ ذلك كافٍ لوجود المحلل، والأصح - أن ذلك لا يكفي؛ فإنَّ المحلل هو الّذي إذا فاز، استبد بالأسباق، وليس الأمر كذلك في الصورة التي ذكرناها، فإن حكمها 2 أن هؤلاء الذين فيهم المحلل لو فازوا، فأسباق الآخرين موزّعة عليهم، فليس يستبدّ المحلل؛ إذاً فليس محللاً.
ولو شرط الحزب الثاني لواحد منهم ما شرطه هؤلاء، فانطوى كل حزب على

محلل، على الصورة التي ذكرناها، ففي هذه الصورة وجهان مرتّبان على الأولى، وهذه الصورة أقرب إلى الصحة، لاشتمال كل حزب على محلِّل، والوجه المنعُ؛ فإنَّ المحلل من يفوز بالأسباق، ولو شرط كل حزب [كلَّ] 1 الفوز لمحللهم، فهذا ممتنع على كل وجهٍ؛ لأنه يكون فائزاً برميٍ من غيره، ولا سبيل إلى احتمال هذا.
وقد نجز الغرض في تصوير المحلل في الأحزاب، وذكر محل الوفاق والخلاف.
11711 - ومما يليق بحكم التحزب أن أحد الحزبين إذا فازوا، فسبَقُ الآخرين مقسوم عليهم بالسوية، وإن لم يصب بعضهم شيئاً؛ فإنهم كالشخص الواحد، وعلى هذا الوجه يتفق الترامي، ولو شرط رجال كل حزبٍ أنهم إن فازوا، فالسبَق مقسوم بينهم على أعداد إصاباتهم، حتى يأخذ كل واحد من السبَق بنسبة ما أصاب، لم يجز؛ لأنه لو جُوّز يُفضي إلى أن يُتمم بعضُهم الأرشاق ولا يستحقَّ شيئاً؛ إذ لم يصب، ويكون المصيبون مستحقين بأرشاقٍ ناقصة عن أرشاق الحزب الثاني، فإذا تُصور هذا، فالمسألة محتملة مع هذا، بناءً على الغرر الذي هو عماد المعاملة، وليس يُنكِر هذا الاحتمالَ فقيه، مع أنه لا خلاف أن مطلق المعاملة مع التحزب لا يقتضي ذلك، بل يقتضي تنزيلَ كل حزب محل شخص.
وإذا اتفق إحراز السبَق، فهو في العقد المطلق مقسوم على رجال الحزب الفائزين بالسويّة.
ولو تحزّبوا وتعاقدوا، فمرَّ رجلان، فاختار أحدَ الحزبين أحدُهما، واختار الحزبَ الثاني الثاني، ثم خرج أحدهما أخرقَ، والثاني حاذقاً، فلا خيار، وقد جرى التعاقد على الإبهام، فلا تتبُّعَ، ولا نقضَ، وهذا فيه إذا كانا في التحزب، فجرى ما جرى، ثم أنشىء العقدُ بعده؛ فإن هذا لو خطر بعده، لم يحتمل بحكم العقد، وخرج على الإلحاق بالعقد، وقد مضى.
ولو جرى ما وصفناه على الحد الذي ذكرناه، ثم تبيّن أنَّ أحدهما ليس برامٍ أصلاً، فقد قال الأصحاب: نتبين أنَّ ذلك الأخرق ساقط، فإذا سقط، سقط مقابله، وهذا فيه مستدرك عندي؛ فإن كان الأخرق بحيث لا يتمكن من أخذ قوس ونزع وتر، فالأمر

على ما ذكرناه من السقوط، وإن كان يتمكن من نزع الوتر وإرسال السهم، ولكن كان ما اعتاد الرمي قط، ولا يُعد مثله رامياً، فهذا فيه احتمال، وقد يتطرق احتمال إلى أن مثل هذا هل يُرامَى مع العلم بحاله، فيجوز أن يقال: يُرامَى لتصوّر الرمي منه، ويجوز أن يقال: لا يرامَى؛ فإن إقدام مثله على الرمي خطر لا فائدة له فيه، وقد يجر عليه ضرراً بيّناً، فلا ينبغي أن يسوغ مثله.
وقد نجز الغرض.
فصل 11712 - إذا كان يتناضل رجلان، ففضل أحدهما صاحبه بقرعات، فقال المفضول: حُطّ فضلك، ولك عليَّ كذا، فهذا لا يسوغ، سواء جوزنا إلحاق الزيادة أو منعناه؛ فإن مقابلة الفضل بالمال لا مجيز له، سواء قدرت المعاملة جائزة أو لازمة وهذا بيّن.
[فصل] 1 11713 - إذا تعاقدا على احتساب القريب وشُرط أن يُخرج الأقربُ ما هو أبعد منه، فهذا جائز، وكذلك لو شَرطا أن تُبطل الإصابةُ القريبَ، جاز ذلك.
وإذا كان في وسط القرطاس الذي هو المطلوب علامة، فوقع التشارط على أن إصابتها تُخرج إصابة ما حواليها من القرطاس، قال العراقيون: في جواز ذلك قولان: أحدهما - لا يجوز؛ فإن من أصاب القرطاس، فقد أبلغ في الحذق، والرميُ خَوّانٌ، فقد يصيب تلك العلامةَ أخرقُ على وفاقٍ، فيحبَطُ عملُ الحذاق، وهذا يضبطه أن تكون تلك العلامة بحيث يندر قصدها، وإذا اتفقت إصابتها حملت على الاتفاق 2، فينشأ منها الخلاف الذي ذكرناه.

ثم ذكر الشافعي الصلاة في المضَرَّبة والأصابع 1 ومقصود هذا الفصل يتعلق بالصلاة والطهارة.
والله المستعان.
...

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل